لَقَدْ رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنَ نُفَيْلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا مِنْكُمُ الْيَوْمَ [أَحَدٌ] عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي. وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ: مَهْلا لا تَقْتُلْهَا، أَنَا أَكْفِيكَ مَئُونَتَهَا. فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لأَبِيهَا: إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ، وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا.
ومن شعر زيد بْن عمرو بْن نفيل حيث يقول [١] :
وأنت الذي من فضل من ورحمة ... بعثت إِلَى موسى رسولا مناديا
فقلت له: فاذهب وهارون فادعوا ... إِلَى اللَّه فرعون الذي كان طاغيا
وقولا له: أأنت أمسكت هَذِهِ ... بلا عمد أكرم بمن كان بانيا
وقولا له أأنت سويت هَذِهِ ... بلا وتد حَتَّى استقرت كما هيا
وقولا له من ينبت الحب فِي الثرى ... فتصبح منه البقل تهتز رابيا
[٢] ومن شعره: [٣]
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرا ثقالا
دحاها فلما رآها استوت ... عَلَى الماء أرسى عليها الجبالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الريح تصرف حالا فحالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا [٤]
إذا هي سيقت إِلَى بلدة ... أناخت فصبت عليها سجالا
ومن الحوادث فِي سنة ثمان وثلاثين من مولده ﷺ
قال مؤلف الكتاب [٥] : فِي هَذِهِ السنة رأى الضوء والنور، وكان يسمع الصوت ولا يدري ما هو.
أَخْبَرَنَا الْحُصَيْنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حدثني أبي قال: أخبرنا أبو كامل قال: حدثنا
стр. 737
حَمَّادٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [١] قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، سَبْعَ سِنِينَ يَرَى الضَّوْءَ وَالنُّورَ، وَيَسْمَعُ الصَّوْتَ، وَثَمَانِ سِنينَ يُوحَى إِلَيْهِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرًا.
وَلَمْ يَقَعْ سنة تسع [وثلاثين] ما يكتب
. ذكر الحوادث فِي سنة أربعين من مولده ﷺ [٢]
فيها: قتل كسرى أبرويز النعمان بْن المنذر:
فإنه غضب عَلَيْهِ فقتله قبل المبعث بتسعة أشهر.
وكان السبب: أنه كان عند ملوك الأعاجم صفة من النساء مكتوبة عندهم، وكانوا يبعثون بتلك الصفة إِلَى الأرضين، غير أنهم لم يكونوا يتناولون أرض العرب بشَيْء من ذلك، فبدا للملك أن يطلب النساء، فكتب بتلك الصفة إِلَى الأرضين [٣] فَقَالَ زيد بْن عدي لأبرويز [٤] : عند عَبْدك النعمان بْن المنذر بنات عمه وأهل بيته أكثر من عشرين امرأة عَلَى هَذِهِ الصفة. قَالَ: فتكتب فيهن.
قَالَ: لا تفعل أيها الملك، فإن شر شَيْء فِي العرب أنهم يتكرمون فِي أنفسهم عَنِ العجم، فأنا أكره أن يغيبهن.
فبعث به إليه، فَقَالَ: إن الملك قد احتاج إِلَى نساء لأهله وولده، وأراد كرامتك. فَقَالَ: أما فِي عين السواد وفارس ما تبلغون به حاجتكم؟ ويعني بالعين: البقر [٥] ، ثم كتب إِلَى كسرى: إن الّذي طلب الملك ليس عندي، فسكت
стр. 738
كسرى عَلَى ذلك [١] شهرا، والنعمان يتوقع ويستعد، حَتَّى أتاه كتاب كسرى أن أقبل فللملك إليك حاجة، فحمل سلاحه وما قدر عَلَيْهِ [٢] ، فلحق بجبل طيِّئ فأبت طيِّئ أن تمنعه، وَقَالُوا: لا حاجة لنا بمعاداة كسرى ولم يقبله غير بني رواحة بْن عبس، فنزل بطن ذي قار، ثم رأى أنه لا طاقة لَهُ بكسرى فرحل إليه، فلما بلغ كسرى مجيئه قَالَ: اجعلوا عَلَى طريقة ألف [٣] جارية عذراء فِي قمص رقاق وغيبوا عنهن الناس إلا الخصيان، فأقبل ينظر إليهن حَتَّى وقف بين يدي كسرى وبينهما ستر [رقيق] [٤] فَقَالَ: إن الذي بلغك عني [٥] باطل: فَقَالَ كسرى، حسبي ما سمع به [٦] الناس.
ثم أمر به فقيد وبعث إِلَى خانقين، فلم يزل فِي السجن حَتَّى وقع طاعون فمات به [٧] .
وقيل: بل رماه بين يدي الفيلة فداسته [حَتَّى هلك] [٨] .
فَقَالَ الشاعر فيه:
لهفي عَلَى النعمان من هالك ... لم نستطع تعداد ما فيه
لم تبكه هند ولا أختها ... حرقة واستعجم ناعيه
بين فيول الهند يخبطنه ... مختبطا تدني نواحيه
[٩] وَرَوَى عَبْد اللَّه بْن عَبْد الحميد الدمشقي قَالَ [١٠] : كان للنعمان بْن المنذر يومان [١١] : يوم بؤس ويوم كرم، وكان لا يأخذ أحدا يوم بؤسه إلا قتله، فأتي برجل يوم
стр. 739
بؤسه، فَقَالَ له، أما علمت أن هَذَا يوم بؤسي!؟ قَالَ: بلى. قَالَ [١] : فما حملك عَلَى ذلك وأنت تعلم أني أقتلك؟ قَالَ: أيها الملك إن لي ابنة عم ميعادي وإياها اليوم، فعرضت عَلَى نفسي أن [٢] أتخلف مع الحياة، أو أخرج فأنال حاجتي وأقتل فاختارت الخروج مع القتل. قال النعمان: فاذهبوا به فاضربوا عنقه. فَقَالَ الرجل: أيها الملك دعني أذهب فأنال حاجتي وشأنك والقتل. قَالَ: ومن يضمن لي أن ترجع إلي [٣] .
فالتفت إِلَى كاتب النعمان فَقَالَ: هَذَا يضمنني. قَالَ: أتضمنه قَالَ: نعم.
قَالَ: إن [لم] [٤] يجيء قتلتك. قَالَ: نعم.
فضرب له النعمان أجلا وخلى سبيله، ثم إن الرجل أتى بعد ذلك فَقَالَ له النعمان: ما حملك عَلَى المجيء وأنت تعلم أني أقتلك؟ قَالَ، خفت [٥] أن يقال ذهب الوفاء. فالتفت إِلَى كاتبه وَقَالَ له: ما حملك عَلَى أن تضمن من لا تعرف وأنت تعلم أنه إن لم يعد قتلتك [٦] . قَالَ: أيها الملك، خفت [٧] أن يقال ذهب الكرم. قَالَ النعمان:
وأنا أيضا أخاف [٨] أن يقال: ذهب العفو، خلوا سبيله.
أَخْبَرَنَا سَعِيد بْن أحمد بْن الحسن البناء قَالَ: أَخْبَرَنَا عَاصِم بْنُ الْحَسَنَ قَالَ:
أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: حدثنا الحسين بْن صفوان قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر القرشي [٩] قَالَ: حدثني عَبْد الرَّحْمَن بْن عبيد الله بْن قريب الأصمعي قَالَ: أَخْبَرَنَا عمي قَالَ: أَخْبَرَنَا عامر بْن عَبْد الملك قَالَ:
خرج زياد حَتَّى أتى حرقة ابنة النعمان بْن المنذر، وقد لبست المسوح، فَقَالَ:
حدثيني عَنْ أهلك، فقالت: أصبحنا وما فِي العرب أحد إلا يرجونا أو يخافنا، وأمسينا وما في العرب أحدّ إلا يرحمنا.
стр. 740
قَالَ القرشي: وحدثني أحمد بْن الوليد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ زيد قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بْن حرملة، عَنْ مالك بْن مغول، عَنِ الشعبي، عَنْ إِسْحَاق بْن طلحة قَالَ:
دخلت عَلَى حرقة بنت النعمان، وقد ترهبت فِي دير لها بالحيرة، وهي فِي ثلاثين جارية لم ير مثل حسنهن. فقلت: يا حرقة، كيف رأيت عثرات الملك؟ قالت: الذي نحن فيه اليوم خير مما كُنَّا فيه أمس.، وأنشدت تقول:
وبتنا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة تتنصف.
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب أحيانا بنا وتصرف.
وذلك أنه لما هلك النعمان بْن المنذر قيل لكسرى: إن ماله وبيته عند هانئ بْن مسعود البكري، فكتب [١] إليه كسرى ليبعث ذلك إليه فأرسل إليه: ليس عندي مال [٢] .
فأعاد الرسول: قد بلغني أنه عندك. فَقَالَ: إن كان الذي بلغك [٣] كاذبا فلا تأخذ بالكذب، وإن كان صادقا فذلك عندي أمانة، والحر لا يسلم أمانته.
فعبر كسرى الفرات ودعا إياس بْن قبيصة الطائي، وكان قد أطعمه ثمانين قرية عَلَى شط الفرات، فشاوره فَقَالَ: ما ترى؟ فَقَالَ: إن تطعني فلا يعلم أحد لأي شَيْء عبرت، وقطعت الفرات، فيرون أن شيئا من أمر العرب قد كرثك ولكن ترجع فتعرض عنهم وتبعث عليهم العيون حَتَّى ترى منهم غفلة، ثم ترسل قبيلة من العجم فيها بعض القبائل التي تلتهم من أعدائهم فيوقعون بهم.
فَقَالَ له كسرى [٤] : قد بلغني أنهم أخوالك [وأنت] [٥] لا تألوهم نصحا.
فَقَالَ إياس: رأي الملك أفضل. فبعث الهرمزان فِي ألفين من خيول الأعاجم، وبعث ألفا من إياد، وألفا من بهزى عليهم خَالِد البهزاني، فلما بلغ بكر بْن وائل خبر القوم أرسلوا إِلَى قيس بْن مسعود بْن هانئ بْن مسعود [٦] ، فقدم ليلا، فأتى مكانا خفيا
стр. 741
من بطن ذي قار فنزله، وأرسل إِلَى هانئ فَقَالَ: إنه قد حضر من الأمر ما ترى. فَقَالَ له:
أرسل إلي الحلقة وهي عشرة آلاف سكة، وانثرها فِي بني شيبان. فَقَالَ له هانئ إنها أمانة! فَقَالَ قيس: إنكم إن هلكتم فسيأخذون الحلقة وغيرها، وإن ظهرتم فما أقدرك عَلَى أن تأخذها من قومك فأخرجها فنثرها، وأمرهم فنزلوا من بطن ذي قار بين الجهتين فقدمت الأعاجم عليهم، وهم مستعدون، فاقتتلوا ساعة فانهزمت الأعاجم.
وقيل: إن حديث ذي قار كان [١] فِي سنة سبع من الهجرة، والله أعلم [٢] .
ومن الحوادث فِي هَذِهِ السنة: [٣] .
مَا أَخْبَرَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ قال: أخبرنا ابن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قَالَ، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قَالَ: حدثنا محمد بن سعد قَالَ: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا، عِنْدَ صَنَمٍ بِبَوَانَةَ قَبْلَ أَنْ يبعث رسول الله ﵌ بشهر نحرنا جَزُورًا فَإِذَا بِصَائِحٍ يَصِيحُ مِنْ جَوْفِ وَاحِدَةٍ: اسْمَعُوا إِلَى الْعَجَبِ، ذَهَبَ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ وَنُرْمَى بِالشُّهُبِ لِنَبِيٍّ بِمَكَّةَ اسْمُهُ أَحْمَدُ، مُهَاجِرُهُ إِلَى يَثْرِبَ، قَالَ: فَأَمْسَكْنَا وَعَجِبْنَا، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [٤]
. باب: ذكر أمارات النبوة [٥]
قَالَ مؤلف الكتاب: ما زالت الأنبياء قبل ظهور نبيّنا ﷺ وعلماء الكتب تعد به، حتى كانوا يقولون: قد قرب زمانه، وَفِي هَذَا الزمان [٦] يظهر.
قَالَ، أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ غَانِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إِسْحَاق، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ [١] قَالَ:
إِنَّ مِمَّا دَعَانَا إِلَى الإِسْلامِ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ إِيَّانَا وَهُدَاهُ لَمَا كُنَّا نَسْمَعُ مِنْ يَهُودٍ، كُنَّا أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ عِنْدَهُمْ [٢] عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَنَا، وَكَانَتْ لا تَزَالُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ شُرُورٌ، فَإِذَا نِلْنَا مِنْهُمْ بَعْضَ مَا يَكْرَهُونَ قَالُوا لَنَا: إِنَّهُ قَدْ تَقَارَبَ زَمَانُ نَبِيٍّ يبعث [٣] الآن نتبعه، فَنَقْتُلَكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ، وَكُنَّا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ أَجَبْنَاهُ حِينَ دَعَانَا إِلَى اللَّهِ، وَعَرَفْنَا مَا كَانُوا يَتَوَاعَدُونَا، فَبَادَرْنَاهُمْ إِلَيْهِ، وَآَمَنَّا بِهِ، وَكَفُروا، فَفِينَا وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَاتُ، وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ٢: ٨٩ إلى قوله، فَلَعْنَةُ الله عَلَى الْكافِرِينَ ٢: ٨٩ [٤] .
وعن عاصم عَنْ شيخ من بني قريظة قَالَ: قَالَ لي: هل تدرون عما كان إسلام ثعلبة بْن سَعِيد وأسيد بْن سَعِيد، وأسد بْن عبيد، نفر من بني ذهل أخوة بني قريظة، كانوا معهم فِي جاهليتهم ثُمَّ كانوا ساداتهم فِي الإسلام. قَالَ، قلت: لا أدري. قَالَ:
فإن رجلا من يهود من أهل الشام يقال له: ابن الهيبان، قدم علينا قبل الإسلام بسنين، فحل بين أظهرنا، لا والله ما رأينا رجلا قط كان يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا لَهُ: أخرج يا بن الهيبان فاستسق لنا. فيقول: لا والله حَتَّى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة [فنقول له: كم؟ فيقول:] [٥] صاعا من تمر أو مدين من شعير. قَالَ: فيخرج ذلك [٦] ، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقي لنا، فو الله ما يبرح مجلسه حَتَّى يمر السحاب ويسقى، قد فعل ذلك غير مرة، ولا مرتين، ولا ثلاثا. قَالَ:
ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قَالَ، يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إِلَى أرض الجوع والبؤس؟ قَالَ: قلنا: أنت أعلم. قَالَ: فإني إنما
стр. 744
قدمت هَذِهِ البلدة أتوكف خروج نبي قد أظلكم [زمانه، هَذِهِ البلدة مهاجره، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه وقد أظلكم] [١] زمانه فلا يسبقنكم أحد إليه [٢] يا معشر اليهود، فإنه يبعث يسفك الدماء، ويسبي الذراري والنساء، ممن خالفه فلا يمنعنكم ذلك منه. فلما بعث اللَّه رسوله وحاصر بني قريظة قَالَ هَؤُلاءِ الفتية وكانوا شبابا أحداثا: يا بني قريظة، والله إنه النَّبِيّ الذي عهد إليكم فيه ابن الهيبان. قالوا: ليس به. قالوا: بلى والله إنه لهو بصفته.
فنزلوا فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهاليهم.
ومن الأمارات رجفة عظيمة أصابت الشام
قَالَ مؤلف الكتاب [٣] : كان الرهبان يعدونها لعلامة ظهوره، وكانوا يقولون إنه شاب قد [٤] دخل فِي الكهولة يجتنب المحارم والمظالم، ويصل الرحم، ويأمر بصلتها، وهو متوسط فِي العشيرة [صلى الله عليه] [٥] .
أخبرنا محمد بن ناصر [الحافظ] قال: أخبرنا عَبْد الْمُحْسِنِ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَحَامِلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد بن سالم المخزومي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيد عَبْدُ اللَّهِ بْنِ شَبِيبٍ الْمَدَنِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاق الْعَدَوِيُّ قَالَ: حدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْحِزَامِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [٦] .
حَضَرْتُ سُوقَ بُصْرَى، فَإِذَا بِرَاهِبٍ فِي صَوْمَعَتِهِ يَقُولُ: اسْأَلُوا أَهْلَ الْمَوْسِمِ، هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ؟ قَالَ طَلْحَةُ: فَقُلْتُ نَعَمْ أنا. قَالَ لي: هل ظهر
وُجُوهِهِمْ. قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَالْتَزَمَهُ وَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ هَذَا مِنْكَ [١] . أَخْبَرَنَا ابْنُ الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ:
أَخْبَرَنَا عبد الله بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:
أَنَّ قُرَيْشًا أَتَوْا كَاهِنَةً، فَقَالُوا: أَخْبِرِينَا بِأَقْرَبِنَا شَبَهًا بِصَاحِبِ هَذَا الْمَقَامِ. فَقَالَتْ:
إِنْ أَنْتُمْ جَرَرْتُمْ كِسَاءً عَلَى هَذِهِ السَّهْلَةِ، ثُمَّ مَشَيْتُمْ عَلَيْهَا نَبَّأْتُكُمْ. فَجَرُّوا، ثُمَّ مَشَى النَّاسُ عَلَيْهَا، فَأَبْصَرَتْ أَثَرَ محمد ﷺ فَقَالَتْ: هَذَا أَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِهِ، فَمَكَثُوا بَعْدَ ذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ سنة أو ما شاء الله، ثم بعث ﷺ [٢] .
стр. 752
باب ذكر الحوادث الكائنة فِي زمان نبينا
ذكر ما جرى في السنة الأولى من زمان النبوة:
قَالَ مؤلف الكتاب [١] : لما تمت له ﷺ أربعون سنة، ودخل فِي سنة إحدى وأربعين يوم واحد أوحى الله إليه وذلك فِي سنة عشرين [٢] من ملك [كسرى] [٣] أبرويز، وكان قد حبب إليه الخلوة، وكان ينفرد فِي جبل حراء يتعَبْد [٤] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّازُ قَالَ: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قَالَ: حدثنا محمد بْنُ سَعْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، وَأَخْبَرَنَا مَعْنُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ جَمِيعًا، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ [٥] :
بُعِثَ رسول الله ﷺ علي رَأْسِ أَرْبَعِينَ [٦] سَنَةً [٧] .
أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ الْحَسَنِ قال: أخبرنا محمد بن أحمد البراء [٨] قال:
стр. 753
بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رسول اللَّه [١] ﷺ وله يومئذ أربعون سنة ويوم، فأتاه جبريل ﵇ ليلة السبت وليلة الأحد، ثم ظهر له بالرسالة يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان بحراء، وهو أول موضع نزل فيه القرآن به نزل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ٩٦: ١- ٥ [٢] فقط.
ثم فحص بعقبه الأرض، فنبع منها ماء فعلمه الوضوء والصلاة. ركعتين.
وَرَوَى أَبُو قتادة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أنه سئل عَنْ صوم يوم الاثنين، فَقَالَ: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه» [٣] . قَالَ مؤلف الكتاب [٤] : واختلفوا أي الاثنين كان عَلَى أربعة أقوال [٥] :
أحدها: لسبع عشرة [خلت] [٦] من رمضان، وقد ذكرناه عَنِ ابْنِ البراء.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن أبي طاهر قال: أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قَالَ:
أَخْبَرَنَا الحارث قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن سعد قَالَ: أَخْبَرَنَا الواقدي قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن أبي سبرة، عن إسحاق بن عَبْد الله بن أبي فروة [٧] ، عَنْ أبي جعفر [٨] قَالَ:
نزل [٩] الملك على رسول الله ﷺ بحراء يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان [١٠] .
قُرَيْشٍ» فَقِيلَ لَهُ: ادْعُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَدَعَاهَا فَأَقْبَلَتْ تَجُرُّ عُرُوقَهَا [١] تُقَطِّعُهَا، ثُمَّ أَقْبَلَتْ تَجُزُّ الأَرْضَ [حَتَّى] [٢] وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَتْ: مَا تَشَاءُ؟ مَا تُرِيدُ؟
قَالَ: «ارْجِعِي إِلَى مَكَانَكِ» فَرَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا أُبَالِي مَنْ كَذَّبَنِي مِنْ قُرَيْشٍ»
. فصل
قَالَ مؤلف الكتاب [٣] : وقد اختلف الناس [٤] فيمن كان قرين رسول الله ﷺ من الملائكة مدة نبوته.
فأَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو محمد الجوهري قال: أخبرنا أبو عمر بْن حيويه قَالَ: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال: أخبرنا محمد بن سعد قَالَ: أَخْبَرَنَا يعلى بْن أسيد قَالَ: حَدَّثَنَا وهيب بْن خالد، عَنْ داود بْن أبي هند، عن عامر [٥] :
أن رسول اللَّه ﷺ أنزلت عَلَيْهِ النبوة وهو ابن أربعين سنة فكان معه إسرافيل ثلاث سنين [٦] . ثم عزل عَنْ إسرافيل وقرن به جبريل ﵇ عشر سنين بمكة، وعشر سنين مهاجره [٧] بالمدينة.
قَالَ ابن سعد: فذكرت هَذَا الحديث لمُحَمَّد بْن عمر فَقَالَ: ليس يعرف أهل العلم ببلدنا أن إسرافيل قرن بالنبيّ ﷺ فإن علماءهم وأهل الستر [منهم] [٨] يقولون: لم
стр. 759
يقرن به غير جبريل من حين أنزل [١] عليه بالوحي إلى أن قبض ﷺ [٢]
. فصل
فأما صفة نزول الوحي عليه ﷺ [٣] فَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُظَفَّرُ قَالَ: أخبرنا ابن أعين قال: أخبرنا الفريري قَالَ: أَخْبَرَنَا الْبُخَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ [٤] : أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ» . قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا [٥] .
قَالَ مُؤَلِّفُهُ [٦] : أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وفيهما: من حديث يعلى بْن أمية: أنه كان يقول لعمر ﵁: «ليتني أرى رَسُول اللَّه ﷺ حين ينزل عَلَيْهِ الوحي، فلما كان النبي ﷺ بالجعرانة جاءه رجل فسأله عَنْ شَيْء فجاءه الوحي، فأشار عمر إِلَى يعلى أن تعال، فجاء يعلى فأدخل رأسه، فإذا هو محمر الوجه يغط كذلك ساعة، ثم سري عنه [٧] .
[وَقَدْ] أَخْبَرَنَا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب قال: أخبرنا أحمد بن جعفر
فصل [١] وكان من الحوادث عند مبعث رسول اللَّه ﷺ : تغير أحوال كسرى المسمى: أبرويز [٢] :
وكانت دجلة تجري قديما فِي أرض كوجى فِي مسالك محفوظة إِلَى أن تصب فِي بحر فارس، ثم غورت وجرت صوب واسط فأنفق الأكاسرة عَلَى سدها وإعادتها إِلَى مجراها القديم، فغرم عَلَى ذلك أموالا كثيرة، ولم يثبت السد.
فلما ولي قباذ بْن فيروز انبثق فِي أسافل كسكر بثق عظيم، وغلب الماء فأغرق عمارات كثيرة، فلما ولي أنوشروان بنى مسنيات [٣] ، فعاد بعض تلك العمارة، وبقيت عَلَى ذلك إِلَى ملك أبرويز بْن هرمز بن أنوشروان، وكان من أشد القوم بطشا، وتهيأ له ما لم يتهيأ لغيره، فسكر دجلة العوراء، وأنفق عليها ما لا يحصى، وبنى طاق مجلسه، وكان يعلق فيه تاجه ويجلس والتاج فوق رأسه معلق من غير أن يكون له عَلَى رأسه ثقل [٤] .
قَالَ وهب بْن منبه: وكان عنده ثلاثمائة وستون رجلا من الحزاة- وهم العلماء- من بين كاهن وساحر ومنجم، وكان فيهم رجل من العرب يقال له: السائب يعتاف اعتياف العرب قلما يخطئ، بعث به إليه باذان من اليمن فكان كسرى إذا حزبه أمر جمع كهانه وسحرته ومنجميه فَقَالَ: انظروا فِي هَذَا الأمر ما هو. فلما أن بعث اللَّه تعالى نبيه محمدا ﷺ أصبح كسرى ذات غداة قد انفصمت طاق من وسطها وانخرقت عَلَى دجلة العوراء «شاه بشكست» يقول: الملك انكسر. ثم دعا كهانه وسحرته ومنجميه ودعا السائب معهم، فأخبرهم بذلك، وَقَالَ: انظروا فِي هَذَا الأمر فنظروا، فأظلمت عليهم الأرض فتسكعوا فِي عملهم، فلم يمض لساحر سحره، ولا لكاهن كهانته، ولا لمنجم علم نجومه.
стр. 766
وبات السائب فِي ليلة ظلماء عَلَى ربوة من الأرض يرمق برقا نشأ من قبل الحجاز، ثم استطار حَتَّى بلغ المشرق، فلما أصبح ذهب ينظر إِلَى ما تحت قدميه، فإذا روضة خضراء. فَقَالَ فيما يعتاف: لئن صدق ما أرى ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق تخصب عنه الأرض كأفضل ما أخصبت عَنْ ملك كان قبله.
فلما اجتمع الحزاة قَالَ بعضهم لبعض: والله ما حيل بينكم وبين علمكم إلا لأمر جاء من السماء وإنه لنبي قد بعث، أو هو مبعوث يسلب هَذَا الملك ويكسره، وإن نعيتم إِلَى كسرى ملكه ليقتلنكم، فأقيموا بينكم أمرا تقولونه فجاءوا كسرى فقالوا له: قد نظرنا هَذَا الأمر فوجدنا حسابك الذين وضعت عَلَى حسابهم طاق ملكك وسكرت دجلة العوراء، ووضعوه عَلَى النحوس وإنا سنحسب لك حسابا، تضع بنيانك فلا يزول، قَالَ: فاحسبوا. فحسبوا له ثم قالوا: ابنه، فبناه. فعمل فِي دجلة ثمانية أشهر، وانفق فيها من الأموال ما لا يدرى ما هو، حَتَّى إذا فرغ قَالَ [لهم:] [١] أجلس عَلَى سورها، قالوا: نعم فأمر بالبسط والفرش والرياحين. فوضعت عليها [وأمر بالمرازبة فجمعوا له، وجمع اللعابون وخرج حَتَّى جلس عليها] [٢] فبينا هو هنالك انشقت دجلة وانهار البنيان من تحته، فلم يستخرج إلا بآخر رمق، فلما أخرج قتل من الحزاة قريبا من مائة، وَقَالَ تلعبون بي؟ قالوا: أيها الملك، أخطأنا كما أخطأ من كان قبلنا ولكنا سنحسب لك حسابا حَتَّى تضعها عَلَى الوفاق من السعود.
قَالَ: انظروا ما تقولون. قالوا: فإنا نفعل، فحسبوا له، ثم قالوا له: ابنه فبنى وأنفق من الأموال ما لا يدرى ما هو ثمانية أشهر، ثم [قَالَ:] [٣] أفأخرج فأقعد؟ قالوا:
نعم. فركب برذونا له وخرج يسير عليها إذ انشقت دجلة بالبنيان، فلم يدرك إلا بآخر رمق، فدعاهم فَقَالَ: والله لأمرن عَلَى آخركم، ولأترعن أكتافكم، ولأطرحنكم تحت أيدي الفيلة أو لتصدقني ما هَذَا الأمر الذي تلفقون به علي؟
قالوا: لا نكذبك، أيها الملك أمرتنا حين انخرقت عليك دجلة وانفصمت طاق
стр. 767
مجلسك أن ننظر فِي عملنا فنظرنا، فأظلمت علينا الأرض وأخذ علينا بأقطار السماء، فلم يستقم منا لعالم علمه، فعلمنا أن هَذَا لأمر حدث من السماء، وأنه قد بعث نبي أو هو مبعوث، فلذلك حيل بيننا وبين علمنا، فخشينا إن نعينا إليك ملكك أن تقتلنا، فعللناك عَنْ أنفسنا بما رأيت، فتركهم ولهى عنهم وعن دجلة حَتَّى غلبته [١] .
أَنْبَأَنَا بهذا الحديث: أَبُو البركات عَبْد الوهاب الأنماطي بإسناد لَهُ عَنْ أبي بكر بْن أبي الدنيا.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْن مُحَمَّد بْن أيوب، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سعد قَالَ: قَالَ: ابن إِسْحَاق:
كان من حديث كسرى قبل أن يأتيه كتاب رسول اللَّه ﷺ فيما بلغني أنه كان سكر دجلة العوراء، فألقى فيها من الأموال ما لا يدرى ما هو- وذكر الحديث بعينه [٢] .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لا أَتَّهِمُ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّه ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى كِسْرَى فِيكَ؟ قَالَ: «بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ سُورِ [٣] جِدَارِ بَيْتِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ تَلأْلأَ نُورًا، فَلَمَّا رَآَهَا فَزِعَ فَقَالَ: لِمَ تُرَعْ يَا كِسْرَى، إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا، فَاتَّبِعْهُ تَسْلَمْ دُنْيَاكَ وَآَخِرَتُكَ. قَالَ: سَأَنْظُرُ [٤] . وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْن حَزْمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ قَالَ:
بَعَثَ اللَّهُ إِلَى كِسْرَى وَهُوَ فِي بَيْتٍ مِنْ [بَعْضِ] [٥] بُيُوتِ إِيوَاِنِه الَّذِي لا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِيهِ، فَلَمْ يَرُعْهُ إِلا بِهِ قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ فِي يَدِهِ عَصًا بِالْهَاجِرَةِ فِي سَاعَتِهِ الَّتِي كَانَ يَقِيلُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا كِسْرَى، أَتُسْلِمُ أَوْ أَكْسِرُ هَذِهِ الْعَصَا؟ فَقَالَ: بهل بهل.
أَرْضِي إِلَى هَذَا، أَلَسْتَ الْمَأْمُورَ كَذَا؟ فَلَمْ يغير فإلى إن أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ اسْتَرَّدَهَا مِنْهُ فَأَيْقَظْتُمُونِي.
قَالَ: وَصَاحِبُ الإِزَارِ وَالرِّدَاءِ، يَعْنِي: رَسُولَ اللَّهِ ﷺ [١]
. ذكر الحوادث فِي السنة الرابعة من النبوة
[٢] كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يستر النبوة ويدعو إِلَى الإسلام سرا، وكان أَبُو بكر [﵁] يدعو أيضا من يثق به من قومه ممن يغشاه، ويجلس إليه، فلما مضت من النبوة ثلاث سنين نزل قوله : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ] ١٥: ٩٤ [٣] فأظهر الدعوة [٤] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أبي طاهر بإسناده إِلَى مُحَمَّد بْن سعد: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عمر قَالَ: حَدَّثَنَا حارثة بْن أبي عمران، عَنْ عَبْد الرحمن بْن القاسم، عَنْ أبيه قَالَ:
أمر رسول اللَّه ﷺ ان يصدع بما جاءه من عند اللَّه، وأن ينادي الناس بأمره، وأن يدعوهم إِلَى اللَّه ، وكان يدعو من أول ما أنزلت عَلَيْهِ النبوة ثلاث سنين مستخفيا، إِلَى أن أمر بظهور الدعاء [٥] .
قَالَ مُحَمَّد بْن عُمَرَ: وَحَدَّثَنِي مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: دعا رسول اللَّه ﷺ إِلَى الإسلام سرا وجهرا، فاستجاب للَّه من شاء من أحداث الرجال وضعفاء الناس، حَتَّى كثر من آمن به، وكفار قريش غير مكترثين لما يقول، فكان إذا مر عليهم فِي مجالسهم يقولون: إن غلام بني عَبْد المطلب ليكلم من السماء. فكان كذلك حتى عاب آلهتهم
стр. 770
التي يعَبْدونها دون اللَّه، وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا عَلَى الكفر، فشنفوا لرسول اللَّه عند ذلك وعادوه [١] .
قَالَ مُحَمَّد بْن عمر: وحدثني ابن موهب عَنْ يعقوب بْن عتبة قَالَ:
لما أظهر رسول اللَّه ﷺ للإسلام ومن معه فشا أمرهم بمكة، ودعا بعضهم بعضا/ كان أَبُو بكر يدعو ناحية سرا، وكان سَعِيد بْن زيد، مثل ذلك، وكان عثمان مثل ذلك، وكان عمر بْن الخطاب يدعو علانية، وحمزة بْن عَبْد المطلب وأبو عبيدة بْن الجراح، فغضبت قريش، وظهر منهم لرسول اللَّه ﷺ الحسد والبغي [٢] .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«كنت بَيْنَ شَرِّ جَارَيْنِ: بَيْنَ أَبِي لَهَبٍ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، إِنْ كَانَا لَيَأْتِيَانِ بِالْفُرُوثِ فَيَطْرَحَانِهَا عَلَى بَابِي، فَيَخْرُجُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُ: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَيُّ جِوَارٍ هَذَا» . ثُمَّ يُلْقِيهِ بِالطَّرِيقِ. أَوْ كَمَا قَالَتْ [٣] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَقِّ بِإِسْنَادٍ لَهُ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَأَنَا فِي بِيَاعَةٍ لِي، فَمَرَّ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ [٤] حَمْرَاءُ، وهو ينادي بأعلى صوته: «يا أيها الناس، قولوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ تُفْلِحُوا» وَرَجُلٌ يَتْبَعُهُ بِالْحِجَارَةِ قَدْ أَدْمَى كَعْبَيْهِ وَعُرْقُوبَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ لا تُطِيعُوهُ، فَإِنَّهُ كَذَّابٌ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: غُلامُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قُلْتُ: فَمَنْ [هَذَا] [٥] الَّذِي يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بالحجارة؟ قالوا: هذا عمه عَبْدُ الْعُزَّى- وَهُوَ أَبُو لَهَبٍ- فَلَمَّا ظَهَرَ الإِسْلامُ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ أَقْبَلْنَا فِي رَكْبٍ مِنَ الرَّبَذَة حَتَّى نَزَلْنَا قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَمَعَنَا ظَعِينَةٌ لَنَا [قَالَ:] [٦] فَبَيْنَا نَحْنُ قُعُودٌ إِذْ أَتَانَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَبْيَضَانِ فَسَلَّمَ. فَرَدَدْنَا عليه، فقال: من
شَاةٍ، وَامْلأْ لَنَا عَسًّا مِنْ لَبَنٍ، ثُمَّ اجْمَعْ لِي بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أُكَلِّمَهُمْ وَأُبَلِّغَهُمْ مَا أُمِرْتُ بِهِ. فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ ثُمَّ دَعَوْتُهُمْ لَهُ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون، فيهم أعمامه أَبُو طَالِبٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْعَبَّاسُ، وَأَبُو لَهَبٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ دَعَانِي بِالطَّعَامِ الَّذِي صَنَعْتُ لَهُ، فَجِئْتُ بِهِ فَلَمَّا وَضَعْتُهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ / جَرَّةً مِنَ اللَّحْمِ فَشَقَّهَا بِأَسْنَانِهِ ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي نَوَاحِي الصَّحْفَةِ، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا بِاسْمِ اللَّهِ» فَأَكَلَ الْقَوْمُ حَتَّى مَا لَهُمْ بِشَيْءٍ حَاجَةٌ، وَمَا أَرَى إِلا مَوَاضِعَ أَيْدِيهِمْ وَايْمُ اللَّهِ الَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ، إِنْ كَانَ الرَّجُلُ [مِنْهُمْ] [١] لَيَأْكُلُ مَا قَدَّمْتُ لِجَمِيعِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ الْقَوْمَ» فَجِئْتُهُمْ بِذَلِكَ الْعَسِّ فَشَرِبُوا مِنْهُ حَتَّى رَوَوْا جَمِيعًا، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَيَشْرَبُ مِثْلَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ [يُكَلِّمَهُمْ] [٢] بَدَرَهُ أَبُو لهب الكلام، فَقَالَ: سَحَرَكُمْ صَاحِبُكُمْ- فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ، وَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ رسول الله ﷺ ، فقال: «الْغَدُ يَا عَلِيُّ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ سَبَقَنِي إِلَى مَا سَمِعْتَ مِنَ الْقَوْلِ فَأَعِدَّ لَنَا مِنَ الطَّعَامِ مِثْلَ مَا صَنَعْتَ، ثُمَّ اجْمَعْهُمْ لِي» . فَفَعَلْتُ وَجَمَعْتُهُمْ فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا، ثُمَّ تَكَلَّمَ رسول الله ﷺ فقال: «يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ شَابًّا فِي الْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا قَدْ جِئْتُكُمْ بِهِ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَقَدْ أَمَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى أَنْ أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ، فَأَيُّكُمْ يُؤَازِرُنِي عَلَى هَذَا الأَمْرِ [٣] عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي» ؟ فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ، فَقُلْتُ وَأَنَا أَحْدَثُهُمْ سِنًّا: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ. فَقَامَ الْقَوْمُ يَضْحَكُونَ [٤] . وذكر ابن جرير: أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا إذا صلوا ذهبوا إِلَى الشعاب واستخفوا من قومهم، فبينا سعد بْن أبي وقاص فِي نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ فِي شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون فذاكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون، حَتَّى قاتلوهم، فاقتتلوا فضرب سعد بْن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين [بلحي جمل] [٥] فشجه فكان أول دم أهريق فِي الإسلام [٦] .
стр. 773
قَالَ ابن إِسْحَاق: ولما نادى رسول اللَّه ﷺ قومه بالإسلام لم يردوا عَلَيْهِ كل الرد، حَتَّى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك نادوه واجتمعوا عَلَى خلافه، ومنعه عمه أَبُو طَالِبٍ فمضى [١] إِلَى أبي طالب رجال من أشرافهم: كعتبة، وشيبة، وأبي جهل، فقالوا:
يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد/ سب آلهتنا، وعاب ديننا وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا [٢] ، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك عَلَى مثل [٣] ما نحن عَلَيْهِ من خلافه، فنكفيكه. فَقَالَ لهم أَبُو طَالِبٍ قولا رقيقا وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه، ومضى رسول اللَّه ﷺ عَلَى ما هو عليه يظهر دين اللَّه ويدعو إليه، ثم شرى الأمر بينه وبينهم، حَتَّى تباعد الرجال وتضاغنوا، فأكثرت قريش ذكر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بينها، وحض بعضهم بعضا عَلَيْهِ، ثم مشوا إِلَى أبي طالب مرة أخرى فقالوا: يا أبا طالب، إن لك نسبا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر عَلَى شتم آبائنا وسفه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى نكفه عنا أو ننازله وإياك فِي ذلك حَتَّى يهلك أحد الفريقين.
ثم انصرفوا عنه فعظم عَلَى أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول اللَّه ﷺ إليهم [٤] ، ولا خذلانه، إلا أَنَّهُ قَالَ له: يا بْن أخي، إن قومك جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبق [علي و] [٥] على نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن رَسُولُ اللَّه ﷺ إِنَّ عمه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عَنْ نصرته، فَقَالَ:
«والله يا عماه لو وضعوا الشمس فِي يميني والقمر فِي يساري عَلَى أن أترك هَذَا الأمر حَتَّى يظهره [٦] اللَّه أو أهلك فيه، ما تركته» ثم بكى رسول اللَّه ﷺ وقام، فلما ولى ناداه أَبُو طَالِبٍ فقال: أقبل يا بن أخي. فاقبل فَقَالَ: اذهب فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك [لشيء] [٧] أبدا [٨] .
стр. 774
وَقَالَ السدي: بعثوا رجلا إِلَى أبي طالب فَقَالَ له: هَؤُلاءِ مشيخة قومك يستأذنون عليك. فَقَالَ: أدخلهم. فلما دخلوا عَلَيْهِ قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، ومره فليكف عَنْ شتم آلهتنا وندعه وإلهه. فبعث إليه أَبُو طَالِبٍ، فلما جاء قَالَ: يا ابن أخي هَؤُلاءِ مشيخة قومك وسرواتهم، وقد سألوك النصف أن تكف عَنْ شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك/ فَقَالَ: «يا عم، أولا أدعوهم إِلَى ما هو خير لهم منها» ؟
قَالَ: وإلى ما تدعوهم؟ قَالَ: «أدعوهم إِلَى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم» فَقَالَ أَبُو جهل: ما هي وأبيك لنعطيكها وعشر أمثالها؟ قَالَ:
«يقولون لا إله إلا اللَّه» قَالَ: فتفرقوا وَقَالُوا سلنا غير هَذِهِ فَقَالَ: « [لو جئتموني بالشمس حَتَّى تضعوها فِي يدي] [١] ما أسألكم غيرها» فغضبوا وقاموا [من عنده، وَقَالُوا:] [٢] لنشتمنك وإلهك الذي يأمرك بهذا. ونزل قوله تعالى وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ ٣٨: ٦ [٣] . قَالَ ابن إِسْحَاق: فلما عرفت قريش أن أبا طالب لا يخذل رسول اللَّه ﷺ مشوا إليه بعمارة بْن الوليد بْن المغيرة [٤] فقالوا: يا أبا طالب، هَذَا عمارة بْن الوليد أبهى فتى فِي قريش وأجمله، فخذه فاتخذه ولدا، وسلم إلينا ابن أخيك هَذَا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله فإنما رجل كرجل فَقَالَ: والله لبئس [٥] ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟! هَذَا والله ما لا يكون أبدا. فَقَالَ مطعم بْن عدي بْن نوفل بْن عَبْد مناف: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا عَلَى التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد [٦] أن تقبل منهم شيئا. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لمطعم: والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك. قَالَ: فجنت الحرب حينئذ وتنابذ القوم ووثب كل قبيلة عَلَى من فيها من
стр. 775
المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عَنْ دينهم، ومنع اللَّه رسوله منهم لعمه أبي طالب، وقام أَبُو طَالِبٍ [١] فِي بني هاشم وبني عَبْد المطلب فدعاهم إِلَى ما هو عَلَيْهِ من منع رسول اللَّه ﷺ والقيام دونه، فاجتمعوا إليه، وقاموا معه فأجابوا إِلَى ما دعاهم إليه من الدفع عَنْ رسول الله، إلا ما كان من أبي لهب، فلما رأى أَبُو طَالِبٍ من قومه ما سره من جدهم وحدتهم عليه جعل يذكر فعل رسول اللَّه ﷺ ومكانه فيهم ليسدد لهم رأيهم [٢] .
ومن الحوادث العجيبه [٣] أن أكثم بْن صيفي الحكيم لما سمع بظهور رسول اللَّه ﷺ أراد أن يأتيه فمنعه قومه .
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْد الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَلَغَ أَكْثَمَ بْنَ صَيْفِيٍّ مَخْرَجُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَرَادَ أَنْ يَأْتِيَهُ فَأَبَى قَوْمُهُ أَنْ يَدَعُوهُ، وَقَالُوا:
أَنْتَ كَبِيرُنَا لَمْ يَكُنْ لِتَخِفَّ إِلَيْهِ. قَالَ: فَلْيَأْتِ مَنْ يُبَلِّغْهُ عَنِّي وَيُبَلِّغْنِي عَنْهُ، فَانْتُدِبَ رَجُلانِ فأتيا النبي ﷺ فَقَالا: نَحْنُ رُسُلُ أَكْثَمِ بْنِ صَيْفِيٍّ، وَهُوَ يَسْأَلُكَ مَنْ أَنْتَ، وَمَا أَنْتَ، وَبِمَاذَا أُجِبْتَ؟ فقال النبي ﷺ : «أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآَيَةَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ١٦: ٩٠ [٤] قَالا: رَدِّدْ عَلَيْنَا هَذَا الْقَوْلَ، فَرَدَّدَهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَفِظُوهُ قَالَ: فَلَمَّا أَتَيَا أَكْثَمَ قَالا: [٥] قَدْ سَأَلْنَاهُ عَنْ نَسَبِهِ فَوَجَدْنَاهُ وَاسِطَ النَّسَبِ فِي مُضَرٍ وَقَدْ رَمَى إِلَيْنَا كَلِمَاتٍ حَفِظْنَاهُنَّ فَلَمَّا سَمِعَهُنَّ أَكْثَمُ قَالَ: يَا قَوْمُ أَرَاهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلاقِ، وَيَنْهَى عَنْ مَلائِمِهَا، فَكُونُوا فِي هَذَا الأَمْرِ رُؤَسَاءً، وَلا تَكُونُوا أَذْنَابًا، وَكُونُوا فِيهِ أُوَّلا وَلا تَكُونُوا فِيهِ أُخَّرًا، وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَأَوْصَى فَقَالَ: أوصيكم