← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أَيْنَ أَقْبَلَ الْقَوْمُ؟ قُلْنَا: مِنَ الرَّبَذَة. قَالَ: وَمَعَنَا جَمَلٌ أَحْمَرُ. قَالَ: تَبِيعُونِي جَمَلُكُمْ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: بِكَمْ؟ قُلْنَا: بِكَذَا وَكَذَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. قَالَ: فَمَا اسْتَوْضَعَنَا شَيْئًا، وَقَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِرَأْسِ الْجَمَلِ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَتَوَارَى عَنَّا قَلِيلا فَتَلاوَمْنَا/ بَيْنَنَا فَقُلْنَا: أَعْطَيْتُمْ جَمَلَكُمْ مَنْ لا تَعْرِفُونَهُ، فَقَالَتِ الظَّعِينَةُ: لا تَتَلاوَمُوا، فَقَدْ رَأَيْتُ وَجْهَ رَجُلٍ ما كان ليحقركم، ما رأيت وجه رجل أَشْبَهَ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ مِنْ وَجْهِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعِشَاءُ أَتَانَا رَجُلٌ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ، فَإِنَّهُ أَمَرَكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ هَذَا حَتَّى تَشْبَعُوا وَتَكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا. قَالَ: فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا، وَاكْتَلْنَا حَتَّى اسْتَوْفَيْنَا، فَلَمَّا كان من الغد دخلنا المدينة فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ وَهُوَ يَقُولُ: «يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ابْنِكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتِكَ وَأَخَاكَ وَأَدْنَاكَ وَأَدْنَاكَ» [١] . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ الصَّفَا فَقَالَ: «يَا صَبَاحَاهُ» فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ [٢] إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ أَلا تُصَدِّقُونِي؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، أَلِهَذَا دَعَوْتَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ١١١: ١ [٣] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [﵄] قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ٢٦: ٢١٤ [٤] دَعَانِي [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ] [٥] فَقَالَ لِي: «يَا عَلِيُّ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِي الأَقْرَبِينَ فَضِقْتُ بِذَلِكَ ذَرْعًا، وَعَرَفْتُ أَنِّي مَتَى أُنَادِيهِمْ بِهَذَا الأَمْرِ أَرَى مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ، فَصَمَتَ حَتَّى أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ إِنْ لا تَفْعَلْ مَا تُؤْمَرْ بِهِ يُعَذِبْكَ اللَّهُ [٦] فَاصْنَعْ لَهُمْ صاعا من طعام، واجعل عليه رجل

стр. 772

شَاةٍ، وَامْلأْ لَنَا عَسًّا مِنْ لَبَنٍ، ثُمَّ اجْمَعْ لِي بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أُكَلِّمَهُمْ وَأُبَلِّغَهُمْ مَا أُمِرْتُ بِهِ. فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ ثُمَّ دَعَوْتُهُمْ لَهُ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون، فيهم أعمامه أَبُو طَالِبٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْعَبَّاسُ، وَأَبُو لَهَبٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ دَعَانِي بِالطَّعَامِ الَّذِي صَنَعْتُ لَهُ، فَجِئْتُ بِهِ فَلَمَّا وَضَعْتُهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ / جَرَّةً مِنَ اللَّحْمِ فَشَقَّهَا بِأَسْنَانِهِ ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي نَوَاحِي الصَّحْفَةِ، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا بِاسْمِ اللَّهِ» فَأَكَلَ الْقَوْمُ حَتَّى مَا لَهُمْ بِشَيْءٍ حَاجَةٌ، وَمَا أَرَى إِلا مَوَاضِعَ أَيْدِيهِمْ وَايْمُ اللَّهِ الَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ، إِنْ كَانَ الرَّجُلُ [مِنْهُمْ] [١] لَيَأْكُلُ مَا قَدَّمْتُ لِجَمِيعِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ الْقَوْمَ» فَجِئْتُهُمْ بِذَلِكَ الْعَسِّ فَشَرِبُوا مِنْهُ حَتَّى رَوَوْا جَمِيعًا، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَيَشْرَبُ مِثْلَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ [يُكَلِّمَهُمْ] [٢] بَدَرَهُ أَبُو لهب الكلام، فَقَالَ: سَحَرَكُمْ صَاحِبُكُمْ- فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ، وَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ رسول الله ﷺ ، فقال: «الْغَدُ يَا عَلِيُّ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ سَبَقَنِي إِلَى مَا سَمِعْتَ مِنَ الْقَوْلِ فَأَعِدَّ لَنَا مِنَ الطَّعَامِ مِثْلَ مَا صَنَعْتَ، ثُمَّ اجْمَعْهُمْ لِي» . فَفَعَلْتُ وَجَمَعْتُهُمْ فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا، ثُمَّ تَكَلَّمَ رسول الله ﷺ فقال: «يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ شَابًّا فِي الْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا قَدْ جِئْتُكُمْ بِهِ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَقَدْ أَمَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى أَنْ أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ، فَأَيُّكُمْ يُؤَازِرُنِي عَلَى هَذَا الأَمْرِ [٣] عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي» ؟ فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ، فَقُلْتُ وَأَنَا أَحْدَثُهُمْ سِنًّا: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ. فَقَامَ الْقَوْمُ يَضْحَكُونَ [٤] . وذكر ابن جرير: أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا إذا صلوا ذهبوا إِلَى الشعاب واستخفوا من قومهم، فبينا سعد بْن أبي وقاص فِي نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ فِي شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون فذاكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون، حَتَّى قاتلوهم، فاقتتلوا فضرب سعد بْن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين [بلحي جمل] [٥] فشجه فكان أول دم أهريق فِي الإسلام [٦] .

стр. 773

قَالَ ابن إِسْحَاق: ولما نادى رسول اللَّه ﷺ قومه بالإسلام لم يردوا عَلَيْهِ كل الرد، حَتَّى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك نادوه واجتمعوا عَلَى خلافه، ومنعه عمه أَبُو طَالِبٍ فمضى [١] إِلَى أبي طالب رجال من أشرافهم: كعتبة، وشيبة، وأبي جهل، فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد/ سب آلهتنا، وعاب ديننا وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا [٢] ، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك عَلَى مثل [٣] ما نحن عَلَيْهِ من خلافه، فنكفيكه. فَقَالَ لهم أَبُو طَالِبٍ قولا رقيقا وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه، ومضى رسول اللَّه ﷺ عَلَى ما هو عليه يظهر دين اللَّه ويدعو إليه، ثم شرى الأمر بينه وبينهم، حَتَّى تباعد الرجال وتضاغنوا، فأكثرت قريش ذكر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بينها، وحض بعضهم بعضا عَلَيْهِ، ثم مشوا إِلَى أبي طالب مرة أخرى فقالوا: يا أبا طالب، إن لك نسبا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر عَلَى شتم آبائنا وسفه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى نكفه عنا أو ننازله وإياك فِي ذلك حَتَّى يهلك أحد الفريقين. ثم انصرفوا عنه فعظم عَلَى أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول اللَّه ﷺ إليهم [٤] ، ولا خذلانه، إلا أَنَّهُ قَالَ له: يا بْن أخي، إن قومك جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبق [علي و] [٥] على نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن رَسُولُ اللَّه ﷺ إِنَّ عمه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عَنْ نصرته، فَقَالَ: «والله يا عماه لو وضعوا الشمس فِي يميني والقمر فِي يساري عَلَى أن أترك هَذَا الأمر حَتَّى يظهره [٦] اللَّه أو أهلك فيه، ما تركته» ثم بكى رسول اللَّه ﷺ وقام، فلما ولى ناداه أَبُو طَالِبٍ فقال: أقبل يا بن أخي. فاقبل فَقَالَ: اذهب فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك [لشيء] [٧] أبدا [٨] .

стр. 774

وَقَالَ السدي: بعثوا رجلا إِلَى أبي طالب فَقَالَ له: هَؤُلاءِ مشيخة قومك يستأذنون عليك. فَقَالَ: أدخلهم. فلما دخلوا عَلَيْهِ قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، ومره فليكف عَنْ شتم آلهتنا وندعه وإلهه. فبعث إليه أَبُو طَالِبٍ، فلما جاء قَالَ: يا ابن أخي هَؤُلاءِ مشيخة قومك وسرواتهم، وقد سألوك النصف أن تكف عَنْ شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك/ فَقَالَ: «يا عم، أولا أدعوهم إِلَى ما هو خير لهم منها» ؟ قَالَ: وإلى ما تدعوهم؟ قَالَ: «أدعوهم إِلَى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم» فَقَالَ أَبُو جهل: ما هي وأبيك لنعطيكها وعشر أمثالها؟ قَالَ: «يقولون لا إله إلا اللَّه» قَالَ: فتفرقوا وَقَالُوا سلنا غير هَذِهِ فَقَالَ: « [لو جئتموني بالشمس حَتَّى تضعوها فِي يدي] [١] ما أسألكم غيرها» فغضبوا وقاموا [من عنده، وَقَالُوا:] [٢] لنشتمنك وإلهك الذي يأمرك بهذا. ونزل قوله تعالى وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ ٣٨: ٦ [٣] . قَالَ ابن إِسْحَاق: فلما عرفت قريش أن أبا طالب لا يخذل رسول اللَّه ﷺ مشوا إليه بعمارة بْن الوليد بْن المغيرة [٤] فقالوا: يا أبا طالب، هَذَا عمارة بْن الوليد أبهى فتى فِي قريش وأجمله، فخذه فاتخذه ولدا، وسلم إلينا ابن أخيك هَذَا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله فإنما رجل كرجل فَقَالَ: والله لبئس [٥] ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟! هَذَا والله ما لا يكون أبدا. فَقَالَ مطعم بْن عدي بْن نوفل بْن عَبْد مناف: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا عَلَى التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد [٦] أن تقبل منهم شيئا. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لمطعم: والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك. قَالَ: فجنت الحرب حينئذ وتنابذ القوم ووثب كل قبيلة عَلَى من فيها من

стр. 775

المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عَنْ دينهم، ومنع اللَّه رسوله منهم لعمه أبي طالب، وقام أَبُو طَالِبٍ [١] فِي بني هاشم وبني عَبْد المطلب فدعاهم إِلَى ما هو عَلَيْهِ من منع رسول اللَّه ﷺ والقيام دونه، فاجتمعوا إليه، وقاموا معه فأجابوا إِلَى ما دعاهم إليه من الدفع عَنْ رسول الله، إلا ما كان من أبي لهب، فلما رأى أَبُو طَالِبٍ من قومه ما سره من جدهم وحدتهم عليه جعل يذكر فعل رسول اللَّه ﷺ ومكانه فيهم ليسدد لهم رأيهم [٢] . ومن الحوادث العجيبه [٣] أن أكثم بْن صيفي الحكيم لما سمع بظهور رسول اللَّه ﷺ أراد أن يأتيه فمنعه قومه . أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْد الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَلَغَ أَكْثَمَ بْنَ صَيْفِيٍّ مَخْرَجُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَرَادَ أَنْ يَأْتِيَهُ فَأَبَى قَوْمُهُ أَنْ يَدَعُوهُ، وَقَالُوا: أَنْتَ كَبِيرُنَا لَمْ يَكُنْ لِتَخِفَّ إِلَيْهِ. قَالَ: فَلْيَأْتِ مَنْ يُبَلِّغْهُ عَنِّي وَيُبَلِّغْنِي عَنْهُ، فَانْتُدِبَ رَجُلانِ فأتيا النبي ﷺ فَقَالا: نَحْنُ رُسُلُ أَكْثَمِ بْنِ صَيْفِيٍّ، وَهُوَ يَسْأَلُكَ مَنْ أَنْتَ، وَمَا أَنْتَ، وَبِمَاذَا أُجِبْتَ؟ فقال النبي ﷺ : «أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآَيَةَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ١٦: ٩٠ [٤] قَالا: رَدِّدْ عَلَيْنَا هَذَا الْقَوْلَ، فَرَدَّدَهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَفِظُوهُ قَالَ: فَلَمَّا أَتَيَا أَكْثَمَ قَالا: [٥] قَدْ سَأَلْنَاهُ عَنْ نَسَبِهِ فَوَجَدْنَاهُ وَاسِطَ النَّسَبِ فِي مُضَرٍ وَقَدْ رَمَى إِلَيْنَا كَلِمَاتٍ حَفِظْنَاهُنَّ فَلَمَّا سَمِعَهُنَّ أَكْثَمُ قَالَ: يَا قَوْمُ أَرَاهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلاقِ، وَيَنْهَى عَنْ مَلائِمِهَا، فَكُونُوا فِي هَذَا الأَمْرِ رُؤَسَاءً، وَلا تَكُونُوا أَذْنَابًا، وَكُونُوا فِيهِ أُوَّلا وَلا تَكُونُوا فِيهِ أُخَّرًا، وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَأَوْصَى فَقَالَ: أوصيكم

стр. 776

بِتَقْوَى اللَّهِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، فَإِنَّهَا لا يَبْلَى عَلَيْهَا أَصْلٌ، وَلا يَهِيضُ عَلَيْهَا [١] فَرْعٌ، وَإِيَّاكُمْ وَنِكَاحَ الْحَمْقَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ سُوءَ جَهْلِ الْغَنِيِّ يُورِثُ سَرْحًا، وَأَنَّ سُوءَ جَهْلِ الْفَقِيرِ يَضَعُ الشَّرَفَ، وَأَنَّ الْعُدْمَ عُدْمُ الْعَقْلِ لا عُدْمُ الْمَالِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَهْلِكَ امْرُؤٌ عَرَفَ قَدْرَهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مَقْتَلَ الرَّجُلِ بَيْنَ لِحْيَيْهِ، وَأَنَّ قَوْلَ الْحَقِّ لَمْ يَتْرُكْ لِي صَدِيقًا. وذكر أَبُو هلال الحسن بْن عَبْد اللَّه بْن سهل العسكري: أن أكثم بْن صيفي سمع بذكر رسول الله ﷺ ، فكتب إليه مع ابنه حبيش [: باسمك اللَّهمّ، من العَبْد إِلَى العَبْد، أما بعد: فبلغنا ما بلغك اللَّه، فقد بلغنا عنك خير، فإن كنت أريت فأرنا، وإن كنت علمت فعلمنا وأشركنا فِي خيرك والسلام. فكتب إليه النبي ﷺ : «من محمد رسول الله إِلَى أكثم بْن صيفي، أحمد اللَّه إليك، إن اللَّه أمرني أن أقول لا إله إلا اللَّه وليقر بها الناس، والخلق خلق الله، والأمر كله للَّه، وهو خلقهم وأماتهم، وهو ينشرهم وإليه المصير. بادابه المرسلين ولتسلن عن النبأ العظيم، ولتعلمن نبأه بعد حين] [٢] . فَقَالَ لابنه: ما رأيت منه، قَالَ: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عَنْ ملائمها. [فجمع أكثم بني تميم، وَقَالَ: لا تحقرن سفيها، فإن من يسمع يخل، وإن من يخل ينظر وإن السفيه واهي الرأي وإن كان قوي البدن، ولا خير فيمن عجز رأيه ونقص عقله. فلما اجتمعوا دعاهم إِلَى اتباع رَسُولُ اللَّه ﷺ ، فَقَامَ مالك بْن عروة اليربوعي مع نفر من بني يربوع فَقَالَ: خرف شيخكم، إنه ليدعوكم إِلَى الغبار، ويعرضكم للبلاء، وأن تجيبوه تفرق جماعتكم وتظهر أضغاثكم، ويذلل عزكم، مهلا مهلا. فَقَالَ أكثم بْن صيفي: ويل للشجي من الخلي، يا لهف نفسي عَلَى أمر لم أدركه ولم يفتني ما آسى عليك بل عَلَى العامة، يا مالك إن الحق إذا قام دفع الباطل وصرع صرعى قياما، فتبعه مائة من عمرو وحنظلة، وخرج إِلَى النبي ﷺ ، فلما كان فِي بعض الطريق] [٣] عمد

стр. 777

حبيش إِلَى رواحلهم فنحرها وشق ما كان معهم من مزادة وهرب، فأجهد أكثم العطش فمات، وأوصى من معه باتباع النبي ﷺ وأشهدهم أنه أسلم. فأنزل فيه: وَمن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله ٤: ١٠٠ [١] . [فهاتان الروايتان تدلان عَلَى أن أكثم بْن صيفي أدرك رسول اللَّه ﷺ . وقد روينا أنه مات قبل ذلك] [٢] . قَالَ مؤلف الكتاب ﵀: كان أكثم بْن صيفي من كبار الحكماء، وعاش مائتي سنة، وله كلام مستحسن [٣] . [فمنه: من عتب عَلَى الدهر طالت معتبته، ومن رضي بالقسم طابت معيشته، والدنيا دول، فما كان منها لك أتاك عَلَى ضعفك، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك، والحسد داء ليس له شفاء، من يصحب الزمان يرى الهوان، ولم يفت من لم يمت، وكل ما هو آت قريب ومن سأمنه يؤتى الحذر «دخل الطريق لمن لا يضيق لوسع يجدأ ودع البر ينحو عَلَيْهِ العدو» [٤] كفوا ألسنتكم، فإن مقتل الرجل بين فكيه، وَفِي طلب المعالي تكون العزة، ومن قنع بما هو فيه قرت عينه، ولم يهلك من مالك ما وعظك، لا تغضبوا من اليسير فإنه يجني الكثير، وألزموا النساء المهنة، وأكرموا الخيل، ونعم لهو الحرة المغزل، وحيلة من لا حيلة له الصبر، المكثار حاطب ليل، أشد الناس مئونة أشرافهم، ومن التواني والعجز أنتجت الهلكة، وأحوج الناس إِلَى الغنى من لم يصلحه إلا الغناء، وحب المدح رأس الضياع، ورضى الناس لا يدرك، فتحر الخير بجهدك، ولا تكره سخط من رضاه الجور، معالجة العفاف مشقة، فنعوذ بالصبر وآخر الغضب، فإن القدرة من ورائك غي، الصمت خير من عي المنطق، خير القرناء المرأة الصالحة، ليس للمختال فِي حسن الثناء نصيب، ولا تمام لشيء من العجب،

стр. 778

ومن أتى المكروه إِلَى أحد فبنفسه بدأ، وأقل الناس راحة الحسود، يا بني سودوا أعقلكم، فإن أمر مسير القوم إذا لم يك عاقلا كان آفة لمن دونه، والتفاضل من فعل الكرام، والصدق فِي بعض المواطن عجز، والمن يذهب للصنيعة، ومن سلك الجدد أمن العثار، ومن شدد تفر، ولقاء الأحبة مسلاة للهم، ومن ظلم يتيما ظلم أولاده، من سل سيف البغي أغمد فِي رأسه] [١] . وممن توفي فِي هَذِهِ السنة [٢] : ١- ورقة بْن نوفل بْن عَبْد العزى بْن قصي . كان قد كره عبادة الأوثان، فطلب الدين فِي الآفاق وَفِي الكتب، وكانت خديجة تسأله عَنْ أمر النبي ﷺ فيقول لها: ما أراه إلا نبي هَذِهِ الأمة الذي بشر به موسى وعيسى. [أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَارِعُ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنِ] [٣] ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَرَقَةَ [فِيمَا بَلَغَنَا] [٤] فَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، وَقَدْ أَظُنُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ الْبَيَاضَ» [٥] . قَالَ الزُّبَيْرُ: وَحَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرحمن [٦] بن أبي الزناد قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ: كَانَ بِلالٌ لِجَارِيَةٍ مِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عَمْرٍو وَكَانُوا يُعَذِّبُونَهُ بَرَمْضَاءَ مكة، يُلْصِقُونَ ظَهْرَهُ بِالرَّمْضَاءِ لِيُشْرِكَ باللَّه، فَيَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ، فَيَمُرُّ عَلَيْهِ وَرَقَةُ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ فَيَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ يَا بِلالُ، وَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لأَتَّخِذَنَّهُ حَنَانًا يَعْنِي لأَتَمَسَّحَنَّ بِهِ. قَالَ: وَقَالَ وَرَقَةُ فِي ذَلِكَ شِعْرًا وَهُوَ [٧] : لَقَدْ نَصَحْتَ لأَقْوَامٍ وَقُلْتَ لَهُمْ ... أَنَا النَّذِيرُ فَلا يغرركم أحد

стр. 779

لا تَعْبُدُنَّ إِلَهًا غَيْرَ خَالِقِكُمْ ... فَإِنْ دَعَوْكُمْ فَقُولُوا بَيْنَنَا حَدَدُ سُبْحَانَ ذِي الْعَرْشِ سُبْحَانًا نَعُودُ لَهُ ... رَبُّ الْبَرِيَّةِ فَرْدٌ وَاحِدٌ صَمَدُ سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَانًا نَعُودُ لَهُ ... وَقَبْلُ [١] سَبَّحَهُ الْجُودِيُّ وَالْحَمَدُ مُسَخَّرٌ كُلُّ مَا تَحْتَ السَّمَاءِ لَهُ ... لا يَنْبَغِي أَنْ يُسَاوِي مُلْكَهُ أَحَدُ لا شَيْءَ مِمَّا تَرَى تَبْقَى بَشَاشَتُهُ ... يَبْقَى الإِلَهُ وَيُودَى الْمَالُ وَالْوَلَدُ لَمْ تُغْنِ عَنْ هُرْمُزٍ يَوْمًا خَزَائِنُهُ ... وَالْخُلْدُ قَدْ حَاوَلَتْ عَادٌ فَمَا خَلَدُوا/ وَلا سُلَيْمَانَ إِذْ تَجْرِي الرِّيَاحُ لَهُ ... وَالإِنْسُ وَالْجِنُّ فِيمَا بَيْنَهَا بُرُدُ [٢] أَيْنَ الْمُلُوكُ الَّتِي كَانَتْ لِعِزَّتِهَا ... مِنْ كُلِّ أَوْبٍ إِلَيْهَا وَافِدٌ يَفِدُ [٣] حَوْضٌ هُنَالِكَ مَوْرُودٌ بِلا كَذِبٍ ... لا بُدَّ مِنْ وَرْدِهِ يَوْمًا كَمَا وَرَدُوا ذكر خمس من النبوة [٤] من ذلك: الهجرة إِلَى [أرض] [٥] الحبشة . لما ظهر رسول اللَّه ﷺ بالنبوة لم تنكر عَلَيْهِ قريش، فلما سب آلهتها أنكروا عَلَيْهِ، وبالغوا فِي إيذاء المسلمين فأمرهم رسول الله بالخروج إِلَى أرض الحبشة، فخرج قوم وستر [القوم] [٦] الباقون إسلامهم، فكانت أرض الحبشة متجر قريش، فخرج فِي الهجرة الأولى أحد عشر رجلا وأربع نسوة سرا، فصادف وصولهم إِلَى البحر سفينتين للتجارة فحملوهم فيهما إلى أرض الحبشة، وكان مخرجهم فِي رجب فِي السنة الخامسة من حين تنبأ رسول اللَّه ﷺ [٧] ، وخرجت قريش فِي آثارهم فقاتلوهم، وهذه تسميتهم:

стр. 780

عثمان بْن عفان وامرأته رقية بنت رَسُول اللَّه ﷺ . وأبو حذيفة بْن عتبة، ومعه امرأته سهلة بنت سهيل بْن عمرو، والزبير بْن العوام. ومصعب بْن عمير. وعَبْد الرحمن بْن عوف. وأبو سلمة بن عبد الأسد، ومعه امرأته سلمة بنت أبي أمية. وعثمان بْن مظعون، وعامر بْن ربيعة، ومعه امرأته ليلى بنت أبي خيثمة. وأبو سبرة بْن أبي رهم. وحاطب بْن عمرو بْن عَبْد شمس. وسهيل بْن بيضاء. وعبد الله بْن بيضاء [١] . وعبد الله بْن مسعود. فأقاموا عند النجاشي آمنين، فلما نزلت سورة النجم، وسجد رسول اللَّه ﷺ سجد معه المشركون، فبلغ ذلك أهل الحبشة فقالوا: إذا كانوا قد آمنوا فلنرجع إِلَى عشائرنا. وكانوا قد خرجوا فِي رجب، فأقاموا شعبان ورمضان، وقدموا فِي شوال فلقيهم ركب فسألوهم، فقالوا: ذكر مُحَمَّد آلهتهم فتابعوه، ثم عاد/ عَنْ ذكرها فعادوا له بالشر، فلم يدخل أحد منهم مكة إلا عَبْد اللَّه بْن مسعود، فإنه مكث قليلا ثم رجع إِلَى أرض الحبشة فسطت بهم عشائرهم وآذوهم، فأذن لهم رسول الله ﷺ فِي الخروج [٢] مرة أخرى إِلَى أرض الحبشة، فخرج خلق كثير وهذه تسميتهم: أسماؤهم عَلَى حروف المعجم [٣] الأسود بْن نوفل. أسماء بنت عميس. بركة بْن يسار. تميم بن الحارث، ويقال: بن نمير، وانفرد بْن إِسْحَاق فَقَالَ: بشر. جابر بْن سفيان بْن معمر. جعفر بْن أبي طالب، جنادة بْن سفيان. جهم بْن قيس. الحارث بْن حاطب. الحارث بْن خالد التميمي. الحارث بْن عَبْد قيس بْن عامر [٤] . حاطب بْن الحارث، ومات بالحبشة. حاطب بْن عمرو. الحجاج بْن الحارث السهمي. حرملة بنت عَبْد الأسود. حطاب بْن الحارث، ومات بالحبشة [٥] . حسنة أم شرحبيل. خالد بْن سفيان الجمحي. خالد بْن سَعِيد بْن العاص. خالد بْن حرام بْن خويلد. خزيمة بن جهم. خنيس بن جذامة.

стр. 781

ربيعة بْن هلال. رقية بنت رَسُول اللَّه ﷺ . رملة بنت أبي عوف. ريطة بنت الحارث. الزُّبَيْر بْن العوام. السائب بْن الحارث. السائب بْن عثمان بْن مظعون. سَعِيد بْن خولة. سَعِيد بْن الحارث بْن قيس. سَعِيد بْن عَبْد قيس الفهري [١] . سَعِيد بْن عمرو التميمي، ويقال: اسمه معيد. سفيان بْن معمر الجمحي. السكران بْن عمرو. سلمة بْن هشام بْن المغيرة المخزومي. سليط بْن عمرو العامري. سويبط العَبْدري. سودة بنت زمعة زوج رسول اللَّه ﷺ . سهل بْن بيضاء. سهلة بنت سهيل. شرحبيل بْن حسنة. شماس بْن عثمان. طليب بْن أزهر. طليب بْن عمير. عامر بْن ربيعة. عامر بْن أبي وقاص. عامر بْن عَبْد اللَّه. أَبُو عبيدة بْن الجراح. / عَبْد اللَّه بْن جحش. عَبْد اللَّه بْن الحارث ابن قيس. عَبْد اللَّه بْن حذافة السهمي. عَبْد اللَّه بْن سفيان. عَبْد اللَّه بْن سهيل بْن عمرو. عَبْد اللَّه بْن شهاب. عَبْد اللَّه بْن عَبْد الأسد. أَبُو سلمة عَبْد اللَّه بْن قيس بْن موسى. عَبْد اللَّه بْن مخرمة بْن عَبْد العزى. عَبْد اللَّه بْن مسعود. عَبْد الرحمن بْن عوف. عَبْد اللَّه بْن مظعون. عتبة بْن غزوان. عبيد بْن مسعود. عثمان بْن عفان. عثمان بْن مظعون. عثمان بْن ربيعة بْن وهبان. عثمان بن عبد غنم الفهري. عدي بْن نضلة. عروة بْن أبي أثابة. عمار بن ياسر. عمر بْن رباب. عمرو بْن أمية بْن الحارث. عمرو بْن جهم. عمرو بْن الحارث بْن زهير [٢] . عمرو بْن سَعِيد بْن العاص. عمرو بْن عثمان بْن كعب التيمي. عمرو بْن أبي سرح، وقيل: اسمه معمر. عمير بْن رباب السهمي. عميرة بنت السعدي. عياض بْن زهير. عياش بْن أبي ربيعة. فاطمة بنت صفوان [بْن أمية] [٣] . فاطمة بنت المجلل. وقيل: المحلل. فراس بْن النضر بْن الحارث. فكيهة بنت يسار. قدامة بْن مظعون. قيس بْن حذافة السهمي [٤] . قيس بْن عَبْد اللَّه. من بني أسد بْن خزيمة. ليلى بنت أبي خيثمة. مالك بْن ربيعة. مُحَمَّد بْن حاطب. محمية بنت جزء السهمي. مصعب بْن عمير. المطلب بْن أزهر. معَبْد بْن الحارث السهمي، ويقال: ابن معمر. معتب بْن عوف. معمر بن عبد الله بن نضلة.

стр. 782

ومعيقيب بْن [أبي] [١] فاطمة. المقداد بْن الأسود. نبيه بْن عثمان بْن ربيعة. [هاشم بْن أبي حذيفة المخزومي. هبار بْن سفيان. هشام بْن أبي العاص بْن وائل] [٢] هاشم بْن عتبة بْن ربيعة. همينة بنت خلف، ويقال: أمينة. هند بنت أبي أمية. يزيد بْن زمعة الأسود. أَبُو الروم بْن عمير. أَبُو سبرة بْن أبي رهم. أَبُو قليهة. أَبُو قيس بْن الحارث. أم كلثوم بنت سهيل بْن عمرو. فهؤلاء [٣] جملة الذين هاجروا إِلَى الحبشة/ الهجرتين الأولى والآخرة عَلَى خلاف فِي بعضهم . ذكر من ولد بالحبشة للمسلمين [٤] عَبْد اللَّه، وعوف، ومُحَمَّد: أولاد جعفر بْن أبي طالب. سَعِيد وأمه: ابنا خالد بْن سَعِيد بْن العاص. عَبْد اللَّه بْن المطلب، مُحَمَّد بْن أبي جعفر، مُحَمَّد بْن حاطب، زينب بنت أبي سلمة، موسى، وعائشة، وزينب: أولاد الحارث بْن خالد. قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق: كان جميع من لحق بأرض الحبشة من المسلمين سواء أبناؤهم الذين خرجوا بهم صغارا أو ولدوا بها نيفا وثمانين رجلا [إن كان عمار منهم، وابن إِسْحَاق يشك فِي عمار. وذكر الواقدي] [٥] أنهم كانوا ثلاثة وثمانين رجلا، ومن النساء إحدى عشرة قرشية، وسبع غرائب، فلما سمعوا بمهاجرة النبي ﷺ إِلَى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا، وثمان نسوة، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس منهم سبعة، وشهد بدرا منهم أربعة وعشرون رجلا [٦] .

стр. 783

فصل قَالَ مؤلف الكتاب [١] : ولما خرج المسلمون إِلَى الحبشة ومنع اللَّه تعالى نبيه ﵇ بعمه أبي طالب، ورأت قريش أن لا سبيل لهم عَلَيْهِ رموه بالسحر والكهانة والجنون، وَقَالُوا: شاعر، ثم بالغوا فِي أذاه. فمما فعلوه: ما روى عَبْد اللَّه بْن عمرو بْن العاص قَالَ: حضرت قريشا وقد اجتمع أشرافهم يوما فِي الحجر، فذكروا رسول اللَّه [ ﷺ ] فقالوا: ما رأينا مثل ما صرنا إليه من هَذَا الرجل، قد سفه أحلامنا، وشتم آباءنا وعاب آلهتنا- وقيل: ديننا [٢]- وفرق جماعتنا وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه عَلَى أمر عظيم، فبينما هم كذلك إذ طلع رَسُول اللَّه ﷺ فأقبل يمشي حَتَّى استلم الركن، ثُمَّ مر طائفا بالبيت، فلما مر غمزوه ببعض القول، قَالَ فعرفت ذلك فِي وجه رسول الله [٣] ، ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه [بمثلها] [٤] فعرفت ذلك فِي وجه رسول اللَّه [٥] ، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه/ بمثلها فوقف [٦] فَقَالَ: «ألا تسمعون يا معاشر قريش، أما والذي نفس مُحَمَّد بيده لقد جئتكم بالذبح» . قَالَ: فأخذت القوم كلمته حَتَّى ما بينهم [٧] رجل إلا كأنما عَلَى رأسه طائر واقع، وحتى أن أشدهم فيه وصاة [٨] قبل ذلك ليلقاه بأحسن ما كان يجد من القول حَتَّى أنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشدا، فو الله ما كنت جهولا. فانصرف رسول الله حَتَّى إذا كان من الغد اجتمعوا [فِي الحجر] [٩] وأنا معهم.

стр. 784

فَقَالَ بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم حَتَّى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم كذلك إذ طلع رسول اللَّه ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به يقولون: أنت الذي تَقُولُ كذا وكذا؟ لما [كان] [١] يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رَسُولُ اللَّه [ ﷺ ] : «نَعَمْ أنا الّذي أقول ذلك» فلقد رأيت رجلا منهم أخذ مجمع ردائه، وقام أَبُو بكر دونه وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي اللَّه. ثم انصرفوا [عنه] [٢] . أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: أخبرنا ابن المذهب قال: أخبرنا أحمد بْن جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرزاق قال: حدّثنا معمر بن أبي خَيْثَمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ [٣] عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ فَتَعَاهَدُوا بِاللاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى: لَوْ قَدْ رَأَيْنَا مُحَمَّدًا قُمْنَا إِلَيْهِ قِيَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَلَمْ نُفَارِقْهُ حَتَّى نَقْتُلَهُ، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَبْكِي حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى أَبِيهَا رَسُولِ اللَّهِ [ ﷺ ] فَقَالَتْ: هَؤُلاءِ الْمَلأُ مِنْ قُرَيْشٍ [٤] مِنْ قَوْمِكَ فِي الْحِجْرِ قَدْ تَعَاهَدُوا أَنْ لَوْ رَأَوْكَ قَامُوا إِلَيْكَ يَقْتُلُونَكَ، فَلَيْسَ مَعَهُمْ رَجُلٌ إِلا قَدْ عَرَفَ نصيبه من بدنك. فقال: «يا بنية أرني وُضُوءًا» فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمُ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هُوَ هَذَا، هُوَ هَذَا. فَخَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ وَعَقَرُوا فِي مَجَالِسِهِمْ فَلَمْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ، وَلَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ رَجُلٌ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ / حَتَّى قَامَ عَلَى رُءُوسِهِمْ فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَحَصَبَهُمْ بها. وقال: «شاهت الوجوه» فما أصاب رجل مِنْهُمْ حَصَاةٌ إِلا قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا [٥] . قَالَ أحمد: وَحَدَّثَنَا علي بْن عَبْد اللَّه- هو ابن المديني- قَالَ: أَخْبَرَنَا الوليد بْن مسلم قَالَ: حدَّثَنِي الأوزاعي قَالَ: حدثني يحيى بْن أبي كثير قَالَ: حدثني مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التيمي قَالَ: حدَّثَنِي عروة بْن الزبير قَالَ: قلت لعَبْد الله بْن عمرو بْن العاص: أخبرني بأشد شَيْء صنعه المشركون برسول الله ﷺ .

стр. 785

قَالَ: بينا رسول اللَّه بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بْن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ولوى به فِي عنقه، فخنقه به خنقا شديدا، فأقبل أَبُو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله [ ﷺ ] وَقَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ من رَبِّكُمْ ٤٠: ٢٨ [١] . قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا وَهْبُ بْن جَرِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق، عَنْ عَمْرِو بْن مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ: مَا رأيت رسول الله ﷺ دَعَا عَلَى قُرَيْشٍ غَيْرَ يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَرَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ جُلُوسٌ وَسَلا جَزُورٍ قَرِيبٌ مِنْهُمْ فَقَالُوا: مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّلا فَيُلْقِيَهُ عَلَى ظَهْرِهِ؟ فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ: أنا. فَأَخَذَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى ظَهْرِهِ فَلَمْ يَزَلْ سَاجِدًا حَتَّى جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَخَذَتْهُ عن ظهره، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «اللَّهمّ عَلَيْكَ بِالْمَلأِ مِنْ قُرَيْشٍ، اللَّهمّ عَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، اللَّهمّ عَلَيْكَ بِشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. اللَّهمّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، اللَّهمّ عَلَيْكَ بِعُقَبْةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، اللَّهمّ عَلَيْكَ بِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ» - أَوْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ» . فَقَالَ عَبْد اللَّه: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ جَمِيعًا، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ غَيْرُ أُبَيٍّ- أَوْ أُمَيَّةَ- فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلا ضَخْمًا فَتَقَطَّعَ. أخرجه البخاري ومسلم [٢] . وانفرد بالذي قبله البخاري [﵀] . فصل قَالَ مؤلف الكتاب [٣] : فلما كثرت أنواع الأذى التي لقيها رسول الله ﷺ / من المشركين استتر فِي دار الأرقم بْن أبي الأرقم وهي التي تسمى الآن دار الخيزران . فصل قَالَ مؤلف الكتاب [٤] : فلما استقر قرار المهاجرين إلى الحبشة اجتهد المشركون

стр. 786

فِي كيدهم، فبعثوا عمرو بْن العاص وعبد الله بْن أبي ربيعة إِلَى النجاشي بهدايا ليسلمهم إليهم. أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْن علي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر بْن مالك قَالَ: حدثنا عبد الله بن أحمد قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ [١] الْحَبَشَةِ جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا وَعَبَدْنَا اللَّهَ لا نُؤْذَى، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا ائْتَمَرُوا أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فِينَا رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ، وَأَنْ يُهْدُوا له [٢] هدايا مما يَسْتَطْرِفُ مِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ وَأَمَرُوهُمْ أَمْرَهُمْ وَكَانَ أَعْجَبَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْهَا الأَدَمُ [٣] ، فَجَمَعُوا لَهُ أَدَمًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بَطْرِيقًا إِلا أَهْدَوْا إِلَيْهِ هَدِيَّةً، ثُمَّ بَعَثُوا بِذَلِكَ عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وأمروهم أمرهم [٤] ، وقالوا لهما: ادْفَعُوا إِلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمُوا النَّجَاشِيَّ فِيهِمْ، ثُمَّ قَدِّمُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ هَدَايَاهُ، ثُمَّ سَلُوهُ أَنْ يُسَلِّمَهُمْ إِلَيْكُمْ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ، فَخَرَجَا فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ فَدَفَعَا إِلَى كُلِّ بَطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ وَقَالا لَهُمْ: إِنَّهُ قَدْ صَبَأَ إِلَى بِلادِ الْمَلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ، وَجَاءُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَى الْمَلِكِ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ [٥] لِيَرُدُّوهُمْ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا كَلَّمْنَا الْمَلِكَ فِيهِمْ فَأَشِيرُوا عَلَيْهِ تَسْلِيمَهُمْ إِلَيْنَا وَلا نُكَلِّمُهُمْ، فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْبًا. فَقَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ قَرَّبَا هَدَايَاهُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَقَبِلَهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ تَكَلَّمَا، فَقَالا لَهُ: إِنَّهُ [٦] قَدْ صَبَأَ إِلَى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دِينَكَ، وَجَاءُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ، لا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ/ آبَائِهِمْ وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ لِنَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، فَهُمْ أعلى بهم

стр. 787

وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ. فَقَالَ بَطَارِقَتُهُ: صَدَقُوا فَأَسْلِمْهِمْ إِلَيْهِمَا. فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ وَقَالَ: لا وَايْمُ اللَّهِ، إِذَنْ لا أُسْلِمُهُمْ إِلَيْهِمَا وَلا أُكَادُّ قوما جاورني وَنَزَلُوا بِلادِي وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ حَتَّى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ مَا يَقُولُ هَذَانِ فِي أَمْرِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولانِ سَلَّمْتُهُمْ إِلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتُهُمْ مِنْهُمْ وَأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ رسول الله ﷺ [فَدَعَاهُمْ] [١] فَلَمَّا أَنْ جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إِذَا جِئْتُمُوهُ؟ فَقَالُوا: نَقُولُ وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا وَمَا أمرنا به نبينا ﷺ كَائِنٌ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَمَّا جاءوه وقد دعي النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ سَأَلَهُمْ، فَقَالَ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي دِينِي وَلا فِي دِينٍ آخَرَ مِنْ هَذِهِ الأُمَمِ؟ قَالَتْ: وَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، وَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى [٢] إِلَيْنَا رسولا منا نعرف صدقه وأمانته وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاءُنَا [٣] مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ: الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ، وَأَمَرَنَا: أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ لا نُشْرِكَ بِهِ شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة وَالصِّيَامِ، فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَنَا بِهِ [٤] فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ، فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَى عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إلى عبادة الأوثان، وأن يستحل مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الْخَبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَشَقُّوا عَلَيْنَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إِلَى بِلادِكَ وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عندك أيها الملك. قالت: فَقَالَ [٥] لَهُمُ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ

стр. 788

بِهِ عَنِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ: قَالَ: فَاقْرَأْهُ عَلَيَّ فَقَرَأَ عَلَيْهِ صدرا من كهيعص ١٩: ١ فَبَكَى النَّجَاشِيُّ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى اخْضَلُّوا مَصَاحِفَهُمْ. ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى، لَيَخْرُجُ مِنْ مشكاة واحدة، انطلقا فو الله لا أسلمكم إليهما أبدا. قالت: فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُ غَدًا أَعِيبُهُمْ عِنْدَهُ بِمَا أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَكَانَ أَتْقَى الرَّجُلَيْنِ فِينَا: لا تفعل، فإن لهم أرحاما. قال: فو الله لأُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ عَبْدٌ، قَالَتْ: ثُمَّ غَدَا عَلَيْهِ الْغَدَ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَوْلا عَظِيمًا، فَأَرْسِلْ إِلَيْهِمْ، فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا يَقُولُونَ فِيهِ. قَالَتْ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ؟ قَالَتْ: وَلَمْ يَزَلْ بِنَا مِثْلُهَا، فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه مَا قَالَ اللَّهُ ، وَمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا، كَائِنٌ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ؟ قَالَ لَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: نَقُولُ فِيهِ الَّذِي جاء به نبينا ﷺ : «هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ الْبَتُولِ» قَالَتْ: فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ يَدَهُ إِلَى الأَرْضِ، فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا ثُمَّ قَالَ: مَا عَدَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ. ثُمَّ قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي- وَالسُّيُومُ الآمِنُونَ- مَنْ سَلِمَ عَزَمَ، مَنْ سَلِمَ [عَزَمَ، مَنْ سَلِمَ عَزَمَ، مَا أُحِبُّ أن أدير ذَهَبًا وَأَنِّي آذَيْتُ مِنْكُمْ رَجُلا. وَالدِّيرُ بِلِسَانِ الحبشة: الحبل] [١] ردّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لنا بها، فو الله مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعُهُمْ فِيهِ. قَالَتْ: / فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنَ، مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ [٢] ، وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ وَخَيْرِ جَارٍ. قَالَتْ: فو الله إِنَّا عَلَى ذَلِكَ فَأَنْزَلَ بِهِ مَنْ يُنَازِعُهُ في ملكه. قالت: فو الله مَا عَلِمْنَا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ تَخَوُّفًا أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ الْمَلِكُ عَلَى النَّجَاشِيِّ [فَلا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا ما كان يعرفه] [٣] .

стр. 789

قَالَ: فَسَارَ النَّجَاشِيُّ وَبَيْنَهُمَا عَرْضُ النِّيلِ، فَقَالَ أصحاب رسول الله ﷺ : [هَلْ] [١] مِنْ رَجُلٍ يَخْرُجُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقْعَةَ الْقَوْمِ ثُمَّ يَأْتِينَا بِالْخَبَرِ؟. قَالَتْ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا. قَالَتْ: وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ الْقَوْمِ سِنًّا. قَالَتْ: فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ سَبَحَ عَلَيْهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا مُلْتَقَى الْقَوْمِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهُمْ. قَالَتْ: وَدَعَوْنَا اللَّهَ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ وَالتَّمْكِينِ لَهُ فِي بِلادِهِ، فَاسْتَوْثَقَ لَهُ أَمْرُ الْحَبَشَةِ. فَكُنَّا عِنْدَهُ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وهو بمكة [٢] . فصل وَفِي هَذِهِ السنة توفيت: ٢- سمية بنت خياط [٣] : مولاة حذيفة بْن المغيرة، وهي أم عمار بْن ياسر، أسلمت بمكة قديما، وكانت ممن يعذب فِي اللَّه لترجع عَنْ دينها فلم تفعل، فمر بها أَبُو جهل فطعنها فِي قلبها [٤] فماتت وكانت عجوزا كبيرة، فهي أول شهيدة فِي الإسلام . ومن الحوادث فِي سنة ست من النبوة [٥] [فمن ذلك:] [٦] إسلام حمزة وعمر [٧] : وقيل إن ذلك فِي سنة خمس. وأما سبب إسلام حمزة: فروى ابن إِسْحَاق: أن أبا جهل مر برسول اللَّه ﷺ وهو جالس عند الصفا، فأذاه وشتمه ونال

стр. 790

منه بعض ما يكره، فلم يكلمه رسول الله [ ﷺ ] ، وكانت مولاة لعبد الله بْن جدعان فِي مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك، ثم انصرف فعمد إِلَى نادي قريش عند الكعبة [فجلس معهم] [١] ، فلم يلبث حَمْزَة بْن عَبْد المطلب أن أقبل متوشحا قوسه راجعا من قنص له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إِلَى أهله حَتَّى يطوف بالكعبة، وكان أعز قريش وأشدها شكيمة، فلما/ مر بالمولاة قالت لَهُ: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك مُحَمَّد آنفا من أبي الحكم بن هشام وجده هاهنا جالسا فسبه وأذاه وبلغ منه، فلم يكلمه مُحَمَّد، فاحتمل حمزة الغضب، فخرج سريعا، فدخل المسجد، فرأى أبا جهل جالسا فِي القوم فضربه بالقوس ضربة شجه بها شجة منكرة وَقَالَ له: أتشتمه وأنا عَلَى دينه، أقول ما يقول؟ فرد ذلك علي إن استطعت. وتم حمزة عَلَى إسلامه، فعرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز، وأن عمه حمزة سيمنعه، فكفوا عَنْ بعض ما كانوا ينالون منه. وأما سبب إسلام عمر: ففيه ثلاثة أقوال، سنذكرها فِي باب خلافة عمر ﵁ . ومن الحوادث فِي سنة سبع من النبوة [٢] وقعة بعاث: وكانت بين الأوس والخزرج. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ قَالَ: أخبرنا أبو عمرو بن حيوية قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحسين بن الهثيم قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سعد [٣] قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: كَانَتْ وَقْعَةُ بعاث [ورسول الله ﷺ بِمَكَّةَ، قَدْ تَنَبَّأَ، وَدَعَا إِلَى الإِسْلامِ، ثُمَّ هاجر

стр. 791

بعدها بِسِتِّ سِنِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ حُضَيْرٌ أَبُو أُسَيْدِ بْنُ حُضَيْرٍ رَئِيسُ الأَوْسِ يَوْمَ بُعَاثٍ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا كَانَتْ] [١] قَبْلَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ / بِخَمْسِ سِنِينَ [٢] . أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْن جعفر القَطِيعيّ قَالَ: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حدثني أبي قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أبي، عن إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ [٣] قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو الْجَلِيسِ أَنَسُ بْنُ نَافِعٍ وَمَعَهُ فِتْيَةٌ من بني عبد الأشهل منهم: إياس مُعَاذٍ يَلْتَمِسُ الْحِلْفَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَوْمِهِمْ من الخزرج، فسمع بهم رسول الله ﷺ ، فَأَتَاهُمْ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُمْ: «هَلْ لَكُمْ إِلَى خَيْرٍ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ» ؟ قَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: «أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى الْعِبَادِ، أَدْعُوهُمْ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ لا يشركوا به شيئا، وأنزل عليّ كتاب كريم» ثُمَّ ذكر الإِسْلامَ، وَتَلا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ. فَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ وَكَانَ غُلامًا حَدَثًا: أَيْ قَوْمِ، هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ، فَأَخَذَ أَبُو الْجَلِيسِ حِفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ، فَضَرَبَ بِهَا وَجْهَ إِيَاسِ بْنِ مُعَاذٍ، وَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَانْصَرَفُوا إِلَى الَمْدِينَةِ. وَكَانَتْ وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، فلم يلبث إياس بْن معاذ أن هلك. قَالَ محمود بْن لبيد: فأخبرني من حضره من قومي عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل اللَّه ويكبره، ويحمده، ويسبحه حَتَّى مات، وما كانوا يشكون أنه قد مات مسلما. لقد كان يستشعر الإسلام فِي ذلك المجلس حين سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ذكر ما جرى من الحوادث فِي السنة الثامنة من النبوة قَالَ مؤلف الكتاب [٤] : فيها نزل قول اللَّه تعالى: غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ من بَعْدِ غَلَبِهِمْ ٣٠: ٢- ٣

стр. 792

سَيَغْلِبُونَ ٣٠: ٣ [١] وكانت بين فارس والروم حروب قد أشرنا إليها فيما تقدم. قَالَ يحيى بْن يعمر: بعث قيصر رجلا يدعى قطمه بجيش من الروم وبعث كسرى بشهربراز، فالتقيا بأذرعات وبصرى وهما أدنى الشام إليكم فلقيت فارس الروم، فغلبتهم فارس، ففرح بذَلِكَ كفار/ قريش وكرهه المسلمون. فأنزل اللَّه تعالى الم غُلِبَتِ الرُّومُ في أَدْنَى الْأَرْضِ ٣٠: ١- ٣ الآيات. وَقَالَ علماء السير: وقد فرح المشركون وشق عَلَى المسلمين لأن فارس لم يكن لهم كتاب، وكانوا يجحدون البعث، ويعَبْدون الأصنام، وكان الروم أصحاب كتاب، فَقَالَ المشركون لأصحاب رسول الله ﷺ : إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس عَلَى إخوانكم من الروم، فإن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فنزلت هَذِهِ الآية، فخرج بها أَبُو بكر الصديق ﵁ إِلَى المشركين، فقالوا: هَذَا كلام صاحبك، فَقَالَ: اللَّه أنزل هَذِهِ! فقالوا لأبي بكر: نراهنك عَلَى أن الروم لا تغلب فارس، فَقَالَ أَبُو بكر: البضع ما بين الثلاث إِلَى التسع، فقالوا: الوسط من ذلك ست، فوضعوا الرهان- وذلك قبل أن يحرم الرهان- وكان الرهن عشر قلائص إِلَى عشر قلائص، فرجع أَبُو بكر إِلَى أصحابه فأخبرهم، فلاموه، وَقَالُوا: هلا أقررتها كما أقرها اللَّه لو شاء أن يقول ستا، فخرج أَبُو بكر: أزيدكم فِي الخطر وأزيدكم [٢] فِي الأجل إِلَى تسع سنين. فقهرهم أَبُو بكر وأخذ رهانهم، فظهرت الروم عَلَى فارس بعد سبع سنين، ووافق التقاؤهم يوم بدر. ومن الحوادث فِي هَذِهِ السنة [٣] أنه لما أسلم حمزة وعمر ﵄، وحمى النجاشي من عنده من المسلمين، وحامي عن رسول الله ﷺ عمه أَبُو طَالِبٍ فشا الإسلام فِي القبائل، واجتهد المشركون فِي إخفاء ذلك النور، وَيَأْبَى الله إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ٩: ٣٢ [٤] واجتمعت قريش واستمرت

стр. 793

بينها أن يكتبوا كتابا يتعاهدون فيه عَلَى أن لا ينكحوا لبني هاشم وبني عَبْد المطلب ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، فكتبوا بذلك صحيفة، وتوافقوا عليها، وعلقوها فِي جوف الكعبة، توكيدا لذلك الأمر عَلَى أنفسهم، فلما فعلوا ذلك انحازت بنو هاشم وبنو عَبْد المطلب إِلَى أبي طالب، فدخلوا معه فِي شعبه، / وخرج من هاشم أَبُو لهب إِلَى قريش فظاهر المشركين، فأقاموا عَلَى ذلك ثلاث سنين. وَرَوَى الواقدي عَنْ أشياخه أنهم حصروهم فِي أول سنة سبع من النبوة وقطعوا عنهم الميرة والمارة، فكانوا [١] لا يخرجون إلا من هو منهم، حَتَّى بلغهم الجهد، وسمع أصوات صبيانهم من وراء الشعب، فمن قريش من سره ذلك، ومنهم من ساءه، وكان خروجهم فِي السنة العاشرة، وكان هِشَام بْن عمرو بْن ربيعة أفضل [٢] قريش لبني هاشم حين حصروا فِي الشعب، أدخل عليهم فِي ليلة [٣] ثلاثة أحمال طعام، فعلمت بذلك قريش، فمشوا إليه، فكلموه فِي ذلك، فَقَالَ: إني عائد بشَيْء يخالفكم، ثم عاد الثانية، فأدخل حملا أو حملين ليلا فغالظته قريش وهموا به، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان بْن حرب، دعوه رجل وصل رحمه أما إني أحلف باللَّه لو فعلنا مثل ما فعل، كان أجمل [بنا] [٤] ثم أن هشاما أسلم يوم الفتح.

стр. 794

الخاتمة تم الجزء الثاني من كتاب «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» تأليف الشيخ الإمام العالم الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن الجوزي غفر الله له ويتلوه الجزء الثالث: فصل: قال مؤلف الكتاب: واختلف العلماء في سبب نقض حكم الصحيفة على قولين:

стр. 795

[المجلد الثالث] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [تتمة السنة الثامنة من البعثة] فصل واختلف العلماء في سبب نقض [حكم] [١] الصحيفة على قولين: أحدهما: أن الله تعالى أطلع نبيه [ ﷺ ] [٢] على أمر صحيفتهم، وأن الأرضة قد أكلت ما كان فيها من جور وظلم، وبقي ما كان [فيها] [٣] من ذكر الله تعالى، فذكر ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لأبي طَالِب، فقال أبو طالب: أحق ما تخبرني به يا ابن أخي. قال: نعم والله. فذكر ذلك أبو طالب لإخوته وقال: والله ما كذبني قط. قالوا: فما ترى؟ قال: أرى أن تلبسوا أحسن ثيابكم، وتخرجوا إلى قريش، فتذكروا [ذلك] [٤] لهم من قبل أن يبلغهم الخبر. فخرجوا حتى دخلوا المسجد، فَقَالَ أبو طالب: إنا قد جئنا لأمر فأجيبونا فيه [٥] . قالوا: مرحبا بكم وأهلا. قال: إن ابن أخي قد أخبرني- ولم يكذبني قط- أن الله قد سلّط على صحيفتكم الأرضة، فلحست كل ما فيها [٦] من جور أو ظلم أو

стр. 796

قطيعة رحم [١] ، وبقي فيها كل ما ذكر به الله [٢] ، فإن كان ابن أخي صادقا نزعتم عن سوء رأيكم، وإن كان كاذبا دفعته إليكم فقتلتموه واستحييتموه إن شئتم. قالوا: قد أنصفت. فأرسلوا إلى الصحيفة، فلما فتحوها إذا هي كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فسقط في أيدي القوم، ثم نكسوا [على] [٣] رءوسهم. فقال أبو طالب: هل تبين لكم أنكم أولى بالظلم والقطيعة، فلم يراجعه أحد منهم، ثم انصرفوا. رواه محمد بن سعد عن أشياخ له [٤] . والثاني: أن هشام بن عمرو بن الحارث العامري مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة، فقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت، لا يباعون [٥] ، ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم، أما إني أحلف باللَّه: لو كان أخوك أبو الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك منهم أبدا. قَالَ: ويحك يا هشام، فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد/ والله لو كان معي آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها. قال: قد وجدت رجلا. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: أبغنا ثالثا. فذهب إلى المطعم بن عدي فقال: يا مطعم، أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت موافق لقريش في ذلك [٦] ؟ قال: ويحك، ماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت ثانيا. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: أبغنا ثالثا [٧] . قال: قد وجدت. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال: أبغنا رابعا. فذهب إلى أبي البختري بن هشام. فقال له نحوا مما قال لمطعم بن عدي. فقال: فهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: زهير، والمطعم،

стр. 797

وأنا معك، قال: أبغنا خامسا. فذهب إلى زمعة بن الأسود، فكلمه وذكر له قرابتهم. فقال: وهل لك معين [١] ؟ قال: نعم. فسمى له القوم، فاتعدوا خطم الحجون [٢] التي بأعلى مكة، واجتمعوا هنالك وتعاهدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها. فقال زهير: أنا أبدؤكم. فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم [٣] ، وكانت قريش قد تجاوزت الكعبة، فكان شق البيت لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود واليماني لبني مخزوم وتيم وقبائل من قريش ضموا إليهم، وكان ظهر البيت [٤] لبني جمح وبني سهم، وكان شق الحجر- وهو الحطيم- لبني عبد الدار، ولبني أسد بن عبد العزى، وبني عدي بن كعب، فغدا زهير فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة، إنا نأكل الطعام [٥] ، ونشرب الشراب. ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى، لا يباعون [٦] ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. فقال أبو جهل: كذبت، والله لا تشق. فقال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت [٧] . فقال أبو البختري: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به: فقال المطعم: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها. وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك. / فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل وتشوور فيه بغير [هذا المكان] [٨] فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها [٩] ، فوجد الأرضة قد أكلتها، إلا ما كان من «باسمك اللَّهمّ» .

стр. 798

وكان كاتبها منصور بن عكرمة بن هاشم [١] ، فشلت يده [٢] . هذا قول ابن إسحاق . فصل وقدم على رسول الله ﷺ ضماد الأزدي. أَخْبَرَنَا سَعْدُ الْخَيْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسُّي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ابن عَمْرَوَيْهِ الْجُلُودِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّةَ وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يُرْقِي مِنْ [هَذِهِ] [٣] الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهَاءُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ [٤] يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ. فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ، لَعَلَّ [اللَّهَ] [٥] أَنْ يَشْفِيَهُ عَلَى يَدِي [٦] . قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدٌ، إِنَّي أَرْقِي مِنَ الرِّيحِ، وَإِنَّ اللَّهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ يَشَاءُ، فَهَلْ لَكَ [٧] ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ فلا مضل له [٨] ، ومن

стр. 799

يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ» . قَالَ: فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلاءِ. فَأَعَادَهُنَّ عليه رسول الله ﷺ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ قَامُوسَ الْبَحْرِ، هَاتِ يَدَكَ [١] أُبَايِعْكَ عَلَى الإِسْلامِ. فَبَايَعَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ [ ﷺ ] [٢] : «وَعَلَى قَوْمِكَ» ؟ قَالَ: وَعَلَى قَوْمِي. فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً، فَمَرُّوا بِقَوْمِهِ، فَقَالَ صَاحِبُ الْجَيْشِ: هَلْ أَصَبْتُمْ مِنْ هَؤُلاءِ شَيْئًا؟. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَصَبْتُ مَطْهَرَةً. فَقَالَ: رَدُّوهَا، فَإِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمُ ضِمَادٍ [٣] . ذكر الحوادث في السنة العاشرة من النبوة [وفاة أبي طالب] [٤] منها: موت أبي طالب، فإنه توفي للنصف من شوال في هذه السنة، وهو ابن بضع وثمانين سنة. ولما مرض أبو طالب دخل عليه رسول الله ﷺ فعرض عليه الإسلام.

стр. 800

فَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّازُ، قَالَ: أخبرنا أبو محمد الجوهري قال: أخبرنا أبو عمر بْن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال: أخبرنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد قال: حَدَّثَنِي مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ وَأَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَمُّ، قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» . فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتْرَغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: «يَا عَمُّ، قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» . وَيَقُولانِ لَهُ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ حَتَّى قَالَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا: أَنَا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. ثُمَّ مَاتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» [١] . فَاسْتَغْفَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ٩: ١١٣ [٢] . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عن

стр. 801

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ الْعُذْرِيِّ [١] ، قال: قال أبو طالب: يا ابن أَخِي، وَاللَّهِ لَوْلا رَهْبَةُ أَنْ تَقُولَ قُرَيْشٌ: [وهرني] [٢] الْجَزَعُ، فَتَكُونَ سُبَّةً عَلَيْكَ وَعَلَى بَنِي أَبِيكَ لَفَعَلْتُ الَّذِي تَقُولُ، وَأَقْرَرْتُ/ عَيْنَكَ لِمَا أَرَى مِنْ شُكْرِكَ وَوَجْدِكَ وَنَصِيحَتِكَ [لِي. ثُمَّ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ دعَاَ] [٣] بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا سَمِعْتُمْ مِنْ مُحَمَّدٍ [وَمَا اتَّبَعْتُمْ] أَمْرَهُ، فَاتَبِّعُوهُ وَأَعِينُوهُ تَرْشُدُوا. فَقَالَ رسول الله ﷺ : «لم تَأْمُرْهُمْ بِهَا [٤] وَتَدَعْهَا لِنَفْسِكَ؟» . فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَأَلْتَنِي [٥] الْكَلِمَةَ وَأَنَا صَحِيحٌ لتابعتك على الّذي تقول، ولكني أكره أَنْ أَجْزَعَ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَتَرَى قُرَيْشُ أَنِّي أَخَذْتُهَا جَزَعًا وَرَدَدْتُهَا فِي صِحَّتِي [٦] . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: أَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَوْتِ أَبِي طَالِبٍ فَبَكَى ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَاغْسِلْهُ وَكَفِّنْهُ وَوَارِهِ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَرَحِمَهُ» . قَالَ فَفَعَلْتُ. قَالَ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَغْفِرُ لَهُ أَيَّامًا وَلا يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ، حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ﵇ بِهَذِهِ الآَيَةِ: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى ٩: ١١٣ [٧] .

стр. 802

قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاغْتَسَلْتُ [١] . قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدّ مَاتَ. قَالَ: «اذْهَبْ فَوَارِهِ وَلا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي» . فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ، فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ دَعَا لِي بِدَعَوَاتٍ مَا يَسَرُّنِي مَا عُوِّضَ بِهِنَّ مِنْ شَيْءٍ [٢] . أَخْبَرَنَا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب قال: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْن أحمد قال: حدثني أبي قال: أخبرنا إبراهيم ابن أَبِي الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَزِيدَ الأَصَمُّ، قَالَ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيُّ يَذكر عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ أَتَيْتُ النَّبِيَّ [ ﷺ ] [٣] فَقُلْتُ: إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ قَدّ مَاتَ. قَالَ: «اذْهَبْ فَوَارِهِ، وَلا تُحْدِثَنَّ شيئا حتّى تأتيني» . قال: فاغتسلت ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَدَعَا لِي/ بِدَعَواتٍ [مَا يَسُرُّنِي أَنِّي ليِ] [٤] بِهَا حُمُرُ النِّعَمِ وَسُودُهَا. قَالَ: وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ [إِذَا غَسَّلَ الْمَيِّتَ] [٥] اغْتَسَلَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَارَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِنَازَةَ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ: «وَصَلْتَ رَحِمَكَ، جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا يا عم» [٦] .

стр. 803

[وفاة خديجة ﵂] [١] ومن الحوادث: وفاة خديجة [﵂] [٢] بعد أبي طالب بأيام [٣] . أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أخبرنا ابن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قَالَ: أخبرنا الحارث بْنُ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْمُنْذِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ] [٤] عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ وَخَدِيجَةُ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا شَهْرٌ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ [٥] ، اجْتَمَعَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُصِيبَتَانِ، فَلَزِمَ بَيْتَهُ، وَأَقَلَّ الْخُرُوجَ، وَنَالَتْ مِنْهُ قُرَيْشٌ مَا لَمْ تَكُنْ تَنَالُ وَلا تَطْمَعُ بِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا لَهَبٍ، فَجَاءَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدٌ، امْضِ لِمَا أَرَدْتَ وَمَا كُنْتَ صَانِعًا إِذْ كَانَ أَبُو طَالِبٍ حَيًّا فَاصْنَعْهُ، لا وَاللاتِ لا يُوصَلُ إِلَيْكَ حَتَّى أَمُوتَ. وَسَبَّ ابْنَ الَعْيَطَلَةِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو لَهَبٍ، فَنَالَ مِنُهْ، فَوَلَّى [وَهُوَ] [٦] يَصِيحُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، صبأ أبو عتبة.

стр. 804

فَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى وَقَفُوا [١] عَلَى أَبِي لَهَبٍ، فَقَالَ: مَا فَارَقْتُ دِينَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلَكِنِّي أَمْنَعُ ابْنَ أَخِي أَنْ يُضَامَ حَتَّى يَمْضِيَ لِمَا يُرِيدُ. فَقَالُوا: قَدْ أَحْسَنْتَ وَأَجْمَلْتَ وَوَصَلْتَ الرَّحِمَ. فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ أَيَّامًا يَذْهَبُ وَيَأْتِي، لا يَعْتَرِضُ لَهُ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهَابُوا أَبَا لَهَبٍ، إِلَى أَنْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ وَأَبُو جَهْلٍ إِلَى أَبِي لَهَبٍ فَقَالا لَهُ: أَخْبَرَكَ ابْنُ أَخِيكَ، أَيْنَ مَدْخَلُ أَبِيكَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ: يَا مُحَمَّدٌ، أَيْنَ مَدْخَلُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ: «مَعَ قَوْمِهِ» . قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا أَبُو لَهَبٍ وَقَالَ: قَدْ سَأَلْتُهُ، فَقَالَ مَعَ قَوْمِهِ. فَقَالا: إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ فِي النَّارِ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدٌ، أَيَدْخُلُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ النَّارَ؟ فَقَالَ رَسُولُ/ اللَّهِ ﷺ : «نَعَمْ، وَمَنْ مَاتَ عَلَى مِثْلِ مَا مَاتَ [عَلَيْهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ دَخَلَ] النَّارَ» [٢] . فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: وَاللَّهِ لا بَرِحْتُ لَكَ عَدُوًّا أَبَدًا، وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ فِي النَّارِ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ [هُوَ] [٣] وَسَائِرُ قُرَيْشٍ [٤] . قَالَ محمد بن عمر: وحدثني عبد الرحمن بن عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ تَنَاوَلَتْ قُرَيْشُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجَ حِينَئِذٍ إِلَى الطَّائِفِ وَمَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فِي لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ عَشْرٍ. قال محمد بن عمر- بغير هذا الإسناد-: فأقام بالطائف عشرة أيام. وقال غيره: شهرا لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه فلم يجيبوه، وخافوا على أحداثهم فقالوا: يا محمد، اخرج من بلدنا والحق لمجابك من الأرض، وأغروا به سفهاءهم. فجعلوا يرمونه بالحجارة حتى إن رجليه لتدميان، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه

стр. 805

حَتَّى لقد شج في رأسه شجاجا. فانصرف رسول الله ﷺ [من الطائف راجعا] [١] إلى مكة وهو محزون، فلما نزل نخلة قام يصلي، فصرف إليه نفر من الجن، سبعة من أهل نصيبين، فاستمعوا وأقاموا بنخلة أياما [٢] . فقال له زيد: كيف تدخل عليهم وهم أخرجوك؟ فأرسل رجلا من خزاعة إلى مطعم بن عدي أدخل في جوارك، قال: نعم [٣] . قال محمد بن كعب القرظي: لَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف- وهم قادة ثقيف وأشرافهم يومئذ- وهم أخوة ثلاثة: عبد يا ليل، ومسعود، وحبيب أولاد عمرو بن عمير، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله ، وكلمهم بما جاء له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرط [٤] ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال آخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك. وقال الثالث: والله لا أكلمك كلمة أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن/ كنت [تكذب على الله ما ينبغي] [٥] لي أن أكلمك. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من عندهم [وقد يئس] [٦] من نصر ثقيف [٧] ، وأغروا به سفهاءهم يسبونه ويصيحون بِهِ، حتى اجتمع إليه الناس، وألجئوه إلى حائط [٨] لعتبة بن

стр. 806

ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء ثقيف، فلما اطمأن قال فيما ذكر لي: «اللَّهمّ إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد فيجهمني [١] ، أم إلى عدو ملكته أمري، فإن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات [٢] ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك الرضى حتى [٣] ترضى، لا حول ولا قوة إلا بك» . فلما رأى ابنا ربيعة- عتبة وشيبة- ما لقي، تحركت له رحمهما [٤] ، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له: عداس، وقالا له: خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه. ففعل ثم أقبل به حتى وضعه بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فلما رفع رسول الله ﷺ يده قال: «بسم الله» ثم أكل. فنظر عداس إلى وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ومن أي البلاد أنت، وما دينك» ؟. قال: أنا نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى [٥] . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى» ؟. قال له: وما يدريك ما يونس بن متى؟. قال: ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبي.

стр. 807

فأكب عداس على رأس رسول الله [ ﷺ ] يقبل رأسه ويديه ورجليه [١] . قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما قالا له: ويلك يا عداس، ما لك تقبل رأس هذا/ الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض [شيء خير من هذا، لقد أخبرني] [٢] بأمر لا يعلمه إلا نبي [٣] . [رجوعه ﷺ من الطائف] [٤] . ومن الحوادث: أنه لما رجع من الطائف لم يمكنه دخول مكة إلا بجوار، وذلك أنه لما دنا من مكة علم أن قومه أشد عليه مما كانوا، فأرسل بعض أهل مكة إلى الأخنس بن شريق فقال له: «هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالة ربي؟» . فقال له الأخنس: إن الحليف لا يجير على الصريح. قال: فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: تعود؟ قال: نعم. قال: فأت سهيل بن عمرو فقل له: إن محمدا يقول لك: هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالات ربي؟ فقال له ذلك، فقال: إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب. فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فأخبره. قال: تعود؟ قال: نعم. قال: ائت المطعم بن عدي فقل له: إن محمدا يقول لك: هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالات ربي؟ قال: نعم فليدخل. فرجع فأخبره وأصبح المطعم بن عدي قد لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه، فدخلوا المسجد، فلما رآه أبو جهل قال: أمجير أم متابع [٥] ؟ قال: بل مجير، قال: أجرنا من أجرت [٦] ؟

стр. 808

فدخل النبي ﷺ مكة وأقام بها، وكان يقف بالموسم على القبائل فيقول: «يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا» فكان يمشي خلفه أبو لهب فيقول: لا تطيعوه. وأتى رسول الله كندة في منازلهم فدعاهم إلى الله [ ] فأبوا، وأتى كلبا في منازلهم فلم يقبلوا منه، وأتى بني حنيفة [١] في منازلهم، فردوا عليه أقبح رد، وأتى [بني] [٢] عامر بن صعصعة، وكان لا يسمع بقادم من العرب له اسم وشرف إلا دعاه وعرض عليه ما عنده. وقال جابر بن عبد الله: مكث رسول الله [ ﷺ ] [٣] بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ، ومجنة وفي المواسم يقول: «من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟» حتى بعثنا الله إليه فأويناه وصدقناه. [تزويج رسول الله ﷺ عائشة ﵂] [٤] ومن الحوادث في هذه السنة: تزويج رسول الله ﷺ عائشة وسودة. وكانت عائشة بنت ست سنين حينئذ. أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن المذهب قال: أخبرنا أحمد بن جعفر قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ وَيَحْيَى قَالا: لَمَّا هَلَكَتْ خَدِيجَةُ ﵂ جَاءَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنُ مَظْعُونٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا تَتَزَوَّجُ؟ قَالَ: «مَنْ؟» قَالَتْ: إِنْ شِئْتَ بِكْرًا، وَإِنْ شِئْتَ ثَيِّبًا. قَالَ: «مَنِ الْبِكْرُ؟» قَالَتِ: ابْنَةُ أَحَبِّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْكَ [عَائِشَةُ] [٥] ِبنْتُ أَبِي بكر.

стр. 809

قَالَ: «وَمَنِ الثَّيِّبُ؟» . قَالَتْ: سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، قَدْ آَمَنَتْ بِكَ وَاتَّبَعَتْكَ عَلَى مَا تَقُولُ. قَالَ: «فَاذْهَبِي فْاذْكُرِيهِمَا عَلَيَّ» . فَدَخَلَتْ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ: يَا أُمَّ رُومَانَ، مَاذَا أَدْخَلَ اللَّهُ [ ] عَلَيْكُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ؟ قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخْطُبَ عَلَيْهِ عَائِشَةَ. قَالَتِ: انْتَظِرِي أَبَا بَكْرٍ حَتَّى يَأْتِيَ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَاذَا أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخْطُبَ عَلَيْهِ عَائِشَةَ. قَالَ: وَهَلْ تَصْلُحُ لَهُ، إِنَّمَا هِيَ ابْنَةُ أَخِيهِ. فَرَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ: «ارْجِعِي إِلَيْهِ فَقُولِي لَهُ: أنا أَخُوكَ، وَأَنْتَ أَخِي فِي الإِسْلامِ، وَابْنَتُكَ تَصْلُحُ لِي» . فَرَجَعْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: انْتَظِرِي. وَخَرَجَ. قَالَتْ أُمُّ رُومَانَ: إِنَّ مُطْعَمَ بْنَ عَدِيٍّ كَانَ قَدْ ذَكَرَهَا على ابنه، فو الله مَا وَعَدَ وَعْدًا قَطُّ فَأَخْلَفَهُ- تَعْنِي أَبَا بَكْرٍ. فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى مُطْعَمِ بْنِ عَدِيٍّ وَعِنْدَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ الْفَتَى، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، لَعَلَّكَ مُصْبِي صَاحِبِنَا وَمُدْخِلُهُ فِي دِينِكَ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ أَنْ تَزَوَّجَ إِلَيْكَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِلْمُطْعَمِ بْنِ عَدِيٍّ: أَبِقَوْلِ هَذِهِ تَقُولُ [قَالَ:] [١] إِنَّهَا تَقُولُ ذَلِكَ؟ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَقَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ فِي نَفْسِهِ مِنْ عِدَتِهِ الَّتِي وَعَدَهُ، فَرَجَعَ فَقَالَ لِخَوْلَةَ: ادْعِي لِي/ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَدَعَتْهُ، فزوجها [إياه وعائشة يَوْمَئِذٍ] [٢] بِنْتَ سِتِّ سِنِينَ. ثُمَّ خَرَجَتْ فَدَخَلَتْ عَلَى سَوْدَةَ بِنْتِ [زَمْعَةَ وَقَالَتْ] : [٣] مَاذَا أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْكِ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ؟ قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخْطُبَكِ عَلَيْهِ. قَالَتْ: وَدِدْتُ، ادْخُلِي إِلَى أَبِي فَاذْكُرِي ذَلِكَ لَهُ- وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ أَدْرَكَهُ السِّنُّ. [قَدْ تخلف عن الحج] [٤] فدخلت عليه، فحيته بتحية الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ. قَالَ: فَمَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَرْسَلَنِي مُحَمَّدُ بن عبد الله أخطب عليه

стр. 810

سَوْدَةَ. قَالَ: كُفْؤٌ كَرِيمٌ، مَاذَا تَقُولُ صَاحِبَتُكِ؟ قَالَتْ: تُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: ادْعِيهَا لِي. فَدَعَوْتََُهَا، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، إِنَّ هَذِهِ تَزْعُمُ أَنَّ محمدا بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ أَرْسَلَ يَخْطُبَكِ، وَهُوَ كُفْؤٌ كَرِيمٌ، أَتُحِبِّينَ أَنْ أُزَوِّجَكِهِ [١] ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: ادْعِيهِ لِي. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ [٢] . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣- خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وتكنى: أم هند . أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُدَبِّرِ قال: أخبرنا أبو منصور بن عبد العزيز الْعُكْبُرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَالِدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدٍ قَالَ: [أَخْبَرَنِي] أَبِي، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لا يَكَادُ يَخْرُجُ مِنَ الْبَيْتِ حَتَّى يَذكر خَدِيجَةَ، فَيُحْسِنُ عَلَيْهَا الثَّنَاءَ، فَذَكَرَهَا يَوْمًا مِنَ الأَيَّامِ، فَأَدْرَكَتْنِي الْغِيرَةُ فَقُلْتُ: هَلْ كَانَتْ إِلا عَجُوزًا قَدْ أَخْلَفَ اللَّهُ لَكَ خَيْرًا مِنْهَا؟. قَالَتْ: فَغَضِبَ حَتَّى اهْتَزُّ مُقَدِّمُ شَعْرِهِ مِنَ الْغَضَبِ، ثُمَّ قَالَ: «لا وَاللَّهِ، مَا أَخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنْهَا، لَقَدْ آمَنَتْ إِذْ كَفَرَ النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي، وَرَزَقَنِي اللَّهُ أَوْلادَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلادَ النِّسَاءِ» [٣] . قَالَتْ: فَقُلْتُ: بَيْنِي/ وَبَيْنَ [نَفْسِي: لا أَذْكُرُهَا بِسُوءٍ] [٤] أَبَدًا. أَنْبَأَنَا يَحْيَى بن الحسين البناء قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ... [٥] قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُخْلِصُ
следующие страницы →