ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء ثقيف، فلما اطمأن قال فيما ذكر لي:
«اللَّهمّ إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد فيجهمني [١] ، أم إلى عدو ملكته أمري، فإن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات [٢] ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك الرضى حتى [٣] ترضى، لا حول ولا قوة إلا بك» .
فلما رأى ابنا ربيعة- عتبة وشيبة- ما لقي، تحركت له رحمهما [٤] ، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له: عداس، وقالا له: خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه. ففعل ثم أقبل به حتى وضعه بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فلما رفع رسول الله ﷺ يده قال: «بسم الله» ثم أكل.
فنظر عداس إلى وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ومن أي البلاد أنت، وما دينك» ؟.
قال: أنا نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى [٥] .
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى» ؟.
قال له: وما يدريك ما يونس بن متى؟.
قال: ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبي.
стр. 807
فأكب عداس على رأس رسول الله [ ﷺ ] يقبل رأسه ويديه ورجليه [١] .
قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما قالا له: ويلك يا عداس، ما لك تقبل رأس هذا/ الرجل ويديه وقدميه؟
قال: يا سيدي ما في الأرض [شيء خير من هذا، لقد أخبرني] [٢] بأمر لا يعلمه إلا نبي [٣]
. [رجوعه ﷺ من الطائف]
[٤] .
ومن الحوادث: أنه لما رجع من الطائف لم يمكنه دخول مكة إلا بجوار، وذلك أنه لما دنا من مكة علم أن قومه أشد عليه مما كانوا، فأرسل بعض أهل مكة إلى الأخنس بن شريق فقال له: «هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالة ربي؟» .
فقال له الأخنس: إن الحليف لا يجير على الصريح.
قال: فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: تعود؟ قال: نعم. قال: فأت سهيل بن عمرو فقل له: إن محمدا يقول لك: هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالات ربي؟ فقال له ذلك، فقال: إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب. فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فأخبره. قال:
تعود؟ قال: نعم. قال: ائت المطعم بن عدي فقل له: إن محمدا يقول لك: هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالات ربي؟ قال: نعم فليدخل.
فرجع فأخبره وأصبح المطعم بن عدي قد لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه، فدخلوا المسجد، فلما رآه أبو جهل قال: أمجير أم متابع [٥] ؟ قال: بل مجير، قال:
أجرنا من أجرت [٦] ؟
стр. 808
فدخل النبي ﷺ مكة وأقام بها، وكان يقف بالموسم على القبائل فيقول: «يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا» فكان يمشي خلفه أبو لهب فيقول: لا تطيعوه. وأتى رسول الله كندة في منازلهم فدعاهم إلى الله [ ] فأبوا، وأتى كلبا في منازلهم فلم يقبلوا منه، وأتى بني حنيفة [١] في منازلهم، فردوا عليه أقبح رد، وأتى [بني] [٢] عامر بن صعصعة، وكان لا يسمع بقادم من العرب له اسم وشرف إلا دعاه وعرض عليه ما عنده.
وقال جابر بن عبد الله: مكث رسول الله [ ﷺ ] [٣] بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ، ومجنة وفي المواسم يقول: «من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟» حتى بعثنا الله إليه فأويناه وصدقناه.
[تزويج رسول الله ﷺ عائشة ﵂]
[٤] ومن الحوادث في هذه السنة: تزويج رسول الله ﷺ عائشة وسودة. وكانت عائشة بنت ست سنين حينئذ.
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن المذهب قال: أخبرنا أحمد بن جعفر قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ وَيَحْيَى قَالا: لَمَّا هَلَكَتْ خَدِيجَةُ ﵂ جَاءَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنُ مَظْعُونٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا تَتَزَوَّجُ؟ قَالَ: «مَنْ؟» قَالَتْ: إِنْ شِئْتَ بِكْرًا، وَإِنْ شِئْتَ ثَيِّبًا.
قَالَ: «مَنِ الْبِكْرُ؟» قَالَتِ: ابْنَةُ أَحَبِّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْكَ [عَائِشَةُ] [٥] ِبنْتُ أَبِي بكر.
سَوْدَةَ. قَالَ: كُفْؤٌ كَرِيمٌ، مَاذَا تَقُولُ صَاحِبَتُكِ؟ قَالَتْ: تُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: ادْعِيهَا لِي.
فَدَعَوْتََُهَا، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، إِنَّ هَذِهِ تَزْعُمُ أَنَّ محمدا بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ أَرْسَلَ يَخْطُبَكِ، وَهُوَ كُفْؤٌ كَرِيمٌ، أَتُحِبِّينَ أَنْ أُزَوِّجَكِهِ [١] ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: ادْعِيهِ لِي. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ [٢]
. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣- خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وتكنى: أم هند .
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُدَبِّرِ قال: أخبرنا أبو منصور بن عبد العزيز الْعُكْبُرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَالِدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدٍ قَالَ: [أَخْبَرَنِي] أَبِي، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لا يَكَادُ يَخْرُجُ مِنَ الْبَيْتِ حَتَّى يَذكر خَدِيجَةَ، فَيُحْسِنُ عَلَيْهَا الثَّنَاءَ، فَذَكَرَهَا يَوْمًا مِنَ الأَيَّامِ، فَأَدْرَكَتْنِي الْغِيرَةُ فَقُلْتُ: هَلْ كَانَتْ إِلا عَجُوزًا قَدْ أَخْلَفَ اللَّهُ لَكَ خَيْرًا مِنْهَا؟.
قَالَتْ: فَغَضِبَ حَتَّى اهْتَزُّ مُقَدِّمُ شَعْرِهِ مِنَ الْغَضَبِ، ثُمَّ قَالَ: «لا وَاللَّهِ، مَا أَخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنْهَا، لَقَدْ آمَنَتْ إِذْ كَفَرَ النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي، وَرَزَقَنِي اللَّهُ أَوْلادَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلادَ النِّسَاءِ» [٣] .
قَالَتْ: فَقُلْتُ: بَيْنِي/ وَبَيْنَ [نَفْسِي: لا أَذْكُرُهَا بِسُوءٍ] [٤] أَبَدًا. أَنْبَأَنَا يَحْيَى بن الحسين البناء قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ... [٥] قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُخْلِصُ
стр. 811
قال: أخبرنا أحمد بن سليمان الطوسي قال: حَدَّثَنَا الزُّبَير بْن بكار قَالَ: حدثني محمد بْنُ حَسَنٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ:
دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ وَهِيَ فِي مَرَضِهَا الَّذِي تُوِفِّيَتْ فِيهِ، فَقَالَ لَهَا: «يَا لَكُرْهٍ مِنِّي مَا أَرَى مِنْكِ يَا خَدِيجَةُ وَقَدْ يَجْعَلُ اللَّهُ فِي الْكُرْهِ خَيْرًا كَثِيرًا، أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ قد زَوَّجَنِي مَعَكِ فِي الْجَنَّةَ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ وَكَلْثَمَ أُخْتَ مُوسَى، وَآسِيَا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ» .
قَالَتْ: وَقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ: «نَعَمْ» .
قَالَتْ: بِالرَّفَاءِ وَالْبَنِينَ. قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهِيَ بِنْتُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ.
وَدُفِنَتْ بِالْحَجُونِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُفْرَتِهَا، وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ سُنَّةُ الْجِنَازَةِ الصَّلاةُ عَلَيْهَا
. - السكران بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود:
[١] أسلم، قديما بمكة، وهاجر إلى الحبشة ومعه امرأته سودة بنت زمعة، فمات في هذه السنة بأرض الحبشة.
وقيل: بمكة، فتزوج رسول الله ﷺ سودة [٢]
. ٤- عبد مناف، أبو طالب:
[عم رسول الله ﷺ ] [٣] وقد سبق ذكره [٤] .
стр. 812
ذكر الحوادث سنة إحدى عشرة من النبوة
[بدء إسلام الأنصار] [١] من ذلك:
خرج رسول الله ﷺ في الموسم يعرض نفسه على القبائل كما كان يصنع في كلّ موسم، فبينا هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج فقال: «من أنتم؟» قالوا: من الخزرج. قال: «أفلا تجلسون أكلمكم؟» . قالوا: بلى.
فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام، وتلى عليهم القرآن، وكان أولئك يسمعون من اليهود أنه قد أظل زمان نبي يبعث، فلما كلمهم قال بعضهم لبعض: والله إنه النبي الذي يعدكم [٢] به يهود، فلا تسبقنكم إليه. فأجابوه وانصرفوا راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا، وكانوا ستة وهم:
أسعد بن زرارة [٣] ، وعوف بن الحارث-/ وهو ابن عفراء [٤]- ورافع بن مالك بن العجلان [٥] ، [وقطبة بن عامر بن حديدة] [٦] ، وعقبة بن عامر بن نابي [٧] ، وجابر بن عبد الله بن رئاب [٨] .
стр. 813
[فلما قدموا] [١] المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله، ودعوهم إلى الإسلام حتى [فشا] [٢] فيهم، فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَرَوَى أَبُو هِلالٍ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي مُقَاتِلٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ كَثِيرِ بْنِ سَيَّارٍ التَّمِيمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرَانَ، الصَّنْعَانِيُّ قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجْلِيُّ، عَنْ أَبَانَ بْنِ ثَعْلَبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ:
لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، خَرَج وَأَنَا مَعَهُ، وَأَبُو بَكْرٍ، حَتَّى دَفَعَنَا إِلَى مَجْلِس مِنْ مجالس العرب، فتقدم أبو بكر فسلّم، ووقفت أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ عَلِيٌّ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ مُقَدَّمًا في كل خير، وكان رجلا نسّابة، فَقَالَ: مِمَّنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: مِنْ رَبِيعَة. قَالَ: وَأَيُّ رَبِيعَةَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: ذُهَلُ الأَكْبَرُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِنْ هَامَتِهَا أَوْ مِنْ لَهَازِمِهَا؟ قَالُوا: بَلْ مِنْ هَامَتِهَا الْعُظْمَى. قَالَ: فَمِنْكُمْ عَوْفٍ الّذِي يُقَالُ لَهُ:
لا حُرَّ بِوَادِي عَوْفٍ؟ قَالُوا: لا. قَالَ: فَمِنْكُمْ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ أَبُو اللِّوَاءِ [٣] وَمُنْتَهَى الأَحْيَاءِ؟ قَالُوا: لا. [قال: فمنكم جسّاس بن مرة حامي الذِّمَارُ وَمَانِعُ الْجَارِ؟ قَالُوا:
لا] [٤] قَالَ: فَمِنْكُمُ الْحَوْفَزَانُ قَاتِلُ الْمُلُوكِ وَسَالِبُهَا أَنْفُسَهَا؟ قَالُوا: لا. قَالَ: فَمِنْكُمُ الْمُزْدَلِفُ صَاحِبُ الْعِمَامَةِ الْفَرْدَةِ؟ قَالُوا: لا. قَالَ: فَمِنْكُمْ أَخْوَالُ الْمُلُوكِ مِنْ كِنْدَةَ؟
قَالُوا: لا. قَالَ: فَمِنْكُمْ أَصْهَارُ الْمُلُوكِ [٥] مِنْ لَخْمٍ؟ قَالُوا: لا. قَالَ: فَلَسْتُمْ [مِنْ] [٦] ذُهْلٍ من الأنصار قبل العقبة الأولى بعام وجابر هذا غير جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري الصحابي ابن الصحابي.
شِئْتَ نُؤْوِيكَ] [١] وَنَنْصُرْكَ مِمَّا يَلِي مِيَاهَ الْعَرَبِ فَعَلْنَا.
فَقَالَ رَسُولُ [اللَّهِ ﷺ ] [٢] وَسَلَّمَ: «مَا أَسَأْتُمْ فِي الرَّدِّ إِذْ أَفْصَحْتُمْ بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ دِينَ اللَّهِ تَعَالَى لَنْ يَنْصُرَهُ إِلا مَنْ [أَحَاطَهُ مِنْ جَمِيعِ] [٣] جَوَانِبِهِ، أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَمْ تَلْبَثُوا إِلا قَلِيلا حَتَّى يُورِثَكُمُ اللَّهُ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَيُفْرِشَكُمْ نِسَاءَهُمْ، أَتُسَبِّحُونَ الله وتقدسونه؟» .
فقال النُّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ: اللَّهمّ لَكَ ذَلِكَ.
فَتَلا رسول الله ﷺ : إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً ٣٣: ٤٥- ٤٦ [٤] . ثُمَّ نَهَضَ قَابِضًا عَلَى يَدِ أَبْي بَكْرٍ وَهُوَ يَقُولُ: «أَيَّةُ أَخْلاقٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا أَشْرَفَهَا، يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا بَأْسَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ وَبِهَا يَتَحَاجَزُونَ [٥] فِيمَا بَيْنَهُمْ» .
فَمَا بَرِحْنَا حَتَّى بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَانُوا صُدُقًا صُبُرًا [٦]
. ذكر الحوادث في سنة اثنتي عشرة من النبوة
[الإسراء والمعراج]
[٧] فمن ذلك: المعراج.
قال الواقدي: كان المسرى في ليلة السبت لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان في
стр. 818
السنة الثانية عشرة [١] من النبوة، قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا.
وروي عن أشياخ أخر قالوا: أسري برسول الله ﷺ ليلة سبعة عشر من ربيع الأول، قبل الهجرة بسنة.
وقال مؤلف الكتاب: ويقال إنه كان ليلة سبع وعشرين من رجب [٢] .
أخبرنا هبة الله بن محمد قال: أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن جعفر قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حدثني أبي قال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ مَالِكَ بْنَ صَعْصَعَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ، قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ- وَرُبَّمَا قَالَ قَتَادَةُ: فِي الْحِجْرِ- مُضْطَجِعٌ إِذْ أَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: الأَوْسَطُ بَيْنَ الثَّلاثَةِ. قَالَ: فَأَتَانِي فَقَدَّ- وَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ:
فَشَقَّ- مَا بَيْنَ هَذِهِ [إِلَى هَذِهِ» ] [٣] .
قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ/ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي: مَا يَعْنِي؟ قَالَ: مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ. [وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مِنْ قَصَّتِهِ] [٤] إلى شعرته.
стр. 819
قال: «فاستخرج قلبي» قال: «فأتيت بِطَسْتٍ مِنْ [ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ إِيمَانًا] [١] وَحِكْمَةً، فَغَسَلَ قَلْبِي ثُمَّ حُشِيَ ثُمَّ أُعِيَد، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ [الْبَغْلِ] [٢] وَفَوْقَ الْحِمَارِ، أَبْيَضَ» .
قَالَ: فَقَالَ لِلْجَارُودِ: أَهُوَ الْبُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَقْعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ.
قَالَ: «فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ ﵇ حَتَّى أَتَى بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل:
أوقد أرسل إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ» .
قَالَ: «فَفُتِحَ لَنَا، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا فِيهَا آدَمُ ﵇. فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السلام وقال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعَدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قيل: ومن معك؟ قال: محمد قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، قَالَ: فَفُتِحَ.
قَالَ: «فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا يَحْيَى وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا الْخَالَةِ، فَقَالَ: هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا. قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا فَرَدَّا السَّلامَ، ثُمَّ قَالا: مَرْحَبًا بالأخ الصالح والنبي الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعَدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال:
جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، ونعم الْمَجِيءُ جَاءَ» .
قَالَ: «فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ، إِذَا يُوسُفُ. قَالَ: هَذَا يُوسُفُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلامَ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصالح والنبي الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعَدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فاستفتح. فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال:
محمد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، ونعم المجيء جاء» .
قَالَ: «إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ» .
قَالُوا: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانِينَا؟! قَالَ: «نَعَمْ» .
قَالَ: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ، وَوَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مُتَعِجِّبًا لِلْكَذِبِ زَعَمَ [١] .
قَالُوا: أَوَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ- وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدَ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَى الْمَسْجِدَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « [فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ] [٢] فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ» .
قَالَ: «فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عُقَيْلٍ- أَوْ عُقَالٍ- فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ» . قَالَ: وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ، فَقَالَ قَوْمٌ: أَمَّا النَّعْتُ فو الله لَقَدْ أَصَابَ [٣]
. [ذكر العقبة الأولى] [٤]
ومن الحوادث في هذه السنة:
خروج [٥] رسول الله ﷺ [عامئذ] [٦] إلى الموسم وقد قدم وفد من الأنصار اثني عشر رجلا [٧] ، فلقوه بالعقبة، وهم: أسعد بن زرارة، وعوف ومعوذ [٨] ابنا الحارث بن
стр. 825
رفاعة، ورافع بن مالك بن العجلان، وذكوان [١] بن عبد قيس بن خلدة، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة بن خزمة [٢] ، وعباس بن عبادة بن نضلة، وعقبة بن عامر بن نابئ، وقطبة/ بن عامر بن حديدة، وأبو الهيثم بن التيهان [٣] واسمه: مالك، وعويم بن ساعدة.
فبايعهم رسول الله ﷺ .
فروى عبادة بن الصامت [٤] قال: بايعنا رسول الله ﷺ ليلة العقبة الأولى ونحن اثنا عشر رجلا أنا أحدهم، فبايعناه [على] [٥] بيعة النساء، على أن لا نشرك باللَّه شيئا، ولا نسرق، ولا نزني. ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف- وذلك قبل أن تفرض الحرب.
قال: فإن وفيتم بذلك فلكم الجنة، وإن غشيتم شيئا فأمركم إلى الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب.
فلما انصرفوا عن رسول الله ﷺ ، بعث معهم مصعب بن عمير إلى المدينة يفقه أهلها ويقرئهم القرآن، فنزل على أسعد بن زرارة- وكان يسمى بالمدينة:
المقرئ [٦]- فقال سعد بن معاذ يوما لأسيد بن حضير: ائت أسعد بن زرارة فازجره عنا، فإنه قد بلغني أنه قد جاء بهذا الرجل الغريب معه ليسفه ضعفاءنا.
فذهب أسيد بن حضير إلى أسيد وقال: ما لنا ومالك، تأتينا بهذا الرجل الغريب يسفه ضعفاءنا؟! [٧] .
стр. 826
فقال: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟
فقال: أنصفتم [١] . فجلس فكلمه مصعب وعرض عليه الإسلام، وتلى عليه القرآن، فقال: ما أحسن هذا وأجمله، كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين؟
قالا له: تتطهر، وتطهر ثيابك، وتشهد بشهادة الحق [٢] . ففعل وخرج، وجاء سعد بن معاذ، فعرض عليه مصعب الإسلام فأسلم، ثم جاء حتى وقف على بني عبد الأشهل فقال: أي رجل تعلمونني؟ قالوا: نعلمك والله خيرنا وأفضلنا، قال: فإن كلام نسائكم ورجالكم علي حرام حتى تؤمنوا باللَّه وحده وتصدقوا محمدا. فو الله ما أمسى في دار بني [٣] عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما، ولم يزل مصعب يدعو الناس إلى الإسلام حتى كثر المسلمون وشاع الإسلام، ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة/ قبل بيعة العقبة الثانية
. ذكر الحوادث التي كانت في سنة ثلاث عشرة من النبوة
من ذلك:
[ذكر العقبة الثانية]
[٤] خروج رسول الله ﷺ إلى الموسم، فلقيه جماعة من الأنصار، فواعدوه بالعقبة من أوسط أيام التشريق، فاجتمعوا فبايعوه.
قال كعب بن مالك [٥] : خرجنا في حجاج قومنا حتى قدمنا مكة وواعدنا رسول الله ﷺ بالعقبة من أوسط أيام التشريق [فلما فرغنا إلى الحج، وكانت الليلة التي واعدنا
стр. 827
رسول الله ﷺ ] لها [١] ، ومعنا [٢] عبد الله بن عمرو بن حزام: أبو جابر، وكنا نكتم من معنا من المشركين من قومنا أمرنا، فقلنا: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا.
ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ إيانا العقبة، فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبا، فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشّعب خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن [ثلاثة و] [٣] سبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: [٤] نسيبة بنت كعب أم عمارة، وأسماء بنت عمرو بن عدي وهي: أم منيع، فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له.
فلما جلس كان أول من تكلم العباس، فقال: يا معشر الخزرج- وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار: الخزرج، خزرجها وأوسها- إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، وهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانقطاع إليكم [٥] واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج/ إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده.
قال: فقلنا: إنا قد سمعنا ما قلت: فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك وربك ما أحببت.
قال: فتكلم رسول الله ﷺ ، فتلا القرآن ودعي إلى الله ﵎، ورغّب في
стр. 828
الْإِسْلَام، ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» .
قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: والذي بعثك بالحق، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا [١] ، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب [٢] وأهل الحلقة [٣] ، ورثناها كابرا عن كابر.
قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله ﷺ ، أبو الهيثم بن التيهان [٤] ، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الناس [٥] حبالا ونحن قاطعوها- يعني: اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذَلكَ [٦] ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثم قال: « [بل] [٧] الدم الدم، والهدم الهدم [٨] ، أنتم مني وأنا منكم، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم» .
وقال: «أخرجوا إلي اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم» .
стр. 829
فأخرجوا اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عبد الله بن أبي بكر بن حرام: أن رسول الله ﷺ قَالَ لِلنُّقَبَاءِ: «أَنْتُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ بِمَا فِيهِمْ كُفَلاءٌ كَكَفَالَةِ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [وَأَنَا كَفِيلٌ عَلَى قَوْمِي] [١] قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا اجْتَمَعُوا لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، هَلْ تَدْرُونَ عَلَى مَا تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نَهَكَتْ أَمْوَالَكُمْ مُصِيبَةٌ، وَأَشْرَافَكُمْ قَتْلا أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِن الآنَ، فَهُوَ وَاللَّهِ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِنْ فَعَلْتُمْ، وَإِنْ كُنْتُمْ ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه عَلَى نَهْكَةِ [٢] الأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الأَشْرَافِ، فَخُذُوهُ، فَهُوَ/ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
قَالُوا: فَإِنَّا نَأْخُذُهُ عَلَى مُصِيبَةِ الأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الأَشْرَافِ، فَمَا لَنَا بذلك يا رسول الله، إن نحن وَفَيْنَا؟ قَالَ: «الْجَنَّةُ» . قَالُوا: ابْسُطْ يَدَكَ. فَبَسَطَ يَدَهُ، فَبَايَعُوهُ.
فأما عاصم بن عمر بن قتادة فقال: والله ما قال العباس ذلك إلا ليشد بالعقد لرسول الله ﷺ في أعناقهم. وأما عبد الله بن أبي بكر فقال: والله ما قال العباس ذلك إلا ليؤخر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبي بن سلول [٣] ، فيكون أقوى لأمر القوم. والله يعلم أي ذلك كان.
فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة، أسعد بن زرارة، كان أول من ضرب على يديه، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التيهان.
وقال كعب بن مالك: كان أول من ضرب على يد رسول الله ﷺ البراء بن معرور، ثم بايع القوم.
стр. 830
فلما بايعنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَرْخَ الشيطان من رأس العقبة، بأنفذ صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب [١] ، هل لكم في مذمم [٢] ، والصباة [٣] معه قد اجتمعوا على حربكم.
فَقَالَ رسول الله ﷺ : «ما يقول عدو الله، هذا أزب العقبة [٤] ، اسمع [٥] أي عدو الله، أما والله لأفرغن لك» .
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ارفضوا [٦] إلى رحالكم» فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق، لئن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا؟.
فَقَالَ رسول الله ﷺ : «لم تؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم» .
فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا عليها حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلّة قريش، حتى جاءونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنا قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي أبغض إلينا، أن تنشب الحرب بيننا وبينهم، منكم.
قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم باللَّه ما كان من هذا شيء، وما علمناه. قال: وصدقوا لم يعلموا. قال: وبعضنا ينظر إلى بعض. قال ابن إسحاق [٧] /: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حرام [٨] : أن قريشا أتوا عبد الله بن أبي بن سلول، وذكروا له ما قد سمعوا من أصحابه، فقال: إن هذا الأمر
стр. 831
جسيم، وما كان قومي ليتفوتوا علي بمثل ذلك، وما علمته. فانصرفوا عنه.
أَخْبَرَنَا ابْنُ ناصر قال: أخبرنا المبارك بن عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بن عدي قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
تَفَاخَرَتِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، فَقَالَ الأَوْسُ: مِنَّا أَرْبَعَةٌ لَيْسَ فِيكُمْ مِثْلُهُمْ: مِنَّا مَنِ اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ [١] لِمَوْتِهِ: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَمِنَّا غِسِّيلُ الْمَلائِكَةِ: حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ، وَمِنَّا مَنْ حَمَتْ لَحْمَهُ الدَّبْرُ: عَاصِمُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَمِنَّا مَنْ جُعِلَتْ شَهَادَتُهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ: خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ.
فَقَالَتِ الْخَزْرَجُ: مِنَّا أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ جَمَعَ كِتَابَ اللَّهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِنَفْسِهِ وَأَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَلَمْ يَجْمَعْهُ رَجُلٌ مِنْكُمْ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ
. ذكر أهل العقبة
[٢] وهي العقبة الثانية. قال مؤلف الكتاب:
ذكرتهم على حروف المعجم:
١- أبي بن كعب.
٢- أسعد بن زرارة.
٣- أسيد بن حضير.
٤- أوس بن ثابت.
٥- أوس بن يزيد ٦- البراء بن معرور ٧- بشير بن البراء.
٨- بشير بن سعد أبو النعمان.
٩- بهز بن الهيثم.
١٠- ثابت بن الجذع [٣] .
стр. 832
١١- ثعلبة بن عبد ثعلبة [١] بن غنمة ١٢- جابر بن عبد الله بن عمرو [٢] .
١٣- جبار بن صخر.
١٤- الحارث بن قيس.
١٥- خالد بن زيد أبو أيوب.
١٦- خالد بن عمرو بن أبي بن كعب.
١٧- خالد بن عمرو بن عدي. شهد العقبة في قول الواقدي وحده.
١٨- خالد بن قيس بن مالك. ولم يذكره أبو معشر وابن عقبة.
١٩- خارجة بن زيد.
٢٠- خديج بن سالم.
٢١- خديج بن سلامة.
٢٢- خلاد بن سويد.
٢٣- ذكوان بن عبد/ قيس.
٢٤- رافع بن مالك.
٢٥- رفاعة بن رافع.
٢٦- رفاعة بن المنذر [٣] .
٢٧- رفاعة بن عمرو.
٢٨- زياد بن لبيد.
٢٩- زياد بن سهيل أبو طلحة [٤] .
٣٠- سعد بن زيد الأشهلي.
ذكره الواقدي وحده.
٣١- سعد بن خيثمة.
٣٢- سعد بن الربيع.
٣٣- سعد بن عبادة.
٣٤- سلمة بن سلامة.
٣٥- سليم بن عمرو.
٣٦- سنان بن صيفي.
٣٧- سهل بن عتيك.
٣٨- شمر بن سعد.
٣٩- صيفي بن سواد.
٤٠- الضحاك بن حارثة.
٤١- الضحاك بن زيد.
٤٢- الطفيل بن النعمان.
٤٣- الطفيل بن مالك.
٤٤- عبادة بن الصامت.
٤٥- عباد [٥] بن قيس.
٤٦- العباس بن عبادة.
٤٧- عبد الله [٦] بن أنيس.
٤٨- عبد الله بن جبير.
٤٩- عبد الله بن الربيع.
стр. 833
٥٠- عبد الله بن رواحة.
٥١- عبد الله بن زيد.
٥٢- عبد الله بن عمرو بن حزام.
٥٣- عبس بن عامر.
٥٤- عبيد بن التيهان.
وبعضهم يقول: عتيك.
٥٥- عقبة بن عمرو، أبو مسعود.
٥٦- عقبة بن وهب.
٥٧- عمارة بن حزم.
٥٨- عمرو بن الحارث.
٥٩- عمرو بن غزية.
٦٠- عمرو بن عمير [١] .
٦١- عمير بن الحارث.
٦٢- عوف بن الحارث، ويعرف بابن عفراء.
٦٣- عويمر بن ساعدة.
٦٤- فروة بن عمرو بن ودقة [٢] .
٦٥- قتادة بن النعمان، ولم يذكره ابن إسحاق.
٦٦- قطبة بن عامر بن حديدة.
٦٧- قيس بن عامر ٦٨- قيس بن صعصعة.
٦٩- كعب بن عمرو.
٧٠- كعب بن مالك.
٧١- مالك بن التيهان أبو الهيثم.
٧٢- مالك بن عبد الله بن خثيم.
٧٣- مسعود بن يزيد.
٧٤- معاذ بن جبل.
٧٥- معاذ بن عفراء.
٧٦- معاذ بن عمرو بن الجموح.
٧٧- معقل بن المنذر.
٧٨- معن بن عدي.
٧٩- مسعود بن الحارث بن عفراء، ذكره ابن إسحاق وحده.
٨٠- المنذر بن عمرو.
٨١- النعمان بن حارثة.
٨٢- النعمان بن عمرو، ذكره ابن إسحاق وحده.
٨٣- هانئ بن نيار.
[٨٤- يزيد بن ثعلبة.
٨٥- يزيد بن جذام [٣] ، ولم يذكره ابن عقبة والواقدي] [٤] .
٨٦- يزيد بن عامر بن حديدة.
٨٧- يزيد بن المنذر.
стр. 834
٨٨- أبو يسار بن صيفي [١] .
٨٩- أبو عبد الرحمن بن يزيد.
وشهدها امرأتان:
٩٠- نسيبة بنت كعب.
٩١- وأسماء بنت عمرو بن عدي.
قال مؤلف الكتاب: وقد ذكرناهما في/ حديث كعب بن مالك.
وقال ابن إسحاق: لسيبة- باللام- وأختها ابنتا كعب.
قال: وإنما شهدها سبعون رجلا وهاتان الامرأتان.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: [٢] وَنَفَرَ النَّاسُ [٣] مِنْ مِنًى، فَتَبَطَّنُ الْقَوْمُ [٤] الْخَبَرَ، فَوَجَدُوهُ قَدْ كَانَ، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِ الْقَوْمِ، فَأَدْرَكُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بِالْحَاجِرِ [٥] ، وَالْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو، وَكِلاهُمَا كَانَ نَقِيبًا، وَأَمَّا الْمُنْذِرُ فَأَعْجَزَ الْقَوْمَ، وَأَمَّا سَعْدٌ فَأَخَذُوهُ وَرَبَطُوا يَدَيْهِ إِلَى عُنُقِهِ بِنَسْعِ [٦] رَحْلِهِ، ثُمَّ أَقْبَلُوا بِهِ حَتَّى أَدْخَلُوهُ مَكَّةَ يَضْرِبُونَهُ، وَيَجْذِبُونَهُ بِجُمَّتِهِ [٧] ، وَكَانَ ذَا شَعْرٍ كَثِيرٍ.
قَالَ سَعْدٌ: فو الله إِنِّي لَفِي أَيْدِيهِمْ إِذْ طَلَعَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ رَجُلٌ أَبْيَضُ وَضِيءٌ شَعْشَاعٌ حُلْوٌ مِنَ الرِّجَالِ.
قَالَ: قُلْتُ: إِنْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْقَوْمِ خَيْرٌ، فَعِنْدَ هَذَا، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي رَفَعَ يَدَهُ فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً. قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ مَا عندهم بعد هذا خير. قال: فو الله إني لفي أيديهم يسحبونني إِذْ وَلَّى رَجُلٌ مِنْهُمْ، مِمَّنْ مَعَهُمْ فَقَالَ: وَيْحَكَ، أَمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ قُرَيْشٍ جِوَارٌ وَلا عَهْدٌ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ، لقد كنت أجيرا
стр. 835
لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ بِتَجَارَتِهِ، وَأَمْنَعُهُ مِمَّنْ أَرَادَ ظُلْمَهُ بِبِلادِي، وَلِلْحَارِثِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَّيَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ. قَالَ: وَيْحَكَ، فَاهْتِفْ بِاسْمِ الرَّجُلَيْنِ فَاذكر مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمَا. قَالَ:
فَفَعَلْتُ، وَخَرَجَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَيْهِمَا، فَوَجَدَهُمَا [فِي الْمَسْجِدِ] [١] عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُمَا: إِنَّ رَجُلا مِنَ الْخَزْرَجِ الآنَ يُضْرَبُ بِالأَبْطَحِ، وَأَنَّهُ لَيَهْتِفُ بِكُمَا، يَذكر أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَكُمَا جِوَارًا. قَالا: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ. قَالا: صَدَقَ وَاللَّهِ، إِنْ كَانَ لَيُجِيرُ تِجَارَتَنَا، وَيَمْنَعُ أَنْ يُكَلِّمُونَا بِبَلَدِهِ.
فجاءا فخلصا سعدا من أيديهم، فانطلق. وكان الذي لكم سعدا: سهيل بن عمرو، فلما قدم أهل العقبة المدينة أظهروا الإسلام بها، وبقي أشياخ على شركهم، منهم: عمرو بن الجموح، وكان ابنه معاذ قد آمن وشهد العقبة.
قال ابن إسحاق: وأمر رسول الله ﷺ / أصحابه بالخروج إلى المدينة، فخرجوا إرسالا، فكان أول من هاجر من أصحاب رسول الله ﷺ من قريش: أبو سلمة، كان هاجر إلى المدينة قبل بيعة العقبة بسنة، وكان قدم على رسول الله [ ﷺ ] [٢] مكة من أرض الحبشة، فلما أذته قريش وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار خرج إلى المدينة مهاجرا.
ثم كان أول من قدم المدينة من المهاجرين بعد أبي سلمة عامر بن ربيعة معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة، ثم عبد الله بن جحش، ثم تتابعت [٣] أصحاب رسول الله ﷺ إلى المدينة أرسالا، وأقام رسول الله بمكة ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا أخذ وحبس أو فتن، إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر، وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة، فيقول لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا» فيطمع أبو بكر [٤] أن يكون هو، فلما
стр. 836
رأت قريش أن رسول الله [ ﷺ ] [١] قد صارت له منعة [٢] وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، وعرفوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا، وأصابوا منعة، فحددوا خروج رسول الله ﷺ [إليهم] [٣] ، وعرفوا أنه قد أجمع أن يلحق بهم، فاجتمعوا في دار الندوة يتشاورون في أمره [ ﷺ ] [٤] .
стр. 837
باب ذكر ما جرى في سني الهجرة ذكر ما جرى في السنة الأولى من الهجرة [١]
قال مؤلف الكتاب: هي سنة أربع عشرة من البعثة، وهي سنة أربع وثلاثين من ملك كسرى أبرويز، وسنة تسع لهرقل.
وأول هذه السنة المحرم، وكأن رسول الله ﷺ مقيما في المحرم بمكة لم يخرج منها، وكأن رسول الله صلي اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ قد أمر أصحابه بالخروج إلى المدينة، فخرجوا إرسالا في المحرم وقد/ كان جماعة خرجوا في ذي الحجة وصدروا المشركين يحتسبون بالاهتمام بأمره والتحيل له، فاجتمعوا في دار الندوة- وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها- يتشاورون ما يصنعون في أمر رَسُول اللَّهِ ﷺ حين خافوه.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: [٢] لَمَّا اجْتَمَعُوا [٣] لِذَلِكَ وَاتَّعَدُوا أَنْ يَدْخُلُوا دَارَ النَّدْوَةِ يَتَشَاوَرُونَ فِيهَا فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ [ ﷺ ] [٤] ، غَدُوا فِي الْيَوْمِ الَّذِي اتَّعَدُوا لَه، فَاعْتَرَضَهُمْ إِبْلِيسُ فِي صورة شيخ [٥] جليل،
مَعْمَرٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ الْجَزْرِيُّ [١] : أَنْ مِقْسَمًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ ٨: ٣٠ [٢] .
قَالَ: تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ يُرِيدُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ [وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ اقْتُلُوهُ] [٣] وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أَخْرِجُوهُ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، فَبَاتَ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ/ ﷺ حَتَّى لَحِقَ بِالْغَارِ، فَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عليا، يحسبونه النبي ﵇، فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَأُوا عَلِيًّا رَدَّ اللَّهُ مَكْرَهُمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ صَاحِبُكَ [٤] ؟ قَالَ: لا أَدْرِي. فَاقْتَصُّوا [٥] أَثَرَهُ. وقال محمد بن كعب القرظي [٦] : اجتمعوا على بابه، فقالوا: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم بعد موتكم، فجعل لكم جنان كجنان الأرض [٧] ، فإن لم تفعلوا ذلك كان لكم [فيه] [٨] ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم، فجعلت لكم نار تحرقون فيها.
فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فأخذ حفنة من تراب، ثم قال: «نعم أنا أقول ذلك» فنثر التراب على رءوسهم، ولم يروا رسول الله [ ﷺ ] [٩] وهو يقرأ: يس ٣٦: ١ إلى قوله:
стр. 841
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ٣٦: ٩ [١] . ثم انصرف إلى حيث أراد، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون ها هنا؟
قالوا: محمدا. قال: قد والله خرج عليكم محمد ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته. فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا [﵁] [٢] على الفراش متسجيا ببردة رسول الله ﷺ . فيقولون: [٣] إن هذا لمحمد نائم عليه برده. فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي عن الفراش، فقالوا: والله لقد صدقنا الذي كَانَ حدثنا [٤] . وروى الواقدي عن أشياخه [٥] : أن الذين كانوا ينتظرون رسول الله ﷺ تلك الليلة من المشركين: أبو جهل، والحكم بن أبي العاص، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وأمية بْن خلف، وابن العيطلة، وزمعة بن الأسود، وطعيمة بن عدي، وأبو لهب، وأبي بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج [٦] .
فلما أصبحوا قام علي ﵁ عن الفراش، فسألوه عن رسول الله ﷺ فقال: لا علم لي به. وحكى جرير أنهم ضربوا عليا وحبسوه ساعة، ثم/ تركوه.
[ذكر] صفة [٧] خروج رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁ إلى الغار
[٨] أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُظَفَّرِ الدَّاوُدِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أعين قال:
أخبرنا المحمدان: ابن ناصر، وابن عبد الباقي قَالا: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِلالُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَن أَنَسٍ قَالَ:
لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْغَارِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي لأَدْخُلَ قَبْلَكَ. قَالَ: «ادْخُلْ» .
فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَعَلَ يَلْتَمِسُ بِيَدَيْهِ فَكُلَّمَا [١] رَأَى جُحْرًا قَالَ بِثَوْبِهِ فَشَقَّهُ، ثُمَّ أَلْقَمَهُ الْجَحَرَ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَوْبِهِ أَجْمَعَ. قَالَ: فَبَقِيَ جُحْرٌ، فَوَضَعَ عَقِبَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «أَيْنَ ثَوْبُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟» فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي صَنَعَ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ فَقَالَ: «اللَّهمّ اجْعَلْ أَبَا بَكْرٍ مَعِي فِي دَرَجَتِي فِي الْجَنَّةِ» أَوْ قَالَ: «يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ قَدِ اسْتَجَابَ لَكَ [٢] . وقال الواقدي عن أشياخه: طلبت قريش رسول الله ﷺ أشد الطلب، حتى انتهت إلى باب الغار، فَقَالَ بعضهم: إن عليه عنكبوتا قبل ميلاد محمد، فانصرفوا [٣] .
قالت أسماء بنت أبي بكر [٤] : ولم ندر بالحال حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة، يغني بأبيات من الشعر من غناء العرب، والناس يتبعونه يسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد
قال مؤلف الكتاب: وسيأتي ذكر الأبيات والقصة إن شاء الله تعالى [٥] .
قال أبو الحسن بن البراء [٦] : خرج رسول الله ﷺ من الغار ليلة الخميس لغرة شهر ربيع الأول.