← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ٣٦: ٩ [١] . ثم انصرف إلى حيث أراد، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا: محمدا. قال: قد والله خرج عليكم محمد ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته. فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا [﵁] [٢] على الفراش متسجيا ببردة رسول الله ﷺ . فيقولون: [٣] إن هذا لمحمد نائم عليه برده. فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي عن الفراش، فقالوا: والله لقد صدقنا الذي كَانَ حدثنا [٤] . وروى الواقدي عن أشياخه [٥] : أن الذين كانوا ينتظرون رسول الله ﷺ تلك الليلة من المشركين: أبو جهل، والحكم بن أبي العاص، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وأمية بْن خلف، وابن العيطلة، وزمعة بن الأسود، وطعيمة بن عدي، وأبو لهب، وأبي بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج [٦] . فلما أصبحوا قام علي ﵁ عن الفراش، فسألوه عن رسول الله ﷺ فقال: لا علم لي به. وحكى جرير أنهم ضربوا عليا وحبسوه ساعة، ثم/ تركوه. [ذكر] صفة [٧] خروج رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁ إلى الغار [٨] أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُظَفَّرِ الدَّاوُدِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أعين قال:

стр. 842

حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْبُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ عُقَيْلٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ [فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ] [١] عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: بَيَّنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ [٢] قَالَ قَائِلٌ لأبي بكر: هذا رسول الله [مقبلا] [٣] مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلا أَمْرٌ. قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَ، فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ فَقَالَ لأَبِي بَكْرٍ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ» . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصُّحْبَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: فَخُذْ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بِالثَّمَنِ» [٤] . قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ [٥] ، وَوَضَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً مِنْ جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنَ نِطَاقِهَا، ثُمَّ رَبَطَتْ بِهِ فَمَ الْجِرَابِ [٦]- وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ- قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ [ ﷺ [٧]] وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، فَمَكَثَا [٨] فيه

стр. 843

ثَلاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ- وَهُوَ غُلامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ [١] لَقِنٌ [٢]- فَيُدْلِجُ [٣] مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ كبائت، فلا يسمع أمر يُكَادُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ [ ﷺ ] [٤] إِلا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيهِمَا بِخَبِر ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلامُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ- وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا- حَتَّى يَنْعَقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ، يَفْعَلُ هَذَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي الثَّلاثِ. وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلا مِنْ بَنِي الدَّيْلِ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَأَمِنَاهُ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدُهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا [٥] . قَالَ/ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى أَبَا بَكْرٍ لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ، فَخَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ لأَبِي بَكْرٍ فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ، ثُمَّ عَمِدَا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ [٦] . وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَامَ بِمَنْزِلِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَا إِلَى الْغَارِ، وَكَانَ خُرُوجُهُمَا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ صَفَرٍ ثَلاثُ لَيَالٍ. قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ [٧] : لَمَّا خَرَجَا أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْهُمْ أَبُو جَهْلٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكِ؟ فَقُلْتُ: لا أَدْرِي وَاللَّهِ أَيْنَ أَبِي؟ فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يده- وكان فَاحِشًا- فَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً طَرَحَ مِنْهَا قُرْطِي ثُمَّ انْصَرَفُوا. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهَبِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ قال: أخبرنا أبي، عن ابن إسحاق قال: حدثني

стр. 844

يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ جَدَّتِهِ أَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ [١] : لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ، احْتَمَلَ أَبُو بَكْرٍ مَالَهُ كُلَّهُ مَعَهُ- خَمْسَةُ آلافِ دِرْهَمٍ أَوْ سِتَّةُ آلافِ دِرْهَمٍ- وَانْطَلَقَ بِهَا مَعَهُ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا جَدِّي أَبُو قُحَافَةَ، وَقَدَ ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ لأَرَاهُ قَدْ فَجَعَكُمْ بِمَالِهِ مَعَ نَفْسِهِ. قَالَتْ: قُلْتُ: كَلا إِنَّهُ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْرًا كَثِيرًا. قَالَتْ: فَأَخَذْتُ أَحْجَارًا فَوَضَعْتُهَا فِي كُوَّةٍ فِي الْبَيْتِ كَانَ أَبِي يَضَعُ فِيهَا مَالَهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ عَلَيْهَا ثَوْبًا، ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ فَقُلْتُ: [يَا أَبَتِ] [٢] ضَعْ يَدَكَ عَلَى هَذَا الْمَالِ. قَالَتْ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لا بَأْسَ، إِنْ كَانَ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا فَقَدْ أَحْسَنَ، وَفِي هَذَا لَكُمْ بَلاغٌ. قَالَتْ: لا وَاللَّهِ مَا تَرَكَ [٣] لَنَا شَيْئًا، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُسَكِّنَ الشَّيْخَ بِذَلِكَ. ذكر إقامتهما في الغار وما جرى لهما فيه أخبرنا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قال: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنَا عَفَّانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ قَالَ: / أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ فِي الْغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ. قَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكُ باثنين الله ثالثهما؟» . أخرجاه في الصحيحين [٤] .

стр. 845

أخبرنا المحمدان: ابن ناصر، وابن عبد الباقي قَالا: أَخْبَرَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِلالُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَن أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْغَارِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي لأَدْخُلَ قَبْلَكَ. قَالَ: «ادْخُلْ» . فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَعَلَ يَلْتَمِسُ بِيَدَيْهِ فَكُلَّمَا [١] رَأَى جُحْرًا قَالَ بِثَوْبِهِ فَشَقَّهُ، ثُمَّ أَلْقَمَهُ الْجَحَرَ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَوْبِهِ أَجْمَعَ. قَالَ: فَبَقِيَ جُحْرٌ، فَوَضَعَ عَقِبَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «أَيْنَ ثَوْبُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟» فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي صَنَعَ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ فَقَالَ: «اللَّهمّ اجْعَلْ أَبَا بَكْرٍ مَعِي فِي دَرَجَتِي فِي الْجَنَّةِ» أَوْ قَالَ: «يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ قَدِ اسْتَجَابَ لَكَ [٢] . وقال الواقدي عن أشياخه: طلبت قريش رسول الله ﷺ أشد الطلب، حتى انتهت إلى باب الغار، فَقَالَ بعضهم: إن عليه عنكبوتا قبل ميلاد محمد، فانصرفوا [٣] . قالت أسماء بنت أبي بكر [٤] : ولم ندر بالحال حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة، يغني بأبيات من الشعر من غناء العرب، والناس يتبعونه يسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد قال مؤلف الكتاب: وسيأتي ذكر الأبيات والقصة إن شاء الله تعالى [٥] . قال أبو الحسن بن البراء [٦] : خرج رسول الله ﷺ من الغار ليلة الخميس لغرة شهر ربيع الأول.

стр. 846

ذكر ما جرى في طريقه إلى المدينة خرج رسول الله ﷺ من الغار ومعه أبو بكر ﵁، وعامر بن فهيرة ووليهم عَبْد اللَّه أريقط الليثي، وكان على دين قومه، فأخذ بهم طريق السواحل. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أحمد بن جعفر، أخبرنا عبد الله بن أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ عَازِبٍ سَرْجًا [بِثَلاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا. قَالَ:] [١] فَقَالَ: مُرِ الْبَرَاءَ فَلْيَحْمِلْهُ إِلَى مَنْزِلِي. قَالَ: لا، حَتَّى تَحَدَّثْنَا كَيْفَ [صَنَعْتَ حِينَ] [٢] هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ [فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ] [٣] خَرَجْنَا فَأَدْلَجْنَا فَأَحْثَثْنَا يَوْمَنَا [٤] وَلَيْلَتَنَا حَتَّى أَظْهَرْنَا، وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، فَضَرَبْتُ بِبَصَرِي، هَلْ أَرَى ظِلا نَأْوِي إِلَيْهِ؟ فَإِذَا أَنَا بِصَخْرَةٍ فَأَهْوَيْتُ إِلَيْهَا، فَإِذَا بَقِيَّةُ ظِلِّهَا، فَسَوَّيْتُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَرَشْتُ لَهُ فَرْوَةً، وَقُلْتُ: اضْطَجِعْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَاضْطَجَعَ، ثم خرجت انظر هَلْ أَرَى أَحَدًا مِنَ الطَّلَبِ، فَإِذَا بَرَاعِي غَنَمٍ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ. فَسَمَّاهُ فَعَرِفْتُهُ، فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. [قَالَ] [٥] قُلْتُ: هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. [قَالَ: فَأَمَرْتُهُ] [٦] فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْهَا، ثُمَّ أَمَرْتُهُ فَنَفَضَ ضَرْعَهَا مِنَ الْغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ فَنَفَضَ كَفَّيْهِ مِنَ الْغُبَارِ، وَمَعِي إِدَاوَةٌ عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ، فَحَلَبَ [لِي كُثْبَةً] [٧] مِنَ اللَّبَنِ، فَصَبَبْتُهُ عَلَى الْقَدَحِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ [فَوَافَيْتُهُ وَقِد اسْتَيْقَظَ] [٨] فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فشرب

стр. 847

حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ قُلْتُ: هَلْ أَتَى الرَّحِيلُ؟ [١] فَارْتَحَلْنَا وَالْقَوْمُ يَطْلُبُونَنَا، فَلَمْ يُدْرِكْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الطَّلَبُ/ قَدْ بَلَغَنَا [٢] . فَقَالَ: «لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا» ٩: ٤٠ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَّا فَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ قَدْرُ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ- أَوْ قَالَ: رُمْحَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ- قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الطَّلَبُ قَدْ بَلَغَنَا [٣] . وَبَكَيْتُ. قَالَ: «لِمَ تَبْكِي؟» قُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ مَا عَلَى نَفْسِي أَبْكِي، وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَيْكَ. قَالَ: فَدَعَا عليه رسول الله ﷺ فَقَالَ: «اللَّهمّ أَكْفِنَا بِمَا شِئْتَ» فَسَاخَتْ قَوَائِمُ فَرَسِهِ إِلَى بَطْنِهَا فِي أَرْضٍ صَلْدٍ، وَوَثَبَ عَنْهَا وَقَالَ: يَا مُحَمَّدٌ، قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلَكَ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُنْجِيَنِي مِمَّا أنا فيه، فو الله لأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي مِنَ الطَّلَبِ، وَهَذِهِ كنانتي فخذ مِنْهَا سَهْمًا، فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ بِإِبِلِي وَغَنَمِي فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ. فَقَالَ رسول الله ﷺ : «لا حَاجَةَ لِي فِيهَا» ، قَالَ: وَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُطْلِقَ فَرَجِعَ إِلَى أَصْحَابِهِ [٤] . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُظَفَّرِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَعْيَنَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْبُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ [٥] الْمُدْلَجِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ سُرَاقَةَ يَقُولُ: جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَجْعَلُونَ فِي رسول الله [ ﷺ ] [٦] وأبي بَكْرٍ دِيَةً كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ، فَبَيَّنَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي، أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا [وَنَحْنُ جُلُوسٌ] [٧] ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ، إِنَّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ، أَرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ. قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرِفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلانًا وفلانا، انطلقوا بأعيننا.

стр. 848

ثُمَّ لَبِثْتُ فِي الْمَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ، فَدَخَلْتُ [بَيْتِي] ، فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ، فَتَحْبِسُهَا عَلَيَّ، فَأَخَذْتُ رُمْحِي وَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ، فَخَطَطْتُ بِزِجِّهِ [١] الأَرْضَ، وَخَفَضْتُ عَالِيَةَ [الرُّمْحِ] ، [٢] حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا، فَدَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ [٣] بِي حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي فَخَرَرْتُ عَنْهَا، فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَى كِنَانَتِي، فَاسْتَخْرَجْتُ [مِنَها] [٤] الأَزْلامَ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لا؟ فَخَرَجَ الَّذِي/ أَكْرَهُ [لا أَضُرُّهُمْ] [٥] ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَعَصَيْتُ الأَزْلامَ، حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو [لا] [٦] يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الالْتَفَاتَ سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، ثُمَّ زَجَرْتُهَا، فَنَهَضَتْ وَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً، إِذَا لأَثَرِ يَدَيْهَا غُبَارٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِالأَزْلامِ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَنَادَيْتُهُمْ بِالأَمَانِ فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ [مَا لَقِيتُ] مِنَ الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ، وَأَخْبَرْتُهُمْ [أَخْبَارَ] مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ. فَلَمْ يَرْزَآنِي وَلَمْ يَسْأَلانِي، إِلا أَنْ قَالا: أَخْفِ عَنَّا. فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدَمٍ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [٧] . ومما جرى لهم أنه لقيهم بريدة بن الحصيب: [٨] أَنْبَأَنَا زَاهِرُ بْن طَاهِرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوْرَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّكَّرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَهْرَانَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن بريدة، عن أبيه:

стр. 849

أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لا يَتَطَيَّرُ وَكَانَ يَتَفَاءَلُ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ جَعَلَتْ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ فِيمَنْ يَأْخُذُ نَبِيَّ اللَّهِ فَيَرُدُّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ تَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَرَكَبَ بُرَيْدَةُ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ بَنِي سَهْمٍ فَتَلَقَّى نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ: «مَنْ أَنْتَ؟» قَالَ: أَنَا بُرَيْدَةُ. فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، بَرَدَ أَمْرُنَا وَصَلُحَ» ثُمَّ قَالَ: «وَمِمَّنْ أَنْتَ؟» قَالَ: مِنْ بَنِي أَسْلَمَ، قَالَ رسول الله لأَبِي بَكْرٍ: «سَلِمْنَا» قَالَ: «مِمَّنْ أَنْتَ؟» قَالَ: مِنْ بَنِي سَهْمٍ. [قَالَ] [١] : «خَرَجَ سَهْمُكَ» . فَقَالَ بُرَيْدَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ» فَقَالَ بُرَيْدَةُ: أَشْهَدُ/ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَأَسْلَمَ بُرَيْدَةُ وَأَسْلَمَ مَنْ كَانَ مَعَهُ جَمِيعًا. فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ بُرَيْدَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : لا تَدْخُلِ الْمَدِينَةَ إِلا وَمَعَكَ لِوَاءٌ. فَحَلَّ عِمَامَتَهُ، ثُمَّ شَدَّهَا فِي رُمْحٍ، ثُمَّ شَدَّهَا بَيْنَ يَدَيْهِ [٢] ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، تَنْزِلُ عَلَيَّ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ نَاقَتِي هَذِهِ مَأْمُورَةٌ» قَالَ بُرَيْدَةُ: الْحَمْدُ للَّه الَّذِي أَسْلَمَتْ بَنُو سَهْمٍ طَائِعِينَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ. وَقَالَ عُرْوَةُ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ [ ﷺ ] الزُّبَيْرَ فِي رَكْبٍ كَانُوا تُجَّارًا قَافِلِينَ مِنَ الشَّامِ، فَكَسَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ ثِيَابًا بَيْضَاءَ . ومما جرى لهم في الطريق أنهم مروا بخيمتي أم معبد: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ حَيَّوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قال: أخبرنا الحارث ابْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَغَيْرُهُ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا بَشِيرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ وَهْبٍ الْمَذْحِجِيُّ، عَنِ الْحُرِّ بْنِ الصَّيَّاحِ [٣] ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيِّ: أن رسول الله ﷺ لَمَّا هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ هُوَ وأبو بكر وعامر بن فهيرة،

стр. 850

وَدَلِيلُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ، فَمَرُّوا بِخَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً جَلْدَةً بَرْزَةً تحتبي وتقعد بفناء الخمية. ثُمَّ تَسْقِي وَتُطْعِمُ، فَسَأَلُوهَا تَمْرًا أَوْ لَحْمًا يَشْتَرُونَ. فَلَمْ يُصِيبُوا عِنْدَهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا الْقَوْمُ مُرْمِلُونَ مُسْنِتُونَ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ عِنْدَنَا شَيْءٌ مَا أَعْوَزَكُمُ الْقِرَى. فَنَظَرَ رسول الله ﷺ [إلى] [١] شَاةٍ فِي كِسْرِ الْخَيْمَةِ، فَقَالَ: «مَا هَذِهِ الشّاة يا أمّ معبد؟» قالت: هذه شاة خَلَّفَهَا الْجَهْدُ عَنِ الْغَنَمِ. قَالَ: «هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟» قَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلَبًا. فدعا رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالشَّاةِ، فَمَسَحَ ضَرْعَهَا وَذكر اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ: «اللَّهمّ بَارِكْ لَهَا فِي شَاتِهَا» . قَالَتْ: فَتَفاجَّتْ وَدَرَّتْ وَاجْتَرَّتْ وَأَحْلَبَتْ، فَدَعَا بِإِنَاءٍ لَهَا يُرْبِضُ الرَّهْطَ فَحَلَبَ فِيهِ ثَجًّا حَتَّى غَلَبَهُ الثُّمَالُ، فَسَقَاهَا فَشَرِبَتْ حَتَّى رَوِيَتْ وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوُوا، وَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخِرَهُمْ، وَقَالَ: «سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا» [٢] فَشَرِبُوا جَمِيعًا عَلَلا بَعْدَ نَهَلٍ حَتَّى أَرَاضُوا، ثُمَّ حَلَبَ فِيهِ ثَانِيًا عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ، فَغَادَرَهُ عِنْدَهَا ثُمَّ ارْتَحَلُوا عَنْهَا، فَقَلَمَّا لَبِثَتْ أَنْ جَاءَ زَوْجُهَا أَبُو مَعْبَدٍ يَسُوقُ أعنزا حُيَّلا عِجَافًا هَزْلَى مَا تَسَاوَقُ، مُخُّهُنَّ قَلِيلٌ لا نِقْيَ بِهِنَّ، فَلَمَّا رَأَى اللَّبَنَ عَجِبَ وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا، وَالشَّاةُ عَازِبَةٌ وَلا حَلُوبَةَ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَتْ: لا وَاللَّهِ [إِلا] [٣] أَنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ كَانَ مِنْ حَدِيثِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ. قَالَ: وَاللَّهِ [إِنِّي] [٤] لأَرَاهُ صَاحِبَ قُرَيْشٍ الَّذِي تَطْلُبُ، صِفِيهِ لِي يَا أُمَّ مَعْبَدٍ. قَالَتْ: رَأَيْتُ رَجُلا ظَاهِرَ الْوَضَاءَةِ مُتَبَلِّجَ الْوَجْهِ، حَسِنَ الْخَلْقِ، لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَةٌ، وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صَعْلَةٌ [٥] ، قَسِيمٌ وَسِيمٌ [٦] ، فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ، وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ، وَفِي صوته

стр. 851

صَحَلٌ، أَحْوَرُ أَكْحَلُ أَزَجُّ، أَقْرَنُ شَدِيدَ سَوَادِ الشَّعْرِ، فِي عُنُقِهِ سَطَعٌ، وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَافَةٌ، إِذَا صَمَتَ فَعَلَيْهِ وَقَارٌ، وَإِذَا تَكَلَّمَ سَمَا وَعَلاهُ الْبَهَاءُ، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خُرْزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ، حُلْوُ الْمَنْطِقُ، [فصل] [١] ، لا نِزْرٌ بِهِ وَلا هَذَرٌ [٢] ، أَجْهَرُ النَّاسِ وَأَجْمَلُهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَحْلاهُ وَأَحْسَنُهُ مِنْ قَرِيبٍ، رَبْعَةٌ لا تَشْنَؤُهُ عَيْنٌ [٣] مِنْ طُولٍ، وَلا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ، وَهُوَ أَنْضَرُ [٤] الثَّلاثَةِ مَنْظَرًا وَأَحْسَنُهُمْ قَدْرًا [٥] ، لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ، إِذَا قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأَمْرِهِ [٦] ، مَحْفُودٌ مَحْمُودٌ مَحْشُودٌ [٧] ، لا عَابِسٌ وَلا مُفْنِدٍ. قَالَ: هَذَا وَاللَّهِ صَاحِبُ قُرَيْشٍ الَّذِي ذكر لَنَا مِنْ أَمْرِهِ مَا ذكر، وَلَوْ كُنْتُ وَافَقْتُهُ [يَا أُمَّ مَعْبَدٍ] [٨] لالْتَمَسْتُ أَنْ أَصْحَبَهُ، وَلأَفْعَلَنَّ إِنْ وَجَدْتُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلا. وَأَصْبَحَ صَوْتٌ [بِمَكَّةَ] [٩] عَالِيًا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، يَسْمَعُونَهُ وَلا يَرَوْنَ مَنْ يَقُولُهُ، وَهُوَ يَقُولُ: جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حَلا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ هُمَا نَزَلا بِالْبِرِّ وَارْتَحَلا بِهِ ... فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ فَيَالَ قُصَيٍّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمُ ... بِهِ مِنَ فِعَالٍ لا تُجَازَى وَسُؤْدُدِ سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا ... فَإِنَّكُمُ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ دَعَاهَا بِشَاةٍ حَائِلٍ فَتَحَلَّبَتْ ... لَهُ بِصَرِيحٍ ضرّة الشاة مزبد

стр. 852

فَغَادَرَهُ رَهْنًا لَدِيهَا لِحَالِبٍ ... يَدِرُّ بِهَا فِي مَصْدَرٍ ثُمَّ مَوْرِدِ وَأَصْبَحَ الْقَوْمُ قَدْ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ وَأَخَذُوا [١] عَلَى خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ [حَتَّى لَحِقُوا النَّبِيَّ ﷺ ] [٢] . قَالَ [٣] : فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁ فَقَالَ: لَقْد خَابَ قَوْمٌ غَابَ عَنْهُمْ نَبِيُّهُمُ ... وَقُدِّسَ مَنْ يَسْرِي إِلَيْهِ وَيَغْتَدِي تَرَحَّلَ عَنْ قَوْمٍ فَزَالَتْ عُقُولُهُمُ ... وَحَلَّ عَلَى قَوْمٍ بِنُورٍ مُجَدَّدِ وَهَلْ يَسْتَوِي ضُلالُ قَوْمٍ تَسَفَّهُوا ... عَمًى [وَهُدَاةٌ] [٤] يَهْتَدُونَ بُمُهْتَدِ؟ نَبِيٌّ يَرَى مَا لا يَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ ... وَيَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَشْهَدِ وَإِنْ قَالَ فِي يَوْمٍ [٥] مَقَالَةَ غَائِبٍ ... فَتَصْدِيقُهَا فِي ضَحْوَةِ الْيَوْمِ أَوْ غَدِ لِتَهْنِ أَبَا بَكْرٍ سَعَادَةُ جَدِّهِ ... بِصُحْبَتِهِ مَنْ يُسْعِدُ اللَّهُ يَسْعَدِ وَيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَكَانَ فَتَاتِهِمْ ... وَمَقْعَدُهَا لِلْمُسْلِمِينَ بِمَرْصَدِ [٦] قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: الْبَرَزَةُ: الْكَبِيرَةُ. وَالْمُرَمَّلُونَ: الَّذِينَ قَدْ نَفِدَ زَادُهُمْ. وَالْمُسْنِتُونَ: مِنَ السَّنَةِ، وَهِيَ الْجَدْبُ. وَكَسْرُ الْخَيْمَةِ: جَانِبُهَا. وَالْجَهْدُ: الْمَشَقَّةُ. وَتَفَاجَتْ: فَتَحَتْ مَا بَيْنَ رجليها للحلب.

стр. 853

وَيَرْبُضُ الرَّهْطُ: يُثْقِلُهُمْ فَيُرْبِضُوا. وَالثُّمَالُ: الرَّغْوَةُ. وَالْعِلَلُ: مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. وَأَرَاضُوا: أَيْ رَوُوا. وَالْحَيْلُ: الْلاتِي لَسْنَ بِحَوَامِلَ. وَالْعَازِبُ: الْبَعِيدُ فِي الْمَرْعَى. وَالْمُتَبَلِّجُ: الْمُشْرِقُ. وَالثُّجْلَةُ: عِظَمُ الْبَطْنِ وَاسْتِرْخَاءُ أَسْفَلِهِ. والصَّعْلَةُ: صِغَرُ الرَّأْسِ. وَالْوَسِيمُ: الْحَسَنُ وَكَذَلِكَ الْقَسِيمُ. وَالدَّعَجُ: سَوَادُ/ الْعَيْنِ. وَالْوَطَفُ: الطُّولُ. وَالصَّحْلُ: كَالْبَحَّةِ. وَالأَحْوَرُ: الشَّدِيدُ سَوَادِ أُصُولِ الأَهْدَابِ خِلْقَةً. وَالسَّطْعُ: الطُّولُ. وَقَوْلُهَا: إِذَا تَكَلَّمَ سَمَا: أَيْ عَلا بِرَأْسِهِ وَيَدِهِ. وَقَوْلُهَا: لا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ: أَيْ تَحْتَقِرُهُ. [وَالْمُفَنَّدُ: الْهَرِمُ. وَالصَّرِيحُ: الْخَالِصُ. وَالضَّرَّةُ: لَحْمُ الضَّرْعِ] [١] . وَأَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الحسن بن الفهم قال: أخبرنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر، عن حَرَامِ بْنِ هِشَامٍ [٢] ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ مَعْبَدٍ قَالَتْ: طَلَعَ عَلَيْنَا أَرْبَعَةٌ عَلَى رَاحِلَتَيْنِ فَنَزُلوا بِي، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ أُرِيدُ أَنْ أَذْبَحَهَا، فَإِذَا هِيَ ذَاتُ دَرٍّ، فَأَدْنَيْتُهَا مِنْهُ، فَلَمَسَ ضَرْعَهَا فقال: «لا تذبحيها» فأرسلتها

стр. 854

فَجِئْتُ بِأُخْرَى [١] فَذَبَحْتُهَا فَطَحَنْتُ لَهُمْ [٢] ، فَأَكَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَتَغَدَّى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ [٣] ، وَمَلأْتُ [٤] سُفْرَتَهُمْ مِنْهَا مَا وَسِعَتْ سُفْرَتُهُمْ، وَبَقِيَ عِنْدَنَا لَحْمُهَا أَوْ أَكْثَرُهُ، وَبَقِيَتِ الشَّاةُ الَّتِي لَمَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَرْعَهَا عِنْدَنَا حَتَّى كَانَ زَمَانُ الرَّمَادَةِ زَمَانَ عُمَرَ، وَهِيَ سَنَةُ ثَمَانِي عَشَرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ. قَالَتْ: وَكُنَّا نَحْلِبُهَا صَبُوحًا [٥] وَغَبُوقًا وَمَا فِي الأَرْضِ قَلِيلٌ وَلا كَثِيرٌ. وَذَلِكَ بِبَرَكَتِهِ ﷺ . [٦] ذكر تلقي أهل المدينة رسول الله ﷺ ودخوله إياها [٧] أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ عِيسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا الدَّاوُدِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَعْيَنَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْفَرَبْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ بَكْرٍ قَالَ: أخبرنا الليث عن عقيل قال: قال ابن شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ بِمَخْرَجِ رَسُولِ الله ﷺ من مكة، فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الْحَرَّةِ يَنْتَظِرُونَهُ حتى يردهم حرّ الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أَوُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ أَوْفَى رَجُلٌ مِنَ/ الْيَهُودِ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ لأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مُبْيِضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ. فَلَمْ يَمْلِكِ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ، هَذَا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ. فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلاحِ، فَتَلَقُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ، فعدل بهم ذات

стр. 855

الْيَمِينِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَامِتًا. قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: بَنُو عَمْرٍو هُمْ أَهْلُ قُبَاءَ، وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: [١] فَنَزَلَ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الْهَدْمِ أَخِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. وَقِيلَ: بَلْ نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عَزَبًا لا أَهْلَ لَهُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ [٢] : فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [الْمَدِينَةَ] يَوْمَ الاثْنَيْنِ لاثْنَتَيْ عَشَرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ. وروى حنش الصنعاني عن ابن عباس قال [٣] : ولد رَسُول اللَّهِ ﷺ يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، ورفع الحجر يوم الاثنين [٤] ، وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين [٥] ، وقبض يوم الاثنين. أخبرنا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أحمد قال: حدثني أبي قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ، فَخَرَجُوا فِي الطَّرِيقِ [وَعَلَى الأَجَاجِيرِ] [٦] فَاشْتَدَّ الْخَدَمُ وَالصِّبْيَانُ فِي الطَّرِيقِ يَقُولُونَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، جاء رسول الله، جَاءَ مُحَمَّدٌ. قَالَ: وَتَنَازَعَ الْقَوْمُ أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنْزِلُ اللَّيْلَةَ عَلَى بَنِيَ النَّجَّارِ أَخْوَالِ عبد المطلب لأكرمهم بذلك» .

стр. 856

فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا حَيْثُ أُمِرَ [١] . أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ/ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الأَزْهَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أُنَيْسِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِجَوَارٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُنَّ يُغَنِّينَ: نَحْنُ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ... وَحَبَّذَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَارِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكُنَّ» [٢] . ذكر المكان الذي نزل به حين قدم المدينة ﷺ قال مؤلف الكتاب: قد ذكرنا أنه بات عند بني النجار أخوال عبد المطلب. وبيان الخؤولة: أن هاشما تزوج امرأة من بني عدي بن النجار، فولدت له عبد المطلب [٣] . [ذكر فرح أهل المدينة بقدومه ﷺ ] [٤] ومن الحوادث: أنه لما قدم ﷺ لعبت الحبشة بحرابهم فرحا. أخبرنا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المدينة لعبت الحبشة بحرابهم لقدومه فرحا بذلك [٥] .

стр. 857

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَذْكُروُنَ- عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الْهَدْمِ. وَيُقَالُ: عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ. وَنَزَلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ ﵁ عَلَى خُبَيْبِ بْنِ إِسَافٍ بِالسُّنْحِ. وَقِيلَ: نَزَلَ عَلَى خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ. وَأَقَامَ علي بن أبي طالب ﵁ بِمَكَّةَ ثَلاثَ لَيَالٍ وَأَيَّامَهَا، حَتَّى أَدَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانِتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ، ثُمَّ لَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ مَعَهُ عَلَى كُلْثُومٍ. وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُبَاءَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الثُّلاثَاءِ، / وَيَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، وَأَسَّسَ مَسْجِدَهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَقِيلَ [١] : مَكَثَ فِيهِمْ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ الْقَاسِمِيُّ: قَدِمَ رسول الله ﷺ يوم الاثْنَيْنِ، فَنَزَلَ قُبَاءَ، وَكَانَ نُزُولُهُ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الْهَدْمِ، وَكَانَ يَتَحَدَّثُ فِي مَنْزِلِ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ. وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ قُبَاءَ قَدْ بَنُوا مَسْجِدًا يُصَلُّونَ فِيهِ، فصلى بِهِمْ فِيهِ، وَلَمْ يُحْدِثْ فِي الْمَسْجِدِ شَيْئًا، فَأَقَامَ ﷺ الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، وَالْخَمِيسَ، وَرَكِبَ مِنْ قُبَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَجَمَعَ فِي بَنِي سَالِمٍ، فَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جَمَعَهَا فِي الإِسْلامِ، وَخَطَبَ يَوْمَئِذٍ. ذكر تلك الخطبة [٢] روى أبو جعفر ابن جَرِيرٍ [٣] قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيِّ: أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ خُطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ صَلاهَا بِالْمَدِينَةِ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عوف:

стр. 858

الْحَمْدُ للَّه، أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ، وَأَسْتَغْفِرُهُ وَأَسْتَهْدِيهِ [وَأُومِنُ بِهِ وَلا أَكْفُرُهُ، وَأُعَادِي مَنْ يَكْفُرُهُ،] [١] وَأَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَالنُّورِ وَالْمَوْعِظَةِ، عَلَى فِتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَقِلَّةٍ مِنَ الْعِلْمِ، وَضَلالَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَانْقِطَاعٍ عَنِ الزَّمَانِ، وَدُنُوٍّ مِنَ السَّاعَةِ، وَقُرْبٍ مِنَ الأَجَلِ، مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَىُ [٢] وَفَرَّطَ، وَضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا، وَأُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ خير ما أوصى به المسلم الْمُسْلِمُ أَنْ يَحُضَّهُ عَلَى الآَخِرَةِ، وَأَنْ يَأْمُرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَاحْذَرُوا مَا حَذَّرَكُمُ اللَّهُ مِنْ نَفْسِهِ، [وَلا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ نَصِيحَةٌ] [٣] وَلا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ذِكْرًا، وَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ لِمَنْ عَمِلَ بِهِ عَلَى وَجَلٍ وَمَخَافَةٍ مِنْ رَبِّهِ، عَوْنُ صِدْقٍ عَلَى مَا تَبْغُونَ مِنْ أَمْرِ الآَخِرَةِ، وَمَنْ يُصْلِحِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله مَنْ أَمَرَهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ، لا يَنْوِي بِذَلِكَ إِلا وَجْهَ اللَّهِ يَكُنْ لَهُ ذِكْرًا فِي عَاجِلِ أَمْرِهِ، وَذُخْرًا فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ حِينَ يَفْتَقِرُ الْمَرْءُ إِلَى/ مَا قَدَّمَ، وَمَا كَانَ مِنْ سِوَى [ذَلِكَ] [٤] يَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ [٥] أَمَدًا بَعِيدًا، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، والله رءوف بالعباد. والّذي صدّق قوله، وأنجز وَعْدَهُ، لا خُلْفَ لِذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ٥٠: ٢٩ [٦] فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي عَاجِلِ أَمْرِكُمْ وَآَجلِهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عن سَيِّئَاتِهِ، وَيُعَظِّمْ لَهُ أَجْرًا، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا، وَإِنَّ تقْوَى اللَّهِ [يُوقِي] [٧] مَقْتَهُ، وَعُقُوبَتَهُ، وَسَخَطَهُ، وَيُبَيِّضُ الْوُجُوهَ [٨] ، وَيُرْضِي الرَّبَّ، وَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ. [خُذُوا] بِحَظِّكُمْ [٩] ، وَلا تُفَرِّطُوا فِي جَنَبِ اللَّهِ، قَدْ عَلَّمَكُمُ اللَّهُ كِتَابَهُ وَنَهَجَ لَكُمْ سَبِيلَهُ، لِيَعْلَمَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلِيَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ. فَأَحْسِنُوا كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ، وَعَادُوا

стр. 859

أَعْدَاءَهُ، وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَسَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بيِّنَةٍ، وَيَحْيَاَ مَنْ حَيِ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه، فَأَكْثِرُوا ذكر اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أنه خير الدنيا وما فيها [١] ، واعملوا لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ [٢] ، فَإِنَّهُ مَنْ يُصْلِحْ مَا بَيْنَهُ وَبْيَنَ اللَّهِ يكْفِهِ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقْضِي الْحَقَّ [٣] عَلَى النَّاسِ وَلا يَقْضُونَ، وَيَمْلِكُ مِنَ النَّاسِ وَلا يَمْلِكُونَ مِنْهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [٤] : وركب رسول الله ﷺ ناقته، وأرخى الزِّمَامَ، فَجَعَلَتْ لا تَمُرُّ بِدَارٍ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ إِلا دَعَاهُ أَهْلُهَا إِلَى النُّزُولِ عِنْدَهُمْ، وَقَالُوا لَهُ: هَلُمَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ وَالْمَنْعَةِ. فَيَقُولُ لَهُمْ [ ﷺ ] [٥] : «خَلُّوا زِمَامَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ» . حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعِ مَسْجِدِهِ الْيَوْمَ، فَبَرَكَتْ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مِرْبَدٌ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فِي حِجْرِ مُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا: سَهْلٌ، وَالآَخَرُ: سُهَيْلُ ابْنَا عَمْرِو بْنِ عَبَّادٍ، فَلَمْ يَنْزِلْ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَوَثَبَتْ فَسَارَتْ غَيْرَ بَعِيدٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ لَهَا زِمَامَهَا لا يُثْنِيهَا [بِهِ] [٦] ، ثُمَّ الْتَفَتَتْ [خَلْفَهَا] [٧] ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَنْزِلِهَا [٨] أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَبَرَكَتْ فِيهِ وَوَضَعَتْ جِرَانَهاَ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ / عَنْهَا، فَاحْتَمَلَ أَبُو أَيُّوبَ رَحْلَهُ، فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ، فَدَعَتْهُ الأَنْصَارُ إِلَى النُّزُولِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ» . فَنَزَلَ عَلَى أَبِي أَيُّوبَ خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ، وَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمِرْبَدِ: لِمَنْ هُوَ؟ فَأَخْبَرَهُ مُعَاذٌ وقال: هو ليتيمين لي وسأرضيهما.

стр. 860

فأمر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْنَى مَسْجِدًا، وَأَقَامَ عِنْدَ أَبِي أَيُّوبَ حَتَّى بَنَى مَسْجِدَهُ وَمَسَاكِنَهُ [١] . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الدَّاوُدِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشَرَة لَيْلَةً، وَأَسَّسَ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ لِسَهْلٍ وَسُهَيْلٍ غُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حِجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَرَكَتْ: «هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. الْمَنْزِلُ» ثُمَّ دَعَا الْغُلامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا. فَقَالا: بَلْ نَهِبُهُ لَكَ يا رسول الله، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَطَفِقَ يَنْقِلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ: هَذَا الْحِمَالُ لا حِمَالُ خَيْبَرَ ... هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَظْهَرُ وَيَقُولُ: اللَّهمّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الآخِرَةِ ... فَارْحَمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةِ قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ [٢] . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَسْجِدَ قُبَاءَ بُنِيَ قَبْلَ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ [٣] . [تكلم الذئب خارج المدينة ينذر برسول اللَّهِ ﷺ ] [٤] . وفِي هذه السنة: تكلم ذئب خارج المدينة ينذر برسول الله ﷺ .

стр. 861

أخبرنا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَشْعَبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ/ قَالَ: جَاء ذِئْبٌ إِلَى رَاعِي غَنَمٍ، فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي حَتَّى انْتَزَعَهَا مِنْهُ، فَصَعَدَ الذِّئْبُ عَلَى تَلٍّ، فَأَقْعَى وَاسْتَذْفَرَ، فَقَالَ: عَمَدْتَ إِلَى رِزْقٍ رَزَقَنِيهِ اللَّهُ انْتَزَعْتَهُ مِنِّي. فَقَالَ الرَّجُلُ: تاللَّه إِنْ رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ ذِئْبًا يَتَكَلَّمُ. قَالَ الذِّئْبُ: أَعْجَبُ مِنْ هَذَا، رَجُلٌ فِي النَّخْلاتِ بين الحرتين يخبركم بما مَضَى وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ عِنْدَكُمْ. وَكَانَ الرَّجُلُ يَهُودِيًّا، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ خَبْرَهُ، وَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إنها أَمَارَةٌ مِنَ أَمَارَاتٍ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، أَوْشَكَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ فَلا يَرْجِعُ حَتَّى تُحَدِّثَهُ نَعْلاهُ وَسَوْطُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ» [١] . [الزيادة في صلاة الحضر] [٢] وفي هذه السنة: زيد في صلاة الحضر- وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين- وذلك بعد مقدم رسول الله ﷺ بشهر، في ربيع الآخر لمضي اثنتي عشرة ليلة. قال الواقدي: لا يختلف أهل الحجاز في ذلك . [بناؤه ﷺ بعائشة ﵂] [٣] وفي هذه السنة: بنى رسول الله ﷺ بعائشة ﵂ في شوال. وقد قيل: في السنة الثانية. والأول أصح.

стр. 862

وكان تزوجها قبل الهجرة بثلاث سنين. وقيل: كان البناء بها يوم الأربعاء في منزل أبي بكر ﵁ بالسنح. [بعث النبي ﷺ إلى بناته وزوجته] [١] وفي هذه السنة: بعث النبي ﷺ إلى بناته وزوجته سودة بنت زمعة زيد بن حارثة وأبا رافع، فحملاهن من مكة إلى المدينة، ولما رجع عبد الله بن أريقط إلى مكة أخبر عبد الله بْن أبي بكر بمكان أبيه أبي بكر، فخرج عبد الله بعيال أبيه إليه، وصحبهم طلحة بن عبيد ومعهم أم رومان- أم عائشة- وعبد الرحمن حتى قدموا المدينة . [المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار] [٢] وفي هذه السنة: آخى بين المهاجرين والأنصار. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قَالَ: حدثنا محمد بْنُ/ سَعْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَفَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَالَفَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِ أَنَسٍ [٣] . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ [٤] : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، عن أشياخه قالوا: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار على الحق

стр. 863

والمؤاساة، يتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام، وكانوا تسعين رجلا: خمسة وأربعون رجلا من المهاجرين، [وخمسة وأربعون من الأنصار] [١] . [ويقال: كانوا مائة، خمسون من المهاجرين، وخمسة وأربعون من الأنصار] [٢] . وكان ذلك قبل بدر، فلما كانت وقعة بدر، وأنزل الله : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ ٨: ٧٥ [٣] . نسخت هذه الآية ما كان قبلها وانقطعت المؤاخاة في الميراث، ورجع كل إنسان إلى نسبه وورثه ذوو رحمه. قال مؤلف الكتاب: وهذه [٤] تسمية الذين آخى بينهم رسول الله ﷺ [ذكرتها على حروف المعجم] [٥] : واعتبرت الاسم الأول فقط: حرف الألف ( [٦] : آخى بين أبي بن كعب وطلحة بن عبيد الله. وقيل: بين أبي وسعيد بن زيد. آخى بين إياس بن البكير والحارثة بن خزيمة. آخى بين الأرقم بن أبي الأرقم، وأبي طلحة زيد بن سهل. حرف الباء: آخى بين بشر بن خالد بن البراء، وواقد بن عبد الله.

стр. 864

آخى بين بلال بن رباح، وبين عبيدة بن الحارث. وقيل: بين بلال، وأبي رويحة الخثعمي. وقيل: بين بلال، وأبي ذر. حرف التاء: آخى بين تميم مولى خداش بن الصمة، وحيان مولى عتبة بن غزوان. حرف الثاء: آخى بين ثابت بن قيس، وعامر بن البكير. آخى بين ثعلبة بن حاطب، ومعتب بن الحمراء. حرف الجيم: آخى بين جعفر بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل. آخى بين جرير بن عتيك، وخباب بن الأرت. حرف الحاء: آخى بين حاطب بن أبي بلتعة، ورحيلة بن خالد، وقيل: بين حاطب/ وعويمر بن ساعدة. وقيل: بين حاطب، وكعب بن مالك. آخى بين حارثة بن سراقة، والسائب بن عثمان بن مظعون. آخى بين الحصين بن الحارث، ورافع بن عنجدة. وقيل: بين الحصين، وعبد بن جبير. حرف الخاء: آخى بين خالد بن البكير، وزيد بن الدثنة. وقيل: بين خالد، وثابت بن قيس بن شماس. آخى بين خنيس بن حذافة، وأبي حبيش بن جبير. وقيل: بين خنيس، والمنذر أبو محمد بن عقبة. حرف الذال: آخى بين ذي الشمالين، ويزيد بن الحارث بن فسحم. وقتلا جميعا بيدر.

стр. 865

آخى بين ذكوان بن عبد قيس، ومصعب بن عمير. [حرف الراء: آخى بين رافع بن مالك، وسعيد بن زيد بن عمرو] [١] حرف الزاي: آخى بين الزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود. [وقيل:] [٢] بين الزبير، و [بين] [٣] طلحة. [وقيل:] [٤] بين الزبير، وكعب بن مالك. وقيل: بين الزبير، وسلمة بن سلامة بين وقش. آخى بين زيد بن حارثة، وحمزة بن عبد المطلب. وقيل: بين زيد، وأسيد بن حضير. آخى بين زيد بن الخطاب، ومعن بن عدي. حرف السين: آخى بين سعد بن أبي وقاص، ومصعب بن عمير. وقيل: بين سعد، وعبد الرحمن بن عوف. وقيل: بين سعد، وعمار بن ياسر. وقيل: بين سعد، ومحمد بن مسلمة. آخى بين سالم مولى أبي حذيفة، [ومعاذ] بن ماعص. آخى بين سعد بن عوف بن الربيع، وبين عبد الرحمن بن عوف. آخى بين سعد بن خيثمة، وأبي سلمة. آخى بين سلمة بن سلامة، وأبي سبرة بن أبي رهم. آخى بين سلمان الفارسي، وأبي الدرداء. وقيل: بين سلمان، وحذيفة. آخى بين سويبط بن سعد، وعابد بن ماعص.

стр. 866

حرف الشين: آخى بين شجاع بن وهب، وأوس بن خولي. آخى بين شماس بن عثمان، وحنظلة بن الراهب. حرف الصاد: آخى بين صهيب، والحارث بن الصمة. آخى بين صفوان بين بيضاء، وبين رافع بن المعلى/. حرف الطاء: آخى بين طلحة، وسعد بن زيد. وقيل: بين طلحة، وكعب بن مالك. و [قيل] : [١] بين طلحة، وأبي أيوب. وآخى بين الطفيل بن الحارث، والمنذر بن محمد. و [قيل:] [٢] بين الطفيل، وسفيان بن بشر. وآخى بين طليب بن عمرو، والمنذر بن عمرو. حرف العين: آخى بين أبي بكر الصديق واسمه: عبد الله، وبين عمر. وقيل: بين أبي بكر، وبين خارجة. آخى بين عمر، وأبي بكر. وقيل: بين عمر وبين عويمر بن ساعدة. وقيل: بين عمر، وعتبان بن مالك. آخى بين عثمان بن عفان، وبين عبد الرحمن بن عوف. وقيل: بين عثمان، وأوس بن ثابت. آخى بين علي بن أبي طالب، وبين نفسه ﷺ . وقيل: بين علي وبين الزبير. وقيل: بين علي، وسهل بْن حنيف. آخى بين العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث.

стр. 867

آخى بين أبي عبيدة، وبين سالم مولى أبي حذيفة. وقيل: بين أبي عبيدة، وسعد بن معاذ. وقيل: بين أبي عبيدة، ومحمد بن مسلمة. آخى بين عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل. آخى بين عبد الله بن مظعون، وسهل بن عبيد بن المعلى. آخى بين عبد الله بن جحش، وعاصم بن ثابت. آخى بين عمير بن أبي وقاص، وعمرو بن معاذ. آخى بين عمار، وحذيفة. وقيل: بين عمار [١] ، وثابت بن قيس. آخى بين عثمان بن مظعون، وأبي الهيثم بن التيهان. وقيل: بين عثمان، والعباس بن عبادة بن نضلة. وقيل: بين عثمان، وأوس بن ثابت. آخى بين عتبة بن غزوان، وأبي دجانة. وقيل: بين عتبة، ومعاذ بن ماعص. آخى بين عكاشة، والمجذر بن زناد. آخى بين عاقل بن أبي البكير، وبشر بن عبد المنذر، وقيل: بين عاقل، ومجذر بن زياد. آخى بين عامر، والحارث بن الصمة. آخى بين عمرو بن سراقة، وسعيد بن زيد. آخى بين عبيدة بن الحارث، وعمير بن الحمام. آخى بين عبادة، وعامر بن ربيعة. آخى بين عوف/ بن مالك، وأبي الدرداء. حرف الفاء: آخى بين فروة بن عمرو البياضي، وعبد الله بن مخرمة. حرف القاف: آخى بين قطبة بن عامر، وعبد الله بن مظعون. حرف الكاف: آخى بين كناز بن الحصين، وعبادة بن الصامت.

стр. 868

حرف الميم: آخى بين مصعب بن عمير، وأبي أيوب. آخى بين مرثد بن أبي مرثد، وأوس بن الصامت. آخى بين مسطح، وزيد بن المزين. آخى بين معاذ بن عفراء، ومعمر بن الحارث. آخى بين محرز بن نضلة [١] ، وعمارة بن جرير [٢] . آخى بين مسعود بن الربيع، وعبيد بن التيهان. آخى بين المقداد، جبار بن صخر، وقيل: بين المقداد، وابن رواحة. آخى بين المنذر بن عمرو، وأبي ذر. آخى بين مهجع، والحارث بن سراقة. وقيل: بين مهجع، وسراقة. حرف الهاء: آخى بين هشيم بن عتبة، وعباد بن بشر. حرف الواو: آخى بين وهب بن سعد، وسويدا بن عمرو. وقيل: وهب، وسراقة. حرف الياء: آخى بين يزيد بن المنذر، وعامر بن ربيعة . [أمره ﷺ بصيام عاشوراء] وفي هذه السنة: وجد اليهود تصوم عاشوراء. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أبي سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عاشوراء، فقال لهم: «ما

стр. 869

هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟» قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَأَغْرَقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ» فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [١] . [إسلام عبد الله بن سلام] [٢] وفي هذه السنة: أسلم [٣] عبد الله بن سلام. أَخْبَرَنَا مَوْهُوبُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ [٤] قَالَ: [أَخْبَرَنَا] [٥] مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ [إِلَيْهِ] فَكُنْتُ فِيمَنْ أَتَى، فَلَمَّا رَأَيْتُ وَجْهَهُ عَرِفْتُ أَنَّه وَجْهٌ غَيْرُ كَذَّابٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تدَخْلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ» . قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: وَسَيَأْتِي شَرْحُ حَالِهِ فِي إِسْلامِهِ عِنْدَ ذكر وَفَاتِهِ . [رؤية عبد الله بن زيد الآذان في منامه] [٦] وفيها رأى عبد الله بن زيد الآذان فعلمه بلالا.

стр. 870

أخبرنا هبة الله بن محمد قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن عَلِيّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن مالك قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الله بن أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ قال: أخبرنا أبي، عن ابن إسحاق قال: ذكر مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: لَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَضْرِبَ بِالنَّاقُوسِ لِجَمْعِ النَّاسِ لِلصَّلاةِ [١]- وَهُوَ لَهُ كَارِهٌ لِمَوَافَقَةِ النَّصَارَى- طَافَ بِي مِنَ اللَّيْلِ طَائِفٌ وَأَنَا نَائِمٌ: رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ وَفِي يَدِهِ نَاقُوسٌ يَحْمِلُهُ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلاةِ. قَالَ: أَفَلا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى. قَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ [٢] ، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. / قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ غَيْرَ بَعِيدٍ، قَالَ: ثُمَّ تَقُولُ إِذَا قُمْتَ لِلصَّلاةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، أَشَّهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ [اللَّهِ] [٣] ، حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا حَقٍّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ثُمَّ أَمَرَ بِالتَّأْذِينِ، فَكَانَ بِلالٌ يُؤَذِّنُ بِذَلِكَ وَيَدْعُو رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلاةِ، فَجَاءَهُ ذَاتَ غَدَاةٍ إِلَى الْفَجْرِ [٤] ، فَقِيلَ لَهُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَائِمٌ، فَصَرَخَ بِلالٌ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: فَأُدْخِلَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي التَّأْذِينِ [إِلَى صَلاةِ الْفَجْرِ] [٥] ، فَكَانَ بِلالٌ يُؤَذِّنُ بِذَلِكَ [٦] .

стр. 871

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ قَالَ: أخبرنا أبو محمد الجوهري قال: أخبرنا أبو عمر بْن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال: أخبرنا محمد بن سعد قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبرَنَا سُلَيْمَانُ الْقَارِي، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. قَالُوا [١] : كَانَ النَّاسُ فِي عهد رسول الله ﷺ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِالآَذَانِ- يُنَادِي مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : الصَّلاةُ جَامِعَةٌ. فَيَجْتَمِعَ النَّاسُ، فَلَمَّا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ أمر بالآذان، وكأن رسول الله صلي الله عليه وسلم قَدْ أَهَمَّهُ أَمْرُ الآَذَانِ، وَأَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَشْيَاءَ يَجْمَعُونَ بِهَا النَّاسَ لِلصَّلاةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْبُوقَ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: النَّاقُوسُ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ بات [٢] عبد الله بن زيد الخزرجي فأري فِي النَّوْمِ [أَنَّ] [٣] رَجُلا عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ وَفِي يَدِهِ نَاقُوسٌ. قَالَ: فَقُلْتُ: أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ فَقَالَ: مَاذَا تُرِيدُ بِهِ؟ فَقُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ أَبْتَاعَهُ لِكَيْ أَضْرِبَ/ بِهِ لِلصَّلاةِ لِجَمَاعَةِ النَّاسِ. قَالَ: أُحَدِّثُكُمْ بِخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ، تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ- فَذكر الآَذَانَ. فَأَتَى عَبْدُ اللَّهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: «قُمْ مَعَ بِلالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا قِيلَ لَكَ فَلْيُؤَذِّنْ بِذَلِكَ» فَفَعَلَ، وَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَأَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَلِلَّهِ الْحَمْدُ» . قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ [٤] : فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ الآَذَانُ قَدْ وَقَعَ في السنة الثانية من

стр. 872

الْهِجَرْةِ، لأَنَّهُ ذكر ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ستة عشر شهرا . [ذكر سراياه ﷺ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سرية حمزة بن عبد المطلب:] [١] وفي هذه السنة: عقد رسول الله ﷺ لحمزة بن عبد المطلب لواء أبيض- وهو أول لواء عقده- وكان [الذي] [٢] يحمله أبو مرثد كناز بن الحصين حليف حمزة، وذلك في رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجره، وبعث معه ثلاثين رجلا من المهاجرين، ولم يبعث أحدا من الأنصار، وذلك أنهم شرطوا له أنهم يمنعونه في دارهم، فخرج حمزة ليعترض عيرا لقريش [٣] ، فلقي حمزة أبا جهل في ثلاثمائة رجل، فالتقوا فاصطفوا للقتال، فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان حليفا للفريقين، فلم يقع قتال، ورجع أبو جهل إلى مكة وحمزة إلى المدينة . [سرية عبيدة بن الحارث] [٤] ثم عقد في هذه السنة رسول الله ﷺ في شوال على رأس ثمانية أشهر من مهاجره لواء أبيض لعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وأمره بالمسير إلى بطن رابغ، وكان لواؤه مع مسطح بن أثاثة، فخرج في ستين راكبا من المهاجرين، فالتقى بأبي سفيان على ماء، وكان بينهم الرمي ولم يسلوا السيوف، إلا أن سعد بن أبي وقاص رمى يومئذ

стр. 873

بسهم، فكان أول من رمى به في الإسلام. وانصرف الفريقان، وفر من المشركين [١] إلى المؤمنين- أو قال: المسلمين وهو الأصح- المقداد/، وعتبة بن غزوان، وكانا مسلمين، لكنهما خرجا ليتوصلا [٢] بالكفار إلى المسلمين. هذا قول الواقدي. وقال ابن إسحاق: إنما كانت هذه الغزاة في السنة الثانية . [سرية سعد بن أبي وقاص:] [٣] بعث سعد بن أبي وقاص إلى الخزار [٤] في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من مهاجره، وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو، وبعثه في عشرين من المهاجرين يعترض عيرا لقريش، وعهد إليه أن لا يجاوز الخزار، وهي أبيات عن يسار الحجفة، حين تروح من الجحفة إلى مكة. قال سعد [٥] : فخرجنا على أقدامنا، فكنا نكمن النهار ونسير بالليل حتى صبحناها صبح خمس، فنجد العير قد مرت بالأمس، ثم انصرفنا . ومما جرى في هذه السنة: مَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو طَاهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ طاهر قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري قال: أخبرنا عمر بْن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال: أخبرنا محمد بن سعد قال: أخبرنا علي بن محمد بن

стр. 874

عَلِيِّ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ يُقَالُ لَهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ النُّعْمَانِ لَها تَابِعٌ مِنَ الْجِنِّ، فَكَانَ يَأْتِيهَا حِينَ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَانْقَضَّ عَلَى الْحَائِطِ فَقَالَتْ: مَالَكَ لَمْ تَأْتِ كَمَا كنت؟ فقال: قد جاء النبي الَّذِي حَرَّم الزِّنَا وَالْخَمْرَ [١] . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٥- أسعد بن زرارة، أبو أمامة [٢] : خرج إلى مكة هو وذكوان بن عبد قيس يتنافران [٣] إلى عتبة بن ربيعة، فسمعا برسول الله ﷺ فأتياه، فعرض عليهما الإسلام فأسلما، ولم يقربا عتبة ورجعا إلى المدينة، فكانا أول من قدم بالإسلام المدينة. وكان أسعد أحد النقباء الاثني عشر، وهو الذي أخذ بيد رسول الله ﷺ ليلة العقبة وقال: أيها الناس، هل تدرون على ما تبايعون/ محمدا؟ إنكم تبايعونه على أن تحاربوا العرب والعجم، والجن والإنس. فقالوا: نحن حرب لمن حارب، وسلم لمن سالم. ولما خرج مصعب بن عُمَيْرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ليهاجر معه كان أسعد يصلي بالناس الصلوات الخمس ويجمع بهم في موضع مسجد رسول الله ﷺ . مات أسعد بالذبحة قبل أن يفرغ رسول الله ﷺ من بناء مسجده، ودفن بالبقيع. والأنصار يقولون: هو أول من دفن به. والمهاجرون يقولون: عثمان بن مظعون. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَالَّذِي حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ أَسْعَدُ [بْنُ زُرَارَةَ] [٤] اجْتَمَعَتْ بنو النجار إلى رسول الله، وَكَانَ أَبُو أُمَامَةَ نَقِيبُهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ

стр. 875

اللَّهِ، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ كَانَ مِنَّا بِحَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، فَاجْعَلْ مِنَّا رَجُلا مَكَانَهُ يُقِيمُ مِنْ أُمُورِنَا مَا كَانَ يُقِيمُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنْتُمْ أَخْوَالِي وَأَنَا مِنْكُمْ، أَنَا نَقِيبُكُمْ» وَكَرِهَ أَنْ يَخُصَّ بِهَا بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ. فَكَانَ مِنْ فَضْلِ بَنِي النَّجَّارِ الَّذِي بَعْدَ قَوْمِهِمْ أَنَّ رسول الله ﷺ كان نَقِيبُهُمْ [١] . وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ قَالَ: أنبأنا البرمكي قال: أخبرنا ابن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قَالَ: أخبرنا الحسين بن الفهم قال: حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الرِّجَالِ قَالَ: مَاتَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ فِي شَوَّالٍ عَلَى رَأْسِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَمَسْجُدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُبْنَى، وَذَلِكَ قَبْلَ بَدْرٍ، فَجَاءَتْ بَنُو النَّجَّارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: قَدْ مَاتَ نَقِيبُنَا، فَنَقِّبْ عَلَيْنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَا نَقِيبُكُمْ» [٢] . ٦- البراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان [٣] : شهد العقبة، وكان أول من تكلم ليلة العقبة حين لقي رسول الله ﷺ السبعون من الأنصار فبايعوه وأخذ منهم النقباء، وكان هو أحد النقباء، فحمد الله، فقال: الحمد للَّه/ الذي أكرمنا بمحمد وحبانا به، وكنا أول من أجاب فأجبنا الله ورسوله، وسمعنا وأطعنا، يا معشر الأوس والخزرج، قد أكرمكم الله بدينه، فإن أخذتم السمع والطاعة والمؤازرة بالشكر، فأطيعوا الله ورسوله. ثم جلس، وقدم المدينة قبل أن يهاجر رسول الله، فتوفي قبل قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بشهر، فلما قدم رسول الله ﷺ انطلق بأصحابه، فصلى على قبره، وقال: «اللَّهمّ اغفر له وارحمه وارض عنه» وقد فعلت. وهو أول من مات من النقباء. ٧- كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث [٤] : كان شريفا، كبير السن، أسلم قبل قدوم النبي ﷺ المدينة، فلما هاجر النبي ﷺ

стр. 876

نزل عليه، ونزل عليه جماعة منهم: أبو عبيدة، والمقداد، وخباب في آخرين [١] . وتوفي قبل [٢] قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المدينة بيسير، وكان رجلا صالحا . [ذكر من توفي من المشركين] [٣] وفي هذه السنة مات من المشركين: العاص بن وائل السهمي، والوليد بن المغيرة. أَخْبَرَنَا إسماعيل بْن أَحْمَد السمرقندي قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن هبة الطبري قال: أخبرنا أبو أعلى بن صفوان قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن محمد القرشي قال: أخبرنا أبو كريب قال: أخبرنا محمد بن الصلت، عن ابن أبي زائدة، عن مجالد، عن الشعبي قال: لما حضر الوليد بن المغيرة جزع، فقال له أبو جهل: يا عم، ما يجزعك؟ قال: والله ما بي جزع من الموت، ولكني أخاف أن يظهر دين ابن أبي كبشة بمكة، فقال أبو سفيان: يا عم، لا تخف فأنا ضامن أن لا يظهر . [ذكر ما جرى في السنة الثانية من الهجرة] [٤] ثم دخلت سنة اثنتين من الهجرة. فمن الحوادث فيها: [زواج علي بن أبي طالب بفاطمة ﵄] [٥] [أن علي بن أبي طالب ﵁] [٦] تزوج فاطمة ﵂ في صفر لليال بقين منه، وبنى بها في ذي الحجة.

стр. 877

وقد روي أنه تزوجها في رجب بعد مقدم رسول الله ﷺ المدينة بخمسة أشهر، وبنى بها [بعد] [١] مرجعه من بدر [٢] . والأول أصح. وكانت فاطمة يوم بنى بها بنت/ ثمان عشرة سنة، وأهديت في بردين وعليها دملوجان من فضة، وكان معها حميلة ومرفقة من أدم حشوها ليف، ومنخل، وقدح، ورحى، وجرتان. أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيّ الجوهري قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو عمر بْن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قال: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن سعد [٣] قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ ثَعْلَبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلْيَاءُ بْنُ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيُّ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَطَبَ فَاطِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: «انْتَظِرْ بِهَا الْقَضَاءَ» فَجَاءَ عمر إلى أبي بكر وأخبره، فَقَالَ: للَّه دَرُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا بْكَرٍ قَالَ لِعُمَرَ: اخْطِبْ فَاطِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَخَطَبَهَا فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: «انْتَظِرْ بِهَا الْقَضَاءَ» فَجَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: للَّه دَرُّكَ يَا عُمَرُ. ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ عَلِيٍّ قَالُوا لِعَلِيٍّ: اخْطِبْ فَاطِمَةَ إلى رسول الله. فَقَالَ: بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟! فَذَكَرُوا لَهُ قَرَابَتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَخَطَبَهَا فَزَوَّجَهُ [٤] النَّبِيُّ ﷺ ، فباع عليّ بعيرا له وبعض متاعه، فبلغ أربعمائة وَثَمَانِينَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «اجعل ثلاثين فِي الطِّيبِ وَثُلُثًا فِي الْمَتَاعِ» [٥] . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ [٦] : وَأَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: خَطَبَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ عَلِيًّا يَذْكُرُكِ» فَسَكَتَتْ، فَزَوَّجَهَا.

стр. 878

قَالَ [١] : وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ. أَنَّ عَلِيًّا خَطَبَ فَاطِمَةَ ﵄، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا تَصْدُقُهَا؟» قَالَ: مَا عِنْدِي مَا أَصْدُقُهَا. قَالَ: «فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ؟» [٢] قَالَ: عِنْدِي. قَالَ: «أَصْدُقْهَا إِيَّاهَا وَتَزَوَّجْهَا» [٣] . قَالَ [٤] : وَأَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ سَعِيدٍ النَّهْدِيُّ [٥] قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدٍ الرُّؤَاسِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ سليط ابن بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ [٦] : / أَتَى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا حَاجَةُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ؟» قَالَ: ذَكَرْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ. قَالَ: «مَرْحَبًا وَأَهْلا» لَمْ يَزِدْهُ عليها. فخرج عليّ عَلَى رِجَالٍ مِنَ الأَنْصَارِ [٧] فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ لِي مَرْحَبًا وَأَهْلا. قَالَ: يَكْفِيكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِحْدَاهُمَا، أَعْطَاكَ الأَهْلَ وَأَعْطَاكَ الْمَرْحَبَ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَنْ زَوَّجَهُ [٨] قَالَ: يَا عَلِيُّ إِنَّهُ لا بُدَّ لِلْعَرُوسِ مِنْ وَلِيمَةٍ. فَقَالَ سَعْدٌ: عِنْدِي كَبْشَانِ [٩] . وَجَمَعَ لَهُ رَهْطٌ مِنَ الأَنْصَارِ آَصُعًا [١٠] مِنْ ذُرَةٍ، فلما كان ليلة البناء،

стр. 879

قَالَ: «لا تُحْدِثْ شَيْئًا حَتَّى تَلْقَانِي» . فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِنَاءٍ فتوضأ فيه، ثم أفرغه على [عَلَيَّ] [١] ثُمَّ قَالَ: «اللَّهمّ بَارِكْ فِيهِمَا، وَبَارِكْ عَلَيْهِمَا، وَبَارِكْ لَهُمَا فِي نَسْلِهِمَا» . قَالَ [٢] : وَأَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَن مُجَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: قال علي بن أبي طالب ﵁: لقد تزوجت فاطمة وما لي وَلَهَا فِرَاشٌ غَيْرَ جِلْدِ كَبْشٍ، نَنَامُ عَلَيْهِ بالليل، ونعلف عليه الناضح بالنهار، وما لي وَلَهَا خَادِمٌ غَيْرَهَا. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ [٣] : وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ شِبْلٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَبِي أَيُّوبَ [٤] ، فَلَمَّا تَزَوَّجَ [عَلِيٌّ] [٥] بِفَاطِمَةَ قَالَ لِعَلِيٍّ: اطْلُبْ مَنْزِلا. فَطَلَبَ عَلِيٌّ مَنْزِلا فَأَصَابَهُ مُسْتَأْخِرًا عن رسول الله قليلا، فبنى بها فيه، فجاء النبي ﷺ إِلَيْهِمَا فَقَالَ: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحَوِّلَكَ إِلَيَّ» فَقَالَ [٦] : يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَلِّمْ حَارِثَةَ بْنَ النُّعْمَانِ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنِّي [٧] . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « [قَدْ] تَحَوَّلَ حَارِثَةُ عنا [٨] حتى قد استحييت [منه] » [٩] فبلغ ذلك حارثة فَتَحَوَّلَ، وَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَوِّلُ فَاطِمَةَ إِلَيْكَ، وَهَذِهِ مَنَازِلِي [وَهِيَ أَسْقَبُ بُيُوتِ بَنِي النَّجَّارِ بِكَ] [١٠] ، وَإِنَّمَا أنا وَمَالِي للَّه وَلِرَسُولِهِ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ [المال] [١١] الّذي

стр. 880

تَأْخُذُ [مِنِّي] [١] أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي تَدَعُ، فَقَالَ: «صَدَقْتَ، بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ» فَحَوَّلَهَا [٢] رَسُولُ الله/ إِلَى بَيْتِ حَارِثَةَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طاهر البزار قَالَ: أخبرنا ابن حيويه قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سعد قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَبَّابُ بْنُ مُوسَى الْعَبْدِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁. بِتْنَا لَيْلَةً بِغَيْرِ عَشَاءٍ، فَأَصْبَحْتُ فَخَرَجْتُ، ثُمَّ رَجِعْتُ إِلَى فَاطِمَةَ وَهِيَ مَحْزُونَةٌ، فَقُلْتُ: مَالَكِ؟ قَالَتْ: لَمْ نَتَعَشَّ الْبَارِحَةَ، وَلَمْ نَتَغَدَّ الْيَوْمَ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا عَشَاءٌ، فَخَرَجْتُ فَالْتَمَسْتُ فَأَصَبْتُ مَا اشْتَرَيْتُ طَعَامًا [وَلَحْمًا] [٣] ، ثُمَّ أَتَيْتُهَا بِهِ، فَخَبَزَتْ وَطَحَنَتْ، فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْ إِنْضَاجِ الْقِدْرِ قَالَتْ: لَوْ أَتَيْتَ أَبِي فَدَعَوْتَهُ. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ: «أَعُوذُ باللَّه مِنَ الْجُوعِ ضَجِيعًا» . قُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدَنَا طَعَامٌ، فَهَلُمَّ. فَتَوَكَّأَ عَلَيَّ حَتَّى دَخَلَ وَالْقِدْرُ تَفُورُ، فَقَالَ: «اغْرُفِي لِعَائِشَةَ» فَغَرَفَتْ فِي صَحْفَةٍ، ثُمَّ قَالَ: «اغْرُفِي لِحَفْصَةَ» فَغَرَفَتْ فِي صَحْفَةٍ، حَتَّى غَرَفَتْ لِجَمِيعِ نِسَائِهِ التِّسْعِ، ثُمَّ قَالَ: «اغْرُفِي لابْنِكِ وَزَوْجِكِ» فَغَرَفَتْ، ثُمَّ رَفَعَتِ الْقِدْرَ وَإِنَّهَا لَتَفِيضُ، فَأَكَلْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ . [غزوة الأبواء] [٤] وفي هذه السنة كانت غزاة الأبواء. قال مؤلف الكتاب [٥] : وهي أول غزاة غزاها رسول الله ﷺ بنفسه، واستخلف
следующие страницы →