نزل عليه، ونزل عليه جماعة منهم: أبو عبيدة، والمقداد، وخباب في آخرين [١] .
وتوفي قبل [٢] قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المدينة بيسير، وكان رجلا صالحا
. [ذكر من توفي من المشركين]
[٣] وفي هذه السنة مات من المشركين: العاص بن وائل السهمي، والوليد بن المغيرة.
أَخْبَرَنَا إسماعيل بْن أَحْمَد السمرقندي قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن هبة الطبري قال:
أخبرنا أبو أعلى بن صفوان قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن محمد القرشي قال:
أخبرنا أبو كريب قال: أخبرنا محمد بن الصلت، عن ابن أبي زائدة، عن مجالد، عن الشعبي قال:
لما حضر الوليد بن المغيرة جزع، فقال له أبو جهل: يا عم، ما يجزعك؟ قال:
والله ما بي جزع من الموت، ولكني أخاف أن يظهر دين ابن أبي كبشة بمكة، فقال أبو سفيان: يا عم، لا تخف فأنا ضامن أن لا يظهر
. [ذكر ما جرى في السنة الثانية من الهجرة]
[٤] ثم دخلت سنة اثنتين من الهجرة. فمن الحوادث فيها:
[زواج علي بن أبي طالب بفاطمة ﵄]
[٥] [أن علي بن أبي طالب ﵁] [٦] تزوج فاطمة ﵂ في صفر لليال بقين منه، وبنى بها في ذي الحجة.
стр. 877
وقد روي أنه تزوجها في رجب بعد مقدم رسول الله ﷺ المدينة بخمسة أشهر، وبنى بها [بعد] [١] مرجعه من بدر [٢] . والأول أصح.
وكانت فاطمة يوم بنى بها بنت/ ثمان عشرة سنة، وأهديت في بردين وعليها دملوجان من فضة، وكان معها حميلة ومرفقة من أدم حشوها ليف، ومنخل، وقدح، ورحى، وجرتان.
أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيّ الجوهري قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو عمر بْن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قال: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن سعد [٣] قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ ثَعْلَبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلْيَاءُ بْنُ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيُّ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَطَبَ فَاطِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: «انْتَظِرْ بِهَا الْقَضَاءَ» فَجَاءَ عمر إلى أبي بكر وأخبره، فَقَالَ: للَّه دَرُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا بْكَرٍ قَالَ لِعُمَرَ: اخْطِبْ فَاطِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَخَطَبَهَا فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: «انْتَظِرْ بِهَا الْقَضَاءَ» فَجَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: للَّه دَرُّكَ يَا عُمَرُ. ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ عَلِيٍّ قَالُوا لِعَلِيٍّ: اخْطِبْ فَاطِمَةَ إلى رسول الله. فَقَالَ: بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟! فَذَكَرُوا لَهُ قَرَابَتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَخَطَبَهَا فَزَوَّجَهُ [٤] النَّبِيُّ ﷺ ، فباع عليّ بعيرا له وبعض متاعه، فبلغ أربعمائة وَثَمَانِينَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ :
«اجعل ثلاثين فِي الطِّيبِ وَثُلُثًا فِي الْمَتَاعِ» [٥] . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ [٦] : وَأَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: خَطَبَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ عَلِيًّا يَذْكُرُكِ» فَسَكَتَتْ، فَزَوَّجَهَا.
على المدينة سعد بن عبادة، وخرج في المهاجرين فقط حتى بلغ «الأبواء» ، يعترض لعير قريش حتى بلغ «ودان» - ولذلك يقال لها أيضا غزاة «ودان» - ولم يلق كيدا، فوداع مخشي بن عمرو الضمري- وهو سيد بني ضمرة- على أن لا يغزو بني ضمرة ولا يغزوه، ولا يعينوا عليه، فكتب بذلك بينهم وبينه كتابا- وضمرة من بني كنانة- ثم انصرف رسول الله ﷺ وكانت غيبته خمس عشرة ليلة
. [غزاة بواط]
[١] وفيها كانت غزاة بواط.
خرج إليها رسول الله ﷺ / في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من الهجرة، وحمل لواءه سعد بن معاذ، وخرج في مائتين من الصحابة يعترض عير قريش، وكان فيها أمية بن خلف ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير، فبلغ «بواط» [٢]- وهي جبال «جهينة» من ناحية «رضوى» وهو قريب من «ذي خشب» مما يلي طريق الشام، وبين «بواط» و «المدينة» نحو من أربعة برد- فلم يلق كيدا، فرجع إلى المدينة [٣]
. [غزوة طلب كرز بن جابر الفهري]
[٤] فلم يمض إلا ليال حتى أغار كرز بن رجاء الفهري على سرح [٥] المدينة، فخرج
стр. 882
رسول الله ﷺ في طلبه، واستخلف زيد بن حارثة على المدينة، ومضى حتى بلغ «سفوان» وهو واد، وفاته كرز، فرجع إلى المدينة.
وفيها: ولد النعمان بن بشير بعد الهجرة بأربعة عشر شهرا في ربيع الآخر
. [غزاة ذي العشيرة]
[١] وفي هذه السنة كانت غزاة ذي العشيرة في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرا من الهجرة، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في خمسين ومائة راكب- وقيل: في مائتين- من المهاجرين، ولم يكره أحدا على الخروج، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، ومضى يعترض لعير قريش، وكانوا قد بعثوا فيها أموالهم، فبلغ «ذا العشيرة» - وهي لبني مدلج [٢] بناحية «ينبع» ، وبينها وبين المدينة تسعة برد، ففاتته العير، وهي العير التي رجعت من الشام، فخرج لطلبها، وخرجت قريش تمنعها، فكانت وقعة «بدر» ، وبذي العشيرة كنى عليا: أبا تراب، لأنه رآه نائما على التراب فقال: «اجلس أبا تراب» . وقد روي أن ذلك كان بالمدينة، رآه نائما في المسجد على التراب [٣] .
وفي غزاة [ذي] [٤] العشيرة وادع مدلج [٥] وحلفاءهم من بني ضمرة، ثم رجع ولم يلق كيدا.
стр. 883
[سرية عبد الله بن جحش الأسدي]
[١] وفي هذه السنة كانت سرية عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة، في رجب على رأس سبعة عشر شهرا/ من الهجرة، بعثه في اثني عشر رجلا من المهاجرين [٢] ، كل اثنين يعتقبان بعيرا إلى بطن نخلة [٣] ، وأمره أن يرصد بها عير قريش، فوردت عليه، فهابهم أهل العير، فحلق عكاشة بن محصن رأسه، فاطمأن القوم، وقالوا: هم عمار، وشكوا في ذلك اليوم، هل هو من الشهر الحرام أم لا؟ ثم قاتلوهم فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي فقتله، وشد المسلمون عليهم، [فاستأسر عثمان بن عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان، وأعجزهم نوفل بن عبد الله بن المغيرة] [٤] ، واستاقوا العير، [وكان فيها خمر وأدم وزبيب جاءوا به من الطائف، فقدموا بذلك كله على رسول الله ﷺ ، فوقفه وحبس الأسيرين، وكان الّذي أسر الحكم بن كيسان المقداد بن عمرو، فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فأسلم وقتل ببئر معونة شهيدا.
وكان سعد بن أبي وقاص زميل عتبة بن غزوان على بعير لعتبة في هذه السرية، فضل البعير بحران- وهي ناحية معدن بني سليم- فأقاما عليه يومين يبغيانه، ومضى أصحابهم إلى نخلة فلم يشهدها سعد وعتبة، وقدما المدينة بعدهم بأيام.
стр. 884
ويقال: إن عبد الله بن جحش لما رجع من نخلة خمس ما غنم، وقسم بين أصحابه سائر الغنائم، فكان أول خمس خمس في الإسلام.
ويقال إن النبي ﷺ وقف غنائم نخلة حتى رجع من بدر، فقسمها مع غنائم بدر، وأعطى كل قوم حقهم.
وفي هذه السرية سمى عبد الله بن جحش أمير المؤمنين] [١] .
وقال عروة [٢] : كتب رسول الله ﷺ لعبد الله بن جحش كتابا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، ويمضي ولا يستكره أحدا من أصحابه فلما سار يومين نظر فيه، فإذا فِيهِ: «وإذا نظرت في كتابي هذا، فسر حتى تنزل بطن نخلة، فترصد بها قريشا [وتعلم لنا من أخبارهم] [٣] » وأخبر أصحابه، فمضوا معه، ولم يتخلف منهم أحد، فنزل نخلة، فمرت بهم [٤] عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة [من تجارة قريش] [٥] فيها [منهم] [٦] عمرو بن الحضرمي [٧] ، وعثمان بن عَبْد اللَّه بن المغيرة، وأخوه نوفل، والحكم بن كيسان، فتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب.
وفي رواية عن جندب بن عبد الله قال [٨] : لم يدروا ذلك اليوم من رجب أو جمادى الآخرة.
ثم اجمعوا [٩] على الإقدام عليهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن
стр. 885
الحضرمي [بسهم] [١] فقتله واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم، وأفلت نوفل، وقدموا بالأسيرين والعير على رسول الله ﷺ ، فقال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» فسقط في أيديهم، وعنفهم المسلمون، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام. فأنزل الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ... ٢: ٢١٧ [٢] الآية.
[تحويل القبلة إلى الكعبة] [٣]
ومن الحوادث في هذه السنة: تحويل القبلة إلى الكعبة.
قال محمد بن حبيب الهاشمي: حولت في الظهر يوم الثلاثاء للنصف من شعبان.
زَارَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة/ فتغدى وأصحابه وجاءت الظهر، فصلى بأصحابه في مجلس القبلتين بركعتين من الظهر إلى الشام، ثم أمر أن يستقبل القبلة وهو راكع في الركعة الثانية، فاستدار إلى الكعبة ودارت الصفوف خلفه، ثم أتموا الصلاة، فسمي مسجد القبلتين.
قَالَ الواقدي [٤] : كان هذا يوم الاثنين للنصف من رجب، على رأس سبعة عشر شهرا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قال:
أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قَالَ: حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ: أن رسول الله ﷺ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أو سبعة عشر شهرا،
стр. 886
وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ [١] مِمَّنْ كَانَ [صَلَّى] [٢] مَعَهُ [فَمَرَّ] [٣] عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ: أَشْهَدُ باللَّه لَقَدْ صَلَّيْتُ مع [٤] رسول الله ﷺ قبل مكّة، فداروا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ [٥] . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ أَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى الْكَعْبَةِ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ. وروى السدي عن أشياخه: أن القبلة حولت على رأس ثمانية عشر شهرا من مهاجره.
وكذلك قال ابن إسحاق، والواقدي، والجمهور [٦]
. [بناء مسجد قباء] [٧]
ومن الحوادث: بناء مسجد قباء.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّارُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قال:
أخبرنا ابن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أسامة قَالَ:
حدثنا محمد بن سعد قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. / قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَلْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ الْمُسْتَوْرِدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بن حارثة. عن أبي غزيّة.
стр. 887
قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسْجِدَ قُبَاءَ فَقَدَّمَ جِدَارَ الْمَسْجِدِ إِلَى مَوْضِعِه الْيَوْمَ. وَأَسَّسَهُ بِيَدِهِ، وَنَقَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ الْحِجَارَةَ لِبِنَائِهِ، وَكَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا، وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ جَاءَ مَسْجِدَ قُبَاءَ فصلى فِيهِ كَانَ لَهُ أَجْرُ عُمْرَةَ» . وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَأْتِيهِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ويوم الخميس، وقال: لو كان بطرف من الأَطْرَافِ لَضَرَبْنَا إِلَيْهِ أَكْبَادَ الإِبِلِ.
وَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ يَقُولُ: هُوَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى.
وَكَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَغَيْرُهُ من أصحاب رسول الله ﷺ يَقُولُونَ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [١]
. [نزول فريضة رمضان وزكاة الفطرة]
[٢] ومن الحوادث: نزول فريضة رمضان في شعبان من هذه السنة، والأمر بزكاة الفطر.
أَخْبَرَنَا محمد بْن أبي طاهر قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عمر بْن حيويه قَالَ: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قَالَ: حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂.
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ [٣] ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عمر.
стр. 888
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ ربيح بن عبد الرحمن، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ، قالوا:
نزل فرض شهر رمضان بعد ما صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ بِشَهْرٍ، فِي شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهَرًا مِنْ مُهَاجِرِ رسول الله ﷺ ، وأمر رسول الله ﷺ في هَذِهِ السَّنَةِ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الزَّكَاةُ فِي الأَمْوَالِ، وَأَنَّ تُخْرَجَ عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ، / وَالذكر وَالأُنْثَى: صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ مُدَّانِ [مِنْ] [١] بُرٍّ، وَكَانَ يَخْطُبُ ﷺ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ فَيَأْمُرُ بِإْخِرَاجِهَا قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى [٢] .
ومن الحوادث: أنه خرج ﷺ يوم العيد، فصلى بالناس صلاة العيد، وحملت بين يديه العنزة [٣] إلى المصلى، فصلى إليها، وكانت هذه الحربة للنجاشي، فوهبها للزبير بن العوام، وكانت تحمل بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الأعياد [٤] .
وفي هذه السنة: ولد عبد الله بن الزبير بن العوام بعد الهجرة بعشرين شهرا، وهو أول مولود ولد من المهاجرين بالمدينة، فكبر رسول الله ﷺ ، وكان المسلمون قد تحدثوا بينهم أن اليهود قد سحرتهم، فلا يولد لهم، وكان تكبيره [ ﷺ ] سرورا بذلك.
وقيل: إن أسماء بنت أبي بكر هاجرت إلى المدينة وهي حامل به.
стр. 889
[غزوة بدر]
[١] ومن الحوادث في هذه السنة: غزاة بدر، وكانت في صبيحة سبعة عشر يوما من رمضان يوم الجمعة. وقيل: تسعة عشر. والأول أصح.
قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري قال: أخبرنا ابْن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن معروف قَالَ: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال: أخبرنا محمد بن سعد قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أَخْبَرَنَا زكريا، عن عامر:
أن بدرا إنما كانت لرجل يدعى بدرا، يعني: بئرا.
قال: وقال الواقدي وأصحابنا من أهل المدينة ومن يروي السيرة يقولون: بدر اسم الموضع [٢] .
وكان الذي هاج هذه الوقعة وغيرها من الحروب بين رسول الله ﷺ وبين المشركين قتل عمرو بن الحضرمي. فتحين رسول الله ﷺ انصراف العير التي طلبها بذي العشيرة، فبعث طلحة، وسعيد بن زيد يتحسسان خبرها، فلما رجعا وجدا النبي ﷺ قد خرج، وكان قد ندب أصحابه وأخبرهم بما مع أبي سفيان من المال مع قلة عدده [٣] / فخرج أقوام منهم لطلب الغنيمة، وقعد أخرون لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربا فلم يلمهم، لأنه لم يخرج لقتال، وكان خروجه يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان- وقيل لثلاث خلون من رمضان- على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة، واستخلف على المدينة عمرو بن أم مكتوم، وخرجت معه الأنصار ولم يكن غزا بأحد منهم قبلها، وضرب عسكره ببئر أبي عتبة [٤] على ميل من المدينة يعرض أصحابه، وردّ من
стр. 890
استصغر، وخلف عثمان على رقية وكانت مريضة، وبعث طلحة وسعيدا على ما ذكر، فقدما وقد فاتت بدر، وخلف أبا لبابة بن عبد المنذر على المدينة، وعاصم بن عدي على أهل العالية، والحارث بن حاطب رده من الروحاء إلى بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم، والحارث بن الصمة كسر بالروحاء. وخوات بن جبير كسر أيضا، وكل هؤلاء ضرب له سهمه وأجره، وكانت الإبل معه سبعين، يتعاقب النفير على البعير، وكانت الخيل فرسين: فرس للمقداد، وفرس لمرثد بن أبي مرثد. وفي رواية: وفرس للزبير.
وَقَدْ رَوَى زِرٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ [١] : كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ، وَكَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيٌّ زَمِيلَيَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالا: ارْكَبْ حَتَّى نَمْشِي عَنْكَ. فَيَقُولُ: «مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي عَلَى الْمَشْيِ، وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الأَجْرِ مِنْكُمَا» . قال العلماء: وقدم رسول الله ﷺ عينين له إلى المشركين: بسبس بن عمرو، وعدي بن أبي الزغباء. وجعل على الساقة: قيس بن أبي صعصعة، فلما بلغ أبا سفيان خروج رسول الله ليأخذ ما معه استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة ليستنفر قريشا لأجل أموالهم، فخرج ضمضم سريعا.
وكانت [٢] عاتكة بنت عبد المطلب قد رأت قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها، فأخبرت بها أخاها العباس/ وأمرته أن يكتم ذلك. قالت: رأيت راكبا على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: أن انفروا يا أهل غدر [٣] لمصارعكم في ثلاث. فاجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينا هم حوله [٤] مثل به بعيره [٥] على ظهر الكعبة يصرخ [٦] بأعلى صوته: انفروا يا أهل غدر [٧]
стр. 891
لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس، فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلت منها فلقة.
فقال لها العباس: اكتميها. ثم لقي الوليد بن عتبة- وكان صديقا له- فذكرها له واستكتمه، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش.
فقال العباس: فلقيني أبو جهل فقال: يا أبا الفضل، متى حدثت فيكم هذه النبية؟
قلت: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التي رأت عاتكة. قلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن تتنبى رجالكم حتى تتنبى نساؤكم؟! وقد زعمت عاتكة أنه قال: انفروا في ثلاث فنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يكن ما قالت حقا فسيكون، وإن مضى الثلاث، ولم يكن من ذلك شيء فنكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب.
قال العباس: فجحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا، ثم تفرقنا، فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لما قد سمعت؟
فقلت: قد والله فعلت ذَلكَ، وأيم الله لأتعرضن له، فإن عاد لأكفيتكموه.
قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا مغضب أرى أن قد فاتني منه أمر أحبّ أن أدركه، فدخلت المسجد فرأيته، فو الله إني لأمشي نحوه أتعرض له ليعود لبعض ما قال، فأقع فيه، إذ خرج نحو باب المسجد/ يشتد، فقلت في نفسي: ما له لعنه الله؟ أكل هذا فرقا من أن أشاتمه، وإذا هو قد سمع ما لم أسمع: صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد وأصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث.
قال: فشغلني عنه، وشغله عني ما جاء من الأمر، فتجهز الناس سراعا وقالوا:
يظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي؟ كلا والله ليعلمن غير ذلك.
وكانوا بين رجلين: إما خارج، وإما باعث مكانه رجلا، وأوعبت قريش ولم
стр. 892
يتخلف من أشرافها أحد، إلا أن أبا لهب بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكان أمية بن خلف شيخا ثقيلا فأجمع القعود، فأتاه عقبة بن أبي معيط بمجمرة فيها نار، فوضعها بين يديه، ثم قال له: استجمر فإنما أنت من النساء، قال: قبحك الله وقبح ما جئت بِهِ. ثم تجهز وخرج [مع] [١] الناس، فلما أجمعوا السير ذكروا ما بينهم وبين كنانة، فقالوا: نخشى أن يأتونا من خلفنا. فتبدى لهم إبليس في صورة مالك بن جعشم، وكان من أشراف كنانة، فخرجوا سراعا معهم القيان والدفوف، وكانوا تسعمائة وخمسين مقاتلا، وكانت خيلهم مائة فرس.
وَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد فقال: امض يا رسول الله لما أمرك الله، فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ٥: ٢٤ [٢] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الّذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى «برك الغماد» - يعني مدينة الحبشة- لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خيرا.
قال ابن إسحاق: ثُمَّ قَالَ/ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أيها الناس، أشيروا علي» وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم قالوا حين بايعوه بالعقبة: إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا، نمنعك مما نمنع به نساءنا وأبناءنا.
وكأن رسول الله ﷺ يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو، فلما قال ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله. قال: «أجل» قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك عهودنا على السمع والطاعة، فامض لما أردت، فو الّذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله تعالى.
فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال: «سيروا على بركة الله،
стр. 893
وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم» .
ثم سار حتى نزل قريبا من بدر، فنزل هو ورجل من أصحابه حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم؟ فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أخبرتنا أخبرناك» فقال:
وذاك بذاك؟ فقال: «نعم» . قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدقني الذي أخبرني فهو اليوم بمكان كذا وكذا- للمكان الذي به رسول الله ﷺ وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي حدثني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا- للمكان الذي به قريش- فلما خبره قال: ممن أنتما؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ : «نحن من ماء» وانصرف. قال مؤلف الكتاب: أوهمه رسول الله ﷺ أنه من العراق، / وكان العراق يسمى:
ماء، وإنما أراد بِهِ: خلق من نطفة ماء.
قال ابن إسحاق: ثم رجع رَسُول اللَّه ﷺ إلى أصحابه، فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون لَهُ الخبر، فأصابوا راوية لقريش فيها: أسلم غلام [بني] [١] الحجاج، وعرباص أبو سيار غلام [بني] [٢] العاص بن سَعِيد، فأتوا بهما رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي فسألوهما، فقالوا: نحن سقاة قريش، بعثوا بنا لنسقيهم من الماء. فرجا القوم أن يكونا [٣] لأبي سفيان، فضربوهما، فقالا: نحن لأبي سُفْيَان فتركوهما، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش، أخبراني: أين قريش؟» قالوا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، والكثيب العقنقل. قال: «كم القوم؟» قالا: كثير. قال: «كم عدتهم؟» قالا: لا ندري. قال: «كم ينحرون؟» قالا: يوما تسعا ويوما عشرا. قال:
стр. 894
«القوم ما بين التسعمائة إلى الألف» قال: «فمن منهم من أشراف قريش؟» قالا: عتبة، وشيبة، وأبو البختري، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وزمعة بْن الأسود، وأبو جهل، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود. فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ علي الناس فقال:
«هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» . وأما أبو سفيان [١] فإنه أسرع بالعير على طريق الساحل، وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجحفة رَأَى جهم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا فقال: إني رأيت فيما يرى النائم، أو أني بين النائم [٢] واليقظان، إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له، ثم قال: قتل عتبة، وشيبة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية، وفلان وفلان- فعد رجالا ممن قتل يومئذ من أشراف قريش- ورأيته ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا/ أصابه نضح من دمه.
قال: فبلغت أبا جهل، فقال: وهذا [أيضا] [٣] نبي آخر من بني عبد المطلب، سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.
ولما رأى أبو سفيان [أنه] [٤] قد أحرز عيره أرسل إلى قريش: أنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم وأموالكم، وقد نجاها الله فارجعوا. فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدرا- وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل عام- فنقيم عليه ثلاثا، وننحر [٥] الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدا، فامضوا.
فقال الأخنس بن شريق: يا بني زهرة، قد نجا الله أموالكم فارجعوا ولا تسمعوا ما يقول هذا فرجعوا ولم يشهدها زهري.
стр. 895
وبلغ أبا سفيان قول أبي جهل فقال: وا قوماه، هذا عمل عمرو بن هشام- يعني أبا جهل- ثم لحق المشركين، فمضى معهم فجرح يوم بدر جراحات [١] ، وأفلت هاربا على قدميه، ومضت قريش حتى نزلت بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل، وبعث الله السماء، وكان الوادي دهسا، فأصاب رسول الله ﷺ ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم المسير، وأصاب قريش منها ماء لم يقدروا على أن يرتحلوا معه.
فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به.
فحدثت [٢] عن رجال من بني سلمة: أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخره، أم هو الرأي في الحرب؟ قال: «بل هو الرأي [بالحرب] » [٣] فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس لك بمنزل، فانهض بالناس [٤] حتى نأتي أدنى ماء من القوم [فننزله، ثم نغور ما سواه من القلب [٥] ، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون.
فنزل جبريل فقال: الرأي ما أشار به الحباب. فنهض ومن معه حتى أتى أدنى ماء من القوم] [٦] فنزل عليه [٧] ، وأمر بالقلب فغورت [٨] ، وبنى حوضا على القليب الذي كان عليه، [ثم] [٩] قذفوا فيه الأنية. فَحَّدَثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ/ مُعَاذٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْنِي لَكَ عَرِيشًا مِنْ جَرِيدٍ فَتَكُونُ فِيهِ، وَتُعِدُّ عِنْدَكَ رَكَائِبِكَ، ثم نلقى [عدونا] [١٠] ، فإن أعزنا الله
стр. 896
وَأَظْهَرَنَا كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا، وَإِنْ كَانَتِ الأُخْرَى جَلَسْتَ عَلَى رَكَائِبِكَ فَلَحِقْتَ بِمَنْ وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْكَ أَقْوَامٌ مَا نَحْنُ بِأَشَّدَ حُبًّا لَكَ مِنْهُمْ، وَلَوْ ظَنُّوا أَنَّكَ تَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلَّفُوا عَنْكَ، يَمْنَعُكَ الله تعالى بهم، يناصحونك ويجاهدون معك.
فدعى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْرٍ، وَبُنِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرِيشٌ فَكَانَ فِيهِ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «اللَّهمّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلائِهَا وَفَخْرِهَا، تُحَارِبُكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهمّ فَنَصْرُكَ الَّذِي وَعَدْتَنِي» .
فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله ﷺ فيهم حكيم بن حزام عَلَى فرس له، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «دعوهم» . فما شرب منهم رجل إلا أسر أو قتل إلا حكيم بن حزام، فإنه نجا على فرس له، ثم أسلم، فكان يقول إذا حلف:
لا والذي نجاني يوم بدر.
فلما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب اللخمي فقالوا: أحرز لنا أصحاب محمد، فجال بفرسه نحو العسكر، ثم رجع فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين، فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم ير شيئا، فرجع فقال: ما رأيت شيئا، ولكني قد رأيت يا معشر قريش الولايا [١] تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل منهم رجل حتى يقتل منكم رجالا، فإذا أصابوا أعدادهم فما خير في العيش بعد ذلك، فردوا رأيكم. فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى إلى عتبة فقال: يا أبا الوليد، إنك كبير قريش وسيدها، هل لك في أن لا تزال تذكر بخير [إلى آخر] [٢] الدهر؟ قال:
وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس وتحمل دم حليفك [٣] عمرو بن الحضرمي. قال:
قد فعلت. أنبأنا/ الحسين بن محمد بن عبد الوهاب قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة
شَجَرَةٍ وَيَدْعُو حَتَّى أَصْبَحَ، وَمَا كَانَ مِنَّا فَارِسٌ يَوْم بَدْرٍ غَيْرَ الْمِقْدَادِ/ بْنِ الأَسْوَدِ.
قال ابن إسحاق [١] : وقام عتبة خطيبا فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا، فو الله لئن أصبتموه لا يزال رجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إِلَيْهِ، قتل ابن عمه أو ابن خاله، أو رجالا من عشيرته، فارجعوا أو خلوا بين محمد وسائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، فإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه لما تريدون.
قال حكيم: وجئت إلى أبي جهل فوجدته قد نثل [٢] درعا له من جرابها، فهو يهيئها، فقلت: إن عتبة أرسلني بكذا وكذا، فقال: انتفخ والله سحره حين رأى محمدا، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال، لكنه قد رأى محمدا وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه- يعني أبا حذيفة بن عتبة وكان قد أسلم- ثم بعث إلى عامر بْن الحضرمي فقال له: هذا حليفك، يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد مقتل أخيك.
فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ: وا عمراه! فحميت الحرب، وطلب عتبة بيضة يدخلها رأسه فما وجد في الجيش بيضة تمنعه من عظم رأسه [٣] ، فاعتجز ببرد له [٤] .
وعقد رسول الله ﷺ الألوية، فكان لواء رسول الله ﷺ الأعظم، لواء المهاجرين مع مصعب بْن عمير، ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر، ولواء الأوس مع سعد بن معاذ، وجعل شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عُبَيْد اللَّه. وقيل: كان شعار الكل: يا منصور أمت.
وكان مع المشركين ثلاثة ألوية: لواء مع أبي عزيز بن عمير، ولواء مع النضر بن الحارث، ولواء مع طلحة بن أبي طلحة، كلهم من بني عبد الدار.
стр. 899
ونزل رسول الله ﷺ أدنى بدر عشاء ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان.
فخرج الأسود [١] بن/ عبد الأسد المخزومي، فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم، ولأهدمنه، أو لأموتن دونه. فلما خرج خرج له حمزة بن عبد المطلب، فضربه في ساقه فوقع على ظهره تشخب رجله دما، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم، يريد أن يبر يمينه، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله.
ثم خرج بعده عتبة وأخوه شيبة، وابنه الوليد، فدعا إلى المبارزة [٢] ، فخرج إليه فتية من الأنصار عوف [٣] ومعوذ ابنا الحارث، وعبد الله بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟
قالوا: رهط من الأنصار، فقالوا: ما لنا بكم من حاجة. ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فَقَالَ: رسول الله ﷺ : «قم يا حمزة، قم يا عبيدة، قم يا علي» فقالوا: أكفاء كرام، فبارز عبيدة- وهو أسن القوم- عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد بن عتبة، فقتل حمزة شيبة، وقتل علي الوليد، واختلف عبيدة وعتبة ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فقتلاه، واحتملا عبيدة، فجاءا به إلى أصحابه ( [٤] ، وقد قطعت رجله، فمخها يسيل، فلما أتوا بعبيدة إلى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ألست شهيدا يا رسول الله؟ فقال: «بلى» فقال عبيدة: لو كان أبو طلحة حيا لعلم أني أحق بما قال منه حيث يقول:
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ثم تزاحف الناس، ودنا بعضهم من بعض، وقد أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: «إن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنبل» وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي العريش معه أبو بكر لَيْسَ معه غيره. وذكر ابن إسحاق عن أشياخه: [٥] أن رسول الله ﷺ عدّل صفوف أصحابه يوم بدر
стр. 900
وفي يده قدح [١] يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية وهو/ مستنتل [٢] من الصف، فطعن في صدره بالقدح [٣] ، وقال: «استويا سواد» فقال: يا رسول الله، أوجعتني وقد بعثك الله بالحق، فأقدني [٤] . فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه وقال: «استقد» فاعتنقه وقبل بطنه فقال: «ما حملك على هذا يا سواد» . فقال: حضر ما ترى، فلم آمن القتل، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك. فدعا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
ثم عدل الصفوف، ورجع إلى العريش يناشد ربه وما وعده من النصر، فخفق [٥] رسول الله ﷺ في العريش خفقة ثم انتبه فقال: «يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل أخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع» [٦] .
ثم خرج رسول الله ﷺ [إلى الناس] [٧] يحرضهم ونفل كل امرئ منهم ما أصاب، وقال: «والّذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة» .
فقال عمير بن الحمام- وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ [٨] ، فما بيني وبين [أن أدخل] [٩] الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء! ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه، فقاتل القوم حتى قتل [١٠] ، وهو يقول:
ركضا إلى الله بغير زاد ... إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد ... وكل زاد عرضة النفاد
غير التقى والبرّ والرّشاد
стр. 901
فلما التقى الناس، قال أبو جهل [١] : اللَّهمّ أقطعنا للرحم، وآتنا بما لا يعرف، فأحنه [٢] الغداة، فكان هو المستفتح [٣] على نفسه.
ثم إن رسول الله أخذ حفنة من الحصباء، فاستقبل بها قريشا، ثم قال: «شاهت الوجوه» ثم نفخهم بها، وقال لأصحابه: شدوا، فكانت الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر منهم، فلما وضع القوم أيديهم يأسرون، ورسول الله في العريش، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش [٤] متوشحا السيف، في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله/ ﷺ يخافون عليه كرة العدو، ورأى رسول الله ﷺ في وجه سعد الكراهية لما يصنع النَّاسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لكأنك يا سعد تكره ما يصنع الناس» ، فقال: أجل والله يا رسول الله، كانت [أول] [٥] وقعة أوقعها الله بالمشركين، فكان الإثخان في القتل أعجب إلي من استبقاء الرجال [٦]
. [قتلى وأسرى المشركين]
[٧] :
وقتل من المشركين سبعون، وأسر سبعون، فممن قتل: عتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة، والعاص بن سعيد، وأبو جهل، وأبو البختري، وحنظلة بن أبي سفيان، والحارث ابن عامر، [وطعيمة بن عدي] [٨] وزمعة بن الأسود، ونوفل بن خويلد [٩] ، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن هشام خال عمر، وأمية بن خلف، وعلي بن أمية، و [منبه] [١٠] بن الحجاج، ومعبد بن وهب.
стр. 902
وممن أسر: نوفل بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، وأبو العاص بن الربيع، وعدي بن الحباب، وأبو عزيز بن عمير، والوليد بن [الوليد بن] [١] المغيرة، وعبد الله بن أبي بن خلف، وأبو عزة عمرو [٢] بن عبد الله الجمحي الشاعر، ووهب بن عمير، وأبو وداعة بن ضبيرة، وسهيل بن عمرو.
وكان فداء الأسارى [كل رجل منهم] [٣] أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى ألفين إلى ألف، إلا قوما لا مال لهم من عليهم رسول الله ﷺ منهم أبو عزة [الجمحي] [٤] .
أَخْبَرَنَا أبَوُ بَكْرِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمر بْن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف، قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، قال: أخبرنا محمد بن سعد، قال: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَامِرٍ [٥] قَالَ:
أَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ [أَسِيرًا،] [٦] فَكَانَ يُفَادِي بِهِمْ عَلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ، وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَكْتُبُونَ، وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لا يَكْتُبُونَ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِدَاءٌ دُفِعَ إِلَيْهِ عَشْرَةٌ مِنْ/ غِلْمَانِ الْمَدِينَةِ فَعَلَّمَهُمْ، فَإِذَا حَذَقُوا فَهُوَ فِدَاؤُهُ.
وَفِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ [٧] : وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِمَّن عُلِّمَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [٨] : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ يَوْمَئِذٍ: «إِنِّي قَدْ عَرِفْتُ أَنَّ رِجَالا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ قَدْ أُخْرِجُوا كُرْهًا، لا حَاجَةَ لَهُمْ بِقَتَالِنَا، فمن لقي منكم أحدا من
стр. 903
بَنِي هَاشِمٍ فَلا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنَ هِشَامٍ فَلا يَقْتُلْهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أُخْرِجَ مُسْتَكْرَهًا» .
فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أنقتل آباءنا [وأبناءنا] [١] وإخواننا وعشيرتنا، ونترك الْعَبَّاس، [والله] [٢] لئن لقيته لألحمنه [٣] السيف، فبلغت رسول الله ﷺ فجعل يقول لعمر بن الخطاب يا أبا حفص، أما تسمع قول أبي حذيفة، [يقول] [٤] أضرب وجه عم رسول الله بالسيف، فقال عمر: يا رسول الله، دعني فلأضربن عنقه بالسيف فو الله لقد نافق.
فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدا.
وإنما [٥] نهى رسول الله عن قتل أبي البختري، لأنه كان أكف القوم عن رسول الله ﷺ وهو بمكة، كان لا يؤذيه، ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان فيمن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني المطلب.
وقال ابن عباس: وكان الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو، فقال رسول الله: «كيف أسرته» ؟ قال: أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، قال: «لقد أعانك عليه ملك كريم» ، وبات رسول الله ﷺ ساهرا أول ليلة، فقال أصحابه: ما لك لا تنام، فقال: «سمعت صوت تضور الْعَبَّاس في وثاقه» ، فقاموا إلى العباس، فأطلقوه، فنام رسول الله. وقد روى ابن إسحاق عن أشياخه [٦] ، أن عبد الرحمن بن عوف قال: كان أمية بن خلف صديقا لي بمكة، فلما كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه عليّ آخذا بيده،
стр. 904
ومعي ادراع قد استلبتها، فقال: يا عبد الله، هل لك في، فأنا خير لك من هذه الأدراع؟
فطرحت الأدراع من يدي/ وأخذت بيده وبيد ابنه وهو يمشي ويقول: ما رأيت كاليوم قط.
ثم قال لي: من الرجل المعلم بريشة نعامة في صدره؟ قلت: حمزة، قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل، قال عبد الرحمن: فو الله إني لأقودهما إذ رآه بلال، وهو الذي كان يعذب بلالا بمكة على أن يترك الإسلام يخرجه إلى رمضاء [١] مكة فيضجعه على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا حتى تفارق دين محمد، فيقول بلال: أحد أحد، فقال بلال حين رآه: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا [٢] ، [قلت: أي بلال، أسيري، قَالَ: لا نجوت إن نجوا] [٣] فقلت تسمع [٤] يا ابن السوداء، فقال: لا نجوت إن نجوا، ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا فأحاطوا بنا [ثم جعلونا في المسكة] [٥] وأنا أذب عنه [٦] ، فضرب رجل ابنه فوقع، فصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قطّ، فقلت: أنج بنفسك [٧] ، فو الله ما أغني عنك شيئا. فضربوهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما.
فكان عبد الرحمن يقول: رحم الله بلالا، ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري [٨] .
أَخْبَرَنَا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر،
وَهُمَا [١] مُعَاذُ بْنُ عَمْرٍو، وَمُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ.
[قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ] [٢] : أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [٣] .
وفي رواية ابن مسعود ( [٤] : أن [معاذ] [٥] بن عفراء ضرب أبا جهل هو وأخوه عوف بن الحارث، حتى أثبتاه، فعطف عليهما فقتلهما، ثم وقع صريعا فوقف عليه معوذ [٦] .
وفي رواية، عن معاذ بن عمرو بن الجموح، قال: / ضربت أبا جهل [بن هشام] [٧] ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه، فو الله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى، وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي فقاتلت عليه يومي [٨] ، وإني لأسحبها خلفي، فلما أذتني جعلت عليها رجلي ثم تمطيت [٩] بها حتى طرحتها. وعاش معاذ إلى زمان عثمان. قال: [١٠] ثم مر بأبي جهل- وهو عقير- معوذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته وتركه وبه رمق، وقاتل معوذ حتى قتل، فمر به عبد الله بن مسعود، فوضع رجله على عينيه، فقال: لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا، فقال: لمن الدائرة؟ فقال: للَّه ولرسوله، ثم اجتز رأسه، فأتى به رسول الله ﷺ .
أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر،
стр. 909
قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثني أبي، قال: أخبرنا وكيع، قال: حدثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ [قَالَ] [١] : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ. انْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ ضَرَبْتُ رِجْلَهُ، وَهُوَ صَرِيعٌ، وَهُوَ يَذُبُّ النَّاسَ عَنْهُ بِسَيْفٍ لَهُ، فَقُلْتُ: الْحَمْدُ للَّه الَّذِي أَخْزَاكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، فَقَالَ [٢] : هَلْ هُوَ إِلا رَجُلٌ قَتَلَهُ قَوْمُهُ؟ [قَالَ] [١] : فَجَعَلْتُ أَتَنَاوَلُهُ بِسَيْفٍ لِي غَيْرَ طَائِلٍ، فَأَصَبْتُ يَدَهُ، فَنَدَرَ سَيْفُهُ [٣] ، فَأَخَذْتُهُ فَضَرَبْتُهُ بِهِ، حَتَّى قَتَلْتُهُ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ [٤] ﷺ ، كَأَنَّمَا أُقَلُّ مِنَ الأَرْضِ [٥] ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «الْحَمْدُ للَّه الَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ [٦] » فَرَدَّدَهَا ثَلاثًا قَالَ:
قُلْتُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، [قَالَ] فَخَرَجَ يَمْشِي مَعِي حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «الْحَمْدُ للَّه الَّذِي أَخْزَاكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، هَذَا كَانَ فِرْعَوْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ» [٧] . وَقُتِلَ أَبُو جَهْلٍ [لَعَنَهُ اللَّهُ] [٨] وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً
. ذكر نزول الملائكة
قال علماء السير: جاءت يوم بدر ريح لم يروا مثلها ثم ذهبت، ثم جاءت [٩] ريح أخرى، فكانت الأولى جبريل/ في ألف من الملائكة مع رسول الله ﷺ ، والثانية [١٠] ميكائيل في ألف من الملائكة عن ميمنة رسول الله ﷺ ، [والثالثة إسرافيل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول اللَّه ﷺ ] [١١] . وكان سماء الملائكة عمائم قد أرخوها بين أكتافهم خضر وصفر وحمر من نور، والصوف في نواصي خيلهم، وكانت خيلا بلقاء.
стр. 910
وقاتلت الملائكة يوم بدر ولم تقاتل في غير ذلك اليوم، كانت تحضر ولا تقاتل.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [١] : حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي حَتَّى أَصْعَدْنَا الْجَبَلَ يُشْرِفُ بِنَا عَلَى بَدْرٍ، وَنَحْنُ مُشْرِكَانِ، نَنَتَظِرُ [الْوَقْعَةَ] [٢] عَلَى مَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ [٣] ، فَنَنْهَبُ مَعَ مَنْ يَنْهَبُ [٤] . فَبَيَّنَا [٥] نَحْنُ فِي الْجَبَلِ إِذْ دَنَتْ مِنَّا سَحَابَةٌ فَسَمِعْنَا فِيهَا حَمْحَمَةَ الْخَيْلِ، فَسَمِعْتُ قَائِلا يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فَأَمَّا ابْنُ عَمِّي فَرَاعَ قَلْبُهُ فَمَاتَ مَكَانَهُ، وَأَمَّا أَنَا فَكِدْتُ أَهْلِكُ ثُمَّ تَمَاسَكْتُ.
قال ابن حبيب الهاشمي: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لجبريل: «من القائل [أقدم] [٦] حيزوم؟» فقال جبريل: ما كل أهل السماء أعرف. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن المذهب، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَازِنٍ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، قَالَ:
إِنِّي لأَتْبَعُ رَجُلا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لأَضْرِبَهُ إِذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرِفْتُ أَنْ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي [٧] .
وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَ لِي أَبِي: يَا بُنَيَّ لَقَدْ رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بِسَيْفِهِ إِلَى الْمُشْرِكِ فَيَقَعُ رَأْسُهُ عَنْ جَسَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ السَّيْفُ [٨] .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كان يومئذ يبدر رَأْسُ الرَّجُلِ لا يَدْرِي مَنْ ضَرَبَهُ، [وَتُبْدَرُ يد الرجل لا يدرى من ضربه] [٩] .
стр. 911
وقال عطية بن قيس: لما فرغ رسول الله ﷺ من قتال بدر، جاءه جبريل ﵇ على فرس أنثى حمراء عليه درعه ومعه رمحه قد عصم ثنيتيه الغبار، فقال: يا محمد إن الله تعالى بعثني إليك وأمرني أن/ لا أفارقك حتى ترضى، هل رضيت؟ قال:
«نعم قد رضيت» [فانصرف] [١]
. ذكر إلقاء رؤسائهم في القليب
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الدَّاوُدِيُّ، قَالَ: أخبرنا الفربري، قال: أخبرنا البخاري، قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عُرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذكر لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فَقُذِفُوا فِي طُوًى مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخَبَّثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرَصَةِ ثَلاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشَدَّ عَلَيْهَا رَحْلَهَا ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: مَا نَرَى يَنْطَلِقُ إِلا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شفة الرّكيّ [٢] ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يا فُلانِ بْنِ فُلانٍ، وَيَا فُلانَ بْنَ فُلانٍ [٣] ، أَيَسُّرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا» ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لا أَرْوَاحَ فِيهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» . قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ، تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنِقْمَةً وحسرة وندما.
أخرجاه في الصحيحين [٤] .
стр. 912
وروى ابن إسحاق: أن رسول الله ﷺ لما أمر [أن] [١] يلقوا في القليب، أخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب، فنظر رسول الله ﷺ في وجه أبي حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغير، فقال: «يا حذيفة لعلك دخلك من شأن أبيك شيء» قال: لا والله يا نبي الله، ولكن كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر أحزنني ذلك، فدعا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ / بخير ثم أن رسول الله ﷺ أمر بما في العسكر فجمع، فقال من جمعه:
هو لنا، قد كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ نفل كل امرئ ما أصاب، وقال الذين قاتلوا: لولا نحن ما أصبتموه [نحن أحق به] [٢] ، وقال الذين يحرسون رسول اللَّه ﷺ : ما أنتم بأحق منا.
قال عبادة بن الصامت: فلما اختلفنا في النفل نزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله ﷺ ، فقسمه رسول الله ﷺ بين المسلمين على السواء.
قال ابن حبيب: وتنفل رسول الله ﷺ ذا الفقار، وكان لنبيه بن الحجاج، وغنم جمل أبي جهل، فكان يغزو عليه وكان يضرب في لقاحه
. فصل
ثم بعث [٣] رسول الله ﷺ عند الفتح [٤] عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله ﷺ [وعلى المسلمين] [٥] ، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة.
قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر حين سوينا [التراب] على رقية بنت رَسُول اللَّه ﷺ التي كانت عند عثمان بن عفان، وكأن رسول الله ﷺ خلفني عليها مع عثمان.
стр. 913
فأتيت أبي وهو واقف بالمصلى [١] قد غشيه الناس، وهو يقول: قتل عتبة، وشيبة، وأبو جهل، وأبو البختري [٢] ، وأمية بن خلف، ونبيه، ومنبه ابنا الحجاج ( [٣] ، فقلت: يا أبه [٤] أحق هذا؟ قال: نعم والله يا بني.
ثم أقبل رسول الله ﷺ قافلا إلى المدينة: [فاحتمل معه النفل الذي أصيب من المشركين، وجعل على النفل عبد الله بن كعب بن زيد بن عوف ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى إذا خرج من مضيق الصفراء] [٥] ، نزل على كثيب في طريقه، فقسم النفل.
ثم ارتحل رسول الله ﷺ [٦] فلقيه المسلمون بالروحاء يهنئونه بما فتح الله عليه، فقال رَجُل [٧] : وما الذي تهنئون به، فو الله إن لقينا إلا عجائز ضلعا كالبدن المعقلة، فنحرناها، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: «لا يا ابن أخي أولئك الملأ» [٨] . وكان مع رسول الله ﷺ الأسارى [من المشركين] [٩] وهم أربعة وأربعون [١٠] .
فلما كان بالصفراء أمر عليا بقتل النضر بن الحارث، [١١] حتى إذا كان بعرق الظبية [١٢] ، قتل عقبة بن أبي معيط، فقال حين أمر به أن يقتل: فمن للصبية يا محمد، قال: النار، قال: فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح.
стр. 914
وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المدينة قبل/ الأسرى بيوم، وقال: «استوصوا بالأسرى خيرا» . فكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم، أخو مصعب بن عمير، [فقال أبو عزيز: مر بي أخي مصعب بن عمير] [١] ورجل من الأنصار يأسرني، فقال له: شد يديك به، فإن أمه ذات متاع، لعلها أن تفتديه منك. وكنت فِي رهط من الأنصار، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز، وأكلوا التمر لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا، ما يقع في يد رجل منهم كسرة من الخبز إلا نفحني بها، فأستحي فأردها فيردها علي ما يمسها [٢]
. فصل
قال ابن إسحاق [٣] : وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله بن إياس الخزاعي.
وقال أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [٤] : كُنْتُ غُلامًا لِلْعَبَّاسِ [بْنِ عَبْدِ المطلب] [٥] ، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه، ويكره أن يخالفهم، [وكان يكتم] إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق. فلما جاء الخبر عن مصاب أهل بدر [من قريش] [٦] وجدنا في أنفسنا قوة وعزّا، فو الله إني لجالس في حجرة زمزم أنحت القداح، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر، فجلس، فأقبل أبو سفيان بن الحارث، فقال له أبو لهب: هلم إلي يا ابن أخي، فعندك الخبر، فأقبل فجلس إِلَيْهِ، فقال: أخبرني كيف كان أمر الناس، قال: لا شيء، والله إن كان إلا لقيناهم، فمنحناهم أكتافنا، يقتلون ويأسرون كيف شاءوا، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا
стр. 915
بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، ما [تليق شيئا، ولا] [١] يقوم لها شيء.
قال أبو رافع: فقلت: فتلك الملائكة، فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، فثاورته، فاحتملني، فضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني، فقامت أم الفضل إلى عمود فضربته به ضربة شجته، وقالت: تستضعفه إن/ غاب عنه سيده، فقام موليا ذليلا، فو الله ما عاش إلا سبع ليال حتى مات.
قال ابن إسحاق [٢] : وحدثني يحيى بن عباد، عن أبيه، قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا ذلك فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا [٣] بنا، ولا تبعثوا في فداء الأسارى حتى تستأنوا [٤] بهم لئلا يشتط عليكم في الفداء [٥] .
وكان الأسود بن عبد يغوث [٦] قد أصيب له ثلاثة من ولده: زمعة، وعقيل، والحارث [٧] ، وكان يحب أن يبكي [على] [٨] بنيه، فسمع نائحة في الليل، فقال لغلامه: انظر هل أحل النحيب؟ هل بكت قريش على قتلاها لعلي أبكي على زمعة، فإن جوفي قد احترق. فقال الغلام: إنما هي امرأة على بعير [٩] لها قد أضلته.
وخرج مطلب بن وداعة بفداء أبيه، فأخذه بأربعة آلاف درهم [١٠] .
ثم خرج مكرز بن حفص في فداء سهيل بن عمرو، فلما انتهى إلى رضاهم في