وقال عطية بن قيس: لما فرغ رسول الله ﷺ من قتال بدر، جاءه جبريل ﵇ على فرس أنثى حمراء عليه درعه ومعه رمحه قد عصم ثنيتيه الغبار، فقال: يا محمد إن الله تعالى بعثني إليك وأمرني أن/ لا أفارقك حتى ترضى، هل رضيت؟ قال:
«نعم قد رضيت» [فانصرف] [١]
. ذكر إلقاء رؤسائهم في القليب
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الدَّاوُدِيُّ، قَالَ: أخبرنا الفربري، قال: أخبرنا البخاري، قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عُرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذكر لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فَقُذِفُوا فِي طُوًى مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخَبَّثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرَصَةِ ثَلاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشَدَّ عَلَيْهَا رَحْلَهَا ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: مَا نَرَى يَنْطَلِقُ إِلا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شفة الرّكيّ [٢] ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يا فُلانِ بْنِ فُلانٍ، وَيَا فُلانَ بْنَ فُلانٍ [٣] ، أَيَسُّرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا» ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لا أَرْوَاحَ فِيهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» . قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ، تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنِقْمَةً وحسرة وندما.
أخرجاه في الصحيحين [٤] .
стр. 912
وروى ابن إسحاق: أن رسول الله ﷺ لما أمر [أن] [١] يلقوا في القليب، أخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب، فنظر رسول الله ﷺ في وجه أبي حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغير، فقال: «يا حذيفة لعلك دخلك من شأن أبيك شيء» قال: لا والله يا نبي الله، ولكن كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر أحزنني ذلك، فدعا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ / بخير ثم أن رسول الله ﷺ أمر بما في العسكر فجمع، فقال من جمعه:
هو لنا، قد كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ نفل كل امرئ ما أصاب، وقال الذين قاتلوا: لولا نحن ما أصبتموه [نحن أحق به] [٢] ، وقال الذين يحرسون رسول اللَّه ﷺ : ما أنتم بأحق منا.
قال عبادة بن الصامت: فلما اختلفنا في النفل نزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله ﷺ ، فقسمه رسول الله ﷺ بين المسلمين على السواء.
قال ابن حبيب: وتنفل رسول الله ﷺ ذا الفقار، وكان لنبيه بن الحجاج، وغنم جمل أبي جهل، فكان يغزو عليه وكان يضرب في لقاحه
. فصل
ثم بعث [٣] رسول الله ﷺ عند الفتح [٤] عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله ﷺ [وعلى المسلمين] [٥] ، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة.
قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر حين سوينا [التراب] على رقية بنت رَسُول اللَّه ﷺ التي كانت عند عثمان بن عفان، وكأن رسول الله ﷺ خلفني عليها مع عثمان.
стр. 913
فأتيت أبي وهو واقف بالمصلى [١] قد غشيه الناس، وهو يقول: قتل عتبة، وشيبة، وأبو جهل، وأبو البختري [٢] ، وأمية بن خلف، ونبيه، ومنبه ابنا الحجاج ( [٣] ، فقلت: يا أبه [٤] أحق هذا؟ قال: نعم والله يا بني.
ثم أقبل رسول الله ﷺ قافلا إلى المدينة: [فاحتمل معه النفل الذي أصيب من المشركين، وجعل على النفل عبد الله بن كعب بن زيد بن عوف ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى إذا خرج من مضيق الصفراء] [٥] ، نزل على كثيب في طريقه، فقسم النفل.
ثم ارتحل رسول الله ﷺ [٦] فلقيه المسلمون بالروحاء يهنئونه بما فتح الله عليه، فقال رَجُل [٧] : وما الذي تهنئون به، فو الله إن لقينا إلا عجائز ضلعا كالبدن المعقلة، فنحرناها، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: «لا يا ابن أخي أولئك الملأ» [٨] . وكان مع رسول الله ﷺ الأسارى [من المشركين] [٩] وهم أربعة وأربعون [١٠] .
فلما كان بالصفراء أمر عليا بقتل النضر بن الحارث، [١١] حتى إذا كان بعرق الظبية [١٢] ، قتل عقبة بن أبي معيط، فقال حين أمر به أن يقتل: فمن للصبية يا محمد، قال: النار، قال: فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح.
стр. 914
وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المدينة قبل/ الأسرى بيوم، وقال: «استوصوا بالأسرى خيرا» . فكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم، أخو مصعب بن عمير، [فقال أبو عزيز: مر بي أخي مصعب بن عمير] [١] ورجل من الأنصار يأسرني، فقال له: شد يديك به، فإن أمه ذات متاع، لعلها أن تفتديه منك. وكنت فِي رهط من الأنصار، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز، وأكلوا التمر لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا، ما يقع في يد رجل منهم كسرة من الخبز إلا نفحني بها، فأستحي فأردها فيردها علي ما يمسها [٢]
. فصل
قال ابن إسحاق [٣] : وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله بن إياس الخزاعي.
وقال أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [٤] : كُنْتُ غُلامًا لِلْعَبَّاسِ [بْنِ عَبْدِ المطلب] [٥] ، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه، ويكره أن يخالفهم، [وكان يكتم] إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق. فلما جاء الخبر عن مصاب أهل بدر [من قريش] [٦] وجدنا في أنفسنا قوة وعزّا، فو الله إني لجالس في حجرة زمزم أنحت القداح، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر، فجلس، فأقبل أبو سفيان بن الحارث، فقال له أبو لهب: هلم إلي يا ابن أخي، فعندك الخبر، فأقبل فجلس إِلَيْهِ، فقال: أخبرني كيف كان أمر الناس، قال: لا شيء، والله إن كان إلا لقيناهم، فمنحناهم أكتافنا، يقتلون ويأسرون كيف شاءوا، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا
стр. 915
بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، ما [تليق شيئا، ولا] [١] يقوم لها شيء.
قال أبو رافع: فقلت: فتلك الملائكة، فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، فثاورته، فاحتملني، فضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني، فقامت أم الفضل إلى عمود فضربته به ضربة شجته، وقالت: تستضعفه إن/ غاب عنه سيده، فقام موليا ذليلا، فو الله ما عاش إلا سبع ليال حتى مات.
قال ابن إسحاق [٢] : وحدثني يحيى بن عباد، عن أبيه، قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا ذلك فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا [٣] بنا، ولا تبعثوا في فداء الأسارى حتى تستأنوا [٤] بهم لئلا يشتط عليكم في الفداء [٥] .
وكان الأسود بن عبد يغوث [٦] قد أصيب له ثلاثة من ولده: زمعة، وعقيل، والحارث [٧] ، وكان يحب أن يبكي [على] [٨] بنيه، فسمع نائحة في الليل، فقال لغلامه: انظر هل أحل النحيب؟ هل بكت قريش على قتلاها لعلي أبكي على زمعة، فإن جوفي قد احترق. فقال الغلام: إنما هي امرأة على بعير [٩] لها قد أضلته.
وخرج مطلب بن وداعة بفداء أبيه، فأخذه بأربعة آلاف درهم [١٠] .
ثم خرج مكرز بن حفص في فداء سهيل بن عمرو، فلما انتهى إلى رضاهم في
стр. 916
الفداء، قالوا: هات، قال: ضعوا رجلي مكانه وخلوا سبيله يبعث إليكم بالفداء [١] .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ للعباس [٢] : افد نفسك وابني أخيك عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وحليفك عتبة بن عمرو، فإنك ذو مال. فقال: [يا رسول الله] [٣] إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني، فقال: الله أعلم بإسلامك إن يكن ما ذكرت حقا فاللَّه يجزيك به، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا، وكان معه عشرون أوقية حين أخذ [٤] ، فقال: احسبها لي في فدائي، قال: لا، ذاك شيء أعطاناه الله منك، قال: فليس لي مال، قال: فأين المال الذي وضعته بمكة حيث خرجت من عند أم الفضل، ليس معكما [٥] أحد. ثم قلت لها: إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا، ولقثم كذا وكذا، ولعبيد الله كذا وكذا، قال: والذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد غيري وغيرها، وإني أعلم أنك رسول الله حقا، ففدى/ نفسه وابني أخيه [٦] وحليفه.
وكان في الأسارى أبو العاص بن الربيع، زوج زينب، وكانت زينب قد آمنت برسول الله، فأقام أبو العاص على شركه معها، فخرج يوم بدر فأسر، فبعثت زينب في فدائه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص، حين بنى بها، فلما رآها رسول الله رق لها رقة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها فافعلوا، فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه، وردوا عليها ذلك. وكان قد شرط لرسول الله أن يخلي سبيل زينب إليه، فقدم أبو العاص مكة، وأمر زينب باللحوق برسول الله، فتجهزت وقدم إليها حموها كنانة بن الربيع وزوجها بعيرا فركبته، وأخذ قوسه وكنانته، وخرج بها نهارا يقود بها، وهي في الهودج، فتحدث بذلك رجال قريش، فخرجوا في طلبها فأدركوها بذي طوى، فأول من سبق إليها هبّار بن
стр. 917
الأسود بالرمح، وكانت حاملا، فألقت حملها، ونزل حموها فنثر كنانته، وقال، والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما، فرجع الناس عنه، فجاء أبو سفيان، فقال ويحك قد عرفت مصيبتنا ثم خرجت بالمرأة علانية، فيظن الناس إن ذلك عن ذل منا، ولعمري ما لنا حاجة فِي حبسها عن أبيها، ولكن ردها، فإذا هدأ الصوت، وتحدث الناس أنا قد رددناها، فسلها سرا فألحقها بأبيها، ففعل وأقام أبو العاص بن الربيع بمكة، وزينب عند رسول الله ﷺ بالمدينة، قد فرق بينهما الإسلام، حتى إذا كان قبيل الفتح، خرج أبو العاص تاجرا، فلما لحقته سرية لرسول الله، فأصابوا ما معه وهرب، فأقبل تحت الليل حتى دخل على زينب فاستجار بها، فلما خرج رسول الله ﷺ إلى الصبح صاحت زينب: أيها الناس إني قد/ أجرت أبا العاص بن الربيع، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أقبل عليهم، فقال: هل سمعتم ما سمعت، قالوا: نعم، قَالَ: والذي نفسي بيده ما علمت بشيء كان حتى سمعت منه ما سمعتم، إنه يجير على المسلمين أدناهم. ثم دخل على ابنته، فقال: أي بنية أكرمي مثواه، ولا يخلص إليك، فإنك لا تحلين له.
وقال للسرية التي أصابت ماله: إن تحسنوا تردوا عليه، وإن أبيتم فهو فيء، وأنتم أحق بِهِ، قالوا: بل نرده فردوه.
ثم ذهب إلى مكة فرد ما للناس عنده من مال، ثم قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم عندي مال، قالوا: لا، قال: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلام إلا خوفا أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم، ثم خرج فقدم عَلَى رسول الله [١] .
قال ابن عباس: فرد رسول الله زينب بالنكاح الأول، لم يحدث شيئا بعد ست سنين ( [٢] .
وفي رواية أخرى ردها بنكاح جديد.
قال ابن إسحاق [٣] : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، قال: جلس
стр. 918
عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر من قريش بيسير، وهو في الحجر، وكان عمير شيطانا من شياطين قريش، وكان يؤذي رسول الله وأصحابه، وكان ابنه وهيب بن عمير في أسارى بدر، فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: والله إن ليس في العيش خير بعدهم، فقال له عمير: صدقت والله أما والله لولا دين علي ليس عندي قضاؤه، وعيال أخشى عليهن الضيعة لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قبلهم علة ابني أسير في أيديهم.
فقال صفوان: فعلي دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أسوتهم ما بقوا، قال عمير: فاكتم علي شأني وشأنك، قال افعل.
ثم إن عميرا أمر بسيفه فشحذ له وسم، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فرآه/ عمر قد أناخ بعيره على باب المسجد متوشحا السيف، فقال: هذا عدو الله عمير ما جاء إلا لشر، وهو الَّذِي حرش بيننا، وحزرنا للقوم يوم بدر، ثم دخل عمر على رسول الله، فقال: يا نبي الله، هذا عدو الله عمير، قد جاء متوشحا، قال: فأدخله علي.
قال: فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه، قال: أرسله يا عمر، أدن يا عمير، فدنا ثم قَالَ: أنعموا صباحا، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «قد أكرمنا الله بتحية خيرا من تحيتك يا عمير، بالسلام، تحية أهل الجنة، ما جاء بك يا عمير» ؟ قال: جئت لفداء الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه، قال: فما بال السيف في عنقك قال: قبحها اللَّه من سيوف، وهل أغنت عنا شيئا، قال: أصدقني بالذي جئت له، قال: ما جئت له، قال: ما جئت إلا لذلك، قال: بلى، قعدت أنت وصاحبك صفوان بن أمية في الحجر، فذكرت ما أصاب أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين علي وعلي عيال لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني، والله حائل بيني وبينك.
فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا نكذبك، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فو الله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد للَّه الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق. ثم تشهد شهادة الحق، فَقَالَ رسول الله ﷺ : فقهوا أخاكم في دينه، وعلموه القرآن، واطلقوا له أسيره.
стр. 919
ففعلوا، ثم قال يا رسول الله، إني كنت جاهدا في إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وإني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، لعل الله أن يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم.
فأذن لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فلحق بمكة، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام/ تنسيكم وقعة بدر. وكان صفوان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه، فحلف أن لا يكلمه أبدا، ولا ينفعه بنفع أبدا، فلما قدم مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذي من خالفه، فأسلم على يديه ناس كثير
. ذكر فضل من شهد بدرا
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الدَّاوُدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا السَّرْخَسِيُّ، قَالَ: أخبرنا الفربري، قال: أخبرنا البخاري، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَّدَثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ-[وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ] [١] ، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلُ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالُوا:
«مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ» أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا. قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلائِكَةِ.
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ [٢] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»
. ذكر عدد أهل بدر
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن عَلِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن
стр. 920
جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي، وَسُفْيَانُ، وَإِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ:
كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَوْمَ بَدْرٍ على عدة أصحاب طالوت يوم جالوت ثلاثمائة وَبِضْعَةَ عَشَرَ، الَّذِينَ جَازُوا مَعَهُ النَّهْرَ، وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَهُ النَّهْرَ إِلا مُؤْمِنٌ.
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ [١] .
وَأَخْبَرَنَا ابْنُ دِيَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ، عَنِ الْحَكَمِ، عِنْ مُقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ:
أَهْلُ بَدْرٍ كانوا ثلاثمائة وَثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلا، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ سِتَّةً وَسَبْعِينَ، وَكَانَ هَزِيمَةُ يَوْمِ بَدْرٍ لِسَبْعَ عَشَرَةَ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ [٢] .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ مُقْسَمٍ/، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعَةَ وَسَبْعِينَ رَجُلا، وَالأَنْصَارُ مَائَتَيْ وسِتَّةٍ وَثَلاثِينَ.
[وكان صاحب راية رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب،] [٣] وكان صاحب راية الأنصار سعد بن عبادة [٤] .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدٌ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو محمد بْن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف، قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، قال: أخبرنا محمد بن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ، قَالَ:
كَانَ عدة أصحاب بدر ثلاثمائة وَثَلاثَةَ عَشَرَ أَوْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ: سَبْعُونَ وَمِائَتَانِ من الأنصار، وبقيتهم من سائر الناس [٥] .
стр. 921
قال محمد بن سعد: جميع من شهد بدرا من المهاجرين الأولين من قريش وحلفائهم ومواليهم في عدد ابن إسحاق ثلاثة وثمانون، وفي عدد الواقدي: خمسة وثمانون.
وجميع من شهد بدرا من الأوس ومن ضرب له بسهمه وأجره في عدد موسى بن عقبة والواقدي ثلاثة وستون، وفي عدد ابن إسحاق وأبي معشر أحد وستون. وجميع من شهدها من الخزرج في عدد الواقدي مائة وخمسة وسبعون. [وفي عدد ابن إسحاق وأبي معشر مائة وسبعون] [١] .
فجميع من شهدها من المهاجرين والأنصار ومن ضرب لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بسهمه وأجره في عدد ابن إسحاق ثلاثمائة وأربعة عشر، وفي عدد أبي معشر والواقدي ثلاثمائة وثلاثة عشر، وفي عدد موسى بن عقبة ثلاثمائة وستة عشر.
[قال المصنف ﵀: وقد ذكر قوم زيادة على هذا العدد] [٢] ، وأنا أذكر ما صح من ذلك عَلَى حروف المعجم، وقد استقصيت أنسابهم والخلاف فيهم في كتاب «التلقيح» ، والله الموفق.
حرف الألف:
أبي بن كعب، أبي بن ثابت، الأرقم بن أبي الأرقم، أربد بن حمير، أسعد بن يزيد بْن الفاكة، أسير بن عمرو، أنس بن قتادة، أنس بن معاذ، أنسة [مولى رسول الله ﷺ ] [٣] ، أوس بْن الصامت، أوس بن ثابت، أوس بن خولي، إياس بن البكير.
حرف الباء:
بجير، بحاث، بسبس، بشر بن البراء، بشير بن سعد، بلال بن رباح.
حرف التاء:
تميمى بن يعار، تميمى مولى خداش، تميمى مولى بني غنم.
стр. 922
حرف الثاء:
ثابت بن أقرم [١] ، ثابت بن ثعلبة، [ثابت بن خالد، ثابت بن هزال، ثعلبة بن حاطب، ثعلبة بن عمرو] [٢] ، ثعلبة بن غنمة، ثقيف بن عمرو.
حرف الجيم:
جابر بن خالد، جابر بن عبد الله بن رئاب، جبار بن صخر [٣] ، جبر بن عتيك، جبير بن إياس.
حرف الحاء:
الحارث بن أنس، الحارث بن أوس، الحارث بن حرمة، الحارث بن ظالم، الحارث بن قيس بن خالد، الحارث بن النعمان بن أمية، حارثة بن النعمان بن رافع، حارثة بن النعمان بن نفيع، حارثة بن سراقة، حاطب بن أبي بلتعة، حاطب بن عمرو، الحباب بن المنذر، حبيب بن الأسود، حرام بن ملحان، حريث بن زيد [٤] ، حصين ابن الحارث، حمزة بْن عبد المطلب، حارثة بن الحمير، وقيل: حمرة.
حرف الخاء:
خالد بن البكير، خالد أبو أيوب الأنصاري، خالد بن قيس، خارجة بن زيد، خباب بن الأرت، خباب مولى عتبة بن غزوان، خبيب بن يسار، خداش بن الصمة، خلاد [٥] بن رافع، خلاد بن سويد، خلاد بن عمرو، خليد بن قيس بن نعمان، خليفة بن عدي، خنيس بن حذافة، خولي بن أبي خولي.
حرف الدال:
وليس في حرف الدال أحد.
حرف الذال:
ذكوان بن عبد قيس، ذو الشمالين.
стр. 923
حرف الراء:
رافع بن الحارث، رافع بن عنجدة، رافع بن المعلى، الربيع بن إياس، ربيعة بن أكثم، ربعي بن رافع، رجيلة بن ثعلبة، رفاعة بن رافع رفاعة بن عبد المنذر، رفاعة بن عمرو.
حرف الزاي:
الزبير بن العوام، زيد بن أسلم، زيد بن حارثة، زيد بن الخطاب، زيد بن سهل أبو طلحة، زيد بن وديعة، زياد بن كعب، زياد بن لبيد.
حرف السين:
سالم بن عمير، سالم مولى أبي حذيفة، السائب بن عثمان بن مظعون، سبيع بن قيس، سراقة بن عمرو، سراقة بن كعب، سعد بن خولة، سعد بن خيثمة، سعد بن الربيع، سعد بْن سهيل، سعد بن عثمان الزرقي، سعد بن عمير أبو زيد، سعد بن أبي وقاص، سعد بن معاذ، سعيد بن قيس، سفيان بن بشر، سلمة بن أسلم، سلمة بن ثابت، سلمة بن سلامة، سليم بن الحارث، سليم بن عمرو، سليم بن قيس، سليم بن ملحان، سليم أبو كبشة، سليط بن قيس، سماك أبو دجانة، سماك بن سعد، سنان بن صيفي، سنان بن أبي سنان، سواد بن رزن، سواد بن غزية، سويبط، سهل بن حنيف، سهل بن عتيك، سهل بن عدي، سهل بن قيس، سهل بن رافع، سهيل بن بيضاء.
حرف الشين:
شجاع بن وهب، شماس بن عثمان.
حرف الصاد:
صالح وهو شقران، صفوان بن بيضاء.
حرف الضاد:
الضحاك بن عبد عمرو، ضمرة بن عمرو.
стр. 924
حرف الطاء:
الطفيل بن الحارث، الطفيل بن مالك، الطفيل بن النعمان.
حرف العين:
عاصم بن ثابت، عاصم بن البكير، عاصم بن قيس، عاقل بن البكير، عامر بن أمية، عامر بن ربيعة، عامر بن سلمة، عامر أبو عبيدة الجراح، عامر بن فهيرة، عامر بن مخلد، عائذ بن ماعص، عباد بن بشر، عباد بن قيس، عبادة بن الخشخاش، عبادة بن قيس بن عبسة، عبد الله بن أنيس، عبد الله بن ثعلبة، عبد الله بن جبير، عبد الله بن جحش، عبد الله بن الجد بن قيس، عبد الله بن الربيع، عبد الله بن رواحة، [عبد الله بن زيد] [١] ، عبد الله بن سراقة، عبد الله بن سلمة، [عبد الله بن سهل، عبد الله بن سهيل بْن عمرو، عبد الله بن طارق، عبد الله بن عبد الله بن أبي، عبد الله هو أبو سلمة] [٢] ، عَبْد اللَّه بن عبد مناف، عبد الله بن عبس، عبد الله أبو بكر الصديق، عبد الله بن عرفطة، عبد الله بن عمرو بن حرام، عبد الله بن عمر، عبد الله بن قيس بن صخر، عَبْد اللَّه بن قيس بن خالد، عبد الله بن مخرمة، عبد الله بن مسعود، عبد الله بن مظعون، عبد الله بن النعمان، عبد الرحمن بن جبير، عبد الرحمن بن عبد الله، عبد الرحمن بن عوف، عبد رب الأنصاري، عبيد بن أوس، عبد بن زيد، عتبة بن غزوان، عتبة بن عَبْد الله، عتيك بن التيهان، عثمان بن مظعون، عدي بن أبي الزغباء، عصمة حليف الأنصار من بني أسد، عصيمة حليف لهم من أشجع، عقبة بن عامر، عقبة بن وهب بن كلدة، عقبة بن وهب بن ربيعة، عكاشة بن محصن، علي بن أبي طالب، عمارة بن حزم، عمار بن ياسر، عمر بن الخطاب، عمرو بن إياس، عمرو بن ثعلبة، عمرو بن سراقة، عمرو بن طلق، عمرو بن معاذ، عمرو بن أبي سرح ويقال معمر، عمير بن الحارث، عمير بن الحمام، عمير بن عامر، عمير بن عوف ويقال عمرو، عمير بن أبي وقاص، عمير بن معبد وقيل
стр. 925
عُمَر، عمرة بن عمرو، عوف بن أثاثة وهو مسطح، عوف بن عفراء، عويمر بن ساعدة، عياض بن زهير/.
حرف الغين:
غنام بن أوس.
حرف الفاء:
الفاكه بن بشر، فروة بن عمرو.
حرف الكاف:
كعب بن جماز، كعب بن زيد، كعب أبو اليسر، كناز بن الحصين.
حرف الميم:
مالك بن التيهان، مالك بن نميلة، مالك بن الدخشم، مالك بن ربيعة أبو أسيد، مالك أخو ... ، مالك أبو حبة، مالك بن أبي خولي، مالك بن قدامة، مالك بن مسعود، ميسرة بن عبد المنذر، المجذر [بن زياد] [١] ، محرز بن عامر، محرز بن نضلة، مُحَمَّد بْن مسلمة، مدلاج، مرثد، مسعود بن أوس، مسعود بن خالد، مسعود بن الربيع، مسعود بن سعد الحارثي، مسعود بن سعد الزرقي، مصعب بن عمير، معاذ بن جبل، معاذ بن عفراء، معاذ بن عمرو، معاذ بن ماعص، معبد بن عبادة، معبد بن قيس، معتب بن عبدة، معتب بن حمراء، معتب بن قشير، معقل بن المنذر، معمر بن الحارث، معن بن عدي، معوذ بن عفراء، معوذ بن عمرو، المقداد، مليك بن وبره، المنذر بن عمرو، المنذر بْن قدامة، المنذر بن محمد، مهجع.
حرف النون:
نصر بن الحارث، النعمان بن ثابت، النعمان بن سنان، النعمان بن عبد عمرو، النعمان بن عمرو، النعمان بن عصر، النعمان بن مالك، النعمان بن أبي حلقة، نوفل بن عبد الله.
стр. 926
حرف الهاء:
هاني بن نيار، هشام بن عتبة، هلال بن المعلى.
حرف الواو:
واقد بن عبد الله، وديعة بن عمرو، وذفة، وهب بن سعد، وهب بن محصن.
حرف الياء:
يزيد بن الحارث، يزيد بن رقيش، يزيد بن عامر، يزيد بن/ المنذر يزيد بن المزين.
وممن يعرف بكنيته ممن شهدها:
أبو الحمراء، أبو خزيمة، أبو سبرة، أبو مليك.
وامتنع من شهودها ثمانية لأعذار، فضرب لهم النبي ﷺ بسهامهم وأجورهم، فكانوا كمن شهدها، وهم:
عثمان بن عفان، وطلحة، وسعيد، والحارث بن حاطب، والحارث بن الصمة، وخوات، وعاصم بن عدي، وأبو لبابة
. فصل
ولما التقى رسول الله ﷺ بالمشركين يوم بدر، فنصر عليهم، وافق ذلك اليوم التقاء فارس بالروم، فنصرت الروم، ففرح [١] المسلمون بالفتحين.
قال مؤلف الكتاب [٢] : وإنما فرحوا لأن الروم أصحاب كتاب، وفارس لا كتاب لهم.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خيرون، قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان، قال: أخبرنا أحمد بن كامل، قال: حدثني مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قوله:
стр. 927
يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ الله ٣٠: ٤- ٥ [١] ، كَانَ ذَلِكَ فِي أَهْلِ فَارِسَ وَالرُّومِ، كَانَتْ فَارِسُ قَدْ غَلَبَتْهُمْ- يَعْنِي الرُّومَ- بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَقِيَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مُشْرِكِي الْعَرَبِ يَوْمَ الْتَقَتِ الرُّومُ وَفَارِسُ، فَنَصَرَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَنَصَرَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى مُشْرِكِي الْعَجَمِ، [فَفَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ أَتَاهُمْ] [٢] ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ الله ٣٠: ٤- ٥
. [سرية عمير بن عدي]
[٣] ومن الحوادث في هذه السنة: سرية عمير بن عدي بن خرشة إلى عصماء بنت مروان، لخمس ليال بقين من رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة.
وكانت عصماء تعيب الإسلام وتؤذي رسول الله ﷺ وتقول الشعر. فجاءها عمير [في جوف الليل] [٤] حتى دخل عليها بيتها وحولها/ نفر من ولدها نيام، منهم من ترضعه في صدرها، فنحى الصبي عنها ووضع سيفه في صدرها حتى أنفذه [٥] من ظهرها. وصلى الصبح مع النبي ﷺ بالمدينة. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أقتلت ابنة مروان؟» ، قال:
نعم [٦] قال: «لا ينتطح فيها عنزان» . فكانت هذه الكلمة أول مَا سمعت من رَسُول الله ﷺ
. [سرية سالم بن عمير]
[٧] ومن الحوادث: سرية سالم بن عمير إلى أبي عفك اليهودي في شوال [على رأس
стр. 928
عشرين شهرا من الهجرة] [١] . وكان أبو عفك شيخا كبيرا يهوديا قد بلغ مائة وعشرين سنة، وكان يحرض على رسول الله ﷺ ، ويقول الشعر. فقتله سالم بن عمير
. [غزوة بني قينقاع]
[٢] ومن الحوادث: غزوة [٣] بني قينقاع، وكأن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد وادع حين قدم المدينة يهودها على أن لا يعينوا عليه أحدا، وأنه إذا دهمه بها عدو نصروه. فلما انصرف من بدر أظهروا له الحسد والبغي، وقالوا: لم يلق محمدا من يحسن القتال، ولو لاقيناه لاقى عندنا قتالا لا يشبهه قتال أحد، ثم أظهروا له نقض العهد.
قال ابن إسحاق [٤] : فجمع رسول الله ﷺ بني قينقاع، وكانوا [٥] أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ ، فقال لهم: «يا معشر اليهود، احذروا من الله [مثل] [٦] ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل» ، فقالوا:
يا محمد، إنك ترى أنا كقومك، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، [فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربتنا لتعلمن أنا نحن الناس] [٧] .
فخرج للنصف من شوال، وحمل لواءه يومئذ حمزة، واستخلف على المدينة أبا لبابة، فتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم خمسة عشر ليلة، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فكتفوا وهو يريد قتلهم، فكلمه فيهم عبد الله بن أبي، فقال: يا محمد، أحسن في موالي- وكانوا حلفاء الخزرج- فأعرض عنه فأعاد السؤال، فأعرض عنه فأدخل يده
стр. 929
في جيب/ رسول الله ﷺ ، وَقَالَ: يا رسول الله، أحسن [١] ، قال: «ويحك أرسلني» ، قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن إلى موالي، أربع مائة حاسر، وثلاث مائة دارع وقد منعوني من الأسود والأحمر، تحصدهم في غداة واحدة، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «هم لك» [٢] .
ثم أمر بإجلائهم، وغنم رسول الله ﷺ والمسلمون ما كان لهم من مال، فكان أول مال خمس في الإسلام بعد بدر، ثم انصرف إلى المدينة.
وبعض العلماء يرى أن غزاة بني قينقاع كانت في سنة ثلاث، وكانت قبلها غزوات.
ومن الحوادث في هذه السنة: أن رسول الله ﷺ خرج فصلى صلاة العيد وضحى هو والأغنياء من أصحابه، وهو أول عيد أضحى رآه المسلمون يومئذ، وكان ذلك في سنة ثلاث من هجرته ﷺ
. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر .
٨- حارثة بن سراقة
[٣] :
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الدَّاوُدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَعْيَنَ، أَخْبَرَنَا الْفَرَبْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ أُمَّ الرَّبِيعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ، وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَلا تُحَدَّثَنِي عَنْ حَارِثَةَ- وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرِبٌ [٤]- فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ وَأَحْسَنْتُ [٥] ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ. فَقَالَ: «يَا أم حارثة
стр. 930
إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى» . [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ] [١] .
قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: قَتَلَ حَارِثَةُ يَوْمَ بَدْرٍ حِبَّانَ بْنَ الْعَرَقَةِ [٢] ، رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَأَصَابَ حَنْجَرَتَهُ، فَقَتَلَهُ
. ٩- رافع بن المعلى بن لوذان بن حارثة بن زيد [٣] :
شهد بدرا، فقتله عكرمة بن أبي جهل
. ١٠-/ رقية بنت رَسُول اللَّه ﷺ [٤] :
كان تزوجها عتبة بن أبي لهب قبل النبوة، فلما بعث رسول الله ﷺ ، وأنزل الله عليه: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ١١١: ١ [٥] ، قال له أبوه: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنته. ففارقها ولم يكن دخل بها.
قال مؤلف الكتاب [٦] : وهذا وأخوه معتب ابنا أبي لهب أسلما [وثبتا] [٧] مع رسول الله ﷺ [في] [٨] غزوة خيبر، وبايعت رقية رسول الله ﷺ وتزوجها عثمان، وهاجرت معه الهجرتين إحداهما إلى أرض الحبشة [٩] ، وكانت قد أسقطت من عثمان سقطا، ثم ولدت له بعد ذلك ابنا فسماه عبد الله، وكان يكنى به في الإسلام، ومرضت ورسول الله ﷺ يتجهز إلى بدر، فخلف عليها عثمان، فتوفيت في رمضان ورسول الله ﷺ ببدر، فدخل المدينة وقد سوي عليها التراب.
стр. 931
١١- سعد بن خيثمة [١]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي طاهر، قال: أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن معروف، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْفَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
كَانَ سَعْدُ] [٢] بْنُ خَيْثَمَةَ أَحَدَ نُقَبَاءِ الأَنْصَارِ الاثْنَيْ عَشَرَ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ الأَخِيرَةَ مَعَ السَّبْعِينَ وَلَمَّا نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الناس إلى غزاة بدر، قال له أبو خَيْثَمَةُ: إِنَّهُ لا بُدَّ لأَحَدِنَا مِنْ أَنْ يُقِيمَ فَآَثِرْنِي بِالْخُرُوجِ وَأَقِمْ مَعَ نِسَائِكَ، فَأَبَى سَعْدٌ وَقَالَ: لَوْ كَانَ غَيْرَ الْجَنَّةِ لآَثَرْتُكَ بِهَا، إِنِّي لأَرْجُو الشَّهَادَةَ فِي وَجْهِي. فَاسْتَهَمَا فَخَرَجَ سَهْمُ سَعْدٍ، فَخَرَجَ فَقُتِلَ بِبَدْرٍ [٣]
. ١٢- سعد بن مالك بن خلف بن ثعلبة بن حارثة [٤] :
تجهز ليخرج إلى بدر فمرض فمات، فضرب لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بسهمه وأجره [٥]
. ١٣- صفوان بن بيضاء [٦] :
قتل يوم بدر، قال الواقدي [٧] : وقد روي لنا أنه لم يقتل ببدر، وأنه شهد المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وتوفي/ في سنة ثمان وثلاثين [٨]
. ١٤- عاقل بن أبي البكير بن عبد يا ليل بن ناشب [٩] :
كذلك كان يقول أبو معشر، والواقدي [١٠] . وقال موسى بن عقبة: عاقل بن البكير [١١] .
стр. 932
أسلم في دار الأرقم، وخرج بنو البكير كلهم من مكة للهجرة، فأوعبوا رجالهم ونساؤهم، حتى غلقت أبوابهم.
قال مؤلف الكتاب [١] : قتل عاقل يوم بدر شهيدا، وهو ابن أربع وثلاثين سنة. قتله مالك بن زهير الجشمي
. ١٥- عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، ويكنى أبا الحارث [٢] :
كان أسن من رسول الله ﷺ بعشر سنين، وأسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وآخى النَّبِيّ ﷺ بينه وبين بلال.
وأول لواء عقده رسول الله ﷺ بعد أن قدم المدينة لحمزة ثم لعبيدة. وبعثه رسول الله ﷺ في ستين راكبا، فلقوا أبا سفيان، ولم يكن بينهم إلا الرمي.
وقتل عبيدة يوم بدر، قتله شيبة بن ربيعة، فدفنه رسول الله ﷺ بالصفراء، وكان ابن ثلاث وستين سنة
. ١٦- عمير بن الحمام [٣] :
آخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبيدة بن الحارث، وقتلا جميعا ببدر.
وكان عمير أول من قتل من الأنصار يومئذ. قتله خالد بن الأعلم.
أَخْبَرَنَا محمد بن عبد الباقي، قال: أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: أخبرنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا عَفَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي قُبَّةٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ» . فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحَمَّامِ: بَخٍ بَخٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لم
стр. 933
تُبَخْبِخُ» / قَالَ: رَجَاءً أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا [١] ، [قَالَ: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا» ] [٢] ، قَالَ: فَانْتَثَلَ تَمْرَاتٍ مِنْ قْرَنِهِ فَجَعَلَ يَلُوكُهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ حَتَّى أَلُوكَهُنَّ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ.
فَنَبَذَهُنَّ وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ [٣]
. ١٧- عمير بن عبد عمرو بن نضلة، ذو الشمالين من خزاعة، يكنى أبا محمد [٤] :
كان يعمل بعمل يديه، ويقال فيه: ذو الشمالين، وذو اليدين، إلا أن الصحيح أنهما اثنان.
قدم إلى مكة، قتل يوم بدر وهو ابن بضع وثلاثين سنة
. ١٨- عمير بن أبي وقاص، أخو سعد [٥] :
وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية.
أَخْبَرَنَا محمد بْن أبي طاهر، قَالَ: أَخْبَرَنَا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن فَهْمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَخِي عُمَيْرَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْخُرُوجِ إِلَى بَدْرٍ يَتَوَارَى، فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا أَخِي؟ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَرَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَسْتَصْغِرُنِي فَيَرُدُّنِي، وَأَنَا أُحِبُّ الْخُرُوجَ لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقَنِي الشَّهَادَةَ. قَالَ: فَعُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَصْغَرَهُ، فَقَالَ: «ارْجِعْ» ، فَبَكَى عُمَيْرٌ فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ سَعْدٌ: وَكُنْتُ أَعْقِدُ لَهُ حَمَائِلَ سَيْفِهِ مِنْ صِغَرِهِ، فَقُتِلَ بِبَدْرٍ وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشَرَةَ سَنَةً، قَتَلَهُ عَمْرُو بْنُ عبد ودّ [٦] .
стр. 934
١٩- عوف بن عفراء:
استشهد يوم بدر
. ٢٠- معوذ بن عفراء:
قتل ببدر
. ٢١- مبشر بن عبد المنذر بن رفاعة [١] :
شهد بدرا، وقتل يومئذ شهيدا
. ٢٢- مهجع مولى عمر بن الخطاب [٢] :
كان من المهاجرين، وهو أول قتيل قتل يوم بدر، قتله عامر بن الحضرمي
. ٢٣- هلال بن المعلى [٣] :
قتل ببدر
. ٢٤- يزيد بن الحارث بن قيس بن مالك:
شهد بدرا وقتل يومئذ
. فصل وفي هذه السنة مات/ جماعة من رؤساء الكفار منهم
٢٥- أمية بن أبي الصلت: [٤]
واسم أبي الصلت ربيعة بن عوف، كان أمية قد قرأ الكتب المتقدمة، ورغب عن عبادة الأوثان، وأخبر أن نبيا قد أظل زمانه، [وأنه سيخرج] ، وكان يؤمل أن يكون هو ذلك النبي، فلما بلغه خروج رسول الله ﷺ كفر به حسدا له، ولما أنشد رسول الله ﷺ شعره، قال: «آمن لسانه وكفر قلبه» . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الَّلِه، هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يحيى بن ثعلب، قال: أخبرنا
عَنْهَا وَمَا بَلَغْتُ، ٩ وَاللَّهِ إِنَّ لَهُ مَعِي بِضَاعَةً مَا هُوَ أَغْنَاهُمْ عَنْهَا وَمَا سَأَلَنِي عنها، فقالت هند: أو مَا عَلِمْتَ شَأْنَهُ، فَقُلْتُ وَقَدْ فَزِعْتُ: وَمَا شَأْنُهُ؟ قَالَتْ: يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ النَّصْرَانِيُّ وَوَجِمْتُ، فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُهُ، فَقُلْتُ: إِنَّ بِضَاعَتَكَ قَدْ بَلَغَتْ كَذَا وَكَذَا، فَأَرْسِلْ فَخُذْهَا فَلَسْتُ آخُذُ مِنْكَ مَا آخُذُ مِنْ قَوْمِكَ. فَأَبَى وَأَرْسَلَ فَأَخَذَهَا وَأَخَذْتُ مِنْهُ مَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ خَرَجْتُ تَاجِرًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَدِمْتُ الطَّائِفَ فَنَزَلْتُ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عُثْمَانَ، هَلْ تَذكر حَدِيثَ النَّصْرَانِيِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَقَدْ كَانَ [مَا قَالَ] [١] ، قَالَ: وَمَنْ؟ قُلْتُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قُلْتُ: ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَتَصَبَّبَ عَرَقًا، [قَالَ:] [٢] وَقَالَ: إِنْ ظَهَرَ وَأَنَا حَيٌّ [لأَطْلُبَنَّ مِنَ] [٣] اللَّهِ فِي نَصْرِهِ عُذْرًا، فَعُدْتُ مِنَ الْيَمَنِ [٤] فَنَزَلْتُ عَلَى أُمَيَّةَ بِالطَّائِفِ، فَقُلْتُ: قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ الرَّجُلِ مَا بَلَغَكَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْهُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ لأُومِنَ بِرَسُولٍ مِنْ غَيْرِ ثَقِيفٍ أَبَدًا، فَأَقْبَلْتُ إِلَى مَكَّةَ فَوَجَدْتُ أَصْحَابَهُ يُضْرَبُونَ وَيُقْهَرُونَ، فَقُلْتُ: فَأَيْنَ جُنْدُهُ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَدَخَلَنِي مَا يَدْخُلُ النَّاسَ مِنَ النَّفَاسَةِ.
/ وروى الزهري أن أمية بن أبي الصلت كان يقول [٥] :
ألا رسول لنا منا يخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس مجرانا
قال: ثم خرج أمية إلى البحرين، فأقام بالبحرين ثمان سنين، ثم قدم الطائف فقال لهم: ما يَقُولُ محمد بن عبد الله؟ قالوا: يزعم أنه نبي، فهو الذي كنت تتمنى، فخرج حتى قدم عليه مكة فلقيه، فقال: يا ابن عبد المطلب، ما هذا الذي تقول؟ قال:
«أقول إني رسول الله، وأن لا إله إلا الله» ، قال: فإني أريد أن أكلمك، فعدني غدا، قال: «فوعدك غدا» ، قال: أفتحب أن آتيك وحدي أو في جماعة من أصحابي، وتأتي وحدك أو في جماعة من أصحابك؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ : «أي ذلك شئت» ، قال:
إني آتيك في جماعة.
стр. 938
قال: فلما كان من الغد غدا أمية في جماعة من قريش، وغدا رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه حتى جلسوا في ظل البيت، قال: فبدأ أمية فخطب ثم سجع ثم أنشد الشعر حتى إذا فرغ، قال: أجبني يا ابن عبد المطلب، فَقَالَ رسول الله ﷺ : يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ٣٦: ١- ٣ [١] حتى إذا فرغ منها وثب أمية [يجر برجليه] [٢] إلى راحلته. قال: وتبعته قريش تقول: ما تقول يا أمية؟ قال: أشهد أنه على الحق، قالوا: فهل تتبعه؟ قال: حتى أنظر في أمره. ثم خرج أمية إلى الشام، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، فلما قتل أهل بدر، أقبل من الشام حتى نزل بدرا. ثم ترجل يريد [٣] رسول الله، فتصور له إبليس، فقال له: يا أبا الصلت ما تريد؟ قَالَ: أريد محمدا، قال: تدري من في القليب؟ قال: فيه عتبة بن ربيعة وشيبة، ابنا الخالة [٤] ، فجدع أذني ناقته وقطع ذنبها، ثم وقف على القليب يقول:
ماذا ببدر فالعقنقل ... من مرازبة جحاجح
[٥] قال: / ورجع إلى مكة وترك الإسلام، فخرج حتى قدم الطائف فقدم على أخته، فقال: دعيني أنام، فوضع رأسه، قالت أخته: فإني أنظر فانشقت ناحية من سقف البيت، فإذا طائران أبيضان، فوقع أحدهما على بطن أمية فنقر صدره نقرة فشقته، فأخرج قلبه، فقال له الطائر الأعلى: أوعى، قال: وعى، قال: أقبل، قال: أبى، قال:
ثم رد قلبه وطار، فاتبعهما أمية ببصره، فقال:
стр. 939
لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما لا مال يغنيني ولا عشيرة تحميني.
فأقبل الطائران حتى وقع أحدهما على بطنه فنقر صدره فأخرج قلبه ثم شق قلبه، فقال الطائر الأعلى: أوعى، قال: وعى، قال: أقبل، قال: أبى، قال: فرده ثم طار، فاتبعهما أمية ببصره، فقال:
لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما لا بريء فأعتذر ولا ذو عشيرة فأنتصر.
فأقبل الطائر فوقع على صدره فنقر نقرة فأخرج قلبه فشقه، فقال الطائر الأعلى:
أوعى، قال: وعى، قال: أفقبل، قال: أبى، فرده ثم طار، فاتبعهما أمية ببصره، فقال:
لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما بالنعم محمود وبالذنب محصود.
فأقبل الطائر فوقع على صدره فنقر [١] صدره نقرة شقته ثم أخرج قلبه، فقال الطائر الأعلى: أوعى، قال: وعى، قال: أقبل، قال: أبى، فرده ثم طار، فاتبعهما أمية ببصره، فقال:
لبيكما لبيكما ... ها أنا ذا لديكما
إن تغفر اللَّهمّ تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما
واستوى السقف، فاستوى أمية جالسا، فقالت أخته: يا أخي هل تجد شيئا، قال: لا إلا حرا في صدري، وجعل يمسح صدره، وأنشأ يقول:
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في قلال الجبال أرعى الوعولا
/ فاجعل الموت بين عينيك واحذر ... غولة الدهر إن للدهر غولا
ثم خرج من عندها حتى إذا كان بين بيتها وبيته أدركه الموت. قال: ففيه نزل قوله تعالى [٢] : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها ٧: ١٧٥ [٣] .
стр. 940
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ [١] عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنْ وَازِعَةَ بِنْتَ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيَّ جَاءَتْهُ فَسَأَلَهَا عِنْ قِصَّةِ أَخِيهَا أُمَيَّةَ، فَقَالَتْ: قَدِمَ أَخِي مِنْ سَفَرٍ، فَوَثَبَ عَلَى سَرِيرِي، فَأْقَبَلَ طَائِرَانِ فَسَقَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَدْرِهِ، فَشَقَّ مَا بَيْنَ صَدْرِهِ إِلَى ثَنِيَّتِهِ فَانْتَبَهَ، فَقُلْتُ: يَا أَخِي هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ إِلا تَوْصِيبًا.
قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: وَمَعْنَى قَوْلِهَا: «وَثَبَ عَلَى سَرِيرِي» اتكئ، أَيْ نَامَ، وَهِيَ لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ، يُقَالَ: وَثَبَ الرَّجُلُ إِذَا قَعَدَ. وَالتَّوْصِيبُ يَجِدُهُ الإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا أبو عبد الله الموصلي، قال: أخبرنا أبو القاسم بن بشران، قَالَ: حدثنا أبو سهل بن زيد، قال: أخبرنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال:
حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك، قال: حدثني محمد بن إسماعيل بن الطريح بن إسماعيل الثقفي، عن أبيه، عن جد أبيه قال: [٢] شهدت أمية بن أبي الصلت حين حضرته الوفاة فأغمي عليه طويلا، فرفع رأسه ونظر إلى باب البيت فقال:
لبيكما [٣] لبيكما ها أنا ذا لديكما لا قوي فأنفر ولا بريء فأعتذر.
ثم أغمي عليه طويلا ثم أفاق، فرفع رأسه ونظر إلى باب البيت فقال:
لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما لا عشيرتي تحميني ولا ذو [٤] مال يفديني.
ثم أغمي عليه طويلا ثم أفاق فرفع رأسه، فقال:
كل حي وإن تطاول دهر ... صائر مرة إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في قلال الجبال أرعى الوعولا
ثم فاضت نفسه.
стр. 941
/ أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بْن عَلي بْن ثَابِت، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسين بن مُحَمَّد الخلال، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن مُحَمَّد بن عمران، قال: حدثني خالي إبراهيم بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن فرج المقرئ، قال [١] : حدثني يعقوب بن السائب [٢] ، قال:
كان أمية بن أبي الصلت جالسا [يشرب] [٣] ، فجاء غراب فنعب [نعبة] [٤] ، فقال له أمية: لفيك التراب، ثم نغب أخرى، فقال له: بفيك التراب، ثم أقبل على أصحابه، فقال: تدرون ما قال هذا الغراب، زعم أني أشرب هذا الكاس [ثم أتكئ] فأموت، ثم نعب النعبة الأخرى، فقال: يقول: وآية ذلك أني أقع على هذه المزبلة، فأبتلع عظما ثم أقع فأموت. قال: فوقع الغراب على المزبلة فابتلع عظما فمات. فقال أمية: أما هذا فقد صدقني عن نفسه، ولكن لا نظرت أيصدقني عن نفسي، قال: ثم شرب الكأس، ثم اتكأ فمات.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ [٥] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزَّاغُونِيُّ، قَالَ: أخبرنا عَبْدِ اللَّهِ الزَّاغُونِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْمَأْمُونِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُبَانَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَاعِدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَعِيرَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ نَافِعٍ، عَنِ الشَّرِيدِ الْهَمَذَانِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَبَيْنَمَا أنا أَمْشِي ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ وَقْعُ نَاقَةٍ خَلْفِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «الشَّرِيدُ» ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «أَلا أَحْمِلُكَ» ، قُلْتُ: بَلَى، وَمَا فِيَّ إِعْيَاءٌ وَلا لُغُوبٍ وَلَكِنِّي أَرَدْتُ الْبَرَكَةَ فِي رُكُوبِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنَاخَ فَحَمَلَنِي، فَقَالَ: أَمَعَكَ مِنْ سِفْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ:
«هَاتِ» ، فَأَنْشَدْتُهُ، قَالَ: أَظُنُّهُ مِائَةَ بَيْتٍ، قَالَ: وَقَالَ: عِنْدَ اللَّهِ عِلْمُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، عِنْدَ اللَّهِ عِلْمُ أُمَيَّةَ بْنِ أبي الصلت.
стр. 942
وَأَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْمَنْصُورِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ/ بْنُ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطائفي [١] ، عن عمر بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، كُلَّمَا أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا قَالَ: «هِيهْ» حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةً- يَعْنِي بَيْتًا- فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنْ كَادَ لَيُسْلِمُ» . انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
وذكر أبو الحسين بن المنادي في كتاب «صفايا حكم الأشعار» [٢] ، قال: قد صح بين علماء الناس بالشعر وأيام العرب، أن مما أسمع رسول الله ﷺ من شعر أمية بن أبي الصلت قوله:
لك الحمد والنعماء والملك ربنا
وقوله:
سبحان من سبحت طير السماء له
وقوله:
إله محمد حقا إلهي
وغير ذلك، قال: وكان أمية يحكي آثار قدرة الله تعالى وما ينتهي إليه أمر الدنيا من الزوال والمعاد، وإلى الخلود في الجنة والنار، وتسخير الشمس والقمر وغير ذلك على ما كَانَ قد قرأه في الكتب المتقدمة، وكان يتوهم أن نبيا سيبعث فيكون هو ذلك، فلما بلغه خروج نبينا محمد ﷺ انقمع وحسده.
قال أبو الحسين: فأخبرني جماعة منهم: أبو عبد الله محمد بن موسى الفراء، وجعفر بن مُوسَى النحوي، وغيرهما عمن حدثهما عن أبي عبيدة معمر بن المثنى والأصمعي وغيرهما قالوا:
стр. 943
إن أمية بن أبي الصلت، قال هذه القصيدة في أول المبعث يذكر فيها دين الإسلام ونبوة نبينا محمد ﷺ ، وهي:
لك الحمد والنعماء والملك ربنا ... ولا شيء [١] أعلى منك جدا وأمجد
مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تضوي الوجوه [٢] وتسجد
عليه حجاب النور والنور حوله ... وأنهار نور فوقه [٣] تتوقد
/ فلا بصر يسمو إليه بطرفه ... ودون حجاب النور خلق مؤيد
[ملائكة أقدامهم تحت أرضه ... وأعناقهم فوق السماوات تسجد] [٤]
فمن حامل إحدى قوائم عرشه ... بكفيه لولا الله كلوا وبلدوا
قيام على الأقدام عانون [٥] تحته ... فرائصهم من شدة الخوف ترعد
وبسط صفوف [٦] ينظرون قضاءه ... مصيخون بالأسماع للوحي ركد
أميناه روح القدس جبريل فيهم ... وميكال ذو الروح القوي المسدد
وحراس أبواب السموات دونهم ... قيام عليها بالمقاليد رصد
فنعم العباد [٧] المصطفون لأمره ... ومن دونهم جند كثيف مجند
[ملائكة لا يفتروا عن عبادة ... كروبية منهم ركوع وسجد] [٨]
فساجدهم لا يرفع الدهر رأسه ... يعظم ربا فوقه ويمجد
وراكعهم يحنو له الظهر خاشعا ... يردد آلاء الإله ويحمد
[ومنهم ملف في جناحيه رأسه ... يكاد بذكر ربه يتفصد] [٩]
من الخوف لا ذو سامة من عبادة ... ولا هو من طول التعبد يحمد
стр. 944
وساكن أقطار بأرجاء مصعد ... وذو الغيب والأرواح كل معبد
ودون كثيف الماء في غامض الهوا ... ملائكة تنحط فيها وتقصد
وبين طباق الأرض تحت بطونها ... ملائكة بالأمر فيها تردد
فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ... ومن هو فوق العرش فرد موحد
ومن لم ينازعه الخلائق ملكه ... وإن لم يفرده العباد يفرد
مليك السموات الشداد وأرضها ... وليس بشيء عن هواه تأود
وسبحان ربي خالق النور لم يلد ... ولم يك مولودا بذلك أشهد
وسبحانه من كل إفك وباطل ... ولا والد ذو العرش أم كيف يولد
هو الله باري الخلق والخلق كلهم ... إماء له طوعا جميعا وأعبد [١]
هو الصمد الحي الذي [٢] لم يكن له ... من الخلق كفؤ قد يضاهيه مضدد
وأنى يكون الخلق كالخالق الذي ... يدوم ويبقى والخليقة تنفد
/ وليس بمخلوق على الدهر جده ... ومن ذا على مر الحوادث يخلد
ويفنى ولا يبقى سوى القاهر الذي ... يميت ويحيى دائبا ليس يمهد
تسبحه الطير الحوائج في الخفا ... وإذ هي في جو السماء تصعد
ومن خوف ربي سبح الرعد فوقنا ... وسبحه الأشجار والوحش أبد
وسبحه البنيان والبحر زاخر ... وما ضم من شيء وما هو متلد
ألا أيها القلب المقيم على الهوى ... إلى أي حين منك هذا التمرد
عن الحق كالأعمى المحيط عن الهوى ... وقد جاءك النجد النبي محمد
بنور على نور من الحق واضح ... دليل على طرق الهدى ليس يخمد
ترى فيه أبناء القرون التي خلت ... وأخبار غيب في القيامة توجد
وحالات دنيا لا تدوم لأهلها ... وفيها منون ريبها متردد
ألا إنما الدنيا بلاغ وبلغة ... وبينا الفتى فيها مهيب مسود
إذ انقلبت عنه وزال نعيمها ... فأصبح من ترب القبور يوسد
وفارق روحا كان بين حياته ... وجاور موتى ما لهم متبدد
فأي فتى قبلي رأيت مخلدا ... له في قديم الدهر ما يتورد
стр. 945
ومن يبتليه الدهر منه بعثرة ... فيكبو لها والنائبات تردد
لمن تسلم الدنيا وإن ظن أهلها ... نصيحتها والدهر قد يتجدد
ليوم وأقوام قد انكفأت بهم ... دهور وأيام ترافد عود
ألست ترى فيما مضى لك عبرة ... فمه لا تكن يا قلب أعمى تلدد
وقد جاء ما لا شك فيه من الهدى ... وليس يرد الحق إلا مفند
وكن خائفا للموت والبعث بعده ... ولا تك ممن غره اليوم والغد
فإنك في الدنيا غرور لأهلها ... وفيها عدو كاشح الصدر يوقد
/ من الحقد نيران العداوة بيننا ... لئن قال ربي للملائكة اسجدوا
لآدم لما أكمل الله خلقه ... فخروا له طوعا سجودا وركد
فقال عدو الله للكبر والشقا ... أطين على نار السموم يسود
فأخرجه العصيان من خير منزل ... فذاك الذي في سالف الدهر يحقد
علينا ولا يألو خبالا وحيلة ... ليوردنا منها الذي يتورد
جحيما تلظى لا تفتر ساعة ... ولا الحر منها آخر الدهر يبرد
فما لك في الشيطان والناس أسوة ... إذا ما صليت النار بل أنت أبعد
هو القائد الداعي إلى النار جاهدا ... ليوردنا منها الّذي يتورد
ومالك من عذر بطاعة فاسق ... ولا بلظى نار عملت لها يد
وقال أيضا أمية:
إله محمد حقا إلهي ... وديني دينه غير انتحال
إله العالمين وكل أرض ... ورب الراسيات من الجبال
بناها وابتنى سبعا شدادا ... بلا عمد يزين ولا دجال
وسواها وزينها بنور ... من الشمس المضيئة والهلال
ومن شهب تلألأ في دجاها ... مراميها أشد من النصال
وأنشأ المزن تدلج بالروايا ... خلال الرعد مرسلة الغوال
ليسقي الحرث والأنعام منها ... سجال الماء حالا بعد حال
وشق الأرض فانبجست عيونا ... وأنهارا من العذب الزلال
وبارك في نواحيها وزكّى ... بها ما كان من حرث ومال
وأجرى الفلك في تيار موج ... تفيض على المداليج الثقال
стр. 946
وكل معمر لا بد يوما ... وذي دنيا يصير إلى زوال
/ ويفنى بعد جدته ويبلى ... سوى الباقي المقدس ذي الجلال
كأنا لم نعش إلا قليلا ... إذا كنا من الهام البوالي
وصرنا في مضاجعنا رميما ... إلى يوم القيامة ذي الوبال
ونادى مسمع الموتى فجئنا ... من الأجداث كالشنن العجال
وأعطى كل إنسان كتابا ... مبينا باليمين وبالشمال
ليقرأ ما تقارف ثم يكفا ... حسابا نفسه قبل السؤال
وقام القسط بالميزان عدلا ... كما بان الخصيم من الجدال
فلا إنسان بين الناس يرجى ... [ولا رحم تمت إلى وصال
سوى التقوى ولا موت يرجى] [١] ... سوى الرب الرحيم من الموالي
وسيق المجرمون وهم عراة ... إلى دار المقامع والنكال
إلى نار تحش بصم صخر ... وما الأوصال من أهل الضلال
إذا نضجت جلودهم أعيدت ... كما كانت وعادا في سفال
ونادوا ويلنا ويلا طويلا ... على ما فاتنا أخرى الليالي
فهم متلاعنون إذا تلاقوا ... بها لعنا أشد من القتال
ونادوا مالكا ودعوا ثبورا ... وعجوا من سلاسلها الطوال
إذا استسقوا هناك سقوا حميما ... على ما في البطون من الأكال
شرابهم مع الزقوم فيها ... ضريع يجتلي عقد الخبال
فليسوا ميتين فيستريحوا ... وكلهم لحر النار صالي
وحل المتقون بدار صدق ... وعيش ناعم تحت الظلال
ظلال بين أعناب ونخل ... وبنيان من الفردوس عالي
لهم ما يشتهون وما تمنوا ... من اللذات فيها والجمال
ومن إستبرق يكسون فيها ... عطايا جمة من ذي المعالي
/ ومن خدم بها يسقون منها ... كدر خالص الألوان غالي
стр. 947
وأشربة من العسل المصفى ... ومن لبن ومن ماء السجال
وكأس لذة لا غول فيها ... من الخمر المشعشعة الحلال
على سرر مقابلة عوال ... معارجها أذل من البغال
صفوف متكون لدى عظيم ... بكفيه الجزيل من النوال
قال مؤلف الكتاب: وله أشعار كثيرة اقتصرنا على هذا منها، وكان له ولد يقال له القاسم، وتعاطى الشعر الجيد
. ومن مات في هذه السنة من الكفار
٢٦- المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، أبو وهب:
وكان من أشراف قريش، وكان أقلهم أذى لرسول الله ﷺ ، وَهُوَ الذي أجار رَسُول اللَّهِ ﷺ حين رجع من الطائف، وذلك أن رسول الله ﷺ خرج إلى الطائف، فلما عاد منعوه دخول مكة، فبعث إلى المطعم: «أدخل في جوارك» قال: نعم، فأجاره فدخل.
ومات المطعم بمكة في صفر هذه السنة كافرا، ودفن بالحجون وهو ابن بضع وتسعين سنة، [أقيم النوح سنة عليه] [١] .
فلما كانت غزاة بدر، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أسارى بدر: «لو كان المطعم حيا لوهبت له هَؤُلّاءِ السبي»
. ٢٧- وفي هذه السنة مات أبو أحيحة سعيد بن العاص بن أمية:
وكان حين ظهر رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: إنه ليكلم من السماء، حتى أتاه النضر بن الحارث، فقال: بلغني أنك تحسن القول في محمد، فكيف ذاك وهو يسب الآلهة، ويزعم أن آباءنا في النار، ويتوعد من لا يتبعه بالعذاب؟ فأظهر أبو أحيحة عداوة رسول الله ﷺ ، وذمه وعيب ما جاء به، فقويت بذلك نفوس المشركين.
وكان أبو أحيحة/ كبيرا في القوم عظيم الشرف، كان إذا اعتم لم يعتم أحد بمكة، أو يعتم عَلَى غير لون عمامته، إعظاما له، وكان يدعى ذا التاج، ومات بالطائف في هذه السنة وله تسعون سنة.
стр. 948
ثم دخلت سنة ثلاث من الهجرة
[غزوة قرقرة الكدر]
[١] فمن الحوادث فيها: غزوة قرقرة الكدر، والكدر ماء من مياه بني سليم [٢] ، وكانت للنصف من المحرم.
خرج رسول الله ﷺ وحمل لواءه علي بن أبي طالب ﵁، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وكان بلغه أن بهذا الموضع جمعا من سليم وغطفان، فسار إليهم فلم يجد أحدا، فوجد رعاء فيهم غلام يقال له يسار، فسأله عن الناس، فقال: لا علم لي بهم، فانصرف رسول الله ﷺ وقد ظفر بالنعم، وكانت خمسمائة بعير، وصار يسار في سهم النبي ﷺ ، فأعتقه وكانت غيبته خمس عشرة ليلة. هذا قول الواقدي.
وأما ابن إسحاق، فإنه يقول: هذه الغزاة كانت في شوال سنة اثنتين من الهجرة
. [غزوة السويق]
[٣] ومن الحوادث في هذه السنة: غزوة السويق. وذلك أن أبا سفيان حرم الدهن بعد
стр. 949
بدر حتى يثأر من محمد وأصحابه، فخرج في مائتي راكب إلى أن بقي بينه وبين المدينة ثلاثة أميال، فقتل رجلا من الأنصار وأجيرا له، وحرق أبياتا هناك وتبنا، ورأى أن يمينه قد حلت ثم ولى هاربا.
فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فخرج في أثره في مائتي رجل من [المهاجرين والأنصار] [١] ، واستخلف أبا لبابة بن عبد المنذر على المدينة، فجعل أبو سفيان، وأصحابه يتخففون للهرب فيلقون جرب السويق، وكانت عامة أزوادهم، فأخذها المسلمون، فسميت غزاة السويق فلم يلحقهم رسول اللَّه ﷺ وانصرف إلى المدينة، وكانت غيبته خمسة أيام
. [غزوة غطفان بذي أمر]
[٢] ومن الحوادث في هذه السنة: غزوة غطفان، / وهي ذو أمر، ويقال لها: غزوة أنمار.
وذلك أن رسول الله ﷺ لما بلغه أن جمعا من بني ثعلبة ومحارب بذي أمر قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا شيئا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فندب المسلمين وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول في أربعمائة وخمسين رجلا، واستخلف عثمان بن عفان، فأصابوا رجلا من المشركين بذي القصة يقال له حبار، من بني ثعلبة، فأدخل على رسول الله ﷺ فأخبره خبرهم، وقال: لن يلاقوك إذ سمعوا بمسيرك هربوا في رءوس الجبال، فأسلم حبار، ولم يلاق رسول الله ﷺ أحدا غير أنه ينظر إليهم في رءوس الجبال، وأصاب رسول الله ﷺ مطر، فنزع رسول الله ﷺ ثوبيه وألقاهما على شجرة ليجفا واضطجع، فجاء رجل من العدو، يقال له دعثور بن الحارث [ومعه سيفه] [٣] حتى قام على رأس رسول الله ﷺ ، ثم قال: من يمنعك مني اليوم، قال
стр. 950
[رسول الله ﷺ ] [١] : «الله» ، ودفع جبريل ﵇ في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول اللَّه ﷺ ، وَقَالَ: «من يمنعك مني» ؟ قال: لا أحد، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم أتى قومه، فجعل يدعوهم إلى الإسلام، ونزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ ٥: ١١ [٢] ورجعوا إلى المدينة، ولم يلقوا كيدا وكانت غيبتهم إحدى عشرة ليلة.
قال مؤلف الكتاب: هكذا ذكر ابن سعد [٣] وغيره أن هذا كان في هذه السنة.
وذكروا أن اسم الرجل دعثور، وقد روي في الصحيح أن اسمه عورب، وروي أن هذا كان في سنة خمس من الهجرة
. [سرية قتل كعب بن الأشرف]
[٤] ومن الحوادث في هذا الشهر من هذه السنة: سرية قتل كعب بن الأشرف/ وذلك لأربع عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، وكان سبب قتله أنه كان شاعرا، فهجا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وشبب بنسائهم، [وبكى] [٥] على قتلى بدر، وحرض المشركين بالشعر على رسول الله ﷺ فَقَالَ رسول الله ﷺ من لي بابن الأشرف [٦] ؟ فقال له محمد بن مسلمة: أنا فاجتمع هو وأبو نائلة سلكان بن سلامة، والحارث بن أوس، وأبو عبس، وكان أبو نائلة أخا كعب من الرضاعة، فجاءه، فقال له: إن قدوم هذا الرجل