Полный текст (492 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
بدر الدين حسن بن طيفور
طغى تمر واستأصل الناس ظلمه ... وشاعت له في الخافقين الكبائر
لقد زاد بغياً فافرحوا بزواله ... لأن على الباغي تدور الدوائر
فقال ركن الدين حسين بن الأصغر أحد الموقعين ثانياً
كن من رجال إذا ما الخطب نابهم ... ردوا الأمور إلى الرحمن واغتنموا
فسلموا الأمر لما أن رأوا خطرا ... لذي الجلال فلما سلموا سلموا
فقال القاضي صدر الدين بن ظهير الدين الحنفي السمرقندي ثالثاً
طويل حياة المرء كاليوم في غد ... فخيرته أن لا يزيد على الحد
ولا بد من نقص لكل زيادة ... وإن شديد البطش يقتص للعبد
ثم قال علاء الدين بن زين الدين الحصني أحد الموقعين رابعاً
لا تحزن فالذي قضى الله يكون ... والأمر موكل إلى كن فيكون
ما بين تحرك بلحظ وسكون ... الحالة تنقضي وذا الأمر يهون
فأعجبه ذلك وأجازه خمسة آلاف درهم وصرفه والله أعلم
ذكر رجوعه من ديار بكر والعراق
وتوجهه إلى مهامه قبجاق ووصف
стр. 107
ملوكها وممالكها وبيان أوضاعها ومسالكها
ثم إنه رجع من عراقي العرب والعجم، وقد ثبتت له في ممالكها أية قدم، وذلك بعد أن قدم عليه الشيخ إبراهيم وسلمه مقاليد ما بيده من أقاليم، وتقلد طوق عبوديته، ووقف في مواقف خدمته، وانتظم في سلك عبده، وأحله محل ولده، وسنذكر كيف تغرب عليه، ومن أي طريق تقرب إليه فقصد دشت قبجاق وجد في الوخد والأعناق وهو ملك فسيح، يحتوي على مهامه فيح، وسلطانها توقتاميش، وهو الذي كان في حرب تيمور أمام السلاطين المخالفين كالجاليش إذ هو أول من بالعداوة بارزه، وفي بلاد تركستان واقفه وناجزه، ونجده في ذلك كما مر السيد بركة وبلاد الدشت تدعى دشت قبجاق ودشت بركة، والدشت باللغة الفارسية اسم للبرية، وبركة المضاف إليه هو أول سلطان أسلم ونشر بها رايات الملة الإسلامية، وإنما كانوا عباد أوثان، وأهل شرك لا يعرفون الإسلام والإيمان، ومنهم بقية يعبدون الأصنام إلى هذا الأوان فتوجه إلى ذلك الإقليم من طريق الدربند الجاري تحت حكم الشيخ
стр. 108
إبراهيم، وهو سلطان ممالك شروان، ونسبه متصل بالملك كسرى أنو شروان، وله قاض يدعى أبا يزيد، يفضل على جميع أركان دولته بالقرب إليه ويزيد، وهو دستور مملكته، وقطب سلطنته فاستشار في أمور تيمور وما يفعله، أيطيعه أم يتحصن منه أم يفر أم يقاتله؟ فقال له الفرار في رأيي أصوب، والتحصن في الجبال الشواهق أوثق عندي وأعجب فقال ليس هذا برأي مصيب، أنجو أنا وأترك رعيتي ليوم عصيب، وماذا أجيب يوم القيامة رب البرية، إذا رعيت أمورهم وأضعت الرعية، ولا عزمت أن أقاتله، وبالحرب والضرب أقابله، ولكني أتوجه إليه سريعاً، وأتمثل بين يديه سامعاً لأمره مطيعا، فإن ردني إلى مكانتي، وقررني في ولايتي، فهو قصدي وغايتي، وإن أذاني أو عزلني أو حبسني أو قتلني، فتكفي الرعية مؤنة القتل والنهب والأسار، فيولي إذ ذاك عليهم وعلى البلاد من يختار، ثم أمر بالاقامات فجمعت، وأذن للجيوش فتفرقت وتمنعت، وبمدن الولايات أن تتزين وتتزوق، وبسكانها براً وبحراً أن تأمن فتتعامل وتتأنق، وبالخطب أن تقرأ فوق المنابر باسمه، وبالدنانير والدراهم
стр. 109
أن تضرب بوسمه ورسمه، ثم حمل التقادم والخدم، وتوجه إليه بأطيب جأش وأثبت قدم، ولما وفد عليه، وتمثل بين يديه، قدم الهدايا والتحف، وأنواع الغرائب والطرف وعادة الجغتاي في تقديمهم الخدم أن يقدموا من كل جنس تسعة، لينالوا بذلك عند المهدى إليه الكرامة والرفعة، فقدم الشيخ إبراهيم من كل جنس من أجناس ما قدمه تسعة، ومن المماليك ثمانية، فقال له المتسلمون لذلك وأين تاسع المماليك؟ فقال التاسع نفسي العانية، فأعجب تيمور هذا الكلام، ووقع من قلبه بمكان ومقام، وقال له بل أنت ولدي، وخليفتي في هذه البلاد ومعتمدي، وخلع عليه خلعة سنية ورده إلى مملكته مستبشراً ببلوغ الأمنية ثم فرقت تلك الإقامات، وتوزعت الفواكه والطعامات، ففضل منها أمثال الجبال عن ذلك العسكر الذي هو كالحصى والرمال، ثم تركه وسار إلى بلاد الشمال والتتار وسبب آخر لقصده تلك الممالك وإن كان لايحتاج إلى ذلك، أن الأمير إيدكو كان عند توقتاميشس أحد رؤوس أمراء الميسرة والأعيان المتخذين في النائبات لدفعها وأرباب الرأي والمشورة، وقبيلته
стр. 110
تدعى قونكرات، وقبائل الترك كقبائل العرب واللغات كاللغات، وكان إيدكو قد أحس من مخدومه، تغير خاطر خاف منه على نفسه وكان توقتاميش شديد البأس فخشي منه حلول بأسه، فلم يزل منه متحرزاً، وللفرار إذا رأى منه ما يقتضي ذلك مستوفزا، وجعل يراقبه ويراقيه، ويداربه ويداريه، ففي بعض ليالي السرور ونجوم الكاسات في أفلاك الطرب تدور، وسلطان الخمرة قد أنفذ في أسير العقل أمره طفح أن قال توقتاميش لإيدكو، ونور البصيرة يخبو ويذكو إن لي ولك يوما، يسومك الخسف سوما، ويوليك عن موائد الحياة صوماً، ويملأ عين بقائك من سنة الفناء نوماً، فغالطه إيدكو وباسطه وقال أعيذ مولانا الخاقان، أن يحقد على عبد ماخان، وأن يذوي غراس هو أنشأه، أو يهوي أساس هو بناه، ثم أظهر التذلل والخشوع، والتمسكن والخنوع، وتحقق ما كان ظنه، وأعمل في وجه الخلاص ذهنه، واستعمل في ذلك الذكاء والفطنة، وعلم أنه إن أهمل أمره أو أمهله، أنه
فمكث قليلاً واستغفل السلطان، ثم انسلت من بين الحواشي، والأعوان، وخرج
стр. 111
في لجاجة كأنه يريد قضاء حاجة، وأتى إصطبل توقتاميش، بجأش يجيش ولا يطيش، وعمد إلى فرس مسرجة، منجيه منتجة، أقيمت معدة، لكل شدة، وقال لبعض حاشيته، المؤتمن سره من فاشيته من أراد يوافيني، فعند تيمور يلاقيني، ولا تفشي هذه الأسرار، إلا بعد أن تتحقق أني قطعت القفار ثم تركه وسار، فلم يشعر به إلا وقد سبق وركب طبقاً عن طبق، وقطع على أنوال السير أطول الشقق، فلم يدركوا منه ما أثار ولا لحقوا منه ولا الغبار فوصل إلى تيمور وقبل يديه، وعرض حكاياته وأخباره كما جرت عليه، وقال أنت تطلب البلاد الشاحطة والأماكن الوعرة الساقطة، وتركب في ذلك الأخطار، وتقطع فقار القفار، وتتلو أسفار الأسفار، وهذا المغنم البارد نصب عينيك وتدركه هنيئاً مريئا بهينك ولينك، ففيم التواني والتناعس، وعلام التقاعد والتقاعس، فانهض بعزم صميم، فأنا لك به زعيم، فلا قلعة تمنعك، ولا منعة تقلعك، ولا قاطع يدفعك ولا دافع يقطعك، ولا مقاتل يقابلك، ولا مقابل يقاتلك فما هم إلا أوشاب وأوباش، وأموال تساق وخزائن بأرجلها
стр. 112
مواش ولا زال يحرضه على ذلك ويطالب، ويفتل منه في الذروة والغارب، كما فعل معه عثمان قرايلوك حين جاء إلى تبريز بوسواسه، وحرضه على دخوله الشام بعد قتله السلطان برهان الدين أحمد ومحاصرة سيواسه كما يذكر فتهيأ تيمور بأوفى حركة، إلى استخلاص دشت بركة، وكانت بلاداً بالتتار خاصة، وبأنواع المواشي وقبائل الترك غاصة، محفوظة الأطراف، معمورة الأكتاف، فسيحة الأرجاء، صحيحة الماء والهواء، حشمها رحاله، وجنودها نباله، أفصح الأتراك لهجة، وأزكاهم مهجة، وأجملهم جبهة، وأكملهم بهجة، نساؤهم شموس، ورجالهم بدور، وملوكهم رؤوس، وأعيانهم صدور، لا زور فيهم ولا تلبيس، ولا مكر بينهم ولا تدليس وأبهم الترحال على عجل، مع أمان لا يدانيه وجل، مدنها قليلة، ومراحلها طويلة وحد بلاد الدشت من القبلة بحر القلزم الظلوم الغشوم، وبحر مصر المنقلب إليهم من بلاد الروم، وهذان البحران كادا يلتقيان لولا أن جبل الجركس بينهما برزخ لا يبغيان ومن الشرق تخوم ممالك خوارزم وأترار وسغناق،
стр. 113
إلى غير ذلك من البلاد والآفاق، آخذاً إلى تركستان وبلاد الجتا، متوغلاً إلى حدود الصين من ممالك المغول والخطا، ومن الشمال " إيبير، وسيبير " مواضع وبرار وقفار ورمال كالجبال، وكم بين ذلك من تيه، تحير الطير والوحش فيه، وهو كرضى الخلق غاية لا تدرك، ومهامه لا تسلك، ومن الغرب تخوم بلاد الروس والبلغار، وممالك النصارى الأشرار، ويتصل بتلك التخوم ما هو جار تحت حكم ابن عثمان من ممالك الروم، وكانت القوافل تخرج من خوارزم وتسير بالعجل، وهم آمنون من غير ريب ولا وجل، وإلى قيريم طولاً ومسيرة ذلك نحو من ثلاثة أشهر وأما عرضاً فهو بحر من الرمل أمده منه سبعة أبحر، لا يهتدي فيه الخريت، ولا يقربه من الدعاميص كل عفريت، فكانت القافلة لا تحمل زاداً ولا عليقاً ولا يصحبون معهم رفيقاً، وذلك لكثرة الأمم، ووفور الأمن والمأكل والمشرب من الحشم، فلا يصدرون إلا عن قبيله، ولا ينزلون إلا عند من يكرم نزيله، وكأنه فيهم قيل
متكنفى جبلى عكاظ كليهما ... يدعو وليدهم بها عرعار
стр. 114
وأما " في هذا " اليوم فليس بتلك الأماكن من خوارزم وإلى قيريم من تلك الأمم والحشم متحرك ولا ساكن، وليس فيها من أنيس، إلا اليعافير وإلا العيس، وتحت الدشت سراي، وهي مدينة إسلامية البنيان، بديعة الأركان ويأتي وصفها وكان السلطان بركة ﵀ لما أسلم بناها، واتخذها دار الملك، واصطفاها، وحمل أمم الدشت على الدخول في حمى الإسلام ودعاها، فلذلك كانت محل كل خير وبركة، وأضيفت بعد إضافتها إلى قبجاق وإلى بركة أنشدني لنفسه مولانا وسيدنا الخواجة عصام الدين بن المرحوم مولانا وسيدنا الخواجة عبد الملك وهو من أولاد الشيخ الجليل برهان الدين المرغيناني ﵀، في حاجي ترخان من بلاد الدشت بعد مرجعه من الحجاز الشريف سنة أربع عشرة وثمانمائة، وفي يومنا هذا أعني سنة أربعين وثمانمائة، انتهت إليه الرياسة في سمرقند قال، وقد قاسى في درب الدشت أنواع النكال
قد كنت أسمع أن الخير يوجد في ... صحراء يعزى إلى سلطانها بركه
стр. 115
بركت ناقة ترحالي بجانبها ... فما رأيت بها في واحد بركه
وأنشدني أيضاً لنفسه معرضاً بمولانا وسيدنا وشيخنا حافظ الدين محمد بن ناصر الدين محمد الكردي البزازي تغمده الله تعالى برحمته في الزمان والمكان المذكورين
متى تحفظ الناس في بلدة ... مصالحها في يدي حافظ
فحافظها صار سلطانها ... وسلطانها ليس بالحافظ
ولما تشرف بركة خان بخلعة الإسلام، ورفع في أطراف الدشت للدين الحنيفي الأعلام، استدعى العلماء من الأطراف، والمشايخ من الآفاق والأكناف، ليوقفوا الناس على معالم دينهم، ويبصروهم طرائق توحيدهم ويقينهم، وبذل في ذلك الرغبات، وأفاض على الوافدين منهم بحار الهبات، وأقام حرمة العلم والعلماء وعظم شعائر الله تعالى وشرائع الأنبياء، فكان عنده في ذلك الزمان وعند أوزبك بعده وجاني بك خان مولانا قطب الدين العلامة الرازي، والشيخ سعد الدين التفتازاني، والسيد جلال الدين شارح الحاجبية، وغيرهم من فضلاء الحنفية والشافعية،
стр. 116
ثم من بعدهم مولانا حافظ الدين البزازي، ومولانا أحمد الجندي، رحمهم الله تعالى فصارت سراي بواسطة هؤلاء السادات مجمع العلم ومعدن السعادات واجتمع فيها من العلماء والفضلاء، والأدباء والظرفاء والنبلاء، ومن كل صاحب فضيلة، وخصلة نبيلة جميلة، في مدة قليلة، ما لم يجتمع في سواها، ولا في جامع مصر ولا في قراها وبين بنيان سراي وخراب ما بها من الأمكنة، ثلاث وستون سنة، وكانت من أعظم المدن وضعاً، وأكثرها للخلق جمعا حكى أن رجلاً من أعيانها هرب له رقيق، وسكن في مكان منحى عن الطريق، وفتح له حانوتاً، يتسبب فيه ويحصل له قوتاً، واستمر ذلك المهين، نحواً من عشر سنين، لم يصادفه فيها مولاه، ولا اجتمع به ولا رآه، وذلك لعظمها وكثرة أممها، وهي على شط نهر متشعب من نهر آثل، الذي أجمع السواحون والمؤرخون وقطاع المناهل، أنه لم يكن في الأنهر الجارية، والمياه العذبة النامية، أكبر منه، وهو يأتي من بلاد الروس، وليس له فائدة سوى اغتيال النفوس، ويصب في بحر القلزم، وكذلك جيحون وسائر أنهار العجم ونهر سيحون، مع أن بحر القلزم محصور، وعليه بعض ممالك العجم تدور، مثل
стр. 117
كيلان ومازندران، وأستراباذ وشروان، واسم نهر سراي سنكلا، ولا يقطع أيضاً إلا بالمراكب، ولا يثبت عليه قدم لراجل أو راكب، وكم فرق تتفرق من ذلك البحر العريض الطويل، كل فرق أعظم من الفرات والنيل
ذكر وصول ذلك الطوفان وجحفه
أمم الدشت بعد كسره توقتاميش خان
فوصل تيمور إلى تلك الداره، بالعساكر الجرارة، بل بالبحار الزخاره ذوي السهام الطيارة والسيوف البتارة والرماح الخطارة والأسود الهصارة والنمور الكرارة، من كل شان الغارة مدرك في العدو ثاره حام حقيقته وجاره وعرينه ووجاره وفريسته ونجاره وألج من بحر الحرب غماره، مقاوم أمواجه وتياره فأرسل توقتاميش إلى زعماء حشمه، وعظماء أممه وسكان أحقافه وقطان أطرافه ورؤوس أسرته وضروس ميمنته وميسرته، فاستدعاهم وإلى المقابلة والمقاتلة دعاهم، فأتوا في ثوب طاعته يرفلون " وهم من كل حدب ينسلون " واجتمعوا شعوباً وقبائل ما بين فارس وراجل وضارب ونابل ومقبل وقابل وفاتك وقاتل، بمرهف
стр. 118
وذابل وهم قوم نبال النبال وعضال النضال لا يطيشون سهماً، وهم من بني ثعل أرمى، إذا عقدوا الأوتار أصابوا الأوتار وإن قصدوا الأوطار وجدوا المقصد جثم أو طار ثم نهض للمصادمة، واستعد للمقاحمة والمقاومة، بعساكر كالرمال كثرة، وكالجبال كرة وفرة
ذكر ما وقع من الخلاف في عساكر
توقتاميش وقت المصاف
وحين تواقف الصفان، وتثاقف الزحفان، برز من عسكر توقتاميش أحد رؤوس الميمنة، له دم على أحد الأمراء فطلبه منه وفي قتله استأذنه، فقال له لينعم بالك وليجب سؤالك قلت
لكن ترى ما قد طرا ... على الورى وما جرى
فأمهلنا، حتى إذا انفصلنا وعلى المراد حصلنا، أعطيتك غريمك وناولتك خصيمك، فأدرك منه ثأرك، واقض أوطارك، قال لا ولكن الساعة، وإلا فلا سمع لك ولا طاعة
فقال نحن في كرب مهم، هو من مرامك أهم، وخطب مدلهم هو من مصابك أعم، فاصبر ولا تعجل واطمئن ولا توجل، فما يذهب لأحد حق، ولا يضيع مستحق، فلا تلجئ الأعمى إلى الجرف ولا تكن ممن يعبد الله على حرف،
стр. 119
فكأنك بليل الشدة وقد أدبر وبصباح الفلاح وقد أسفر، فالزم مكانك ونازل أقرانك، وتقدم ولا تتأخر، واصدع بما تؤمر فانخذل ذلك الأمير، بجمع كثير، وأتبعه كل باغ وعاق، وقبيلته كلها واسمها آقتاق فانطلق يروم ممالك الروم، فوصل هو وحشمه إلى ضواحي أدرنه، واستوطنوا تلك الأمكنة فاختل لذلك عسكر توقتاميش، وصارت سهام مرامه عن مراميه تطيش، ولم ير بداً من اللقاء، وصدق الملتقى، فثبت جأشه وجيشه، وهزم وقاره طيشه، وقدم من أطلابه الأبطال، ورتب الخيالة والرجال، وقوى القلب والجناح، وسدد النبل والصفاح " فصل " أما جيش تيمور فإنه مستغن عن هذه الأمور، لأن أمره معلوم، ووصفه مفهوم وسطر النصر والتمكين على جبين راياته مرقوم، ثم تدانى الجيشان واصطدما واصطليا بنار الحرب واصطلما والتفت الأقران بالأقران، وامتدت الأعناق للضراب وشرعت النحور للطعان، واكفهرت الوجوه واغبرت وكشرت ذئاب الضراب
стр. 120
واهرت، وتهارشت نمور الشرور واسبطرت وتعانشت أسود الجنود وازبأرت واكتست بريش النبال الجلود فاقشعرت، وأهوت جباه الجباه ورؤوس الرؤوس في محراب الحرب للسجود فخرت، وثار الغبار وقام القتام، وخاض بحار الدماء كل خاص وعام، وصارت نجوم السهام في ظلام القتام لشياطين الأساطين رجوماً رواشق، ولوامع السيوف في سحاب التراب على الملوك والسلاطين نجوماً صواعق، ولا زالت سلاهب المنايا تجوب وتجول، وضراغم السرايا تصوب وتصول ونقع السنابك إلى الجو راقيا، ونجيع السوافك على الدو جاريا، حتى غدت الأرضون ستاً والسموات كالبحار ثمانيا واستمر هذا اللدد والخصام نحواً من ثلاثة أيام، ثم انجلى الغبار عن انهزام جيش توقتاميش ولى الأدبار وفرت عساكره وانذعرت وانتشرت جنود تيمور في ممالك الدشت واستقرت، واستولى على قبائلها وأتى على ضبط أواخرها وأوائلها، واحتوى على الناطق فمازه وعلى الصامت فحازه، وجمع الغنائم، وفرق المغانم، وأباح النهب والأسر وأذاع القهر والقسر، وأطفأ قبائلهم، وأكفأ مقاولهم، وغير الأوضاع وحمل ما استطاع
стр. 121
من الأموال والأسرى والمتاع، ووصلت طراشته إلى آزاق، وهدم سراي وسرايجوق وحاجي ترخان وتلك الآفاق، وعظمت منزلة إديكو عنده، ثم قفل قاصداً سمرقنده، وصحب إيدكو معه، ورام منه أن يتبعه
ذكر إيدكو وما صنعه وكيف
خلب تيمور وخدعه
فأرسل إيدكو قاصداً إلى أقاربه وجيرانه، وقبائل الميسرة من أصحابه وأخدانه، من غير أن يكون لتيمور، بذلك شعور، أن يرحلوا عن مكانهم وينشمروا عن أوطانهم، وأن ينحوا جهة عينها وأماكن بينها، صعبة المسالك، كثيرة المهالك، وإن أمكنهم أن لا يقيموا في منزل واحد يومين فليفعلوا ذلك، فإنه إن ظفر بهم تيمور بدد شملهم وأبادهم كلهم، فامتثلوا ما رسم به إيدكو وارتحلوا، ولم يلووا ولما علم إيدكو أن جماعته فوزوا، وحشمه لتيمور أعجزوا، قال له يا مولانا الأمير إن لي من الأقارب والحشم الجم الغفير، وإنهم عضدي وجناحي، وبصلاح معايشهم صلاحي، ولا آمن عليهم إن بقوا بعدي، من توقتاميش الجور والتعدي، بل لا شك أنه يفنيهم
стр. 122
ويبيدهم عن بكرة أبيهم، وحيث يمتنع عليه بجاه جنابك جانبي ينتقم لسوء طويته من حشمي وأقاربي، لأن سدى هذه الملاحم أنا ألحمته، وفي مضايق البلاء ومآزق الانكسار أنا أقحمته، وعلى كل حال فلا يطيب على قلبي أن يساكنوه وكيف يهنأ لي العيش وأصدقائي مجاورون عدوي، فإن اقتضت الآراء المنيرة، إرسال قاصد إلى تلك " الأماكن " والقبائل الكثيرة صحبة مرسوم شريف وأمر عال منيف باستمالة خواطرهم، وتطيب قلوب قبائلهم وعشائرهم والأمر بترحالهم وترقيع حالهم، فنكون جميعاً تحت الظل الشريف في روض عيش وريق وريف ونخلص من هذا الدشت، الخلق الدشت ونقضي ما مضى من الأعمار، ونقضي الباقي في جنات تجري من تحتها الأنهار، فالرأي الشريف أعلى واتباع ما يبديه بالمماليك أولى
فقال له تيمور أنت عذيقها المرجب وجذيلها المحكك، ومع وجودك أنت من يسلك هذا المسلك فقال كل الأنام عبيدك وتابع مرادك ومريدك، ومن تراه لشيء أهلاً كان كل حزن عليه سهلاً فقال بل أنت أولى بهذا الأمر فكن ضمينه إذ لا يفتى ومالك في المدينة،
стр. 123
فقال أضف إلي واحداً من الأمراء ليكون لي عليهم وزراء، مع مراسيم شريفة بما تقتضيه الآراء المنيفة فأجابه وقضى مراده وأضاف إليه من أراده، فقضيا مآربهما ونجزا ونحو مطلبهما تجهزا ولما فصل إيدكو تيمور استدرك فارطه، وعلم أن إيدكو خلبه عقله وغالطه، فأنفذ إليه قاصداً أن يكون إليه عائداً لأمر قد سنح ورأي قد جنح، فلما قدم القاصد عليه وبلغ ما أرسل به إليه، قال له وللأمير الذي معه وقد نهى كلاً منهما أن يتبعه اقضيا مأربكما والحقا صاحبكما وقبلا يديه وأبلغاه أن أمد اجتماعنا هذا منتهاه وإني بريء منه إني أخاف الله، ولم يمكنهما مخاشنته ولا وسعهما في تلك الضائقة الشديدة إلا ملاينته، فودعاه وانصرفا، وانحرفا وما وقفا ولما بلغ تيمور ذلك تصرف وتصرم وتبرح وتبرم وحرق عليه الأرم وتندم ولات حين مندم، وكاد يقتل نفسه حنقاً عليه، وتجرع كاسات ويوم يعض الظالم على يديه، ولم يمكنه التقيد به فلم يتحرك له بحركة، وتوجه إلى ممالكه ثم إلى سمرقند وتركه، وكان هذا آخر أمره من دشت بركة قيل إنه لم يخدع تيمور ويدهيه،
стр. 124
ويخلبه قولاً وفعلاً ويطغيه سوى إيدكو المار ذكره، أقول وسوى قاضي القضاة ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون المالكي الآتي حكايته وأمره
تتمة ما جرى في نواحي الشمال
بين توقتاميش وإيدكو من جدال وقتال إلى أن تغير أمر كل منهما وحال
ولما انفصل تيمور بما حصل واستقر بمملكته بعدما وصل واتصل إيدكو بحاشيته وابتهج بطاغيته وغاشيته، أخذ في التفتيش عن أمور توقتاميش، وتحفظ منه وتحرز ولمناواته انتصب وتجهز، إذ لم يمكنه رتق ما فتقه ولا رقع ما خرقه، وأيضاً ما أمكنه الاستقلال بادعاء السلطنة، إذ لو أمكن ذلك لادعاه تيمور الذي ملك الممالك، فنصب من جهته سلطانا، وشيد في دار الملك خانا، ودعا رؤوس الميسرة ووجوه قبائلها إليه، فلبوا دعوته وأقبلوا عليه، إذ كانوا أقوى من غيرهم، آمنين من ضرر الجغتاي وضيرهم، فقوى بذلك سلطانه، وعمر بقفول الجنود خانه، وثبت في دار الملك أساسه وعلت أركانه وأما توقتاميش فبعد أن تراجع وهله واستقر
стр. 125
في دماغه عقله، ورحل عدوه وحصل هدوه جمع عساكره واستنجد قوته وناصره، فلا زالت ضروب الضراب كحراب الحروب بينه وبين إيدكو قائمة وعيون السكون كجفون الزمان المتعامي عن صلحهما نائمة إلى أن بلغ مصافهم خمس عشرة مرة، يدال هذا على ذاك تارة وذاك على هذا كرة، فأخذ أمر قبائل الدشت في التناقص والشتات، وبواسطة قلة المعاقل والحصون وقعوا في الانبثاث والانبتات، لا سيما وقد تناوشهما أسدان، وأطل عليهما نكدان، وقد كان جلهم ذهب مع تيمور، وأمسى وهو في أمره محصور، وفي حصره مأسور فانفلتت منهم طائفة لا تحصى ولا تحصر، ولا يمكن ضبطها بديوان ولا دفتر، وانحازت إلى الروم والروس، وذلك لحظهم المشؤوم وجدهم المعكوس، فصاروا بين مشركين نصارى، ومسلمين أسارى، كما فعله جبلة ببني غسان واسم هذه الطائفة قرابوغدان فبواسطة هذه الأسباب، آل عامر الدشت إلى الخلاء والخراب، والتفرق واليباب، والانفلات والانقلاب، وصارت بحيث لو سلكها أحد من غير دليل ورصد فإنه يهلك على الحقيقة لإضاعته في المجاز طريقه،
стр. 126
أما صيفاً فلأن الرياح للرمال تسفى، فتختفى الطريق على المارة وتعفى، وأما شتاء فلأن الثلج النازل فيها يتراكم عليها فيغطيها، إذ كل أرضها مجاهل ومنازلها مذاهل، ومراحلها مهامه ومناهل، فعلى كل تقدير، سلوكها مهلك عسير فكانت الوقعة الخامسة عشرة على إيدكو فتشتت وتشرد، وتبذر وتبدد، وغرق هو ونحو خمسمائة رجل من أخصائه في بحر الرمل، فلم يشعر به أحد واستبد توقتاميش بالمملكة، وصفا له دشت بركه، وكان مع هذا متشوفاً لأخبار إيدكو وأحواله متشوقاً لمعرفة كيفية هلاكه في رماله، ومر على ذلك نحو من نصف سنة، وانقطع أثره عن الأعين وخبره عن الألسنة وإيدكو كان دعيميص تلك الأعقاص والأحقاف وممن قطع بسير أقدامه أديم تلك النعال والأخفاف، فصار يتربص ويتصبر ويتفكر معنى ما قلته ويتدبر، وهو
أرقب القصد وانتظر فرصاً ... وانتهز وقتها إذا ماجا
وامزج الصبر بالحجا فبه ... ورق التوت صار ديباجا
فلما تيقن أن توقتاميش أيسه، وتحقق أن ليث المنايا افترسه،
стр. 127
شرع يتجسس أخباره ويتتبع، ويستشرف آثاره ويتطلع، إلى أن تحقق من الخبر، أنه في متنزه منفرد عن العسكر، فامتطى جناح الخيل، وارتدى جنوح الليل، ووصل السير بالسرى، واستبدل السهر بالكرى، فارعا إلى الهضاب، فروع الحباب، مفرعا من الربى، إفراع الندى حتى وصل وهو لا يعلم، وانقض عليه كالقضاء المبرم، فلم يفق إلا والبلايا احتوشته، وأسود المنايا انتوشته، وثعابين الرماح وأفاعي السهام نهشته، فحاولهم قليلا، وجاولهم طويلا، ثم انجدل قتيلا، وكانت هذه المرة من الوقعات السادسة عشر، خاتمة التلاق، وحاكمة الفراق فاستقر أمر الدشت على متولي إيدكو، وصار القاصي والداني والكبير والصغير إلى مراسيمه يصفو، وتفرقت أولاد توقتاميش في الآفاق، جلال الدين وكريم بيردي في الروس وكوباك وباقي إخوته في سغناق، واستمر أمر الناس على مراسيم إيدكو يولي السلطنة من شاء، ويعزله منها إذا أساء، ويأمر فلا يخالفه أحد، ويحد فلا يجاوز ذلك الحد فمن ولاه قوتليغ تيمور خان، وأخوه شادي بك خان، ثم فولاد خان بن قوتليغ تيمور
стр. 128
ثم أخوه تيمور خان، وفي أيامه تخبطت الأمور، فلم يسلم لإيدكو زمامه، وقال لا كيد له ولا كرامة، أنا الكبش المطاع، فأنى أكون مطيعاً، والثور المتبوع فكيف أصير تبيعا فالتحم بينهما الشقاق، ونجم من ذوي الضغينة مخبوء النفاق، وجرت شرور ومحن، وحروب وإحن، وبينا ظلمات الفتن احتبكت، ونجوم الشرور في دياجير الدشت بين الفريقين اشتبكت، وإذا ببدر الدولة الجلالية، من مشارق السلالة التوقتاميشية بزغ متهللا، وفرع من بلاد الروس مقبلا وكانت هذه القضية في شهور سنة أربع عشرة وثمانمائة، فتعاظمت الأمور، وتفاقمت الشرور، وضعف حال إيدكو وقتل تيمور، واستمر النفاق والشقاق، بين ممالك ملوك قبجاق، إلى أن مات إيدكو غريقاً جريحاً، وأخرجوه من نهر سيحون بسرايجوق وألقوه طريحاً، رحمه الله تعالى وله حكايات عجيبة، وأخبار ونوادر غريبة، وسهام دواه في أعدائه مصيبة، وأفكار مكايد، وواقعات مصايد، وله في أصول فقه السياسة نقود وردود، البحث فيها يخرج عن محصول المقصود وكان أسمر شديد السمرة ربعه، مستمسك
стр. 129
البدن شجاعاً مهابا ذا رفعة، جواداً حسن الابتسامة، ذا رأي مصيب وشهامه، محباً للعلماء والفضلاء، مقرباً للصلحاء والفقراء يداعبهم بألطف عبارة، وأظرف إشارة، وكان صواماً، وبالليل قواما، متعلقاً بأذيال الشريعة، قد جعل الكتاب والسنة وأقوال العلماء بينه وين الله تعالى ذريعة، له نحو من عشرين ولدا كل منهم ملك مطاع، وله ولايات على حدة وجنود وأتباع، وكان في جماعات الدشت إماماً، نحواً من عشرين عاماً، وأيامه في جبين الدهر غرة، وليالي دولته على وجه العصر طرة
ما كنا فيه من أمور تيمور ودواهيه
ولما وصل تيمور إلى أذربيجان، وانبث عسكره في ممالك سلطانية وهمذان، واستدعى الملك الظاهر سلطان ماردين وأطلقه، وأنعم عليه كما ذكر واستوثقه، وولاه ما بين الشام والعراق، وأحكم تلك الممالك بما وسعه من المكر والنفاق، ولم يمكنه الإقامة بملك العجم، لما معه من الدشت من أمم، وجه عنان قصده، إلى ممالك سمرقند، فنفض فيها أوطابه، وفرغ عما كان ملأ به من الدشت جرابه، ثم خرج من غير توان، وقطع جيحون بالطوفان، ووصل إلى خراسان، وواصل السير إلى أذربيجان، فتوجه إلى طهرتن حاكم أرزنجان، متلقياً طوق مراسيمه بجيد الإطاعة والإذعان، وأهما أمر ماردين وتناساها، ولم يتعرض إلى ما يتعلق بها من مدنها وقراها
ابتداء ثوران ذلك القتام فيما
يتعلق بممالك الشام
ثم أنه قصد الرها، ورام نهبها، فخرج إليه شخص من أعيانها، ورؤساء قطانها، يقال له الحاج عثمان بن الكشك فصالحه واشتراها بجمل من الأموال وحملها إليه وأداها، فعند ذلك أرسل إلى القاضي برهان الدين أبي العباس أحمد الحاكم بقيصرية وتوقات وسيواس، من الرسل عدة، ومن الكتب شدة، يبرق فيها ويرعد، ويرغي في بحرها ويزبد، ويقيم بفحاويها ويقعد
ومن جملة فحواه، ومضمون ذلك وما حواه، أن يخطبوا باسم محمود خان، أو سيورغاتمش خان وباسمه، ويضربوا السكة على طرز ذلك ورسمه، كما هو دأبه، ويتحمله رسوله وكتابه، فلم يؤمن له السلطان برسول ولا بكتاب،
стр. 130
ولا تقيد له بجواب عن خطاب، بل قطع رؤوس الرؤوس من قصاده، وعلقها في أعناق الباقين، وأشهرهم في بلاده، ثم جعلهم شطرين، وقسمهم نصفين، وأرسلهم إلى جهتين، للسلطان الملك الظاهر أبي سعيد برقوق منهم جزء مقسوم، والجزء الآخر إلى السلطان أبي يزيد بن مراد بن أورخان بن عثمان حاكم ممالك الروم، وأخبرهما بالقضية عن جلية، وما ورد عليه من خطاب تيمور الممقوت، وأنه جعل في ذلك جوابه السكوت، وقتل قاصديه نكاية، ولم يزده على هذه الحكاية، وإنما فعل ذلك برسله وقصاده، استهواناً به واستعظاماً لما فعله بعباد الله تعالى وبلاده ثم قال القاضي اعلموا أني جاركما، ودياري دياركما، وأنا ذرة من غباركما، وقطرة من بحاركما، وما فعلت معه هذا مع ضعف حالي، وقلة مالي ورجالي، وضيق دائرتي وبلادي، ورقة حاشية طريفي وتلادي، إلا اعتماداً على مظاهرتكما، واتكالاً على مناصرتكما، وإقامة لأعلام حرمة دولتكما، ونشر الرايات هيبة صولتكما، فإني جنة ثغركما، ووقاية نحركما، وجاويش جنودكما، وجاليش بنودكما، وربيئة طلائعكما، وطليعة وقائعكما، وإلا فمن
стр. 131
أين لي مقاومته، وأنى يتيسر لي مصادمته؟ وقد سمعتم أحواله، وعرفتم مشاهده وأفعاله، فكم من جيش كسر، وقيل أسر، وملك ملك، وملك أهلك وستر هتك ونفس سفك، وحصن فتح، وفتح منح، ومال نهب، وعز سلب، وصعب أذل، وخطب أحل، وعقل أزل، وفهم أضل، وخيل هزم، وأس هدم، وسؤل قطع، وقصد منع، وطود قلع، وطفل فجع، ورأس شدخ، وظهر فضح، وعقد فسخ، ونار أشب، وريح أهب، وماء أغار، ورهج أثار، وقلب شوى، وكبد كوى، وجيد قصم، وطرف أعمى وسمع أصم فأنى لي ملاطمة سيل العرم، ومصادمة الفيل المغتلم، فإن نجدتماني وجدتماني، وإن خذلتماني بذلتماني، ويكفيكما هيبة وشهرة، وناهيكما أبهة ونصرة، إن من خدمكما قدامكما، من كفاكما ما دهاكما وإن أصابني والعياذ بالله منه ضرر، أو تطاير إلى مملكتي من جمرات شره الشرر، ربما تعدى ذلك الفعل بواسطة الحوادث، إلى مفعول به ثان وثالث قلت
والشر كالنار يبدو حين تقدحه ... شرارة فإذا بادرته خمدا
стр. 132
وإن توانيت عن إطفائه كسلا ... أورى قبائل تشوي القلب والكبدا
فلو تجمع أهل الأرض كلهم ... لما أفادوك في إطفائه أبدا
وما أهملت خطابه، وأمهلت جوابه، لترسما فاقتفى، وتأمرا فاكتفى، وتؤسسا فأبني عليه، وتجاوبا فيصل ذلك كذلك مني إليه
ذكر ما أجاب به السلطان أبو يزيد
بن عثمان القاضي برهان الدين أبا العباس سلطان ممالك سيواس
فأما السلطان أبو يزيد بن عثمان، فإن هذا الفعل أعجبه، ونغم هذا القول أطربه، واستحسن هذا الحكم من القاضي واستصوبه، وأرسل إليه يقول إن ارتدع تيمور عنه وانتهى، وإلا فليأتينه بجنود لا قبل له بها، فليقابله بعين قريرة، وليثبت له بحسن البصيرة، وإخلاص السريرة، ولا يجزع من جنوده الغزيرة، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة وإن اقتضت آراؤه السديدة، وأحكامه السعيدة، توجه بنفسه إليه، وقدم بالغزاة والمجاهدين عليه، ليرفع أعلامه، وينفذ أحكامه، ويكون لسيفه يداً، ولجناحه عضدا، ثم أرسل كتابه، وانتظر جوابه
وأما الملك الظاهر
стр. 133
فما رأيت له كتاباً، ولا حققت منه له جوابا، والظاهر أن جواب الملك الظاهر أبي سعيد، كان شقيق جواب السلطان الغازي أبي يزيد، إذ أفعالهما وأقوالهما في الباطن والظاهر، كانت من توارد الخاطر، ثم إني رأيت كتاباً يتضمن خطاباً وجوابا، وذكر أن الخطاب من ذلك الغادر، والجواب من الملك الظاهر، وكلاهما سوى آي الكتاب غير زاه ولا زاهر، أما صورة الخطاب فهو " قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون " اعلموا أنا جند الله مخلوقون من سخطه مسلطون على من يحل عليه غضبه، لا نرق لشاك ولا نرحم عبرة باك، قد نزع الله الرحمة من قلوبنا، فالويل كل الويل لمن لم يمتثل أمورنا فإنا خربنا البلاد، وأهلكنا العباد، وأظهرنا في الأرض الفساد، قلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال، خيولنا سوابق، ورماحنا خوارق، وملكنا لا يرام، وجارنا لا يضام، فإن أنتم قبلتم شرطنا، وأصلحتم أمرنا، كان لكم ما لنا، وعليكم ما علينا، وإن أنتم خالفتم وأبيتم، وعلى بغيكم تماديتم، فلا تلومن إلا أنفسكم،
стр. 134
فالحصون منا لا تمنع، والعساكر لدينا لا ترد ولا تدفع، ودعاؤكم علينا لا يستجاب ولا يسمع، لأنكم أكلتم الحرام وضيعتم الجمع، فأبشروا بالذلة والجزع، فاليوم تجزون عذاب الهون، وقد زعمتم أننا كفرة، فقد ثبت عندنا أنكم فجرة، قد سلطنا عليكم إله له الأمور مقدرة، والأحكام مدبرة، كثيركم عندنا قليل، وعزيزكم عندنا ذليل، قد ملكنا الأرض شرقاً وغرباً، وأخذنا منها كل سفينة غصباً، وأرسلنا إليكم هذا الكتاب، فأسرعوا في رد الجواب، قبل أن ينكشف الغطاء، ولم يبق لكم باقية، فينادي عليكم منادي الفناء " هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا " وقد أنصفناكم إذ راسلناكم، ونثرنا جواهر هذا الكلام عليكم والسلام وهذه صورة الجواب وقيل هو إنشاء القاضي بدر الدين بن علاء الدين بن فضل الله وما أظن لذلك صحة وهو " بسم الله الرحمن الرحيم " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير " حصل الوقوف على كتاب مجهز من الحضرة الأيلخانية، والسدة العظيمة الكبيرة السلطانية قولكم إنا مخلوقون
стр. 135
من سخطه، مسلطون على من يحل عليه غضبه، لا نرق لشاك، ولا نرحم عبرة باك، قد نزع الله الرحمة من قلوبكم فهذا من أكبر عيوبكم، وهذا من أقبح ما وصفتم به أنفسكم، ويكفيكم بهذه الشهادة واعظاً إذا اتعظتم " قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون " ففي كل كتاب ذكرتم، وبكل قبيح وصفتم، وزعمتم أنكم كافرون، ألا لعنة الله على الكافرين من تشبه بالأصول، لا يبالي بالفروع نحن المؤمنون لا يصدنا عيب، ولا يداخلنا ريب، القرآن علينا نزل، وهو رحيم بنا ولم يزل، وقد عمنا ببركة تأويله، وقد خصنا بفضل تحريمه وتحليله إنما النار لكم خلقت، ولجلودكم أضرمت " إذا السماء انفطرت " ومن العجب العجاب تهديد الليوث باللتوت، والسباع بالضباع، والكماة بالكراع نحن خيولنا بحرية، وهممنا علية، والقناة شديدة المضارب، ذكرها في المشارق والمغارب، إن قتلناكم نعم البضاعة، وإن قتلتمونا بيننا وبين الجنة ساعة " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون " وقلكم قلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال فالجزار لا يبالي بكثرة الغنم، وكثير من الحطب
стр. 136
يكفيه قليل من الضرم " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " لفرار لا من الرزايا، نحن من المنية، في غاية الأمنية، إن عشنا عشنا سعداء، وإن متنا متنا شهداء إلا إن حزب الله هم الغالبون، أبعد أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين، تطلبون منا طاعة؟ لا سمع لكم ولا طاعة وطلبتم أن نوضح لكم أمرنا، فهذا الكلام في نظمه تركيك، وفي سلكه تفكيك، لو كشف لبان، قبل التبيان، أكفراً بعد إيمان، أم اتخذتم رباً ثان؟ " لقد جئتم شيئاً إدا، تكاد السموات يتفطرون منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا " قل لكاتبك الذي رصع رسالته، ووصف مقالته، حصل الوقوف على كتاب كصرير باب، أو طنين ذباب، " وسنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا " ومالكم عندنا إلا السيف بقوة الله تعالى
ثم إني وجدت في نسخة محا مر الدهور، بتقادمه مدادها، وبيض كر العصور، على وجه الزمان من شيبها سوادها، صورة هذا الكتاب، وهيئة هذا الخطاب، من إنشاء نصير الدين الطوسي، على لسان هولاكو التتري، مرسلاً ذلك إلى سلطان مصر،
стр. 137
وصورة الجواب بعينه إنشاء من كان في ذلك العصر " فصل " ولما بلغ تيمور ما فعله السلطان برهان الدين بقصاده حنق، ورتق بجناحي الغضب وفار دم قلبه ورنق، وغص غضباً فكاد من الغيظ أن يختنق، ولكن علم أن في الزوايا خبايا، وللإسلام جنوداً وسرايا، وفي عرين الدين من ليوث المسلمين بقايا، وأن أمامه أسوداً هواصر، وجوارح كواسر، فتصبر للزمان، ورجع القهقرى وتربص منهم الدوائر
ذكر توجه العساكر الشامية لدفع
تلك الداهية الدهية
مع أن ملك الأمراء هو تنم، خرج بالعساكر إلى أرزنجان ورجع وهو معتنم، ولم يروا في ذلك ضيرا " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا " وعاد من جيش الإسلام كل أسد هصور، وقد اصطاد من دفركى ما ضاهى صورته وجاء نور على نور
ذكر رجوع ذلك الكنود وقصده
استخلاص بلاد الهنود
ثم إن تيمور بلغه أن سلطان الهند فيروز شاه، انتقل من زحمة الدنيا
стр. 138
إلى رحمة الله، ولم يكن له ولد يكون له خليفة فسعى تيمور لأن يتولى بحكم الوفاة والشغور تلك الوظيفة، ولما فاض صاحب الهند صارت الناس فوضى، ومرج بحر أمر الهند وماج فجعل كل يخوض خوضاً فعز بعض الناس وبعضهم ذلوا، ثم اتفقوا على تولية وزير اسمه ملو، فرأب من أمر الناس ما انصدع، ورفع من استحق الرفع وخفض من بغير استحقاق ارتفع، فعصى عليه إخوة سارنك خان، متولي مدينة ملتان، ووقع بينهم التخالف، وافترق ملأ الهنود فرقاً وطوائف، فكان اختلافهم لتيمور أحسن مساعد، وأقوى عضد وساعد قلت
وتشتت الأعداء في آرائهم ... سبب لجمع خواطر الأحباب
وحين وصل تيمور إلى ملتان، عصى عليه سارنك خان، فأقام يحاصرها، وقعد يضاجرها، وكانت عساكرها جمة، وليالي كتائبها السود مدلهمة حتى قيل إن من جملة عسكرها الثقيل، كان ثمانمائة فيل، مع أن كل أمير من أطراف الهند، ورئيس من أكناف السند، كان قد كفكف أذياله، ولملم رحاله ورجاله، وضبط لجوائحه أقياله،
стр. 139
وربط لحوائجه أفياله، واستمر ذلك اللدد والخصام، نحواً من ثلثي عام، إلى أن استخلصها ومن يده خلصها " فصل " ولما استولى ملو واستقر أمر الهند عليه، وبلغه توجه تيمور إليه، جد واجتهد وأعد العدد والعدد، واستمد الإمداد والمدد، وأهلك مالاً لبدا، وحسب أن لن يقدر عليه أحد، وفرق الأموال، وجمع الخيل والرجال، وأحضر ما في مملكته من الأفيال، ثم حصن مدائنه، ومكن كمائنه، وشيد على الأفيال للمقاتلة أبراجاً، وأحكم في تحرير المناضلة طريقة فقه فيها ذهب ومنهاجا وجد تيمور في السير، حتى كاد يسبق الطير، إذ لم يكن له في ثلاث الأرث من يحجبه، ولا في عساكر سلطان الهند من يقربه فلما بلغ الهنود بالجنود برزت إليه بالجنود الهنود، وقدموا الفيول لتنفير الخيول وقد بنوا على كل فيل من الأتراس برجا، وعبئوا في كل برج من المقاتلين ن يخشى في المضابق ويرجى، بعد ما جعلوها من البركستوانات في حصار، وعلقوا عليها من القلاقل والأجراس الهائلة ما يدعو العفاريت
стр. 140
إلى الفرار، وشدوا في خراطيمها سيوفاً يصلح أن يقال أنها سيوف الهند، تدعو الرؤوس شعلة لهيبها فتخر لها ساجدة فيحق أن يقال لها نار السند وهذا خارج عما لتلك الفيلة من الأنياب التي هي في الحروب كالحراب إذ هي في أداء ما وجب عليها نصاب كامل وسهامها التي هي مصيبة في نحور من يقابلها تقصم كل نابل وذابل فكانت تلك الأفيال في وصف القتال كأنها غيل بأسودها ماشية أو صياص بجنودها جارية أو أطواد بنمورها عادية أو بحار بأفواج أمواجها رائحة جائية، أو ظلل من الغمام بصواعقها هامية، أو ليالي الفراق بنوائبها السود سارية، وخلفها من الهنود فوارس الحرب، وأبطال الطعن والضرب، سود الأسود، وطلس الذئاب ونمر الفهود بالذابل الخطى، والصارم الهندي والنبل الخلنجي، مع قلب ذكي وجنان جري، وعزم قوي، وضرب رضي
ذكر ما فعله ذلك المحتال
من الخديعة في إجفال الأفيال
وحين اطلع تيمور على هذه الحال وتحقق أن شقة عساكر الهند نسجت
стр. 141
على هذا المنوال أعمل المكيدة، في قلع هذه المصيدة، ومرق لهم بمرقة قدر طبخها أخثر من العصيدة، فبدأ أولاً في الاحتيال، بدفع مكيدة الأفيال، فاستعمل الفكر الحديد، في اصطناع شوكات من حديد، مثلثة الأطراف، مستبعدة الأوصاف، كأنها في شكلها الخبيث، طرق القائلين بالتثليث، أو وضع أصحاب الأوفاق، أعدادهم المنسوبة إلى الوفاق، فصنعوا له من ذلك الألوف ثم عمد إلى مجال الفيول في الصفوف فنشر ذلك لها ليلاً، وجلب لأهلها حرباً وويلا، ورفم لذلك حدا، ورسم أن فعل ذلك الحد لا يعدى، ثم ركب أطلابه وأبطاله، ورتب أسوده وأشباله، وهذب خيله وشذب رجاله، وأرصد شمالاً ويمينا، من عسكره للعدو كمينا، وحين بث سلطان السيارة في جوانب الآفاق خيله، وضم جيش الظلام رجاله أنجمه وشمر للهزيمة ذيله، مشى عسكره إلى ذلك الحد رويداً حتى وصل إليه، ولما تراءى الجمعان نكص على عقبيه، ثم نكب بالخيول، عن طريق الفيول، فتصوروا أن خيوله جفلت، وشمس نصرته انكشفت، وكواكب جيشه أفلت، فأقلعوا قلاع الفيول، فانهمرت انهمار
стр. 142
السيول، وساقوها خلف عساكره سوقا، على ذلك الشوك الملقى، وأتبع الفيالة، من الهنود الرجالة والخيالة فلما وصلت سيول الفيول من مطارح الشوك إلى المقاسم، وأخذ ذلك الشوك في تقبيل أيديها وأرجلها وتثبت بتلك المناسم وأحست قوائمها بشوكها، رجعت القهقرى بل وولت الأدبار لعدم عقلها ووجود نوكها فنهنهوها ونهوها عن التولي فلم يفدها النهى والنهنهة، وصارت في التقدم إلى جهة العدو كفيل أبرهة ثم لم يسعها لما أحرها الشوك في تلك الحرار، إلا التولي من الزحف والفرار، فحطمت الفيول، الرجال والخيول، وصارت القتلى كالجبال والدماء في أوديتها سيول وخرج عليهم الكمين من ذات الشمال وذات اليمين، فأبادوا سائرهم، وألحقوا بأولهم آخرهم وقيل أن بلاد الهند ليس فيها أباعر، وأن منظرها يجفل الفيل فيصير أبعد نافر، فأمر تيمور أن يهيأ خمسمائة بعير جفول، وتعبأ رواحلها والحمول، قصباً محشواً بفتائل وقطن بالدهن مبلول، وأن تساق أمام الركبان، إلى أن يتراءى الجمعان، فلما تصافوا ولم يبق إلا القتال، أمر أن تطلق النار في تلك الحشايا
стр. 143
والأحمال، وتسلق إلى جهة الأفيال، فلما أحست البعران، بحرارة النيران، رغت ورقصت، ونحو الفيول شخصت وصارت كما قيل
كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع بين رجليه بشن
فلما رأت الفيلة النيران، وسمعت رغاء البعران، ونظرت إلى الإبل كيف خلقت، وشاهدتها وقد غنت ورقصت، وبأجفالها صفقت، أولت على عقبها ناكصة، لسائقها واهصة، ولركابها واقصة فحطمت الخيالة، وهشمت الرجالة، وتلا الكافرون آية النصر على أصحاب الفيل، وأرسلوا عليهم من السهام طيراً أبابيل، فلم ينتفعوا بالأفيال، بل أفنت الأفيال غالب الخيل والرجال، ثم تراجعت عساكر الهنود، وأبطال الخيالة من الجنود وكتبوا الكتائب وبندوا البنود، ثم تراموا وتصافوا وتضاموا وتحافوا، وهم ما بين مجوسي ومسلم، ومبارز منتسب ومناد بالشعار معلم، وكل في سواد اللون والحديد كقطع الليل المظلم، ثم تدانوا مع التتار وتزاحفوا، وبعد المراشقة بالسهام بالرماح تنافقوا، ثم بالسيوف تضاربوا، قم تلاتبوا وتواثبوا، ثم تراموا
стр. 144
عن ظهور الخيل، واعتكر في ذلك القتام النهار بالليل، ولا زالت تختلف بينهم الضربات وتصول فيهم الحملات، وتحمل منهم الصولات، حتى تلا لسان القضاء والقدر " إن في اختلاف الليل والنهار لآيات " ثم تناهى الاقتحام، وانفرج الازدحام، وأسفرت القضية عن أن برد حامى الهند فانهزم جيش حام، وحل بالهنود الويل، ومحا الله آية الليل ولما تفرقت الهنود وفلوا، وانتهى عقد عملهم في المحاربة فحلوا، وقتلت سرواتهم وهرب سلطانهم ملوا، وثبت تيمور وحكمه في هنده، إلى الآن كما ثبت أوتاده في سمرقنده، فجمع أقيالها، وربط أفيالها، وضبط أحوالها، وما غفل عن ضبط ما عليها وما لها، وسلم أفيالها فيالها
ثم توجه نحو تختها وهي مدينة دهلي، مصر عظيم جمع فنون الفضل وأرباب الفخر الجلي، معقل التجار، ومعدن الجواهر والبهار، فتمنعت عليه بالحصار، فأحاط بذلك السواد الأعظم، من عساكره السواد الأعظم، ومن معه من الخلائق والأمم، فقيل إن هذه العساكر والخلائق مع عظمها وكثرتها، لم يقدروا أن يكتنفوها لسعة دائرتها، وأنه أخذها من أحد
стр. 145
جوانبها بالمحاصرة، وتم الجانب الآخر ثلاث أيام في المحاربة والمكاشرة لم يدر من في الجانب المحاصر، لبعد المدى وكثرة الأمم ما فعل بالجانب الآخر
ذكر وصول ذلك الخبر إلى ذلك العقوق
بوفاة الملكين أبي العباس أحمد والملك الظاهر برقوق
وبينا هو استولى على كرسي الهند وأمصاره، واحتوى على ممالكه وأقطاره، وبلغت مراسيمه ذرا أنجاده، وأعماق أغواره، وانبث جيشه في ولاياتها سهلاً ووعرا، وظهر فساده في رعاياها براً وبحراً إذ وفد عليه المبشر من جانب الشام، أن القاضي برهان الدين أحمد السيواسي والملك الظاهر أبا سعيد برقوق انتقلا إلى دار السلام، فسر بذلك وانشرح، وكاد أن يطير إلى جهة الشام من الفرح فنجز بسرعة أمور الهند، ونقل إلى مملكته من فيها من العساكر والجند، بما أخذه من الأثقال، ونفائس الأموال، ووزع ذلك الجمهور، وسائر الجند المأسور، على أطراف ما وراء النهر من الحدود والثغور، وأقام في الهند نائباً من غير وجل ثم صدر
следующие страницы →