Полный текст (492 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
على هذا المنوال أعمل المكيدة، في قلع هذه المصيدة، ومرق لهم بمرقة قدر طبخها أخثر من العصيدة، فبدأ أولاً في الاحتيال، بدفع مكيدة الأفيال، فاستعمل الفكر الحديد، في اصطناع شوكات من حديد، مثلثة الأطراف، مستبعدة الأوصاف، كأنها في شكلها الخبيث، طرق القائلين بالتثليث، أو وضع أصحاب الأوفاق، أعدادهم المنسوبة إلى الوفاق، فصنعوا له من ذلك الألوف ثم عمد إلى مجال الفيول في الصفوف فنشر ذلك لها ليلاً، وجلب لأهلها حرباً وويلا، ورفم لذلك حدا، ورسم أن فعل ذلك الحد لا يعدى، ثم ركب أطلابه وأبطاله، ورتب أسوده وأشباله، وهذب خيله وشذب رجاله، وأرصد شمالاً ويمينا، من عسكره للعدو كمينا، وحين بث سلطان السيارة في جوانب الآفاق خيله، وضم جيش الظلام رجاله أنجمه وشمر للهزيمة ذيله، مشى عسكره إلى ذلك الحد رويداً حتى وصل إليه، ولما تراءى الجمعان نكص على عقبيه، ثم نكب بالخيول، عن طريق الفيول، فتصوروا أن خيوله جفلت، وشمس نصرته انكشفت، وكواكب جيشه أفلت، فأقلعوا قلاع الفيول، فانهمرت انهمار
стр. 142
السيول، وساقوها خلف عساكره سوقا، على ذلك الشوك الملقى، وأتبع الفيالة، من الهنود الرجالة والخيالة فلما وصلت سيول الفيول من مطارح الشوك إلى المقاسم، وأخذ ذلك الشوك في تقبيل أيديها وأرجلها وتثبت بتلك المناسم وأحست قوائمها بشوكها، رجعت القهقرى بل وولت الأدبار لعدم عقلها ووجود نوكها فنهنهوها ونهوها عن التولي فلم يفدها النهى والنهنهة، وصارت في التقدم إلى جهة العدو كفيل أبرهة ثم لم يسعها لما أحرها الشوك في تلك الحرار، إلا التولي من الزحف والفرار، فحطمت الفيول، الرجال والخيول، وصارت القتلى كالجبال والدماء في أوديتها سيول وخرج عليهم الكمين من ذات الشمال وذات اليمين، فأبادوا سائرهم، وألحقوا بأولهم آخرهم وقيل أن بلاد الهند ليس فيها أباعر، وأن منظرها يجفل الفيل فيصير أبعد نافر، فأمر تيمور أن يهيأ خمسمائة بعير جفول، وتعبأ رواحلها والحمول، قصباً محشواً بفتائل وقطن بالدهن مبلول، وأن تساق أمام الركبان، إلى أن يتراءى الجمعان، فلما تصافوا ولم يبق إلا القتال، أمر أن تطلق النار في تلك الحشايا
стр. 143
والأحمال، وتسلق إلى جهة الأفيال، فلما أحست البعران، بحرارة النيران، رغت ورقصت، ونحو الفيول شخصت وصارت كما قيل
كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع بين رجليه بشن
فلما رأت الفيلة النيران، وسمعت رغاء البعران، ونظرت إلى الإبل كيف خلقت، وشاهدتها وقد غنت ورقصت، وبأجفالها صفقت، أولت على عقبها ناكصة، لسائقها واهصة، ولركابها واقصة فحطمت الخيالة، وهشمت الرجالة، وتلا الكافرون آية النصر على أصحاب الفيل، وأرسلوا عليهم من السهام طيراً أبابيل، فلم ينتفعوا بالأفيال، بل أفنت الأفيال غالب الخيل والرجال، ثم تراجعت عساكر الهنود، وأبطال الخيالة من الجنود وكتبوا الكتائب وبندوا البنود، ثم تراموا وتصافوا وتضاموا وتحافوا، وهم ما بين مجوسي ومسلم، ومبارز منتسب ومناد بالشعار معلم، وكل في سواد اللون والحديد كقطع الليل المظلم، ثم تدانوا مع التتار وتزاحفوا، وبعد المراشقة بالسهام بالرماح تنافقوا، ثم بالسيوف تضاربوا، قم تلاتبوا وتواثبوا، ثم تراموا
стр. 144
عن ظهور الخيل، واعتكر في ذلك القتام النهار بالليل، ولا زالت تختلف بينهم الضربات وتصول فيهم الحملات، وتحمل منهم الصولات، حتى تلا لسان القضاء والقدر " إن في اختلاف الليل والنهار لآيات " ثم تناهى الاقتحام، وانفرج الازدحام، وأسفرت القضية عن أن برد حامى الهند فانهزم جيش حام، وحل بالهنود الويل، ومحا الله آية الليل ولما تفرقت الهنود وفلوا، وانتهى عقد عملهم في المحاربة فحلوا، وقتلت سرواتهم وهرب سلطانهم ملوا، وثبت تيمور وحكمه في هنده، إلى الآن كما ثبت أوتاده في سمرقنده، فجمع أقيالها، وربط أفيالها، وضبط أحوالها، وما غفل عن ضبط ما عليها وما لها، وسلم أفيالها فيالها
ثم توجه نحو تختها وهي مدينة دهلي، مصر عظيم جمع فنون الفضل وأرباب الفخر الجلي، معقل التجار، ومعدن الجواهر والبهار، فتمنعت عليه بالحصار، فأحاط بذلك السواد الأعظم، من عساكره السواد الأعظم، ومن معه من الخلائق والأمم، فقيل إن هذه العساكر والخلائق مع عظمها وكثرتها، لم يقدروا أن يكتنفوها لسعة دائرتها، وأنه أخذها من أحد
стр. 145
جوانبها بالمحاصرة، وتم الجانب الآخر ثلاث أيام في المحاربة والمكاشرة لم يدر من في الجانب المحاصر، لبعد المدى وكثرة الأمم ما فعل بالجانب الآخر
ذكر وصول ذلك الخبر إلى ذلك العقوق
بوفاة الملكين أبي العباس أحمد والملك الظاهر برقوق
وبينا هو استولى على كرسي الهند وأمصاره، واحتوى على ممالكه وأقطاره، وبلغت مراسيمه ذرا أنجاده، وأعماق أغواره، وانبث جيشه في ولاياتها سهلاً ووعرا، وظهر فساده في رعاياها براً وبحراً إذ وفد عليه المبشر من جانب الشام، أن القاضي برهان الدين أحمد السيواسي والملك الظاهر أبا سعيد برقوق انتقلا إلى دار السلام، فسر بذلك وانشرح، وكاد أن يطير إلى جهة الشام من الفرح فنجز بسرعة أمور الهند، ونقل إلى مملكته من فيها من العساكر والجند، بما أخذه من الأثقال، ونفائس الأموال، ووزع ذلك الجمهور، وسائر الجند المأسور، على أطراف ما وراء النهر من الحدود والثغور، وأقام في الهند نائباً من غير وجل ثم صدر
стр. 146
عن سمرقند قاصداً إلى الشام على عجل، ومعه من الهند رؤوس أجنادها ووجوه أعيانها، وسلطان أفيالها وأفيال سلطانها، ثم توجه قرير العين بتلك الطوائف الطافية، في أوائل سنة اثنتين وثمانمائة، وانصب بذلك الطوفان، من جيحون إلى خراسان، وكان قد قرر ولده لصلبه أميران شاه بمملكة تبريز وتلك الديار، والسلطان أحمد قد رجع إلى بغداد وهو مستوفز للفرار، وسبب حركته إلى بلاد الشام " وإن كان في إهلاك الحرث والنسل مالكي الالتزام " ما فعله القاضي برهان الدين حاكم سيواس بقصاده الأغتام، لكنه أراد أن يغم مقصده، ويغطي عن الناس مصدره ومورده قلت بديها
وأنى يختفي للشمس ضوء ... عن الأبصار في صحو النهار
وكيف يسر ذفر المسك يحشى ... خياشم الورى في يوم حار
وأنى يختفي للطبل صوت ... عن الأسماع في وقت النفار
فإن قصده كان بعيد المدد، طويل الأمد، محتاجاً إلى إعداد أهبة السلوك، ويخسأ أن يضاهي غزوة تبوك وأظهر سبباً أبطن فيه، ما رامه من مكره ودواهيه، وأشاع ذلك وأذاع، فامتلأت منه القلوب
стр. 147
والأسماع
معنى كتاب وفد وهو في الهند عليه
زعموا أن ولده أميران شاه أرسله إليه
وذلك أن ابنه أميران شاه المذكور راسله، وأنهى إليه يقول على ما قيل في بعض ما قاوله وحاوله، إنك قد عجزت لكبر سنك، وشمول الضعف ببدنك ووهنك، عن إقامة شعائر الرياسة، والقيام بأعباء الإيالة والسياسة، والأولى بحالك إن كنت من المتقين، أن تقعد في زاوية مسجد وتعبد ربك حتى يأتيك اليقين، وقد تم في أولادك وأحفادك، من يكفيك أمر رعيتك وأجنادك، ويقوم بحفظ مملكتك وبلادك، وأنى لك بلاد وممالك؟ وأنت عن قريب هالك فإن كان لك عين باصرة، وبصيرة في نقد الأشياء ماهرة، فاترك الدنيا واشتغل بعمل الآخرة، ولو ملكت ملك شداد، ورجع إليك اقتدار العمالقة وعاد، وساعدك النصر والعون، حتى تبلغ مقام هامان وفرعون، ورفع إليك خراج الربع المسكون، حتى تفوق في جمع المال قارون، وحدث في خراب البلاد كبختنصر، الذي طول الله تعالى له فقصر وبالجملة فلو بلغ سلطانك الأقطار، وقضيت من دنياك غاية الأوطار، وصار عمرك فيها أطول الأعمار،
стр. 148
وخدامك فيها ملوكها الأغمار، فقصر جندك قيصر وكسر كسرى فانكسر، وتبعك تبع والنجاشي، وأوساط الملوك والأقيال غدوا لك خداماً وحواشي، وغفر لك فغفور بالثناء فاه، وأخنيت على الخان وخاقان فوجه كل رقعة دستك شاه، وأذعن لك فرعون مصر وسلطانها وجبى لك على يد جببو الدين إيران الدنيا وتورانها، وآل أمرك إلى أن دان لك سكان الأقاليم وقطانها، أليس قصارى تطاول قصورك إلى القصور، ونهاية كمالك النقص وحياتك الموت وسكناك القبور؟ قلت
فعش ما شئت في الدنيا وأدرك ... بها ما رمت من صيت وصوت
فخيط العيش موصول بقطع ... وحبل العمر معقود بموت
وقيل
قميص من القطن من حلة ... وشربة ماء قراح وقوت
ينال به المرء ما يرتجى ... وهذا كثير على من يموت
فأين أنت من نوح وطول عمره، ونياحته على قومه وحسن عبوديته وشكره، ولقمان ووعظه وولده، وتربيته لطول الحياة لبده، وداود
стр. 149
في ملكه الفسيح، مع قيامه بأوامر الله تعالى وكثرة الذكر والتسبيح، وسليمان بعده وحكمه على الإنس والجن والطير والوحش والريح، وذي القرنين الذي ملك المشرقين، وبلغ المغربين، وبنى السد بين الصدفين، ودوخ البلاد وملك العباد وأين محلك من سيد الأنبياء وخاتم الرسل، وصفوة الأصفياء، المرسل رحمة للعالمين، الكائن نبياً وآدم بين الماء والطين، محمد المصطفى، وأحمد المجتبى الذي زويت له مشارق الأرض ومغاربها، وتمثل بين يديه شاهدها وغائبها، وفتحت له خزائنها، وعرض عليه ظاهرها وكامنها، وكانت جنوده الملائكة الكرام، وآمن به الإنس والجن والطير والوحش والهوام، وأيده الله الكريم المتعال بأن أرسل لطاعته ملك الجبال وكان حامل رايات نصره نسيم الصبا باليمين والشمال، فملك الجبابرة بالهيبة والقهر، وكانت الأكاسرة والقياصرة تهابه من مسيرة شهر، وأيده بنصره وبالمؤمنين من المهاجرين والأنصار، وتولى نصره " إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار " وبلغ ركابه الشريف أن الله سبحانه به أسرى، في بعض ليلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وكان مركوبه الشريف البراق، ثم عرج به
стр. 150
إلى السبع الطباق، وقرن اسمه الكريم مع اسمه، وتعبد عباده بما شرعه إلى يوم القيامة من غير تغيير لحده ورسمه، وخلق لأجله الكائنات، وأنار بوجهه الموجودات، ولم يخلق في الكون أشرف منه ولا أفخر، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأظهر من معجزاته أن أشبع الجم الغفير، من القرص الشعير، وسقى الكثير من الرعال، مما نبع من بين أصابعه من الماء الزلال، وانشق له القمر، وسعت إليه الشجر، وآمن به الضب، وسلم عليه الحجر وهل تحصى معجزاته، أو تحصر كراماته؟ وناهيك بمعجزة المؤيدة، وكرامته المؤبدة، المخلدة على مر الزمان، الباقية من دار الحدثان، الساكنة مع تحرك الملوان، وهو القرآن المجيد الذي " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد " وهذه منازله في الدنيا، غير ما ادخر له في العقبى، وبشره بقوله " وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى " هذا وإن الله تعالى أخذ ميثاق النبيين بالإيمان به وبنصره، فلو أدركوه ما يسعهم إلا اتباعه وامتثال أمره، فهو دعوة إبراهيم الخليل، ومتوسل موسى والعلماء من بني إسرائيل، والمبشر بقدومه على لسان عيسى في الإنجيل،
стр. 151
وحامل لواء حمد ربه يوم لقائه، آدم ومن دونه تحت لوائه وهو صاحب الحوض المورود، والمخاطب من ربه في موقف الشفاعة والمقام المحمود، بمعنى ما قلت مفوفا مقتبسا
قل يسمع شفع تشفع سل تنله تجد ... تفويف خلعة عز واقتبس نعمى
فانظر إلى هؤلاء السادة، معادن الخير ومفاتيح السعادة، هل رغبوا في الدنيا أو اعتمدوا عليها، أو نظروا إلا بعين الاحتقار والاعتبار إليها؟ أو هل كان نظرهم غير التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله؟ وناهيك بالخلفاء الراشدين وأعظم بالعمرين الذين كانا بهذه الأمة بمنزلة القمرين، وهلم جرا بالخلفاء العادلين، والملوك الكاملين، والسلاطين الفاضلين والذين تولوا بالعدل فرعوا حقوق الله تعالى في عباده، وحموا عباد الله عن الظلم في بلاده، وأسسوا قواعد الخير، وساروا في نهج العدل والإنصاف أحسن سير، فمضوا على ذلك وبقيت آثارهم، وأحيت بعد موتهم أيامهم وأخبارهم، فمضى على ذلك مثل الأولين، وبقي لهم لسان صدق في الاخرين، إذ صنعوا بوجب ما سمعوا
стр. 152
فكن حديثاً حسناً ذكره ... فإنما الناس أحاديث
وأنت وإن كنت تسلطت على الخلق، فقد عدلت أيضاً ولكن عن الحق، ورعيت ولكن أموالهم وزروعهم، وحميت ولكن بالنار قلوبهم وضلوعهم، وأسست ولكن قواعد الفتن، وسرت ولكن على سنن إماتة السنن، ومع هذا فلو عرجت إلى السبع الشداد، ما بلغت منزلة فرعون وشداد، ولو رفعت قصورك على شوامخ الأطواد، ما ضاهيت " إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد "
فانظر إلى من نهى وأمر، ثم مضى وغبر، ولا تكن ممن طغى وفجر، وتولى وكفر، واقنع بهذا الخطاب، عن الجواب، واعط القوس باريها، واترك الدار لبانيها، وتولى الله ورسوله والذين آمنوا وإلا فأنت ممن تولى في الأرض ليفسد فيها، فإني إذ ذاك أمشي عليك، وأضرب على يديك وأمنعك من السعي في الفساد بأن أسوي بين رجليك، مع قلة آداب كثيرة، وعبارات ذنوبها كبيرة فلما وقف تيمور على هذا الكتاب، وجه إلى تبريز عنان الركاب، وكان عند أميران شاه من المعتدين، جماعة سعوا في الأرض
стр. 153
مفسدين، منهم قطب المواصيلي أعجوبة الزمان الدوار، وأستاذ علم الموسيقا والأدوار، إذا استنطق اليراعة أسكت أهل البراعة، وإذا وضع الناي بفيه، سحق عود إسحاق وأبيه، وإن أخذ في الأغاني أغنى عن الغواني، تقول النفس لنفسه الرخيم خفف عني أيني، فتشير براعته بالإصبع وتقول على عيني، ثم ينفخ فيها الروح، فيشفي كل قلب مجروح، ويداوي كل فؤاد مقروح، فإن أقامت قامتها الرشيقة راقصة في سماعها، يحنى الجنك ظهره خاضعاً لطيب استماعها، وإن فتحت فاها لتقرئ أسماع القلوب ألحانه، يميل العود عنقه مصغياً إليها عاركاً بأنامل الأدب آذانه قيل إنه كان يؤدي جميع الأنغام الفروع والمركبات والشعب والأصول، من كل ثقب من أثقب الموصول، وله مصنفات في أدوار المقامات، وجرى بينه وبين الأستاذ عبد القادر المراغي مباحثات، وكان أميران شاه به مغرماً، يعد صحبته والعشرة معه مغنماً وكان تيمور لا يعجبه العجب، ولا يستهويه اللهو والطرب، فقال إن القطب أفسد عقل أميران شاه، كما أفسد عبد القادر أحمد ابن الشيخ أويس وأطغاه، فوصل ذلك الطاغ، سابع عشر شهر
стр. 154
ربيع الأول سنة اثنتين وثمانمائة إلى قراباغ، فأناخ بها ركابه، وأراح بها دوابه، وضبط ممالك أذربيجان، وقتل أولئك المفسدين وأهل العدوان، ولم يتعرض لأميران شاه، لأنه ولده وهو أنشأه، وبينهما أمور متشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله ثم توجه بذلك الخميس، ثاني جمادى الآخرة يوم الخميس، وأخذ مدينة تفليس وقصد بلاد الكرج، وهدم ما استولى عليه من قلعة وبرج، وقلعهم إلى الصياصي، والقلاع العواصي، وقتل من ظفر به من طائع وعاصي، وجرهم ما بين رؤوس ونواصي، ثم ثنى عنان العناد، وحرش البغاة على بغداد، فهرب السلطان أحمد من ذلك اللجب، إلى قرا يوسف في ثامن عشري شهر رجب فسكن تيمور زعازعه، وطمن ذلك مراقبه ومنازعه، وتمهل في السير، واستعمل في نحوه مع مناظره مباحث سوى وغير، وصار يتحازر ويتحاول وينشد وهو يتغافل
أموه عن سعدى بعلوى وأنتم ... مرادي فلا سعدى أريد ولا علوى
فتراجع السلطان أحمد وقرا يوسف يوماً إلى مدينة السلام، متصورين
стр. 155
أنه لم يبرح من بلاد الكرج اللئام فلما تحققا من الخروج، وكانا حققا أنه إذا عرج على شيء فما يعوج، أطار أطايرهما نحو الروم، وتركا ديارهما ينعق فيها الغراب والبوم، فتوجه ذلك القشعمان إلى مصيف التركمان، فأغمد السيف، وكف عن الحيف، وقضى به الصيف
ذكر ما وقع من الفتن والبدع
وما سل للشرور من حسام بعد موت سلطان سيواس والشام
وكان إذ ذاك قد تخبط أمر الناس، وقع الاضطراب ببلاد مصر والشام إلى سيواس أما مصر والشام فلموت سلطانها، وأما سيواس فلقتل برهانها، وكان موتهما متقارب الزمان، كموت قرا يوسف والملك المؤيد أبي النصر شيخ وأبي الفتح غياث الدين محمد بن عثمان، فإن مدى ما بين موت هؤلاء الملوك العظام، كانوا نحواً من نصف عام، وكذا كان ما بين موت ذينك السلطانين
ذكر نبذة من أمور القاضي
وكيفية استيلائه على سيواس وتلك الأراضي
وسبب قتل القاضي برهان الدين، مخالفة وقعت بينه وبين عثمان قرايلوك رأس المعتدين، سيزداد بيانها، إذا أتى مكانها، وهذا
стр. 156
السلطان أبوه قاضياً كان، عند السلطان أرتنا حاكم قيصرية وبعض ممالك قرمان، وكان بين الأمراء والوزراء ذا مكانة ومكان، وكان ابنه برهان الدين أحمد المذكور في عنفوان شبابه، من طلبة العلم الشريف وأصحابه، والمجتهدين في تحصيله واكتسابه
فتوجه إلى مصر لاقتناء العلوم، وضبطها من طريقي المنطوق والمفهوم، وكان ذا فطنة وقادة، وقريحة نقادة، ومقلة غير رقادة، فحصل من العلوم عدة في أدنى مدة، فبينما هو في مصر يسير، وإذا هو بفقير جالس على الطريق كسير، فناوله شيئاً يسد به خلته، ويجبر به فقره وكسرته، فكاشفه ذلك الفقير بلفظ معلوم، وكشف له عن السر المكتوم، وقال له لا تقعد في هذه الديار فإنك سلطان الروم، فصدع بهذا الكلام قلبه، فأخذ في إعداد الأهبة، وقطع الأعلاق، ودخل الطريق صحبة الرفاق ولما وصل إلى سيواس، ابتهج به والده وأعيان الناس، وشيد له بين الخلق أسد بنيان وأشد أساس، وشرع في إلقاء الدروس، ومصاحبة الأعيان والرؤوس، وكان ذا همة أبية، وراحة سخية، ونفس زكية، وخصائل رضية، وشمائل مرضية،
стр. 157
وتحرير شاف، وتقرير واف، يحقق كلام العلماء، ويدقق النظر في مقالات الفضلاء وله مصنفات في المعقول، ولطائف في المنقول، ينظم الشعر الرقيق ويعطى عليه العطاء الجليل، ويعجبه اللفظ الدقيق ويثيب عليه الثواب الجزيل، وهو في ذلك يتزيا بزي الأجناد، ويسلك طريقة الأمراء من الركوب والاصطياد، ويلازم أبواب السلطان، ويتخذ الخدم والأعوان فمات السلطان عن ولد صغير، فأجلسوه على السرير، وكان عنده من أعيان الأمراء، ورؤوس الوزراء، ناس منهم غضنفر بن مظفر، وفريدون، وابن المؤيد، وحاجي كلدي، وحاجي إبراهيم، وغيرهم ومن أكبرهم أبو القاضي برهان الدين فصار هؤلاء الأمراء، والرؤوس من الوزراء والكبراء، يدبرون مصالح الرعية ولا يفصلون إلا بالاتفاق ما يقع من قضية، فمات أبو القاضي برهان الدين وتولى ولده مكانه، وفاق بالعلم وحسن السياسة أباه وأقرانه، ففرق ولايات ذلك الإقليم، على ابن المؤيد وحاجي كلدي وحاجي إبراهيم، فبقي حوالي السلطان محمد فريدون وغضنفر وبرهان الدين أحمد ثم توفى السلطان محمد، من غير ولد، فبقيت
стр. 158
الولاية بين الثلاثة، على سبيل الاشتراك وراثة، وقلما اتفق ضرتان على زوج واحد وأتلفتا " ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " ومائة فقير، يلتفون في حصير، وملكان لا يسعهما إقليم كبير فأراد برهان الدين الاستبداد بالملك والاستقلال، فنصب لشريكيه أشراك الاحتيال، إذ الملك عقيم، فرصد لذلك الطالع المستقيم، ونظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم، فرأى شريكاه أن العيادة عباده، فطلبا بعيادته الحسنى ورام هو الزيادة، فعاداه وقد عاداهما، وما راعياه ولكن راعهما وما راعاهما، فدخلا عليه وقد أرصد لهما رصداً، وأعد لهم من الرجال المعدة عددا، وقتلهما وقد حصلا في قبضة الأشراك، وخلص توحيد السلطنة الأحمدية عن الإشراك، فقوى بالتوحيد سلطانه، وأضاء به للدين حجته وبرهانه، ولكن ناوأه أنداده، وعصى عليه من النواب أكفاؤه وأضداده، وأظهر كامن العداوة أعداؤه وحساده، وقالوا هذه مرتبة لم ينلها آباؤه ولا أجداده، ونحن كلنا سواسية إذا انتمينا، فأنى يكون له الملك علينا؟ وحسد الرياسة هو الغل القمل، وتحاسد الأكفاء جرح لا يندمل، فمنهم شيخ نجيب
стр. 159
صاحب توقات القاسية، ومنهم حاجي كلدي وكان نائب أماسية فلما استقل بالملك تلقب بالسلطان، وكان قد استولى إذ ذاك السلطان علاء الدين على ممالك قرمان، فقال السلطان برهان الدين إن رواة التواريخ حدثتنا وأسمعتنا، وكتب السير أنبأتنا وأخبرتنا، أن ما حوالينا من الممالك متعلق بنا، من سلطاننا وإرثنا ثم شرع في استخلاص ما كان متعلقاً بسلطانه، وجعل يشن الغارات على من يتمادى في عصيانه، فقلع قلعة توقات من الشيخ نجيب قسرا، واستصحبه معه طيبة وقهرا، وانحازت تتار الروم إليه وهم الجم الغفير، وعثمان الملقب بقرايلوك قال له أنا تحت أوامرك أمشي وفي قيد طاعتك أسير، فكان قرايلوك من جملة خدمه، وفي حساب تراكمته وحشمه، فكان يرحل هو ومن معه من الناس، شتاء وصيفاً بضواحي سيواس
ذكر محو قرايلوك عثمان آثار أنوار
برهان الدين السلطان بسبب ما أضمره من العدوان وأظهره حالة العصيان وقبض عليه لما غدر به الدهر وخان
ثم إنه وقع بين قرايلوك وبين السلطان منافرة، أدت إلى المشاجرة،
стр. 160
وانتهت إلى المرامحة والمناقرة، فنقض العهود والذمم، وامتنع من حمل التقادم والخدم، وتمنع في الأماكن العاصية بمن معه من التراكمة والحشم، فلم يكترث به السلطان، لأنه كان أقل الأعوان، وجعل يتوجه إلى أماسية وأخرى إلى أرزنجان، وكان بالقرب من سيواس مصيف منظره طريف، وترابه نظيف، وماؤه خفيف، وهواؤه لطيف، كأن الخلد خلع على أكتاف رياضه سندسه الأخضر والفردوس فجر في خلال أشجاره من نهره الكوثر على حدائقه من روضات الجنات شبه، وفي ربوة جبهته للأبصار دهشات وللبصائر نزه قلت
عليه شقيق قد زها فكأنه ... صحون عقيق أترعت بالعنابر
فقصده قرايلوك، ورام في طريقته السلوك فمر على سيواس وبها القاضي أبو العباس فجاز بركابه، ولم يعبأ به، فالتهب تموز قيظه، وكاد يتميز من غيظه، وقال بلغ من هذا العوا أن يلج برج الأسد، أو يقدم إقدامه وأنا حل بهذا البلد، ثم أمر جماعته بالركوب، وقصد عليه الوثوب، واستفزه الغضب والطيش، أن ركب
стр. 161
وسبق الجيش، فقال له بعض من معه من الجماعة لو يلبث مولانا السلطان ساعة، حتى يتلاحق العسكر، كان أحزم وأوفق وأجدر، وإن كانت حرمة مولانا السلطان فيها كفاية ولها أيد، لكن قرايلوك تركماني ذو دهاء وكيد، فلم يلتفت السلطان إلى هذا الكلام، ولم يزل هاجماً وراءه حتى هجم الظلام، فكر عليه قرايلوك بجماعته، فقبض عليه باليد من ساعته، ولم يدر بحاله العسكر، وتفرق أمره وجنده شغر بغر
ذكر ما كان نواه قرايلوك من الرأي
المصيب ورجعه عنه لسوء طويته شيخ نجيب
ثم إن قرايلوك عزم أن يجدد معه العهد والميثاق، ويقلع غراس الخلاف ويؤسس بنيان الصداقة والوفاق، ويرده إلى مكانه، ويصير كما كان أولاً من أنصاره وأعوانه، ويعلم بذلك السلطان أنه له ناصح، فلا يسمع في كلام واش وكاشح، وإذا بشيخ نجيب الذي كان متولي قلعة توقات، وحاصره السلطان وضيق عليه مسالك الطرقات، ثم قهره وغلبه، وأخذ قلعته، وبالكراهية استصحبه،
стр. 162
وجد فرصة فانتهزها، وكان في قلبه كمائن سخيمة فأبرزها، فجاء إلى قرايلوك، ووقف في خدمته كالمملوك، وقال أعيذ عالم عقلك أن يزل، ودليل فهمك أن يضل، ومصيب رأيك أن يصاب، وجميل فكرك أن يعاب، قد أمكن الله من العدو، وأنى لك مع هذا سكون وهدو؟ قلت
ما الدهر إلا ساعة وتنقضي ... والمرء فيها حازم أو نادم
فلئن أبقيت عليه لا يبقى عليك، ولئن نظرت إليه بعين الرحمة والله لا ينظر إليك، فإنه رجل غبي، وبأنواع المكر وأصناف الخديعة عبي، عسر القياد وأبيك لا ينجع في الخير وأبي، وهبك والعياذ بالله منه مكانه منك، أكان يرق لك أو يصفح عنك؟ هيهات هذا والله محال، فقد وقع لك والله مجال، فما كل أوان، يسمح بالمراد الزمان، والدهر فرص، وأكثره غصص، فإياك أن تفوت الفرصة، فتقع في غصة وأي غصة، ولا ينفعك الندم إذا زلت بك القدم، وتفكر فيما أقول، واستنبط دليل هذه المسألة من المعقول، واستبق شرفك الرفيع بإراقة دمه، وصن أستار حرمك بابتذال حرمه، وتذكر يا أمير، أمور
стр. 163
قابوس بن وشمكير، ولا زال ذلك الشيطان، يحسن له الرأي في قتل السلطان ويقول هذا الرأي أنفع لك وعليك أعود كما فعل بسطام أمير الكرد بقرا يوسف لما قبض على السلطان أحمد، فرجع قرايلوك عن رأيه لما خدعه ودهاه، فقتل السلطان من غير إهمال ولا توقف ﵀ وكان قتل قرا يوسف السلطان أحمد ابن الشيخ أويس في عاشر شهر رجب سنة ثلاث عشرة وثمانمائة والقصة مشهورة وكان السلطان ﵀ كما ذكر أولاً، عالماً فاضلاً كريماً متفضلاً، محققاً في التقرير، مدققاً في التحرير، قريباً من الناس، مع كونه شديد البأس، رقيق الحاشية أديباً، شاعراً ظريفاً لبيباً أريباً، جواداً مقداماً، قرماً هماماً، نهاب الدنيا وهابها، يهب الألوف ولن يهابها يحب العلماء ويجالسهم، ويدني الفقراء ويكايسهم، قد جعل يوم الاثنين والخميس والجمعة للعلماء وحفاظ القرآن خاصة، لا يدخل عليه معهم غيرهم من تلك الأمم الغاصة وكان قد أقلع قبل وفاته عن جميع ما كان عليه، وتاب إلى الله تعالى ورجع إليه، وله مصنفات منها الترجيح على التلويح
وكان عنده نديم للفضل حريز، بغدادي الأصل
стр. 164
يدعى عبد العزيز، وكان أعجوبة الزمان، وفي لطائف الشعر والنظم فارسياً وعربياً أطروفة الدوران، سرقه من بغداد من السلطان أحمد بن الشيخ أويس، فكان عنده رأس ندمائه وعين أهل الفضل والكيس، والقاضي كان يربي الفضلاء، متطلباً من كل جهة الأدباء والشعراء، وكان أهل الفضل والأدب، يفدون عليه من كل فج وحتى صار مقامه كعبة الحاج لا كعبة الحج وصورة سرقته له أنه لما سمع بأوصافه أحبه، فأراد قربه، فالتمسه من مخدومه، فلم تسمح نفس السلطان أحمد بمفارقة نديمه، ثم اختشى من القاضي رغبة وخاف لشدة دهيه هربه، فوصى به وحرج عليه، وأقام له معقبات يحفظونه من خلفه ومن بين يديه، فأرسل القاضي إليه رسولاً ذكياً، فناداه نداء خفياً، وأجزل له العطية، ووعده مواعيد سنية وفرق ما بين السلطانين من الحسن والقبح، كفرق ما بين البحرين العذب والملح، والمبليين المساء والصبح، فلبى دعوته بالقبول، وواعد للخروج، بعض القفول، ثم خرج ولهيب الحر قد وقد، والسلطان أحمد عن الحريم قد رقد، ووضع ثيابه على ساحل دجلة، ووجه إلى داخل النهر في الطين رجله، ثم غاص في الماء ومخر، وخرج من مكان آخر، ولحق برفقائه، واختفى بينهم اختفاء اليربوع في نافقائه، فطلبه السلطان أحمد، ففتشوا عليه فلم يوجد، فبالغوا في طلابه، إلى أن وقفوا على ثيابه، ورأوا آثار رجليه في الطين، فلم يشكوا أن الموج اختطفه، فكان من المغرقين، فكفوا قدم السعي عن طلبه ولم يضيقوا على أحد بسببه ثم بعد أيام يسيرة، أخرج غريق بغداد رأسه بسيواس عند القاضي برهان الدين من تحت الحصيرة، فغرقه في أبحر نواله، وأسبغ عليه ذيل كرمه وأفضاله، فصار عنده مقدماً، ولديه مبجلاً معظماً، ألف له تاريخاً بديعاً، سلك فيه مهيعاً رفيعاً، وانتهج منهجاً منيعاً، ذكر فيه من بدء أمره إلى قرب وفاته، مع مواقفه ووقائعه ومصافاته، وشحه بظريف كناياته، ولطيف استعاراته، وفصيح لغاته، وبليغ كلماته، ورشيق إشاراته، ودقيق عباراته، مد فيه عنان اللسان، وهو موجود في ممالك قرمان، في أربع مجلدات ذكر ذلك لي من غاص بحره، واستخرج دره ووقف على تاريخ العتبى في اليمين، السلطان محمود بن سبكتكين، وأن هذا أحسن من ذلك أسلوباً، وأغزر يعبوبا، وأعذب شؤبوياً مع أني لم أقف عليهما، ولا وصلت لقصر الباع إليهما ثم إن الشيخ عبد العزيز هذا بعد لهيب هذه النائرة، انتقل إلى القاهرة، ولم يبرح على الإبراح، ومعاقرة راح الأتراح، حتى خامرته نشأة الوجد فصاح، وتردى من سطح عال فطاح، ومات منكسراً ميتة صاحب الصحاح، والله أعلم
ذكر ما وقع من الفساد في الدنيا والدين
بعد قتل قرايلوك السلطان برهان الدين
ولما قتل السلطان برهان الدين لم يكن في أولاده من يصلح للرئاسة، وينفذ أحكام السلطنة والسياسة، فرجع قرايلوك إلى سيواس، ودعا إلى نفسه الناس، فلم يجيبوه، ولعنوه وسبوه، فأخذ يحاصرهم ويناكدهم، ويضيق عليهم ويعاندهم، فاستمدوا عليه التتار فأمدوهم، وأتت طائفة منهم فنجدوهم، فكسرهم قرايلوك ففروا، واستنجدوا طوائفهم وكروا، وأقبلوا بالقض والقضيض، وملأوا اليفاع
стр. 165
والحضيض فلم يكن لقرايلوك في جبة قتالهم طوق، فدخل عليهم من تحت وجاءهم من فوق وتوجه إلى تيمور، وكان بحر جيشه في أذربيجان يمور، فقبل يديه، وانتمى إليه، وجعل يناديه إلى هذه البلاد ويدعو، كما فعل معه الأمير إيدكو، فحك له في الدبرة فأجابه إجابة برصيصا أبا مرة
ذكر مشاورة الناس من أهل سيواس
أنى يسلكون ومن يملكون
ثم إن أهل سيواس، والأعيان من رؤسائها والأكياس، تشاوروا فيمن يملكون قيادهم، وإلى من يسلمون بلادهم، لسلطان مصر أم لابن قرمان، أم السلطان الغازي بايزيد بن عثمان، ثم اتفق رأيهم السديد، على المرحوم يلدريم بايزيد، فأرسلوا إليه قاصداً، واستهضوه إليه وافدا، وأنشدوه، وقد استنجدوه
وكم أبصرت من حسن ولكن ... عليك من الورى وقع اختياري
فتوجه من ساعته إليهم، وقدم بالعساكر والجنود عليهم، ومهد القواعد والأركان، وولى عليهم أكبر أولاده أمير سلمان، وأضاف إليه
стр. 166
خمسة أنفار، من أمرائه الكبار يعقوب بن أورانيس، وحمزة بن بجار، وقوج علي، ومصطفى، وداودار، واستمال خواطر الأعيان، وتوجه إلى أرزنجان فهرب منها طهرتن المذكور وقصد في انهزامه تيمور فاستولى ابن عثمان على مدينة أرزنجان وأخذ أموال طهرتن وذخائره وحرمه، ومكن منهن سواسه وغلمانه وخدمه، ورجع بالأموال وبالحمول واشتغل بمحاصرة استنبول " فصل " فنبه قرايلوك وطهرتن، من تيمور نائم الفتن، وإن كان المتحرك منه في الفساد ما سكن، حتى توجه إلى هذه البلاد، وعم فساده البلاد والعباد، فوصلوا إلى أرزنجان وأردين، ثم ارتحلوا ونزلوا مفسدين ماردين، فعصى عليه الملك الظاهر، لما قاساه أولا من طاعة ذلك الغادر، فندم على إطلاقه أول مرة، كما سيندم يوم القيامة ولم تنفعه الندامة والحسرة، وكان ذلك في سنة اثنتين وثمانمائة، والخلف قد وقع بين العساكر الشامية والمصرية وانحاز إلى كل فئة، وتفرقت آرائهم أيادي سبا، ومال هواء كل منهم إلى دبور وشمال
стр. 167
وصبا، وأهملوا أمور الرعايا، وغفلوا عن حلول الرزايا قلت
من يهمل الأعدا ويأمن كيدهم ... مثل النئوم وراءه مستيقظ
وقلت
واللص ليس له دليل سائر ... نحو الذي يبغي كنوم الحارس
ثم قتل تنم ملك الأمراء بالشام المحروس، ورؤوس الأمراء وأعيان الأعلام، في شهر رمضان من العام المذكور، وبيان هذه الأمور، في كتب التاريخ مسطور قلت
وإذا العرين تصرعت آساده ... عوت الثعالب فيه آمنة الردى
ذكر قصد ذلك الغدار سيواس
وما يليها من هذه الديار
ثم إن تيمور وجه عنان البأس، نحو مدينة سيواس، وبها كما ذكر أمير سليمان بن بايزيد بن مراد بن أورخان بن عثمان، فأرسل يخبر أباه بهذا الأمر المهول، ويستنجده وهو إذ ذاك محاصراً استنبول، فلم يطق أن يمد إليه يداً لاحتياجه إلى المدد ولبعد المدى فاستحضر من جنده
стр. 168
أهل المنعة، وحصن المدينة والقلعة، واستعد للقتال واستمد للحصار، وفرق رؤوس أمرائه على أبدان الأسوار وجهز تيمور من جيشه العيون، ليتحقق ما هو عنده مظنون، ولما كشفت جيوشه لأمير سلمان رينها، فر لما أن رأى عينها، فعزم على التوجه إلى أبيه، واشترط مع أمرائه وذويه، أنهم يحفظون له البلد، ريثما يجهز لهم العدد والعدد، فلم يسعهم إلا الموافقة، والتخلف وعدم المرافقة، فرام لنفسه الخلاص، وأفلت وله حصاص فوصل إليها تيمور بتلك السيول الهامية، سابع عشر ذي الحجة سنة اثنتين وثمانمائة ولما حلت بسيواس رجله الشومى، قال أنا فاتح هذه المدينة في ثمانية عشر يوماً، ثم أقام في محاصرتها علامات الحشر وفتحها في اليوم الثامن عشر، بعد ما عتا فيها وعاث، وذلك يوم الخميس خامس المحرم سنة ثلاث، وبعد أن حلف للمقاتلة أن لا يريق دمهم، وأنه يرعى ذممهم، ويحفظ حرمهم وحرمهم، ولما فرغت المقاتلة، واستمكن من المقاتلة، ربطهم في الرباق سربا، وحفر لهم في الأرض سربا، وألقاهم أحياء في تلك الأخاديد، كما ألقي في قليب بدر الصناديد، وعدد
стр. 169
من ألقى في تلك الحفر، كان ثلاثة آلاف نفر، ثم أطلق عنان النهاب، وأتبع النهب الأسر والخراب وكانت هذه المدينة من أطراف الأمصار، في أحسن الأقطار، ذات عمائر مكينة، وأماكن حصينة، ومآثر مشهودة، ومشاهد للخير معهودة، ماؤها رائق، وهواؤها للأمزجة موافق، وسكانها من أحشم الخلائق، يتعانون التوقير والاحتشام، ويتعاطون أسباب التكلف والاحترام، وهي متاخمة ثلاث تخوم الشام وأذربيجان والروم وأما الآن فقد حلت بها الغير، وتفرق أهلها شذر مذر، وانمحت مراسم نقوشها، فهي خاوية على عروشها
ذكر انسجام صواعق ذلك البلاء الطام
من غمام الغرام على فرق ممالك الشام
ولما استنقى سيواس لحماً ونقياً، واستوفاها حصداً ورعياً، فوق سهام الانتقام، إلى نحر ممالك الشام، بجنود إن قيل كالجراد المنتشر، فالجراد من أعوانها، أو كالسيل المنهمر فسيل الدماء جار من فرندها وخرصانها، أو كالفراش المبثوث فالفراش يحترق عند تطاير سهامها، أو كالقطر الهامي فالديم تضمحل عند انعقاد قتامها
стр. 170
رجال توران، وأبطال إيران، ونمور تركستان، وببور بلخشان، وصقور الدشت والخطا، ونسور المغول وكواسر الجتا، وأفاعي خجند وثعابين أندكان، وهوام خوارزم وجوارح جرجان، وعقبان صغانيان، وضواري حصار شادمان، وفوارس فارس وأسود خراسان، وضباع الجيل وليوث مازندران، وسباع الجبال وتماسيح رستمدار وطالقان، وأصل قبائل خوز وديدان كرمان، وطلس أرباب طيالسة أصبهان، وذئاب الري وغزنى وهمذان، وأفيال الهند والسند ومولتان، وكباش ولايات اللور، وثيران شواهق الغور، وعقارب شهرزور، وجرارات عسكر مكرم وجنديسابور
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا
مع ما أضيف إليهم من عشائر الخدم، وفراعل التراكمة والأوباش والحشم، وكلاب النهاب من رعاع العرب وهمج العجم، وحفالة عباد الأوثان وأنجاس مجوس الأمم، مالا يكتنفه ديوان، ولا يحيط به دفتر حسبان وبالجملة فإنه الدجال ومعه يأجوج ومأجوج،
стр. 171
والرياح العقيمة الهوج فتوجه والنصر قائده، والسعد رائده، والقضاء موافقه، والقدر مساعده، ومشيئة الله تعالى سابقته، وإرادة الله في تدبير العباد والبلاد سابقته فبلغ خبره البلاد الشامية، واتصل ذلك بالديار المصرية، فورد مرسوم شريف إلى نائب الشام، وسائر النواب والحكام، وغزاة الدين وكماة الإسلام، أن يتوجهوا إلى حلب، ويقيموا عليه الجلب، ويجتهدوا في دفعه، ويتعاونوا على منعه فتجهز نائب الشام سيد سودون مع النواب والعسكر، ورحلوا إلى حلب سنة ثلاث وثمانمائة في شهر صفر، ووصل تيمور إلى بهسنا، فنهب ضواحيها ولم يبق بها سنا، وحاصر قلعتها ثلاثة وعشرين ليلة، فأخذها ولكن كف عنها للطيفة ربانية ثبوره وويله، ثم أوطأ مطيه مدينة ملطية، فأبادها، ودك أطوادها، ثم حل كعبه المشوم، بقلعة الروم وكان نائبها الناصري، محمد بن موسى بن شهري، وسيذكر ما جرى له معه مشبعا، وكيف اجتهد في مجاهدته وسعى، فأقام بها يوما فلم تنتج له روما، فلم يحتفل لها بحصار وهياج، وقال هي أهون على من تبالة على الحجاج، وذلك أنه لما رآها من بعيد، قال فيها ما قاله
стр. 172
من لم يصل إلى العنقود، والحق أنه لما رآها، قال إن الله لما بناها، ادخرها لنفسه واصطفاها، ثم انجاب ذلك السحاب، إلى عين تاب، وكان نائبها أركماس، رجلاً شديد الباس، فحصنها واستعد وباشر القتال بنفسه واستبد، ثم خرج فهرب إلى حلب، فلم يرسل وراءه الطلب
ذكر ما أرسل من كتاب وشنيع خطاب
إلى النواب بحلب وهو في عين تاب
ثم أرسل إلى النواب، قاصده وهو في عين تاب، وصحبته مرسوم، بأنواع التفخم موسوم، وبأصناف التهويل مرقوم، ومن جملته أن يطيعوا أوامره، ويكفوا عن القتال والمشاجرة، ويخطبوا باسم محمود خان، وباسم الأمير الكبير تيمور كوركان، ويرسلوا إليه أطلاميش الذي كان عنده فخان، أو اقتنصه وأرسله إلى مصر التركمان وأطلاميش هذا زوج بنت أخت تيمور، وكان جاء إلى الشام قبل وقوع هذه الشرور، وفيما بين ذلك أمور، كان لها بطون فصار لها ظهور، وكان أولاً في مصر محبوساً، ونال ضراً وبوساً،
стр. 173
ثم معززاً مكرماً معظماً مقدماً فكان تيمور عليه متطلباً وجعل ذلك حجة للمعاداة وسبباً، ثم شرع يقول، وهو يجول في ميدان هذه الرسالة ويصول إنه هو أولى بسياسة الأنام، وأن من نصبه هو الخليفة والإمام، وأنه ينبغي أن يكون هو المتبوع والمطاع، وما سواه من ملوك الأرض له خدم وأتباع، وأنى لغيره دربة الرياسة؟ وكيف تعرف الجراكسة طرق السياسة؟ مع كثير من التهويل، والحشو والتطويل، وكان يعلم أن إجابتهم سؤاله محال، وأنه طلب منهم ما لا ينال، ولكن قصد بذلك قرع باب الجدال وتركيب الحجة عليهم في فتح حجرات القتال، فلم يجيبوه بالمقال، ولكنهم قضوا مراده بالفعال، ولم يلتفت سيدي سودون لما يقول، وضرب على رؤوس الأشهاد عنق الرسول، واستعدوا للمبارزة، واستمدوا للمناجزة
ذكر ما تمالأ عليه النواب
وهم في حلب وتيمور في عين تاب
ثم إن النواب والأمراء، ورؤوس الأجناد والكبراء، تشاوروا كيف يكافحونه، وفي أي ميدان يناطحونه، فقال بعضهم عندي الرأي الأسد، أن نحصن البلد، ونكون على أسوارها بالرصد، نحرس بروج
стр. 174
أفلاكها، حراسة السماء بأملاكها، فإن رأينا حواليها من شياطين العدو أحداً، أرسلنا عليهم من رجوم السهام ونجوم المكاحل شهاباً رصداً
وقال آخر هذا عين الحصر، وعلامة العجز والكسر، بل نحلق حواليها، ونمنع العدو أن يصل إليها، ويكون ذلك أفسح للمجال، وأشرح للجدال ثم ذكر كل من أولئك، ما عن له في ذلك، وخلطوا غث القول بسمينه، وساقوا هيجان الرأي مع هجينه فقال الملك المؤيد، شيخ الخاصكي وكان ذا رأي مسدد، وهو إذ ذاك نائب طرابلس يا معشر الأصحاب، وأسود الحراب، وفوارس الضراب، اعلموا أن أمركم خطر، وعدوكم داعر عسر، داهية دهياء، ومعضلة عضلاء، جنده ثقيل، وفكره وبيل، ومصابه عريض طويل، فخذوا حذركم، وأعملوا في دفعه بحسن الحيلة فكركم، فإن صائب الأفكار، يفعل ما لا يفعله الصارم البتار، ومشاورة الأذكياء، مقدحة الفكر، ومباحثة العلماء، مقدمة النظر إن هذا لبحر ما يحمله بر، وجيشه عدداً كالقطر والذر، وهو وإن كان كالوابل الصبيب، لكنه أعمى لأنه في بلادنا غريب، فعندي الرأي الصائب، أن نحصن
стр. 175
المدينة من كل جانب، ونكون خارجها مجتمعين في جانب واحد، وكلنا له مراقب مراصد ثم نحفر حولنا خنادق، ونجعل أسوارها البيارق والبوارق، ونطير إلى الآفاق أجنحة البطائق، إلى الأعراب والأكراد، والتراكمة وعشران البلاد فيتسلطون عليه من الجوانب، ويثب عليه كل راجل وراكب، ويصير ما بين قاتل وناهب، وخاطف وسالب، فإن أقام وأنى له ذلك ففي شر مقام، وإن تقدم إلينا صافحناه بسواعد الأسنة وأكف الدرق وأنامل السهام وإن رجع وهو المرام، رجع بخيبه، وأقيمت لنا عند سلطاننا الحزمة والهيبة، وإن كان لسلطانه علينا عرج، فلنا بحمد الله سلطان وفي سلطاننا فرج، وأقل الأشياء أن نماده ونتحرز من جنده " فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده " وهذا الرأي الأسد، بعينه كان رأي شاه منصور الأسد فقال تمرداش وهو نائب المدينة ما هذه الآراء مكينة، ولا هذه الأفكار رصينة، بل المناضلة خير من المطاولة، والمناجزة في هذه المواطن قبل المحاجزة، ومقام المنازلة لا تجدي فيه المغازلة، ولكل مقام مقال، ولكل مجال جدال، وهذا طير
стр. 176
في قفص، وصيد مقتنص، فاغتنموا فيه الفرص، وناوشوه بالحرب، وسابقوه بالطعن والضرب، لئلا يتوهم منا الخور، ويستنشق من ركود ريحنا عرف الظفر، فأجمعوا أمركم وأعجلوا، ولا تنازعوا فتفشلوا، وانهضوا وثابروا، واصبروا وصابروا، فأنتم بحمد الله أهل النجدة، وأولوا البأس والشدة، وكل منكم في فقه المناضلة مغن ومختار، وعلمه في إفاضة دماء الأعداء منار، وله في ذلك كفاية وهداية، ونهاية غيره له بداية، وهو لمجمع الإسلام كنز واف وجامع كاف ووقاية تنحو ألسنة سيوفكم إلى تكليم الرؤوس فهي في لفظها كافية شافية، وتصرف أسنتكم أسنانها في مضاعفة كل ذي فعل معتل فهي في تصريف عللها شافية كافية فإن كسرناه فزنا بالمنال " وكفى الله المؤمنين القتال "، وتلك من الله معونة، وقد كفينا عساكر المصريين المؤنة، وكان ذلك أعلى لحرمتنا، وأقوى في ورود النصر لشوكتنا، وأذكى لريح نصرنا وأزكى، وأبكى لعينه السخينة وأنكى وإن كانت والعياذ بالله الأخرى، فلا علينا إذ بذلنا مجهودا وأقمنا عذرا، ومخدومنا يدرك ثارنا، ويحيي آثارنا فتوكلوا على الله العزيز الجبار،
стр. 177
واستعدوا لملاقاة هؤلاء الأشرار، وإذا لقيتموهم زحفاً فلا تولوهم الأدبار ولا زال تمرداش، يحسن لهم هذا الرأي اللاش، حتى أجمعوا عليه، واتفقوا على الخروج إليه، لأنه كان صاحب البلد، وعلى كلامه المعول والمعتمد وكان تمرداش قد خالف الجمهور، ووافق في الباطن تيمور، وهذه كانت عادته، وعلى المراوغة جبلت طينته، فإنه كان كالشاة العابرة، والمرأة الحائرة الغائرة، إذا التقى عسكران فلا يكاد يثبت في أحدهما جبناً منه ومكرا بل يعبر إلى هذا مرة وإلى هذا أخرى، مع أنه كان صورة بلا معنى، ولفظاً بلا فحوى فاعتمد تيمور عليه، وفوض الأمور إليه، وكذلك عساكر الشام، وجنود الإسلام، ثم حصنوا المدينة وأوصدوا أبوابها، وضيقوا شوارعها ورحابها، ووكلوا بكل حارة ومحلة أصحابها، وفتحوا الأبواب التي تقابل ملتقاه، وهي باب النصر وباب الفرج وباب القناة
ذكر ما صبه من صواعق البيض
واليلب على العساكر الشامية عند وصوله إلى حلب
ثم إن تيمور ثقل الركاب، فوصل في سبعة أيام إلى حلب من غير تاب،
стр. 178
فحل بذلك الخميس، تاسع شهر ربيع الأول يوم الخميس، وبرز من ذلك العسكر، طائفة نحواً من ألفي نفر، فتقدم لهم من الأسود الشامية، نحو من ثلاثمائة، ففلوهم بالصفاح، وشلوهم بالرماح، فبددوهم، وطردوهم، وخددوهم وشردوهم، ثم أصحبوا يوم الجمعة، فبرز من عسكره نحو من خمسة آلاف، إلى مصاف النقاف، فتقدم لهم طائفة أخرى، أرسالا وتترى، فالتحم منهم النطاح، واشتبكت بين الطائفتين أنامل الرماح، فزدحموا واقتحموا، واستدوا والتحموا، ولا زالت أقلام الخط في ألواح الصدور تخط، والعضب الصمصام لرؤوس تلك الأقلام بالأعلام تقط، ومشاريط النبال لدماميل الدمال تبط، والأرض من أثقال جبال القتال تئط، حتى سجى ليلا الظلام والقتام وأغطشا، فتراجعوا وقد أعطى الله النصر لمن يشا، وأجرى من دماء العدو مع قويق نهران، وفقد من العساكر الإسلامية نفران ثم أصبحوا يوم السبت حادي عشر، وقد تعبت الجنود الشامية، والعساكر السلطانية، بالعدة البالغة، والأهبة السابغة، والخيول المسومة، والرماح المقومة، والأعلام المعلمة، ولم يعز أولئك الصناديد،
стр. 179
سوى شمة من النصر والتأييد، فنحوا قصده، وقصدوا رده وصده، وأقبلت عساكره، والسعد الميمون طائره، والقضاء مؤازره، والقدر مظاهره، بالجنود المذكورة، والجيوش المعهودة المنصورة، تؤمهم الأفيال، وأقيال القتال وإذا به قد أضمر لهم الويل، وعبى عساكره تحت جنح الليل، وبثهم فيهم وأرسل عليهم عزاليهم وقابلهم بمقدمتهم، وشغلهم بأوائلهم، وأحاط الباقون بهم فأتوهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، فمشى عليهم مشي الموسى على الشعر، وسعى سعي الدبى على الزرع الأخضر، وكان هذا الجولان، على قرية حيلان، ولما اهتمش أمر الناس وهاش، وجاشت الهوشة والامتحاش، وتهارشت الأسود وانتطحت الكباش، فرت الميمنة وكان رأسها تمرداش، فانكسر العسكر وطاش، وأخذ الأبطال من الدهشة الارتعاش، وغلبتهم الحيرة والانبهار، فلم يلبثوا ولا ساعة من نهار، ثم ولوا الدبر، وصارت لأقلام رماحه ظهورهم الزبر، واستمروا أمامهم يتواثبون، وعسكره وراءهم يتخاطبون بمعنى ما قلت
стр. 180
جعلنا ظهور القوم في الحرب أوجها ... رقمنا بها ثغرا وعينا وحاجبا
فقصدوا المدينة من الباب المفتوح، وهم بين مهشوم ومجروح، والسيوف تشقهم، والرماح تدقهم، وقد سالت بدمائهم الأباطح، وتمر من أسارير لحمهم كل كاسر وجارح، فوصلوا إلى باب المدينة وانكرسوا، وهجموا فيه يداً واحدة وتكردسوا، ولا زال يدوس بعضهم بعضا، حتى صارت العتبة العليا من الباب أرضا، فانسدت الأبواب بالقتلى، ولم يمكن الدخول منها أصلا، فتشتتوا في البلاد، وتفرقوا في المهامه والأطواد، وكسر باب أنطاكية المماليك الأغتام، وخرجوا منه قاصدين بلاد الشام فوصل فلهم إلى دمشق في أبشع صورة، وحكوا في كيفية هذه الوقعة أشنع سيرة، وصعد النواب إلى قلعة حلب وتحصنوا، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت فاستأمنوا، ونزلوا بواسطة تمرداش إليه، وقد غسل كل منهم من الحياة يديه، ثم إنه مشى على هينته مع وقاره ورزانته وسكينته، ودخل حلب، ونال منها ما طلب، وفاز بالروح والسلب ولما نزل النواب إليه، قبض على سيدي سودون وشيخ الخاصكي وأما تمرداش فخلع عليه، وقبض
следующие страницы →