← История

История · id 12417

عجائب المقدور في أخبار تيمور

ابن عربشاه

Полный текст (492 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

في قفص، وصيد مقتنص، فاغتنموا فيه الفرص، وناوشوه بالحرب، وسابقوه بالطعن والضرب، لئلا يتوهم منا الخور، ويستنشق من ركود ريحنا عرف الظفر، فأجمعوا أمركم وأعجلوا، ولا تنازعوا فتفشلوا، وانهضوا وثابروا، واصبروا وصابروا، فأنتم بحمد الله أهل النجدة، وأولوا البأس والشدة، وكل منكم في فقه المناضلة مغن ومختار، وعلمه في إفاضة دماء الأعداء منار، وله في ذلك كفاية وهداية، ونهاية غيره له بداية، وهو لمجمع الإسلام كنز واف وجامع كاف ووقاية تنحو ألسنة سيوفكم إلى تكليم الرؤوس فهي في لفظها كافية شافية، وتصرف أسنتكم أسنانها في مضاعفة كل ذي فعل معتل فهي في تصريف عللها شافية كافية فإن كسرناه فزنا بالمنال " وكفى الله المؤمنين القتال "، وتلك من الله معونة، وقد كفينا عساكر المصريين المؤنة، وكان ذلك أعلى لحرمتنا، وأقوى في ورود النصر لشوكتنا، وأذكى لريح نصرنا وأزكى، وأبكى لعينه السخينة وأنكى وإن كانت والعياذ بالله الأخرى، فلا علينا إذ بذلنا مجهودا وأقمنا عذرا، ومخدومنا يدرك ثارنا، ويحيي آثارنا فتوكلوا على الله العزيز الجبار،

стр. 177

واستعدوا لملاقاة هؤلاء الأشرار، وإذا لقيتموهم زحفاً فلا تولوهم الأدبار ولا زال تمرداش، يحسن لهم هذا الرأي اللاش، حتى أجمعوا عليه، واتفقوا على الخروج إليه، لأنه كان صاحب البلد، وعلى كلامه المعول والمعتمد وكان تمرداش قد خالف الجمهور، ووافق في الباطن تيمور، وهذه كانت عادته، وعلى المراوغة جبلت طينته، فإنه كان كالشاة العابرة، والمرأة الحائرة الغائرة، إذا التقى عسكران فلا يكاد يثبت في أحدهما جبناً منه ومكرا بل يعبر إلى هذا مرة وإلى هذا أخرى، مع أنه كان صورة بلا معنى، ولفظاً بلا فحوى فاعتمد تيمور عليه، وفوض الأمور إليه، وكذلك عساكر الشام، وجنود الإسلام، ثم حصنوا المدينة وأوصدوا أبوابها، وضيقوا شوارعها ورحابها، ووكلوا بكل حارة ومحلة أصحابها، وفتحوا الأبواب التي تقابل ملتقاه، وهي باب النصر وباب الفرج وباب القناة ذكر ما صبه من صواعق البيض واليلب على العساكر الشامية عند وصوله إلى حلب ثم إن تيمور ثقل الركاب، فوصل في سبعة أيام إلى حلب من غير تاب،

стр. 178

فحل بذلك الخميس، تاسع شهر ربيع الأول يوم الخميس، وبرز من ذلك العسكر، طائفة نحواً من ألفي نفر، فتقدم لهم من الأسود الشامية، نحو من ثلاثمائة، ففلوهم بالصفاح، وشلوهم بالرماح، فبددوهم، وطردوهم، وخددوهم وشردوهم، ثم أصحبوا يوم الجمعة، فبرز من عسكره نحو من خمسة آلاف، إلى مصاف النقاف، فتقدم لهم طائفة أخرى، أرسالا وتترى، فالتحم منهم النطاح، واشتبكت بين الطائفتين أنامل الرماح، فزدحموا واقتحموا، واستدوا والتحموا، ولا زالت أقلام الخط في ألواح الصدور تخط، والعضب الصمصام لرؤوس تلك الأقلام بالأعلام تقط، ومشاريط النبال لدماميل الدمال تبط، والأرض من أثقال جبال القتال تئط، حتى سجى ليلا الظلام والقتام وأغطشا، فتراجعوا وقد أعطى الله النصر لمن يشا، وأجرى من دماء العدو مع قويق نهران، وفقد من العساكر الإسلامية نفران ثم أصبحوا يوم السبت حادي عشر، وقد تعبت الجنود الشامية، والعساكر السلطانية، بالعدة البالغة، والأهبة السابغة، والخيول المسومة، والرماح المقومة، والأعلام المعلمة، ولم يعز أولئك الصناديد،

стр. 179

سوى شمة من النصر والتأييد، فنحوا قصده، وقصدوا رده وصده، وأقبلت عساكره، والسعد الميمون طائره، والقضاء مؤازره، والقدر مظاهره، بالجنود المذكورة، والجيوش المعهودة المنصورة، تؤمهم الأفيال، وأقيال القتال وإذا به قد أضمر لهم الويل، وعبى عساكره تحت جنح الليل، وبثهم فيهم وأرسل عليهم عزاليهم وقابلهم بمقدمتهم، وشغلهم بأوائلهم، وأحاط الباقون بهم فأتوهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، فمشى عليهم مشي الموسى على الشعر، وسعى سعي الدبى على الزرع الأخضر، وكان هذا الجولان، على قرية حيلان، ولما اهتمش أمر الناس وهاش، وجاشت الهوشة والامتحاش، وتهارشت الأسود وانتطحت الكباش، فرت الميمنة وكان رأسها تمرداش، فانكسر العسكر وطاش، وأخذ الأبطال من الدهشة الارتعاش، وغلبتهم الحيرة والانبهار، فلم يلبثوا ولا ساعة من نهار، ثم ولوا الدبر، وصارت لأقلام رماحه ظهورهم الزبر، واستمروا أمامهم يتواثبون، وعسكره وراءهم يتخاطبون بمعنى ما قلت

стр. 180

جعلنا ظهور القوم في الحرب أوجها ... رقمنا بها ثغرا وعينا وحاجبا فقصدوا المدينة من الباب المفتوح، وهم بين مهشوم ومجروح، والسيوف تشقهم، والرماح تدقهم، وقد سالت بدمائهم الأباطح، وتمر من أسارير لحمهم كل كاسر وجارح، فوصلوا إلى باب المدينة وانكرسوا، وهجموا فيه يداً واحدة وتكردسوا، ولا زال يدوس بعضهم بعضا، حتى صارت العتبة العليا من الباب أرضا، فانسدت الأبواب بالقتلى، ولم يمكن الدخول منها أصلا، فتشتتوا في البلاد، وتفرقوا في المهامه والأطواد، وكسر باب أنطاكية المماليك الأغتام، وخرجوا منه قاصدين بلاد الشام فوصل فلهم إلى دمشق في أبشع صورة، وحكوا في كيفية هذه الوقعة أشنع سيرة، وصعد النواب إلى قلعة حلب وتحصنوا، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت فاستأمنوا، ونزلوا بواسطة تمرداش إليه، وقد غسل كل منهم من الحياة يديه، ثم إنه مشى على هينته مع وقاره ورزانته وسكينته، ودخل حلب، ونال منها ما طلب، وفاز بالروح والسلب ولما نزل النواب إليه، قبض على سيدي سودون وشيخ الخاصكي وأما تمرداش فخلع عليه، وقبض

стр. 181

على ألطنبغا العثماني نائب صفد، وعلى عمر بن الطحان نائب غزة جعل الكل في صفد، وشرع في استخلاص الأموال، وضبط الأثقال والأنفال وقد ملأت القلوب هواجس هيبته، وانتشر في الآفاق شرار صولته ثم إنه لم يكتف بما أزهقه من النفوس، حتى بنى الميادين من الرؤوس، وسبب ذلك أن ذا قرابة البريدي الذي أرسله إلى حلب، وضرب نائب الشام عنقه وسلبه السلب، ذكر تيمور بقصته، وأراد القود من أهل حلب لذي قرابته، فأجاب سؤاله فمكنه، فيمن يختار منهم أن يفعل فيه ما استحسنه، فقتل طائفة منهم وبنى من رؤوسهم كذا وكذا مئذنة زيادة إيضاح لهذه المحنة مما نقلته من تاريخ ابن الشحنة قال أخبرني الحافظ الخوارزمي أن من كتب في الديوان من عساكر تيمور ثمانمائة ألف نفس، ومنه أن تيمور قصد قلعة المسلمين، وكان نائبها الناصري محمد ابن موسى بن شهري وأنه عصى عليه وكان يخرج للغارات، ثم قال ما نصه بحروفه وكان قد بدع بجمائع تمرلنك وطراشته مدة إقامته على بهسنا، وقتل منهم جماعة وأرسل رؤوسهم إلى حلب،

стр. 182

وكسر تومانا كان جهزه إليه أقبح كسره، حتى رمى غالب جماعته بأنفسهم في الفرات، وجهز تمرلنك كتابه إلى المشار إليه ونصه يقول فيه إني خرجت من أقصى بلاد سمرقند، ولم يقف أحد أمامي، وسائر ملوك البلاد حضروا إلي، وأنت سلطت على جمائعي من يشوش عليهم ويقتل من ظفر به منهم، والآن فقد مشينا عليك بعساكرنا، فإن أشفقت على نفسك ورعيتك، فاحضر إلينا لترى من الرحمة والشفقة ما لا مزيد عليه، وإلا نزلنا عليك وخربنا بلدك، وقد قال الله تعالى " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون " فاستعد لما يحيط بك إن أبيت الحضور فأمسك المشار إليه الرسول وحبسه ولم يلتفت إلى كلام تمرلنك، فمشى إليه أوائل عسكره فبرز إليهم المشار إليه وقاتلهم وكسرهم وفي اليوم الثاني حضر تمرلنك على قلعة المسلمين فبرز إليه المشار إليه وقاتله قتالاً شديداً وكانت وقعة عظيمة، رأى فيها منه تمرلنك شدة حزم ورجع عن محاربته، وأخذ في مخادعته، وملاطفته، وطلب منه الصلح، وأن يرسل إليه خيلا ومالا لأجل حرمته، فلم ينخدع معه وتنازل معه إلى أن طلب منه جانبا فلم يعطه، وعاد خائباً، وأخذ

стр. 183

المشار إليه في أواخره قتلاً ونهباً وأسراً، كل ذلك وباب قلعته مفتوح لم يغلقه يوماً واحداً وأنشد فيه لسان الحال هذا الأمير الذي صحت مناقبه ... ليث الوغى عمت الدنيا مفاخره ولى تمرلنك مكسوراً أوائله ... منه مرارا ومذعوراً أواخره وكان حصول تلك السعادة للمشار إليه، دون غيره من الملوك وأصحاب الحصون لما كان فيه من العلم والديانة، والإخلاص والصيانة، ولكونه من السلالة الطاهرة العمرية ﵂ ولما كان يوم الخميس تاسع ربيع الأول نازل تمرلنك حلب، وكان نائبها المقر السيفي تمرداش، وقد حضرت إليه عساكر المملكة الشامية وعسكر دمشق مع نائبها سيدي سودون، وعسكر طرابلس مع نائبها المقر السيفي شيخ الخاصكي، وعسكر حماه مع نائبها المقر السيفي دقماق، وعسكر صفد وغيرها، فاختلفت آراؤهم، فمن قائل ادخلوا المدينة وقاتلوا من الأسوار، وقائل اخرجوا ظاهر البلد تلقاء العدو بالخيام فلما رأى المقر السيفي تمرداش اختلافهم، أذن لأهل حلب في إخلائها والتوجه حيث شاءوا وكان نعم الرأي،

стр. 184

فلم يوافقوا على ذلك وضربوا خيامهم ظاهر البلد تلقاء العدو وحضر قاصد تمرلنك فقتله نائب دمشق قبل أن يسمع كلامه، ويوم الجمعة حصل بين الأطراف تناوش يسير، فلما كان يوم السبت حادي عشر شهر ربيع الأول زحف تمرلنك بجيوشه وفيلته، فولى المسلمون نحو المدينة وازدحموا في الأبواب، ومات منهم خلق عظيم، والعدو وراءهم يقتل ويأسر، وأخذ تمرلنك حلب عنوة بالسيف، وصعد نواب المملكة وخواص الناس إلى القلعة، وكان أهل حلب قد جعلوا غالب أموالهم فيها وفي يوم رابع عشر شهر ربيع الأول أخذ القلعة بأمان والأيمان التي ليس معها إيمان، وفي ثاني يوم صعد إليها، وآخر نهار طلب علماءها وقضاتها، فحضرنا إليه فأوقفنا ساعة، ثم أمر بجلوسنا، وطلب من معه من أهل العلم، فقال لأمير عنده وهو المولى عبد الجبار بن العلامة نعمان الدين الحنفي، والده من العلماء المشهورين بسمرقند - قل لهم إني سائلهم عن مسألة سألت عنها علماء سمرقند وبخارى وهراة وسائر البلاد التي افتتحتها فلم يفصحوا عن جواب، فلا تكونوا مثلهم، ولا يجاوبني إلا أعلمكم وأفضلكم، وليعرف ما يتكلم فإني

стр. 185

خالطت العلماء ولي بهم اختصاص وألفة، ولي في العلم طلب قديم وكان يبلغنا عنه أنه يتعنت العلماء في الأسئلة، ويجعل ذلك سبباً لقتلهم أو تعذيبهم فقال القاضي شرف الدين موسى الأنصاري الشافعي عني هذا شيخنا ومدرس هذه البلاد ومفتيها سلوه وبالله المستعان، فقال لي عبد الجبار، سلطاننا يقول إنه بالأمس قتل منا ومنكم، فمن الشهيد؟ قتيلنا أم قتيلكم؟ فوجم الجميع، وقلنا في أنفسنا هذا الذي بلغنا عنه من التعنت وسكت القوم، ففتح الله علي بجواب سريع بديع، وقلت هذا سؤال سئل عنه سيدنا رسول الله ﷺ وأجاب عنه، وأنا مجيب بما أجاب به سيدنا رسول الله ﷺ ، قال لي صاحبي القاضي شرف الدين موسى الأنصاري بعد أن انقضت الحادثة والله العظيم لما قلت هذا السؤال سئل عنه رسول الله ﷺ وأجاب عنه، وأنا محدث زماني، قلت هذا عالمنا قد اختل عقله وهو معذور، فإن هذا السؤال لا يمكن الجواب عنه في هذا المقام ووقع في نفس عبد الجبار مثل ذلك وألقى تمرلنك إلي سمعه وبصره وقال لعبد الجبار يسخر من كلامي كيف سئل رسول الله ﷺ عن هذا وكيف أجاب؟ قلت " جاء أعرابي

стр. 186

إلى رسول الله ﷺ وقال يا رسول الله إن الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل ليرى مكانه فأينا في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الشهيد فقال تمرلنك خوب خوب وقال عبد الجبار ما أحسن ما قلت! وانفتح باب المؤانسة، وقال إني رجل نصف آدمي، وقد أخذت بلاد كذا وكذا، وعدد سائر ممالك العجم والعراق والهند وسائر بلاد التتار فقلت إجعل شكر هذه النعمة عفوك عن هذه الأمة، ولا تقتل أحد، فقال والله إني لا أقتل أحداً قصداً، وإنما أنتم قتلتم أنفسكم في الأبواب، والله لا أقتل أحد منكم وأنتم آمنون على أنفسكم وأموالكم وتكررت الأسئلة منه والأجوبة منا، فطمع كل من الفقهاء الحاضرين، وجعل يبادر إلى الجواب ويظن أنه في المدرسة، والقاضي شرف الدين ينهاهم ويقول لهم بالله اسكتوا ليجاوب هذا الرجل فإنه يعرف ما يقول وكان آخر ما سئل عنه ما تقولون في علي ومعاوية ويزيد فأشرت إلى القاضي شرف الدين وكان إلى جانبي، أن اعرف كيف تجاوبه فإنه شيعي، فلم أفرغ من سماع كلامه إلا وقد قال القاضي

стр. 187

علم الدين القفصي المالكي كلاماً معناه أن الكل مجتهدون فغضب لذلك غضباً شديداً، وقال علي على الحق ومعاوية ظالم ويزيد فاسق وأنتم حلبيون تبع لأهل دمشق، وهم يزيديون قتلوا الحسين فأخذت في ملاطفته والاعتذار عن المالكي بأنه أجاب بشيء وجده في كتاب لا يعرف معناه، فعاد إلى دون ما كان عليه من البسط وأخذ عبد الجبار يسأل عني وعن القاضي شرف الدين فقال عني هذا عالم مليح وعن شرف الدين وهذا رجل فصيح فسألني تمرلنك عن عمري فقلت مولدي في سنة تسع وأربعين وسبع مائة وقد بلغت الآن أربعاً وخمسين سنة فقال للقاضي شرف الدين وأنت كم عمرك؟ فقال أنا أكبر منه بسنة فقال تمرلنك أنتم في عمر أولادي أنا عمري اليوم خمساً وسبعين سنة وحضر صلاة المغرب وأقيمت الصلاة وأمنا عبد الجبار وصلى تمرلنك إلى جانبي قائماً يركع ويسجد ثم تفرقنا وفي اليوم الثاني غدر بكل من في القلعة وأخذ جميع ما كان فيها من الأموال والأقمشة والأمتعة ما لا يحصى أخبرني بعض كتابه أنه لم يكن أخذ من مدينة قط ما أخذ من هذه القلعة، وعوقب غالب المسلمين بأنواع من العقوبة، وحبسوا بالقلعة

стр. 188

ما بين مقيد ومزنجر ومسجون ومرسم عليه ونزل تمرلنك من القلعة وأقام بدار النيابة، وصنع وليمة على زي المغل، ووقف سائر الملوك والنواب في خدمته وأدار عليهم كؤوس الخمر، والمسلمون في عقاب وعذاب وسبي وقتل وأسر، وجوامعهم ومدارسهم وبيوتهم في هدم وحرق وتخريب ونبش إلى آخر شهر ربيع الأول، ثم طلبني ورفيقي شرف الدين وأعاد السؤال عن علي ومعاوية، فقلت له لا شك أن الحق كان مع علي وليس معاوية من الخلفاء، فإنه صح عن رسول الله ﷺ أنه قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة وقد تمت بعلي، فقال تمرلنك قل علي على حق ومعاوية ظالم، قلت قال صاحب الهداية يجوز تقليد القضاء من ولاة الجور، فإن كثيراً من الصحابة والتابعين تقلدوا القضاء من معاوية، وكان الحق مع علي في نوبته، فانسر لذلك وطلب الأمراء الذين عينهم للإقامة بحلب، وقال إن هذين الرجلين نزول عندكم بحلب، فأحسنوا إليهما وإلى ألزامهما وأصحابهما ومن ينضم إليهما، ولا تمكنوا أحداً من أذيتهما، ورتبوا لهم علوفة، ولا تدعوهما في القلعة بل اجعلوا إقامتهما في المدرسة يعني السلطانية التي تجاه

стр. 189

القلعة ففعلوا ما أوصاهم به إلا أنهم لم ينزلونا من القلعة وقال لنا الذي ولي الحكم منهم بحلب وكان يدعى الأمير موسى بن جاجي طغاي إني أخاف عليكما، والذي فهمته من سياق كلام تمرلنك أنه إذا أمر بسوء فعل بسرعة ولا يحيد عنه، وإذا أمر بخير فالأمر فيه لمن وليه وفي أول يوم من ربيع الآخر برز إلى ظاهر البلد متوجهاً نحو دمشق، وثاني يوم أرسل يطلب علماء البلد فرحنا إليه والمسلمون في أمر مريج وقطع رؤوس فقلنا ما الخبر؟ فقيل أن تمرلنك أرسل يطلب من عسكره رؤوساً من المسلمين على عادته التي كان يفعلها في البلاد التي أخذها، فما وصلنا إليه جاءنا شخص من علمائه يقال له المولى عمر، فسألناه عن طلبنا فقال يريد يستفتيكم في قتل نائب دمشق الذي قتل رسوله فقلت هذه رؤوس المسلمين تقطع وتحضر إليه بغير استفتاء وهو حلف ألا يقتل منا أحداً قصداً، فعاد إليه ونحن ننتظره وبين يديه لحم سليق في طبق يأكل منه فتكلم معه يسيراً، ثم جاء إلينا شخص بشيء من ذلك اللحم، فلم نفرغ من أكله إلا وزعجة قائمة وتمرلنك صوته عال، وساق شخص هكذا أو آخر هكذا، وجاءنا أمير يعتذر ويقول إن سلطاننا لم يأمر بإحضار

стр. 190

رؤوس المسلمين، وإنما بقطع رؤوس القتلى وأن يجعل منها قبة إقامة لحرمته على جري عادته ففهموا منه غير ما أراد وأنه قد أطلقكم فأمضوا حيث شئتم، وركب تمرلنك من ساعته وتوجه نحو دمشق، فعدنا إلى القلعة ورأينا المصلحة في الإقامة بها، وأخذ الأمير موسى - احسن الله إليه - في الإحسان إلينا، وقبول شفاعتنا، وتفقد أحوالنا مدة إقامته بحلب وقلعتها وتجيئنا الأخبار أن سلطان المسلمين الملك الناصر فرج قد نزل إلى دمشق، وأنه كسر تمرلنك، ومرة تجيء بالعكس إلى أن انجلت القضية عن توجه السلطان إلى مصر بعد أن قاتل مع تمرلنك قتالاً عظيماً، أشرف تمرلنك منه على الكسر والهزيمة، وإنما حصل من بعض أمرائه خيانة كان ذلك سبب توجهه آخذاً بالحزم، ودخل تمرلنك إلى دمشق ونهبها وأحرقها، وفعل فيها فوق ما فعل بحلب، ولم يدخل طرابلس بل أحضر له منها مال، ولا جاوز فلسطين وعاد نحو حلب طالباً بلاده ولما كان سابع عشر شعبان من السنة المذكورة وصل تمرلنك عائداً من الشام إلى الجبول شرقي حلب، ولم يدخلها، بل أمرالمقيمين بها من جهته بتخريبها وإحراق المدينة ففعلوا، وطلبني الأمير

стр. 191

عز الدين وكان من أكبر أمرائه وقال إن الأمير رسم بإطلاقك وإطلاق من معك، فاطلب من شئت وأكثر لأروح معكم إلى مشهد الحسين وأقيم عندكم حتى لا يبقى من عسكرنا أحد وكان القاضي شرف الدين لا يفارقني، فطلبنا باقي القضاة واجتمع معنا نحو من ألفي مسلم، وتوجهنا إلى مشهد الحسين المشار إليه، وأقمنا ننظر إلى النار وهي تضرم في أرجائها، وبعد ثلاثة أيام لم يبق بها أحد، فنزلنا إليها فلم نر أحدا فاستوحشنا وما قدرنا على الإقامة بها من النتن والوحشة، ولم نقدر على السلوك في الطرقات كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر وكانت نواب بلاد الشام معه مأسورين وانفلتوا أولاً بأول، ومات سودون بالبطن معه في قبة يلبغا، واستقر في نيابة دمشق تغري بردي والله أعلم هذا ما نقلته من كلام ابن الشحنة كما وجدته ذكر ورود هذا الخبر الذي أقلق ووصول أسنبغا الدوادار

стр. 192

وعبد القصار إلى جلق فورد من حلب أسنبغا الدوادار، والفتح الماهر المدعو بعبد القصار، وقالا معاشر المسلمين، الفرار مما لا يطاق، من سنن المرسلين، من يقدر على هذا، فيطلب لنفسه طريق النجا، ومن أطاق أن يشمر ذيله، فلا يبيتن في دمشق ليله، ولا يغالط نفسه بالمداهنة، فليس الخبر كالمعاينة فتفرقت الآراء، واختلفت الأهواء، وماج أمر الناس موجا، وتفرقوا كما هو دأبهم فوجاً فوجاً، فبعض الناس انتصح، وجهز أمره وانتزح وبعضهم كابر وأصر، وكشر أنيابه لأسنبغا وعبد القصار واهر، وأرادوا رجم هذين الناصحين، وأن يسقوهما كأس حين، وقالوا إنما أردتما بذلك تبديد الناس وتشريدهم، وإجلاءهم عن أوطانهم وتجريدهم، وتفريق كلمتهم وتمزيق جلدتهم، وإلا فالأمن حاصل، والسلطان بحمد الله واصل والنواب في حلب كانوا شرذمة قليلة، ولم يتم لهم معه الفكر والحيلة، مع أنه حصل من بعضهم مخامرة، ولم يوجد من الباقين مناصحة ومظاهرة، ولم يكن لهم رأس، فلا تأخذوا في هذه المسألة بالقياس،

стр. 193

وأما عساكر مصر فإنهم كاملوا العدة و " سابغو " العدة، وفيهم للمسلمين فرج بعد الشدة، فقالا نحن بعد اللتيا والتي من شره سلمنا، وما شهدنا إلا بما علمنا، وكل منا أفصح عما أدى إليه اجتهاده وأبان، والله إنه في نصيحة المسلمين النذير العريان وقد نصحناكم إن كنتم مفلحين، ولكن لا تحبون الناصحين واستمر أمر الناس في الترديد والتشاغب، والتفرق والتبديل والتشاعب، فبعضهم توجه نحو الأماكن القدسية، وتوجه بعض إلى الديار المصرية، وبعض تشبث بأذيال الحروف العاصية، وتحصن آخرون بالأماكن الغامضة القاصية ذكر خروج السلطان الملك الناصر من القاهرة بجنود الإسلام والعساكر ثم إن السلطان خرج من توان، وتوجه بالعساكر والاستعداد التام إلى جهة بلاد الشام، فلما بلغ الناس ذلك سكن جأشهم، وزال استيحاشهم، ورد غالب من كان نزح منهم، وانفرج الكرب والضيق عنهم، وأما أولو العزم، وذوو الرأي السديد والحزم، فلم يلتفتوا إلى قدوم السلطان، بل طلبوا لنفسهم الأمان، وانتظروا

стр. 194

ما يتولد من حادثات الزمان، وكأن أنامل الدهر الدائر، كتبت لهم على مرآة الخاطر، ما أنشده الشاعر ألا إنما الأيام أبناء واحد ... وهذي الليالي كلها أخوات فلا تطلبن من عند يوم وليلة ... خلاف الذي مرت به السنوات وقلت إن اختفى ما في الزمان الآتي ... فقس على الماضي من الأوقات " فصل " ولما أنجز تيمور أمر حلب، ضبط أثقالها وما أخذ منها من مال وسلب، ووضعه في القلعة، ووكل به بعض أمرائه من ذوي الشجاعة والمنعة، وهو الأمير موسى بن حاجي طغاي، وكان ذا عزم سديد ورأي، وتوجه بذلك البحر الطام، غرة شهر ربيع الآخر جهة الشام، فوصل إلى حماة، ونهب ما حوت يداه، ولم يحتفل بأمر نهب وأسير، ولا بإسراع في مسير، بل سار رويدا، وهو يكيد كيدا، ويكيدون كيدا حكاية رأيت حين توجهت إلى بلاد الروم في أوائل شهر ربيع الأول سنة

стр. 195

تسع وثلاثين وثمانمائة، عند وصولنا إلى حماة بالجامع النوري بها من الجانب الشرقي على حائطه القبلي نقشاً على رخامة بالفارسي ما ترجمته " وسبب تصوير هذا التسطير، هو أن الله تعالى يسر لنا فتح البلاد والممالك حتى انتهى استخلاصنا الممالك إلى العراق وبغداد، فجاورنا سلطان مصر ثم راسلناه وبعثنا إليه قصادنا بأنواع التحف والهدايا، فقتل قصادنا من غير موجب لذلك، وكان قصدنا بذلك أن تنعقد المودة بين الجانبين، وتتأكد الصداقة من الطرفين ثم بعد ذلك بمدة قبض التراكمة على أناس من جهتنا وأرسلهم إلى السلطان مصر برقوق، فسجنهم وضيق عليهم، فلزم من هذا أنا توجهنا لاستخلاص متعلقينا، من أيدي مخالفينا، واتفق لذلك نولنا بحماه في العشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانمائة " " فصل " ثم وصل إلى حمص فلم يتعرض بها بتشتيت وتبديد، ووهبها لسيدي خالد بن الوليد قلت بديها

стр. 196

ألا لا تجاور سوى الخيرين ... أحيا وكن جارهم في القبور ألم تر حمص وسكانها ... نجوا من بحار بلايا تمور لأنهم جاوروا خالدا ... ومن جاور الأتقيا لا يبور وخرج إليه شخص من آحاد الناس، يدعى عمر بن الرواس، فاستجلب خاطره، وكأنه قدم إليه تقدمة فاخرة، فولاه أمور البلد وركن إليه واعتمد، وولى قضاء تلك البلاد، رئيساً يسمى شمس الدين بن الحداد، ونادى بالأمان، للقاصي والدان، وتبايعوا بها وتشاوروا، وفي استفادة ربح الأمن لم يتماروا ثم إن نائب الشام ضعف معه ومات على قبة يلبغا ونائب طرابلس هرب منه وللخلاص ابتغى، فوصل إلى مدينته، واستقر في ولايته، فاضطرم غضباً، واستشاط لهباً واشتعل قيظ غيظه، وقتل كل من وكله بحفظه، وأسعر بهم سقر، وكانوا ستة عشر وأما تمرداش فإنه داراه ومارى، وهرب منه في قارا، واستمر علاء الدين الطنبغا العثماني نائب صفد، وزين الدين نائب غزة وغيرهما معه في صفد، ثم سار وما ارتبك، حتى نزل على بعلبك، فخرج أهلها ودخلوا عليه، وتراموا طالبين

стр. 197

الصلح بين يديه، فلم يلتفت إلى هذا المقال، وأرسل فيهم جوارح النهب والاستئصال " وقرب السلطان أيضاً " ثم ارتحل مجرياً ذلك البحر الزخار، والسيل التيار، والطوفان الثرثار، حتى أشرف على دمشق من قبة سيار، ووصلت العساكر المصرية، والجنود الإسلامية، وقد ملأوا الفضاء وأشرق الكون منهم وأضاء، فيالق سهامها لحب قلب من نوى الخلاف فالقة، وصواعق سيوفها في عقاص كل عقص صاعقة، وأسنة رماحها لرتق سماء الأرواح عن أرض الأشباح فاتقة وقد طلبوا الأطلاب وحزبوا الأحزاب، وعبوا الميمنة والميسرة ورتبوا المقدمة والمؤخرة، وسووا القلب والجناح، وملأوا البطاح والبراح وساروا بالمقاتب المكتبة والكتائب المقتبة، والكواكب المركبة، والمراكب المكوكبة، والمراتب المقربة، والمقربات المرتبة، والسلاهب المجنبة، والنجائب التي هي على أكل اللجم مسلهبة، وفي كل كتيبة من الأسود الضراغم، ومن النسور القشاعم قلت

стр. 198

ورب ذي لجب كالطود ذي حنق ... كأنه البحر في أثناه غابات بحران في كل موج منهما أسد ... يلاعب الموت في كفيه حيات كل ترى العين معناه وصورته ... عند النزال وإن ينزل فشطفات إن يسر تلق السما في الأرض دائرة ... أو سار تعقد أرضاً منه غبرات وقد تنكبوا حنايا المنايا، وتقلدوا سيوف الحتوف، واعتقلوا الذوابل النواهل، وثبتوا حيث نبتوا، وكأنهم خلقوا من كواهل الصواهل قلت كأن الجو ثوب لا زوردي ... يزركش نسجه قضب الرماح فإن عقد القتام عليه ليلا ... أرتك صفاحه لمع الصباح كأن نجومه النشاب ترمى ... شياطين الكفاح لدى النطاح ولا زالت أفواج هذه الأمواج على هذا المنهاج متلاطمة، وأثباج هذا البحر العجاج تحت العجاج متصادمة، وكل ينادي بطريق المفهوم " وما منا إلا له مقام معلوم " فوصلت غيلان الوغى إلى قبة يلبغا، يوم الأحد العاشر من شهر ربيع الآخر، عام ثلاثة وثمانمائة من الهجرة، فنزل كل من العساكر يمنة ويسرة، واستقرت العساكر

стр. 199

والأمراء الإسلامية في البيوت والمساكن، ونزلت الجنود التتارية غربي دمشق من داريا وإلى قطنا والحولة وما يلي تلك الأماكن ودخل بعض أثقال السلطان إلى البلد، وتحصنت القلعة والمدينة بالسلاح والعدد، ثم أخذ كل من الجيشين حذره، ونجز للمقابلة والمقاتلة أمره، وحفروا الخنادق، وسد كل على الآخر أفواه المضائق، وشرعوا في المهوشة والمناوشة والمهارشة والمعانشة، ثم أمر السلطان العساكر بالبروز من المدينة إلى الظاهر وجعل يخرج من المدينة رؤساء أعيانها، وتنحاز في المقاتلة إلى سلطانها، والأطفال الصغار، يجأرون إلى الجبار، وينادون بحرقة كل ليلة في الأزقة يا الله يا رحمن، انصر مولانا السلطان والناس في اضطراب وحركات، يستنزلون النصر والبركات، ويستغيثون الليل والنهار، يا مجاهدون الأسوار واستشهد من رؤساء البلد في تلك الأيام قاضي القضاة برهان الدين التادلي المالكي الحاكم بالشام، وشلت يد قاضي القضاة شرف الدين عيسى المالكي بضربة حسام، وجعلوا يأتون بمن يظفرون به من العدو فيقتلونه، ربما غنموا منهم من ناطق

стр. 200

وصامت فيشهرونه ذكر واقعة وقعت ومعركة صدعت لو أنها نفعت ثم في بعض الأيام، تقدم من أولئك الأغتام، نحو من عشرة آلاف، وزحفوا إلى ميدان المصاف، فنهض لهم من العساكر الشامية، نحو من خمسمائة ثم أتبعهم الأمير استنباي في نحو من ثلاثمائة قلت أسود إذا لاقوا ظباء إذا عطوا ... جبال إذا أرسوا بحار إذا سروا شموس إذا لاحوا بدور إذا انجلوا ... رياح إذا هبوا غمام إذا هموا صقور إذا انقضوا نمور إذا سموا ... رعود إذا صاحوا صواعق إن رموا مع كل منهما خطار تسجد قدود الملاح لخطراته، وبتار يتعلم سفك الدماء من لحظاته، وحنية تضاهي حاجبه، وسهام في تشبهها بأجفانه صائبة، وترس لين اللمس، إذا تغطى به رأيت البدر علا الشمس، وعليه خوذة كأنها من لمعات وجنته مأخوذة، أو من بوارق طلعته مفلوذة، إذا نظر الطرف إليها يأخذه الانبهار، يكاد سنا برقها يذهب بالأبصار، ولبوس أشبه لابسه، وصار ملابسه ظاهره حرير

стр. 201

ناعم كبشرته، وباطنه حديد كقلبه في قسوته، وقد امتطوا الفحول من نجائب الخيول، فكأن بدور تلك الجموع، مع الرماح الملتهبة الأسنة عرس تجلى تحت الشموع، وتوجهوا إلى حومة الوغى، وتلاقوا في واد خلف قبة يلبغا " وفتية من كماة الترك ما تركوا ... للرعد أصواتهم حساً ولا حيتا قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة ... حسنا وإن قاتلوا كانوا عفاريتا " " فصل " ولما رأت هذه الأسود تلك الذئاب والكلاب، كانوا كالمؤمنين وقد رأوا الأحزاب، فبان منهم صحيح الضرب وعليله، وقالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله فأحاط أولئك بهؤلاء لكثرة الغلبة، وأداروا لقرضهم على هذه البحور الدائرة المجتلبة، وحين صاروا في خباء هذه الدائرة كالعروض اشتغلوا بالضرب وتقطيع الدائرة بالحرب العضوض، فأول ما أضمروا لهم في ذلك الزحف قطع الرأس وخبل العقل وقطف الكف، فصلموا بالرمح الطويل عقلهم، وثلموا بالرشق المديد شكلهم، وبتروا بالعضب البسيط وافرهم، وشتروا بالسهم السريع كاملهم، فخذوهم وقصموهم، وخزموهم " وخرموهم " وشعثوهم وثرموهم، وجموهم، ووقصوهم، وعصبوهم، وعقصوهم، وخذلوهم، ونقصوهم،

стр. 202

فردوا صدورهم على الأعجاز، وسدوا على حقيقة الخلاص منهم المجاز، فانكشفوا عنهم، وهم ما بين مشطور، ومقطوع، ومحذوف، ومجزو، ومنهوك، وموقوف ورجع أسنباي المشار إليه وقد اقتضب بحربه المتدارك حفيفهم، واجتث بضربة المتقارب المتماسك ثقيلهم وخفيفهم، وتسبيغ سوابغهم بالنصر مرفل، وبالتمكين التام مذيل، وبيت دائرتهم المتفقة آمن من الخلل، وعروضه وضربه سالم من الزحاف والعلل ذكر ما افتعله سلطان حسين ابن أخت تيمور من المكر والمين ثم إن سلطان حسين وهو ابن أخت تيمور، أظهر أنه خامر على خاله وجاء إلى السلطان وفي باطنه أمور، وكان شاباً ذا شجاعة، وعنده طيش ورقاعة، فأظهروا بقدومه الفرح، واستشعروا النصر والمرح، وكان في رأسه جمة شعر فأزالوه، وخلعوا عليه وفي زيهم أظهروه " فصل " ثم إن تيمور أشاع أنه خار وتعتع، فرحل قليلاً ورجع القهقرى

стр. 203

وتكعكع، كل ذلك من مكايده، وحبائل مصايده، وبيان ذلك أنه بلغه أن الخلاف واقع بين العساكر المصرية وأنهم سيفرون، فيفوتونه إذ ذاك، فأظهر الخؤن، وأشاع أنه راحل ليثبتهم، وعن الفرار يثبطهم، فلما عزموا على الفرار، " لم يبن لهم ثبات ولا قرار " ذكر ما نجم من النفاق بين العساكر الإسلامية وعدم الاتفاق وكان أتابك العساكر، وكافل الملك الناصر، الأمير الكبير يشبك وتحت يده الأكابر والأصاغر، والجند وإن كانوا مدده كثيرا، والجيش وإن تراءى عدده غزيرا، لكن كان كل منهم أميرا، ولم يكن شيء منهم سوى الرأس صغيرا، فتشتت آراؤهم، وتصادمت أهواؤهم، وانتقلت أشعار شعارهم من الدائرة المؤتلفة، إلى الدائرة المختلفة ونقل كل منهم عن وزن بيته إلى عروض، وأخذ في عرض صاحبه بالتقريض، وظهرت في تلك الساعة آيات الرحمن، في اختلاف الألسنة والألوان، وصاروا في رعاية الرعية كالذئب والضبع، وسلطوا على مرعى هزيلها النمر الغضوب والسبع، ولحق في سند هذا الحديث الأصاغر بالأكابر، والأسافل بالأعالي

стр. 204

والأوائل بالأواخر، وصاروا كما قال الشاعر تفرقت غنمي يوماً فقلت لها ... يا رب صلت عليها الذئب والضبعا وتوجه منهم رؤوس إلى القاهرة، تاركاً كل منهم قوته وناصره، وصدقوا تيمور في نفيه عنهم معرفة السياسة، والدربة في سلوك طرائق الرياسة " فصل " ولما علم الغابرون، ما فعله السائرون، لم يسعهم غير تشمير الذيل، واتباعهم تحت جنح الليل، ومن تخلف عن قوم، أو أخذته سنة أو نوم، وقع في الشرك، وهوى به إلى أسفل الدرك، وكان الناس في الليل والنهار، ملازمين الإقامة على الأسوار، وكل قد فرح وابتهج، وتيقن أنه قد حصل له من سلطانه فرج ففي بعض الليالي صعد الناس إلى مكان عالي، وإذا بأماكن مخيم السلطان، قد ملئت من النيران، ولم يعرف أحد ما الخبر، غير أن الدنيا ملئت بالشر والشرر، وأصبحوا وقد خلت الديار، ولم يبق في قبة يلبغا نافخ نار، فخشعت أصواتهم، وسكنت حركاتهم، فجعلوا يتهاتفون، وفيما بينهم

стр. 205

يتخافتون، وماج الشر واضطرب، وقال الناس السلطان هرب، فانقصم ظهر الناس، وأيقنوا حلول الباس، وتفاقمت الهموم، وتعاظمت الغموم، وتقطعت بهم الأسباب، وشمل الخلائق أنواع العذاب، وضاقت الحيل كالصدور، وتخبطت الأوامر والأمور " فصل " ثم إن تيمور حمد ربه، ورحل من مكانه ونزل القبة، وألقى عصاه، ونام مستريحاً على قفاه، ونادى بمعنى ما قلت الحمد لله نلنا ما نؤمله ... والضد أدبر والمأمول قد حصلا وحفر الخنادق حوله، وبث في الأطراف رجله وخيله، وأرسل الطلب وراء من هرب، وصار كلما أتى بأحد من أجناد الرجال، أمر بإلقائه بين يدي تلك الأفيال، فتفعل معه الأفيال في تلك الفلاة، ما تفعله المواشي يوم القيامة في مانع الزكاة " فصل " فأما السلطان فإنه لم يصبه من أحد ضيم لأنه نشز نشوز الغيم وانساب انسياب الأيم، وتوجه على وادي التيم، فانتشرت شياطين

стр. 206

تيمور في الأرض، وملأت الطول والعرض، ووصلت طراشتهم إلى أطراف البلاد وضواحيها، وعامة القرى ونواحيها، وجعلوا من كل حدب ينسلون في مشارق الأرض ومغاربها التي بارك الله فيها وتقدموا إلى المدينة، وكانت كما ذكر بالأهبة حصينة، وبأنواع الاستعداد مكينة، مسدولة بالحجاب، مغلقة الأبواب، فتمنع أهلها عليهم، ولم يسلموها إليهم، رجاء أن يشموا من النجدة الأرج، أو يمن الله عليهم بعد هذه الشدة بفرج، فاستمروا على ذلك نحواً من يومين، ثم استيقنوا من رجائهم الخيبة ومن ظنهم المين، فكان قدوم السلطان وذهابه بالعساكر كما قال الشاعر كما أبرقت قوماً عطاشا غمامة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت ذكر خروج الأعيان بعد ذهاب السلطان وطلبهم من تيمور الأمان ولما خانتهم الظنون، وعلموا أنه حل بهم ريب المنون، اجتمع من المدينة الكبراء والموجود من الأعيان والرؤساء، وهم قاضي القضاة محي الدين محمود بن العز الحنفي، وولده قاضي القضاة شهاب الدين، وقاضي القضاة تقي الدين إبراهيم ابن مفلح الحنبلي، وقاضي القضاة

стр. 207

شمس الدين محمد الحنبلي النابلسي، والقاضي ناصر الدين محمد بن أبي الطيب كاتب السر، والقاضي شهاب الدين أحمد بن الشهيد الوزير، وكان منصب الوزارة إذ ذاك له أبهة ما في الجملة، والقاضي شهاب الدين الحسباني الشافعي، والقاضي برهان الدين إبراهيم بن القوسه الحنفي نائب الحكم ﵏ فأما القاضي الشافعي وهو علاء الدين بن أبي البقاء فإنه هرب مع السلطان، وقاضي القضاة المالكي وهو برهان الدين التادلي فإنه استشهد كما ذكر فخرج هؤلاء الأعيان، وطلبوا منه الأمان، بعد ما وقع المشاورة منهم والاتفاق ونظمت كلمتهم في سلك الوفاق " فصل " ولما أقلع السلطان بفلك عساكره المشحون، وقع في بحر العساكر التيمورية قاضي القضاة ولي الدين بن خلدون، وكان من أعلام الأعيان، وممن قدم مع السلطان، فلما قتل السلطان وفرك كأنه غافلاً فوقع في الشرك، وكان نازلاً في المدرسة العادلية، فتوجه هؤلاء الأعيان إليه في تدبير هذه القضية، فوافق فكره فكرهم، فملكوه

стр. 208

في ذلك أمرهم، وما وسعهم إلا استصحابه معهم، وكان مالكي المذهب والمنظر، أصمعي الرواية والمخبر، فتوجه معهم بعمامة خفيفة، وهيئة ظريفة، وبرنس كهو رقيق الحاشية، يشبه من دامس الليل الناشئة، فقدموه بين أيديهم، ورضوا بأقواله وأفعاله لهم وعليهم وحين دخلوا عليه، وقفوا بين يديه، واستمروا واقفين، وجلين خائفين، حتى سمح بجلوسهم، وتسكين نفوسهم، ثم هش إليهم، ومن ضاحكاً عليهم، وجعل يراقب أحوالهم، ويسبر بمسبار عقله أقوالهم وأفعالهم ولما رأى شكل ابن خلدون لشكلهم مبايناً، قال هذا الرجل ليس من هاهنا، فانفتح للمقال مجال، فبسط لسانه وسيذكر ما قال، ثم طووا بساط الكلام ونشروا سماط الطعام، فكوموا تلالاً من اللحم السليق، ووضعوا أمام كل ما به يليق، فبعض تعفف عن ذلك تنزها، وبعض تشاغل عن الأكل بالحديث ولها، وبعض مد يده وأكل وما جبن في مصاف الالتهام ولا نكل، وإلى الأكل أرشدهم، وناداهم وأنشدهم

стр. 209

كلوا أكل من إن عاش أخبر أهله ... وإن مات يلق الله وهو بطين وكان من جملة الآكلين، قاضي القضاة ولي الدين، ولك ذلك وتيمور يرمقهم، وعينه الخزراء تسرقهم، وكان ابن خلدون أيضاً يصوب نحو تيمور الحدق، فإذا نظر إليه أطرق، وإذا ولى عنه رمق، ثم نادى وقال بصوت عال يا مولانا الأمير، الحمد لله العلي الكبير، لقد شرفت بحضوري ملوك الأنام، وأحييت بتواريخي ما مات لهم من أيام، ورأيت من ملوك الغرب فلاناً وفلانا، وحضرت كذا وكذا سلطاناً، وشهدت مشارق الأرض ومغاربها، وخالطت في كل بقعة أميرها ونائبها، ولكن لله المنة إذا امتد بي زماني، ومن الله علي بأن أحياني، حتى رأيت من هو الملك على الحقيقة، والمسلك شريعة السلطنة على الطريقة، فإن كان طعام الملوك يؤكل لدفع التلف، فطعام مولانا الأمير يؤكل لذلك ولنيل الفخر والشرف فاهتز تيمور عجباً، وكاد يرقص طربا، وأقبل يوجه الخطاب إليه، وعول في ذلك دون الكل عليه، وسأله عن ملوك الغرب وأخبارها، وأيام دولها وآثارها، فقص عليه من ذلك ما خرع عقله وخلبه،

стр. 210

وجلب لبه وسلبه، وكان تيمور في سير الملوك والأمم أمة، وأبا التاريخ شرقاً وغربا وأمة، وسيذكر لهذه المعان بديع بيان " فصل " وبينما هم يوماً قاعدون في حضرة ذلك البصير، وإذا بالقاضي صدر الدين المناوي في أيديهم أسير، وكان قد تبع السلطان في الهرب، فأدركه في ميسلون الطلب، فقبضوا عليه، وأحضروه بين يديه، وإذا هو بعمامة كالبرج، وأردان كالخرج، فتخطى الرقاب، وجلس من غير إذن فوق الأصحاب، فاستشاط تيمور وملأ المجلس لهباً وانتفخ سحره، وسجر غيظاً نحره، وشخر ونخر، ومخر بحر حنقه وزخر، وأمر طائفة من المعتدين، بالتنكيل بالقاضي صدر الدين، فسحبوه سحب الكلاب، ومزقوا ما عليه من ثياب، وأوسعوه سباً وشتماً، وأشبعوه ركلاً ولكماً، ثم أمرهم بتشديد أسره، وتجديد كسره، وترادف الإساءة إليه، وتضاعف الكسرات على رغم التصريفين عليه، فأخرج إخراج الظالم، يوم يولي مدبراً ماله من الله من عاصم ثم تراجع تيمور إلى ما كان فيه، من ترتيب غوائله ودواهيه،

стр. 211

فألبس كلاً من هؤلاء الأعيان خلعة، وأقامه عنده في عزة ورفعة، ثم ردهم منشرحي الصدور، في دعة وسرور، وفي خاطره شرور وأمور تمور، فساروا وقد صاروا قلت كالهدى زينه المهدى وعظمه ... وعن قريب لضيف الموت أطعمه وشرط لهم ولذويهم الأمان، على أن يدفعوا إليه أموال السلطان، وماله وللأمراء من أثقال، وتعلقات وأموال، ودواب ومواش، ومماليك وحواش، ففعلوا ما به أمر، ورفعوا إليه ما بطن من ذلك وما ظهر فأما القلعة فإنها استعدت للحصار، وكان نائبها يدعى أزدار، فحصنها، وبالأهبة الكاملة مكنها، وانتظر من السلطان نجدة، أو مانعاً ربانياً يفرج عنه الشدة، فلم يلتفت تيمور في أول الأمر إليها، ولا احتفل بها ولا عرج عليها، بل صرف همه إلى تحصيل الأموال، وتوسيق الأحمال بالأثقال فلما حصل الثقل، وإلى خزائنه انتقل، طرح على المدينة أموال الأمان، واستعان على استخلاصها بهؤلاء الأعيان، وأقام عليهم دواوينه وكتبته، وأهل

стр. 212

الضبط والحرص من مباشريه وحسبته، وفوض ذلك إلى كفاية الله داد، أحد أركان دولته ومن عليه الاعتماد، وهو أخو سيف الدين المار ذكره في أول الكتاب لأمه، وأقام معهم كل جبار عنيد ومن نشأ في حجر الفظاظة ورضع ثدي ظلمه، ونادى بالأمان والاطمئنان، وأن لا يبغي إنسان على إنسان، فمد بعض الجغتاي يده إلى غارة، بعد ما سمعوا هذا النداء واستشهاده فبلغ ذلك تيمور، فأمر بصلبهم في مكان مشهور، فصلبوهم في الحريرين، برأس سوق البزوريين، ففرح الناس بهذه الفعلة، وأملوا خيره وعدله، وفتحوا من أبواب المدينة باب الصغير، وشرعوا يحررون أمر المدينة على النقير والقطمير، فوزعوا هذه الأموال على الحارات، وتنادى أهل الظلم والعدوان من القريب والغريب يا للثارات، وجعلوا دار الذهب مكان المستخلص، وطفقوا يلقون الناس في ذلك المقنص، وتسلط بعض الناس على البعض، واصطاد أرانب الأرض بكلاب الأرض، وكان فصل الخريف كجيش مصر قد فتل، وفصل الشتاء بزمهريره كجند تيمور بنيرانه على العالم قد نزل، فانتقل إلى القصر الأبلق،

стр. 213

ثم إلى بيت الأمير بتخاص وأمر بالقصر أن يهدم ويحرق ودخل إلى المدينة من باب الصغير في جمع كثير، وصلى الجمعة في جامع بني أمية، وقد الحنفية على الشافعية، وخطب به قاضي القضاة محي الدين محمود ابن العز الحنفي المذكور، وجرى ما يطول شرحه من أمور وشرور ووقع بين عبد الجبار بن النعمان الخوارزمي المعتزلي، وبين علماء الشام لا سيما قاضي القضاة تقي الدين إبراهيم بن مفلح الحنبلي، مناظرات ومناقشات، ومباحثات ومراجعات، هو في ذلك كترجمانه، يخاطبهم في جميع ذلك بلسانه، فمنها علي ومعاوية، وما مضى بينهم في تلك القرون الخالية، ومنها أمور يزيد وما يزيد، وقتله الحسين السعيد الشهيد، وإن ذلك ظلم وفسق بلا نكر، ومن استحله فهو واقع في الكفر، ولا شك أن ذلك الفعل الحرام، كان بمظاهرة أهل الشام، فإن كانوا مستحليه فهم كفار، وإن كانوا غير مستحليه فهم عصاة وبغاة وأشرار، وأن الحاضرين على مذهب الغابرين فحصل منهم في ذلك أنواع الأجوبة، فمنها ما رده، ومنها ما أعجبه، إلى أن أجاب كاتب السر

стр. 214

وأجاد، وأصاب فيما قال لو أفاد، أطال الله الكبير، بقاء مولانا الأمير، أما أنا فنسبي متصل بعمر وعثمان، وأن جدي الأعلى كان من أعيان ذلك الزمان، وحضر تلك الوقائع، وخاض هاتيك المعامع، وكان من رجال الحق وأبطال الصدق ومما تواتر من فعله، ووضع الشيء في محله، أنه توصل إلى رأس سيدنا الحسين، ونزهه عما حصل له من ابتذال وشين، ثم نظفه وغسله، وعظمه وقبله، وطيبه وبجله، وواراه في تربة، وعد ذلك عند الله تعالى من أفضل قربة، فلذلك أيها الغام الصيب كنوه بأبي الطيب، وعلى كل تقدير، يا مولانا الأمير، فتلك أمة قد خلت، وهموم وغمام غيومها انجلت، وبما جرعت انقضت، وبما أذاقت مرت أو حلت، وفتن أراحنا الله إذ أزاحنا عنها، ودماء طهر الله سيوفنا منها، وأما الساعة، فاعتقادنا اعتقاد أهل السنة والجماعة فلما سمع هذا الكلام قال يا لله العجب! وما سميتم بأولاد أبي الطيب إلا لهذا السبب، قال نعم، ويشهد لي بذلك القاصي والداني، وأنا محمد بن عمر بن محمد بن أبي القاسم بن عبد المنعم بن محمد بن أبي الطيب العمري العثماني فقال

стр. 215

له المعذرة يا طاهر الأسلاف، لولا أني ظاهر العذر لحملتك على عاتقي والأكتاف، ولكن سترى ما أفعله معك ومع أصحابك من التكريم والألطاف، ثم إنه ودعهم، وبالتعظيم والاحترام شيعهم ومنها أنه سألهم كناية، سؤال إضرار ونكاية، فقال ما أعلى الرتب، درجة العلم أو درجة النسب؟ فأدركوا قصده وفهموا، ولكن عن رد الجواب وجموا، وعلم كل منهم أنه قد أبتلي، فابتدر الجواب القاضي شمس الدين النابلسي الحنبلي، وقال درجة العلم أعلى من درجة النسب، ومرتبتها عند الخالق والمخلوق أسنى الرتب، والهجين الفاضل يقدم على الهجان الجاهل، والمقرف المنيف، أولى للإقامة من النسيب الشريف، والدليل في هذا جلي، وهو إجماع الصحابة في تقديم أبي بكر على علي، وقد أجمعوا أن أبا بكر أعلمهم، وأثبتهم قدماً في الإسلام وأقدمهم، وإثبات هذه الدلالة، من قول صاحب الرسالة لا تجتمع أمتي على ضلالة ثم أخذ في نزع ثيابه، مصيخاً لتيمور وما يصدر من جوابه، ففكك أزراره، وقال لنفسه إنما أنت عاره، وكأس الموت لابد من شربها، فسواء ما بين بعدها
следующие страницы →