Полный текст (492 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فألبس كلاً من هؤلاء الأعيان خلعة، وأقامه عنده في عزة ورفعة، ثم ردهم منشرحي الصدور، في دعة وسرور، وفي خاطره شرور وأمور تمور، فساروا وقد صاروا قلت
كالهدى زينه المهدى وعظمه ... وعن قريب لضيف الموت أطعمه
وشرط لهم ولذويهم الأمان، على أن يدفعوا إليه أموال السلطان، وماله وللأمراء من أثقال، وتعلقات وأموال، ودواب ومواش، ومماليك وحواش، ففعلوا ما به أمر، ورفعوا إليه ما بطن من ذلك وما ظهر فأما القلعة فإنها استعدت للحصار، وكان نائبها يدعى أزدار، فحصنها، وبالأهبة الكاملة مكنها، وانتظر من السلطان نجدة، أو مانعاً ربانياً يفرج عنه الشدة، فلم يلتفت تيمور في أول الأمر إليها، ولا احتفل بها ولا عرج عليها، بل صرف همه إلى تحصيل الأموال، وتوسيق الأحمال بالأثقال فلما حصل الثقل، وإلى خزائنه انتقل، طرح على المدينة أموال الأمان، واستعان على استخلاصها بهؤلاء الأعيان، وأقام عليهم دواوينه وكتبته، وأهل
стр. 212
الضبط والحرص من مباشريه وحسبته، وفوض ذلك إلى كفاية الله داد، أحد أركان دولته ومن عليه الاعتماد، وهو أخو سيف الدين المار ذكره في أول الكتاب لأمه، وأقام معهم كل جبار عنيد ومن نشأ في حجر الفظاظة ورضع ثدي ظلمه، ونادى بالأمان والاطمئنان، وأن لا يبغي إنسان على إنسان، فمد بعض الجغتاي يده إلى غارة، بعد ما سمعوا هذا النداء واستشهاده
فبلغ ذلك تيمور، فأمر بصلبهم في مكان مشهور، فصلبوهم في الحريرين، برأس سوق البزوريين، ففرح الناس بهذه الفعلة، وأملوا خيره وعدله، وفتحوا من أبواب المدينة باب الصغير، وشرعوا يحررون أمر المدينة على النقير والقطمير، فوزعوا هذه الأموال على الحارات، وتنادى أهل الظلم والعدوان من القريب والغريب يا للثارات، وجعلوا دار الذهب مكان المستخلص، وطفقوا يلقون الناس في ذلك المقنص، وتسلط بعض الناس على البعض، واصطاد أرانب الأرض بكلاب الأرض، وكان فصل الخريف كجيش مصر قد فتل، وفصل الشتاء بزمهريره كجند تيمور بنيرانه على العالم قد نزل، فانتقل إلى القصر الأبلق،
стр. 213
ثم إلى بيت الأمير بتخاص وأمر بالقصر أن يهدم ويحرق ودخل إلى المدينة من باب الصغير في جمع كثير، وصلى الجمعة في جامع بني أمية، وقد الحنفية على الشافعية، وخطب به قاضي القضاة محي الدين محمود ابن العز الحنفي المذكور، وجرى ما يطول شرحه من أمور وشرور ووقع بين عبد الجبار بن النعمان الخوارزمي المعتزلي، وبين علماء الشام لا سيما قاضي القضاة تقي الدين إبراهيم بن مفلح الحنبلي، مناظرات ومناقشات، ومباحثات ومراجعات، هو في ذلك كترجمانه، يخاطبهم في جميع ذلك بلسانه، فمنها علي ومعاوية، وما مضى بينهم في تلك القرون الخالية، ومنها أمور يزيد وما يزيد، وقتله الحسين السعيد الشهيد، وإن ذلك ظلم وفسق بلا نكر، ومن استحله فهو واقع في الكفر، ولا شك أن ذلك الفعل الحرام، كان بمظاهرة أهل الشام، فإن كانوا مستحليه فهم كفار، وإن كانوا غير مستحليه فهم عصاة وبغاة وأشرار، وأن الحاضرين على مذهب الغابرين فحصل منهم في ذلك أنواع الأجوبة، فمنها ما رده، ومنها ما أعجبه، إلى أن أجاب كاتب السر
стр. 214
وأجاد، وأصاب فيما قال لو أفاد، أطال الله الكبير، بقاء مولانا الأمير، أما أنا فنسبي متصل بعمر وعثمان، وأن جدي الأعلى كان من أعيان ذلك الزمان، وحضر تلك الوقائع، وخاض هاتيك المعامع، وكان من رجال الحق وأبطال الصدق ومما تواتر من فعله، ووضع الشيء في محله، أنه توصل إلى رأس سيدنا الحسين، ونزهه عما حصل له من ابتذال وشين، ثم نظفه وغسله، وعظمه وقبله، وطيبه وبجله، وواراه في تربة، وعد ذلك عند الله تعالى من أفضل قربة، فلذلك أيها الغام الصيب كنوه بأبي الطيب، وعلى كل تقدير، يا مولانا الأمير، فتلك أمة قد خلت، وهموم وغمام غيومها انجلت، وبما جرعت انقضت، وبما أذاقت مرت أو حلت، وفتن أراحنا الله إذ أزاحنا عنها، ودماء طهر الله سيوفنا منها، وأما الساعة، فاعتقادنا اعتقاد أهل السنة والجماعة فلما سمع هذا الكلام قال يا لله العجب! وما سميتم بأولاد أبي الطيب إلا لهذا السبب، قال نعم، ويشهد لي بذلك القاصي والداني، وأنا محمد بن عمر بن محمد بن أبي القاسم بن عبد المنعم بن محمد بن أبي الطيب العمري العثماني فقال
стр. 215
له المعذرة يا طاهر الأسلاف، لولا أني ظاهر العذر لحملتك على عاتقي والأكتاف، ولكن سترى ما أفعله معك ومع أصحابك من التكريم والألطاف، ثم إنه ودعهم، وبالتعظيم والاحترام شيعهم ومنها أنه سألهم كناية، سؤال إضرار ونكاية، فقال ما أعلى الرتب، درجة العلم أو درجة النسب؟ فأدركوا قصده وفهموا، ولكن عن رد الجواب وجموا، وعلم كل منهم أنه قد أبتلي، فابتدر الجواب القاضي شمس الدين النابلسي الحنبلي، وقال درجة العلم أعلى من درجة النسب، ومرتبتها عند الخالق والمخلوق أسنى الرتب، والهجين الفاضل يقدم على الهجان الجاهل، والمقرف المنيف، أولى للإقامة من النسيب الشريف، والدليل في هذا جلي، وهو إجماع الصحابة في تقديم أبي بكر على علي، وقد أجمعوا أن أبا بكر أعلمهم، وأثبتهم قدماً في الإسلام وأقدمهم، وإثبات هذه الدلالة، من قول صاحب الرسالة لا تجتمع أمتي على ضلالة
ثم أخذ في نزع ثيابه، مصيخاً لتيمور وما يصدر من جوابه، ففكك أزراره، وقال لنفسه إنما أنت عاره، وكأس الموت لابد من شربها، فسواء ما بين بعدها
стр. 216
وقربها، والموت على الشهادة، من أفضل العبادة، وأحسن أحوالها لمن اعتقد أنه إلى الله صائر، كلمة حق عند سلطان جائر، فسأل ما يفعل، هذا المهمل، فقال يا مولانا الجليل، إن فرق عساكرك كأمم بني إسرائيل، وفيهم من ابتدعوا بدعا وتقطعوا في مذاهبهم قطعا، وفرقوا دينهم وكانوا شيعا، ولا شك أن مجالس حضرتك تنقل، وعقائل مباحثها تحل الصدور فتعقل، وإذا ثبت هذا الكلام عني، ووعاه أحد غير سني، خصوصاً من ادعى موالاة علي، وتسمى في رفضه أبا بكر بالرافضي، وتحقق مني يقيني، وأنه لا ناصر لي يقيني، فإنه يقتلني جهارا، ويريق دمي نهارا، وإذا كان كذلك فأنا أستعد لهذه السعادة، وأختم أحكام القضاء بالشهادة، فقال لله هذا! ما أفصحه! وأجرأه في الكلام وأوقحه، ثم نظر إلى القوم، وقال لا تدخلن هذا علي بعد اليوم " فصل " وهذا الرجل أعني عبد الجبار كان عالم تيمور وإمامه، وممن يخوض في دماء المسلمين أمامه، وكان عالماً فاضلا، فقيهاً كاملا، بحاثاً محققاً،
стр. 217
أصولياً جدلياً مدققاً، وأبوه النعمان في سمرقند كان، وهو في الفروع من أعلم أهل الزمان، حتى كان يقال له النعمان الثان، وكان من القائلين بعدم الرؤية في الأخرى، فأعمى الله تعالى بصره كبصيرته في الدنيا، وأكثر علماء عصره بما وراء النهر قرأ عليه الفروع، ونقل عنه مسائل المشروع، ولا خلاف في الفروع بين أهل السنة وأهل الاعتزال، وإنما اختلافهم في أصول الدين في مسائل معدودة سلكوا فيها سبيل الضلال " فصل " وتصدى لاستخلاص الأموال من أهل الشام، كل غشوم ظلام، وكفور صدام، ومن كان في قلة وفاقه، كصدقة بن الجابي وابن المحدث وعبد الملك ابن التكريتي المنبوذ بسماقة، وغيرهم من نظائرهم، من عواقب الظلم وأبنائهم، مع حضور أكابر المدينة وأعيانها، المار ذكرهم ورؤساء قطانها، فإنه لم يمكنهم في ذلك أن يتخلفوا، ولا يتقاعسوا لحظة ولا يتوقفوا، وبحضور دواوينه وحسابه، وضابطي أمور خزائنه وكتابه، ومنهم خواجه مسعود السمناني،
стр. 218
ومولانا عمر وتاج الدين السلماني، كل ذلك في دار الذهب وهو مكان مشهور، ونزل الله داد داخل باب الصغير، في دار ابن مشكور، وجعل كل من في قبيلته من أحد ضغينة، أو سخيمة دفينة، أو غل أو حسد أو حقد أو نكد يغمز على إخوته أولئك الظلمة الفظاظ، والزبانية الشداد الغلاظ وجعلوا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا
بل بأدنى إشارة، وأقل عبارة، يبنون على أرض وجود ذلك المسكين من جبال النكال قصور شواهق، وينشئون على حدائق ذاته من سماء العذاب سحاب عقاب ترعد عليه صواعق، وتبرق منه من الدمار والبوار بوارق " فصل " ثم إنه صار في هذه المدة، يحاصر القلعة ويعد لها ما استطاع من عدة، وأمر أن يبني مقابلها بناء يعلوها، ليصعدوا عليها فيهدوها، فجمعوا الأخشاب والأحطاب وعبوها وصبوا فوقها الأحجار والتراب
стр. 219
ودكوها، وذلك من جهة الشمال والغرب، ثم علوا عليها وناوشوها الطعن والضرب، وفوض أمر الحصار لأمير من أمرائه الكبار، يدعى جهان شاه، فتكفل بذلك وعاناه، ونصب عليه المجانيق، ونقب تحتها وعلقها والتعاليق، وكان فيها من المقاتلة، فئة غير طائلة، أمثلهم شهاب الدين الزردكاش الدمشقي وشهاب الدين أحمد الزردكاش الحلبي، فأبليا في إهلاك عسكره بلاء حسنا، وكان على جيشه كلما فاء إلى فنائهم وباء مصيبة وفنا، فأهلكا من جيشه بالإحراق، وإرعاد المدافع والإبراق، ما فات العد، وتبدد على دائرة الحد ولكنه لما أحاط بها من بحار بحريته سيل عرم سائلها، وأمطر عليها من سهام غمام رماته وصواعق بوارق كماته صيب وابلها، أتاها العذاب من فوقها ومن تحتها وعن أيمانها وعن شمائلها، وكلت عن المجاذبة والمنابذة أيدي مقاتلتها
فطلبوا الأمان، ونزلوا إليه من غير توان، وكل هذا الأمر المهول والقضاء العجب، في أواخر شهر ربيع الآخر وجمادين وشهر رجب، لكن ما نال من القلعة روماً، إلا بعد محاصرتها ثلاثة وأربعين يوماً،
стр. 220
وصار في هذه المدة يتطلب الأفاضل، وأصحاب الحرف والصنائع وأرباب الفضائل، ونسج الحريريون له قباء بالحرير والذهب، ليس له درز فإذا هو شيء عجب، وبنى في مقابر باب الصغير قبتين متلاصقتين على تربة زوجات النبي ﷺ ، وأمر بجمع العبيد الزنج واعتنى بجمعهم أكثر من غيرهم وقدم
ذكر ما صنعه بعض الأكياس من الناس
خوفاً من أن يحل بهم الباس ووقى بنفائسه النفوس والأنفاس
وكان في صفد، تاجر من أهل البلد، أحد الرؤساء التجار، يدعى علاء الدين وينسب إلى دوادار، كأنه تقدمت له خدمة على السلطان، فولاه حجبة ذلك المكان، فلما توجه النواب إلى حلب، والعادة أن ينوب عن نائب البلدة في غيبته من حجب، ناب عن نائبها ألطنبغا العثماني، وحاجبها علاء الدين الدواداري، فغرق في أسر ذلك الطوفان، كل النواب ومن جملتهم العثماني وابن الطحان، ومات منهم من مات وفر من فر، واستمر في قيد الأسر ألطنبغا وعمر فلما قدم تيمور الشام، وحل بها منه ما يحل من قضاة السوء بأموال الأيتام،
стр. 221
شرع كل متول في بلاد، يفعل ما أدى إليه الاجتهاد، فبعض حصن أماكنه، وبعض مكن كمائنه وطائفة استجزت للنقار، وفرقة استوفزت للفرار، وقوم سالوا وسكنوا، وهادوا وهادنوا ففكر علاء الدين المذكور وقدر، وتأمل في خلاص صاحبه وبلده وتبصر، وكان من أبناء الناس، وعنده ذوق الأكياس، واستشار مصيب عقله في ذلك واستنطقه، فقال داره بما معك من مال واترك سرب الفرار ونفقه، وما كذبه إذ قال له كل مداراة عن العرض ستر له وصدقة، وكان ذا مال ممدود، فقال ما ادخرت الدنانير الصفر والدراهم البيض إلا للأيام السود، فطلب من تيمور الرياضة، وأراد أن يجس أولاً بمجاملته المخاضة، فعالج هذا الأمر علاج النطس المريض، وبادر بالمهادنة حول الجريض دون القريض، وأرسل إلى تيمور أجناساً من ماله الطويل العريض، واستحال خاطره، واستدعى أوامره، ثم أردفها بأضعافها، وأضعف خواصرها بأردافها فشكر تيمور له صنعه، وزاده ذلك عنده منزلة ورفعة، وأرسل إليه مرسوم أمان، وأن يعمل هو وأهل بلده بالمجاملة والإحسان، فليؤمن روعهم، وليسكن
стр. 222
جنسهم ونوعهم، ولتؤنس وحشتهم، ولتذهب دهشتهم، بحيث أنهم يتبايعون ويتشاورون، وإلى معمليهم من عساكره يتجاورون، وإن استطال أحد من أجناده، ولو أنه من إخوته وأولاده، فليقابله بالمنع والإنكار، والضرب والإشهار، وصار يطلب منه ما أراده، فيرسله إليه بزيادة وكلما زاد فيما يقترحه عليه من نقد وجنس طلبا زاد علاء الدين لذلك نشاطا وطربا، ومن جملة ما اقترح عليه في ذلك المقبض، حمل بصل أبيض، بناء على أن ذلك لا يوجد، في الشام بأسرها فضلاً عن صفد، ففي الحال وجد من ذلك ثلاثة أحمال، فأرسلها إليه كما هي، وكان ذلك من الفضل الإلهي، حتى أحبه، وتمنى قربه، وقال فيه بمعنى ما قلت
داريت وقتك واحتميت ... ببذل مالك يا بشر
لو كان مثلك آخر ... في الشام ما سيمت بشر
وتوجه طوائف من العسكر إليهم، وباعوا منهم واشتروا عليهم، واستمرت عقود المصادقة لم تحل، إلى أن قوض خيامه عن دمشق ورحل،
стр. 223
فلما أقشع من الشام ضباب ضيره، وامتد في ميدان الرحيل حبل سيره، أعقب علاء الدين الدواداري، قاصداً إلى ذلك الأسد الضاري، ومعه تحف سنية، ونتف ملوكية، ومطالعة فحاويها رائقة، ومعانيها فائقة، وألفاظها بالخضوع والخشوع ناطقة، فيها من الترقيقات ما تقشعر منه الجلود، ويلين له الحديد والصخر الجلمود، ويجري في طبائع الأبدان اليابسة جري الماء في العود وطلب في أثنائها مراحمه في أمر العثماني وابن الطحان، وجز ناصية عبوديتها بمقراض الإعتاق والامتنان، وأن يجعل العفو عنهما شكر القدره، ويفيض عليهما من بحار مراحمه قطرة، وإنهما أقل من أن ينسبا إلى أسره، إذ ملوك الأرض تود لو كانت أطفالاً تحت حجره، ورأيه الشريف أعلى، وامتثال ما يبديه من المراسيم أولى
فلما اطلع تيمور على فحواه، وفهم ما أبداه وما أنهاه، وشاهد تخفه وهداياه، وتفكر في أول أمره ما ألحمه معه من الخدم وما أسداه، والخير له تأثير والبادي أكرم، والشر كله تقصير والبادي أظلم قلت
стр. 224
ترقب جزى الحسنى إذا كنت محسناً ... ولا تخشى من سوء إذا أنت لم تسئ
وقيل
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
لأن قلبه وإن كان حديداً، وهان صعبه وقد كان شديداً فدعاهما، وأكرم مثواهما، وأحسن إليهما، وذكر لهم شفاعة علاء الدين فيهما، ثم آمنهما الباس وأعطاهما ثلاثة أفراس، للعثماني اثنتان، وواحدة لعمر بن الطحان، ثم أضاف إليهما من أبلغهما المأمن، فوصل كل منهما إلى دار عزته، وحل ذاك في صفده وهذا في غزته " فصل " ولما تنجز لتيمور أخذ القلعة، جهز أمره ورام الرجعة، وقد استخرج منها ما أراد من نفائس وأموال بأنواع العقاب وأصناف العذاب والنكال
ذكر معنى كتاب أرسل إليه
على يد بيسق بعدما فروا من بين يديه
стр. 225
وقيل إن السلطان لما هرب، أرسل إليه كتاباً أقام فيه عليه الحرب، فمن معناه، وفحوى ما عناه لا تحسب أننا جزعنا منك، أو فررنا عنك، وإنما بعض مماليكنا قوى أنفاسه، وأخرج عن ربقة الطاعة رأسه، وتصور أن كل من خرج عرج، ولم يعتبر بمن رام للارتقاء سلماً فدرج، وأراد بذلك مثلك القاء الفساد، وهلاك العباد والبلاد، وهيهات فإن دون مرامه خرط القتاد، والكريم إذا بدا بجسمه مرضان داوى الأخطر، ورأيناك أنت أهون الخطبين وأحقر فثنى عزمنا الشريف عنانه، ليعرك من ذلك القليل الأدب آذانه، ويقيم في نظم طاعته ميزانه، وأيم الله لنكرن كرة الأسد الغضبان، ولنوردن منك ومن عسكرك نواهل القنا موارد الأضغان، ولنحصدنكم حصد الهشيم، ولندوسنكم دوس الحطيم، فلتلفظنكم رحى الحرب في كل طريق، لما تعانون من غليظ الطعن وجليل الضرب لفظ الدقيق، ولنضيقن عليكم سبل الخلاص، فلتنادن " ولات حين مناص " أو نحو هذه الترهات، ومثل هذه الخرافات، التي هي كالملح على الجروح، وكالريح عند خروج الروح، ولو كان بدل هذا الكلام الذي لا طائل فيه، والخطاب الهذيان الذي تمجه الآذان
стр. 226
وترميه، ما يستميل خاطره، ويطفئ من لهيب غضبه النائرة، مع شيء من الهدايا والتقادم، وإبراز قضاياهم في صورة المعتذر النادم، ربما كان كسر من غيظه، أو همد من حنقه وبرد من قيظه، وإنما فعلوا تلك المعذرة، بعد حريق دمشق وخراب البصرة، وأرسلوا الخدم والهدايا صحبة النعام والزرافات، وقد أعجز التدارك وفات وصاروا كما قيل
ذو الجهل يفعل ما ذو العقل يفعله ... في النائبات ولكن بعدما افتضحا
وكما قيل وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل " فصل " ذكر بيسق هذا قال لما مثلت بين يديه، وأديت الرسالة، وقرئ الكتاب عليه، قال لي قل الحق، ما اسمك؟ قلت بيسق، قال ما مدلول هذا اللفظ المزري؟ قلت له يا مولانا لا أدري، فقال أنت لا تعرف مدلول اسمك يا ثعالة، فكيف تصلح لتحمل الرسالة، ولولا أن عادة الملوك أن لا يهيجوا الرسل، وقد مهدوا على ذلك القواعد وسلكوا
стр. 227
السبل، وأنا أولى من يتبع آثار السلاطين، ويحيي سنن الملوك الماضين، لفعلت معك ما يجب فعله، ولأوصلتك ما أنت أهله، وبعد هذا فلا عتب عليك، وإنما اللوم على من تقدم بهذا الأمر إليك، ولا حرج عليه أيضاً لأن ذلك مبلغ علمه، ومدرك عقله وفهمه، وقد ظهر بفعله الوبيل، نتيجة ما قيل
تخير إذا ما كنت في الأمر مرسلا ... فمبلغ آراء الرجال رسولها
ثم قال لي توجه إلى قلعتكم، ومكان عزتكم ومنعتكم، فذهبت فوجدتها قد دكت دكاً، وسيم حرمها وحريمها خسفاً وهتكاً، ثم أتيته، وذكرت له ما رأيته، فقال إن مرسلك أقل من أن أجامله، وأذل من أن أراسله، ولكن قل له إني واصل إليه على عقبك، وها أنا مشبت مخاليب أسودي بذنبك، فليشمر للقرار أو للفرار الذيل، وليعد لأيهما اختار ما استطاع من قوة ومن رباط الخيل، ثم أمر بي فأخرجت، وما صدقت أن تصوبت! إلى جهة مصر ودحرجت
" فصل "
стр. 228
وحين ملأ جراب طمعه من نفائس ردنه، واستدر خلفاتها شيئاً فشيئاً صافياً ورونقاً حتى صفاها بقطنه، أمر بتعذيب هؤلاء الأعيان الكبار، فعذبوهم بالماء والملح وسففوهم الرماد والكلس وكووهم بالنار، واستخرجوا خبء الأموال منهم استخراج الزيت بالمعصار
ثم أطلق عنان الإذن لعساكره بالنهب العام، والسبي الطام، والفتك والقتل والإحراق، والتقيد بالأسر على الإطلاق، فهجمت أولئك الكفرة الفجرة على ذلك أشد الهجوم، وانقضوا على الناس بالتعذيب، والتثريب والتخريب، انقضاض النجوم، واهتزوا وربوا، وفتكوا وسبوا، وصالوا على المسلمين وأهل الذمم، صولة الذئاب الضواري على ضواني الغنم، وفعلوا مالا يليق فعله، ولا يجمل ذكره ونقله، وأسروا المخدرات، وكشفوا غطاء المسترات، واستنزلوا شموس الخدور، من أفلاك القصور، وبدور الجمال من سماء الدلال وعذبوا الكبار والأكابر بأنواع العذاب وبدا للخلق ما لم يكن في الحساب، واستخلصوا بإصلاء جواهر الناس النار منهم خلاصات الذهب، وصنفوا في استخراج النفائس
стр. 229
من النفوس بأصناف العذاب مسائل يقضي منها العجب وفرقوا بين الوالدة وولدها، والروح وجسدها، وذهلت كل مرضعة عما أرضعت، وجازوا كل نفس بما صنعت، وبغير ما صنعت، وفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، وصار لكل منهم يومئذ شأن يغنيه، وذل العزيز والكريم، وهان الخطير والجسيم، وطم البلاء، وعم القضاء، وطاشت الحلوم، وتبلدت الفهوم، وتراكمت غيوم الغموم، فأقسم بالله لقد كانت تلك الأيام، علامة من علامات يوم القيامة، وأسفرت تلك الساعة، عن اشراط الساعة، واستمر هذا النهب العام، نحواً من ثلاثة أيام
ذكر إلقائهم النار في البلد لمحو الآثار
ثم إنهم لما أنهوا العيث والعبث، وقضوا في حج فسادهم التفث، وأتموه بالفسق والجدال والرفث، وطافوا وسعوا في المنكرات، ورموا في البيوت النار وفي القلوب الجمرات، وأفاضوا ما أراقوا من دماء المسلمين الواقعين في الإحصار، رملوا في أشواط الإحراق فأرسلوا في حرم المدينة شواظاً من نار وكان فيهم من روافض الخراسانية، فأطلقوا النار في جامع
стр. 230
بني أمية فتشبثت النار بلهيبها، وساعدت الريح بهبوبها، فتساوقا في محو الآثار ريحاً وناراً، واستمر على ذلك بإذن الله تعالى ليلاً ونهارا، فاحترق ما بقي من النفائس النفوس، وانمحى بلسان النار ما سطر على لوح وجود المدينة من الدروس، فأمست تلك المغاني لا يسمع فيها ولا الهمس، وأصبحت " حصيداً كأن لم تغن بالأمس " وذلك بعد أن أظهروا ما أخذوا من أموال وأوسقوا منه الأحمال
إقلاع هاتيك الرزايا وإقشاع غمام
تلك الدواهي والبلايا عن بلاد الشام بما تحمله من أوزار وخطايا وآثام
ثم ارتحل ذلك الفتان، وأقلع صيب بلائه الهتان، يوم السبت ثالث شعبان، وقد أخذوا من نفائس الأموال فوق طاقتهم، وتحملوا من ذلك ما عجزت عنه قوى استطاعتهم، فجعلوا يطرحون ذلك في الدروب والمنازل، ويلقونه شيئاً فشيئاً في أوعار المراحل، وذلك لكثرة الحمل وقلة الحوامل، وأضحت القفار والبراري، والجبال والصحاري، من الأمتعة والأقمشة، كأنها أسواق الدهشة، وكأن
стр. 231
الأرض فتحت خزائنها، وأظهرت من المعادن والفلزات كامنها قلت بديها
وصار لسان شرهم ينادي ... على قنن الشواهق والبوادي
الأذى شنشنه عرفناها، وعادة فساد الفناها، ومن ملكنا ودينه اقترفناها، نهبنا أموال المسلمين وحفظناها، وما في وجهها صرفناها " ولكنا حملنا أوزار من زينة القوم فقذفناها " ومع ذلك فلو أخذ من نفائس دمشق أضعاف ما أخذ، وفلذ من أكباد ذخائرها آلاف ما فلذ، ما غاض ذلك ما في يمينها، ولا نقص من بحار معينها ولكن النار كانت هي البلاء الداهي، والمصاب المتناهي، لأنها أحرقت غالب من كان داخل البلد، لعدم الغواث، فما ظنك بما يكون من العمائر والأقمشة والأثاث، وضريت الكلاب بأكل لحوم من مات داخل البلد، فما صار يجسر على العبور إلى جامع بني أمية أحد
ذكر ما جرى في مصر وسائر الأقطار
عند سماعهم هذه الأخبار واستيقانهم هذه الأهوال والأخطار
стр. 232
فأما مصر فما دونها من البلاد فإنها تخبطت، وانحلت قواها وأيديها تربطت، وعدمت القرار، واستعدت للفرار، فلو رأيت الناس وهم حيارى " سكارى وما هم بسكارى " أبدانهم راجفة، وقلوبهم واجفة، وأصواتهم خافتة، وأبصارهم باهتة، وشفاههم يابسة، وصورهم بائسة، ووجوههم باسرة " تظن أن يفعل بها فاقرة " وقد استوفز كل أهل الأمصار، وسكان الأنجاد والأغوار، وقد أصاخ لما يرد عليه من جلي الأخبار، فبنى على ذلك ما يكون من متعلقات الحركة والسكون، فأخذ تيمور على طريقته العوجا، ورجع على سبيل بغيه التي اتخذها شرعة ونهجا، وقد سدت عساكره الآفاق والأكناف، وعمت هيبته الأرجاء والأطراف
ذكر من أصيب من سهام القضاء بالرشق
ووقع في مخالب أسره من أعيان دمشق
وأخذ من أعيان الشام، ومشاهيرها الأعلام، قاضي القضاة محي الدين بن العز الحنفي بعد أن عاقبوه بأنواع العقاب وكووه، وسقوه الماء والملح وبالكلس والنار شووه، وولده قاضي القضاة
стр. 233
شهاب الدين أبو العباس، فوصلا إلى تبريز ومكثا بها مدة في شدة وبأس، ثم رجعا إلى الشام، وأخذ أمرهما في الانتظام، وقاضي القضاة شمس الدين النابلسي الحنبلي، وقاضي القضاة صدر الدين المناوي الشافعي، فتوفي إلى رحمة الله الوهاب، غريقاً في نهر الزاب، وشهاب الدين أحمد بن الشهيد المعتبر، وكان متحملاً أوزار الوزر بعد أن راموا عذابه، وطلبوا عقابه، وكان قد جهز متعلقيه إلى الأماكن البعيدة، وأقام هو في دمشق في جريده، فذكر لهم حكايته، وبذل لهم في دفع موجوده طاقته، فأخذوا ما أخفاه خفية ولم يعذبوه، ولكنهم بالأهبة والقلة استصحبوه، فوصل إلى سمرقند وقاسى بها من صروف الزمن، أنواعاً من غربة وفقر ومحن، ثم رجع إلى دمشق وتوفي بها رحمه الله تعالى ومن الأمراء الخاص، الأمير الكبير بتخاص، وكان مقيداً معه ومات، عند وصوله إلى الفرات فأما القاضي ناصر الدين ابن أبي الطيب فإنهم عاقبوه بكل بلية، وكان رقيق البدن لطيف المزاج سوداويه فما كان عنده لذلك ثبات، فأعجزهم عما يرومون منه بالموت وفات، فمات واستراح، وشرب
стр. 234
من الشهادة كأس مدام جاءه وراح، فدفنوه عشية، بالمدرسة الكروسية ولما شرع في النهب العام المبرح، استشهد غلطاً قاضي القضاة تقي الدين ابن مفلح، وبرهان الدين بن القوشة، ضعف سبعة عشر يوماً، وانقطع في حارة تل الجبن ولحق بالأموات قوماً، وكانوا قد حرجوا على الأحياء والأموات، وخافوا أن لا يكون لأحد من أيديهم بحجة الوفاة فوات، فضبطوا بيوت المدينة بيتاً بيتاً، وحرجوا أن لا تخرج الأحياء ولا تجهيز الموتى، فلما مات المذكور تعسرت الأمور، فتحيروا في تجهيزه، وتغلبوا في أمره وتنجيزه، ثم بعد جهد بليغ وسعي كثير، دفنوه في الصالحية بعد إخراجه من باب الصغير وخرج مع تيمور بالاختيار من الشام عبد الملك بن التكريتي، فولاه نيابة سيرام، فمكث فيها القليل من الأيام، وهي وراء سيحون، وشخص آخر يدعى بيلبغا المجنون، وكان مقرباً عنده، وسبب ذلك أنه بذل في مناصحته جهده، وأخبره على ما قيل بفداوى، فخلصه بذلك من المهالك والمهاوي، وحصل له بذلك قربة، وزيادة ملازمة وصحبة، فولاه ذلك الجاس، نيابة مدينة
стр. 235
تدعى ينكي تلاس، وراء نهر خجند، نحو خمسة عشر يوماً عن سمرقند، بينها وبين سيرام، نحو من أربعة أيام وكان اسم ذلك المأبون، أحمد فتقلب يلبغا المجنون وأخذ من دمشق أرباب الفضل وأهل الصنائع، وكل ماهر في فن من الفنون بارع، من النساجين والخياطين، والحجارين والنجارين، والأقباعية والبياطرة والخيمية، والنقاشين والقواسين والبازدارية، وفي الجملة أهل أي فن كان، وجمع كما ذكر السودان
وفرق هؤلاء الطوائف على رؤوس الجند، وأمرهم أن يوصلوهم له إلى سمرقند، وأخذ جمال الدين رئيس الطب، وشهاب الدين أحمد الزردكاش، وكان في القلعة كما ذكر، وأباد من عسكره خلقاً لا يحصون، ولا يحصرون كثرة ولا يستقصون، وكان في حدود التسعين وقد احدودب، فلما رآه قابله بالسخط والغضب، وقال له إنك أفنيت صاغيتي، وحصيت غاشيتي، وقصيت حاشيتي، فإن قتلتك مرة واحدة لا يشفى غليلي، ولا يبرد عليلي، ولكن أعذبك على كبر سنك، وأزيدك كسراً على كسرك، ووهناً على وهنك، فقيده بقيد من فوق ركبتيه، زنته سبعة
стр. 236
أرطال ونصف رطل بالدمشقي، وقصد بذلك التشديد عليه، فلم يزل مقيداً، مكتوباً على قيده مخلداً أبدا، حتى مات تيمور، وارتفعت الشرور، وخلص من القيد ذلك المأسور، ثم توفى إلى رحمة الله تعالى وربما يكون أخذ أناساً من الفضلاء، والأعيان والسادات والنبلاء، من لا أعرفه، فكيف أصفه كذلك كل أمير من أمرائه، وزعيم من زعمائه، أخذ من الفقهاء والعلماء، وحفاظ القرآن والفضلاء، وأهل الحرف والصناعات، والعبيد والنساء والصبيان والبنات، مالا يسع الضبط، ولا يحل الربط، وكذلك كل من عسكره كبيراً وصغيراً، آسراً وأسيرا لأنه ما تم حرج على ما نهب شيئاً وعزله، وكل من سبقت يده إلى شيء فهو له، وهذا إذا أطلق عنان الإذن بالنهب العام، تساوى فيه الخواص من عسكره والعوام، ولو كان الناهب أسيراً فيهم، أو دخيلاً عليهم، والسالب من غير طينتهم، ولكن أبيح له ذلك لما سار بسيرتهم، وتخلق بشيمتهم، وأطلق عليه حكمهم، وأجرى عليه شكمهم، فأما قبل الإذن فلو تعدى أحد على أحد، وكان عند تيمور بمنزلة الوالد
стр. 237
أو الولد، أو استطال بمقدار حبة، أو تلفظ بغارة أو نهبة، فإنه يهدر ماله ودمه، ويهتك حرمته وحرمه، ولا ينجيه استغفاره وندمه، ولا يجديه أهله وخدمه، ولا يقال لعاً لمن زلت به قدمه، وكانت هذه قاعدة لا تخرم، وبنية لا تهدم
ذكر ما أباد بعد الجراد
ولما فرغ من مستغلات أموال دمشق الحصاد، وقارب الرحيل عنها أعقبه لقاط الجراد، وصار يسير معه حتى بلغ ماردين وبغداد، فأعرى كل شجراء ومردا، وجرد ما على وجه الأرض جردا، فوصل إلى حمص وما نهبها، ولخالد ﵁ كما ذكر وهبها، ولكن نهبوا قراها، وهدموا قواها، ثم إلى حماة فنهبوا نفائسها، واستخرجوا مكامنها، وأسروا عرائسها، واستملكوا كنائنها وفي سابع عشر رمضان، انصب إلى الجبول ذلك الطوفان، وأرسل إلى حلب وأخذ من قلعتها ما استودعها، ثم إلى الفرات وعبرها بالمراكب وغيرها فقطعها، ثم إلى الرها فنهبها واستحلب درها ثم أرسل ذلك الغادر، رسوله إلى ماردين يستدعي الملك الظاهر، وديباجة كتابه الدقل،
стр. 238
على ما نقل
سلام عليكم والعهود بحالها ... لقد بلغ الأشواق منا كمالها
فأبى أن ينزل إليه، ولا استمع كلامه ولا التفت إليه، لأنه كان آذاه كما ذكر أول مرة، فما احتاج إلى تجربته آخر كرة، فسلك معه بر السلامة وقال من جرب المجرب حلت به الندامة ولكن أرسل إليه قاصداً من بعض الخدم، يدعى الحاج محمد بن خاص بك ومعه التقادم والخدم، واعتذر عن الحضور، بعدة أمور، وعنوان جوابه، موافق لخطابه، وهو
فشوقي إليكم زائد الحد وصفه ... ولكن تخاف النفس مما جرى لها
فلم يلتفت تيمور إلى هذا الكلام، وأخذ يعنف نفسه بأنواع الملام، كيف خلص من مخاليبه أول مرة بسلام
ذكر وروده ماردين بالهيبة
وصدوره عنها بعد المحاصرة بالخيبة
فوصلوا يوم الاثنين عاشر شهر رمضان واردين ماردين، فنزلوا دنسير، وغدوا للحصار قاصدين، وإذا بأهلها وقد أخلوا المدينة،
стр. 239
وانتقلوا إلى قلعتهم الحصينة
صفة هذه القلعة
وهذه القلعة عنقاء قلتها تكبر أن تصاد، وعرنين عانسها يأبى أن يدخل لخاطب تحت مقود انقياد، لأنها في قلة من القلل، على ظهر جبل، لم يكن فرق بينه وبين قبة الأفلاك، إلا أن تلك لا ثبات لها وهذا ثابت ليس به حراك، بظهره واد بطنه أوسع من صدر الأحرار، فيه جنات تجري من تحتها الأنهار، وبه مطارح الزروع، ومسارح المواشي والضروع، وحدود جروف لا تصل همم ذوي الكرم إلى أرجائها، وحروف يعجز قارئ التفكير عن تعديد هجائها، وطريقه من القلعة أو على القلعة، والقلعة في غاية المناعة والرفعة، والمدينة مبنية حواليها، متشبثة بذيلها، تأكل من فضلات نعمها، وتشرب من فائض سيلها، فهم بين نعمهم ونقمهم يترددون، وفي السماء رزقهم وما يوعدون فأقام لمحاصرتها على مضائقها، يسترشد إلى طرق المضايقة وطرائقها، ولم يكن حواليها مكان للقتال، ولا لنصب المجانيق مجال، فعول على نقبها بالمعاول والفؤوس، واستعان على ذلك بالمقاول
стр. 240
والرؤوس، وحاشا درز ذيل حشمتها وعصمتها أن يسام فتقا، لأنها وإن كانت عذراء قد أعجزت الفحول لكونها رتقا، فلازالت المعاول تفل، والفطاطيس تكل، ومناقير القوس تتعقف، وخصور المرازب كهيف القدود تتقصف قلت
كأن معولهم في ثقب تربتها ... منقار طير على صلد من الحجر
أو عذل ذي حسد صباً به صمم ... أو غمز عين معنى فاقد البصر
واستمر على اللدد والخصام، إلى العشرين من شهر الصيام، ولم يحصل على طائل، ولم يظفر بمرام
ذكر تركه في المحاصرة، العناد
والمكابرة، وتوجهه بمارديه ذوي الفساد عن ماردين إلى بغداد
ولما علم أنه منى منها بالداهية الدهيا، وطلاب مالا يستطاع عيا، والمكابرة مع الحق خروج عن المنهج، والبلاغة في غير مقامها عي لجلج، ستر عيبه، وأبقى بعض الحرمة والهيبة، وخرب المدينة وأسوارها، ومحا آثارها، وهدم مآذنها وجوامعها ومنارها،
стр. 241
وفك أساسها وأحجارها، ثم انحدر إلى بغداد، بعساكر كالذر والفراش والجراد، وجهز بعض الثقل إلى سمرقند مع الله داد، فوصلوا إلى مدينة صور وليس فيها بيت مشاد، ثم إلى أخلاط وعيد الجوز وهي بلاد الأكراد، آهلة عامرة البنيان، وأول ما هو جار تحت حكمه من ولايات تبريز وأذربيجان فعيد الثقل بعيد الجوز عيد رمضان، ثم دخلوا إلى ولايات تبريز ثم إلى سلطانية ثم إلى ممالك خراسان وكان إذ ذاك وقد خرج فصل الشتاء، وفصل الربيع تزين وأتى، وصفحات الرياض بأنامل صباغ القدرة تلونت، وعروس الروض قد أخذت من صواغ الحكمة زخرفها وازينت، والأطيار في الأزهار، ما بين مائة بلبل وألف هزار، وقد شنفت الأسماع، وأقامت السماع، واستمالت الطباع برخيم صوتها، وأحيت آثار رحمة الله على الأرض بعد موتها، ولا زال الثقل بين تأويب وادلاج، وسير ولا سير الحاج، كل يوم في مرحلة وكل ليلة في مقام، فوصلوا إلى نيسابور ثم إلى جام، ثم قطعوا مفاوز باورد وماخان، ثم إلى اندخوى وانتهوا إلى نهر جيحون، فعبروه بالمراكب، وساروا سير النجم الثاقب
стр. 242
ولم يزالوا منبعثين على ذلك انبعاثاً، فوصلوا إلى سمرقند ثالث عشر المحرم يوم الثلاثاء، سنة أربع وثمانمائة، وفيهم من أهل الشام فئة، أمثلهم القاضي شهاب الدين أحمد بن الشهيد الوزير، وباقيهم بياطرة، وصباغون ونساجة الحرير، وهذا أول ما تحمله من الشام من أحمال الأثقال، وباكورة ما وصل إلى سمرقند مما جناه من ثمر الأساري والأموال، ثم أرسل الأثقال تترى، بالأنفال وأحمال الأموال والأسرى " فصل " ثم إن تيمور ولى آمد قرايلوك عثمان، وولى عن ماردين يوم الخميس العشرين من شهر رمضان، وكان خامس أيار، وجعل يعيث في تلك الديار، وخرب نصيبين ورعى مستغلاتها، ثم محا من صحف الوجود صور سورها وآياتها، وكانت خالية من سكانها خاوية من عامري عمرانها، ثم وجه إلى الموصل همه، وأخنى عليها بكتائبه المدلهمة، فبعد أن أحلها الحين وهبها لحسين بك بير حسين، ثم جمز بزمجره، ناحية القنطرة، وأشاع أنه كف فساده، وقصد بلاده، ولكن السلطان أحمد كان قد تحقق أنه قاصد بغداده،
стр. 243
وقد أوهم وورى كما له بذلك دأب وعادة
ذكر ما فعله السلطان أحمد
بن الشيخ أويس، لما بلغه أنه توجه إلى ذلك النحيس
فلما بلغ السلطان أحمد أن تيمور بعد أن تدمشق تمرد، ثم عزم على أن يتبغدد، وقال العود أحمد، استعد ولكن للفرار، واستقر رأيه على أن لا قرار، ثم استناب نائباً يدعى فرج، وأوصى إليه وإلى ابن البليقي بأمور وصحبة قرا يوسف إلى الروم خرج، وكان من جملة ما وصى به أن لا يغلق في وجه تيمور باب، ولا يسدل دون ما يرومه حجاب، ولا يشهر في وجهه سيف، ولا يقابل فيما يأمر به بلم وكيف فبلغ تيمور هذه الأمور، فجهز ذلك المخاتل، إلى بغداد عشرين ألف مقاتل، وأمر عليهم من أمرائه، ورؤساء وزرائه، والظلمة المعتدين، أمير زاده رستم وجلال الإسلامي وشيخ نور الدين، وأمر أن يكون المقدم، من الثلاثة الأمير رستم، فإذا تسلموا بغداد، يكون هو حاكم البلاد، وحين غربت عن سماء بغداد شمس السلطان أحمد في غرب الغربة، ومد ظلام
стр. 244
الظلم جناح العساكر التيمورية على آفاقها وأرسل عليه شهبه، أبى فرج المذكور، أن يسلم المدينة طوعاً، واستعد للمقاتلة فجمع ما عنده من أهبة المحاصرة فأوعى، فأطلعوا تيمور على هذا الأمر، وانتظروا ما يكون منه من نهي وأمر، فثنى نحوها عنان الحنق، وأضمر ما تصل إليه يده من غرق وحرق، وأطل عليهم بغمام غم بعدما رعد وبرق، فوصل بتلك الفرق، وأحل بهم البؤس والقلق، وأذاقهم لباس الجوع والغرق، فرجهم أي رج، وحاصرهم في أشهر الحج، فثبتت مقاتلتهم وأكثروا من عساكره القتلى والجرحى، فحنق أشد الحنق، وزحف عليهم برجله وخيله فأخذها عنوة يوم الأضحى، فتقرب على زعمه بأن جعل المسلمين قرابين وعليهم ضحى ثم أمر من هو في دفتر ديوانه محسوب، وإلى يزك عساكره من الجند والجيش منسوب، أن يأتيه من رؤوس أهل بغداد برأسين، فسقوا كل واحد من خمرة سلب الروح والمال كأسين، ثم أتوا بهم فرادى وجملة، وجاروا بسيل دمائهم نهر الدجلة وطرحوا أبدانهم في تلك الميادين، وجمعوا رؤوسهم فبنى بها مآذين، فقتلوا من أهل بغداد نحواً
стр. 245
من تسعين ألف نفس صبراً، وبعضهم عجز عن تحصيل البغدادين فقطع رؤوس من معه من أهل الشام وغيرها أسرى، وعجز بعض عن رؤوس الرجال، فقطع رؤوس ربات الحجال، وبعض لم يكن معه رقيق، فاصطاد من وجده في طريق، أو اغتال من معه من رفيق، وفدى نفسه بعدو وصديق، ولم يلتفت إلى شفيق وشقيق، إذ لم يمكنهم الخروج عن ربقة الطاعة، ولا يقبل منهم عدل ولا تنفعهم شفاعة وهذا العدد المذكور، سوى من قتل وهو محصور أو قتل في مضيق، أو مات في الدجلة وهو غريق، فقد ذكر أن خلقاً ألقوا أنفسهم في الماء وماتوا غرقى، ومن جملتهم فرج فإنه ركب سفينة وأبق، فاحتوشوه من الجانبين بالسهام فجرحوه وانقلبت السفينة فأدركه الغرق، فبنى من المآذين نحواً من مائة وعشرين، كذا أخبرني القاضي تاج الدين أحمد والنعمان الحنفي الحاكم ببغداد كان، وتوفى غرة المحرم سنة أربع وثلاثين وثمانمائة بدمشق رحمه الله تعالى ثم إن تيمور خرب المدينة، بعد أن أخذ ما بها من أموال خزينة، وأفقر أهلها، وأقفر منازلها، وجعل عاليها سافلها، وصارت بعد
стр. 246
أن كانت مدينة السلام، دار السام، وأسروا من بقي من ضعفة أهلها فتمزق، ومزقتهم أيدي الزمان كل ممزق، بعد أن كانوا في ظلال ودلال، ومن مساكنهم في جنتين عن يمين وشمال، فاليوم عشش البوم والغراب أماكنهم، وأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، وهذه المدينة هي أشهر من أن توصف، وعرف عارفتها وعرفانها أذكى من أن يعرف، ناهيك، أنها كاسمها مدينة السلام، وأنه على ما قيل لم يمت بها إمام
ذكر رجوع ذلك الطاغ وإقامته في قراباغ
ثم ألوى بتلك الأتراك التي يصح أن يقال لكل منهم أنه في التركية طاغية طاغ وعزم أن يشت في مكان يصلح أن يكون في الترك والعرب كصفاته وذاته قراباغ، وأمسى كالبازي المطل بل كالبوم في الشؤم مراقباً أطراف الآفاق وخصوصاً ممالك الروم
ذكر مراسلة ذلك المريد سلطان
الروم يلدريم بايزيد
فراسل سلطانها بايزيد المجاهد الغاز، وصرح بما يروم من بلاد الروم، من غير كناية وألغاز، وجعل السلطان أحمد وقرا يوسف
стр. 247
سبباً، وذكر أنهما من سطوات سيوفه هربا، وأنهما مادة الفساد، وبوار البلاد، ودمار العباد، وسنخ الخمول والإدبار، وكفرعون وهامان في العلو والاستكبار، " إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين " وقد صارا بمن معهما في حمى ذراكم، لاطئين، وأينما حلوا حلت التعاسة والشوم، وحاشا أن يكون مثلهما من المفلوكين تحت جناح صاحب الروم، فإياكم أن تأووهم بل أخرجوهم، وخذوهم واحصروهم " واقتلوهم حيث وجدتموهم " وإياكم ومخالفة أمرنا، فتحل عليكم دائرة قهرنا، فقد سمعتم قضايا مخالفينا وأضرابهم، وما نزل بهم منا في حرابهم وضرابهم " وتبين لكم كيف فعلنا بهم " فلا تكثروا بيننا وبينكم القيل والقال، فضلاً عن جدال وقتال، فقد بينا لكم البراهين وضربنا لكم الأمثال، وفي أثناء ذلك أنواع التهديد والتخويف، وأضاف التهويل والأراجيف وكان ابن عثمان عنده رقاعة وشجاعة، ولم يكن عنده صبر ساعة، مع أنه كان من الملوك العادلين، وعنده تقوى وصلابة في الدين، وكان إذا تكلم وهو في صدر مكان، فلا يزال في حركة واضطراب حتى يصل إلى طرف الإيوان
стр. 248
وكان بواسطة عدله ساعده الزمان، وقويت شوكته في المكان، فاستصفى ممالك قرمان، وقتل ملكها السلطان علاء الدين وأسر له عنده ولدان، واستولى على ممالك منتشا وصاروخان، وهرب منه إلى تيمور الأمير يعقوب بن علي شاه حاكم ولايات كرميان، وصفا له من حدود جبل بالقان، من ممالك النصارى إلى ممالك أرزنجان فلما وقف على كتابه، وفهم فحوى خطابه، نهض وربض، وامتعض وارتمض، ورفع صوته وخفض، وكأنه تجرع نقوع الحضض، ثم قال أو يخوفني بهذه الترهات، ويستفزني بهذه الخزعبلات؟ أو يحسب أنني مثل ملوك الأعجام، أو تتار الدشت الأغتام؟ أو في جمع الجنود، كجيش الهنود، أو جندي في الشقاق، كجمع العراق أو ما عندي من غزاة الإسلام، كعساكر الشام، أو أن قفله المجمع كجندي أو ما يعلم أن أخباره عندي؟ وكيف ختل الملوك وختر، وكيف تولى وكفر، وما صدره عنه وعنهم، وكيف كان كل وقت يستضعف طائفة منهم، وأنا أفصل جمل هذه الأمور، وأكشف ما خزنه في التامور أما أول أمره فحرامي سفاك الدم، هتاك
стр. 249
الحرم، نقاض العهود والذمم، طرف منحرف عن الصواب في الخطا، فصال وجال وجار وصار وسطا، ثم طال واستطال، واتسع له المجال، وغفل عن الرجال، ومن حين نبع، استصبى حتى شاب الشيب بالعيب فأدرك وما بلغ، فالتهبت فتيلته بعد أن كانت شرارة، وانتشرت فروع حبته فصارت غرارة أما ملوك العجم فإنه استنزلهم بدخله وختله، ثم استفزهم بخيله ورجله، وبادر إلى قتلهم بعد أن أمكنتهم فرصة قتله وأما توقتاميش خان، فإن غالب عسكره خان، ومن أين للتار الطغام، الضرب بالبتار الحسام؟ وما لهم سوى رشق السهام، بخلاف ضراغم الأورام وأما جنود الهنود، فإنه ختلهم في أمرهم، ورد كيدهم في نحرهم، فوهت أركانهم، لا سيما وقد مات سلطانهم وأما عساكر الشام فأمرهم مشهور، وما جرى عليهم فظاهر غير مستور، ولما مات سلطانهم، وتضعضعت أركانهم، وانقض أمرهم وانفض، وبغى بعضهم على بعض، فقطعت منهم الرؤوس الكبار، ولم يبق فيهم إلا رؤوس صغار، فنثر الزمان نظامهم، وسام التبدد ملكهم وشامهم، مع أنهم في الصور ربيع وفي المعاني
стр. 250
جمادى، يرمون بواحدة وهي أنهم يبيتون جميعاً ويقومون مثنى وفرادى، لا جرم تفرقت أيادي سبا أحزاب تلك الزمر، فاشتغل جيشه فيها بالمحرم فباض لما خلا له الجو وصفر، ولو كان بينهم اتفاق لفتوه فتاً، وبددوا شمله وبتوه بتاً، ولكنهم " تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى " ومع اتساق نظامهم، وتسديد سهامهم، وقوة نطاحهم، وشدة كفاحهم، وشدة رماحهم، وكونهم ظهر الحاج، وأسود الهياج، أنى لهم نظام عساكرنا، وقوة القيام بتظافرنا وتناصرنا؟ وكم تفرق بين من تكفل بأمر الحفاة العراة، وبين من تحمل إصر الكماة الغزاة، فإن الحرب دأبنا، والضرب طلابنا، والجهاد صنعتنا، وشرعة الغزاة في سبيل الله تعالى شرعتنا، إن قاتل أحد تكالباً على الدنيا، فنحن المقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، رجالنا باعوا أنفسهم وأموالهم من الله بأن لهم الجنة
فكم لضرباتهم في آذان الكفار من طنة، ولسيوفهم في قلانس القوانس من رنة ولنون قسيهم في خياشهم بني الصليب من غنة، لو سمناهم خوض البحار خاضوها، أو كلفناهم إفاضة دماء الكفار أفاضوها، وقد أطلوا من صياصيهم
следующие страницы →