Полный текст (492 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
أن كانت مدينة السلام، دار السام، وأسروا من بقي من ضعفة أهلها فتمزق، ومزقتهم أيدي الزمان كل ممزق، بعد أن كانوا في ظلال ودلال، ومن مساكنهم في جنتين عن يمين وشمال، فاليوم عشش البوم والغراب أماكنهم، وأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، وهذه المدينة هي أشهر من أن توصف، وعرف عارفتها وعرفانها أذكى من أن يعرف، ناهيك، أنها كاسمها مدينة السلام، وأنه على ما قيل لم يمت بها إمام
ذكر رجوع ذلك الطاغ وإقامته في قراباغ
ثم ألوى بتلك الأتراك التي يصح أن يقال لكل منهم أنه في التركية طاغية طاغ وعزم أن يشت في مكان يصلح أن يكون في الترك والعرب كصفاته وذاته قراباغ، وأمسى كالبازي المطل بل كالبوم في الشؤم مراقباً أطراف الآفاق وخصوصاً ممالك الروم
ذكر مراسلة ذلك المريد سلطان
الروم يلدريم بايزيد
فراسل سلطانها بايزيد المجاهد الغاز، وصرح بما يروم من بلاد الروم، من غير كناية وألغاز، وجعل السلطان أحمد وقرا يوسف
стр. 247
سبباً، وذكر أنهما من سطوات سيوفه هربا، وأنهما مادة الفساد، وبوار البلاد، ودمار العباد، وسنخ الخمول والإدبار، وكفرعون وهامان في العلو والاستكبار، " إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين " وقد صارا بمن معهما في حمى ذراكم، لاطئين، وأينما حلوا حلت التعاسة والشوم، وحاشا أن يكون مثلهما من المفلوكين تحت جناح صاحب الروم، فإياكم أن تأووهم بل أخرجوهم، وخذوهم واحصروهم " واقتلوهم حيث وجدتموهم " وإياكم ومخالفة أمرنا، فتحل عليكم دائرة قهرنا، فقد سمعتم قضايا مخالفينا وأضرابهم، وما نزل بهم منا في حرابهم وضرابهم " وتبين لكم كيف فعلنا بهم " فلا تكثروا بيننا وبينكم القيل والقال، فضلاً عن جدال وقتال، فقد بينا لكم البراهين وضربنا لكم الأمثال، وفي أثناء ذلك أنواع التهديد والتخويف، وأضاف التهويل والأراجيف وكان ابن عثمان عنده رقاعة وشجاعة، ولم يكن عنده صبر ساعة، مع أنه كان من الملوك العادلين، وعنده تقوى وصلابة في الدين، وكان إذا تكلم وهو في صدر مكان، فلا يزال في حركة واضطراب حتى يصل إلى طرف الإيوان
стр. 248
وكان بواسطة عدله ساعده الزمان، وقويت شوكته في المكان، فاستصفى ممالك قرمان، وقتل ملكها السلطان علاء الدين وأسر له عنده ولدان، واستولى على ممالك منتشا وصاروخان، وهرب منه إلى تيمور الأمير يعقوب بن علي شاه حاكم ولايات كرميان، وصفا له من حدود جبل بالقان، من ممالك النصارى إلى ممالك أرزنجان فلما وقف على كتابه، وفهم فحوى خطابه، نهض وربض، وامتعض وارتمض، ورفع صوته وخفض، وكأنه تجرع نقوع الحضض، ثم قال أو يخوفني بهذه الترهات، ويستفزني بهذه الخزعبلات؟ أو يحسب أنني مثل ملوك الأعجام، أو تتار الدشت الأغتام؟ أو في جمع الجنود، كجيش الهنود، أو جندي في الشقاق، كجمع العراق أو ما عندي من غزاة الإسلام، كعساكر الشام، أو أن قفله المجمع كجندي أو ما يعلم أن أخباره عندي؟ وكيف ختل الملوك وختر، وكيف تولى وكفر، وما صدره عنه وعنهم، وكيف كان كل وقت يستضعف طائفة منهم، وأنا أفصل جمل هذه الأمور، وأكشف ما خزنه في التامور أما أول أمره فحرامي سفاك الدم، هتاك
стр. 249
الحرم، نقاض العهود والذمم، طرف منحرف عن الصواب في الخطا، فصال وجال وجار وصار وسطا، ثم طال واستطال، واتسع له المجال، وغفل عن الرجال، ومن حين نبع، استصبى حتى شاب الشيب بالعيب فأدرك وما بلغ، فالتهبت فتيلته بعد أن كانت شرارة، وانتشرت فروع حبته فصارت غرارة أما ملوك العجم فإنه استنزلهم بدخله وختله، ثم استفزهم بخيله ورجله، وبادر إلى قتلهم بعد أن أمكنتهم فرصة قتله وأما توقتاميش خان، فإن غالب عسكره خان، ومن أين للتار الطغام، الضرب بالبتار الحسام؟ وما لهم سوى رشق السهام، بخلاف ضراغم الأورام وأما جنود الهنود، فإنه ختلهم في أمرهم، ورد كيدهم في نحرهم، فوهت أركانهم، لا سيما وقد مات سلطانهم وأما عساكر الشام فأمرهم مشهور، وما جرى عليهم فظاهر غير مستور، ولما مات سلطانهم، وتضعضعت أركانهم، وانقض أمرهم وانفض، وبغى بعضهم على بعض، فقطعت منهم الرؤوس الكبار، ولم يبق فيهم إلا رؤوس صغار، فنثر الزمان نظامهم، وسام التبدد ملكهم وشامهم، مع أنهم في الصور ربيع وفي المعاني
стр. 250
جمادى، يرمون بواحدة وهي أنهم يبيتون جميعاً ويقومون مثنى وفرادى، لا جرم تفرقت أيادي سبا أحزاب تلك الزمر، فاشتغل جيشه فيها بالمحرم فباض لما خلا له الجو وصفر، ولو كان بينهم اتفاق لفتوه فتاً، وبددوا شمله وبتوه بتاً، ولكنهم " تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى " ومع اتساق نظامهم، وتسديد سهامهم، وقوة نطاحهم، وشدة كفاحهم، وشدة رماحهم، وكونهم ظهر الحاج، وأسود الهياج، أنى لهم نظام عساكرنا، وقوة القيام بتظافرنا وتناصرنا؟ وكم تفرق بين من تكفل بأمر الحفاة العراة، وبين من تحمل إصر الكماة الغزاة، فإن الحرب دأبنا، والضرب طلابنا، والجهاد صنعتنا، وشرعة الغزاة في سبيل الله تعالى شرعتنا، إن قاتل أحد تكالباً على الدنيا، فنحن المقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، رجالنا باعوا أنفسهم وأموالهم من الله بأن لهم الجنة
فكم لضرباتهم في آذان الكفار من طنة، ولسيوفهم في قلانس القوانس من رنة ولنون قسيهم في خياشهم بني الصليب من غنة، لو سمناهم خوض البحار خاضوها، أو كلفناهم إفاضة دماء الكفار أفاضوها، وقد أطلوا من صياصيهم
стр. 251
على قلع قلاع الكفار وأخنوا عليها، وأمسكوا بعنان أفراسهم فكلما سمعوا هيعة طاروا إليها، لا يقولون لملكهم إذا غمرهم في البلاء والابتلاء إنا هاهنا قاعدون فاذهب أنت وربك فقاتلا ومعنا من الغزاة مشاه، أفرس من فوارس الكماة، أطبارهم باترة، وأظفارهم ظافرة، كالأسود الكاسرة، والنمور الجاسرة، والذئاب الهاصرة، قلوبهم بودادنا عامرة، لا تخامر بواطنهم علينا مخامرة، بل وجوههم في الحرب ناضرة " إلى ربها ناظرة " وحاصل الأمر أن كل أشغالنا، وجل أحوالنا وأفعالنا، جم الكفار ولم الأسرى وضم الغنائم، فنحن المجاهدون في سبيل الله الذين لا يخافون لومة لائم وأنا أعلم أن هذا الكلام يبعثك إلى بلادنا انبعاثاً، فإن لم تأت تكن زوجاتك طوالق ثلاثاً، وإن قصدت بلادي وفررت عنك ولم أقاتلك البتة، فزوجاتي إذ ذاك طوالق ثلاثاً بتة، ثم أنهى خطابه، ورد على هذا الطريق جوابه فلما وقف تيمور على جوابه القلق، قال ابن عثمان مجنون حمق، لأنه أطال وأساء، وختم ما قرأه من كتابه بذكر النساء، لأن ذكر النساء عندهم من العيوب، وأكبر الذنوب، حتى أنهم لا يلفظون
стр. 252
بلفظ امرأة ولا بأنثى، وإنما يعبرون عن كل أنثى بلفظ آخر ويحثون على الاحتراز عنه حثا، ولو ولد لأحدهم بنت يقولون ولد له مخدرة، أو ربات الحجال أو مسترة، ... أو نحو ذلك
ذكر طيران ذلك البوم وقصده
خراب ممالك الروم
فوجد تيمور إلى التوجه على ابن عثمان السبيل، وطلب الرفيق والطريق، ورام الدليل، وعرض جنده فإذا الوحوش حشرت، وانبثوا على وجه الأرض فإذا الكواكب انتثرت، وماج فإذا الجبال سيرت، وهاج فإذا القبور بعثرت، وسار فزلزلت الأرض زلزالها، ومار فأظهرت القيامة أهوالها، وأرسل إلى ولي عهده، ووصيه من بعده، حفيده محمد سلطان بن جهانكير، أن يتوجه إليه من سمرقند صحبة سيف الدين الأمير وركب إلى الروم الطريق، وساعده الاتفاق لا التوفيق، وجرى بذلك البحر المطلخم، والليل المدلهم، فدار وداخ، وعلى قلعة كماخ أناخ، فإذا هي في الوثاقة كيقين موحد، وفي الرصانة والمناعة كاعتقاد متعبد، لا يقطع خندق مناعتها سهم وهم، ولا يهتدي إلى الطريق التوصل إليها صائب فهم، مؤسس أركان
стр. 253
هضابها معمار القدرة، ومهندس بنيان قبابها نجار الفطرة، ليست بالعالية الشاهقة، ولا بالقصيرة اللاصقة، غير أنها في مناعتها وحصانتها فائقة من إحدى جهاتها نهر الفرات يقبل أقدامها، ومن الجهة الأخرى واد متسع يحفظ أعلامها، لا يمكن للأقدام فيها الثبات، وهو مسيل ماء يصب في نهر الفرات ومن الجهتين الأخريين هضاب، يتلو لسان البصيرة عند وقوع البصر عليها " إن هذا لشيء عجاب " فأخذها من غير كلفة، وولج حرمها من غير طواف بها ولا وقفة، وذلك بعد أن قدم محمد سلطان عليه، ووكل أمر حصارها وقتالها إليه وسبب ذلك أن الوادي الذي وراءها، كان يرد بالخيبة لوعورته من منه جاءها، لكونه مزلة الأقدام، واسع الأفعام بعيد مهوى المرام، لا يثلب لسان السهم له عرض، ولا يثبت له تحت قدم غواص البصر قرار أرض، فبمجرد ما وقع نظره عليها، نظر بعين الفراسة إليها، ثم أمر بقطع الأخشاب، ونقل الأحطاب، فلم يكن إلا كلمح البصر، حتى هدموا البيوت وقطعوا الشجر، ونقلوا جميع ذلك الخشب والأعواد، وطرحوها في قعر ذلك الواد، فساووا
стр. 254
به الأرض، وملأوا طوله والعرض، وحين شعر أهل القلعة بهذه الفعال، ألقوا النار والبارود على تلك الأخشاب فأخذت في الاشتعال وأما أساس القلعة فلا ينال، لأنه راكب على قلل الجبال، فلم يبدد ذلك من أمره، ولم يشوش من فكره، بل أمر في الحال، كل واحد من الرجال، أن يأتي من تلك القفار، بعدل من الأحجار، فانبثوا كالنمل والجراد، في تلك المهامه والأطواد، والبراري والمهاد، " وجابوا الصخر بالواد "
ففي الحال ملأوا تلك الدارة، من الحصباء والحجارة، ثم أمر أن يفعل بتلك الحجارة في ذلك المهوى البعيد، ما يفعل بهم في جهنم يوم يقال لها " هل امتلأت وتقول هل من مزيد " فألقوا في ذلك الوادي بعض ما لموه، من أكداس تلك الحجارة فطموه، وبقي في بيادر ذلك الحجر، أخفاف ما رمى من البصر، ولما امتلأ الوادي من الأحجار، مشوا عليها وقربوا من الأسوار، ونصبوا السلالم وتسلقوا، وبناصية مراميها تعلقوا، فأقلع أهل القلعة عن الكلام، وطلبوا الأمان وقالوا ادخلوها بسلام وكان هذا الحصار والتلجئة، في شوال سنة أربع وثمانمائة، ولما استقر فيها أمر بتلك الأحجار أن تنقل
стр. 255
من واديها، ففي الحال سفوها، وفي مكان أخذوها منه رموها، ثم ولى بها شخصاً يدعى الشمس، وولى عنها كما ولى أمس وهذه القلعة نحو من نصف يوم عن أرزنجان، ومن القلاع المشهورة في الدنيا بالمناعة والعصيان، فلا جرم حين استولى عليها، وأفضى بصارمه الذكر إليها، وفتحها قهراً، ومنحها جبراً، أبرد بهذا المغنم البارد، إلى كل صادر في ممالكه ووارد بكتب ترجم فيها من الأخبار كل سائح وشارد وعنوان هذه الترجمة، بلفظها من غير ترجمة
بحد سيوف داميات لدى الوغى ... فتحنا بحمد الله حصن كماخ
وذكر فيها ابن عثمان وخطابه إليه، وكيف رد جوابه الحمق عليه، ومن جملته، وبعض ترجمته، إنا ما جفوناه ولا تعدينا عليه، ولكن رققنا له القول وتلطفنا إليه، وقلنا له يخرج من قروح مملكته مادة الفساد، وهي أحمد جلائري وقرا يوسف التركماني اللذان أخربا البلاد، وأهلكا العباد، والرضى بالمعصية معصية، والإقرار على الكفر كفر، والفاسق المحروم البائس، شر من الفاسد الظلوم
стр. 256
الملابس، فصارا في الفساد وزيريه وهو الأمير، وفي العناد صغيرين وهو الكبير، وعاشراه على ذلك ووالياه فلبئس المولى وبئس العشير، فأفسداه وما انصلحا، وخسراه وما ربحا، فكأنه عنى شأنهم، من أظهر قولهم وشأنهم بقوله
ولا ينفع الجرباء قرب صحيحه ... إليها ولكن الصحيحة تجرب
ولم يزل على طريقته العوجا، فأشبه لما أجارهم مجير أم عامر العرجا، فنهيناه فما انتهى، ونبهناه فما أرعوى، وأريناه العبر في غيره فما اعتبر، وناداه لسان انتقامنا من المخالفين الحذر الحذر، وكنا وضعنا اسمه مع اسمنا، على عادة حشمتنا وأدبنا في المراسلات ورسمنا، فتعدى طوره، وأبدى جوره، وكان في بعض مراسلاته، وما وضعه في مكاتباته، كتب اسمه تحت اسم طهرتن، وهذا هو الواجب عليه والحسن، ولا شك أن طهرتن بالنسبة إلينا، كبعض خدمنا، وأقل حشمنا ثم إنه أعنى بايزيد لما طالع كتابنا، ورد جوابنا، وضع اسمه فوق اسمنا بالذهب، وهذا لما فيه من كثرة الحماقة وقلة
стр. 257
الأدب، ثم ذكر أنه توجه يروم، استخلاص ممالك الروم، وتشدق في هذا الكتاب، وتفيهق في هذا الخطاب فهو أحد دساتير الكتاب والأساطير المستعان بها في الخطاب والجواب
ذكر ما عزم ابن عثمان عليه
عند انصباب ذلك الطوفان إليه
فلما بلغ ابن عثمان ما قصده، وأنه جعل طالعه في سماء الحرب رصده، توجه لقتاله، واستعد لاستقباله، وكان على مدينة استنبول محاصراً آثمها وكفارها، وقد قارب أن يفتحها وتضع الحرب عنها أوزارها، وأن جنده كان عنده، ولكن أمر بطارقة الغزاة، والشواهين من كواسر جيشه والبزاة، وسراة السرايا وكرام كرميان، وأحلاس خيل السواحل وقروم قرمان، وأجناد ولايات منتشا وأساورة صاروخان، وجمع أمراء التومانات والسناجق، وأصحاب الرايات ورءوس الفيالق، ونواب جميع الثغور والأمكنة، مما هو جار تحت تختي بروسا وأدرنة، وكل من دبج البحر الأخضر من بني الأصفر، من رايته البيضاء بالدم الأحمر، وفاق سويداء كل عدو أزرق، بسهامه السود على جواده الأبلق، أن يعملوا مصلحتهم، ويأخذوا
стр. 258
حذرهم وأسلحتهم واستعان في ذلك بكل بطريق وعلج مارجي، داخل في أمان المسلمين على قتال كل باغ وخارجي
واستدعى التتار، وهم قوم ذو يمين ويسار، ناس سواذج، لهم مواشي نواتج، ملأوا الأقطار بمواشيهم، وعلوا الشواهق والبوادي برءوسهم وحواشيهم، ربما يكون لواحد منهم عشرة آلاف جمل، ما منها واحد حمل ومثل ذلك أفراس، ما أسرج لها ظهر ولا ألجم رأس، وأما الغنم والبقر فلا يحصى عددها ولا يحصر " وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر " لهم في ممالك الروم وقرمان إلى ضواحي سيواس مشات ومصايف، وللملوك والسلاطين عليهم اعتماد كما لهم في أنواع المبرات وظائف، لو قصدهم فقير أو غريب أو طالب علم أو أديب، جمعوا له من الغنم والبقر، والصوف والشعر، والسمن والأقط والوبر، ما يكفيه وذويه إلى آخر العمر، وكانوا يسعون لكثرتهم وما معهم من الأمم، ثمانية عشر ألف عالم فلبى كل من صدى هؤلاء الجبال مدى صوته بالإجابة، وبادر إلى امتثال أوامره بالإطاعة والإنابة، وانبعث إليه التتار بقضهم وقضيضهم بعثا،
стр. 259
وقثت إليه أطواد عساكرها وبحار جنودها قثا، وحث على ملاقاة تيمور عساكر الغزاة والمجاهدين حثاً
ذكر ما فعله ذلك الخداع المكار
ونمقه في تفخيذه عن ابن عثمان جنود التتار
وتلبث تيمور في أمره، واستورى زناد فكره، فأورى زناده ناره، أن يفخذ عن ابن عثمان تتاره، فأرسل إلى زعمائهم، والكبار من أمرائهم ورؤسائهم، وأميرهم يدعى بالفاضل، وكان في المكرمات من الأفاضل، غير أنه مارس الأيام، ولا اطلع إلى مكائد اللئام - إن حسبكم حسبي، ونسبكم متصل بنسبي، وإن بلادنا بلادكم، وأجدادنا أجدادكم، فكلنا فروع نبعه، وأغصان دوحه، وإن آباءنا من سالف العصر وغابر الدهر نشأوا في عش متوحد، ودرجوا في وكر غير متعدد، فأنتم في الحقيقة شعبة من شعبي، وغصن من أغصاني، وجارحة من جوارحي، وخالصتي وخلاني، وأنتم لي شعار، وباقي الناس دثار، وإن كان الناس ملوكاً بالاكتساب، فأنتم ملوك بالاكتساب والانتساب وإن آباءكم في قديم الزمان، كانوا ملوك ممالك توران، فانتقل
стр. 260
منهم طائفة من غير اختبار، إلى هذه الديار، فاستوطنوها وهم على ما هم عليه من الكرامة، وشعار السلطنة وأسباب الزعامة، ولم يزالوا على هذا النشاط والهزة، إلى أن اندرجوا إلى رحمة الله تعالى وهم على هذه العزة وكان المرحوم أرتنا آخر ملوككم، وأكبر مالك في بلاد الروم أصغر مماليككم، وليس بحمد الله في شوكتكم فلة، ولا في كثرتكم قلة، فأنى رضيتم لأنفسكم بهذه الذلة، وإن تصيروا مسخرين حتى كأنكم من المسحرين؟ وبعد أن كنتم أكابر مكبرين، كيف صرتم أصاغر مصغرين؟ ولستم بدار هوان ولا مضيعة، وأرض الله واسعة، ولم صرتم مرقوقي، رجل من أولاد معتوقي علي السلجوقي؟ ولا أدري ما العلة لهذا السبب، ومن أين هذا الإخاء والنسب، سوى عدم الاتفاق، وانتفاء الاتساق، وعلى كل حال فأنا أولى بكم، وأحق بعمل مصالحكم وتهيئة أسبابكم وإن كان لابد من استيطانكم هذه التخوم، وبيع تلك البلاد الفسيحة بمضايق ممالك الروم، فلا أقل من أن تكونوا كأسلافكم حكامها، مالكي نواصي صياصها راقين سنامها، باسطي أياديكم فيها قابضين زمامها
стр. 261
وهذا المهم إنما يتم إذا كفينا هذه المنازلة، وقضينا الأرب من هذه المناضلة، وتمهد لنا الميدان، وارتفع من البين ابن عثمان، فإذا خلا الجو من المنازع، وصفت لي في هذه البلاد المشارع، وظفرت بهذه الممالك، وسلكت فيها الطرق والمسالك، أعطيت القوس باريها، وأنزلت الدار بانيها، ورددت المياه إلى مجاريها، وجعلتكم ملوك قراها وصياصيها، ومدنها وضواحيها، وقررت كل واحد منكم على قدر استحقاقه فيها فإن رأيتم أن لا تعينوا علينا، أو أمكنكم أن تنحازوا إلينا، فاغتنموا فرصتكم، وخذوا من انتهازها حصتكم، فإنكم قريبون منا صورة ومعنى، وأما الآن بظاهركم مع ابن عثمان وبباطنكم معنا، حتى إذا التقينا امتازوا، وإلى عساكرنا انحازوا
ولا زال فحل كلامه ينزو على حجر حجرهم ولا يجفر، مزخرفاً بتمويهات تزري فصاحتها بكلام الأسود بن يعفر، غائصاً في دردور أفكارهم ليردها عن أن تتبع ابن عثمان وتقفر " كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر " حتى إذا خلبهم بهذا المقال، واستجنحهم إلى معنى ما قال، واستهواهم حب الرياسة الذي طالما
стр. 262
استرق أحرار الصديقين، واستعبد كبار الأولياء والصالحين، وكبكب في النار على الرءوس، رءوس العلماء العالمين، فوافقوه على الانخزال عند الموافقة للنزال
ذكر ما صنعه ابن عثمان من الفكر الوبيل
وتوجهه إلى ملاقاة تيمور بطود عسكره الثقيل
فأما ابن عثمان فإنه خاف منه الهجوم، على بلاد الروم، لأن الزروع كانت قد استحصدت، وصدور الفواكه والثمار قد استنهدت، وخضروات الأرض قد اسودت، والرعايا في ظل الأمن والرفاهية قد امتدت، فخشي ابن عثمان أن يصيب العباد منه ضرر، أو يتطاير إلى قبائل بلاده من لهيب ناره شرر، فبادر إلى ملاقاته، وساقته سوائق المنون إلى شرب كأسها في مساقاته، وأراد أن يكون مصطدم الباس، خارج بلاده على ضواحي سيواس، فأجرى من عساكره السيول الهامرة، وأخذ بهم على قفار غامرة، حذراً على رعاياه، من مواطئ مطاياه، فإنه كان على الضعيف من رعيته شفيقاً، وبالفقير من حشمه وخدمه رفيقاً يحكى أنه كان في بعض مغازيه، فعطش بعض
стр. 263
حاشيه، فأتى في قرية بعض النساء، فطلب منها شربة ماء، وكانت أشأم من البسوس، يضرب بها المثل في اللؤم والبوس، فقالت ما عندي ما تشرب، فخذ طريقك ولا تتعب، وكان العطش قد غلبه، ورأى عندها في بعض القعبة شربة لبن فشربه، فقالت هذا قوت الصبيان، واشتكت عليه لابن عثمان، فطلبه واستفسره، فخاف شدة نقمته فأنكره، فقال للمرأة أنا أبعج قبقبه، وأتبين صدقه وكذبه، فإن ظهر في بطنه اللبن، أعطيتك الثمن، وإن تبينت بالصدق قوله، جعلتك مثلة مثله، فقالت والله إنه شربه، وما فهمت في حقه بكذبه، ولكني فرجت كربته، وأبرأت ذمته فقال لابد من إجراء العدل، وإنهاء هذه الحكومة بالفصل، ثم دعا بالسيف ووسطه، وأجرى على بطنه ما شرطه، فانفجر بطنه وهو منعقر، وجرى اللبن وهو بدمه ممذقر، فأشهره في الوثاق، ونادى عليه هذا جزاء من يتناول في دولة الملك العادل ابن عثمان شيئاً بغير استحقاق، ثم إن ابن عثمان تابع الترحال، وسلك في رمضان السفر صوم الوصال
стр. 264
ذكر ما فعله ذلك الساقطه
مع ابن عثمان وعسكره من المغالطة
ولما بلغ تيمور أن ابن عثمان أخذ الطريق الغامرة، نبذه نبذ اليهود كتاب الله وراء ظهورهم وأخذ على الجادة العامرة، فدخل هو وعسكره على ظلال وعيون " وفواكه مما يشتهون " ولسان حالهم الفصيح، ينشد في الآفاق ويصيح
ولست أبالي بعد إدراكي العلا ... أكان تراثاً ما تناولت أم كسبا
فلم يزالوا في مراح وزروع، ومراع وضروع، بين " سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب " وهواء بالراحة مصبوب، ونعيم بالسلامة مصحوب، في أمن ودعة، وخصب وسعة، آمناً من الوجل، سائراً على غير عجل مستيقناً بالنصر والظفر، مستبشراً بالملك والوزر، مستتبعاً تدبيره القضاء والقدر، لا تبرد حرارة حميته لتسخين عين عدوه وإحراز المغنم البادر فترة، ولا في إكليل كواكب عساكره المنتظمة نثرة، ولا بين أسود جيشه مكاشرة ولا نفرة، ولا في قراهم الأعادي اللهذميات على موائد طعام
стр. 265
طعانهم جبن ولا كسرة فلم يفق ابن عثمان من رقاده، إلا وتيمور قد دمر على بلاده، فقامت عليه القيامة، وأكل يديه حسرة وندامة، وزأر وزقا، والتهب حنقا، وكاد أن يموت خنقا، وسلب القرار والهجوع، وعزم في الحال على الرجوع، فتلاطمت من بحر عساكر أمواجه، وتصادمت أثباج أطواده وأبراجه، فرجع عوده على بدئه، وأغرى بوصال السير وحجئه، فنهكهم السير بسرعته، والمكان بقفرته، والزمان بهجيره، والسلطان بزئيره، فلم يدركوه إلا وقد ذاب كل منهم وصبا، وتلا لسان حاله " لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا " " فصل " وكان تيمور قد وصل إلى مدينة أنقرة، وخيله ورجله مستريحة موفرة، للقتال منتظرة، وللنزال متشمرة، بل لم يكونوا به مكترثين، ولا به محتفلين وقد سبقوا كصناديد قريش إلى الماء، وتركوا عساكره كمسلمي بدر في جانب الظماء، فهلكوا كرباً وأوما، وذابوا عطشاً بلا ماء، وكأنه إلى ذلك المنزل هو أرشدهم وبلسان حالهم أنشدهم
стр. 266
يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا ... نحن الضيوف وأنت رب المنزل
وأنقرة هذه التي ذكرها الأسود بن يعفر في قصيدته الطنانة وهي
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد
فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوماً يصير إلى بلى ونفاد
فلما تدانت الجيوش من الجيوش، وأضريت الوحوش على الوحوش، وامتلأت منهم الصحارى والقفار، وتقابلت اليسار باليمين واليمين باليسار، اندفعت من عساكر ابن عثمان التتار، واتصلت بعسكر تيمور كما رسم أولاً وأشار، وكانوا هم صلب العسكر، والأوفر من عساكر ابن عثمان والأكثر، حتى قيل إن جماعة التتار، كانوا نحواً من ثلثي ذلك العسكر الجرار، بل قيل إن ذلك الجمهور، كانوا محواً من جند تيمور وكان مع ابن عثمان، من أولاده أكبرهم أمير سلمان، فلما رأى ما فعله التتار، علم أن حل بأبيه البوار، فأخذ باقي العسكر، وقهقر عن ميدان المصاف وتأخر، وترك أباه في شدة
стр. 267
البأسا، وانخزل بمن معه إلى جهة بروسا، فلم يبق مع ابن عثمان إلا المشاة ومن داناهم، وبعض الكماة وقليل ما هم، فثبت للمجالدة بمن معه من الرفاق، وخاف إن فر أن يقع عليه الطلاق، وكأنه في تلك المعركة والمعكرة، كان متمثلاً بما قاله عنترة
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تسفك في دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم
فصبر لحادث الدهر وما أزم، وأراد أن يفئ على مذهب الإمام مالك بما به التزم، فأحاطت به أساورة الجنود، إحاطة الأساورة بالزنود، وحين تيقنت الأسرة العثمانية بالكسرة، وعلمت أنها تورطت في جيش العسرة، وثبت المشاة على الكماة، واستعملت الأطبار، وكل صارم بتار، وكانوا في ذلك المصاف، نحواً من خمسة آلاف، فبددوا أندادهم، وأبادوا أعدادهم، وكان كانوا كسافي الرمال بالكربال، أو كائل البحار بالغربال، أو محرر أوزان الجبال بقراريط المثقال، فأمطروا على قلل أولئك الأطواد، وحقول ذوات تلك الأسود، من غمام القتام
стр. 268
صواعق ديم المدميات وأمطار السهام السود ونادى محرش القدر، وصياد القضاء الكلاب على البقر، فلم يزالوا بين وقيذ وواقذ، ومضروب بحكم سهم ماض في القضاء نافذ، حتى صاروا كالشياهم والقنافذ، واستمرت دروس القتال بين تلك الزمر من الضحى إلى العصر، وانتقلت أحزاب الحديد إلى الفتح فتلت على الروم سورة النصر، ثم لما كلت منهم السواعد، وقل المواصر والمساعد، وتحكم فيهم الأباعد والمباعد، دففوهم بالسيوف والرماح، وملأوا بدمائهم الغدران، وبأشلائهم البطاح، ووقع ابن عثمان في القنص، وصار مقيداً كالطير في القفص، وكانت هذه المعكرة، على نحو ميل من مدينة أنقرة، يوم الأربعاء سابع عشر ذي الحجة، سنة أربع بعد ثمانمائة حجة، وقد قتل غالب العسكر العطش والضمور، لأنه كان ثامن عشري تموز " قصل " ووصل أمير سلمان، إلى بروسا معقل ابن عثمان، فاحتاط على ما فيها من الخزائن والأموال، والحريم والأولاد ونفائس الأثقال، واشتغل بنقل ذلك إلى بر أدرنة، وراء البحر المحيط بكثير من الأمكنة،
стр. 269
المنشعب من بحر مصر الآخذ بعد ما يتدريس إلى بلاد الدشت والكرج الفاصل بينه وبين بحر القلزم جبل الجركس
ذكر ما وقع من الخباط
بعد وقعة ابن عثمان في كل ثغر ورباط
ولما حصل لرأس مملكة الروم هذه الوعكة، واندعكت أجسام عسكرها الجسام أقوى دعكة، وأخنى عليهم الجد المشوم، ونعق في صباحها غراب البين، وزعق في رواحها البوم، وتلاقى محراب أنسها على جماعتها إمام القضاء والقدر " ألم غلبت الروم " خضعت رؤسها ونواصيها، وتزلزلت حصونها وصياصيها، وتزعزع دانيها وقاصيها، وانبهر طائعها وعاصيها، فحاصوا حيصة الحمر، وأيسوا من الأهل والأوطان والمال والعمر، إذ قد ذهب منهم الرأس، ولم يبق فيهم من يقيم البأس
فلما سمعوا أن أمير سلمان ضم الناس إلى نحره، وعزم على العبور إلى بر أدرنة بقطع بحره، مالت بهم الأودية والشعاب إليه، وعولوا في خلاصهم من ذلك البلاء الطام عليه، فصالح أهل استنبول ووادهم، وعاهدهم على أن لا يغدر كل منهم بالآخر ومادهم، ثم قصدهم إن يعينوه على الوصول بقطع البحر من ثغري
стр. 270
كالي بولي واستنبول، إذ ليس لهذين البحرين بين هذين البرين، طريق قريب ومعبر سوى هذين الثغرين، فإن بحر إسكندرية، يأخذ على أنطالية، وعلاية ثم يروم، إلى بلاد الروم، فتحصره الجبال، قبل وصوله بلاد الشمال، فلا يزال في خصره يدق، وشفتا جانبيه ترق، حتى تتراءى حافتاه، ويكاد تنطبق شفتاه ومسيرة هذا الانضمام، نحو من ثلاثة أيام، ثم يأخذ في المد والانبساط، والجريان على وجه النشاط، ثم تدور كتائب أمواجه وتتكردس، وتأخذ نحو بلاد الدشت والكرج حتى يصل كما ذكر إلى بلاد الجركس وما أمكن أحداً من سواحر الحكمة ومهندسي النوافث أن يعزز هذين المعبرين في مدى هذا الانضمام بثالث، فثغر كالي بولي بيد ملاحي المسلمين، وثغر استنبول بيد النصارى أعداء الدين، وهو أعظم الثغرين، وأجسم المعبرين، وكانت النصارى ملاحيه، فصار غالب الناس يقصده وينتحيه، فاستطارت الفرنج فرحاً واستطالت وخاضت في دماء المسلمين وحريمهم وأموالهم وجالت فإن ابن عثمان كان بالحصار قد أنهكها، وأباد قراها وضواحيها وأهلكها، وضيق
стр. 271
على أهلها في مجاري أرواحهم مسلكها، فبينما هم وقد بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبا، وأنشب كل شر فيهم حده، وإذا بتيمور جاءهم بالفرج بعد الشدة، فاندفع عنهم بالضرورة ابن عثمان، وحصل لهم بذلك الفرج والأمان، وزاد ذلك بأن احتاج المسلمون إليهم، وتراموا في طلب الخلاص من العدو عليهم، فبعد أن زالت عنهم الغصص، اغتنموا في درك الثارات من المسلمين الفرص، فجعلوا يوسفون المراكب من الناس والحمول، ويتوجهون بذلك إلى صوب إلى استنبول وإن استنبول وراء ذروة جبل، ومنحرفة خلف قلة من القلل، وهي من أكبر مدن الدنيا، حتى قيل أنها قسطنطينية الكبرى، فكانوا إذا عطفوا وراء تلك الذروة بالمراكب، واستتروا بالهضبة الناتئة عن عين من هو في هذا الجانب، يصيرون كالأموات النازلين إلى الحفائر، الملقين في قعر اللحود والمقابر، لا يدري إلى أين يتوجهون، وإلى ماذا يصيرون، إلى بر السلامة والإسلام، أم إلى دار الحرب وأسر الكفرة الطغام، فيذهب منهم الذاهبون " فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون " فإذا جاءت المراكب
стр. 272
وهي فوارغ، تعلق كل من هذه الخلائق فيها بجهد كامل وجد بالغ، ولم يدر ماذا يجري عليه، وإلى ماذا يصير أمره إليه، وأشبهوا في أبصارهم الكليلة، وخطوبهم الجليلة، مالكاً الحزين والسمك المذكور في كتاب كليلة وحاصل الأمر أنه لم يسلم، من ذلك السواد الأعظم، في كل غراب أدهم، إلا مثل الغراب الأعصم، واستطالت أعداء الدين، كيف شاءت على المسلمين، وقطع أمير سلمان البحر، واستولى على ذلك البر، وضبط ممالكه، وربط مسالكه، وهو أوسع من هذا الجانب وأفسح مرجاً، وأدر ريعاً وأكثر خراجاً وخرجاً، وأعظم حصوناً وأمكنة، وتخته مدينة أدرنة فاجتمع الناس على أمير سلمان، وسهل الأمر في الجملة شيئاً ما وهان
ذكر أولاد ابن عثمان، وكيف شتتهم ثم أبادهم الزمان
وكان للسلطان بايزيد المذكور، من الأولاد الذكور أمير سلمان هذا وهو أكبرهم، وعيسى ومصطفى ومحمد وموسى وهو أصغرهم، وكل منهم طلب لنفسه مهربا، وانحاز إليه من أبيه طائفة نجبا، فكان منهم محمد وموسى في قلعة أماسية، وهي خرشنة الشاهقة العاصية،
стр. 273
التي قال فيها أبو الطيب المتنبي
حتى أقام على أرياض خرشنة ... تشقى به الروم والصلبان والبيع
للسبى فانكحوا للأسر ما ولدوا ... للنار ما زرعوا للنهب ما جمعوا
وقلة قلعتها شاهقة، كأنها بقبة الفلك عالقة، تعي النازل عنها، في نزوله منها، أكثر مما يعي الصاعد إلى غيرها، يسميها أهلها بغداد الروم، لأن قرار أرضها بنهر كبير من الوسط مقسوم، وبينها وبين توقات مسيرة يوم للمجد وأما عيسى فإنه لجأ إلى بعض الحصون واستكان، إلى أن قتله أخوه أمير سلمان، وموسى فيما بعد قتل أمير سلمان بعيسى
ثم إن محمداً قتل بعد الكل موسى، ونسخت الأحكام المحمدية، شرائع الملة الموسوية والعيسوية، إلى أن مات حتف أنفه في أوائل سنة أربع وعشرين وثمانمائة، أو مات بشيء دس إليه على يد قوجقار في الهدايا الملكية المؤيدية، وانتقل الملك من يده إلى يد مراد ولده، وهو في يومنا هذا أعني سنة أربعين وثمانمائة مستقل به، وأما مصطفى فإنه فقد وقتل نحو من ثلاثين مصطفى بسببه
عوداً إلى أمور تيمور ودواهيه
стр. 274
ثم إن تيمور لما قبض على ابن عثمان، جرد إلى بروسا طائفة من الجنود والأعوان، وأضافهم إلى شيخ نور الدين، ثم اتبعهم بوقار مكين، وجأش مستكين، فوصل إليها، ونزل القضاء المبرم عليها، وضبط ما وصلت إليه يده من جماعة ابن عثمان وحرمه، وأمواله وخزائنه وحشمه وخدمه، وخلع على أمراء التتار ورءوسهم، واستعطف خواطرهم بتطييب نفوسهم، ووزع أمراءهم على أمرائه، وأضاف كل ظهر منهم إلى رأس من رؤسائه، ووصاهم بهم وعليهم، وبالغ في أن يصلوا ما أمكنهم من البر إليهم، ومشى على سننه القديم، في استخلاص النفائس واقتناص النفوس وسبي الحريم، وجعل يحضر ابن عثمان كل يوم بين يديه، ويلاطفه ويباسطه ويترقق إليه، ويسخر منه ويضحك عليه
ذكر ما فعله مع ابن عثمان
من نكاية غدت بأوصافه القبيحة على مر الزمان حكاية
ثم إنه في بعض الأيام، جلس في مجلس عام، وخفض جناح النشاط للخاص والعام، وطوى بساط النهي والأمر، ومد بساط الخمر
стр. 275
والزمر، وحين غص بالناس المكان، استدعى سريعاً ابن عثمان، فجاء وفؤاده يرجف، وهو في قيوده يرسف، فسكن قلبه، وأزال رعبه، ثم أحسن جلوسه، وأزال بالاهتشاش إليه عبوسه، ثم أمر بأفلاك السرور فدارت، وبشموس الراح أن تسير من مشرق أكواب السقاة إلى مغرب الشفاه فسارت وحين تقشعت عن شموس السقاة سحاب الخدور، ودار في سماء العشرة نجوم يحثها من مراسيمه بروز وبدور، نظر ابن عثمان فإذا السقاة جواريه، وعامتهم حرمه وسراريه، فاسودت الدنيا في عينيه، واستحلى مرارة سكرات حينه، وتصدع قلبه، وتضرم لبه، وتزايد كمده، وتفتت كبده، وتصعدت زفراته، وتضاعفت حسارته، ونكى جرحه، وغذ قرحه، ونثر على جرح مصابه من قصاب الأسى ملحة، وكانت هذه نكاية لابن عثمان بما أسفله، في مكاتباته بذكره النساء وحلفه، لأنه سبق أن ذكر الحرم، عند الجغتاي وقبائل الترك من أكبر الجرم، وأعظم من الخيانة في الحرم، وأيضاً مكافأة لما فعله ابن عثمان، مع حريم طهرين في أرزنجان ومن تمام إساءته لابن عثمان، إحسانه لأولاد ابن قرمان وكان
стр. 276
قبل ذلك ابن عثمان، قد استولى على ممالك قرمان، وقتل متوليها السلطان علاء الدين بعد أن حاصره وقبض عليه، ونقل إلى حبس بروسا محمداً وعلياً ولديه، فلم يزالا عنده في ضيق وضنك، حتى أفرج عنهما بالحبس عليه تمرلنك، فأخرجهما وخلع عليهما، وأبرهما وأحسن إليهما، وولاهما مأواهما " وليس ذلك لحب علي كرم الله وجهه ولكن لبغض معاوية " قلت
لم يرفض معاوية محب ... عليا بل لأن أورى يزيدا
وقيل
وليس لحبه يحنو عليه ... ولكن بغض قوم آخرينا
وقلت بديهاً
أصادق ضد أعدائي وإن لم ... يكن بيني وبينهم ولاء
وأبغض من يعادي لي صديقاً ... وإن أثنى علي بما أشاء
وذاك لينتكي مني ويهنا ... فتى قد سرني منه الإخاء
والأمير محمد هذا هو الذي قبض عليه الأمير ناصر الدين، محمد بن
стр. 277
دلغادر أمير التراكمة المفسدين، وقتل ولده مصطفى في البلا، وجهزه إلى الملك المؤيد مكبلا، وذلك في شهر رجب سنة إحدى وعشرين وثمانمائة
ذكر وفود اسفنديار عليه
ومثوله سامعاً مطيعاً بين يديه
ثم إن الأمير اسفنديار بن بايزيد، وهو أحد ملوك الروم له في السلطنة قصر مشيد، ورث الملك عن أبيه وكان مستقلاً بالإمرة، وبينه وبين الملوك العثمانية عداوة موروثة ونفرة، وتحت حكمه بعض مدن وقلاع، ووهد ويفاع منها مدينة سينوب الملقبة بجزيرة العشاق، يضرب بظرافتها المثل في الآفاق، وهي في النحر من البحر في جزيرة كبيرة، سبيل الدخول إليها عسيرة، بها جبل أحسن من أرداف الحور، متصل بمعبر أدق من دقيق الخصور، وهي معقل إسفنديار ومعاذه، وحرز خزائنه وملاذه، أعصى من إبليس، وأوثق من كف بخيل يخاف التفليس
ومنها قسطمونية تخت ملكه، وبحر فلكه ومنها سامسون، وهي قلعة على جانب البحر للمسلمين، مقابلتها نظيرتها للنصارى المجرمين،
стр. 278
بينهما دون رمية حجر، وكل منها آخذة من الأخرى الحذر، وغير ذلك من القلاع والقرى، والقصبات في الوهد والذرا لما بلغه ما فعله تيمور الغدار، مع أولاد ابن قرمان والتتار، ومع قرايلوك وطرتهن حاكم أرزنجان، والأمير يعقوب بن علي شاه متولي كرمان، ومن توجه إليه من حكام منتشا وصاروخان، وأنه لا يهيج من أطاعه وتلبس لأوامره بالسمع والطاعة، سارع إلى المثول بين يديه، وتهيأ للوفود عليه، فأقبل بالتحف العالية، والنتف الغالية، فقابله بالبشرى، وعامله بالسرا، وأقره في مكانه، نكاية لابن عثمان، ثم أمره وأولاد قرمان، ومن اتسم له بميسم الطاعة والإذعان، من أمراء تلك الأكناف والأكنان، أن يخطبوا ويضربوا السكة باسم محمود خان، والأمير الكبير تيمور كوركان، فامتثلوا أوامره، وحذروا زواجره، وأمنوا بذلك الغارة والمصادرة " وتوفي إسفنديار المذكور في شهور سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة، وهو طاعن في السن، وهو من أواخر الملوك الذين وفدوا على تيمور، واستولى بعده على ممالكه ولده إبراهيم بك ووقع
стр. 279
بينه وبين أخيه قاسم بك مشاجرات، وانحاز قاسم إلى الملك مراد ابن عثمان، ولله الأمر من قبل ومن بعد " " فصل " ثم إن تيمور أخرج مال ابن عثمان وغيره من الذخائر، واستصفى لخزائنه ما كان إرثاً وكسباً لملوك الأروام من النفائس والأخائر، وشتى في ولايات منتشا، وألقى لدروسها مباحث تصريفه كيف شا، وانتهى إلى أقصاها، وحرر البحث في مسائل الخمس والمغانم فاستقصاها، وانبث جنوده في آفاقها، وغاصت في بحار ممالكها من أثباج أطوادها إلى قرار أعماقها، فمن فارع إلى جبال جباهها، وقمم صياصيها، ومن متعلق بآذان مراميها، ومتسلق بأذيال نواصيها، ومن راكب أكتاف أكنافها نازل في سواحلها، دائس بأرجل سعيه خدود روضها الأنف جائس بكاهل أهلها، ومن دامغ دماغها بأهداب رماحه لأجل العين، بالغ من غير حاجب له منها ما رام باليد واليدين، ومن حال على نهد صدرها، تال رءوسها ووجوهها للجبين على ظهرها، ومن ماد أنامل تعديه من غير كف إلى معاصمها ومرافقها،
стр. 280
كاد بأقدام الفساد في بطون مغاربها وأفخاذ مشارقها فجزوا الرؤوس، وحزوا الرقاب " وقطعوا الأعناق " وفتوا الأعضاد، وبتوا الأكتاد، وحرقوا الأكباد، وشوهوا الوجوه، وأسالوا العيون، وأشخصوا الأبصار، وبطوا البطون، وأخرسوا الألسنة، وصكوا المسامع، وأرغموا الأنوف، وأذلوا العرانين، وهشموا الثغور، وحطموا الصدور، وقصموا الظهور، ودقوا الفقر، وشقوا السرر، وأذابوا القلوب، وفطروا المرائر، وأراقوا الدماء، واستحلوا الفروج، وأحروا الأنفاس، وأبادوا النفوس، وسبكوا الأشباح، وسلبوا الأرواح، ولم يخلص من شرهم من رعايا الروم الثلث ولا الربع، وصارت جماعاتهم فيهم ما بين منخنقة وموقوذة ومتردية ونطيحة وما أكل السبع
ذكر فتح قلعة أزمير وحتفها
ونبذة من عجيب وضعها ووصفها
وحاصر قلعة أزمير، وهي حصن في وسط البحر مناله عسير - بهمزة مكسورة وزاي معجمة، وميم مكسورة وياء ساكنة وراء مهملة - قلعة قد أقلعت في البحار، وأضرمت في قلب خاطبها بتمنعها وعصيانها النار، أعصى من قلاع الجبال، وأقصى في المنال أن تنال، بخيل
стр. 281
ورجال، فأعد لها أنواعاً من آلات المحاصرة، وأخذها يوم الأربعاء عاشر جمادى الآخرة، سنة خمس وثمانمائة، سادس كانون الأول من السنين الرومية، فقتل كبارها، وأسر نساءها وصغارها، وبنى من أبدان القتلى جوامع وشيد من رؤوسها منارها، ثم سلب عن القلعة غناها وأفقرها، وأقواها من ذخائرها وأقفرها، وأخلاها وقد استصفى منها أبيضها وأصفرها، وطير بهذه الأمور أجنحة البشائر، وأطار بها على زعمه في الآفاق بأسعد فأل أسرع طائر
ذكر ما صنعه من أمر مروم وهو في بلاد الروم
من قصده بلاد الخطا واستخلاص ممالك الترك والجتا، وافتكاره وهو في الغرب مشغول في استصفائه سائر ولايات الشرق والمغول، وكيف عانده القضاء المبرم بنازل ألهب فؤاده وأضرم، فصادمه الزمان وعكس غرضه وهذه كالجملة المعترضة
ثم إن تيمور كان قد استدعى من سمرقند سبطه، محمد سلطان والأمير سيف الدين ورهطه، كما ذكر أولاً وكان محمد سلطان هذا للفضلاء ملاذاً وللعلماء معاذا، مخايل السعادة في غضون جبهته لائحة،
стр. 282
وبشائر النجابة من أسارير طلعته واضحة
في المهد ينطق عن نجابة جده ... أثر السعادة لائح البرهان
وسيف الدين هذا هو أحد رفقاء تيمور في مبداه، وأس أركان دولته في منتهاه، وهما اللذان كانا بنيا أشبارة، وأسسا فيها قواعد النهب والغارة، وهي في نحر بلاد المغول والجتا، وأقصى حدود ما ينتهي إليه حكم تيمور ومبدأ بلاد الخطا، ووليا بها أميراً يدعى أرغون شاه، وأمداه بطوائف من العساكر وفي ثغر المغول أرصداه، كل هذه الأمور، بأوامر تيمور ولما شرعا في ذلك، لم يرض المغول بهذا الفعل الحالك، لأنهم كانوا يعلمون أن ذلك الأفعى إذا جاورهم لابد أنه في الفساد يسعى، فلا يأمنون غائلته، ولا يطيقون مجاورته، فتشوشت خواطرهم، وتكدرت ضمائرهم، فاستوفزوا للفرار، وإخلاء الديار، فزاد الجغتاي فيهم طمعاً، ومد كل من الطائفتين إلى الإضرار يد التطاول ورجل الفساد وسعى، وشرب كاسات التجرم فأكل ما حل بيده وما تزهد في تعففه ورعا،
стр. 283
وفرح الجغتاي بذلك، ووقعت العداوة بين الجانبين فسد كل على الآخر طرق المسالك، وجعلوا يرسلون إليهم السرايا، ويحلون بما تصل يدهم إليه من متعلقاتهم البلايا، وجعل المغول أيضاً يفعلون مع الجغتاي ذلك، وتربصوا بتيمور لبعده عنهم ريب المنون وتشبثوا بعشويات المهالك، واتصل الخبر بتيمور، فسر بذلك أشد السرور ثم إنهما حصناها بالأهبة الكاملة، والعدة الشاملة، والرجال المقاتلة، منهم طائفة من عساكر الهنود وملتان، وقوم من جند عراق العرب، وأذربيجان، وفرقة من فوارس فارس وخراسان، وشرذمة من أناس تدعى جانى قربان، وأضافوا هؤلاء الكماة، مع تومان من ياساق الجغتاي إلى الأمير أرغون شاه، ووصلا إلى خجند، وقطعا سيحون وقدما سمرقند، ووليا بها أميراً يدعى خواجه يوسف، فكان في قيد الطاعة والإخلاص يرسف ثم خرجا من سمرقند قاصدين ذلك الغشوم، ثم إنهما ماتا جميعاً سيف الدين في خراسان ومحمد سلطان في بلاد الروم، فوقع تيمور في الأحزان، على حفيده محمد سلطان، ولبس عسكره السواد، وأقاموا شرائط الحداد، لم يكن بهم حاجة
стр. 284
إلى السواد المعلم، فإنهم كانوا هم السواد الأعظم، ثم جهز عظامه في تابوت، إلى سمرقند مع عظموت وجبروت، ورسم أن يتلقاه أهل المدينة بالنوح والبكاء، ويقيموا عليه شرائط العزاء، وأن لا يبقى أحد من العباد، إلا ويلبس من فرقه إلى قدمه السواد فخرج أهل سمرقند عند موافاته، وقد انغمسوا في السواد لملاقاته، وصار الشريف والوضيع، والدني والرفيع، بالسواد معلما، فكأنما أغشي وجه الكون قطعاً من الليل مظلما، فدفنوه بمدرسته الحصينة المعروفة بإنشائه، داخل المدينة، وذلك في سنة خمس وثمانمائة ولما أهلك الله تعالى جده دفنوه كما سيأتي ذكر ذلك عنده
ذكر حلول غضب ذلك الصياد
على الله داد ونفيه إياه إلى أقصى البلاد
ولما توجه الثقل من ماردين صحبة الله داد، وفارقه تيمور متوجهاً إلى استخلاص بغداد، وكان الله داد، له أنداد، وأكفاء وحساد، وأعداء وأضداد، والحسد في عنق صاحبه غل قمل، وتحاسد الأكفاء جرح لا يندمل وجد أعداؤه للطعن فيه مجالاً، وفي مقام ثلب عرضه مقالا، فانتهزوا فرصة غيبته، وأكلوا بلا ملح
стр. 285
لحمه، وتنقلوا بغيبته، ووشوا به إلى تيمور، وذكروا ما فعله في الشام من الأمور، وإنه التمس من ذخائرها مالا يحصى، واختلس لنفسه من نفائسها وتعلق به من أعلاقها مالا يستقصى وكان كما قالوا، وما أهملوا أكثر مما نالوا، فبددوا أمره، وأوغروا عليه صدره، لا سيما وقد قص جناحه بموت سيف الدين أخيه، وكان من الأبهة والمهابة بحيث أن تيمور كان يخافه ويرتجيه، وله في ممالك ما وراء النهر مآثر مشهودة، ونتائج فكر باقية معهودة، فما وصل الله داد إلى سمرقند، أعقبه تيمور مرسوماً من عنده، بأن يتوجه إلى أشباره، ويستعد هناك للنهب والغارة، وذلك كالنفي لألله داد، وإلقائه في أقصى البلاد، وطرحه في نحر المخالفين وثغر ذوي العناد
وانتقل منها إلى سمرقند أرغون شاه، ولم يزل بها الله داد إلى أن انتقل تيمور إلى لعنة الله، فجعلت المغول تجهز إلى أشبارة الفيالق، وتنهب ما تصل إليه يدها من صامت وناطق، وتغتنم الفرصة لبعد تيمور عنها، وكان الله داد يحترز أشد الاحتراز منها، وهو مع ذلك يجهز لهم التجاريد، ويحفر لهم بالمكر الآبار والأخاديد، ويقتل
следующие страницы →