Полный текст (492 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ورجال، فأعد لها أنواعاً من آلات المحاصرة، وأخذها يوم الأربعاء عاشر جمادى الآخرة، سنة خمس وثمانمائة، سادس كانون الأول من السنين الرومية، فقتل كبارها، وأسر نساءها وصغارها، وبنى من أبدان القتلى جوامع وشيد من رؤوسها منارها، ثم سلب عن القلعة غناها وأفقرها، وأقواها من ذخائرها وأقفرها، وأخلاها وقد استصفى منها أبيضها وأصفرها، وطير بهذه الأمور أجنحة البشائر، وأطار بها على زعمه في الآفاق بأسعد فأل أسرع طائر
ذكر ما صنعه من أمر مروم وهو في بلاد الروم
من قصده بلاد الخطا واستخلاص ممالك الترك والجتا، وافتكاره وهو في الغرب مشغول في استصفائه سائر ولايات الشرق والمغول، وكيف عانده القضاء المبرم بنازل ألهب فؤاده وأضرم، فصادمه الزمان وعكس غرضه وهذه كالجملة المعترضة
ثم إن تيمور كان قد استدعى من سمرقند سبطه، محمد سلطان والأمير سيف الدين ورهطه، كما ذكر أولاً وكان محمد سلطان هذا للفضلاء ملاذاً وللعلماء معاذا، مخايل السعادة في غضون جبهته لائحة،
стр. 282
وبشائر النجابة من أسارير طلعته واضحة
في المهد ينطق عن نجابة جده ... أثر السعادة لائح البرهان
وسيف الدين هذا هو أحد رفقاء تيمور في مبداه، وأس أركان دولته في منتهاه، وهما اللذان كانا بنيا أشبارة، وأسسا فيها قواعد النهب والغارة، وهي في نحر بلاد المغول والجتا، وأقصى حدود ما ينتهي إليه حكم تيمور ومبدأ بلاد الخطا، ووليا بها أميراً يدعى أرغون شاه، وأمداه بطوائف من العساكر وفي ثغر المغول أرصداه، كل هذه الأمور، بأوامر تيمور ولما شرعا في ذلك، لم يرض المغول بهذا الفعل الحالك، لأنهم كانوا يعلمون أن ذلك الأفعى إذا جاورهم لابد أنه في الفساد يسعى، فلا يأمنون غائلته، ولا يطيقون مجاورته، فتشوشت خواطرهم، وتكدرت ضمائرهم، فاستوفزوا للفرار، وإخلاء الديار، فزاد الجغتاي فيهم طمعاً، ومد كل من الطائفتين إلى الإضرار يد التطاول ورجل الفساد وسعى، وشرب كاسات التجرم فأكل ما حل بيده وما تزهد في تعففه ورعا،
стр. 283
وفرح الجغتاي بذلك، ووقعت العداوة بين الجانبين فسد كل على الآخر طرق المسالك، وجعلوا يرسلون إليهم السرايا، ويحلون بما تصل يدهم إليه من متعلقاتهم البلايا، وجعل المغول أيضاً يفعلون مع الجغتاي ذلك، وتربصوا بتيمور لبعده عنهم ريب المنون وتشبثوا بعشويات المهالك، واتصل الخبر بتيمور، فسر بذلك أشد السرور ثم إنهما حصناها بالأهبة الكاملة، والعدة الشاملة، والرجال المقاتلة، منهم طائفة من عساكر الهنود وملتان، وقوم من جند عراق العرب، وأذربيجان، وفرقة من فوارس فارس وخراسان، وشرذمة من أناس تدعى جانى قربان، وأضافوا هؤلاء الكماة، مع تومان من ياساق الجغتاي إلى الأمير أرغون شاه، ووصلا إلى خجند، وقطعا سيحون وقدما سمرقند، ووليا بها أميراً يدعى خواجه يوسف، فكان في قيد الطاعة والإخلاص يرسف ثم خرجا من سمرقند قاصدين ذلك الغشوم، ثم إنهما ماتا جميعاً سيف الدين في خراسان ومحمد سلطان في بلاد الروم، فوقع تيمور في الأحزان، على حفيده محمد سلطان، ولبس عسكره السواد، وأقاموا شرائط الحداد، لم يكن بهم حاجة
стр. 284
إلى السواد المعلم، فإنهم كانوا هم السواد الأعظم، ثم جهز عظامه في تابوت، إلى سمرقند مع عظموت وجبروت، ورسم أن يتلقاه أهل المدينة بالنوح والبكاء، ويقيموا عليه شرائط العزاء، وأن لا يبقى أحد من العباد، إلا ويلبس من فرقه إلى قدمه السواد فخرج أهل سمرقند عند موافاته، وقد انغمسوا في السواد لملاقاته، وصار الشريف والوضيع، والدني والرفيع، بالسواد معلما، فكأنما أغشي وجه الكون قطعاً من الليل مظلما، فدفنوه بمدرسته الحصينة المعروفة بإنشائه، داخل المدينة، وذلك في سنة خمس وثمانمائة ولما أهلك الله تعالى جده دفنوه كما سيأتي ذكر ذلك عنده
ذكر حلول غضب ذلك الصياد
على الله داد ونفيه إياه إلى أقصى البلاد
ولما توجه الثقل من ماردين صحبة الله داد، وفارقه تيمور متوجهاً إلى استخلاص بغداد، وكان الله داد، له أنداد، وأكفاء وحساد، وأعداء وأضداد، والحسد في عنق صاحبه غل قمل، وتحاسد الأكفاء جرح لا يندمل وجد أعداؤه للطعن فيه مجالاً، وفي مقام ثلب عرضه مقالا، فانتهزوا فرصة غيبته، وأكلوا بلا ملح
стр. 285
لحمه، وتنقلوا بغيبته، ووشوا به إلى تيمور، وذكروا ما فعله في الشام من الأمور، وإنه التمس من ذخائرها مالا يحصى، واختلس لنفسه من نفائسها وتعلق به من أعلاقها مالا يستقصى وكان كما قالوا، وما أهملوا أكثر مما نالوا، فبددوا أمره، وأوغروا عليه صدره، لا سيما وقد قص جناحه بموت سيف الدين أخيه، وكان من الأبهة والمهابة بحيث أن تيمور كان يخافه ويرتجيه، وله في ممالك ما وراء النهر مآثر مشهودة، ونتائج فكر باقية معهودة، فما وصل الله داد إلى سمرقند، أعقبه تيمور مرسوماً من عنده، بأن يتوجه إلى أشباره، ويستعد هناك للنهب والغارة، وذلك كالنفي لألله داد، وإلقائه في أقصى البلاد، وطرحه في نحر المخالفين وثغر ذوي العناد
وانتقل منها إلى سمرقند أرغون شاه، ولم يزل بها الله داد إلى أن انتقل تيمور إلى لعنة الله، فجعلت المغول تجهز إلى أشبارة الفيالق، وتنهب ما تصل إليه يدها من صامت وناطق، وتغتنم الفرصة لبعد تيمور عنها، وكان الله داد يحترز أشد الاحتراز منها، وهو مع ذلك يجهز لهم التجاريد، ويحفر لهم بالمكر الآبار والأخاديد، ويقتل
стр. 286
ويأسر، ويطحن ويكسر، حتى أقواها بعد تيمور، وسيأتي ذكر هذه الأمور
نموذج يدل على عمق ذلك البحر المحيط
وما كان يصل إليه غواص فكره النشيط
ثم لما كان تيمور المشوم مخيماً ببلاد الروم، أبرد إلى ألله داد مراسلة، فيها أمور مجملة ومفصلة، أمره بامتثالها، وإرسال الجواب بكيفية حالها، منها أن يبين له أوضاع تلك الممالك، ويوضح له كيفية الطرق بها المسالك، ويذكر له مدنها وقراها، ووهدها وذراها، وقلاعها وصياصيها، وأدانيها وأقاصيها، ومفاوزها وأوعارها، وصحاريها وقفارها، وأعلامها ومنارها، ومياهها وأنهارها، وقبائلها وشعابها، ومضايق طرقها ورحابها، ومعالمها ومجاهلها، ومراحلها ومنازلها، وخاليها وآهلها، بحيث يسلك في ذلك الطريق الأطناب الممل، ويتجنب مآخذ الإيجاز وخصوصاً المخل، ويذكر مسافة ما بين كل منزلتين، وكيفية السير بين كل مرحلتين، من حيث ينتهي إليه طاقته، ويصل إليه علمه، ودرايته، من جهة
стр. 287
الشرق وممالك الخطا وتلك الثغور، وإلى حيث ينتهي إليه من جهة سمرقند علم تيمور وليعلم أن مقام البلاغة في معاني هذا الجواب، هو أن يصرف فيه ما استطاع من حشو وتطويل وإطناب، وليسلك في بيانه الطريق الأوضح من الدلالة، وليعدل عن الطريق الخفي في هذه الرسالة، إلى أن يفوق في وصف الأطلال وحدود الرسوم، وتعريف الدمن مضغة الشيح والقيصوم فامتثل ألله داد ذلك المثال، وصور له ذلك على أحسن هيئة وآنق تمثال، وهو أنه استدعى بعدة أطباق، من نقى الأوراق، وأحكمها بالإلصاق، وجعلها مربعة الأشكال، ووضع عليها ذلك المثال، وصور جميع تلك الأماكن، وما فيها من متحرك وساكن، وأوضح فيها كل الأمور، حسبما رسم به تيمور، شرقاً وغربا، بعدا وقربا، يميناً وشمالاً، مهادا وجبالا، طولاً وعرضاً، سماء وأرضاً، مرداء وشجراء، غبراء وخضراء، منهلاً منهلاً، ومنزلاً منزلاً، وذكر اسم كل مكان ورسمه، وعين طريقه ووسمه، بحيث أنه بين له فضله وعيبه، وأبرز إلى عالم الشهادة غيبه، حتى كأنه مشاهده، ودليله ورائده،
стр. 288
وجهز ذلك إليه، حسبما اقترح عليه، كل ذلك وتيمور في بلاد الروم يمور
ذكر ما فعله ذلك المكار عند
تنجيزه أمر الروم من الغدر بالتتار
ولما صفا لتيمور شرب ممالك الروم من الكدر، وقضى الكون من أفعاله العجب وأهل الروم النحب، وجيشه من الغارة الوطر، وامتلأ من المغانم وادي سيله العرم، وكان فتى الربيع قد أدرك وشيخ الشتاء قد هرم، واندرج إلى رحمة الله المجيد، والسلطان السعيد، الغازي الشهيد يلدريم بايزيد، وكان معه مكبلاً في قفص من حديد، وإنما فعل ذلك تيمور، قصاصاً كما فعله قيصر مع سابور، وكان قد قصد استصحابه إلى ما وراء النهر، فتوفي معه في بلاد الروم في آق شهر، وفي هذا المكان توفي حفيده محمد سلطان وعزم على الرحيل، وحزم أحمال التحميل، ثم جمع رؤس التتار، وقد أضمر لهم الدمار والبوار، وقال قد آن أن أكافئكم بما صنعتم، وأجازيكم بما فعلتم، ولكن قد أضر بنا المقام، ومللنا الإقامة في مضايق الأروام، فهلم نخرج إلى الفضاء الفسيح، ونشرح صدورنا من ضيق الزمان والمكان في المهامه
стр. 289
الفيح، ضواحي سيواس، متنزه الناس، ومثوى الأكياس، فهنالك نضبط أحوال هذا الإقليم الوريف، ونقرر كلا منكم فيه حسبما يقتضيه رأينا الشريف، فإنه لابد من تفصيل جمله، وإمعان النظر في كيفية تدبيره وعمله، وحصر مدنه وقلاعه، وضبط قراه وضياعه، وحسبان توامينه وإقطاعاته، والإحاطة بأفراده وجماعاته
فإذا فصل لنا ما أجمل، ووضح عندنا ما منه استشكل، فحصنا عن رؤسكم وجماجمكم، وتوصلنا إلى معرفة أخباركم وتراجمكم، وجمعنا رؤساءكم، وحصرنا زعماءكم، وأحصينا أعدادكم، واستقصينا آباءكم وأجدادكم، واعتبرنا إخوانكم وأولادكم، ونظرنا متعلقيكم وأحفادكم، وتحققنا شعار الروم ودثارهم، أورثناكم أرضهم وديارهم، ثم فرضنا هذه المسألة على أعداد الرؤس، وقسمنا نفائس هذه الممالك على النفوس، ثم رددناكم إليها مكرمين، وكفيناكم وعيالكم العيلة إذ كنتم علينا معولين وعلى كل حال فإنا نفعل مع كل منكم ما يجب فعله، ونبقى عليكم من أفعالنا ما يتخلد في بطون الدفاتر والتواريخ نقله فكل منهم ارتاح لهذا القول، وعول في هذه المسألة
стр. 290
على موافقة الرد ولم يعلم فيها من العول، فلما توافقوا على هذه الحركة بنفس ساكنة، لم يقع منهم في هذه الموافقة على كثرة عدد رؤسهم المتماثلة مباينة، فسار بالناس، حتى بلغ سيواس " فصل " ولما برق ركام ركابه المتراكم في آفاق سيواس ورعد، وحان له أن يفي لطائفة التتار بما وعد، جلس جلسة عامة، وأقام من زبانية الجند طائفة طامه، ثم دعا من التتار الوجوه والرؤس، والظهور والضروس، ومن تخشى مضرته، وتتقى معرته، والمردة من شياطينهم، والعندة من أساطينهم فاستقبلهم بوجه طلق، ولسان بالحلاوة ذلق، وأجلسهم مكرمين في مكانهم، وزاد في تمكينهم وإمكانهم، ثم قال قد كشفت بلاد الروم ونواحيها، وتبينت جميع قراها وضواحيها، وقد أهلك الله عدوكم فاستخلفكم فيها، وأنا أيضاً أفوض ذلك إليكم، وأذهب عنكم وأستخلف الله عليكم، ولكن بأولاد بايزيد غير تاركيكم، ولا يرضون بأن يكونوا فيها مشاركيكم وأما صلحهم فقد سدت فعالكم مع أبيهم طريقه، فلا مجاز لكم إلى شريعته على الحقيقة،
стр. 291
ولا شك أنهم يرأبون صدعهم، ويندبون جمعهم، ويستوحون عليكم أهل المدر والوبر، ويلبيهم بالإجابة كل من تبلغه دعوتهم لأنكم في زعمهم آل غدر، فيلبسون لكم جلد النمر، ويصلونكم الجمر بكل آمر ومؤتمر، فيقرضونكم من كل جانب، ويختطفونكم من الأطراف والجوانب، لاسيما وبيدهم غالب الحصون والدساكر، وتحت أوامرهم من بقي من طوائف الجنود والعساكر فإن كنتم كما أنتم في الناس فوضى فإنهم يخوضون في دماءكم خوضاً فعوا واسمعوا إن كنتم لم تعقلوا ولم تسمعوا
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
وأما أنا فلست منكم بدان، ولا لي في المدافعة عنكم يدان، فلابد لعقد أمركم من نظام، ولصلاة جماعتكم من شرائط وأركان يجب القيام بها أولاً والسلام وأول شرائط ذلك إمام، يرجع إلى الاقتداء، بأفعاله الخواص والعوام، ثم بعد ذلك ترتيب الجماعة، وتنزيل كل واحد في صف السمع والطاعة، ثم وضع الأشياء في محلها،
стр. 292
وزمام المناصب والوظائف في يد أهلها، وإيصال كل مستحق إلى استحقاقه، وجمع الرأي على أمر واحد باتفاقه فإذا اتفقت آراؤكم، وائتلفت أهواؤكم، عظمت أبناؤكم، وكبتت أعداؤكم، وكنتم يداً واحدة على من ناواكم، وانتصرتم على من خالفكم وعادكم، وكان ذلك أحرى أن لا تمتد إليكم بمكروه يد، ولا ينالكم من مخالفيكم كيد ولا كد وهذا إنما يتمم بالنظر في أحوالكم، والتفحص عن أمر خيلكم ورجالكم، وضبط الأهبة والسلاح، فإن ذلك آلة الظفر والفلاح، فليذكر كل منكم ولده وأهله، وليحضر خيله رجله وليأت بعدده وعدده، وجنده وولده، وليعرض ضرورته إن كانت، ولا يستصعبها فقد هانت، فمن كان محتاجاً إلى إكمال شيء أكملناه، ومن كان معتازاً إلى إيصال شيء أوصلناه وأضفنا إلى كل ما تجب إضافته، فيحصل أمنه وتذهب مخافته فأعرضوا أول شيء علينا سلاحكم، حتى نكمله ونعمل صلاحكم، فأحضر كل منهم أهبته، وعرض عليه عدته، وطرحوه في ذلك الجمع النظيم، فتراكم فكان كالطود العظيم، كما فعل أول الزمان، بأهل مدينة سجستان فلما سلب تلك الأسود
стр. 293
براثنهم وأنيابهم بهذه الأساليب، وخلب أولئك الكواسر الجواسر كل مناقيرهم والمخاليب، وأولج صارم فكره الذكر في أحشاء عقولهم وأنزل، وصار سماك سماء عزهم الرامح وقد نحره سعد الذابح أعزل، أمر كل من عنده أحد من التتار، أن يقبض عليه ويوثقه بقيد الإسار
ثم أمر برفع تلك الأسلحة إلى الزردخانة، وقد أشعل قبائل التتار بجمر البوار وأصعد إلى العيوق دخانه، ففت ذلك من أعضادهم، وبث من أكبادهم، وقصم ظهرهم، وأشعل نارهم وأطفأ نورهم، ثم تلا في خواطرهم بالمواعيد الكاذبة، واستعطف قلوبهم بالأماني الخائبة واستصحبهم بالأقوال المموهة، والأفعال المشوهة، وحال بهم الحال، وأمر في الحال، بالمسير والترحال وقيل إن السلطان بايزيد، قال لذلك العنيد إني قد وقعت في مخالبك، وأعلم أني غير ناج من معاطبك، وأنك غير مقيم، في هذا الإقليم، ولي إليك ثلاث نصائح، هن بخير الدارين لوائح أولاهن لا تقتل رجال الأروام، فإنهم ردء الإسلام، وأنت أولى بنصرة الدين، لأنك تزعم أنك من المسلمين، وقد وليت اليوم أمر الناس، وصرت
стр. 294
لبدن الكون بمنزلة الراس، فإن حصل لوفق اتفاقهم من تعدي يدك بسط وتكسير " تكن فتنة في الأرض وفساد كبير " ثانيتهن لا تترك التتار، بهذه الديار، فإنهم مواد للفسق والفساد، فلا تهمل أمرهم، ولا تأمن مكرهم، فخيرهم لا يعدل شرهم، ولا تذر على أرض الروم منهم ديارا، فإنك إن تذرهم يملئوها من قبائلهم نارا، ويجروا من دموع رعاياها ودمائهم بحارا، وهم على المسلمين وبلادهم أضر من النصارى، وأنت حين فخذتهم عني زعمت أنهم أولاد إخوتك، وبنو عمك وذوو قرابتك، والأولى بجماعتك وناسك أن تتبعك، وبكل من أولاد أخيك أن يقول لك عم خذني معك، فاعمل أفكارك المصيبة في إخراجهم، وإذا أدخلتهم حبساً فلا تطعمهم في إفراجهم ثالثهن، لا تمدن يد التخريب إلى قلاع المسلمين وحصونهم، ولا تجلهم عن مواطن حركتهم وسكونهم، فإنها معاقل الدين، وملجأ الغزاة والمجاهدين، وهذه أمانة حملتكها، وولاية قلدتكها فتقبلها منه بأحسن قبول، وحمل هذه الأمانة ذلك الإنسان الظلوم الجهول، واستكثرها على عقل ابن عثمان، ووفى بها بقدر الطاقة والإمكان
стр. 295
ذكر ارتفاع ذلك الغمام بصواعق
بلائه عن ممالك الأروام
وسار فثار غبار، أخذ عين الشمس معه الانبهار، وفار بحار التتار فكأن البحر أمده الله بسبعة بحار، فمر لا يدخل قرية إلا أفسدها، ولا ينزل على مدينة إلا محاها وبددها، ولا يمر على مكان إلا دمره، ولا ينجذب عن ربقة طاعته جيد إلا كسره، ولا يتمنع عليه شمراخ حصن شامخ إلا هصره فخلع على عثمان قرايلوك حين وصل إلى أرزنجان، وقرره في ولاياته وزاده بعض معان ومغان، ووصاه بشمس الدين الذي ولاه قلعة كماخ، وأن يكون كل منهما للآخر قوة وطباخ
ذكر انصباب ذلك العذاب ماء ونارا
على ممالك الكرج وبلاد النصارى
ثم لم يزل يلتج بذلك البحر اللج، حتى أرسى على بلاد الكرج، وهم قوم يعبدون المسيح، ملكهم غير فسيح، ولكنه مصون، بواسطة قلاع وحصون، ومغائر وكهوف، وجبال وجروف، وقلاع وحروف، كل من ذلك أعصى المنال، من نفس كريم سيم شيم الأنذال ومن مدنهم تفليس، وكان أخذها ذلك إبليس، وطرابزون وأبخاص،
стр. 296
وهي التخت بالاختصاص فتمنعت هذه الأماكن عليه، ولم تسلم قيادها إليه، فأقام يحاصرها، وقعد يناقرها وينافرها، فمن ذلك مغارة بابها في وسط جرف شاهق، آمنة من البوائق سالمة من الطوارق، سقفها آمن من صواعق المجانق، وذيلها أرفع من أن يتشبث به علائق المسالق، مدخلها أخفى من ليلة القدر، وعدم التوصل إليها أجلى من القمر ليلة البدر فأولع بمحاصرتها، والتزم بمضاجرتها، واستعمل من فكره مهندسه، وجعل لا يقر من الأفكار والوسوسة، ثم أنتج رأيه المتين، وفكره الرصين، أن يرسل عليها عذاباً من فوقها، وأن يصطاد تلك الحمامة الصاعدة في الجو بأرجلها من طوقها فأمر أن يصنعوا له توابيت على هيئة الدبابات، كأنهن شياطين النساء للرجل غلابات، وأوثقهن بالسلاسل الحكيمة، وأوسقهن بالرجال ذوي الشكيمة، وأدلاهن من تلك القلال، وأهواهن من شواهق الجبال، فتدلين في الهواء، تدلية مبرم القضاء، فملأن النفانف، وأرجفن من الجبال والرجال الروانف، وصار لسان حال تلك الصقور والشواهين ينادي كل
стр. 297
من رآه " ألم ترى إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله " فحين وازوا باب تلك المغارة، أكبثوهم بالنبال السحارة، وكشفوهم بالمكاحل الطيارة، وهاوشوهم بأنواع الأسلحة، وناوشوهم بالأوهاق والكلاليب المفلطحة
فلا زالت الجوارح في الهواء صافات ويقبضن، يقبلن إلى ذلك الوكر حائمات عليه ويعرضن، ينقرن سرة أهله بمناقير المناقيب، وينشبن فيه مخاليب الكلاليب، وبكره الناشز تمانعهم على الولوج، وتستعين في مدافعتهم بمن فيها من العلوج، فلم ينشب أحد أولئك الجوارح، أن أنشب في الباب كلوبه الجارح ثم استعضد الفتح واستنهض الظفر، واعتمد على الله ومن دبابته إلى الوكر طفر، فاحتضنه ساعد المساعدة، واكتنفه عضد المعاضدة، وقبض على رسغه كف السلامة، فنكصت النصارى على عقبهم أمامه، ولم يزل وحده مبيدهم، حتى قتل أوباشهم وصناديدهم، ثم أدخل رفقته فيها، وأخرجوا ما كان في مخابيها، واسم هذا الرجل لهراسب، ستة أحرف ليس فيها غير متحركين اللام مضمومة، والهاء، والراء مفتوحة والألف والسين والباء، واجتماع
стр. 298
ثلاث سواكن في الفارسي كثير، وفي التركي أيضاً موجود ولكنه عزيز غير غزير ومن جملة هذه القلاع قلعة شاهقة، حروف ذاتها كحروف اسمها بمناعتها ناطقة، لا يعمل في فتحها لارتفاعها لعل وليت، لأن اسمها كما زعموا كل كورقيت، أي تعال انظر وارجع، بمعنى أنه لا ينال الوافد عليها، سوى النظر إليها، ثلاثة أطرافها مبنية على قلل آكام، شمخت على ما حواليها من الهضاب فهي على الإعلام أعلام، وطريقها من الوجه الرابع وهو دقيق في سلوكه عسر، ينتهي بعد أنواع المشقة إلى جرف مقطوع بينه وبين باب ذلك الحصن جسر، إذا ارتفع ذلك الجسر سدت دون الوصول إلى ذلك الحصن الحيل، وأعاذ كل من لاذ يقلته من بنيه فصح أن يقال له معاذ ابن الجبل فلما اطلع على حقيقة أمرها، وانكشف له مستور خبرها، أبى أن يرحل عنها إلا أن يصل إلى غرضه منها، ولم يكن بالقرب منها مكان ينزل فيه، ولا بر يحمل ذلك البحر الطاغي ويحويه، بل إنما كان حواليها جروف وهضاب، غضون جبينها كأنها وجه شوهاء ناشز عن زوج محب عقاب في عقاب، فطمع منها من غير مطمع،
стр. 299
ونصب سرادقة بحيث كأن منها بمرأى ومسمع وصار من عساكره الأسود الخوادر، يتناوبون حصارها ما بين وارد وصادر، وهم يرفعون الجسر بالنهار، فيأمنون مكايد القتال والحصار لأنه قد تقدم أنه لميكن حواليها مكان للقتال، ولا مفحص قطاة يتمكن فيه للنضال، فكانوا يرمونها بالنهار على بعد بسهام الأحداق، ويرضون منها بنظرة من بعيد كقانع العشاق، فإذا أجنهم الليل، شمروا إلى جهة مخيمهم الذيل، لأنه لم يمكنهم حواليها مبيت ولا مقيل، فتضع النصارى الجسر ويرومون إلى حاجاتهم السبيل، فلما لاح له منها أمارات الحرمان، وبان له أن أمل ظنه من فتحها قدمان، كما قلت
وأعظم شيء في الوجود تمنعاً ... نتاج مرام من عقيم زمان
صمم العزيمة على الرحيل، ولكن خاف العار فطلب لهذه المسألة الدليل والتعليل
ذكر سبب أخذه لهذا الحصن المنيع
وبيان معاني ما جرى في ذلك من صنع بديع
стр. 300
وكان في عسكره شابان نديدان، أسدان حديدان، يتشابهان في الخلق والخلق، لم يكن بينهما في الرجولية والشجاعة كثير فرق، يتجاريان في كل وقت في ميدان المناقب لإحراز قصب السبق، فكانا كفتي ميزان، وفي مضمارها فرسي رهان فاتفق أن أحدهما صادف علجاً من الكرج، في الجرأة كالأسد وفي الجثة كالبرج، فنازله ثم قتله، وقطع رأسه وإلى تيمور حمله، ففخم شأنه، وأعلى على الأقران مكانه، فأثر ذلك في نديده، فكأنه قطع حبل وريده ثم افتكر في شيء يصنعه، يضع من نديدته ويرفعه، وكان اسمه بير محمد ولقبه قنبر، فلم ير أكبر من مراقبة ذلك الجسر ولا أشهر، فاعتمد على الله سبحانه وحده، واستكمل ماله من أهبة وعدة، ورصد نجمه في بعض الليالي، ولطأ في مكان خالي، ولا زال يترقب النجوم، ويترصد عليهم طوالع الانقضاض والهجوم، ويشير تلك القنن بيديه ويذرع، ويمشي تارة على بطنه وأخرى على أربع إلى أن طرح الضوء نقابه، وسلخ الجو إهابه، ورجع النصارى إلى كسرهم، وتعاونوا على رفع جسرهم، طفر بير محمد إلى الجسر فقطع حباله، وتابع عليهم
стр. 301
من حنيته نباله، ولم يمكنهم من رفعه، ولا غير موضوعه عن وضعه، فتراكموا عليه بالنبال والأحجار، وأرسلوا عليه من ذلك السماء المدرار، وهو لا يرد عما هو بصدده ولا يلتفت إلى حينه، ويتلقى ما يصدر من مراسيم نبالهم وأحجارهم بالقبول على رأسه وعينه
ولم يزل على المكافحة والمناضحة، والمكاشحة والمكالحة، حتى تعالى النهار، وعض الكون من فعاله أنملة العجب وأخذ عين المكان الانبهار وكان المحاصرون لها كفوا عن القتال، وتيمور قد عزم كما ذكر على الترحال، وكان سرادقه منصوباً بمكان عال، فناداه لسان الفتح، وخاطبه منادي النجح
لا تيأسن من مطلب ... قطع الورى أسبابه
إن أغلقوا أبوابهم ... فالله يفتح بابه
فتراءى على باب القلعة من بعد كأن ناس يتواثبون، وأشباح طائفة يتكالبون ويتضاربون، فقال لقبيله أي أولى النجدة والعون، إني أرى ما لا ترون، فامعنوا معي النظر، ثم أسرعوا نحو المعتكر،
стр. 302
وأتوني بحقيقة الخبر فاندفعوا يستشرفون لذلك خبرا، ويستكشفون لسرائره سترا، وهم ما بين عاد من النمر أعدى، وجار من الأسد أجرى، وكل منهم في عدوه وعدوانه تأبط شرا، وما زالوا يتجارون على ذلك أرسالاً وتترى، كأنهم الشياطين نهاض ووثاب وعداء وهلم جرا، حتى أدركت مقدمتهم بير محمد، وهو في غمرات الموت بناره يتوقد، وقد صار لسهامهم غرضا، وكاد جوهره أن يصير عرضا فلما رآهم من بعيد عاش، وحصل له الانتعاش، وزال عنه الارتعاش، وتلاحقت بهم الصناديد، فكعت عنهم تلك الأفسال الرعاديد، وحين عجزوا عن رفع الجسر وولوا الأعقاب، عزموا أن يدخلوا الحصن ويوصدوا الباب، فاختلط بير محمد معهم، ودخل الحصن ومن إيصاده منعهم، فدقوه بالسيوف، ورضوه بأحجار الحتوف، وهو يأبى إلا المدافعة ويجتهد في مراجعة الممانعة، لا يشعر بما يناله من رض الحجر وجراح الحديد، كأنه متأله عراه الفناء في الفناء في التوحيد، إلى أن غشيتهم تلك الليوث، واندفقت عليهم بصواعق الغضب من سماء النجدة سيول الغيوث، فتشبث أسود المنايا بتلابيبهم، وخلصوا بير محمد
стр. 303
من مخاليبهم ثم قبضوا على النصارى، وأخرجوا ما لهم فيئاً وحريمهم سبايا وأولادهم أسارى، وحملوا إلى تيمور بير محمد، وأخبروه بما قصده في ذلك وتعمد، وتفقدوا ما به من جراح أدمى، فإذا هي ثمانية عشر جرحاً كل منها يصمى، فشكر له فعله، ووعده مواعيد جزلة، وأحله المحل العزيز، وجهزه إلى تبريز، وأمر بعد الوصية به الأمراء من النواب والرؤساء، أن يجمعوا عليه كل نطيس من الأطباء، وخريت من الأسا، بحيث أن يبذلوا في معالجته جهدهم، ويستوعبوا في أساه كدهم، ويستوفوا في المعالجة قسمي العلم والعمل، فامتثلوا مراسيه وعالجوه بما أمكنهم وأزاحوا العلل، فاندملت جروحه، وبرئت أحسن مما كانت قروحه فلما نصل، وإلى تيمور وصل، جعله أحد قواده، ورئيس طائفة من أجناده، وقدمه على كثيرين بعد أن كان خلف، وصيره أمير مائة مقدم ألف
تتمة ما جرى للكرج
مع تيمور شيخ العرج
وهذه القلعة والمغارة كانتا عيني قلاع الكرج، ونار أعلامهم والبواقي سرج، فحين قلعت من وجوههم عيناهم تيقنوا أن قد نزل بهم عناهم،
стр. 304
وأحاط بهم عزاهم، فانحلت قواهم، وانخرمت عراهم، وقعدت بهم الحيلة وقامت عليهم القيامة، وتجهمت بهم إلى جهنم الزبانية وأسلمتهم السلامة وتفاءل تيمور بحصول الفلج، وانثنى عزمه إلى استخلاص ممالك الكرج، وانبثت شياطينه فيها فهزتهم هزا، وقدت ثوب حياتهم قدا وجزتهم جزا، وخاطت لهم أكفان المنايا بالسلاح فأوسعتهم شلا وكفاً ودرزا، وتلا عليهم لسان الانتقام " ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تأزهم أزا "
ذكر طلب الكرج الأمان، واستشفاعهم
إلى ذلك الجان، بجارهم الشيخ إبراهيم حاكم شروان
فاستدركوا تقصيرهم، واستنهضوا تدبيرهم، ورقعوا خرقهم قبل الاتساع، ووصلوا حبل حياتهم قبل الانقطاع، واستغاثوا الأمان الأمان، واستعانوا في خلاصهم بالشيخ إبراهيم حاكم شروان، وألقوا إلى أيادي تدبيره الزمام، ورضوا أن يكون لجماعتهم وإن كان على غبر ملتهم الإمام، وجعلوه خطيب ذلك الخطب، واستحلوا ما تثمر لهم سعايته من يابس ورطب، وكان إذ ذاك وجيوش المصيف
стр. 305
كجمع الكرج قد ولت، وجنود الخريف والشتاء كجيش تيمور قد أطلت، وسلطان الأجرد، قد صقل فرند المياه وجرد، ورفع من الأغصان الأعلام السلطانية، ونصب على قلل الجبال الصيوانات البلارية، وألبس متن الغدير من نسيج نسيم الأصيل الدروع الداودية، فكان ما في الكون من جوامد ونوام، من جملة عساكر تيمور حام له أو محام قلت
وإذا أراد الله نصرة عبده ... كانت له أعداؤه أنصارا
وإذا أراد خلاصه من هلكة ... أجرى له من نارها أنهارا
فترى العقول تقاصرت عن نوكه ... وترى له في شوكه أزهارا
فدخل الشيخ إبراهيم عليه، وقبل الأرض بين يديه، وحياه بتحية الأكاسرة من الملوك، ووقف في مقام أصغر مملوك، ثم استأذن في الخطاب، واستلطف في رد الجواب، فأذن له فقال إن عموم شفقة مولانا الأمير، وحسن حنوه على المسكين والفقير، وشمول عاطفته الكريمة ورحمته المنيفة، حملت المملوك على عرض ما عن له
стр. 306
على الآراء الشريفة، وهو أنه بحمد الله المرام حاصل، والمراد على وفق الاختيار متواصل، والولي مجبور، والعدو مكسور، وهيبة مولانا الأمير في الشرق والغرب، أغنته عن الاستعداد للضرب والحرب، ثم إن العساكر المنصورة أكثر من أن تحصى، وفيهم من الأسرى والمرمق الحال ما فات الإحصا، وخصوصاً جماعات التتار، الذين ولى سعدهم الأدبار، وأحلوا قومهم دار البوار، قد أضر بهم البرد، وتردد نقش حظهم بين العكس والطرد، فإن استمرت الأمور، على هذا الدستور، رق الجليل وهلك الرقيق، ودق العظيم وانطحن الدقيق وهذه البلاد بل وسائر الأقاليم، محال إلا بأمرك أن تستقيم، وإن رؤساءها من الفجرة والفسقة، علموا ما لمولانا الأمير على مملوكه من الحنو والشفقة، فتراموا لعلة المجاورة على المملوك، ورجوا من الصدقات الشريفة ما يرجوه من الغني الكريم المحتاج الصعلوك، ومهما برزت به المراسيم المطاعة، تلقاه بالقبول كل من المملوك وهؤلاء الجماعة، وقابلوا الأوامر الشريفة بالسمع والطاعة، وإن كان المقصود جمع مال، فالمملوك يقوم به على كل حال، وأنى للمملوك
стр. 307
مال إلا من صدقات مولانا الأمير؟ وما قصد المملوك بذلك إلا رفع الكلفة عن الجانبين وتيسير الأمر العسير، ورعاية لحق الجوار، عملاً بقوله ﷺ " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه "، والرأي الشريف أعلى، وأحرى، أن لا يخيب رجاء المملوك وأولى، فأجابه إلى سؤاله، وطلب منه مالاً عريضاً سواء كان من مالهم أو من ماله فقال الشيخ إبراهيم أنابه زعيم، وأبلغ ذلك إلى خزنته أتم إبلاغ، ثم رحل وأكمل شتويته في قراباغ، وذلك في سنة ست وثمانمائة
ذكر ثني عنانه إلى أوطانه
وقصده بلاده بعد استكماله فساده
ولما زينت ماشطة الكون عروس المكان، وأقام مزمن الجمادات قوام الزمان، وتهيجت القوى النامية، وتبرجت " مخدرات " الذرا السامية، وشبت الجمرات، ودبت الحشرات، تحرك للرحيل ذلك الأفعى، ونفث على هوام أموات الزمهرير من أحياء عساكره فإذا هي حية تسعى، فدق الكوس، فجاوب صداه الرعد القاصف، ولمعت مرايا اللبوس فانعكس منها إيماض البرق الخاطف، وعرض خيوله
стр. 308
في التروس فأحاط بالأطواد قوس قزح، وسير خيوله في اللبوس، فتجللت كتائب الكثبان بشقق الورد والريحان، خائلة في ذلك البر المنتزح، ومارت الجمال، فمرت الجبال مر السحاب، وسارت الرعال، فصعد العنان من النقع الضباب، وشرعت الذوابل، فإذا رطيب الأغصان متمايل، وهزهزت القواصل، فانساب في القصيل مرهف الجداول، ولضلضت ألسنة الخناجر والنيازك فبرزت عذبات العذبات، ونشرت أعلام الكتائب فانبثت تشاهير الأزاهير على عقبات العقبات وعلى الجملة فإن الربيع حاكى ببروقه بوارقه، وبرعوده صواعقه، وبخمائله وروابيه، زرابيه ونمارقه، وبركامه قتامه، وبشقائقه أعلامه، وبأشجاره المزهرة خيامه، وبأغصانه رماحه، وبعواصف أمره ونهيه رياحه، وبكتائبه السود كثبه الخضر، وبأزهاره الزرق مزارقه الزهر، وبسيوله الجحافه مسير جحافله، وباضطراب بحر فيالقه تموج خمائله، عند هبوب أصائله واستمر بين ذلك العرار والرند، قافلاً بالبال الفارغ إلى سمرقند، فسار والسرور نديمه، والحبور خديمه، والأشر معاقره، والنشاط مسامره،
стр. 309
وبين التفريط والإفراط موارد ومصادره، حتى قطع ولايات أذربيجان، وحل ركابه بممالك خراسان، وفي خدمته ملوك الأقاليم وأرباب التيجان
ذكر نهوض ملوك الأطراف
لاستقباله، ووفودها عليه مهنئة له بحسن مآله
ولما تسامعت أقطار البلدان، أنه قفل قاصداً الأوطان، أقبلت إليه الملوك من أطرافها، والمرازية من أكنافها، وسارع إلى استقباله المداره والجحاجح، وتبادر من ما وراء النهر وغيرها السراة والمراجح، وتطاير إليه من الأقاليم أساطينها ومن الولايات والثغور ملوكها وسلاطينها ومن كان مرابطاً في ثغر، أو مواظباً على أكيد أمر، أرسل نائبه أو قاصده، أو حاجبه أو رائده، يتباشرون بقدوم أقدامه، ويهنئونه بما فتح عليه من هنده وعراقه ورومه وكرجه وشامه، ويقدمون التقادم والحمولات، ويهيئون الضيافات والإقامات ثم أردفهم السادات والعلماء، والمشايخ والكبراء، ورؤساء الموابذة، وموابذة الرؤساء، فجعل يسمت لكل واحد منهم سمتا،
стр. 310
ويأمره فيخضع بالسمع والطاعة إجلالا وصمتا، ويمهد له فيما ولاه قواعد ومباني ف " لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً " ثم جهز كلاً منهم بما اقتضاه رأيه وأجازه، ووصل إلى جيحون وقد أعدت له السفن والمراكب فجازه، فخرج أهل المدينة للاستقبال، وكل منهم منشرح البال ملتئم الحال، فدخل سمرقند أوائل سنة سبع وثمانمائة، ومعه من طوائف الأمم الاثنتان والسبعون فرقة، وأكثرهم قدرية ومرجئة، ثم أذن لمن اختاره من العساكر فتفرقت، ولطوائف جند ما وراء النهر فتمزقت
ذكر توزيعه التتار أرسالا
شرقاً وغرباً ويميناً وشمالاً
فلما استقرت به الدار، أخذ في توزيع التتار، وكانوا ذوي عدة وعدة، ونجدة وشدة فحين سلبهم عدتهم، كسر شوكتهم وشدتهم، ولكن أبقى الله عدتهم، فخاف لذلك نجدتهم، فشتت جمعهم، وأقوى من اجتماعهم ريعهم، فبذرهم في فياف وبطاح، ووزعهم في قفار وضواح، وبددهم في أشطار عناء وبراح، ونددهم في أقطار بكاء ونواح، فسدد برؤسهم أفواه الثغور، وأوصد بظهورهم أبواب النحور، فجهز طائفة إلى كاشغر، وهو بين حدي الخطا والهند أحد الثغر، ووجه فرقة إلى دويرة، في وسط بحيرة، تدعى إسي كول، وهي ثغر بين ممالك تيمور والمغول فصادفهم بعض السعد، فانقطعوا عمن أضيفوا إليه كما ينقطع عما يضاف إليه بعد، فانضموا منهزمين ولم يلووا، وأخذوا من صوب الشمال وخرجوا على الدشت إلى إيدكوا، ثم أضاف سائرهم وقبائلهم وعشائرهم من كل حزين أواه إلى أرغون شاه وجهزه بعزم وحزم، إلى ثغور الدشت وحدود خوارزم، وهذا كان هجيره، وما بنى عليه أوامره وأموره، فإنه كان من الشياطين النقالة، وفي المكر واللعب بالناس كدلة المحتالة كلما بنى في قطر قلعة، أو استولى في نحر من نحور المخالفين على " رقعة أو " بقعة، أنزل بها من العساكر، من هو في أقصى جهات تقابلها من الحصون والدساكر، ونقل إليها من بها من الرجال، إن كان في الشمال إلى اليمين وإن كان في الجنوب إلى الشمال، فإنه لما استولى على ملك تبريز، وما والاه، استناب فيه ولده لصلبه أميرانشاه، وأمده من الجغتاي بطائفة غلاظ شداد،
стр. 311
منهم خدايداد أخو ألله داد ونقل إلى أطراف الخطا وتركستان، طوائف من عسكر العراقين والهند وخراسان، وولى سماقة بن التكريتي الذي أخذه من الشام، نيابة مدينة سيرام، وهي عن سمرقند إلى جهة الشرق نحو من عشرة أيام، وولى يلبغا المجنون نيابة ينكي تلاس وراء سيرام بنحو أربعة أيام، وهما كورتان مختصرتان، وراء سيحون من معاملات تركستان وهما كانا أقل من أن يذكرا " فضلاً " أن يصيرا حكاماً وأمراء، وإنما فعل ذلك، لينتشر في أطراف الممالك، أن عنده من رؤساء الشام، جماعة من أعيان الأعلام، وإن في ممالكه من الخدم، ورؤساء الأمم، حكام العرب والعجم، وأن ذلك الطرف جال وسطا، وملك ما بين الشام والخطا " فصل " ثم أخذ يتفقد ما حدث في غيبته، من أمور بلاده ورعيته، ويتفحص عن قضايا الممالك، ويسلك لملوكها المسالك، ويدبر مصالح الأطراف والثغور، والأكناف والنحور، ويراعي أحوال الكبير والصغير، ويتعاطى مصلحة الغني والفقير، ويضع الأشياء " على زعمه " في محلها، وزمام
стр. 312
المناصب والوظائف في يد أهلها، ويبادر بما قال الشاعر
لله در أنو شروان من رجل ... ما كان أعرفه بالوغد والسفل
نهاهم أن يمسوا عنده قلما ... وأن يذل بنو الأحرار بالعمل
وأخذ يربي السادات، ويكرم الأولياء ذوي الكرامات، ويجل العلم وأهله، ويعلي الفضل ويعز محله، ويقلع المفسد ويقمع المارق، ويخنق الزاني ويصلب السارق، حتى استقامت في زعمه أمور السياسة، وتمت على توراة جنكير خان قواعد الرياسة
ذكر ما ابتدعه من منكراته
وطبع بخاتمة خواتيم سيئاته، ووافى باستيفائه رائد وفاته
ثم شرع في تزويج حفيده أولوغ بك بن شاه رخ النبيه، الذي هو في يومنا هذا أعني سنة أربعين وثمانمائة حاكم سمرقند من قبل أبيه، فأمر أهل المدينة أن يشرعوا في الزينة، وأن يرفع عنهم الكلف والمظالم، ويعفوا من الطروحات والمغارم، ويبسط لهم بساط الأمان، ويعامل الكبير والصغير والرفيع والوضيع منهم بالفضل والإحسان، وأن لا يشهر في ممالكه سيف، ولا يجري
стр. 313
فيها ظلم ولا حيف، وأن يخرجوا زينتهم إلى مكان نحو ميل من ضواحي سمرقند، يدعى كان كل، هواؤه أذكى من المسك وماؤه أحلى من القند، كأنه قطعة من روض الجنان، غفل عنها خازنها رضوان قلت
رعى فيه غزال الترك شيحا ... فصار المسك بعض دم الغزال
روائح هوائه ألطف من نسيم السحر، ورواشح مائه أعذب من ماء الحياة صفاء بلا كدر، وتغاريد طيوره ألذ في السماع من سار الناي على الوتر قلت
بساط زمرد نثرت عليه ... من الياقوت ألوان الفصوص
وقلت
كأن مدور الأزهار فيه ... وورداً من محاسنه تنضد
صحاف من لجين أو عقيق ... ومرجان وياقوت وعسجد
فهذي حشوها مسك فتيت ... وهذي ضمنها تبر مبدد
أراد الروض يجلوها علينا ... فصاغ لها أكفاً من زبرجد
стр. 314
صباغ القوة الخيالية يتعلم خلط أصباغ النقوش من تشاهير أزاهيره، ومواشط عرائس الجمال تزين عواتق الكمال من تحارير تصاويره قلت
كأن رباه سيما وقت هبة ... خضم بأنواع الحلى مرصع
أفسح من أمل حريص طامع، في جاه غني كريم نافع، وأنزه للأبصار والبصائر، من غض شباب زاه زاهر، ساعده الدهر بوجه بسيط وأدب كامل، وعمر طويل ومال وافر، وهو أحد الأماكن المذكورة، والمتنزهات التي هي بالنزاهة والرفاهية في الدنيا مشهورة، ومبدأ السغد الذي جهاته بالنعم موقرة موفورة قلت
شقائقه خدود ناضرات ... تحشت من سواد المقلتين
عساكر تيمور مع أنها البحر المتلاطم فيه، تضاهي بني إسرائيل في قطر من أقطار التيه، ثم أمر الملوك والسلاطين، وأرباب التيجان من الأساطين، أن يخرجوا إليه، وينبثوا عليه، وفرز لكل منهم
стр. 315
في ذلك المرج مقاماً، ورتبه ميمنة وميسرة ووراء وأماماً، وأمر أن يظهر " كل " ما أمكنه من تجمل وتحسين، ويضرب ماله من خيام وقباب متكلفة بأنواع النقوش والتزيين ثم رتب من دونهم من الكبراء والأعيان، ورؤساء الأمراء والأعوان في ذلك الروض الأريض، والمرج الطويل العريض، فأخرج كل منهم ما حواه، وكاثر نظراءه لينظروا ما قدمت يداه، وفاخر ذوي الفخار منهم وباهى، واستقصى في المباهاة والمفاخرة وتناهى، فنشروا مما طوت صحائف أيامهم، على جمعهم إياه سجلات آثامهم، من طرف أطراف الأقاليم والأمصار، وتحف جواهر المعادن والبحار، ونفائس ذخائر نهبوا عليها النفوس وألهبوا الأنفاس، وعرائس أخاير سقوا عليها الكؤس وخرقوا الأكياس، ما أزرى على زهر تلك الروضة الخضراء بالأنجم الزواهر، وأسرى منظره البهيج سرايا المسرات إلى سر السرائر، فزاد حسن حديث ذلك المكان ونما، وعلا قدره بهجة على كل أرض وسما ثم أمر بسرادقاته فجعلت مركز تلك الدارة، ونقطة دائرة تلك الأفلاك المدارة، وهي سور محيط مضروب، على ماله من خيام وقباب منصوب، له باب واسع،
стр. 316
يدخل فيه من دهليز شاسع، على ما به من معان ومغان، وله قرنان شامخان، تنكس لهما الرؤس، وتذهل عند مشاهدتهما النفوس، ولأجل هذين، كان يلقب ذا القرنين
ونصبوا له داخل هذا الجناب، عدة من الخيام والأخبية والقباب، ومن جملتها قبة أعلاها وأسفلها بالذهب مزركش، وظاهرها وباطنها بلب الريش مريش، وأخرى كلها بالحرير محبوكة، وبأنواع النقوش وألوان الأصباغ مبنية مشبوكة، وأخرى من فرقها إلى قدمها مكللة باللآلئ الكبار، التي لا يعلم قيمة أحدها إلا عالم الأسرار، وأخرى مرصعة بأنواع الجواهر، على صفائح الذهب مدهشة للأبصار والبصائر، وجعلوا لما بين ذلك " سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون، ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون " وبين ذلك الأوراق المنقشة، ورواقات الأخبية المزركشة والفساطيط والأبنية المدهشة وفيها مراوح الخيش، الجالبات لبرد العيش، والمنافع والمرافق، والمفاتح والمغالق وأظهروا الذخائر الغريبة، وأرخوا على ذلك الستائر العجيبة، ومن جملتها ستارة جوخ كان أخذها من خزانة السلطان بايزيد،
стр. 317
قطعة واحدة عرضها نحو من عشرة أذرع بالذراع الحديد، منقشة بأنواع النقوش، من صور النباتات والبنيان والعروش، وأشكال الهوام والطيور والوحوش، وأشخاص الشيوخ والشبان، والنساء والصبيان، ونقوش الكتابة وعجائب البلدان، والعروق اللاعبة وغرائب الحيوان، بألوان الأصباغ، المبالغ في إحكامها وإجادتها أحسن بلاغ، كأن صورها متحركة تناجيك، وثمارها الدانية لاقتطافها تناديك وهذه الستارة إحدى عجائب الدنيا، وليس المسمع كالمرأى، ونصبوا أمام سرادقاته بمقدار شوط فرس الصيوان، الذي يجتمع المباشرون فيه وأرباب الديوان، وهو جتر عالي الذرا، شامخ في الهوى، له نحو أربعين أسطوانة، وعواميد وسوار شيدوا عليها أركانه، وسددوا بنيانه، يتسلق الفراشون إلى أعلاه كالقردة، كأنه مسترقوا السمع من الشياطين والمردة، ويتعادون على سطحه، حين يرفعونه بعد بطحه " فصل " وأخرج أهل المدينة، ما عبوه من تجمل وزينة، ونصبوه تجاه تلك
стр. 318
السرادقات على مد البصر، وتأنق كل واحد من أهل البلد بما وصلت إليه القوى والقدر، واجتهد كل ذي حرفة بما يتعلق بحرفته، وبالغ كل من أرباب الصنائع فيما يليق بصنعته، حتى أن ناسج القصب أخرج فارساً مكمل الأهبة، واستقصى في إكمال هيئته حتى أظافيره وهدبه، واستوفى دقائق ما يتعلق به من الآلات، كقوسه وسيفه وسائر الاستعدادات، كل ذلك من القصب، ورفع ذلك في مكانه من غير تعب ونصب وصنع القطانون من القطن مئذنة رفيعة، محكمة بديعة، ذات قد رشيق، وصنع وثيق، ومنظر أنيق، ببياض جسم يسمو على الحور، وكمال قوام يعلوا على القصور، ونصبوها فصارت بحسنها تستوقف النظارة، وبعلوا قامتها ترشد في ذلك المهمه المارة، حتى غدت علماً للسيارة، وعلى جوامع تلك الأبنية منارة وكذلك أهل الحرف من الصواغين والحدادين، والخفافين والقواسين، وسائر الطوائف، وأرباب الملاعب واللطائف ولقد كانت سمرقند مجمع الأفاضل، ومحط رحال أهل الفضائل، فرتبت كل طائفة ما أخرجته على حدة في مكانه، أمام سرادقاته وصيوان ديوانه،
стр. 319
ونصبت وراء ذلك كله الأسواق، وضربت بين الناس بوقات الأبواق، وزينت الفيول، وجياد الخيول، بأفخر لباس، وأطلق عنان الرخص والتمتع بأنواع الملاهي والملاذ للناس، فسارع كل طالب إلى مطلوبه، واجتمع كل محب منهم مع محبوبه، من غير أن يتعدى أحد على أحد، أو يستطيل أعلى من يكون على أدنى من يكون من الجند وأهل البلد، أو يجري تعد ما، من شريف ما على وضيع ما " فصل " ولما استتبت الأمور على مراد تسويل قرينته، وأخذت الأرض زخرفها وازينت من جنده وأهل مدينته، توجه إلى ذلك المرج على وقاره وسكينته، وخرج على قومه في زينته، ثم أمر أن تجرى يواقيت الصهبا، على زبرجد ذلك المرج الأحوى، وسبلها لكل ناظر وعام، فسبح في تيارها كل خاص وعام، فدارت في سماء تلك الأرض للسرور أفلاك، وهبطت في أفقها بوحى الذات من أفلاك الملاحة أملاك، فأصبحت تلك الأسود الخوادر، وهي ظباء جوادر، وتنزلوا من جحيم المنازلة، إلى نعيم المغازلة، وتبدلت تلك الغلاظة والكثافة، باللطافة
стр. 320
والظرافة، وأضحوا بعد جورهم يتجاورون، وبمعنى ما قلته يتحاورون
محا الظلم ما بين الورى سيف عدلنا ... فلم يتشبث مستغيث بمعتد
سوى قلب صده طرف أحور ... وخصر نحيل آده ردف أغيد
فما صار يصول سيف إلا إن كان صارم لحظ وهو مع ذلك مكسور، ولا يجول ذابل إلا إن كان رمح قد وهو مع ذلك بالعناق مهصور، وصرت لا ترى إلا عوداً يحرك أو يحرق، أو قدحاً يروب أو يروق، أو شادياً يغرد، أو شارباً يعربد، أو جارية تسقي، أو ساقية تجري، أو خد ورد ينشق، أو ورد خد يعشق، أو كأس ثغر يرشف، أو غصن خصر للعناق يقصف، أو فرص عيش تغتنم، أو لسان حال ينشد ويترنم
في ربيع الوصل لما ... أن وفى الضبي الشرود
وسرت بشرى الصبا ... للروض تنبي للورود
следующие страницы →