← История

История · id 12417

عجائب المقدور في أخبار تيمور

ابن عربشاه

Полный текст (492 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

يدخل فيه من دهليز شاسع، على ما به من معان ومغان، وله قرنان شامخان، تنكس لهما الرؤس، وتذهل عند مشاهدتهما النفوس، ولأجل هذين، كان يلقب ذا القرنين ونصبوا له داخل هذا الجناب، عدة من الخيام والأخبية والقباب، ومن جملتها قبة أعلاها وأسفلها بالذهب مزركش، وظاهرها وباطنها بلب الريش مريش، وأخرى كلها بالحرير محبوكة، وبأنواع النقوش وألوان الأصباغ مبنية مشبوكة، وأخرى من فرقها إلى قدمها مكللة باللآلئ الكبار، التي لا يعلم قيمة أحدها إلا عالم الأسرار، وأخرى مرصعة بأنواع الجواهر، على صفائح الذهب مدهشة للأبصار والبصائر، وجعلوا لما بين ذلك " سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون، ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون " وبين ذلك الأوراق المنقشة، ورواقات الأخبية المزركشة والفساطيط والأبنية المدهشة وفيها مراوح الخيش، الجالبات لبرد العيش، والمنافع والمرافق، والمفاتح والمغالق وأظهروا الذخائر الغريبة، وأرخوا على ذلك الستائر العجيبة، ومن جملتها ستارة جوخ كان أخذها من خزانة السلطان بايزيد،

стр. 317

قطعة واحدة عرضها نحو من عشرة أذرع بالذراع الحديد، منقشة بأنواع النقوش، من صور النباتات والبنيان والعروش، وأشكال الهوام والطيور والوحوش، وأشخاص الشيوخ والشبان، والنساء والصبيان، ونقوش الكتابة وعجائب البلدان، والعروق اللاعبة وغرائب الحيوان، بألوان الأصباغ، المبالغ في إحكامها وإجادتها أحسن بلاغ، كأن صورها متحركة تناجيك، وثمارها الدانية لاقتطافها تناديك وهذه الستارة إحدى عجائب الدنيا، وليس المسمع كالمرأى، ونصبوا أمام سرادقاته بمقدار شوط فرس الصيوان، الذي يجتمع المباشرون فيه وأرباب الديوان، وهو جتر عالي الذرا، شامخ في الهوى، له نحو أربعين أسطوانة، وعواميد وسوار شيدوا عليها أركانه، وسددوا بنيانه، يتسلق الفراشون إلى أعلاه كالقردة، كأنه مسترقوا السمع من الشياطين والمردة، ويتعادون على سطحه، حين يرفعونه بعد بطحه " فصل " وأخرج أهل المدينة، ما عبوه من تجمل وزينة، ونصبوه تجاه تلك

стр. 318

السرادقات على مد البصر، وتأنق كل واحد من أهل البلد بما وصلت إليه القوى والقدر، واجتهد كل ذي حرفة بما يتعلق بحرفته، وبالغ كل من أرباب الصنائع فيما يليق بصنعته، حتى أن ناسج القصب أخرج فارساً مكمل الأهبة، واستقصى في إكمال هيئته حتى أظافيره وهدبه، واستوفى دقائق ما يتعلق به من الآلات، كقوسه وسيفه وسائر الاستعدادات، كل ذلك من القصب، ورفع ذلك في مكانه من غير تعب ونصب وصنع القطانون من القطن مئذنة رفيعة، محكمة بديعة، ذات قد رشيق، وصنع وثيق، ومنظر أنيق، ببياض جسم يسمو على الحور، وكمال قوام يعلوا على القصور، ونصبوها فصارت بحسنها تستوقف النظارة، وبعلوا قامتها ترشد في ذلك المهمه المارة، حتى غدت علماً للسيارة، وعلى جوامع تلك الأبنية منارة وكذلك أهل الحرف من الصواغين والحدادين، والخفافين والقواسين، وسائر الطوائف، وأرباب الملاعب واللطائف ولقد كانت سمرقند مجمع الأفاضل، ومحط رحال أهل الفضائل، فرتبت كل طائفة ما أخرجته على حدة في مكانه، أمام سرادقاته وصيوان ديوانه،

стр. 319

ونصبت وراء ذلك كله الأسواق، وضربت بين الناس بوقات الأبواق، وزينت الفيول، وجياد الخيول، بأفخر لباس، وأطلق عنان الرخص والتمتع بأنواع الملاهي والملاذ للناس، فسارع كل طالب إلى مطلوبه، واجتمع كل محب منهم مع محبوبه، من غير أن يتعدى أحد على أحد، أو يستطيل أعلى من يكون على أدنى من يكون من الجند وأهل البلد، أو يجري تعد ما، من شريف ما على وضيع ما " فصل " ولما استتبت الأمور على مراد تسويل قرينته، وأخذت الأرض زخرفها وازينت من جنده وأهل مدينته، توجه إلى ذلك المرج على وقاره وسكينته، وخرج على قومه في زينته، ثم أمر أن تجرى يواقيت الصهبا، على زبرجد ذلك المرج الأحوى، وسبلها لكل ناظر وعام، فسبح في تيارها كل خاص وعام، فدارت في سماء تلك الأرض للسرور أفلاك، وهبطت في أفقها بوحى الذات من أفلاك الملاحة أملاك، فأصبحت تلك الأسود الخوادر، وهي ظباء جوادر، وتنزلوا من جحيم المنازلة، إلى نعيم المغازلة، وتبدلت تلك الغلاظة والكثافة، باللطافة

стр. 320

والظرافة، وأضحوا بعد جورهم يتجاورون، وبمعنى ما قلته يتحاورون محا الظلم ما بين الورى سيف عدلنا ... فلم يتشبث مستغيث بمعتد سوى قلب صده طرف أحور ... وخصر نحيل آده ردف أغيد فما صار يصول سيف إلا إن كان صارم لحظ وهو مع ذلك مكسور، ولا يجول ذابل إلا إن كان رمح قد وهو مع ذلك بالعناق مهصور، وصرت لا ترى إلا عوداً يحرك أو يحرق، أو قدحاً يروب أو يروق، أو شادياً يغرد، أو شارباً يعربد، أو جارية تسقي، أو ساقية تجري، أو خد ورد ينشق، أو ورد خد يعشق، أو كأس ثغر يرشف، أو غصن خصر للعناق يقصف، أو فرص عيش تغتنم، أو لسان حال ينشد ويترنم في ربيع الوصل لما ... أن وفى الضبي الشرود وسرت بشرى الصبا ... للروض تنبي للورود

стр. 321

خرت الأنهار والأغصان مالت للسجود واجتمعنا في رياض ... حسنها يسبي الوجود فالسحاب الصب فيها ... بالحشا أمسى يجود نثر الدر علينا ... منه بلور الغمام فوق صحن سندسي ... فيه ملياقوت جام وثغور من عقيق ... زانها حسن ابتسام وعيون من لجين ... ناظرات لا تنام وغصون الدوح حفتنا بأنواع النقود طيرها فيه غنى إذ ... قد علا عوداً وطار وشذاها ضاع فيه المسك لما منه غار والصبا أمسى عليلاً ... في رباها حين سار جنة الفردوس فيها ... وجه بدر حين نار أصبحت جنات عدن ... تشتهي فيها الخلود يا لها من عشرة ... جاءت بأنواع الهنا ليس فيها غير لثيم ... وارتشاف واعتنا

стр. 322

وكئوس دائرات ... وغناء وغنى لو رآها زاهد من ... ريحها كان انثنى لم يسعه عندها من ... زهده إلا الجحود قم نديمي عاطني فالد ... هر لا يسوى الحزن كأس عيش ينمحي في ... مزجها صرف الزمن الطلا والماء والخضرة والوجه الحسن لا تطع في ذا عذولا ... إنه خب كمن في حشاه غليان ... لا تقل خل ودود فحصل الأمن والدعة، والفراغة والسعة، ورخص الأسعار، وقضاء الأوطار، واعتدال الزمان، وعدل السلطان، وصحة الأبدان، وصفاء الوقت، وذهاب المقت، وحصول المطلوب، ووصال المحبوب وعند التناهي يقصر المطاول واتفق له في ذلك العرس والأبهة والعظموت، والسطوة والجبروت شيء لم أظنه حصل لأحد من الخلفاء المتقدمين، ولا يقع فيما بعد لأحد من المتأخرين، وإن كان المأمون فرش تحته ليلة عرسه حصير من ذهب، ونثر على

стр. 323

رأسه اللؤلؤ المنتخب فلم يلتفت إليه ولم يلتقط من ورائه ولا من بين يديه، حتى قال قاتل الله أبا نواس كأنه كان حاضراً حيث قال كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب لكن تيمور " الجبار " كان في عرسه ذاك بنات الملوك وصائف، وبنوها عبيداً كل منهم في مقام العبودية واقف، واجتمع عنده قصاد الملك الناصر فرج من مصر والشام، ومعهم الحمل والتقادم ومن جملته الزرافى والنعام، ورسل الخطا والهند، والعراق والدشت والسند، وبريدي الفرنج ومن سواهم، وقصادكل الأقاليم أقصاهم وأدناهم، ومن كل مخالف وموافق، ومعاد ومصادق، فأخر الجميع حتى شاهدوا عظمته، وعاينوا جبروته في ذلك العرس وأبهته، فباشر ذلك على تلك الحال، لا يخاف النكال، ولا يخشى الوبال قلت قرير العين لا يرجوا إلهاً ... خلي البال لا يخشى معادا يتناول المحرمات ويبيحها، ويروج عنده مستهجنها وقبيحها،

стр. 324

مهما أمر به جماعته، في ذلك امتثلوه، يتناهون في كل قبيح عملوه، ولا يتناهون عن منكر فعلوه قلت تبدل من سفك وهتك جريمة ... أحل بها ما حرمته الشرائع وجعل يدعو الملوك والأمراء، وسلاطين الآفاق والكبراء، وقواد التوامين، وزعماء الجيوش والمقدمين، ويسقيهم الكاسات بيده، ويحل كل منهم محل أخيه وولده، ويخلع عليهم الخلع السنية، ويجزل لهم المواهب والعطية، ويجلس كل منهم بحبسه ذات اليمين، وأما ذات الشمال فإنها للنساء والخواتين، فإن النساء لا يستترن من الرجال، خصوصاً في مجالس الاجتماع والاحتفال واستمر في ذلك بين جنك وقانون، وعود وأرغنون، وناي مرقص مطرب، وشاد معجب مغرب، وساق فاتن، ودهر موات، وهوى متبع، وأمر مستمع، وشمس تدور، على نجوم وبدور، وكأس تملأ وكيس يفرغ، وأمر يمضي وأمل يبلغ، حتى استخفه الطرب والبطر، واستفزه النشاط والأشر، فضبع إلى من استعضده، ومد للنهوض إليه يده، فتعاضدوا

стр. 325

لمعاونته، وتعاونوا على معاضدته، وحين استوى قالصا، تهادى بشيبته وعرجته راقصا قلت ومن عجب الدنيا أشل مصفق ... وأبكم قوال وأعرج راقص فنثر عليه الملوك والكبراء، ونساء السلاطين والأمراء، الجواهر واللآلئ والفضة والذهب وكل نفيس غال، ولم يزل على ذلك حتى استوفى من اللهو حصته، ودخل العروس منصته، وانقضت تلك الأمنية، وتفرقت هاتيك الجمعية ما كان ذاك العيش إلا سكرة ... لذاتها رحلت وحل خمارها " فصل " ولما بلغ من دنياه المرام، وانتهى أمله إلى الكمال والتمام، وعرج فيما يرومه إلى ما عرج، وصعد في سلم ارتقائه إلى أعلى درج، وقارب بدر عمره الأفول، وشمس حياته أن تزول، رشقه الزمان بسهم أصماه فما أنمى، ونادى بلسان فصيح فرغ

стр. 326

العروس يا بيت الإحما قلت وما الدهر إلا سلم فبقدر ما ... يكون صعود المرء هبوطه وهيهات ما فيه نزول وإنما ... شروط الذي يرقى إليه سقوطه فمن صار أعلى كان أوفى تهشما ... وفاء بما قامت عليه شروطه فأفاق من سكره، وعاد إلى عكره، وارعوى وما ارعوى، وعلم أنه أضل قومه وما هدى، ورأى أنه قد فرط في أمر الرياسة، وحط من جانب الإيالة والسياسة، وأنه سام الملك خسفا، وسائس السلطنة وجد عليه مائة طريق في التقصير وألفى، فأخذ يتدارك ما كان فرط، ويطلب التقصي عما فيه تورط ذكر بعض حوادث متقدمة لمتعلقات ذلك العابث وكان تيمور قد رأى في الهند جامعاً، للبصير مرتعا وللبصر رائعا، عرشه في حشن بناءه ونقشه، من الرخام الأبيض كبساط فرشه، فأعجبه شكله، وأراد أن يبني في سمرقند مثله، ففرز لذلك مكان في فرز، ورسم أن يبني له جامع

стр. 327

على الطرز، وأن يقطع له أحجار من المرمر الصلد، وفوض أمره إلى رجل يقال محمد جلد، أحد أعوانه ومباشري ديوانه، فاجتهد في بنيانه، وتشييد أركانه، واستقصى جهده في تحسينه، من تأسيسه وتركيبه وترتيبه وتزيينه، وأعلى له أربع مآذن، وباهى في أئمة البنائين والأستاذين، وظن أن لو كان في ذلك أحد غيره، لما قدر أن يصنع صنعه، ويسير سيره، وأن تيمور سيشكر له صنيعه، وينزله عنده بذلك منزلة رفيعة فلما آب من سفرته، وتفقد ما حدث في غيبته، توجه إلى الجامع لينظر إليه فبمجرد ما وقع نظره عليه، أمر بمحمد جلد فألقوه على وجهه وربطوا رجليه، ولا زالوا يجرونه، وعلى وجهه يسحبونه، حتى بضعوه على تلك الحال، واستولى على ماله من أهل وولد ومال وأسباب ذلك متعددة، ومعظمها أن الملكة الكبرى، إمرأة تيمور العظمى، أمرت ببناء مدرسة، واتفق المعمارية وأهل الهندسة أن تكون في مواضع، مقابلة لبناء هذا الجامع، فشيدوا أركانها وسددوا بنيانها، وعلوا على الجامع طباقها وحيطانها، فكانت أرسخ منه تمكينا، وأشمخ منه عرنينا وتيمور كان نمري

стр. 328

الطبع، أسدي الوضع، ما تكبر عليه رأس إلا شدخه، ولا تجبر عليه ظهر إلا فضحه، وكذلك كل ما أضيف إليه، أو عول في النسبة عليه فلما رأى قامت تلك المدرسة طالت، وعلى قد جامعه الجتر ترفعت واستطالت، نغل صدره غيظاً واشتعل، وفعل مع مباشر ذلك ما فعل، فلم يصادفه فيما أمله سعد، وهذه الحكاية مقدمة لما أذكره بعد نكتة كان هذا الجامع كصاحبه، أحاطت أوزار الأحجار بجوانبه، وتثاقلت على غواربه ومناكبه، ودقت عنقه طاقته عن حملها ورقت، وتلا لسان سقفه " إذا السماء انشقت " وما أمكن تيمور الاشتغال بهدمه ثم إحكامه، ونقض بنائه واستئناف إبرامه، فطوى ثوب عمارته على غرة، واستبقى خشب أخشبه على وهنة وكسره، لكنه أمر خاصته وذويه، أن يجتمعوا ويجمعوا فيه، واستمر ذلك في حياته وبعد وفاته، فكان إذا اجتمع الناس فيه للصلاة يرتقبون من تلك الحجارة ما يهبط من خشية الله، وصار ملك الجبال في تلك المحلة، يتلو " وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة " ففي بعض الأحيان، وقد غص بالناس ذلك المكان، وأخذ كل منهم حذره، سقط من حجارته من أعلاه شذرة،

стр. 329

ففر كل من كان جاثماً، وانفضوا إلى الأبواب وتركوا الإمام قائماً، وكان من جملتهم الله داد، أحد الأكفاء والأنداد، فلما اطلعوا على حقيقة الخبر، تراجعوا وزال عنهم الخور فلما قضوا الفرض، وانتشروا في الأرض، قال لي الله داد وكان من الدهاة ذوي الكياد، والأذكياء النقاد، له حوالي كعبة المخازي، مائة شوط وألف طوف - ينبغي أن يلقب هذا الجامع بمسجد الحرام والصلاة فيه صلاة الخوف، وقال لي أيضاً ألله داد، وقد فهم معنى هذا الإنشاد، وينبغي أن ينشد، في شأن هذا المعبد، ويكون رقم طرازه، ونقش صدره ومجازه، قول الشاعر سمعتك تبني مسجداً من جناية ... وأنت بحمد الله غير موفق كمطعمة الأيتام من كد فرجها ... لك الويل لا تزني ولا تتصدقي " فصل " ولما كان تيمور ببلاد الروم يصول، كان استخلاص ممالك الشرق في فكره يجول، وقد ذكر أنه أرسل إلى ألله داد، يستوصفه

стр. 330

أوضاع تلك البلاد، ولما انكشفت له أحوالها، وتبينت له قراها ومضافاتها وأعمالها، حتى شاهدتها عين بصيرته، واستقرت كيفيتها في سر سريرته، جهز لتلك النواحي، رؤس هاتيك الضواحي، ومن جملتهم بيردي بك وتنكري بيردي وسعادات، وإلياس خواجه ودولت تيمور مع زيادات، وأضاف إليهم طوائف من الأجناد، ورسم أن يتوجهوا كلهم إلى الله داد، وأن يجهز ألله داد أمره، ويتوجهوا فيبنوا قلعة تدعى باش خمرة، وهي عن أشبارة نحو من عشرة أيام، ومن متعلقات المغل الطغام، وكانت أمورها اضطربت، ولكونها متنازعة بين مملكتين خربت، فتوجهوا إلى تلك الدارة، بالعساكر الجرارة، واشتغلوا على غير عادتهم بالعمارة وكان توجه هذه الفئة، في أواخر سنة ست وأوائل سنة سبع وثمانمائة، وقصد بذلك أن تكون لهم معقلا، وعند توجههم إلى الخطا وإيابهم ملجأ وموئلا، فلما أحكموا أساسها، وصنفوا أنواع بيوتها وأجناسها، وصفوا من أحجار الأساسات أقدامها، ورفعوا على أعلام الأسوار أعلامها، أرسل إليهم مرسوماً أنهم يرجئون أمرها، ويتناسون ذكرها، ويأمرهم فيه بالرجوع،

стр. 331

والاشتغال بتعليق البلاد بالزروع، بحيث أن فقهاء الدرس والدياس، من أهل القرى والأمصار، والمشتغلين بفقه المزارعة والمساقاة من فلاحي الأنجاد والأغوار، وأهل الرزداقات والأكارة، من حدود سمرقند إلى أشبارة، يتركون مسائل المعاملة والمبايعة، ويكررون البحث قولاً وعملاً في درس المساقاة والمزارعة ويؤذنون في جماعتهم أن يقيم كل منهم في الزرع صلاحه، وإن اضطر أحدهم أن يترك صلاته فالحذر الحذر أن يترك فلاحه، ورام بذلك أن يكون لهم في سفرهم عتادا، وإن نقص لهم في الدرب قضيم وخضيم زادا، فتركوا العمارة، وقصد كل من الأمراء دياره، واشتغلوا باستخراج البقر والبذار، واجتهدوا في إحياء جميع الموات كما رسم وأشار، فما فرغوا من ذلك إلا وقد طوى المصيف بساطه، ونشر رائد الخريف على العالم أعلامه وأنماطه ذكر عزمه كما كان على الخطا ومجيئه سكرة الموت بالحق وكشفه عنه الغطا، ثم انتقاله من سفره إلى سقره فلما أفاق، أخذ فيما كان عليه من التوجه إلى الآفاق، وقصد

стр. 332

الحواشي والأطراف، واستخلاص الممالك والأكناف، وصرف عنان الذهاب، نحو الخطا على عادته وكان ذلك عين الصواب فأرسل إلى أمم عساكره أن يستوفزوا، ويأخذوا أهبة أربع سنين أو أكثر ويتجهزوا، فلبت كل أمة دعوة رسولها، وشنفت بأقراط مراسيمه أذان قبولها، وحمل كل أسد جوزاء عتاده، وامتطى جدى بغيه، وأعد كل ثور سنبلة زاده ودلو سقيه، ودب كل عقرب منهم دبيب السرطان، وانسابوا انسياب الحوت في بحار العدوان، مجازفين مظالم العباد بلا كيل ولا ميزان فأبرد هلال القوس سهم برده بمرسومه إلى كل صماخ، يخبر أن جند الشتاء على عالم الكون والفساد أناخ، فليستعد له الكفاة، وليحذره العراة والحفاة، ولا يكتفوا في كفه بكافاته فما كل كاف له كفوا، لأنه في هذه المرة آية من آيات الله فلا تتخذوا آيات الله هزوا وأن قصده بقدومه تبريد الأنفاس، وتشويط الأنوف والآذان وإسقاط الأكارع وقلع الرأس، وأن فصل الخريف رائد جنوده، وقائد بنوده، ونموذج طلعته، ومري عين غلته وعنوان مكاتبته

стр. 333

ومقدمة كتيبته ثم زمجر بعواصف رياحه الباردة، وخيم على العالم بخيام غيومه الصادرة والواردة، فارتعدت الفرائص من زئيره، ولاذ كل من الحشرات بقعر جهنمه خوفاً من زمهريره، وخمدت النيران وجمدت الغدران، وارتجفت الأوراق ساقطة من الأغصان، وخرت على وجهها الأنهار، جارية من الأنجاد إلى الأغوار، وتخيست الأسود في أخياسها، وتكنست الظباء في كناسها، وتعوذ الكون من آفته، واصفر وجه المكان من مخافته، واغبرت خدود الرياض، وذبلت قدود الغياض، وراح ما كان بها من النضرة والارتياح، وأصبح نبات الأرض هشيماً تذروه الرياح فاستسمج تيمور لقطات هذه النسمات، واستبرد نفثات هذه النفحات، وأمر بإعداد لبوس القباب، واستعداد بركستوانات الجباب، واتخذ لصفاح الجمد وسهام البرد، من المبطنات الدرق ومن الفراء الزرد، ثم ضاعف لملاقاة الشتاء مضاعفات اللباس وأفرغها على قامة عزمه الثاقب وأمدها من كافات كفايته بأتراس، ولم يلتفت إلى كلام وملام، واستكفى من الشتاء بما لبسه وأعده من كل كاف ولام، وقال لعسكره لا تكترثوا

стр. 334

بشأن الشتاء فإنما هو برد وسلام وحين اجتمعت عساكره، والتأمت أموره وأوامره، أمر أن يصنع له خمسمائة عجلة، وتضبب بالحديد ليحمل عليها ثقله، فبادر الشتاء خروجه بالدخول، وأورد بانقطاع جراية عمره من ديوان الفناء الوصول، فبرز في شهر رجب، وقد أصبح البرد عجباً وأي عجب، وسار لا يرق لمرق، ولا يرثي لجسد من البرد محترق، فوصل في سياحته إلى سيحون وقد تجمد، وبنى عليه رائق النسيم الصرح الممرد قلت قديما على البحر قد عاينت جسر ممدداً ... بناه إله العرش صرحاً ممردا بكيت فخلت الدمع في جنباته ... رقيق رحيق في زجاج تجمدا فعبره ومر ومضى على ذلك واستمر، وتمادى على لجاجه وأصر فدمر الشتاء عليه بالدمار، وانحط عليه من الجوانب بكل إعصار فيه نار، وحطم جيشه بكل نكباء صرصر، وضرب نبات عسكره بصرة صر طول فيها وما قصر، وهو بذلك الجمع الكثير يسير، لا يحن لأسير ولا يجبر وهن كسير، يسابق البرد ببرده، ويجاري أجرده بجرده ومرده، فجال فيهم

стр. 335

الشتاء بحراجف عواصفه، وبث فيهم حواصب قواصفه، وأقام عليهم نائحات صراصره، وحكم فيهم زعازع صنابره، وحل بناديه، وطفق يناديه مهلاً يا مشوم، ورويداً أيها الظلوم الغشوم فإلى متى تحرق القلوب بنارك، وتلهب الأكباد بأوامك وأوارك، فإن كنت أحد نفسي جهنم فإني ثاني النفسين، ونحن شيخان اقترنا في استئصال البلاد والعباد فأنحس بقران النحسين، وإن كنت بردت النفوس وبردت الأنفاس فنفحات زمهريري منك أبرد، أو كان في جرائدك من جرد المسلمين بالعذاب فأصماهم وأصمهم، ففي أيامي بعون الله ما هو أصم وأجرد، فوالله لا حابيتك، فخذ ما آتيتك، ووالله لا يحميك يا شيخ من برد ريب المنون، لواعج جمر مجمرة ولا واهج لهيب في كانون ثم كال عليه من حواصل الثلوج ما يقطع الحديد ويفك الزرد، وأنزل عليه وعلى عساكره من سماء الزمهرير من جبال فيها من برد، وأرسل عقيبها زوابع سوافيه فحشتها في آذانهم ومآقيهم، ودستها في خياشيمهم فاستقبلت بها نزع أرواحهم إلى تراقيهم، وجعلت تلك الريح العقيم " ما تذر من شيء، أتت عليه إلا جعلته

стр. 336

كالرميم " وأصبحت مشارق الأرض ومغاربها من الثلوج المنقضة، كأنها بر عرصات القيامة أو بحر صاغه الله من الفضة، فكانت إذا بزغت الصقعاء ولمع الصقيع تراءى شيء عجب، سماء من فيروزج وأرض من بلور ما بينها شذور الذهب، فإن هبت فيما بين ذلك والعياذ بالله نسمة ريح، على نسمة ذي روح، أخمدت نفسه، وجمدته وفرسه، وكذلك الجمل والجمال، حتى أتت على مرق وانتهى الشأن إلى أن طابت النار وردا، وصارت لواردها سلاماً وبردا، وأما الشمس فإنها ارتجفت، وجمدت عينها من البرد ونشفت، وصارت كما قيل يوم تود الشمس من برده ... لو جرت النار إلى قرصها فكان الرجل إذا تنفس جمدت أنفاسه على سباله ولحيته، فيصير كأنه فرعون وقد رصع لحيته بحليته، وإن لفظ من فيه لفظة نخامة عاقدة، لا تصل إلى الأرض مع ما فيها من الحرارة إلا وهي بندقة جامدة، فانكشف ستر الحياة عنهم، وأنشد لسان حال كل منهم

стр. 337

فيا رب إن البرد أصبح كالحاً ... وأنت بحالي عالم لا تعلم فإن كنت يوماً مدخلي في جهنم ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم فهلك من عساكره الجم الغفير، وأتى الشتاء على كثير من كبير منهم وصغير، وشاط منهم أنوف وآذان وسقط، وانحل عقد نظامهم وانفرط، ولا زال الشتاء يهب ويصب عليهم ريحاً وبحارا، حتى أغرقهم فيها وهم عاجزون حيارى، ونودي عليهم " مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا " وهو مع ذلك لا يلتفت إلى من مات ولا يتأسف على ما فات ذكر مرسوم أرسله إلى ألله داد، بت فيه من الأكباد وفت القلوب والأعضاد، وزاد ما خبله فيه من هموم بأنكاد وكان تيمور حين مخرجه من سمرقند أرسل إلى الله داد بأشباره، مرسوماً أذهب فيه قراره، ونفر طائر نومه عن وكر أجفانه وأطاره، وفهم من فحواه بالإشارة، أنه طالب دماره، ومؤتم أولاده ومخرب دياره شد عليه فيه المضائق، وسد في وجهه الطرق والطرائق،

стр. 338

واقترح عليه فيه بأمور يسهل عندها قطع الجبال ونقل الصخور، ويعذب عند أدناها شرب البحور، من أقلها أن يهيئ له بمفرده، إقامة ليوم قدمه دون غده، خضيماً يأكله ليله، وقضيماً يطعمه خيله، ومن عرض ذلك مائة " ألف " حمل جمل طحيناً خاصه، وهو مخصوص به لليلة واحدة خاصة، وأنه مع عساكره الجرارة، لا يبيت سوى ليلة واحدة بأشباره، إلى غير ذلك فلما اطلع الله داد على هذا الكتاب، وفهم ما تضمنه فحوى هذا الخطاب، علم أنه قد حل به العذاب، فسلب وعيه، وبذل سعيه، وأخذ في إعداد الطحين، واجتهد في إدارة الطواحين، وكانت الطواحين أوقف من حال أديب، في هذا الزمن العجيب، ومجاري مياهها أيبس من كف شحيح، كلف زمن القحط تذرية الدقيق في الريح، ودماء الأنهار في مجاري عروق الجبال ناضبة، ودموع العيون في آماق الغروب غاربة فبذل ما كان أعده لكل نائبة وشدة، وأهان نفائس الأموال واستعان على إجراء الماء بالمال، واستغاث بأولي النجدة من الرجال، واستمد المدد، من كل عد وثمد، واستنهض آراء المشفقين من الأصحاب،

стр. 339

واستدفع بهم ما نزل به من مخلب للبلاءات وناب، وقرع لفتح ما ارتج عليه مما لا طاقة له به كل باب فاستجابوا دعاءه، وأجابوا صداه ونداءه، وتأوهوا لمضضه، واستطبوا لمرضه، وجمعوا من العملة والفعلة الأسود والسراحين فعملوا في سوق الأنهار من الأعمال ما يدير الطواحين، وجعلوا يعاندون البرد، ويقطعون في طريق الماء الجمد، فكانوا كالضارب في حديد بارد، والمكابد بتزويق وعظه تليين قلب الجاحد، حتى سهلت حزونه، ورق لمكابدتهم فدمعت عيونه وصاروا لا يقطعون من الجليد، مقدار ذراع بالحديد، إلا وتهب نسمة يابسة، على تلك الوجوه العابسة، فإذا هب بارد النسيم، قابله الماء بوجه بسيم، فيبرد قلبه عن نارهم، ويصرد لبه عن أوارهم، فيجمد ما فوق ذلك، فتضيق عليهم المسالك، فيرجعون القهقرى، ويمشون كالحبال إلى ورا، والله داد مع ذلك يبذل الأموال، وينادي مستغيثاً يا للماء يا للرجال قلت فكان كل منهم كالحمار ... يخرج ما أمكنه بالمدار

стр. 340

يوقفه الماء لإجرائه ... وكلما أوقفه البرد دار إلى أن وقع الاتفاق بين الرفاق، أن هذه مسألة تكليف مالا يطاق، وحين تبين له أمرهم، وتعين عنده عذرهم، قارنه الحظ الحالك، وتيقن أنه لا محالة هالك، وأنه قد وقع في البلاء العريض الطويل، وأن مخدومه ما طلب منه في ذلك المحز الدقيق إلا لأمر جليل وكان قد بلغه ما وشاه به أضداده، ونقل إلى تيمور عنه أعداؤه وحساده، وعلم أن خاطره تغير عليه، وفعله مع محمد جلد مشيد جامعه قد نقل إليه، وكيف قتله شر قتلة، ونهب أمواله وأسر أولاده وأهله، وكان متوقعاً من تيمور، أضعاف هذه الشرور، لا يقر له قرار، ولا يسكن له ليل ولا نهار وقد غسل من الحياة يده، وودع حياته وأهله وماله وولده، وقد قرب شهر الصيام، وصار بينه وبين تيمور نحو من عشرة أيام، وقد انقطعت الدروب و " ضعف الطالب والمطلوب " إذا تضايق أمر فانتظر فرجاً ... فأضيق الأمر أدناه إلى الفرج

стр. 341

ذكر سبب انكسار ذلك الجبار وانتقاله إلى دار البوار، واستقراره في الدرك الأسفل من النار وجعل تيمور يواصل التسيار، حتى وصل إلى كورة تدعى أترار، ولما كان بظاهره من البرد آمناً، أراد أن يصنع له ما يرد الأبردة عنه باطناً، فأمر أن يستقطر له من عرق الخمر المعمول فيها الأدوية الحارة، والأفاويه والبهارات النافعة غير الضارة، وأبى الله أن تخرج تلك الروح النجسة، إلا على صفات ما اخترعه من الظلم وأسسه، فجعل يتناول من ذلك العرق ويتفوق أفاويقه من غير فرق لا يسأل أخبار عسكره وأنباءهم ولا يعبأ بهم ولا يسمع دعاءهم، حتى سقته يد المنية كأس " وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم " فإنه لم يزل للقضاء معاندا، وللزمان مجاهداً ولنعم الله تعالى جاحدا، ولا شك أنه جاء ناقصاً وتحمل مظالم فراح زائدا، فأثر ذلك العرق في أمعائه وكبده، فتريخ بنيان جسمه، ورتخ أركان جسده، فطلب الأطباء، وعرض عليهم هذا الداء فعالجوه في ذلك البرد، بأن وضعوا على بطنه وجبينه الجمد، فانقطع ثلاث ليال، وعكم أحمال

стр. 342

الانتقال، إلى دار الخزي والنكال، وتفتت كبده، ولم ينفعه ماله وولده، وصار يتقيأ دماً، ويأكل يديه حسرة وندماً وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع وجرعه ساقي المنية أمر كأس، وآمن حينئذ بما كان جاحده، فلم ينفعه إيمانه لما رأى البأس، فاستغاث فلم يوجد له مغيث، ونودي عليه اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، ظالمة أثيمة، وابشري بحميم وغساق، ومجاورة الفساق، فلو تراه وهو يغط غطيط البكر المخنوق، ويخمد لونه ويزبد شدقاه كالبعير المشنوق، ولو ترى ملائكة العذاب وقد أظهروا استبشارهم وأخنوا على الظالمين ليخربوا ديارهم ويطفئوا نارهم، ويهدموا منارهم " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم " ولو ترى نساءه وحاشيته وهم حواليه يجأرون، وأعوانه وجنده وقد ضل عنهم ما كنوا يفترون " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون

стр. 343

عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون " ثم أنهم أحضروا من جهنم المسوح، وسلوا سل السفود من الصوف المبلول تلك الروح، فانتقل إلى لعنة الله وعقابه، واستقر في اليم رجزه، وعذابه وذلك في ليلة الأربعاء سابع عشر شعبان ذي الأنوار سنة سبع وثمانمائة بنواحي أترار ورفع الله تعالى برحمته عن العباد العذاب المهين " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " قلت الدهر دولاب يدور ... فيه السرور مع الشرور بينا الفتى فوق السما ... وإذا به تحت الصخور كم من شموس في سما ... فلك العلاء لها يدور لما استوت في عزها ... زالت وأكسفها الفتور وملوك دنيا أضرمت ... من نار عدواها البحور ملكوا البلاد وأهلها ... مضي الأوامر والأمور أغراهم الدهر الخئو ... ن وغر بالله الغرور

стр. 344

ضحك الزمان بثغره ... لهم وقد ملكوا الثغور فغدوا ذئاباً في الأذى ... وغدوا أسوداً في الشرور غنى لهم فتراقصوا ... مثل الشخوص بلا شعور وحكوا على باباتهم ... طيف الخيال إذا يدور وتوهموا أن الزمان ... مطاوع غير النفور أو أن ما ناله من ... دنيا يفور ولا يغور فتواثبوا وتضاربوا ... وتكالبوا شبه النمور وتلاكزوا وتلاحزوا ... وتناجزوا الضرب الهصور وتناحروا وتدابروا ... وتناقروا نقر النسور هذا وإن يتصالحوا ... يتصافحوا ميناً وزرو فتهافتوا في نارها ... متصورين النار نور بينا هم في عزهم ... والدهر مكار غيور انقض فيهم صرفه ... كالصقر في دقل الطيور أمسوا وكل منهم ... كاللحم يلقى للصقور لا ملك رد يد الردى ... عنهم ولا ملك ودور

стр. 345

كلا ولا جيش ولا ... ولد ولا مدد نصور ثم انمحت آثارهم ... محو الحيا نقش السطور لم يبق منهم دهرهم ... شيئاً سوى ذكر يدور ناهيك منهم فتنة ... كالأبحر الظلما تمور الأعرج الدجال من ... قصم الجماجم والظهور داخ البلاد ودارها ... ونوائب الدنيا تدور أملى له الله الحليم ... فزاد عدواً في فجور وأمده مستدرجاً ... اباه في شيء يبور ليراه في أمضائه ... حكماً أيعدل أم يجور فاجتاح كل الخلق من ... عرب ومن عجم ولور ومحا الهدى، وغدا الردى ... بحسامه الباغي يمور أفنى الملوك وكل ذي ... شرف وذي علم وقور وسعى على إطفاء نور ... الله والدين الطهور بفروع جنكيز خان ذا ... ك الظالم النحس الكفور فأباح إهراق الدما ... من كل صبار شكور

стр. 346

وأحل سبي المحصنا ... ت المؤمنات من الخدور ورمى على النار الصغا ... ر كأنهم فيها بخور وأضاف في هذا إلى ... فعل الزنى شرب الخمور طوراً يرى نكث العهو ... د وتارة نقض النذور وعدا على السادات من ... أهل الصيانة والوقور من كل ذئب صائل ... منهم ومن كلب عقور فتكوا وقد بتكوا القلو ... ب وبعدما هتكوا الستور وشووا جباهاً طالما ... سجدت لذي الرب الغفور وكووا جنوباً وقد جفت ... طيب المضاجع والظهور واستخلصوا الأموال من ... أيدي البرايا بالفجور وسقوهم كأس السمو ... م وجرعوا كأس الحرور واستأسروا آل النبي ... المصطفى لطهر الطهور باعوهم من مشركي ... الأتراك في أقصى الكفور وكذاك واحد أمه ... من كل مقلات نذور وجروا على هذي الجرا ... ئم واستمر لهم مرور

стр. 347

ما بين إيران وتو ... ران البلاد لهم عبور وامتد ذاك من الخطا ... أخذاً إلى أقصى القطور لما انتهى إفساده ... وتكاملت تلك الشرور هجم القضاء لأخذه ... ولكل تكميل قصور حذفته أيدي الموت من ... تلك القصور إلى القبور وتبدلت منه الكرا ... مة بالمذلة والعثور ومضى إلى دار النكا ... ل بما تحمل من وقور وتفرقت تلك الجمو ... ع وهد ما شاد الدثور أبقت عليه فعاله ... لعناً على مر العصور وتخلدت آثار ما ... آذى على كر الدهور فانظر أخي ثم افتكر ... في ذا المساء وذا البكور لا فرق عند الموت بين ... شكور فضل أو كفور أين الذين وجوههم ... كانت تلألأ كالزبور أهل السعادة والحجا ... وذوو السيادة والوقور المطفئو بدر السما ... والمخلجو فيض البحور

стр. 348

كانوا عظاماً في الصدو ... ر وهم صدور في البدور طحن الردى تلك العظا ... م وفت هاتيك الصدور وسفتهم ريح الفنا ... سفي الرمال يد الدبور أين البنون ومن غدا ... للقلب أفراحاً ونور كانوا إذا رفع الحجا ... ب وزحزحت عنهم ستور تلقى الدنا قد أشرفت ... كالشمس في سجف الخدور من كل ظبي أحور ... أو ظبية تزرى بحور نشر الجمال عليهم ... ثوب الدلال على حبور وفدتهم مهج الورى ... من شر أحداث الدهور كانوا إذا سكنوا مكا ... نا حركوه من السرور كانوا على وجه الدنا ... حدقاً وللأحداق نور وحدائقاً لرياضها ... وعلى حدائقها زهور بينا هم في سكرهم ... قد مازج الدل الغرور والعمر غض والزما ... ن مسلم لهم الأمور وإذا بساقي الموت فا ... جأهم بكاسات الثبور

стр. 349

فسقى رياض حياتهم ... قدحاً أعاد الكل بور تركوا فسيح قصورهم ... رغماً إلى ضيق القبور وسقوا كئوس فراقهم ... صبراً لكل شج غيور من شق حزناً جيبه ... ولفقدهم دق الصدور لو كان ينفعه الرشا ... أو كان يجديه النذور لفداهم ووقاهم ... ورعاهم رعى الحذور سكنوا الثرى فتغيرت ... تلك المحاسن والشعور ورعاهم دود البلى ... وفراهم فري الجزور أمسوا رميماً في الثرى ... وثووا إلى يوم النشور يسعى المحب مخاطباً ... أجداثهم يوماً يزور ينعي ويندب نائحاً ... قبراً تناوشه الدثور ويمرغ الخدين في ... ترب يراها كالذرور يدعو فليس يجيبه ... إلا صدى صم الصخور بينا تراه زائرا ... وإذا به أمسى مزور هذا بتقدير الإل ... هـ وحكم فعال صبور

стр. 350

دنياك جسر فاعتبر ... واحرص على زاد العبور واطمح إلى اللب الهني ... فجميع ما فيها قشور لو لم تك الدنيا وما ... فيها هباء خيتعور كلا ولا انقادت لمن ... قد صار مختالاً فخور هذا وغالب من عتا ... في أرضها عرج وعور خلقوا لحق فانثنوا ... عنه إلى مين ورور يا رب ثبتنا على ... ما ترتضيه من الأمور واغفر لنا ما قد علم ... ت من الخطايا يا غفور واختم لنا بسعادة ... نكفي بها شر الغرور وامنن لنا بتجارة ... من باب فضلك لن تبور وأدم سحائب رحمة ... تهمى على بدر البدور خير الأنام محمد ... الشافع الزاكي الطهور والآل والصحب الكرام ... وتابعيهم يا شكور فصل في ذكر ما وقع بعد وفاة تيمور من حوادث وأمور، وما ظهر

стр. 351

من سرور وشرور وكان لألله داد أحد الخلان، يدعى سعادات نائب مدينة أندكان، من ذوي النباهة والشهرة، وهو أحد الأمراء الذين توجهوا لعمارة باش خمرة، فأرسل قاصداً لألله داد، أنه ارتفعت مادة الفساد، وأن تيمور ترك تبعة الممالك وتوجه بتبعاته إلى درك مالك، فوصل القاصد بهذا السرور رابع عشر شهر رمضان من العام المذكور ففرج عن ألله داد همه، وأزاح عنه غمه فكأنه استأنف له الحياة، أو رد راحلته التي عليها طعامه وشرابه بعد أن أضلها في فلاة، وسيأتي حكاية ألله داد وأمره، وما جرى له بعد ذلك إلى آخر عمره ذكر من ساعده البخت واستولى بعد تيمور على التخت فلما قضى تيمور نحبه، وأزال الله عن العالم كربه، لم يكن معه في أجناده من أقاربه وأولاده وأحفاده سوى خليل سلطان بن أميران شاه حفيده، وسوى سلطان حسين ابن أخته الذي هرب إلى السلطان في الشام عند وروده فأرادوا كتم هذه القضية، وأن لا يشعر بها أحد

стр. 352

من البرية، فشاعت وراعت، وعلى رغمهم ذاعت، فاضطربوا واضطرموا، واصطدموا واصطلموا، فاطلع الناس كلهم على ذلك وفهموا، وعلموا أنه قطع دابر القوم الذين ظلموا، فجفلت العساكر واحتفلوا، وحملوا عظامه وإلى سمرقند قفلوا وساعد خليل سلطان البخت، وخلا له الجو فاستولى على التخت، وكان أبوه أميران شاه، متولي ملك أذربيجان وما والاه، وعنده ولدان عمر وأبو بكر، وبينهم وبين ما وراء النهر من الأطواد والأشجار مائة سياج وألف سكر، وكان أبو بكر هذا في الجغتاي من الفوارس، والضاربين بالبيض الهام والقوانس يذكر أنه كان يوقف بقرة، أو ينيخ بكرة، ويضربها بالسيف ضربة لا ضربتين، فيجعلها قطعتين مفصولتين وأميران شاه هذا قتله قرا يوسف بعد تيمور واستخلص منه ممالك أذربيجان وولده عمر قتله أخوه أبو بكر وأبو بكر قتله إيدكو متولي كرمان، ومصافاتهم مذكورة، وحكاياتهم مشهورة وشاه رخ كان في هراة وممالك خراسان، وبير عمر كان في ولايات فارس وتلك البلدان، وتيمور كان جعل ولي عهده محمد سلطان،

стр. 353

وهو وإن كان من أحفاده، لكنه قدمه على أولاده، لما لاح له من فلاحه، وظهور رشده وصلاحه، فعانده القضاء فيما يروم، ومات كما ذكر في آق شهر من بلاد الروم وكان له أخ يدعى بير محمد، فجعله تيمور ولي عهده من بعد، فلما هجم عليه رائد الموت، وأهاب بروحه الخبيثة بأزعج صوت، كان مستغرقاً في بحار غفلته، مسترجياً إرجاء مهلته، فذبحه اعتباطا، وسام عسكره اختباطا، وكان إذ ذاك وكل من أولاده وأحفاده بعيد الدار، مستقر القرار، آمناً من البوار، فارغاً من الدمار، وهم كتيمور غافلون وبير محمد في قندهار، وهي بين حدى خراسان والهند وبينه وبين ما وراء النهر سباسب وقفار فلم يكن أقرب إلى دار الملك الذي أنشأه، وهي سمرقند سوى خليل سلطان بن أميران شاه، مع أن قطان الشتاء وندافه، كان قد بسط على فراش الأرض لحافه وندف عليه من أقطان الثلوج ما غطى وجه العالم وأطرافه، وطم ظهره وأكتافه، فلم يقدر أحد من أولئك الحشرات أن يخرج رأسه من اللحاف، أو يضحك ثغر زهرة أنملة في كم كم خوفاً من جاني النسيم أن يبادرها

стр. 354

باختطاف الاقتطاف، فضلاً عن أن يتمطى في فراش أهبة إلى حركة سفر فتمتد يده نحو بطش أو رجله نحو طواف، فاستولى خليل سلطان على ذلك المغنم البارد من غير منازع وعديل، واستبدل الملك بل العالم من جهنم الكوثر السلسبيل، ونادى لسان السلطنة في رقعتها نعم البديل، بدلت عن بغيض بحبيب وعن عدو بخليل وتمكن من العساكر وسائر الأمراء، وخلاصة الجند وأساطين الزعماء، واحتوى على تلك الأمم، وطوائف الرءوس من العرب والعجم، وأدخل عنق الجميع في ربقة المتابعة وفتح لهم في أسواق الصداقة حوانيت الصلاة فعاملوه بعقود المبايعة، ولم يمكن أحداً منهم الخروج عن الدخول في الطاعة، والتخلف عن المبادرة إلى مبايعته في ذلك اليوم ولا ساعة، فأطلق لهم البشرة، وأحسن معهم العشرة، وكان يوسفي الخلق، محمدي الخلق، خليلي الرفق، اسماعيلي الصدق، جمع حروف الملاحة، وحاز صنوف الصباحة، نقش محاسنه كاتب الصنع بقلم الكاف والنون، على أحسن ما يكون من الحركات والسكون، فأول ما مشق على لوح الجمال قد ألف قده القويم، فباء له كل من فاء عن لام عذاره

стр. 355

متقوساً في خدمته كالدال والجيم، وحسن لكل راء ما فيه من زين، وما شين سين ثغره وميم فمه مذ فاها بخلف ولا مين، فاستقفى بوابله كل قاف واستكفى بنائله كل كاف، وأمطر من غين كفه العين فصاد من الجند كل ذي لام وباء، ودال بذلك كل من باء عن وعده، ورجع عن عهده وفاء، ففدت الواقيات مهجته، ورقت من عين الحوادث بهجته وعوذت منه الأرداف، بالطور والأحقاف، وحمت نون حاجبه وفاه طرفه وطرته وردفه ب " حم عسق " وفتحت له الملوك بالثناء فاها وخفضت لارتفاعه خدودها معوذة له وقالت يس طه ذكر خلاص العساكر من البند وقفولهم مع عظامه إلى سمرقند ولما ذبح قصاب الفناء تيمور ونحره، جزره كالجزور فجعل يخور كالثور وبقره، ثم أراد أن يصليه من نار الجحيم حفره، فاستغاث بخليله فأجاره وأخره، وقال لا تعجل عليه وحمله في محفة بعد العجلة وصبره، وألوى راجعاً إلى سمرقند، وكان قد انحل نهر خجند، وطالب الشتاء قد أدرك ثأره، وبرد قلبه وسكنت الحرارة
следующие страницы →