← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وفي «الشَّرحِ الكبيرِ» (١): إن اسْتاكَ على لسانِه أو حَلقِه؛ فلا بأسَ أن يَستاك طُولًا؛ لخبرِ أَبي مُوسى (٢). (بِيُسْرَاهُ)، نَقلَه حَربٌ (٣)، كانْتِثارِه، وحديثُ عائشةَ: «كان النبيُّ ﷺ يُحبُّ التَّيامُنَ ما استطاعَ، في طُهورِه وتَرجُّلِه وتَنعُّلِه وسِواكِه» (٤) قد يُحمَل على أنَّه كان يَبدأ بشِقِّ فَمِه الأيمنِ. (بِعُودٍ لَيِّنٍ (٥))، يابسٍ أو رطبٍ، واليابسُ المُندَّى أَولى (٦)، (مِنْ نَحْوِ أَرَاكٍ)؛ كعُرجونٍ وزَيتونٍ، مُنْقٍ، لا يَجرح، ولا يَضرُّ، ولا يَتفتَّت. وكُرِه بما يَجرح أو يَضرُّ أو يَتفتَّت. (وَيُكْرَهُ) التَسوُّك (لِصَائِمٍ) ولو واصلَ (٧) الصَّومَ، (بَعْدَ الزَّوَالِ)، بيابسٍ أو رَطبٍ (٨)؛ لحديثِ أَبي هريرةَ يَرفعه: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائمِ أَطيَبُ عندَ اللهِ مِنْ ريحِ

стр. 107

المسكِ» متَّفق عليه (١)، وهو إنَّما يَظهر غالبًا بعدَ الزَّوالِ، فاختصَّ الحكمُ به. فإن قِيل: لِم وُصِف دَمُ الشَّهيدِ بريحِ المسكِ بلا زيادةٍ، وخُلوفُ فَمِ الصَّائم بأنَّه أطيبُ ريحًا منه، مع أنَّ الجهادَ أفضلُ مِنْ الصَّومِ؟ أُجيب: بأنَّ الدَّمَ نَجسٌ، فغايتُه أن يُرفع إلى أن يَصير طاهرًا، بخلافِ الخُلوفِ. ويُسنُّ السِّواكُ للصَّائمِ بيابسٍ قبلَ الزَّوالِ؛ لقولِ عامرِ بنِ ربيعةَ: «رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ما لا أُحصي (٢) يَتسوَّك وهو صائمٌ» رَواه أحمدُ وأبو داودَ، والترمذيُّ وحسَّنه، والبخاريُّ تعليقًا (٣)، وقالَت عائشةُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مِنْ خَيرِ خِصالِ الصَّائمِ السِّواكُ» رَواه ابنُ ماجَه (٤)، وهُما مَحمولان على ما قبلَ الزَّوالِ؛ لِما روَى البيهقيُّ بإسنادِه عن عليٍّ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إذا صُمتُم فاسْتَاكُوا بالغَداةِ، ولا تَستاكُوا بالعشِيِّ» (٥). ويُباح له برَطبٍ قبلَه.

стр. 108

(وَيَتَأَكَّدُ) التَّسوُّكُ (١)، أي: يَزداد طلبُه وفَضيلتُه (٢) (عِنْدَ صَلَاةٍ (٣))؛ لحديثِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «لَولَا أنْ أَشُقَّ على أمَّتي لَأَمَرْتُهم بالسِّواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ» رَواه الجماعةُ (٤)، يعني أمرَ إيجابٍ؛ لحديثِ أحمدَ: «لَولَا أنْ أَشُقَّ على أمَّتي لَفَرَضْتُ عليهم السِّواكَ» (٥)، قال الشافعيُّ: لو كان واجبًا لَأمرَهم به، شقَّ أو لم يَشُقَّ (٦). (وَ) يَتأكَّد عندَ (انْتِبَاهٍ) مِنْ نومِ ليلٍ أو نهارٍ؛ لقولِ عائشةَ: «كان النبيُّ ﷺ لا يَرقدُ مِنْ ليلٍ أو نهارٍ فيَستيقظُ إلَّا تَسوَّك قبلَ أنْ يَتوضَّأ» رَواه أحمدُ (٧). (وَ) يَتأكَّد عندَ (تَغَيُّرِ) رائحةِ (فَمٍ) بأكلٍ أو غيرِه، وعندَ وُضوءٍ، وقراءةٍ، ودخولِ مسجدٍ ومنزلٍ، وإطالةِ سكوتٍ، وخُلوِّ مَعِدةٍ مِنْ طعامٍ، واصفرارِ أسنانٍ. (وَيَبْتَدِئُ) المتسوِّكُ نَدبًا (٨) (بِجَانِبِ فَمِهِ الأَيْمَنِ)؛ لحديثِ عائشةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُحِبُّ التَّيامُنَ في تَنعُّلِه، وتَرجُّلِه، وطُهورِه، وفي شأنِه كلِّه» متَّفق عليه (٩).

стр. 109

مِنْ ثَنايا الجانبِ الأيمنِ إلى أَضراسِه؛ قاله في «المُطلِعِ» (١)، وجزَم به في «الإقناعِ» (٢). وقال الشِّهابُ الفُتوحيُّ (٣) في قِطعتِه على «الوجيزِ»: يَبدأ مِنْ أَضراسِ الجانبِ الأيمنِ. (وَيَدَّهِنُ) نَدبًا في بَدنٍ وشَعرٍ (غِبًّا (٤)) أي: يَفعله يومًا، ويَتركه يومًا؛ لأنَّه «﵇ نهَى عن التَّرجُّلِ (٥) إلّا غِبًّا» رَواه النَّسائيُّ، والتِّرمذيُّ وصحَّحه (٦)، والتَّرجلُ (٧): تَسريحُ الشَّعرِ ودَهْنُه. ولِحيةٌ كرأسٍ. (وَيَكْتَحِلُ) نَدبًا كلَّ ليلةٍ بإِثْمِدٍ مُطيَّبٍ بمِسكٍ، (وِتْرًا)، في كلِّ عينٍ ثلاثًا (٨)

стр. 110

قبلَ النَّوم؛ لِما روَى ابنُ عبَّاسٍ عن النبيِّ ﷺ : «أنَّه كان يَكتحل بالإثمِدِ كلَّ ليلةٍ قبلَ أن يَنام، وكان يَكتحل في كلِّ عينٍ ثلاثةَ أميالٍ» رَواه أحمدُ (١) (٢). (وَيَجِبُ خِتَانُ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) وخُنثَى مشكِلٍ؛ لقولِه ﷺ لرَجلٍ أَسلَم: «أَلْقِ عنكَ شَعرَ الكُفرِ واخْتَتِنْ» رَواه أبو داودَ (٣). وفي قولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا الْتَقى الخِتانانِ وجَب الغُسلُ» (٤) دليلٌ على أنَّ

стр. 111

النَّساءَ كُنَّ يَختتنَّ، وقياسًا على الرَّجُلِ. ووقتُ وجوبِه (عِنْدَ بُلُوغٍ) أي: بُعَيدَه؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ: «وكانوا لا يَختِنون الرَّجُلَ حتَّى يُدرِك» رَواه البخاريُّ (١)، ولأنَّه قبلَه ليس مكلَّفًا. (مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ (٢)) مِنْ الخِتانِ، فيَسقط وجوبُه، كالوضوءِ والصَّلاةِ عن قيامٍ (٣)، قال ابنُ قُندُسٍ (٤): (فظاهرُ ذلك: أنَّ الخوفَ المُسقِطَ للوُضوءِ والغُسلِ مُسقِطٌ للخِتانِ) (٥). وحيثُ تَقرَّر الوجوبُ؛ فيُختَن ذكَرٌ بأخذِ جِلدةِ حَشَفةِ ذكَرٍ، وهي القُلْفَةُ والغُرْلَةُ بالغَينِ المعجَمةِ والرَّاء (٦)، ويُجزِئ أكثرُها. وأُنثى بأخذِ جِلدةٍ فوقَ محلِّ الإيلاجِ تُشبِه عُرفَ الدِّيكِ، ويُستحبُّ ألا تُؤخذ كلُّها نصًّا (٧). وخُنثَى مشكِلٌ يَجمع بينهما احتياطًا.

стр. 112

(وَ) الخِتانُ (زَمَنَ صِغَرٍ أَفْضَلُ) إلى التَّميِيزِ، وكُرِه بسابعٍ، ومِن ولادةٍ إليه (١). وإن أمرَه به وليُّ أمرٍ في حَرٍّ أو بردٍ أو مرضٍ يُخاف منه الموتُ، ولو بزَعمِ الأطبَّاءِ (٢) أنَّه يُتلِف؛ ضَمِن (٣). وجازَ أن يَختِن نَفسَه إن قَوِي عليه وأَحسنَه، وإن ترَكه بلا ضررٍ مع اعتقادِ وجوبِه؛ فسَق. ومَن وُلِد بلا قُلْفَةٍ؛ سقَط عنه، وكُرِه إمرارُ المُوسى عليه. ولا تُقطَع إصبعٌ زائدةٌ. (وَيُكْرَهُ القَزَعُ)، مِنْ قَزعِ السَّحابِ، أي: تَقطُّعِه، وهو حلقُ بعضِ الرَّأسِ، وتركُ بعضِه؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «إنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن القزعِ» (٤)، وقال: «احْلِقهُ كُلَّه، أو دَعْه كُلَّه» رَواه أبو داودَ (٥). فدخَل فيه: حلقُ مواضعَ مِنْ جوانبِ رأسِه وتركُ الباقي، وحلقُ وسَطِه مع تركِ جوانبِه، كما تَفعله شَمَامِسَةُ النَّصارَى (٦)، وعكسُه كما يَفعله كثيرٌ مِنْ السَّفِل، وحلقُ مقدَّمِه دونَ مؤخَّرِه.

стр. 113

(وَ) يُكره (ثَقْبُ أُذُنِ صَبِيٍّ)، لا جاريةٍ نصًّا (١)؛ لحاجتِها للتَّزيُّنِ، بخلافِه. (وَ) يُكره (نَتْفُ شَيْبٍ (٢))؛ لحديثِ عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أَبيه عن جدِّه قال: نهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن نَتفِ الشَّيبِ، وقال: «إنَّه نُورُ الإسلامِ» (٣). وأوَّلُ مَنْ شابَ إبراهيمُ ﵇ (٤) وهو ابنُ مِائةٍ وخمسين سنةً، قالَه الحجَّاويُّ (٥) في «الحاشيةِ» (٦). (وَ) يُكره (تَغْيِيرُهُ) أي: الشَّيبِ (بِسَوَادٍ (٧))؛ لحديثِ أَبي بكرٍ: أنَّه جاءَ بأبيه ﵄ إلى النبيِّ ﷺ ، ورأسُه ولِحيتُه كالثّغامةِ بياضًا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «غيِّروهُما، وجَنِّبوه السَّوادَ» (٨). فإن حصَل بالسَّوادِ تدليسٌ في بيعٍ أو نكاحٍ؛ حرُم.

стр. 114

وسُنَّ خِضابُ شَيبٍ بحنَّاءٍ وكَتَمٍ؛ لِما تَقدَّم، ولحديثِ أَبي ذرٍّ: «إنَّ أَحسنَ ما غيَّرتُم به هذا الشَّيبَ الحنَّاءُ والكَتَمُ» رَواه أحمدُ (١)، و «الكَتَمُ» بفتحتَين ومُثنَّاةٍ فَوقيَّةٍ: نباتٌ باليمنِ، صبغُه أسودُ يَميل إلى الحُمرةِ، وصبغُ الحنَّاءِ أحمرُ، فالصَّبغ بهما معًا يخرج بينَ السَّوادِ والحُمرةِ. ولا بأسَ بخِضابِ وَرْسٍ وزَعفَرانٍ (٢). (وسُنَّ اسْتِحْدَادٌ)، وهو حلقُ العانةِ بالحديدِ؛ لحديثِ أَبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «الفِطرةُ خَمسٌ: الخِتانُ، والاسْتِحدادُ، وقَصُّ الشاربِ، وتَقليمُ الأظفارِ، ونَتْفُ الإبْطِ» متَّفق عليه (٣)، وله قَصُّه، وإزالتُه بما شاءَ. والتَّنويرُ (٤) في عانةٍ وغيرِها فعَلَه الإمامُ أحمدُ (٥)؛ اقتداءً به ﷺ ، كما رَواه ابنُ ماجَه مِنْ حديثِ أمِّ سلمةَ (٦)، لكنْ تُكره كَثرتُه.

стр. 115

قال في «الفروعِ»: وسَكتُوا عن شَعرِ الأنفِ، فظاهرُه بقاؤُه، ويَتوجَّه أخذُه إذا فَحُش (١). (وَ) سُنَّ (حَفُّ شَارِبٍ) أو قصُّه، وحفُّه أَولى نصًّا (٢)، قال في «النِّهايةِ»: إحفاءُ الشَّواربِ أن تُبالغ في قصِّها (٣). (وَ) سُنَّ (تَقْلِيمُ ظُفُرِ) يَدٍ ورِجلٍ؛ لحديثِ أَبي هريرةَ، وتَقدَّم. ويَكون في التَّقليمِ مخالِفًا، فيَبدأ في اليُمنى بخِنصرٍ، فوُسطَى، فإبهامٍ، فبِنصرٍ، فسبَّابةٍ، وفي اليُسرى بإبهامٍ، فوُسطَى، فخِنصرٍ، فسبَّابةٍ، فبِنصرٍ؛ لِما رُوي: «مَنْ قصَّ أظفارَه مخالِفًا لم يَر في عَينَيه رَمَدًا» (٤)، وفسَّره ابنُ بطَّة (٥) بما ذُكِر. قاله في «الشَّرحِ الكبيرِ» (٦).

стр. 116

وقد أخَذ بعضُهم مِنْ كلِّ إصبعٍ الحرفَ الأوَّل، فرمَز لليُمنى بقولِه: «خوابس»، واليُسرى (١): «أوخسب»، فالخاءُ في خوابس للخِنصرِ، والواو للوُسطَى، وهكذا إلى آخِرِها. ويُستحبُّ غَسلُ الأظفارِ بعدَ قصِّها؛ تكميلًا للنَّظافة. (وَ) سُنَّ (نَتْفُ إِبْطٍ)؛ لخبرِ أَبي هريرةَ، فإنْ شقَّ؛ حلَقَه، أو تَنوَّر. ويَكون ما ذُكر مِنْ استحدادٍ وحَفِّ شاربٍ وتَقليمِ ظُفرٍ ونَتفِ إبطٍ: يومَ الجمعةِ قبلَ الصَّلاةِ كلَّ أسبوعٍ، وكُره تَركُه فوقَ أربعين. ويَدفن الدَّمَ والشَّعرَ (٢) والظُّفرَ. (وَحَرُمَ نَمْصٌ (٣))، وهو نَتفُ الشَّعرِ مِنْ الوجهِ، (وَوَشْرٌ)، وهو بَرْدُ الأسنانِ لتَحدُّدٍ وتَفَلُّجٍ (٤) وتَحسُّنٍ، (وَوَشْمٌ)، وهو غَرْزُ الجلدِ بإبرةٍ وحَشْوُه كُحلًا. قلتُ (٥): والظاهرُ طهارةُ المحلِّ المَوشومِ بالغَسلِ إذا لم يَبقَ إلّا (٦) مجرَّدُ لونِ أثرِ الوشمِ (٧)؛ كلَونِ نجاسةٍ عجَز عنه.

стр. 117

وكذا يَحرم وَصلُ (١) شَعرٍ بشَعرٍ (٢)؛ لِما رُوي: «أنَّه ﷺ لعَن الواصلةَ والمُستَوصِلةَ، والنَّامصةَ والمُتنمِّصةَ، والواشِرَةَ والمُستَوشِرةَ» (٣)، واللَّعنةُ على الشَّيء تَدلُّ على تحريمِه؛ لأنَّ فاعلَ المباحِ لا تَجوز لَعنتُه.

стр. 118

(بَابُ الوُضُوءِ) مِنْ الوَضَاءةِ، وهي النَّظافةُ. وهو بالضَّمِّ: اسمٌ للفعلِ، وبالفتح: اسمٌ للماءِ الذي يُتوضَّأ به، وقِيل: بالفتح فيهما، وقِيل: بالضَّمِّ فيهما، وهو أضعفُها. وهو شرعًا: استعمالُ ماءٍ طَهورٍ في الأعضاءِ الأربعةِ على صفةٍ مخصوصةٍ (١). وفُرِضَ بمكَّةَ مع الصَّلاةِ، كما رَواه ابنُ ماجَه (٢)، فآيةُ المائدةِ مؤكِّدةٌ مقرِّرةٌ، لا مؤسِّسةٌ. واختُلف هل الوضوءُ مِنْ خصائصِ هذه الأمَّةِ، بدليلِ ما في «صحيحِ مسلمٍ» عن أَبي هريرةَ مرفوعًا: «لَكُمْ سِيمَا ليسَت لأحدٍ مِنْ الأُممِ، تَرِدون عليَّ غُرًّا

стр. 119

مُحجَّلِين مِنْ أَثرِ الوُضوءِ» (١)، أو غيرُ مختصٍّ بها، وإنَّما المختصُّ الغُرَّة والتَّحجيلُ؟ ذهَب إلى كلٍّ قومٌ. (فُرُوضُهُ (٢)) أي: الوضوءِ: ستَّةٌ، وهي جمعُ «فرضٍ»، وهو لغةً: الحَزُّ والقَطعُ. وشرعًا: ما أُثِيب فاعلُه، وعُوقِب تاركُه. فأوَّلُها (٣): (غَسْلُ الوَجْهِ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. (وَمِنْهُ) أي: مِنْ الوجهِ: (فَمٌ وَأَنْفٌ)؛ لدخولِهما في حدِّه الآتي، فلا بدَّ مِنْ المضمضةِ والاستنشاقِ في الطَّهارتَين (٤). (وَ) ثانيها: (غَسْلُ اليَدَيْنِ مَعَ المِرْفَقَيْنِ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٥). (وَ) ثالثُها: (مَسْحُ الرَّأْسِ كُلِّهِ (٦))؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٧)، (وَمِنْهُ) أي: ومِن الرأسِ (الأُذُنَانِ)؛ لقولِه ﷺ : «الأُذنَانِ مِنْ الرَّأسِ» رَواه ابنُ ماجَه مِنْ غيرِ وجهٍ (٨).

стр. 120

(وَ) رابعُها: (غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الكَعْبَيْنِ)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، وهو واضحٌ على قراءةِ النَّصبِ، وأمَّا على قراءةِ الجرِّ؛ فقِيل: بالجِوارِ، والواوُ تأباه؛ إذ خَفْضُ الجِوارِ يَكون في النَّعت والتَّوكيدِ، لا في النَّسَقِ، كما نقلَه في «المُغْني» عن المحقِّقِين (١). وقال أبو زيدٍ (٢): المسحُ عندَ العربِ غَسلٌ ومسحٌ (٣)، فغايةُ الأمرِ أنَّها تَصير بمنزلةِ المُجمَلِ. وصِحاحُ الأحاديثِ تَبلغ التَّواترَ في وجوبِ غَسلِها، حتى روَى سعيدٌ عن ابنِ أَبي ليلَى (٤) بسندٍ حسنٍ، قال: (أَجمَع أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ على غَسلِ القدمَين) (٥)، وقالت عائشةُ: «لَأنْ تُقطعَا أحبُّ إليَّ مِنْ أن أمسحَ القدمَين» (٦).

стр. 121

وهذا في حقِّ غيرِ لابسِ الخُفِّ، وأمَّا لابسُه؛ فغَسلُهما في حقِّه غير متعيِّن. (وَ) خامسُها: (تَرْتِيبٌ) بينَ الأعضاءِ المذكورةِ، كما ذكَر اللهُ تَعالى؛ لأنَّه أَدخل ممسوحًا بينَ مغسولَين، ولا يُعلم له فائدةٌ غير التَّرتيبِ، والآيةُ سِيقَت لبيانِ الواجبِ، والنبيُّ ﷺ رتَّب الوضوءَ، وقال: «هذا وضوءٌ لا يَقبل اللهُ الصَّلاةَ إلّا به» (١). وقولُ عليٍّ ﵁: «ما أُبالي إذا تمَّمتُ وضوئي بأيِّ أعضائي بدأتُ» (٢)، قالَ الإمامُ أحمدُ ﵀: (إنَّما عنَى به اليُسرى قبلَ اليُمنى؛ لأنَّ مَخرجَهما في الكتابِ واحدٌ) (٣). فلَو نَكَّس وضوءَه؛ لم يُحتَسب بما غَسلَه قبلَ وجهِه، وإن تَوضَّأ أربعَ مرَّاتٍ منكَّسًا؛ صحَّ إن كان متقاربًا؛ لأنَّه (٤) يَحصل له في كلِّ مرَّةٍ غسلُ عضوٍ.

стр. 122

ولو غسَل أعضاءَه دَفعةً؛ لم يصحَّ، فلَو انغمسَ في كثيرٍ بنيَّةِ رفعِ الحدثِ، فإن خرَج مرتِّبًا، ومسَح رأسَه في محلِّ مسحِه؛ صحَّ، وإلّا فلا. (وَ) سادسُها: (مُوَالَاةٌ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾، فالأوَّلُ شرطٌ، والثاني جوابُه، ومتى وُجد الشَّرطُ وهو القيامُ؛ وجَب ألَّا يَتأخَّر عنه جوابُه، وهو غسلُ الأعضاءِ، فيَستلزم مُوالاتَها. يُؤيِّدُه: ما روَى خالدُ بنُ مَعْدَانَ: «أنَّ النبيَّ ﷺ رأَى رَجُلًا يُصلِّي وفي ظَهرِ قَدمَه لُمعةٌ قَدْرُ الدِّرهمِ لم يُصِبها الماءُ، فأمرَه أن يُعيد الوضوءَ» رَواه أحمدُ (١)، فلَو لم تَجب الموالاةُ؛ لأجزأه غَسلُ اللُّمعةِ فقط. والموالاةُ في الأصلِ: مصدرُ والَى الشيءَ، يُواليه: إذا تابعَه، والمرادُ هنا: ما أشارَ إليه بقولِه: (بِأَنْ لَا يُؤَخِّرَ) المتوضِّئُ (غَسْلَ عُضْوٍ) أو مَسحَه (حَتَّى يَجِفَّ)، بكسرِ الجيمِ، أي: يَنشَف (مَا)، فاعلُ «يجفَّ»، أي: العضوُ الذي (قَبْلَهُ)، في زمنٍ معتدلِ الحرِّ والبردِ، أو قَدْرِه مِنْ غيره، فلا يؤخِّر غسلَ يدَيه حتى يَجفَّ وجهُه، ولا مسحَ رأسِه حتى تَجفَّ يَداه، ولا غسلَ رِجلَيه حتى يَجفَّ رأسُه لو كان مغسولًا. وعُلم منه: أنَّه لو أخَّر مسحَ الرأسِ مَثلًا حتى جفَّ الوجهُ دونَ اليدَين؛ لم يَضرَّ. (وَشُرِطَ)، بالبناءِ للمفعولِ، (لَهُ) أي: للوضوءِ، أي: شُرط لصحَّةِ وضوءٍ: (وَلِ) صحَّةِ (غُسلٍ)، ولو مُستحبَّين، ولتيمُّمٍ ولو مُستحبًّا (٢)، أو عن نجاسةٍ ببدنٍ:

стр. 123

(نِيَّةٌ)، بالرَّفع، نائبُ فاعلِ «شُرط»، وكذا ما عُطف عليه، وإنَّما اشتُرِطَت النِّيَّةُ في ذلك (١)؛ لأنَّ الإخلاصَ الذي هو (٢) النيَّةُ مأمورٌ به، ولحديثِ (٣): «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» (٤)، أي: لا عملَ جائزٌ إلّا بالنيَّةِ (٥)، ولأنَّ النصَّ دلَّ على الثوابِ في كلِّ وضوءٍ، ولا ثوابَ في غيرِ مَنْويٍّ (٦) إجماعًا (٧). إلّا غُسلَ ذِمِّيَّةٍ ولو حربيَّةً لحيضٍ ونفاسٍ (٨) وجنابةٍ، ومسلمةٍ مُمتنعةٍ في حيضٍ ونفاسٍ (٩)؛ فتُغسل قَهرًا بلا نيَّةٍ (١٠)؛ للعذر، كممتنعٍ مِنْ زكاةٍ، ولا تُصلِّي به المسلمةُ. وقياسُه كما في «شرحِ المنتهى»: منعُها مِنْ نحوِ طوافٍ وقراءةٍ ممَّا يَتوقَّف على الغُسلِ. ويُنوى عن ميتٍ ومجنونٍ غُسِّلَا؛ لتعذُّرها منهما، ولا يُعيده مجنونٌ أفاقَ،

стр. 124

كما بحثَه المصنِّفُ (١). (وَ) شُرط لوضوءٍ وغُسلٍ: (طَهُورِيَّةُ مَاءٍ) أي: كَون الماءِ طهورًا؛ لأنَّه لا يَرفع الحدثَ غيرُه. (وَإِبَاحَتُهُ) أي: كَون (٢) الماءِ مباحًا؛ لحديثِ: «مَنْ عَمِل عملًا ليسَ عليه أَمرُنا فهُو رَدٌّ» (٣)، فلا يصحُّ وضوءٌ ولا غُسلٌ (٤) بمغصوبٍ ونحوِه؛ كمسبَّلٍ للشُّربِ. (وَ) شُرط لوضوءٍ وغُسلٍ: (إِزَالَةُ مَا) أي: شيءٍ (يَمْنَعُ وُصُولَهُ) أي: الماءِ إلى البشرةِ؛ كعَجينٍ ونحوِه على أعضاءِ وضوءٍ، أو على بدنٍ في غُسلٍ. (وَ) شُرط لوضوءٍ وغُسلٍ (٥): (انْقِطَاعُ مُوجِبٍ)، بكسرِ الجيمِ، أي: يُشترط للوضوءِ انقطاعُ ما يُوجِبه، وهي نواقضُ الوضوءِ، ويُشترط للغُسلِ انقطاعُ ما يُوجِبه، وهي موجباتُ الغُسلِ الآتيةُ (٦). وشُرط أيضًا: عقلٌ، وتَمييزٌ، وإسلامٌ لسِوَى مَنْ ذُكر (٧)، ولوضوءٍ: دخولُ

стр. 125

وقتٍ على مَنْ حدثُه دائمٌ لفرضِه، واستنجاءٌ أو استجمارٌ، كما تَقدَّم. (وَتَجِبُ فِيهِمَا) أي: في الوضوءِ والغُسلِ، وكذا تيمُّمٌ (التَّسْمِيَةُ (١)) أي: قولُه في أولِ ذلك: باسم الله (٢)؛ لحديثِ: «لا وضوءَ لِمَنْ لم يَذكُر اسمَ اللهِ عليه» رَواه أحمدُ وغيرُه (٣)، وقِيسَ الغُسلُ والتيمُّمُ عليه، لكنْ إنَّما تَجب التَّسميةُ فيما ذُكر (مَعَ الذّكْرِ) بضمِّ الذالِ وكسرِها، قاله ابنُ مالكٍ في مثلَّثِه (٤)، وقال الكِسائيُّ (٥): الذِّكر باللسانِ: ضِدُّ الإنصاتِ، وذالُه مكسورةٌ، وبالقلبِ: ضِدُّ النِّسيانِ، وذالُه مضمومةٌ. ومحلُّ التَّسميةِ (٦) اللِّسانُ، ووقتُها: عندَ أوَّلِ واجبٍ (٧) وجوبًا، وأوَّلِ مسنونٍ

стр. 126

ندبًا؛ كالنيَّةِ على ما سيَأتي. وعُلم منه (١): أنَّها تَسقط سهوًا نصًّا (٢). قال المصنِّفُ: قلتُ: مُقتَضى قياسِهم يعني (٣): لسقوطِها سهوًا على واجباتِ الصَّلاةِ: أنَّها تَسقط جهلًا، والظاهرُ إجزاؤُها بغيرِ العربيَّةِ، ولو ممَّن يُحسِنها، كالذَّكاةِ (٤)؛ إذ لا فرقَ. انتهى (٥). وقد يُقال: إلحاقُها بأذكارِ الصَّلاةِ أَشبهُ، بجامعِ العبادةِ (٦). وإن ذَكرَها في أثناءِ وضوءِ أو غُسلٍ أو تيمُّمٍ؛ ابتدأَ عندَ صاحبِ «المنتهى» ولم يَبْنِ (٧)، خلافًا ل «الإقناعِ» (٨)، فإنْ تَركها عمدًا؛ لم يصحَّ (٩).

стр. 127

ويُشير بها أخرسُ ونحوُه (١). (فَيَنْوِي عِنْدَهَا) أي: عند التَّسمية، يعني أنَّه يَجب الإتيانُ بالنيَّة عندَ أوَّلِ واجبٍ في وضوءٍ أو غُسلٍ (٢) أو تيمُّمٍ، وهو التَّسميةُ (٣)، حيثُ أرادَ تقديمَ التَّسميةِ على غَسلِ الكَفَّين في وضوءٍ وغُسلٍ، فإن قدَّم غَسْلَهما على التَّسميةِ؛ فسَيأتي. (أَوْ) يَنوي (قَبْلَهَا) أي: قبلَ التَّسميةِ، يَعني أنَّه يَجوز تقديمُ النيَّةِ على الطَّهارةِ (بِ) زَمَنٍ (٤) (يَسِيرٍ (٥))، كصلاةٍ وذكاةٍ، ولا يُبطلها عملٌ يسيرٌ، فلَو كثُر؛ استأنفَها. وقولُه: (رَفْعَ الحَدَثِ) بالنَّصبِ، مفعولُ «يَنوي». فالنيَّةُ محلُّها القلبُ، ويُسنُّ التلفُّظُ بها وبما نَواه سرًّا (٦)، ووقتُها: عندَ أوَّلِ واجبٍ كما تَقدَّم، أو مسنونٍ كما سيَجيء.

стр. 128

وصِفَتُها: أن يَنوي رفعَ الحدثِ، أي: يَقصد بطهارتِه زوالَ الوصفِ (١) المانعِ مِنْ الصَّلاةِ ونحوِها. ولو نوَى مع رفعِ الحدثِ تبرُّدًا، أو تنظُّفًا، أو تعليمًا، أو إزالةَ نجاسةٍ؛ لم يَضرَّ. أو يَنوي بطهارتِه استباحةَ نحوِ صلاةٍ. وهذا في غيرِ دائمِ الحدثِ، وأمَّا هو فيَتعيَّن في حقِّه نيَّةُ الاستباحةِ (٢)، لكن لا يَحتاج دائمُ الحدثِ إلى تَعيينِ نيَّةِ فرضٍ، بخلافِ التيمُّمِ (٣). (أَوْ) يَنوي (الطَّهَارَةَ لِلصَّلَاةِ) أي: لفِعلها، (مَثَلًا)، بالنَّصب على أنَّه مفعولٌ له أو مطلقٌ، أي: أَذكر الصَّلاةَ لأجلِ التَّمثيلِ، أو أُمثِّل بها تمثيلًا، ويَحتمل نصبَه على الحالِ بمعنى الممثَّلِ به (٤)، والمرادُ: أن يَقصد بطهارتِه أمرًا يَتوقَّف عليها؛ كصلاةٍ وطوافٍ ومسِّ مصحفٍ. (وَإِنْ نَوَى) بطهارتِه (مَا) أي: أمرًا (يُسَنُّ لَهُ) التطهُّرُ؛ (كَ) ما لو نوَى الوضوءَ ل (قِرَاءَةِ) قرآنٍ، وذكرٍ، (وَأَذَانٍ)، ونومٍ، (وَرَفْعِ شَكٍّ) في حدثٍ أصغرَ، (وَغَضَبٍ)؛ لأنَّه مِنْ الشَّيطانِ، والشَّيطانُ مِنْ النارِ، والماءُ يُطفئها، كما في الخبرِ (٥).

стр. 129

(أَوْ نَوَى) بوضوئِه (التَّجْدِيدَ) إن سُنَّ؛ بأن صلَّى بينَهما، حالَ كَونه (نَاسِيًا حَدَثَهُ)، ثم بعدَ فراغِه مِنْ الوضوءِ تَذكَّر أنَّه كان مُحدِثًا قبلَ التجديدِ؛ ارتفعَ حدثُه؛ لأنَّه قد نوَى بطهارتِه أمرًا تُشرع له الطهارة (١)، بل قال في «الشَّرحِ الكبيرِ» (٢): لو قصَد أن لا يَزال على طهارةٍ؛ صحَّت طهارتُه؛ لأنَّها شرعيَّةٌ. وعُلم ممَّا تَقدَّم: أنَّه لو كان عالمًا بحَدثِه؛ لم يرتفع؛ لتلاعُبِه. (أَوْ) نوَى (الغُسْلَ لِنَحْوِ جُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ)؛ كاستسقاءٍ، وكان عليه نحوُ جنابةٍ؛ (ارْتَفَعَ حَدَثُهُ) إن كان ناسيًا لنحوِ الجنابةِ، وكذا عكسُه، وإن نَواهُما؛ حصَلَا. ومِن هنا يُعلم (٣): أنَّه ليسَ في مسألةِ المتنِ (٤) وعكسِها إلّا ثوابُ ما نَواه، وإنْ أجزأَ عن الآخَرِ. والمستحبُّ أن يَغتسل للواجبِ، ثمَّ للمسنونِ. (وَإِنْ تَنَوَّعَتْ أَحْدَاثٌ (٥)) ولو متفرِّقةً في أوقاتٍ، تُوجِب وضوءًا؛ كبولٍ وغائطٍ وريحٍ ونومٍ، أو تُوجِب غُسلًا؛ كجماعٍ وخروجِ مَنيٍّ وحيضٍ، (فَنَوَى) بطهارتِه (أَحَدَهَا) أي: أحدَ الأحداثِ؛ كالنَّومِ في الأوَّل، والجماعِ في الثاني؛ (ارْتَفَعَ (٦) كُلُّهَا) أي: جميعُ الأحداثِ؛ لتَداخُلِها؛ كما لو نوَى رفعَ الحَدثِ وأطلقَ.

стр. 130

لكنْ محلُّ ذلك: ما لم يُقيِّد النيَّةَ بأحدِ الأحداثِ على أنْ لا يَرتفع غيرُه، فإن قيَّد كذلك؛ لم يَرتفع غيرُ ما نواه. ولو غَلِط مَنْ عليه حدثُ نومٍ، فنوَى حدثَ بولٍ؛ ارتفعَ حَدثُه؛ للتَّداخلِ. (وَيُسَنُّ أَنْ يَنْوِيَ) أي: أن (١) يأتي بالنيَّةِ في وضوءٍ وغُسلٍ (عِنْدَ أَوَّلِ مَسْنُونٍ (٢))؛ كغَسلِ الكفَّينِ، إن (وُجِدَ) ذلك المسنونُ (قَبْلَ وَاجِبٍ)، وهو التَّسميةُ، يَعني: أنَّه إذا أرادَ أن يُقدِّم غَسلَ كفَّيه على التَّسميةِ؛ سُنَّ له الإتيانُ بالنيَّةِ عندَ غَسلِهما؛ لتشملَ النيَّةُ مسنونَ الطَّهارةِ ومفروضَها، فيُثابَ عليهما. وحيثُ عَلِمتَ ما تَقدَّم، وأَردتَ صفةَ الوضوءِ الكاملِ المشتمِلِ على ما يُسنُّ وما يَجب وما يُفترض (٣)، (ف) هو ما أشارَ إليه بقولِه: (يَنْوِي) رفعَ الحَدثِ، أو يَقصد (٤) بطهارتِه ما تَجب له أو تُسنُّ؛ كما تقدَّم في صفةِ النيَّةِ (٥). ويَستقبل القِبلةَ، (ثُمَّ يُسَمِّي) فيَقول: «باسمِ اللهِ»، لا يَقوم غيرُها مَقامَها، فلو قال: «باسم الرحمن»، أو نحوَه؛ لم يُجزِئه. (ثُمَّ يَغْسِلُ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا)، ولو تَيقَّن طهارتَهما، ويُقدِّم اليُمنى على اليُسرى ندبًا. (ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ) بيَمينه قبلَ غَسلِ وجهِه ندبًا، ويَتسوَّك حالَ المضمضةِ، (ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِيَمِينِهِ، وَيَسْتَنْثِرُ) أي: يَستخرج ما في أنفه (بِيَسَارِهِ، ثَلَاثًا ثَلَاثًا)، بالنَّصب على الحال (٦)، يَعني: أنَّه يَتمضمض ثلاثَ مرَّاتٍ، ويَستنشق ثلاثَ مرَّاتٍ.

стр. 131

وذلك لحديثِ عثمانَ: «أنَّه تَوضَّأ، فدعَا بماءٍ، فغسَل يدَيه ثلاثًا، ثمَّ غرَف بيمينه، ثمَّ رفَعها إلى فيه فتَمضمض واستَنشق بكفٍّ واحدٍ، واستَنثر بيسارِه، فعَل ذلك ثلاثًا، ثمَّ ذكَر سائرَ الوضوءِ، ثمَّ قال (١): إنَّ النبيَّ ﷺ تَوضَّأ لنا كما توضَّأتُ لكُم» رَواه سعيدٌ (٢). والأفضلُ في المضمضة والاستنشاقِ: أن يَفعلهما بغَرفةٍ واحدةٍ (٣) ولا يَفصلَ بينهما، بل يأتي بمرَّاتِ المضمضةِ على حِدَتِها، ثم بمرَّاتِ الاستنشاقِ كذلك. وتُسنُّ المبالغةُ فيهما لغيرِ صائمٍ، فتُكره له، وفي بقيَّةِ الأعضاءِ مطلقًا (٤). فالمبالغةُ في المضمضةِ: إدارةُ الماءِ (٥) بجميعِ الفَمِ. وفي استنشاقٍ: جَذبُه بنَفَسٍ إلى أَقصى أنفٍ. والواجبُ أَدنى إدارةٍ في مضمضةٍ، وجذبُ ماءٍ إلى باطنِ أنفٍ في استنشاقٍ، فلا يَكفي مجرَّدُ وضعِ ماءٍ فيهما. والمبالغةُ في بقيَّةِ الأعضاءِ: دَلْكُ ما يَنْبُو (٦) عنه الماءُ. (ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ)؛ للنَّصِّ، فيأخذ الماءَ بيَدَيه، أو بيَمينه ويَضمُّ إليها

стр. 132

الأُخرى، ويَغسله بهما ثلاثًا. وحدُّ الوجهِ: (مِنْ مَنْبِتِ) أي: موضعِ نباتِ (شَعْرِ الرَّأْسِ المُعْتَادِ) غالبًا، فلا عبرةَ بالأَفْرَعِ (١) الذي يَنبُت شعرُه في بعضِ جَبهتِه، ولا بالأَجلحِ الذي انْحسَر شَعرُه عن مُقدَّمِ رأسِه. (مَعَ مَا انْحَدَرَ مِنْ اللَّحْيَيْنِ)، تَثنيةُ «لحْيٍ» (٢)، بفتحِ اللَّام وكسرِها، وهو كما في «المصباحِ»: (عَظمُ الحَنَكِ أي: ما عليه الأسنانُ)، قال: (وهو مِنْ الإنسانِ حيثُ يَنبت الشعرُ، وهو أَعلى وأَسفلُ، وجمعُه: أَلْحٍ بفتحٍ فسكونٍ فكسرٍ، ولُحِيٌّ بضمٍّ فكسرٍ فتشديدٍ) (٣)، (وَالذَّقَنِ) بفتحتَين: مجمعُ اللَّحْيَين (٤)، (طُولًا) أي: مِنْ جهةِ الطُّولِ. (وَ) حدُّ الوجهِ (مَا بَيْنَ الأُذُنَيْنِ) أي: مِنْ الأُذنِ إلى الأُذنِ (عَرْضًا) (٥)، أي مِنْ جهةِ العرضِ. وإنَّما كان ما ذُكر حدَّ الوجهِ (٦)؛ لأنَّ به تَحصل المواجهةُ (٧)، فيَدخل فيه: عِذَارٌ، وهو شعرٌ نابتٌ على عظمٍ ناتئٍ يُسامِتُ (٨) صِماخَ الأذنِ بكسرِ الصادِ المُهمَلةِ (٩) أي: خَرقِها، وكذا بياضٌ بينَ عِذارٍ وأذنٍ، نصَّ عليه

стр. 133

الخِرَقي (١)، خلافًا لمالكٍ ﵀ (٢)، وهو ممَّا يَغفُل النَّاس عنه. لا صُدْغٌ، وهو ما فوقَ العِذارِ، يُحاذي رأسَ الأذنِ، ويَنزل عنه قليلًا. ولا تَحذيفٌ، وهو الخارجُ إلى طَرفَي الجَبينِ بين النَّزَعةِ (٣) ومُنتهى العِذارِ. ولا النَّزَعتان، وهُما ما انْحسَر عنه الشَّعرُ مِنْ فَوْدَي (٤) الرَّأسِ أي: جانبَي مقدَّمِه، بل كلُّ (٥) ذلك مِنْ الرَّأس، فيُمسح معه. (وَ) يَغسل وجوبًا (مَا فِيهِ) أي: في (٦) وجهِه (مِنْ شَعَرٍ خَفِيفٍ) أي: يَصِف البشرةَ، فيَغسل شعورَ الوجهِ الخفيفةَ، ويَغسل ما تحتَها مِنْ البشرةِ؛ لأنَّ ما لا يَستره الشَّعرُ (٧) يُشبه الخاليَ، وغُسِلَ الشَّعرُ تبعًا للمحلِّ. (وَ) يَغسل وجوبًا مِنْ شعرِ الوجهِ (ظَاهِرَ الكَثِيفِ) أي (٨): الساترِ للبشرةِ مِنْ لِحيةٍ وعَنْفَقَةٍ وشاربٍ وحاجبَين، ولو لأُنثى وخُنثى، (وَيُخَلِّلُ) ندبًا (بَاطِنَهُ) أي: باطنَ الشعرِ (٩) الكثيفِ، فيُخلِّل لِحيتَه الكثيفةَ بكَفٍّ مِنْ ماءٍ يَضعه مِنْ تَحتِها بأصابعِه مُتشبِّكة في اللِّحيةِ، أو مِنْ جانبَيْها (١٠)، ويَعرُكها.

стр. 134

فإن كان بعضُ شَعرِه خفيفًا، وبعضُه كثيفًا؛ فلكلٍّ حُكمُه. وسُنَّ غسلُ باطنِ شَعرٍ كثيفٍ غيرِ شَعرِ لِحيةِ الذَّكرِ، فيُخلِّلها فقط. ويَجب غسلُ ما خرَج عن حدِّ الوجهِ مِنْ الشَّعرِ المسترسِلِ؛ لمشاركتِه للوجهِ في المواجهةِ، بخلافِ ما نزَل مِنْ الرَّأسِ؛ لعدمِ مشاركتِه له في الترؤُّسِ (١). ولا يَجب غسلُ داخلِ عينٍ لحدثٍ أو نجاسةٍ (٢)، بل ولا يُسنُّ ولو أَمِن الضَّررَ، بل يُكره. (ثُمَّ) يَغسل (يَدَيْهِ مَعَ مَرْفِقَيْهِ)؛ للنَّصِّ، (ثَلَاثًا)؛ لحديثِ عثمانَ (٣) وغيرِه، حتَّى مع إصبعٍ زائدةٍ، وظُفرٍ ولو طالَ (٤)، ويَدٍ أَصلُها بمحلِّ فرضٍ (٥)، أو غيرِه (٦) ولم تَتميَّز (٧). (وَيُعْفَى) في الوضوء (عَنْ يَسِيرِ وَسَخٍ)، مِنْ إضافةِ الصِّفةِ إلى الموصوفِ،

стр. 135

أي: عن وسخٍ يسيرٍ، (تَحْتَ ظُفُرٍ) ونحوِه كشَعرٍ (١)، ولو منَع وصولَ الماءِ؛ لكثرةِ وقوعِه عادةً، فلَو لم يصحَّ معه الوضوءُ لبيَّنه النبيُّ ﷺ ؛ إذْ لا يَجوز تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ. ومَن خُلِق بلا مِرفَقٍ؛ غسَل إلى قَدْرِه في غالبِ النَّاسِ. (ثُمَّ يَمْسَحُ) جميعَ ظاهرِ (رَأْسِهِ)؛ قياسًا على مسحِ الوجهِ في التيمُّمِ في وجوبِ الاستيعابِ، بجامعِ الأمرِ بمسحِهما، ولأنَّه ﵇ مسَح جميعَه (٢)، وفِعلُه يُبيِّن الآيةَ. والرَّأسُ مِنْ حدِّ الوجهِ إلى ما يُسمَّى قفًا. ويَكون بماءٍ جديدٍ (٣) غيرِ ما فضَل عن ذِراعَيه. وكَيفما مسَحه أجزأَ، ولو بإصبعٍ أو نحوِ خرقةٍ، حتى لو أَصابه ماءٌ، فأَمرَّ يدَه عليه. والمسنونُ: أن يَبدأ بيدَيه مَبلولتَين مِنْ مُقدَّم رأسِه، فيَضع طرفَ إحدى سبَّابتَيه على طرفِ الأُخرى، ويَضع إبهامَيه على صُدْغَيه، ثمَّ يُمِرَّهما (٤) على قَفاه،

стр. 136

ثم يَردَّهما (١) إلى مقدَّمه ولو خافَ انتشارَ شَعرِه بماءٍ واحدٍ (٢)، فلو وضَع نحوَ يدِه على رأسِه مبلولًا بلا مَسحٍ؛ لم يُجزِئه. ويُجزِئ غَسلُه مع الكراهةِ إن أَمرَّ يدَه، وإلّا فلا، ما لم يَكُنْ جُنبًا، ويَنوي الطهارتَين. (ثُمَّ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ)، ظاهرَهما وباطنَهما؛ لأنَّهما مِنْ الرَّأس؛ كما في حديثٍ رَواه ابنُ ماجَه، وتَقدَّم (٣). والبياضُ فوقَهما (٤) تحتَ (٥) الشَّعرِ مِنْ الرَّأس، فيَجب مسحُه معه. وكيف مسَحهما أجزأَ، والمسنونُ: أن يُدخل سبَّابتَيه في صِماخَيهما، ويَمسح بإبهامَيه ظاهرَهما، ولا يَجب مسحُ ما اسْتَتر بالغَضاريفِ. ويَكون مسحُ رأسِه وأُذنَيه (مَرَّةً (٦))؛ لأنَّ أكثرَ مَنْ وصَف وضوءَ رسولِ اللهِ ﷺ ذكَر أنَّه مسَح رأسَه واحدةً، قال أبو داودَ: أحاديثُ عثمانَ الصِّحاحُ كلُّها تَدلُّ على أنَّ مسحَ الرأسِ واحدةٌ (٧).

стр. 137

(ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ مَعَ كَعْبَيْهِ)؛ للنَّصِّ، (ثَلَاثًا)؛ لحديثِ عثمانَ وغيرِه، والكَعبان: هُما العَظمان النَّاتِئان، أي: المُرتَفِعان في جانبَي الرِّجلِ. (ثُمَّ) بعدَ فراغِه مِنْ الوضوءِ (يَقُولُ (١)) نَدبًا، حالَ كَونِه (رَافِعًا بَصَرَهُ) ووجهَه (لِلسَّمَاءِ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»)؛ لحديثِ عمرَ يَرفعه قال: «ما مِنكم مِنْ أَحدٍ يَتوضَّأ، فيُبلِغُ أو يُسبِغُ الوضوءَ، ثمَّ يَقول وذكَر ما تَقدَّم إلّا فُتِحَت له أبوابُ الجنَّةِ الثَّمانيةُ، يَدخل مِنْ أيِّها شاءَ» رَواه مسلمٌ (٢)، ورَواه الترمذيُّ وزادَ فيه: «اللَّهمَّ اجْعَلْني مِنْ التوَّابِين، واجْعَلْني مِنْ المُتطهِّرِين» (٣). زادَ في «الإقناع» (٤) على روايةِ الترمذيِّ: «سُبحانَك اللَّهُمَّ وبحَمدِكَ، أَشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا أنتَ، أَستغفرُكَ وأَتوب إليكَ». (وَيَغْسِلُ) وجوبًا (أَقْطَعُ (٥)) يدٍ أو رِجلٍ (بَاقِيَ فَرْضِهِ) أي: ما بقيَ مِنْ محلِّ فرضٍ أصلًا، أو تبعًا (٦)؛ كرأسِ عَضُدٍ وساقٍ، وكذا تيمُّمٌ. فإن لم يَبقَ شيءٌ؛ استُحبَّ مسحُ محلِّ قطعٍ بماءٍ، لا ترابٍ.

стр. 138

(وَيُبَاحُ) لمتطهِّرٍ (تَنْشِيفُ) أعضائِه، أي: مَسحُها بنحوِ مِنديلٍ (١)؛ لِما روَى سلمانُ: «أنَّ النبيَّ ﷺ تَوضَّأ، ثمَّ قلَب جُبَّةً كانت عليه، فمسَح بها وجهَه» رَواه ابنُ ماجَه (٢). (وَ) يُباح (مُعِينٌ (٣)) لمتطهِّرٍ، يُقرِّب ماءَ وضوئِه أو غُسلِه، أو يَصبُّه عليه؛ لأنَّ «المغيرةَ بنَ شُعبةَ أَفرَغ على النبيِّ ﷺ مِنْ وَضوئِه» رَواه مسلمٌ (٤). والأفضلُ تَركُهما (٥). (وَمَنْ وُضِّئَ)، بالبناء للمفعول، أي: وضَّأَه غيرُه، مسلمًا كان ذلك الغيرُ (٦) أو كتابيًّا (٧)، ومِثلُه: غُسلٌ وتيمُّمٌ، (بِإِذْنِهِ) أي: بإذنِ المفعولِ به، قال المصنِّفُ: (قلتُ: وكذا تَمكينُه مِنْ ذلك؛ بأن ناولَه أعضاءَه مِنْ غيرِ قولٍ) انتهى (٨)، وهو داخلٌ في مطلقِ الإذنِ؛ لشُمولِه الإذنَ العُرفيَّ، (وَنَوَاهُ) المتوضِّئُ ونحوُه؛ (صَحَّ)، وكُره بلا عذرٍ.

стр. 139

فإن أَكره المتوضِّئُ شخصًا (١) يُوضِّئه أو يُغسِّله أو يُيمِّمه؛ لم يصحَّ، كما قال في «المنتهى» (٢): لا إن أُكره فاعلٌ (٣). وإن أَكره مَنْ يَصبُّ عليه الماءَ؛ لم يصحَّ أيضًا، كما قال (٤) في «الإقناع» (٥)، وقِيل: يصحُّ، قال المصنِّفُ: وهو أظهرُ (٦)؛ لأنَّ النَّهيَ يَعود لخارجٍ؛ لأنَّ صَبَّ الماءِ ليس مِنْ شرطِ الطَّهارةِ. انتهى (٧). وفيه نظرٌ (٨)؛ فإنَّ هذه الصورةَ كالتي قبلَها في غَسلِ جزءٍ مِنْ اليَدِ في محلِّ غَسلِها، وليسَت مِنْ قَبيلِ الصَّبِّ الخارجِ عن شرطِ الطَّهارةِ في كلِّ الأعضاءِ، بل في الأكثرِ؛ فإنَّ المتوضِّئَ في هذه الصورةِ هو الذي يُوصِل الماءَ إلى وجهِه ورأسِه ورِجلَيه وأكثرِ يدَيه، لا إلى جميعِ يديْهِ (٩)؛ لأنَّ أوَّلَ جزءٍ يُلاقي الماءَ مِنْ يدَيه يَصير غَسلُه بفِعلِ المُكرَه بفتحِ الراءِ فلم يصحَّ، واللهُ أعلمُ.

стр. 140

ولمَّا فرَغ المصنِّفُ مِنْ بيانِ صفةِ الوضوءِ (١) أشار إلى بعض مسنوناته فقال (٢): (وَيُسَنُّ فِي وُضُوءٍ): (سِوَاكٌ) عندَ مضمضةٍ، كما تَقدَّم بدليلِه. (وَغَسْلُ كَفَّيْهِ) ثلاثًا (إِنْ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ نَاقِضٍ لِوُضُوءٍ)، فإن كان قائمًا منه؛ (فَيَجِبُ) غَسلُهما ثلاثًا تعبُّدًا، بنيَّةٍ شُرِطَت، وتسميةٍ وَجبَت، ويَسقط غَسلُهما والتسميةُ سهوًا. ومُقتضى كلامِ «المبدِعِ»: أنَّه لو تَذكَّر غَسلَهما في الأثناءِ؛ لم يَستأنف، بل ولا يَغسلُهما (٣)، بخلافِ تسميةٍ في وضوءٍ؛ لأنَّها منه. قاله المصنِّفُ (٤). (وَالبِدَاءَةُ)، بكسرِ الباءِ والمدِّ، والضَّمُّ لغةٌ، بمعنى: الابتداءِ، (قَبْلَ) غَسلِ (وَجْهٍ بِمَضْمَضَةٍ فَاسْتِنْشَاقٍ). (وَمُبَالَغَةٌ فِيهِمَا) أي: في المضمضةِ والاستنشاقِ (لِغَيْرِ صَائِمٍ)، فتُكرَه له، كما تَقدَّم. (وَتَخْلِيلُ لِحْيَةٍ) وبقيَّةِ شُعورٍ (كَثِيفَةٍ) في الوجهِ. (وَ) تَخْلِيلُ (أَصَابِعِ) يدَين ورِجلَين، فتخليلُ أصابعِ يدَيه بالتَّشبيكِ، وتخليلُ أصابعِ رِجلَيه بخِنصرِ يَدِه اليُسرى، يَبدأ بخِنصرِ رِجلِه اليُمنى إلى إبهامِها،

стр. 141

وبإبهامِ اليُسرى إلى خِنصرِها؛ فهو بخِنصرٍ، مِنْ خنصرٍ، إلى خِنصرٍ. (وَتَيَامُنٌ)، فيُقدِّم اليُمنى على اليُسرى، حتى بينَ كفَّي قائمٍ مِنْ نومِ ليلٍ، وبينَ أُذنَين، كما قدَّمه في «الإقناع» عن الزَّركشيِّ (١)، وقال الأَزَجيُّ (٢): يَمسحهما معًا. (وَدَلْكُ) ما يَنْبُو عنه الماءُ. (وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلأُذُنَينِ)، غيرِ ماءِ الرَّأسِ (٣). (وَغَسْلَةٌ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ، وَكُرِهَ) زيادةٌ (فَوْقَهَا) أي: الثالثةِ؛ لقولِه ﷺ في حديثِ عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أَبيه عن جدِّه، لمَّا سُئِل عن الوضوء، فأَراه ثلاثًا ثلاثًا: «فمن زادَ على هذا أو نقَص فقَد أساءَ وتَعدَّى وظلَم (٤)» رَواه أبو داودَ (٥)،

стр. 142

وتكلَّم مسلمٌ على قولِه: «أَوْ نقَص»، وأوَّلَه البَيهقيُّ على نُقصانِ العضوِ (١)، واستحسنَه الذَّهبيُّ (٢). (فصل) فِي مَسْحِ الخُفَّين وغيرِهما وذكَره في بابِ الوضوءِ؛ لأنَّه بدلٌ عن غَسلِ أو مسحِ ما تحتَه. ومسحُ الخُفَّين وما في معناهما (٣) رخصةٌ (٤)، وأفضلُ مِنْ غَسلٍ؛ لأنَّه ﵇

стр. 143

وأصحابُه إنَّما طلَبُوا الأفضلَ، وفيه (١) مخالفةُ أهلِ البدعِ، ولحديثِ: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ أن يُؤخَذ برُخَصِه» (٢). ويرفعُ الحدثَ، ولا يُسنُّ أن يَلبس ليَمسح. (يَصِحُّ المَسْحُ عَلَى خُفٍّ) في رِجلَيه؛ لثبوتِه بالسُّنَّة الصَّريحةِ، قال ابنُ المباركِ: (ليس فيه خلافٌ) (٣)، وقال الحسنُ: (روَى المسحَ سبعون نَفْسًا، قولًا وفعلًا منه ﵊ (٤)، وقال الإمامُ أحمدُ ﵀: (ليس في قلبي مِنْ المسح على الخُفَّين شيءٌ أي: شكٌّ (٥)، فيه أربعون حديثًا عن النبيِّ ﷺ (٦). قال في «المبدِعِ»: (ومِن أُمَّهاتها (٧) حديثُ جريرٍ قال: «رأيتُ النبيَّ ﷺ بالَ، ثمَّ تَوضَّأ، ومسَح على خُفَّيه»، قال إبراهيمُ النَّخَعيُّ: فكان يُعجبهم ذلك؛ لأنَّ إسلامَ جريرٍ كان بعدَ نزولِ المائدةِ. متَّفق عليه (٨)، فليس منسوخًا بالآيةِ) (٩). وقد استَنبطَه بعضُهم مِنْ القرآنِ، فحمَل قراءةَ النَّصبِ على الغَسلِ، وقراءةَ

стр. 144

الجرِّ على المسحِ؛ لِئلَّا تَخلو إحداهُما عن فائدةٍ. (وَ) يصحُّ المسحُ على (نَحْوِهِ) أي: نحوِ الخُفِّ؛ كجُرْمُوقٍ (١) خُفٍّ قصيرٍ، وجَوْرَبٍ (٢) صَفيقٍ، مِنْ صوفٍ أو غيرِه، ولو غيرَ مُجلَّدٍ أو مُنعَّلٍ. وللمسحِ على الخُفِّ ونحوِه شروطٌ، أشارَ إلى بعضِها بقولِه: (مُبَاحٍ) بالجرِّ، صفةٌ ل «خفٍّ»؛ لأنَّ المسحَ رخصةٌ، فلا تُستباح بالمعصية، فلا يصحُّ على مغصوبٍ وحريرٍ، ولو في ضرورةٍ؛ كخوفِ سقوطِ أصابعٍ بثلجٍ، لكن يُباح حريرٌ لأُنثى فقط. (سَاتِرٍ لِمَحَلِّ فَرْضٍ)، وهو القدمُ كلُّه، وإلّا فحُكمُ ما اسْتَتر المسحُ، وما ظهَر الغَسلُ، ولا يُجمع بينهما، فوجَب الغَسلُ؛ لأنَّه الأصلُ. (يَثْبُتُ) الخفُّ ونحوُه في الرِّجلِ (بِنَفْسِهِ) مِنْ غيرِ شدٍّ؛ إذ الرُّخصةُ (٣) ورَدَت في المعتادِ، وما لا يَثبت غيرُ معتادٍ، لكن لو ثبَت بنَعلَين؛ صحَّ المسحُ إلى خلعِهما (٤)، ويَمسح (٥) على سُيورِ النَّعلَين، وما ظهَر مِنْ الخفِّ. وإذا ثبَت بنفسِه، لكنْ يَبدو بعضُه لولا شدُّه أو شَرْجُه؛ كزُربُولٍ (٦) له ساقٌ؛ صحَّ المسحُ عليه.

стр. 145

ومِن شرطِ الخفِّ ونحوِه أيضًا: إمكانُ مشيٍ فيه عرفًا، ولو لم يكن معتادًا؛ كلِبدٍ وخشبٍ. وطهارةُ عَينِه. وألّا يَصِف القدمَ لصفائِه كزجاجٍ رقيقٍ أو خِفَّتِه (١). (وَ) يصحُّ المسحُ (عَلَى عِمَامَةٍ)؛ لقولِ عمرِو بنِ أُميَّةَ: «رأيتُ النبيَّ ﷺ مسَح على عِمامتِه وخُفَّيه» رَواه البخاريُّ (٢). (مُحَنَّكَةٍ) وهي التي يُدار منها تحتَ الحَنكِ كَورٌ بفتح الكافِ أو كَوْران، وإن لم يَكُنْ لها ذُؤابةٌ. (أَوْ) أي: وعلى عمامةٍ (ذَاتِ) أي: صاحبةِ (ذُؤَابَةٍ)، بضمِّ المعجَمةِ بعدَها همزةٌ مفتوحةٌ، وهي طرفُ العمامةِ المُرخَى، وإن لم تَكُنْ محنَّكةً، قال الإمامُ أحمدُ في روايةِ الأثرمِ وغيرِه: (يَنبغي أن يَرخي خلفَه مِنْ عمامتِه، كما جاءَ عن ابنِ عمرَ: «أنه كان يَعتمُّ ويُرخيها بينَ كَتِفَيه») (٣)، وعن ابنِ عمرَ قال: «عمَّم النبيُّ ﷺ عبدَ الرحمنِ (٤) بعمامةٍ سوداءَ، وأَرخاها مِنْ خَلفِه قَدْرَ أربعِ أصابعَ» (٥).
следующие страницы →