← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقد رأيتُ بخطِّ شيخِ شيخِنا الشيخِ عبدِ الرَّحمنِ البهوتيِّ (١) شيخِ المصنِّفِ أيضًا ما معناه: أنَّه لو صبَّ مِنْ الإبريق على محلِّ الاستنجاءِ؛ لم يَتنجَّس (٢) ما في الإبريق. انتهى، وهو ممَّا لا يشكُّ في تطهيره (٣) مَنْ له أدنَى اشتغالٍ بالفقهِ، فتأمَّل، واللهُ أعلمُ. ثمَّ أشارَ إلى كيفيَّةِ تطهيرِ هذا الماءِ المتنجِّسِ، فقال (٤): (وَيَطْهُرُ) الماءُ النَّجسُ، قليلًا كان أو كثيرًا، أي: يَصير طَهورًا (بِإِضَافَةِ) طَهورٍ (كَثِيرٍ (٥)) أي: قُلَّتَين فصاعدًا، إِلَيْهِ (٦)، مَعَ زَوَالِ تَغَيُّرِهِ إِنْ كَانَ متغيِّرًا (٧)؛ لأنَّ الكثيرَ يَدفع النَّجاسةَ عن نفسه وعمَّا اتَّصل به، ولا ينجس إلَّا بالتغيُّر، وتَكون الإضافةُ إمَّا بصبٍّ بحسَبِ الإمكانِ عُرفًا ولو لم (٨) يتَّصل الصَّبُّ (٩)، أو بإجراءِ ساقيةٍ إليه، أو بنَبعٍ فيه. وعُلم منه: أنَّه لا يَطهر بإضافةِ غيرِ الماءِ مِنْ ترابٍ ونحوِه، ولا بإضافةِ

стр. 72

يسيرٍ، ولو زالَ به التغيُّرُ (١). (وَ) يَطهر أيضًا (٢) (الكَثِيرُ) المتنجِّسُ بالتغيُّرِ (٣) (بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ)؛ كالخمرةِ (٤) تَنقلب خَلًّا، (وَبِنَزْحٍ) أي: إخراجِ بعضِ الماءِ النَّجسِ، سواءٌ قلَّ النَّزحُ أو كثُر (٥)، فيَصير طهورًا إن (بَقِيَ بَعْدَهُ) أي: بعد (٦) النَّزحِ (كَثِيرٌ) غيرُ متغيِّرٍ. والحاصلُ: أنَّ النَّجسَ القليلَ يَصير طهورًا بأمرٍ واحدٍ، وهو الإضافةُ، بشَرطِ زوالِ التغيُّرِ إن كان (٧)، وأنَّ النَّجسَ الكثيرَ يَطهر (٨) بأحدِ ثلاثةٍ: الإضافةِ والنَّزحِ بشرطِهما (٩)، وزوالِ تغيُّرِه بنفسه.

стр. 73

ثمَّ أشارَ إلى بيان حدِّ الكثيرِ وحُكمِه، فقال (١): (فَإِنْ بَلَغَ) الماءُ الطَّهورُ (قُلَّتَيْنِ) فصاعدًا، (وَهُمَا) أي: القُلَّتان: (أَرْبَعُمَائَةِ رِطْلٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ) رِطلًا (وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ مِصْرِيٍّ؛ لَمْ يَنْجُسْ) بمُلاقاةِ النَّجاسةِ، ولو كانت بولَ (٢) آدميٍّ أو عذِرَتَه، (إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: سُئِل النبيُّ ﷺ عن الماء يَكون بالفَلَاةِ، وما يَنُوبُه مِنْ الدَّوابِّ والسِّباعِ، فقال: «إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَينِ لَم يُنَجِّسْهُ شَيءٌ»، وفي روايةٍ: «لَم يَحمِل الخَبَثَ» رَواه الخمسةُ والحاكمُ، وقال: على شرطِ الشَّيخَين، ولفظُه لأحمدَ (٣)، فدلَّ بمَنطوقِه على رفعِ القُلَّتَين للنَّجاسةِ عنهما (٤)، وبمفهومِه على نجاسةِ ما لم يَبلُغهما؛ فلذلك جَعَلْناهما حدَّ الكثيرِ. وأمَّا حديثُ أَبي أُمامةَ مرفوعًا: «الماءُ لا يُنَجِّسُه شيءٌ، إلَّا ما غَلَب على رِيحِه وطَعمِه ولَونِه» رَواه ابنُ ماجَه والدارَقُطنيُّ (٥)؛ فمطلقٌ حُمل على خبرِ القُلَّتَين المقيَّدِ. والقُلَّتان: تَثنيةُ «قُلَّةٍ»، وهي اسمٌ لكلِّ ما ارْتفَع وعَلَا، ومنه: «قُلَّةُ الجبلِ»، والمرادُ بها هنا (٦): الجرَّةُ الكبيرةُ، سُمِّيَت قُلَّةً؛ لارتفاعِها وعلوِّها، أو لأنَّ الرَّجلَ العظيمَ يُقِلُّها بيدِه، أي: يَرفعها.

стр. 74

والتحديدُ وقَع بقِلالِ هَجَرَ قريةٍ قُرْبَ المدينةِ؛ لِما روَى الخطَّابيُّ بإسنادِه إلى ابنِ جُرَيجٍ، عن النبيِّ ﷺ مرسَلًا: «إذا كانَ الماءُ قُلَّتَينِ بِقِلالِ هَجَرَ» (١)، ولأنَّها مشهورةُ الصِّفةِ، معلومةُ المِقدارِ، لا تَختلف؛ كالصِّيعان، قال عبدُ الملكِ بنُ جُرَيجٍ: رأيتُ قِلالَ هَجَرَ، فرأيتُ القُلَّةَ تَسَعُ قِربَتَين، أو قِربَتَين وشيئًا. انتهى (٢)، والاحتياطُ إثباتُ الشيءِ وجعلُه نِصفًا؛ لأنَّه أقصَى ما يُطلق عليه اسمُ «شيءٍ» منكَّرًا، فيَكون مجموعُهما: خمسَ قِرَبٍ بقِرَبِ الحجازِ، والقِربةُ: تَسَعُ (٣) مِائةَ رِطلٍ عراقيٍّ، باتِّفاقِ القائلِين بتحديدِ الماءِ بالقِرَبِ (٤)، فالقُلَّتان بالرِّطلِ العراقيِّ (٥): خمسُمَائَةِ رِطلٍ، وبالمصريِّ ما ذكَره المصنِّفُ. وقَدْرُ القُلَّتَين بالصَّاع: ثلاثةٌ وتسعون صاعًا وثلاثةُ أرباعِ صاعٍ، أي: ثلاثةُ أمدادٍ، والصاعُ: قَدَحان بالقَدَحِ المِصريِّ تقريبًا (٦)، فالقُلَّتان بالإردبِّ المِصريِّ: إردبَّان إلَّا أربعةَ أقداحٍ ونصفَ قَدَحٍ. (وَإِنْ شَكَّ فِي تَنَجُّسِ مَاءٍ) أي: طُرُوِّ نجاسةٍ عليه، (أَوْ) شكَّ في تنجُّسِ (غَيْرِهِ) أي: غيرِ الماءِ مِنْ الطاهراتِ؛ كثوبٍ وإناءٍ، ولو مع تغيُّرِ الماءِ؛ (بَنَى

стр. 75

عَلَى اليَقِينِ) أي: على أصلِه الذي كان عليه قبلَ الشَّكِّ (١). وكذا لو شكَّ في طهارتِه بعدَ تيقُّنِ نجاستِه؛ لأنَّ الشيءَ إذا كان على حالٍ، فانتقالُه عنها يَفتقر إلى ثلاثةِ أمورٍ: عدمِها، ووجودِ أُخرى، واستمرارِ هذه الأُخرى، وأمَّا بقاءُ الأُولى فإنَّه لا يَفتقر إلَّا إلى مجرَّدِ البقاءِ، وهو أيسرُ مِنْ الحدوثِ وأكثرُ (٢)، والأصلُ إلحاقُ الفردِ بالأعمِّ الأغلبِ. لكن إن احتمل تغيُّرُ الماءِ بشيءٍ فيه مِنْ نجسٍ أو غيرِه؛ عُمل به، وإن احتمل التغيُّرُ بالطَّاهر والنَّجسِ أي: بأحدِهما فقط؛ فطَهورٌ إن كان التغيُّر يسيرًا، وإلَّا فنجسٌ ولو كثيرًا (٣)؛ لأنَّه طاهرٌ لاقَى نجاسةً، وهو لا يَدفعها عن نفسه. ولا يَلزم سؤالٌ عمَّا لم يتيقَّن (٤) نجاستُه، ويَلزم مَنْ عَلِم (٥) النَّجسَ إعلامُ

стр. 76

مَنْ أرادَ استعمالَه (١) في طهارةٍ أو شربٍ أو غيرِهما. ومَن أخبرَه مكلَّفٌ عدلٌ ولو مستورًا، أو امرأةً، أو قِنًّا، أو أعمَى بنجاسةِ شيءٍ؛ وجَب قَبولُه (٢) إن عيَّن السببَ (٣)، وإلَّا لم يَلزم ولو كان المخبِرُ فقيهًا موافقًا، كما نُقل عن إملاءِ التقيِّ الفُتُوحيِّ (٤). قال المصنِّفُ: قلتُ: وكذا إذا أخبرَه بما يَسلُب الطَّهوريَّةَ مع بقاءِ الطَّهارةِ؛ فيَعمل المخبَرُ بمَذهبِه فيه (٥). (وَإِنِ اشْتَبَهَ) أي: الْتَبَس عليه (مَاءٌ طَهُورٌ بِنَجِسٍ)، ولم يُمكن تطهيرُه به، وإلَّا؛ بأن كان الطَّهورُ قُلَّتَين، وعندَه إناءٌ يَسعُهما؛ وجَب عليه ذلك؛ (لَمْ يَتَحَرَّ) أي: لم يجِب عليه أن يَنظر أيُّهما يَغلب على ظنِّه أنَّه الطَّهورُ فيَستعملَه، بل لا يَجوز له التَّحرِّي للطَّهارة؛ لأنَّه قد اشتَبَه المباحُ بالمحظورِ في موضعٍ لا تُبيحُه

стр. 77

الضَّرورةُ، فيَتركُهما وجوبًا، (ويَتَيَمَّمُ (١) لِعَدَمِ غَيْرِهِمَا) أي: المُشتبِهَين، ولا يَلزمه إراقتُهما، ولا خَلطُهما (٢). وعُلم منه: أنَّه لو وَجَد طَهورًا بيَقينٍ (٣)؛ تعيَّن استعمالُه. وكذا يَترك مباحًا اشتَبَه بمحرَّم ويَتيمَّم مِنْ غيرِ تَحَرٍّ لعدمِ غيرِهما. ثمَّ إن عَلِم الطَّهورَ أو المباحَ بعدَ فعلِ ما تَيمَّم له؛ لم يُعِد، وقبلَ فراغِه (٤)؛ يَتطهَّر ويَستأنف. وعُلم مِنْ قولنا: «لا يَتحرَّى للطَّهارةِ» (٥) أنَّه يَتحرَّى لحاجةِ أكلٍ وشربٍ (٦)، بل يَلزمه (٧) ذلك، لا غسلُ فَمِه بعدَه؛ لعدمِ تيقُّنِ نجاسةِ ما استعملَه (٨). (وَإِنِ اشْتَبَهَ) طَهورٌ (بِطَاهِرٍ؛ تَوَضَّأَ) منهما (وُضُوءًا وَاحِدًا)، يأخذ (مِنْ كُلِّ) واحدٍ مِنْ الماءَين (غَرْفَةً) (٩)، يَعُمُّ بكلِّ غَرفةٍ المحلَّ مِنْ مَحالِّ الوُضوءِ؛

стр. 78

ليُؤَدِّيَ الفرضَ بيَقينٍ، ويَجوز له ذلك بلا تَحرٍّ، ولو كان عندَه طَهورٌ بيَقينٍ، ويُصلِّي (١) صلاةً واحدةً. قال المصنِّفُ: قلتُ: والغُسلُ فيما تَقدَّم كالوُضوء، وكذا إزالةُ النَّجاسةِ. انتهى (٢). لكن لو غسَل النَّجاسةَ مِنْ أحدِ الماءَين سبعًا، ثم غسَلها مِنْ الآخَرِ سبعًا؛ جازَ؛ لعدمِ افتِقارِها إلى نيَّةٍ. وكذا لو اغتَسل كاملًا مِنْ أحدِ الماءَين، ثم اغتَسل كاملًا مِنْ الآخَرِ بنيَّةٍ واحدةٍ؛ جازَ؛ لأنَّ بدنَ المغتسِلِ كعضوٍ واحدٍ (٣)، ففِي إطلاقِه نظرٌ (٤). (وَإِنِ اشْتَبَهَتْ) عليه (ثِيَابٌ) أي: ثَوبان فأكثرُ (٥)، (طَاهِرَةٌ بِ) ثيابٍ (نَجِسَةٍ)، ولم يَكُنْ عندَه ثوبٌ (٦) طاهرٌ بيَقينٍ؛ (صَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ) صلاةً واحدةً، يُكرِّرها (بعَدَدِ) الثِّيابِ (النَّجِسَةِ، وَزَادَ) على عددِ النَّجِسةِ (صَلَاةً)، فلَو كانت النَّجسةُ خمسةً مثلًا؛ صلَّى في ستةِ ثيابٍ ستَّ صلواتٍ، في كلِّ ثوبٍ صلاةً؛ بأن يَلبس واحدًا، ويصلِّي صلاةً، ثمَّ يَنزعه ويَلبس الآخَرَ ويُصلي، وهكذا إلى آخِرِ الستَّةِ (٧)؛ ليُصلِّيَ في ثوبٍ طاهرٍ يقينًا، يَنوي بكلِّ صلاةٍ الفرضَ؛ كمَن

стр. 79

نَسِي صلاةً مِنْ يومٍ. والفرقُ بينَ الثِّيابِ والمياه: أنَّ الماءَ يَلصَق ببَدنِه فيُنجِّسه، وأنَّ الصلاةَ في النَّجسِ جائزةٌ عندَ العدمِ، بخلافِ الماءِ. والفرقُ بينَ الثِّيابِ وبينَ القِبلةِ أيضًا حيثُ لم نُوجِب تعدُّد الصلاةِ بحسَبِ الجهاتِ: كثرةُ (١) الاشتِباهِ فيها، بخلافِ الثِّيابِ. (وَكَذَا أَمْكِنَةٌ) جمعُ «مكانٍ»؛ كزمانٍ وأزمنةٍ، (ضَيِّقَةٌ) تَنجَّس بعضُها واشتَبهَت، ولا بقعةَ طاهرةَ بيَقينٍ، فإذا تَنجَّسَت (٢) زاويةٌ مِنْ بيتٍ وتَعذَّر خروجُه منه وما يَفرُشه عليه؛ صلَّى الفرضَ مرَّتين في زاويتَين، وإن تَنجَّسَ (٣) زاويتان صلَّى ثلاثَ صلواتٍ (٤) في ثلاثِ زَوايا، وهكذا، هذا مع ضيقِ المكانِ (٥). (وَيُصَلِّي فِي) بقعةٍ (وَاسِعَةٍ) تَنجَّس بعضُها واشتَبَه كصحراءَ، وحَوشٍ كبيرٍ حيثُ شاءَ، (بِلَا تَحَرٍّ)؛ للحرج والمشقَّةِ. ولمَّا كان الماءُ جوهرًا سيَّالًا؛ احتاجَ إلى بيانِ أحكامِ أَوانِيه عَقِبه، فقال:

стр. 80

(فصل) في الآنية (١) وهو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، أي: هذا فصلٌ، أو مبتدأٌ حُذف خبرُه، أي: ممَّا أذكرُه فصلٌ. وهو في الأصل: الحجزُ بينَ شَيئَين، ومنه فصلُ الرَّبيعِ؛ لحجزِه بينَ الشِّتاءِ والصَّيفِ، وهو في كتبِ العلمِ كذلك؛ لحجزِه بينَ أجناسِ المسائلِ وأنواعِها. وهو كالكتابِ والبابِ (٢) عُرفًا: اسمٌ لطائفةٍ مختصَّةٍ مِنْ العلمِ (٣). (وَيُبَاحُ كُلُّ إِنَاءٍ) طاهرٍ، أي: يُباح اتِّخاذُه واستعمالُه، (وَلَوْ) كان الإناءُ الطاهرُ (ثَمِينًا) أي: غاليَ الثمنِ؛ كجوهرٍ وبِلَّورٍ وياقُوتٍ وزُمرُّدٍ، وغيرُ الثَّمينِ؛ كخشبٍ وزجاجٍ وجُلودٍ وصُفْرٍ وحديدٍ؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ قال: «أَتانَا رسولُ اللهِ ﷺ ، فأَخرَجْنا له ماءً في تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فتَوضَّأ» رَواه البخاريُّ (٤)، والتَّورُ بالمُثنَّاةِ الفَوقيَّةِ كما في «المصباحِ» (٥): إناءٌ صغيرٌ يُشرَب به، فارسيٌّ معرَّبٌ،

стр. 81

وقد ورَد أنَّه ﷺ تَوضَّأ مِنْ جَفنةٍ (١)، وقِربةٍ (٢)، فثبَت الحكمُ فيها بفعلِه (٣)، وما في معناها مَقيسٌ عليها، ولأنَّ العلَّةَ المحرِّمةَ للنَّقدَين مفقودةٌ في الثَّمينِ. ويُستثنى مِنْ إباحةِ الإناءِ الطاهرِ ما أشارَ إليه بقولِه: (غَيْرَ) عظمِ آدميٍّ وجِلدِه (٤)، ومغصوبٍ، و (إِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (٥))، أو مُضبَّبٍ بهما، أو بأحدِهما، فيَحرم اتِّخاذُها واستعمالُها على الذَّكر والأُنثى والخُنثى (٦)، مكلَّفًا كان أو غيرَه، بمعنى أنَّ وليَّه يأثَم بفعلِ ذلك له وبتَمكينِه منه. والأصلُ في تحريمِ استعمالِ الذَّهبِ والفضَّةِ: ما روَى حذيفةُ ﵁ قال: سَمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لا تَشرَبُوا في آنيةِ الذَّهبِ والفضَّةِ، ولا تأكلُوا في صِحافِها (٧)؛ فإنَّها لهم (٨) في الدُّنيا، ولكُم في الآخرةِ» (٩)، ورَوَت أمُّ سَلَمةَ ﵂

стр. 82

أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الذي يَشرب في آنيةِ الذَّهبِ والفضَّةِ إنَّما يُجَرجِرُ في بطنِه نارَ جهنَّم» متَّفق عليهما (١)، والجَرجَرةُ: صوتُ وقوعِ الماءِ بانحِدارِه في الجَوف. وغيرُ الأكلِ والشُّربِ في معناهما؛ لأنَّ ذِكرَهما خرَج مَخرجَ الغالبِ، فلا يَتقيَّد الحكمُ به. (وَ) غير (نَحْوِ مَطْلِيٍّ)، على وزنِ «مرمِيٍّ» بتشديدِ الياءِ، اسمُ مفعولٍ، (بِهِمَا) أي: بالذَّهبِ والفضَّةِ، أو بأحدِهما (٢)، والطِّلاءُ: أن يُجعل الذَّهبُ أو الفضَّةُ كالورقِ ويُطلَى به الإناءُ. ونحوُ المطليِّ: المُموَّهُ، بأن يُذاب الذَّهبُ أو الفضَّةُ، ويُلقى فيه الإناءُ مِنْ نُحاسٍ ونحوِه فيَكتسب مِنْ لَونِه، والمُطعَّمُ والمُكْفَتُ. فيَحرم ذلك كلُّه؛ لِما روَى ابنُ عمرَ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ شَرِب مِنْ إناءِ ذهبٍ أو فضَّةٍ، أو مِنْ إناءٍ فيه شيءٌ مِنْ ذلك؛ فإنَّما يُجَرجِرُ في بطنِه نارَ جهنَّمَ» رَواه الدارَقُطنيُّ (٣). (إِلَّا) إناءً (مُضَبَّبًا بِيَسِيرٍ) عُرفًا (مِنْ فِضَّةٍ لِحَاجَةِ) الإناءِ (٤)، وهي أن يَتعلَّق بها غرضٌ غيرُ الزِّينةِ، ولو وُجد غيرُها، كما لو انكسَر الإناءُ، فيُباح اتِّخاذُ الضَّبَّةِ المذكورةِ إِذَن واستعمالُها؛ لحديثِ أنسٍ ﵁: «أنَّ قَدَحَ النَّبيِّ ﷺ انكسرَ، فاتَّخَذ

стр. 83

مكانَ الشَّعْبِ سِلسِلةً مِنْ فِضَّةٍ» رَواه البخاريُّ (١)، وهذا مخصِّصٌ لعُمومِ الأحاديثِ المتقدِّمةِ. وعُلم مِنْ كلامه: أنَّ ضبَّةَ الذَّهبِ حرامٌ مطلقًا، وكذا الكبيرةُ عرفًا مِنْ الفضَّةِ، ولو لحاجةٍ، وأنَّ التي لغيرِ (٢) حاجةٍ حرامٌ، ولو يسيرةً مِنْ فضَّةٍ. (وَتَصِحُّ طَهَارَةٌ)، وُضوءًا كانت أو غُسلًا أو غيرَهما، (مِنْ إِنَاءٍ مُحَرَّمٍ)؛ كغصبٍ أو غيرِه، بأنْ يَغترف منه بيَدِه. وكذا تصحُّ به، وفيه، وإليه (٣)، بخلافِ الصلاةِ؛ لأنَّ الإناءَ والمكانَ لَيسَا شرطًا للطَّهارةِ. (وَتُبَاحُ آنِيَةُ كُفَّارٍ)، أهلِ كتابٍ أو غيرِهم، إن جُهِل حالُها، (وَ) تُباح (ثِيَابُهُمْ) أي: ثيابُ الكفَّارِ (إِنْ جُهِلَ حَالُهَا (٤))، بأن لم تُعلم نَجاستُها، حتى ما وَلِي عَوراتِهم، يَعني: أنَّه يَجوز للمسلمِ أن يَستعير مِنْ الكافرِ أَوانِيَه، وثِيابَه المجهولةَ، ونَحكم بطهارتِها، وأنَّها متى حصلَت في أَيدِينا؛ لم يَجب علينا تطهيرُ ما لم نَعلم نَجاستَه منها؛ لأنَّ «النَّبيَّ ﷺ وأصحابَه تَوضَّؤُوا مِنْ مَزادةِ مُشرِكةٍ»

стр. 84

متَّفق عليه (١)، ولأنَّ الأصلَ الطَّهارةُ، لكنْ ما لاقَى عَوراتِهم؛ كالسَّراويلِ، فرُوي عن الإمامِ أحمدَ ﵀ أنَّه قال: أحَبُّ إليَّ أن يُعيد إذا صلَّى فيه (٢). (وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ مَيْتَةٍ (٣)) نَجُس بمَوتِها (بِدَبْغٍ) له، هذا قولُ عمرَ (٤)، وابنِه (٥)، وغيرِهما (٦)؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُكَيمٍ قال: أَتانَا كتابُ رسولِ اللهِ ﷺ قبلَ وَفاتِه بشهرٍ أو شهرَين: «أنْ لَا تَنتَفِعُوا مِنْ المَيتةِ بإهابٍ ولا عَصَبٍ» رَواه الخمسةُ (٧)، ولم يَذكر التوقيتَ غيرُ أَبي داودَ وأحمدَ، وقال: (ما أَصلَح إسنادَه!) (٨)، وفي روايةِ الطَّبرانيِّ والدارَقُطنيِّ: «كنتُ رخَّصتُ لكُم في جُلودِ المَيتةِ، فإذا جاءَكُم كِتابي هذا فلا تَنتَفِعوا مِنْ المَيتةِ بإهابٍ ولاعَصَبٍ» (٩)، وهو

стр. 85

دالٌّ على سَبقِ الرُّخصةِ وأنَّه متأخِّرٌ، فيَتعيَّن الأخذُ به. والمرادُ ب «الميتةِ» في عُرفِ الشَّرعِ كما في «المصباحِ»: ما ماتَ حتفَ أَنفِه، أو قُتل على هيئةٍ غيرِ مشروعةٍ، إمَّا في الفاعلِ، أو المفعولِ (١)، فما ذُبح للصَّنم، أو في الإحرام، أو لم يُقطع منه الحُلقومُ: ميتةٌ، وكذا ذبحُ ما لا يُؤكَل لا يُفيد الحلَّ ولا الطَّهارةَ. انتهى (٢). والموتُ: عدمُ الحياةِ عمَّا مِنْ شأنِه الحياةُ، كما في «المطوَّلِ» (٣)، أو عدمُ الحياةِ عمَّن اتَّصف بها، كما قالَه السَّيِّدُ (٤)، وهو أظهرُ، وقد يُطلق الموتُ على ما لا حياةَ فيه أصلًا، كما قال تَعالى في حقِّ الأصنامِ: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ (٥). (وَيُبَاحُ اسْتِعْمَالُهُ) أي: جلدِ الميتةِ (بَعْدَهُ) أي: بعدَ الدَّبغِ بطاهرٍ مُنشِّفٍ للرُّطوبةِ، مُنقٍّ للخَبثِ؛ بحيثُ لو نُقِع الجلدُ بعدَه في الماءِ لم يَفسد.

стр. 86

وجَعلُ مُصرانٍ وكَرِشٍ وَتَرًا (١): دِباغٌ (٢). (فِي يَابِسٍ)؛ كدراهمَ ودنانيرَ ودقيقٍ، (إِنْ كَانَ) الجلدُ المدبوغُ (مِنْ) حيوانٍ (طَاهِرٍ فِي حَيَاةٍ)؛ كإبلٍ (٣) وبقرٍ وغنمٍ وظِباءٍ ونحوِها، ولو جلدَ غيرِ مأكولٍ؛ كالهرِّ وما دونَه في الخلقة؛ لأنَّه ﵊ وجَد شاةً ميتةً أُعطيَتْها مَولاةٌ لمَيمونةَ مِنَ الصَّدقةِ، فقال ﵇: «أَلَا أَخذُوا إهابَها فدَبَغُوه فانْتَفعُوا به!» رَواه مسلمٌ (٤). وفُهِم مِنْ كلامِه: أنَّه لا يُباح انتفاعٌ به قبلَ دَبغِه مطلقًا (٥)، ولا بعدَه في مائعٍ، ولا إن كان جلدَ حيوانٍ نَجسٍ في حياةٍ؛ كحمارٍ أهليٍّ. (وَكُلُّ أَجْزَاءِ المَيْتَةِ)؛ مِنْ لحمٍ وشحمٍ ومُخٍّ وعَظمٍ وعَصبٍ وقَرنٍ وظُفرٍ وحافرٍ وأصولِ شَعرٍ ونحوِه نُتِف؛ نَجسٌ. (وَ) كذا (لَبَنُهَا) أي: لبنُ الميتةِ (نَجِسٌ)؛ لأنَّه مائعٌ لاقَى وعاءً نَجسًا، فتَنجَّس. (غَيْرَ نَحْوِ شَعْرٍ) لغنمٍ، (وَصُوفٍ) لضأنٍ (٦)؛ كوَبَرِ إبلٍ، وريشِ طائرٍ، ولو غيرَ مأكولةٍ، فذلك طاهرٌ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾، والآيةُ سِيقَت للامْتِنانِ، فالظَّاهرُ شُمولُها لِحالتَي الحياةِ

стр. 87

والموتِ، والرِّيشُ مَقيسٌ على الثَّلاثةِ. وحَرَّم في «المستوعِبِ» نَتْفَ ذلك مِنْ حيٍّ؛ لإيلامِه، وكَرِهه في «النِّهايةِ» (١). (وَمَا أُبِينَ)، بالبناءِ للمفعولِ (٢): أي: فُصل، (مِنْ) حيوانٍ (حَيٍّ)، مِنْ قَرنٍ وأَلْيَةٍ ونحوِهما؛ فهو (كَمَيْتَتِهِ)، طهارةً ونجاسةً (٣)؛ لقولِه ﵇: «ما يُقطَع مِنْ البَهِيمةِ وهي حَيَّة فهُو مَيتةٌ» رَواه الترمذيُّ، وقال: حسنٌ غريبٌ (٤). ودخَل في كلامِه: ما يَتساقط مِنْ قُرونِ الوُعولِ (٥). ويُستثنى مِنْ ذلك: طريدةٌ (٦)، وولدٌ، وبيضةٌ صَلُبَ قِشرُها (٧)، وصوفٌ ونحوُه ممَّا تَقدَّم، ومِسكٌ، وفأرتُه (٨).

стр. 88

(بَابُ الاسْتِنْجَاءِ) البابُ في الأصل (١): ما يُدخَل منه إلى المقصودِ، وقد يُطلَق على الصِّنف. وهنا: اسمٌ لطائفةٍ مختصَّةٍ (٢) مِنْ العلمِ، مشتمِلَةٍ على مسائلَ، وفصولٍ غالبًا (٣)، كما تَقدَّمَت الإشارةُ إليه (٤). والاستنجاءُ: مِنْ نَجَوتُ الشجرةَ وأَنجَيتُها: إذا قَطعتها، كأنَّه يَقطع الأذَى عنه. وعُرفًا: إزالةُ خارجٍ مِنْ سبيلٍ بماءٍ أو حجرٍ ونحوِه. وأوَّلُ مَنْ اسْتَنجى بالماء إبراهيمُ ﵇ (٥). (يُسْتَحَبُّ) لِمُريدِ (٦) قضاءِ حاجةٍ (عِنْدَ) أي: قبلَ (٧) (دُخُولِ) نحوِ (خَلَاءٍ)، بالمدِّ، وهو المكانُ المُعَدُّ لقضاءِ الحاجةِ، (قَوْلُ)، بالرفعِ، نائبُ فاعلٍ «يُستحبُّ»: (بِاسْمِ اللهِ (٨))؛ لحديثِ عليٍّ يَرفعه: «سَتْرُ ما بينَ الجِنِّ وعَوراتِ بَنِي

стр. 89

آدمَ إذا دخَل الكَنِيفَ أن يَقولَ: بِاسمِ اللهِ» رَواه ابنُ ماجَه والترمذيُّ، وقال: ليس إسنادُه بالقويِّ (١). ثمَّ يَقول: (أَعُوذُ بِاللهِ) أي: أَلجأُ إليه، (مِنْ الخُبْثِ)، بإسكانِ الباءِ، أي: الشَّرِّ، (وَالخَبَائِثِ) أي: الشَّياطينِ، هذا قولُ القاضي عِياضٍ (٢)، وذكَر أنَّه أكثرُ رِواياتِ الشيوخِ؛ فكأنَّه استعاذَ مِنْ الشَّرِّ وأهلِه (٣). وقال الخطَّابيُّ (٤): الخُبُثُ بضمِّ الباءِ جمعُ «خبيثٍ»، والخبائثُ: جمعُ «خبيثةٍ»، فكأنَّه استعاذَ مِنْ ذُكرانِ الشَّياطينِ وإناثِهم (٥)، وذلك لحديثِ أنسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا دخَل الخلاءَ قال: «أَعوذُ بِاللهِ مِنْ الخُبثِ والخَبَائِثِ» (٦). (وَ) يُستحبُّ (عِنْدَ خُرُوجِهِ) أي: بعدَ خروجِ قاضي الحاجةِ مِنْ نحوِ خلاءٍ أن يَقول: (الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي)؛ لقولِ أنسٍ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خرَج مِنْ الخلاءِ قال: «الحمدُ للهِ الذي أَذهَب عنِّي الأَذَى وعافاني» رَواه ابنُ ماجَه مِنْ روايةِ إسماعيلَ بنِ مسلمٍ، وقد ضعَّفه الأكثرُ (٧).

стр. 90

(وَ) يُستحبُّ لداخلِ نحوِ خلاءٍ (تَقْدِيمُ يُسْرَى رِجْلَيْهِ دُخُولًا) أي: في حالةِ دخولهِ نحوَ الخلاءِ، فقولُه: «دخولًا» منصوبٌ على الحال، على تأويلِ «داخلًا»، كما في: جاءَ زيدٌ ركضًا، أي: راكضًا (١). (وَ) يُستحبُّ (اعْتِمَادُهُ) أي: قاضِي الحاجةِ، أي: اتِّكاؤُه (عَلَيْهَا) أي: على يُسرى (٢) رِجلَيه حالَ كَونِه (جَالِسًا) لقضاءِ حاجتِه، ويَنصِب اليُمنى، فيَضع أصابعَها على الأرضِ ويَرفع قدمَها؛ لحديثِ سُراقةَ بنِ مالكٍ قال: «أَمرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أن نَتَّكِئَ على اليُسرَى، وأن نَنصِبَ اليُمنَى» رَواه الطَّبَرانيُّ والبَيهَقيُّ (٣)، ولأنَّه أَسهلُ لخروجِ الخارجِ. (وَ) يُستحبُّ لقاضِي الحاجةِ تَقديمُ رِجلِه (اليُمْنَى خُرُوجًا) أي: خارجًا مِنْ نحوِ خلاءٍ؛ لِما روَى الحكيمُ الترمذيُّ عن أَبي هريرةَ: «مَنْ بدأَ برِجلِه اليُمنَى قبلَ يَسارِه إذا دخَل الخلاءِ ابتُلِيَ بالفقرِ» (٤)، ولأنَّ اليُسرى للأَذَى، واليُمنى لِما سِواه.

стр. 91

ومِثلُ خلاءٍ: حمَّامٌ، ومغتسَلٌ، ونحوُهما مِنْ أماكنِ الأَذَى. وذلك (عَكْسُ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ)؛ كمنزِلٍ؛ فيُقدِّم فيهما يُمناه دخولًا، ويُسراه خروجًا، ومِثلُه: لُبسُ ثَوبٍ ونَعلٍ، فيُدخل يُمنى (١) يَدَيه قبلَ اليُسرى في اللُّبسِ، ويُمنى رِجلَيه قبلَ اليُسرى في الانتِعالِ، ويَعكس في الخَلعِ. (وَ) يُستحبُّ لمريدِ قضاءِ الحاجةِ (بُعْدُهُ)، بضمِّ الباءِ، أي: إبعادُه عن العُيون إذا كان (٢) (فِي فَضَاءٍ)؛ كصحراءَ؛ لحديثِ جابرٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا أرادَ البَرازَ انطلَق حتَّى لا يَراه أَحدٌ» رَواه أبو داودَ (٣)، والبَرازُ بفتحِ الباءِ، والكسرُ قليلٌ: الفَضاءُ الواسعُ الخالِي مِنْ الشَّجرِ، وهو في الحديث (٤) كِنايةٌ عن التغوُّطِ. (وَ) يُستحبُّ (اسْتِتَارُهُ) عن ناظرٍ (٥)؛ لخبرِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «مَنْ أَتى الغائطَ فَلْيَستَتِر، فإن لم يَجِد إلَّا أن يَجمع كَثِيبًا مِنْ رملٍ فَلْيَستَتِر به؛ فإنَّ الشيطانَ يَلعب بمقاعدِ بَنِي آدمَ، مَنْ فعلَ فقد أحسنَ، ومَن لا فلا حرجَ (٦)» رَواه أبو داودَ (٧). (وَ) يُستحبُّ لمريدِ قضاءِ الحاجةِ (طَلَبُ مَكَانٍ رِخْوٍ)، بتَثليثِ الراءِ، والكسرُ أشهرُ، أي: ليِّنٍ هَشٍّ، و «طلبُ»: مضافٌ مرفوعٌ، و «مكانٍ»: مضافٌ إليه،

стр. 92

و «رخوٍ» بالجرِّ: صفةٌ ل «مكانٍ»، (لِبَوْلِهِ)؛ لخبرِ أَبي مُوسى قال: كنتُ مع النبيِّ ﷺ ذاتَ يومٍ، فأرادَ أن يَبول، فأَتى دَمِثًا في أصلِ جدارٍ فبالَ، ثمَّ قال: «إذا بالَ أَحدُكم فَلْيَرْتَدْ لِبَولِه» رَواه أحمدُ وأبو داود (١)، والمكانُ الدَّمِثُ بفتحِ الدَّالِ المهمَلةِ وكسرِ الميمِ: اللَّيِّنُ السَّهلُ، ومعنى «فَلْيَرْتَدْ لِبَولِه»: لِيَطْلُب له مكانًا ليِّنًا؛ ليَأمنَ مِنْ رَشاشِ البولِ، زادَ في «التَّبصِرَةِ»: ويَقصد مكانًا عُلْوًا. انتهى، أي: لِيَنحَدِرَ عنه البولُ. فإن لم يَجِد رخوًا؛ أَلصقَ ذكَرَه بصُلبٍ بضمِّ الصادِ المهمَلةِ، أي: شديدٍ، بمعنى وَضَع رأسَ ذكَرِه على الأرضِ برِفقٍ. (وَ) يُستحبُّ لقاضِي الحاجةِ (مَسْحُ ذَكَرِهِ بِيُسْرَى يَدَيْهِ إِذَا فَرَغَ) أي: انقطَع بَولُه، ويَبتدئُ المسحَ (مِنْ) (٢) حَلْقةِ (دُبُرِهِ إِلَى رَأْسِهِ) أي: رأسِ الذَّكَرِ، فيَضع إِصبَعَه الوُسطَى تحتَ الذَّكَرِ والإبهامَ فوقَه، ثمَّ يُمِرُّهما (٣) إلى رأسِ الذَّكَرِ، يَفعل ذلك (٤) (ثَلَاثًا) أي: ثلاثَ مرَّاتٍ (٥)؛ لِئلَّا يَبقى شيءٌ مِنْ البللِ في ذلك المحلِّ. (وَ) يُستحبُّ (نَتْرُهُ)، بالمثنَّاة الفَوقيَّةِ (٦)، أي: نَتْرُ ذكَرِه، (كَذَلِكَ) أي: ثلاثَ مراتٍ (٧)، قال في «القاموسِ»: اسْتَنْتَرَ مِنْ بولِه: اجْتذَبَه، واستخرَج بَقيَّتَه

стр. 93

مِنْ الذَّكَرِ عند الاستنجاءِ، حريصًا عليه مهتمًّا به. انتهى (١). وإذا استَنجَى في دُبُرِهِ اسْتَرخَى قليلًا، ويُواصل صَبَّ الماءَ حتَّى يَنقَى ويَتنظَّف (٢). (وَ) يُستحبُّ (تَحَوُّلُهُ) أي: انتقالُه عن محلِّ قضاءِ الحاجةِ إلى موضعٍ آخَرَ (لِيَسْتَنْجِيَ) فيه (إِنْ خَشِيَ) أي: خافَ (تَلُوُّثًا) أي: تنجُّسًا باستنجائِه بمحلِّ قضاءِ الحاجةِ. (وَيُكْرَهُ دُخُولُهُ) أي: نحوِ الخلاءِ (بِمَا فِيهِ ذِكْرُ اللهِ) تَعالى، غيرَ مُصحَفٍ فيَحرم. قال المصنِّفُ: قلتُ: وبعضُ المُصحفِ كالمُصحفِ. انتهى (٣). لأنَّه (٤) حُكمُه في حرمةِ مسِّ المحدِثِ له، كما سيَأتي. فيَحرم أن يَصحَبه معه عند قضاءِ الحاجةِ، ولو ملفوفًا بحائلٍ إذا كان

стр. 94

ذلك (١) (بِلَا حَاجَةٍ) (٢)؛ لحديثِ أنسٍ: «كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا دخَل الخلاءَ نزَع خاتَمَه» رَواه الخمسةُ إلَّا أحمدَ، وصحَّحه الترمذيُّ (٣)، وقد صحَّ: «أنَّ نقشَ خاتَمِه: محمَّدٌ رسولُ اللهِ» (٤). فإن احتاجَ إلى حملِ ما فيه ذِكرُ اللهِ تَعالى (٥)، بأن لم يَجِد مَنْ يَحفظه، وخافَ ضَياعَه؛ فلا بأسَ، قال في «المبدعِ»: حيثُ أَخفَاه. انتهى (٦). ويُؤيِّده قولُهم: ويَجعل (٧) فَصَّ خاتمٍ عليه اسمُ اللهِ احتاجَ (٨) إلى الدخول به؛ في باطنِ كفِّه اليُمنى، أي: لِئلَّا يُلاقيَ النَّجاسةَ أو يُقابلَها. قال في «المبدعِ»: ويَتوجَّه أنَّ اسمَ الرَّسولِ كذلك، وأنَّه لا يَختصُّ بالبُنيانِ (٩). انتهى (١٠). ويُستثنى مِنْ ذلك: نحو دراهمَ وحِرْزٍ فيها ذِكرُ اللهِ، فلا بأسَ به؛ للمشقَّةِ (١١). (وَ) يُكره (رَفْعُ ثَوْبِهِ) إن بالَ قاعدًا (قَبْلَ دُنُوِّهِ) أي: قُربِه (مِنْ أَرْضٍ) بلا

стр. 95

حاجةٍ، بأن لم يَخَف أن يَسبِقه البولُ (١)، فيَرفع ثوبَه شيئًا فشيئًا، فإذا قامَ أَسبَله عليه قبلَ انتصابِه. قال في «المبدعِ»: (ولعلَّه يَجب إن كان ثَمَّ مَنْ يَنظره) (٢) أي: لا نحوُ زوجةٍ. ولا بأسَ ببَوله قائمًا، ولو بلا حاجةٍ، إن أَمِن تَلويثًا وناظرًا (٣). (وَ) يكره لداخلِ نحوِ خلاءٍ (كَلَامٌ فِيهِ) مطلقًا، أي: سواءٌ كان ذلك الكلامُ (٤) مباحًا خارجَه، أو مندوبًا؛ كذِكرِ اللهِ تَعالى، ولو سلامًا أو رَدَّه؛ لِما روَى ابنُ عمرَ قال: «مرَّ بالنبيِّ ﷺ رجلٌ فسلَّم عليه وهو يَبول، فلم يَرُدَّ عليه» رَواه مسلمٌ وأبو داودَ (٥)، وقال: يُروى أنَّ النبيَّ ﷺ تَيمَّم ثمَّ ردَّ على الرَّجُل السَّلامَ (٦). لكنْ يَجب على داخلِ نحوِ الخلاءِ تَحذيرُ معصومٍ عن هلَكةٍ؛ كأعمَى وغافلٍ يُحذِّرهما عن نحوِ بئرٍ أو حيَّةٍ؛ لأنَّ مراعاةَ حِفظِ المعصومِ أهمُّ. فإن عطَس أو سَمِع أذانًا؛ حَمِد اللهَ، وأجابَ بقَلبِه، ثمَّ يَقضي الأذانَ بلِسانِه إذا فرَغ.

стр. 96

وتَحرم القراءةُ وهو متوجِّهٌ على حاجتِه (١). (وَ) يكره (بَوْلُهُ (٢) فِي نَحْوِ شَقٍّ (٣))، بفتحِ الشِّينِ المُعجَمةِ، ونحوه: سَرَبٌ (٤)، بفتح السِّين والراء المهملتين، وهو ما يتَّخذه الدَّبيب والهوامُّ بيتًا في الأرض؛ لما روى قتادة عن عبد الله بن سَرْجِس قال: «نهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن يُبال في الجُحْر»، قالوا لقتادةَ: ما يُكره مِنْ البول في الجُحْرِ؟ قال: يُقال إنَّها (٥) مَساكنُ الجنِّ. رَواه أحمدُ وأبو داودَ (٦). ومِثلُ السَّرَبِ: ما يُشبهه، ولو فمَ بالوعةٍ.

стр. 97

(وَ) يكره (مَسُّ فَرْجِهِ بِيَمِينِهِ)، في حالِ البولِ وغيرِه؛ لخبرِ أَبي قتادةَ يَرفعه: «لا يُمسِكنَّ أَحدُكم ذَكَرَه بِيَمينِه وهو يَبول، ولا يَتمسَّحْ مِنْ الخلاءِ بِيَمينِه» متَّفق عليه (١)، وغيرُ حالِ البولِ مِثلُه وأَولى (٢)؛ لأنَّ وقتَ البولِ مَظِنَّةُ الحاجةِ، فغيرُه أَولى. وكذا يُكره مسُّ فَرْجٍ أُبيح له مَسُّه بيَمينِه؛ كزوجتِه وأَمَتِه ومَن دونَ سبعٍ؛ تشريفًا لليُمنى. (وَ) يُكره أيضًا (اسْتِنْجَاؤُهُ بِهَا) أي: بيَمينِه (بِلَا عُذْرٍ)؛ كما لو قُطِعَت يُسراه، أو شَلَّت، أو جُرِحَت. فإن عجَز عن الاستنجاءِ بيَدَيه وأَمكَنه برِجلِه أو غيرِها؛ فعَل، وإلَّا فإن أَمكَنه بنحوِ زوجةٍ؛ لَزِمَه، وإلَّا تَمسَّح بأرضٍ أو خشبةٍ ما أَمكَن، فإن عجَز صلَّى على حسَبِ حالِه، وإن (٣) قدَر على شيءٍ مِنْ ذلك بعدُ لم يُعِد. ذكَرَه ابنُ عبدِ الهادي في «مُغنِيه» بمَعناه (٤). قال المصنِّفُ: قلتُ: بل متى قَدَر عليه ولو بأجرةٍ يَقدِر عليها؛ لَزِمَه، ولو مِمَّنْ لا يَجوز له نظرُه؛ لأنَّه محلُّ حاجتِه. انتهى (٥). وهو معنى كلامِ «الإقناعِ» حيثُ كانَت الأجرةُ التي يَقدر عليها مِنْ غيرِ إضرارٍ، لكنْ لم يَذكر في «الإقناع» جوازَ النَّظرِ (٦). (وَ) يُكره حالَ قضاءِ الحاجةِ (اسْتِقْبَالُ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ) بلا حائلٍ (٧)؛ لِما

стр. 98

فيهما مِنْ نورِ اللهِ تَعالى، وقد رُوي: أنَّ معهما ملائكةً، وأنَّ أسماءَ اللهِ تَعالى مكتوبةٌ عليهما (١). (وَحَرُمَ) على قاضي الحاجةِ (٢) (لُبْثُهُ) في نحوِ خلاءٍ زمنًا (فَوْقَ حَاجَتِهِ) أي: زائدًا عليها، ولو في ظُلمةٍ؛ لأنَّه كشفُ عورةٍ بلا حاجةٍ، ومُضرٌّ عندَ الأطباءِ، حتى قيل: إنَّه يُدمي الكبدَ، ويُورِث الباسورَ. (وَ) حَرُم (بَوْلُهُ وَتَغَوُّطُهُ بِطَرِيقٍ) مسلوكٍ (٣)؛ لحديثِ أَبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «اتَّقُوا اللَّاعِنَينِ» قالوا: وما اللَّاعنان؟ قال: «الذي يَتخلَّى في طريقِ النَّاسِ أو ظِلِّهم» رَواه مسلمٌ (٤). (أَوْ) أي: وحَرُم بولُه وتغوُّطُه ب (ظِلٍّ نَافِعٍ)؛ لِما تَقدَّم، وإضافةُ الظِّلِّ في الحديثِ إليهم دليلٌ على إرادةِ المُنتفَعِ به. ومِثلُه: مُتشمَّسٌ (٥) زمنَ الشِّتاءِ، ومُتحدَّثٌ، لا بنحوِ غيبةٍ، وإلَّا فيفرِّقهم بما يَستطيع. (أَوْ) أي: وحَرُم بولُه وتغوُّطُه ب (مَوْرِدِ مَاءٍ) أي: محلِّ وُرُودِ النَّاسِ للماء؛ لحديثِ معاذٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «اتَّقُوا المَلاعِنَ الثَّلاثَ (٦): البَراز في المَوارد، وقارعةِ الطَّريقِ، والظِّلِّ» رَواه أبو داودَ وابنُ ماجَه (٧).

стр. 99

(وَ) حَرُم بولُه وتغوُّطُه (تَحْتَ شَجَرٍ) أي: جِنسِه، إن كان الشجرُ (١) (عَلَيْهِ ثَمَرٌ) يُقصد، ولو غيرَ مأكولٍ كالقُطنِ؛ لأنَّه يُفسده (٢)، فإن لم يَكُنْ عليه ثمرٌ؛ جازَ إن لم يَكُنْ له ظلٌّ نافعٌ؛ لأنَّ أثرَه يَزول بمَجيءِ المطرِ قبلَ مَجيءِ الثَّمرِ. وأجابَ بعضُهم عن بولِه ﵇ تحتَ الأشجارِ والنَّخلِ (٣): بأنَّ الأرضَ تَبلَع فَضْلَتَه ﷺ (٤). قلت: بل علَّةُ المنعِ (٥) مفقودةٌ مِنْ أصلِها؛ لطهارةِ فَضَلاتِه ﷺ (٦). وحَرُم حالَ بولٍ وغائطٍ استقبالُ قِبلةٍ واستِدبارُها في فضاءٍ، ويَكفي انحرافُه، وحائلٌ ولو كمُؤْخِرَةِ رَحْلٍ (٧)، وإرخاءُ ذَيلِه، واستِتارٌ بدابَّةٍ.

стр. 100

(وَ) إذا انقطع بولُه ومسَح ذَكرَه كما تَقدَّم؛ فإنَّه (يَسْتَجْمِرُ) ندبًا بنحوِ حجرٍ، (ثُمَّ يَسْتَنْجِي (١)) بالماءِ بعدَه؛ لقولِ عائشةَ للنساءِ: «مُرْنَ أزواجَكنَّ أن يُتبِعوا الحجارةَ الماءَ؛ فإنِّي أَستَحيِيهم (٢)، وإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَفعلُه» رَواه أحمدُ، والنَّسائيُّ، والترمذيُّ وصحَّحه (٣)، ولأنَّه أبلغُ في الإنقاءِ، فإن عكَس؛ بأن استَنجى، ثم استَجمر؛ كُرِه (٤). وإن استَجمر في فَرْجٍ، واستَنجى في آخَرَ؛ فلا بأسَ. ولا يُجزِئ استجمارٌ في قُبُلَي خُنثَى مشكِلٍ، ومَخرجٍ غيرِ فرجٍ (٥). (وَيُجْزِئُ) المتخلِّيَ (أَحَدُهُمَا) أي: الاستجمارُ أو الاستنجاءُ، فيَكفي استجمارٌ ولو مع قدرةٍ على ماءٍ؛ لحديثِ جابرٍ مرفوعًا: «إذا ذهَب أَحدُكم إلى الغائطِ فَلْيَسْتَطِبْ بثلاثةِ أحجارٍ؛ فإنَّها تُجزِئُ عنه» رَواه أحمدُ وأبو داود (٦).

стр. 101

والماءُ أفضلُ مِنْ الحجرِ، وجَمعُهما أفضلُ مِنْ الماء. (إِلَّا إِذَا جَاوَزَ) أي: تَعدَّى (الخَارِجُ)، بالرفعِ، الموضعَ (المُعْتَادَ)، بالنَّصب، كأنْ يَنتشر الخارجُ على شيءٍ مِنْ الصَّفحةِ، أو يَمتدَّ إلى الحَشَفةِ امتدادًا غيرَ معتادٍ؛ (فَيَجِبُ المَاءُ) للمُتعدِّي فقَط؛ لأنَّ الاستجمارَ في المعتادِ رخصةٌ؛ لمشقَّةِ غَسلِه؛ لتكرُّرِ نَجاستِه، فما لا يَتكرَّر لا يُجزِئ فيه إلّا الماءُ. ويُجزِئ استجمارٌ في محلِّ العادةِ، كما لو لم يَكُنْ غيرُه (١). (وَلَا يَصِحُّ اسْتِجْمَارٌ إِلَّا بِطَاهِرٍ)، جامدٍ، (مُبَاحٍ، مُنْقٍ (٢))؛ كحَجرٍ وخَشبٍ وخِرَقٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ سُئِل عن الاستِطابةِ فقال: «بثلاثةِ أحجارٍ ليس فيها رَجيعٌ» (٣)، فلَولا أنَّه أرادَ الحجرَ وما في مَعناه لم يَسْتَثْن الرَّجيعَ، ولِمشارَكةِ غيرِ الحجرِ الحجرَ (٤) في الإزالةِ.

стр. 102

وفُهِم منه: أنَّه لا يصحُّ استجمارٌ بنَجسٍ، ولا بغيرِ جامدٍ؛ كرِخوٍ ونَديٍّ (١)؛ لأنَّه لا يَحصل به المقصودُ، ولا بما لا يُنقِي (٢)؛ كالأَملَسِ مِنْ نحوِ زجاجٍ، ولا بمغصوبٍ. (غَيْرَ عَظْمٍ وَرَوْثٍ)، فلا يُجزِئ استجمارٌ بهما؛ لقولِه ﵇: «لا تَسْتَنجُوا (٣) بالرَّوثِ ولا بالعظامِ؛ فإنَّه زادُ إخوانكُم الجنِّ» رَواه مسلمٌ (٤). (وَ) غيرَ (طَعَامٍ) ولو لبَهيمةٍ، فلا يُجزِئ استجمارٌ به؛ لأنَّه ﵇ علَّل المنعَ مِنْ الرَّوثِ والعظامِ: بأنَّه زادُ الجنِّ، فزادنُا وزادُ بَهائمِنا أَولى. وغيرَ (٥) ما له حرمةٌ؛ ككُتبِ علمٍ، وما فيه ذِكرُ اللهِ تَعالى. وغيرَ متَّصلٍ بحيوانٍ؛ كيَدِه وجِلدِه وصُوفِه؛ لحُرمةِ الحيوانِ. وغيرَ جِلدِ سمكٍ وحيوانٍ مُذكًّى. (وَيُشْتَرَطُ) لصحَّةِ استجمارٍ: (ثَلَاثُ مَسَحَاتٍ)، فلا يُجزِئ أقلُّ منها؛ لقولِه ﵇: «فَلْيَذهب معه بثلاثةِ أحجارٍ» رَواه أبو داودَ (٦)، ولقولِ سلمانَ: «نَهانا رسولُ اللهِ ﷺ أن نَستنجيَ بأقلَّ مِنْ ثلاثةِ أحجارٍ» رَواه مسلمٌ (٧).

стр. 103

(مُنْقِيَةٍ) أي: مُزيلةٍ لعينِ الخارجِ، حتَّى لا يَبقى إلّا أثرٌ لا يُزيله إلّا الماءُ، فهذا (١) هو الإنقاءُ بنحوِ الأحجارِ. وأمَّا الإنقاءُ بالماء: فعَوْدُ خُشونةِ المحلِّ كما كان، وظنُّه (٢) كافٍ. ويَكون الاستجمارُ إمَّا بحجرٍ ذي شُعَبٍ، أو بثلاثةِ أحجارٍ، (تَعُمُّ كُلُّ مَسْحَةٍ) مِنْ الثلاثِ وجوبًا جميعَ (المَحَلِّ) أي: الدُّبُرِ والصَّفحتَين، (فَإِنْ لَمْ تُنْقِ) المَسَحاتُ الثلاثُ؛ (زَادَ) وجوبًا حتى يَنْقَى المحلُّ. (وَيُسْتَحَبُّ قَطْعُهُ) أي: الاستجمارِ (عَلَى وِتْرٍ) إن زادَ على الثلاثِ، فلَو أَنقَى برابعةٍ؛ زادَ خامسةً، أو أَنقَى بسادسةٍ؛ زادَ سابعةً، وهكذا؛ لقولِه ﵇: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» متَّفق عليه (٣). (وَيَجِبُ) استنجاءٌ أو استجمارٌ (لِكُلِّ خَارِجٍ) مِنْ سبيلٍ، معتادًا كان الخارج

стр. 104

كالبولِ، أو لا كالمَذيِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، لأنَّه يَعمُّ كلَّ مكانٍ ومحلٍّ مِنْ ثوبٍ وبدنٍ، ولقولِه ﵇: «إذا ذهَب أَحدُكم إلى الغائطِ فَلْيَذهب بثلاثةِ أحجارٍ فإنَّها تُجزِئُ عنه» رَواه أبو داودَ (١)، والأمرُ للوجوبِ، وقال: «إنَّها تُجزِئُ»، ولفظُ: «الإجزاءِ» ظاهرٌ فيما يَجب. (غَيْرَ رِيحٍ)؛ لقولِه ﵇: «مَنْ اسْتَنجَى مِنْ ريحٍ فلَيس مِنَّا» رَواه الطَّبرانيُّ في «مُعجَمِه الصَّغيرِ» (٢)، قال الإمامُ أحمدُ ﵀: (ليس في الرِّيح استنجاءٌ في كتابِ اللهِ، ولا في سنَّةِ رسولِه) (٣). وهي طاهرةٌ، فلا تنجِّس ماءً يسيرًا لاقَتْه. (وَ) غيرَ خارجٍ (طَاهِرٍ)؛ كمَنيٍّ، ووَلدٍ بلا دَمٍ. (وَ) غيرَ (مَا) أي: خارجٍ (لَا يُلَوِّثُ) أي: لا يَنفصل منه أثرٌ في المحلِّ يُزيله الحجرُ؛ كالبَعْرِ النَّاشفِ، فلا يَجب الاستنجاءُ مِنْ ذلك (٤). (وَلَا يَصِحُّ وُضُوءُ) مَنْ لَزِمَه استنجاءٌ قَبلَه، (وَلَا) يصحُّ (تَيَمُّمٌ) عن حدثٍ أو نجاسةٍ مِمَّنْ لَزِمَه استنجاءٌ (قَبْلَهُ) أي: قبلَ الاستنجاءِ (٥) أو الاستجمارِ، وذلك لقولِه ﵇ في حديثِ المِقدادِ المتَّفَقِ عليه: «يَغسِلُ ذَكَرَه ثُمَّ يَتوضَّأ» (٦)، فأتَى ب «ثُمَّ» المفيدةِ للتَّرتيبِ.

стр. 105

(بَابٌ) بالتنوينِ، أي: هذا بابٌ للسِّواكِ وغيرِه السِّواكُ والمِسْواكُ بكَسرِ أوَّلِهما: اسْمانِ للعُودِ الذي يُتسوَّك به، ويُطلق السِّواكُ على التسوُّكِ. وهو شرعًا: استعمالُ عُودٍ في أسنانٍ ولِثَةٍ ولسانٍ. (يُسَنُّ التَّسَوُّكُ) كلَّ وقتٍ، قال في «المبدعِ»: (اتَّفق العلماءُ على أنَّه سنَّةٌ مؤكَّدةٌ؛ لحثِّ الشارعِ ومواظبتِه عليه، وتَرغيبِه فيه، يُوضِّحه ما روَت عائشةُ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «السِّواكُ مَطْهَرةٌ لِلفَمِ، مَرْضاةٌ للرَّبِّ» رَواه الشافعيُّ وأحمدُ وابنُ خُزيمةَ، والبخاريُّ تعليقًا (١)) (٢). ويُستثنى مِنْ ذلك الصَّائمُ (٣)؛ ففِيه تفصيلٌ يأتي. ويَستاك (عَرْضًا) بالنِّسبة إلى الأَسنان؛ لِما في «مَراسيلِ أَبي داودَ»: «إذا اسْتَكْتُمْ فاسْتَاكُوا عَرْضًا» (٤)، ولأنَّ الاستِياكَ طُولًا قد يُدمِي اللِّثَةَ ويُفسد الأسنانَ، وقد قِيل (٥): إنَّه استياكُ الشَّيطانِ.

стр. 106

وفي «الشَّرحِ الكبيرِ» (١): إن اسْتاكَ على لسانِه أو حَلقِه؛ فلا بأسَ أن يَستاك طُولًا؛ لخبرِ أَبي مُوسى (٢). (بِيُسْرَاهُ)، نَقلَه حَربٌ (٣)، كانْتِثارِه، وحديثُ عائشةَ: «كان النبيُّ ﷺ يُحبُّ التَّيامُنَ ما استطاعَ، في طُهورِه وتَرجُّلِه وتَنعُّلِه وسِواكِه» (٤) قد يُحمَل على أنَّه كان يَبدأ بشِقِّ فَمِه الأيمنِ. (بِعُودٍ لَيِّنٍ (٥))، يابسٍ أو رطبٍ، واليابسُ المُندَّى أَولى (٦)، (مِنْ نَحْوِ أَرَاكٍ)؛ كعُرجونٍ وزَيتونٍ، مُنْقٍ، لا يَجرح، ولا يَضرُّ، ولا يَتفتَّت. وكُرِه بما يَجرح أو يَضرُّ أو يَتفتَّت. (وَيُكْرَهُ) التَسوُّك (لِصَائِمٍ) ولو واصلَ (٧) الصَّومَ، (بَعْدَ الزَّوَالِ)، بيابسٍ أو رَطبٍ (٨)؛ لحديثِ أَبي هريرةَ يَرفعه: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائمِ أَطيَبُ عندَ اللهِ مِنْ ريحِ

стр. 107

المسكِ» متَّفق عليه (١)، وهو إنَّما يَظهر غالبًا بعدَ الزَّوالِ، فاختصَّ الحكمُ به. فإن قِيل: لِم وُصِف دَمُ الشَّهيدِ بريحِ المسكِ بلا زيادةٍ، وخُلوفُ فَمِ الصَّائم بأنَّه أطيبُ ريحًا منه، مع أنَّ الجهادَ أفضلُ مِنْ الصَّومِ؟ أُجيب: بأنَّ الدَّمَ نَجسٌ، فغايتُه أن يُرفع إلى أن يَصير طاهرًا، بخلافِ الخُلوفِ. ويُسنُّ السِّواكُ للصَّائمِ بيابسٍ قبلَ الزَّوالِ؛ لقولِ عامرِ بنِ ربيعةَ: «رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ما لا أُحصي (٢) يَتسوَّك وهو صائمٌ» رَواه أحمدُ وأبو داودَ، والترمذيُّ وحسَّنه، والبخاريُّ تعليقًا (٣)، وقالَت عائشةُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مِنْ خَيرِ خِصالِ الصَّائمِ السِّواكُ» رَواه ابنُ ماجَه (٤)، وهُما مَحمولان على ما قبلَ الزَّوالِ؛ لِما روَى البيهقيُّ بإسنادِه عن عليٍّ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إذا صُمتُم فاسْتَاكُوا بالغَداةِ، ولا تَستاكُوا بالعشِيِّ» (٥). ويُباح له برَطبٍ قبلَه.

стр. 108

(وَيَتَأَكَّدُ) التَّسوُّكُ (١)، أي: يَزداد طلبُه وفَضيلتُه (٢) (عِنْدَ صَلَاةٍ (٣))؛ لحديثِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «لَولَا أنْ أَشُقَّ على أمَّتي لَأَمَرْتُهم بالسِّواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ» رَواه الجماعةُ (٤)، يعني أمرَ إيجابٍ؛ لحديثِ أحمدَ: «لَولَا أنْ أَشُقَّ على أمَّتي لَفَرَضْتُ عليهم السِّواكَ» (٥)، قال الشافعيُّ: لو كان واجبًا لَأمرَهم به، شقَّ أو لم يَشُقَّ (٦). (وَ) يَتأكَّد عندَ (انْتِبَاهٍ) مِنْ نومِ ليلٍ أو نهارٍ؛ لقولِ عائشةَ: «كان النبيُّ ﷺ لا يَرقدُ مِنْ ليلٍ أو نهارٍ فيَستيقظُ إلَّا تَسوَّك قبلَ أنْ يَتوضَّأ» رَواه أحمدُ (٧). (وَ) يَتأكَّد عندَ (تَغَيُّرِ) رائحةِ (فَمٍ) بأكلٍ أو غيرِه، وعندَ وُضوءٍ، وقراءةٍ، ودخولِ مسجدٍ ومنزلٍ، وإطالةِ سكوتٍ، وخُلوِّ مَعِدةٍ مِنْ طعامٍ، واصفرارِ أسنانٍ. (وَيَبْتَدِئُ) المتسوِّكُ نَدبًا (٨) (بِجَانِبِ فَمِهِ الأَيْمَنِ)؛ لحديثِ عائشةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُحِبُّ التَّيامُنَ في تَنعُّلِه، وتَرجُّلِه، وطُهورِه، وفي شأنِه كلِّه» متَّفق عليه (٩).

стр. 109

مِنْ ثَنايا الجانبِ الأيمنِ إلى أَضراسِه؛ قاله في «المُطلِعِ» (١)، وجزَم به في «الإقناعِ» (٢). وقال الشِّهابُ الفُتوحيُّ (٣) في قِطعتِه على «الوجيزِ»: يَبدأ مِنْ أَضراسِ الجانبِ الأيمنِ. (وَيَدَّهِنُ) نَدبًا في بَدنٍ وشَعرٍ (غِبًّا (٤)) أي: يَفعله يومًا، ويَتركه يومًا؛ لأنَّه «﵇ نهَى عن التَّرجُّلِ (٥) إلّا غِبًّا» رَواه النَّسائيُّ، والتِّرمذيُّ وصحَّحه (٦)، والتَّرجلُ (٧): تَسريحُ الشَّعرِ ودَهْنُه. ولِحيةٌ كرأسٍ. (وَيَكْتَحِلُ) نَدبًا كلَّ ليلةٍ بإِثْمِدٍ مُطيَّبٍ بمِسكٍ، (وِتْرًا)، في كلِّ عينٍ ثلاثًا (٨)

стр. 110

قبلَ النَّوم؛ لِما روَى ابنُ عبَّاسٍ عن النبيِّ ﷺ : «أنَّه كان يَكتحل بالإثمِدِ كلَّ ليلةٍ قبلَ أن يَنام، وكان يَكتحل في كلِّ عينٍ ثلاثةَ أميالٍ» رَواه أحمدُ (١) (٢). (وَيَجِبُ خِتَانُ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) وخُنثَى مشكِلٍ؛ لقولِه ﷺ لرَجلٍ أَسلَم: «أَلْقِ عنكَ شَعرَ الكُفرِ واخْتَتِنْ» رَواه أبو داودَ (٣). وفي قولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا الْتَقى الخِتانانِ وجَب الغُسلُ» (٤) دليلٌ على أنَّ
следующие страницы →