← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وبإبهامِ اليُسرى إلى خِنصرِها؛ فهو بخِنصرٍ، مِنْ خنصرٍ، إلى خِنصرٍ. (وَتَيَامُنٌ)، فيُقدِّم اليُمنى على اليُسرى، حتى بينَ كفَّي قائمٍ مِنْ نومِ ليلٍ، وبينَ أُذنَين، كما قدَّمه في «الإقناع» عن الزَّركشيِّ (١)، وقال الأَزَجيُّ (٢): يَمسحهما معًا. (وَدَلْكُ) ما يَنْبُو عنه الماءُ. (وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلأُذُنَينِ)، غيرِ ماءِ الرَّأسِ (٣). (وَغَسْلَةٌ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ، وَكُرِهَ) زيادةٌ (فَوْقَهَا) أي: الثالثةِ؛ لقولِه ﷺ في حديثِ عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أَبيه عن جدِّه، لمَّا سُئِل عن الوضوء، فأَراه ثلاثًا ثلاثًا: «فمن زادَ على هذا أو نقَص فقَد أساءَ وتَعدَّى وظلَم (٤)» رَواه أبو داودَ (٥)،

стр. 142

وتكلَّم مسلمٌ على قولِه: «أَوْ نقَص»، وأوَّلَه البَيهقيُّ على نُقصانِ العضوِ (١)، واستحسنَه الذَّهبيُّ (٢). (فصل) فِي مَسْحِ الخُفَّين وغيرِهما وذكَره في بابِ الوضوءِ؛ لأنَّه بدلٌ عن غَسلِ أو مسحِ ما تحتَه. ومسحُ الخُفَّين وما في معناهما (٣) رخصةٌ (٤)، وأفضلُ مِنْ غَسلٍ؛ لأنَّه ﵇

стр. 143

وأصحابُه إنَّما طلَبُوا الأفضلَ، وفيه (١) مخالفةُ أهلِ البدعِ، ولحديثِ: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ أن يُؤخَذ برُخَصِه» (٢). ويرفعُ الحدثَ، ولا يُسنُّ أن يَلبس ليَمسح. (يَصِحُّ المَسْحُ عَلَى خُفٍّ) في رِجلَيه؛ لثبوتِه بالسُّنَّة الصَّريحةِ، قال ابنُ المباركِ: (ليس فيه خلافٌ) (٣)، وقال الحسنُ: (روَى المسحَ سبعون نَفْسًا، قولًا وفعلًا منه ﵊ (٤)، وقال الإمامُ أحمدُ ﵀: (ليس في قلبي مِنْ المسح على الخُفَّين شيءٌ أي: شكٌّ (٥)، فيه أربعون حديثًا عن النبيِّ ﷺ (٦). قال في «المبدِعِ»: (ومِن أُمَّهاتها (٧) حديثُ جريرٍ قال: «رأيتُ النبيَّ ﷺ بالَ، ثمَّ تَوضَّأ، ومسَح على خُفَّيه»، قال إبراهيمُ النَّخَعيُّ: فكان يُعجبهم ذلك؛ لأنَّ إسلامَ جريرٍ كان بعدَ نزولِ المائدةِ. متَّفق عليه (٨)، فليس منسوخًا بالآيةِ) (٩). وقد استَنبطَه بعضُهم مِنْ القرآنِ، فحمَل قراءةَ النَّصبِ على الغَسلِ، وقراءةَ

стр. 144

الجرِّ على المسحِ؛ لِئلَّا تَخلو إحداهُما عن فائدةٍ. (وَ) يصحُّ المسحُ على (نَحْوِهِ) أي: نحوِ الخُفِّ؛ كجُرْمُوقٍ (١) خُفٍّ قصيرٍ، وجَوْرَبٍ (٢) صَفيقٍ، مِنْ صوفٍ أو غيرِه، ولو غيرَ مُجلَّدٍ أو مُنعَّلٍ. وللمسحِ على الخُفِّ ونحوِه شروطٌ، أشارَ إلى بعضِها بقولِه: (مُبَاحٍ) بالجرِّ، صفةٌ ل «خفٍّ»؛ لأنَّ المسحَ رخصةٌ، فلا تُستباح بالمعصية، فلا يصحُّ على مغصوبٍ وحريرٍ، ولو في ضرورةٍ؛ كخوفِ سقوطِ أصابعٍ بثلجٍ، لكن يُباح حريرٌ لأُنثى فقط. (سَاتِرٍ لِمَحَلِّ فَرْضٍ)، وهو القدمُ كلُّه، وإلّا فحُكمُ ما اسْتَتر المسحُ، وما ظهَر الغَسلُ، ولا يُجمع بينهما، فوجَب الغَسلُ؛ لأنَّه الأصلُ. (يَثْبُتُ) الخفُّ ونحوُه في الرِّجلِ (بِنَفْسِهِ) مِنْ غيرِ شدٍّ؛ إذ الرُّخصةُ (٣) ورَدَت في المعتادِ، وما لا يَثبت غيرُ معتادٍ، لكن لو ثبَت بنَعلَين؛ صحَّ المسحُ إلى خلعِهما (٤)، ويَمسح (٥) على سُيورِ النَّعلَين، وما ظهَر مِنْ الخفِّ. وإذا ثبَت بنفسِه، لكنْ يَبدو بعضُه لولا شدُّه أو شَرْجُه؛ كزُربُولٍ (٦) له ساقٌ؛ صحَّ المسحُ عليه.

стр. 145

ومِن شرطِ الخفِّ ونحوِه أيضًا: إمكانُ مشيٍ فيه عرفًا، ولو لم يكن معتادًا؛ كلِبدٍ وخشبٍ. وطهارةُ عَينِه. وألّا يَصِف القدمَ لصفائِه كزجاجٍ رقيقٍ أو خِفَّتِه (١). (وَ) يصحُّ المسحُ (عَلَى عِمَامَةٍ)؛ لقولِ عمرِو بنِ أُميَّةَ: «رأيتُ النبيَّ ﷺ مسَح على عِمامتِه وخُفَّيه» رَواه البخاريُّ (٢). (مُحَنَّكَةٍ) وهي التي يُدار منها تحتَ الحَنكِ كَورٌ بفتح الكافِ أو كَوْران، وإن لم يَكُنْ لها ذُؤابةٌ. (أَوْ) أي: وعلى عمامةٍ (ذَاتِ) أي: صاحبةِ (ذُؤَابَةٍ)، بضمِّ المعجَمةِ بعدَها همزةٌ مفتوحةٌ، وهي طرفُ العمامةِ المُرخَى، وإن لم تَكُنْ محنَّكةً، قال الإمامُ أحمدُ في روايةِ الأثرمِ وغيرِه: (يَنبغي أن يَرخي خلفَه مِنْ عمامتِه، كما جاءَ عن ابنِ عمرَ: «أنه كان يَعتمُّ ويُرخيها بينَ كَتِفَيه») (٣)، وعن ابنِ عمرَ قال: «عمَّم النبيُّ ﷺ عبدَ الرحمنِ (٤) بعمامةٍ سوداءَ، وأَرخاها مِنْ خَلفِه قَدْرَ أربعِ أصابعَ» (٥).

стр. 146

فلا يصحُّ المسحُ على عمامةٍ صمَّاءَ. (سَاتِرَةٍ)، بالجرِّ، صفةٌ بعدَ صفةٍ ل «عمامةٍ»، يَعني: أنَّه لا بدَّ في العمامة مِنْ أن تكون ساترةً (لِلمُعْتَادِ) سَترُه مِنْ الرَّأس، فلا يَضرُّ كشفُ مقدَّمِ الرَّأسِ والأُذنَين وجوانبِ الرَّأسِ. ولا بدَّ مِنْ كَونِها (لِرَجُلٍ (١))، المرادُ به الذَّكرُ، كبيرًا كان أو صغيرًا، فلا يصحُّ مسحُ أُنثى وخُنثى عليها، ولو لَبِساها لضرورةٍ نحوِ بردٍ. ولا بدَّ مِنْ كَونِها مباحةً أيضًا، فلا يصحُّ المسحُ (٢) على مغصوبةٍ وحريرٍ. (وَ) يصحُّ المسحُ على (خُمُرِ نِسَاءٍ (٣))، جمعُ «خِمارٍ»؛ ككِتابٍ وكُتُبٍ، وهو ثوبٌ تغطِّي به المرأةُ رأسَها، (مُدَارَةٍ) تلك الخُمرُ (تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ) أي: النِّساءِ؛ لأنَّ «أمَّ سلمةَ ﵂ كانت تَمسح على خِمارِها» ذكَره ابنُ المنذِرِ (٤). فلا يَجوز المسحُ على الوقايةِ؛ لأنَّها كطاقيَّةِ الرَّجلِ، لأنَّه (٥) لا يَشقُّ نزعُ

стр. 147

واحدةٍ منهما (١). وإنَّما يصحُّ المسحُ على جميعِ ما تَقدَّم (فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ)، لا أكبرَ؛ لحديثِ صفوانَ قال: «أَمرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أن لا نَنْزِع خِفافَنا ثلاثةَ أيَّامٍ ولَياليهنَّ إلّا مِنْ جَنابةٍ» (٢). وقولُه (٣): (يَوْمًا وَلَيْلَةً): ظَرفان للمسحِ، يَعني: أنَّه يصحُّ المسحُ على الخفِّ ونحوِه وعلى العمامةِ (٤) والخُمُرِ مدَّةَ يومٍ وليلةٍ (لِمُقِيمٍ) وعاصٍ بسفرِه، أو دونَ المسافةِ، (وَثَلَاثَةَ) أيَّامٍ (بِلَيَالِيهِنَّ بِسَفَرِ قَصْرٍ) أي: في سفرٍ تُقصر فيه الصَّلاةُ، بأن كان مباحًا، مسافتُه يَومان فأكثرُ، كما سيَجيء في بابِه، وذلك لِما روَى شُريحُ بنُ هانئٍ قال: سألتُ عائشةَ عن المسحِ على الخُفَّين، فقالت: سَلْ عليًّا؛ فإنه كان يُسافر مع النبيِّ ﷺ ، فسألتُه فقال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «للمسافرِ ثلاثةَ أيَّامٍ ولياليهنَّ، وللمُقيمِ يومًا وليلةً» رَواه مسلمٌ (٥). ويَخلع عندَ انقضاءِ المدَّةِ، فإن خافَ أو تَضرَّر رَفيقُه بانتظارِه؛ تَيمَّم، فلَو مسَح وصلَّى؛ أعادَ، نصَّ عليه (٦). ويَمسح المدَّةَ المذكورةَ، ولو نحوَ مستحاضةٍ.

стр. 148

وابتداءُ مدَّةٍ مِنْ حدثٍ بعدَ لُبسٍ إلى مِثلِه (١) مِنْ الثَّاني في حقِّ المقيمِ (٢)، أو الرابعِ في حقِّ المسافرِ، فلَو مضَت المدَّة ولم يَمسح فيها؛ خلَع (٣). (وَ) يصحُّ المسحُ (عَلَى جَبِيرَةٍ)، وهي: أخشابٌ أو نحوُها، تُربط على كسرٍ أو نحوِه، سُمِّيَت بذلك تفاؤلًا؛ لحديثِ جابرٍ عنه ﷺ في صاحبِ الشَّجَّةِ: «إنَّما كان يَكفيه أن يَتيمَّم، ويَعضد أو يَعصِب على جُرحِه خرقةً، ويَمسحَ عليها، ويَغسلَ سائرَ جسدِه (٤)» رَواه أبو داودَ (٥). إن (٦) (لَمْ تَتَجَاوَزْ) تلك الجَبيرةُ (قَدْرَ حَاجَةٍ)، وهو موضعُ الكسرِ ونحوِه، وما لا بدَّ مِنْ وضعِ الجبيرةِ عليه مِنْ الصَّحيحِ؛ لأنَّه محلُّ حاجةٍ، فتقيَّد بقَدْرِها. ويُجزِئ المسحُ بلا تيمُّمٍ (٧)، وحديثُ صاحبِ الشَّجَّةِ يَحتمل أنَّ الواوَ (٨) فيه بمعنى «أو»، ويَحتمل أنَّ التَّيمُّمَ فيه لشدِّه العصابةَ على غيرِ طهارةٍ. وعُلم منه: أنَّه لا يَمسح عليها حيثُ تَجاوزَت قَدْرَ الحاجةِ، بل يَجب نَزعُها،

стр. 149

فإن خافَ ضررًا؛ تَيمَّم لزائدٍ، ومسَح قَدْرَ الحاجةِ، وغسَل الباقيَ، فيَجمع إذَنْ بينَ الثلاثةِ. ويَمسح على الجبيرةِ (وَلَوْ فِي) حدثٍ (أَكْبَرَ)؛ لحديثِ جابرٍ، ولأنَّ الضَّررَ يَلحق بنَزعِها، بخلافِ نحوِ الخُفِّ. ولا يَتقدَّر مسحُ الجَبيرةِ بمدَّةٍ، بل يَمسح عليها (إِلَى حَلِّهَا (١)) أي: نَزعِها؛ لأنَّ مَسْحَها للضَّرورة، فتقدَّر بقَدْرِها، وهي داعيةٌ إلى مَسحِها إلى حَلِّهَا (٢)، فقُدِّر به، وبُرؤُها كحَلِّها، بل أَولى. ومحلُّ صحَّةِ المسحِ على ما تَقدَّم: (إِذَا لَبِسَ الكُلَّ) مِنْ الخُفِّ ونحوِه، والعمامةِ والخُمُرِ والجَبيرةِ (بَعْدَ كَمَالِ طَهَارَةٍ بِمَاءٍ)؛ لِما روَى أبو بَكرةَ: «أنَّ النبيَّ ﷺ رخَّص للمسافرِ ثلاثةَ أيَّامٍ ولَياليهنَّ، وللمقيمِ يومًا وليلةً، إذا تَطهَّر فلَبِسَ خُفَّيه أن يَمسح عليهما» رَواه الشافعيُّ وابنُ خُزيمةَ والطَّبرانيُّ، وحسَّنه البخاريُّ، وقال (٣): هو صحيحُ الإسنادِ (٤).

стр. 150

والطُّهرُ المطلَقُ يَنصرف إلى الكاملِ، ولو مسَح فيها على حائلٍ (١)، أو تَيمَّم لجُرحٍ (٢). وعُلم منه: أنَّه لا يَمسح على حائلٍ لَبِسَه على طهارةِ تيمُّمٍ. وأنَّه لو غسَل رِجلًا، فأَدخلها الخُفَّ قبلَ غَسلِ الأُخرى؛ خلَع ثمَّ لَبِس بعدَ غَسلِ الأُخرى؛ لتَكمُل الطَّهارةُ قبلَ اللُّبسِ. وكذا لو لَبِس العمامةَ بعدَ مسحِ رأسِه، وقبلَ غَسلِ رِجلَيه؛ فإنَّه لا يَمسح إلَّا إذا نزَعها، ثمَّ لَبِسَها بعدَ غَسلِ رِجلَيه. ولو شدَّ الجَبيرةَ على غيرِ طهارةٍ بماءٍ؛ نزَع، فإن خافَ؛ تَيمَّم. فلَو عمَّت الجَبيرةُ وجهَه ويدَيه؛ كفَى المسحُ بالماء عن التَّيمُّمِ (٣).

стр. 151

(وَمَنْ مَسَحَ) على غيرِ جَبيرةٍ، وهو (فِي سَفَرِ) قَصرٍ (ثُمَّ أَقَامَ)؛ أتمَّ بقيَّةَ مسحِ مقيمٍ إن بَقِي منها شيءٌ (١)، وإلّا خلَع؛ لانقطاعِ السَّفرِ، فلَو أحرمَ بصلاةٍ في سفينةٍ، فدخلَت محلَّ الإقامةِ في أثنائِها بعدَ اليومِ والليلةِ؛ بطَلَت، وكذا لو نوَى الإقامةَ. (أَوْ عَكْسُهُ)؛ بأن مسَح مُقيمٌ أقلَّ مِنْ يومٍ وليلةٍ ثمَّ سافرَ؛ (فَمَسْحُ مُقِيمٍ) أي: فمسحُه الجائزُ إذَن بقيَّةُ مسحِ المقيمِ؛ تغليبًا للإقامة؛ لأنَّها الأصلُ. وكذا لو شكَّ مسافرٌ هل ابتدأَ المسحَ حضرًا أو سفرًا؛ فإنَّه يُتمُّ مسحَ مقيمٍ. ومَن شكَّ في بقاءِ مدَّةٍ؛ لم يَمسح، فإن فعَل فبان بقاؤها؛ صحَّ وضوءُه، فإن صلَّى قبلَ التبيُّنِ؛ أعادها. وعُلم ممَّا تَقدَّم: أنَّه لو أَحدَث ثمَّ سافر قبلَ المسحِ؛ أتمَّ مَسْحَ مسافرٍ؛ لأنَّه ابتدأَ المسحَ مسافرًا. وإذا تَقرَّر ذلك: (فَيَمْسَحُ) وجوبًا (ظَاهِرَ عِمَامَةٍ) أي: أكثرَ دوائرِها دونَ وسَطِها؛ لأنَّه يُشبه أسفلَ الخُفِّ. ولا يَجب أن يَمسح مع عِمامةٍ ما جرَت عادةٌ بكَشفِه مِنْ رأسٍ، بل يُسنُّ. (وَ) يَمسح وجوبًا (ظَاهِرَ قَدَمِ خُفٍّ) ونحوِه، أي: أكثرَ أَعلى القدمِ، قال في «الإنصاف»: على الصَّحيحِ مِنْ المذهبِ (٢)، ولا يُسنُّ استيعابُه (٣).

стр. 152

ويَبتدئُ المسحَ (مِنْ أَصَابِعِهِ إِلَى سَاقِهِ)، فيَضع يدَيه مُفرَّجتَي الأصابعِ على أطرافِ أصابعِ رِجلِيه، ثمَّ يُمِرُّهما على ظاهرِ قدمَيه (١) إلى ساقَيه (٢) مرَّةً واحدةً، وتُكره الزيادةُ عليها. وكيف مسَح أجزأَ. (دُونَ أَسْفَلِهِ) أي: الخُفِّ (وَعَقِبِهِ)، فلا يُجزِئ مَسْحُهما، بل ولا يُسنُّ. ويَمسح وجوبًا على جميعِ جَبيرةٍ؛ لأنَّه لا ضررَ في تَعميمها، بخلافِ خُفٍّ ونحوِه، فإنَّه يَشقُّ تَعميمه، ويُتلفه المسحُ. (وَمَتَى ظَهَرَ بَعْضُ مَحَلِّ فَرْضٍ)، مِنْ قدمٍ ورأسٍ، وفَحُش (٣) فيه فقط (٤)، أو ظهَر ما (٥) تحتَ جَبيرةٍ (بَعْدَ حَدَثٍ) وقبلَ انقضاءِ مدَّةٍ غيرِ جَبيرةٍ (٦)؛ استأنَف الطَّهارةَ. وعُلم منه: أنَّه لو نزَع الخُفَّ أو العمامةَ أو الجَبيرةَ قبلَ الحدثِ، بأن نزَع ما ذُكِر وهو على الطَّهارةِ التي لَبِس فيها (٧)؛ لم تَبطل طهارتُه.

стр. 153

(أَوْ تَمَّتْ مُدَّتُهُ) أي: المسحِ، وهي اليومُ والليلةُ، أو الثلاثةُ؛ (اسْتَأْنَفَ) أي: ابتدأَ (الطَّهارةَ)، سواءٌ فاتَت المُوالاةُ أو لم تَفُت (١)، فيَتطهَّر ويَغسل ما تحتَ الحائلِ، وبطَلَت الصَّلاةُ (٢) إن وُجِد ذلك في أثنائِها. وعُلم ممَّا ذكَرْنا: أنَّ انكشافَ يسيرٍ مِنْ الرَّأس لا يَضرُّ، قال الإمامُ أحمدُ: إذا زالَت عن رأسه فلا بأسَ به ما لم يَفحُش (٣)؛ لأنَّه معتادٌ.

стр. 154

(بَابُ نَوَاقِض الوُضُوءِ) أي: مُفسداتِه، جمعُ «ناقضةٍ»، أو «ناقضٍ»، فإنَّ «فاعلًا» يُجمع على «فَواعلَ» إذا كان وصفًا لِما لا يَعقل، كما هنا. والنَّقضُ حقيقةٌ في البناءِ، مجازٌ في المَعاني؛ كنقضِ الوضوءِ (١)، وعلاقتُه الإبطالُ. وهي ثمانيةٌ بالاستقراءِ (٢)، أشارَ إلى أحدِها بقولِه: (يَنْقُضُهُ) أي: الوضوءَ (خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ)، قُبُلٍ أو دُبُرٍ، إلى ما يَلحقه (٣) حُكمُ التَّطهيرِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، وقولِه ﵇: «ولكنْ مِنْ غائطٍ وبولٍ … » الحديثَ (٤)، وقولِه في المَذيِ: «يَغسِل ذكَرَه (٥)، ويَتوضَّأ» (٦)، وقولِه: «لا يَنصرِفْ حتَّى يَسمعَ صوتًا، أو يَجِد ريحًا» (٧). قليلًا كان الخارجُ أو كثيرًا، نادرًا كدَمٍ ودُودٍ، أو معتادًا كبولٍ وغائطٍ، طاهرًا كولدٍ بلا دَمٍ، أو نجسًا كمَذيٍ، ولو ريحًا مِنْ قُبُلِ أُنثى أو ذكَرٍ، أو قطَرَ في إحليلِه

стр. 155

نحوَ دُهنٍ ثُمَّ خرَج. فلَو احتَمل في قُبُلٍ أو دُبُرٍ قُطنًا أو مِيلًا، ثمَّ خرَج ولو بِلا بَللٍ؛ نقَض، كما في «الإقناع» (١). وقيل: لا نَقْضَ (٢) إن خرَج بِلا بَللٍ (٣)، قال صاحبُ «المنتهى» في شرحِه: (وهو المذهبُ) (٤)، وعلَّله: بأنَّه ليس بينَ المَثانةِ والجوفِ مَنفذٌ، ومُقتضى هذا التعليلِ: أنَّ المُحْتشي في الدُّبُر يَنقض مطلقًا (٥)، كما ذكرَه المصنِّفُ (٦). ولو ظهَر طرفُ مُصْرانٍ أو رأسُ دودةٍ؛ نقَض. ولو ظهَرَت مَقعدتُه، فإن عَلِم بَلَلَها؛ بطَل وضوءُه، لا إن جَهِل. الثَّاني مِنْ النَّواقضِ: ما أشارَ إليه بقولِه: (وَكَذَا) يَنقض الوضوءَ خارجٌ (مِنْ

стр. 156

بَاقِي البَدَنِ) أي: ما سِوَى السَّبيلَين، (إِنْ كَانَ) الخارجُ مِنْ بقيَّةِ البَدنِ، (بَوْلًا أَوْ غَائِطًا) مطلقًا (١)، (أَوْ) كان (كَثِيرًا نَجِسًا غَيْرَهُمَا) أي: غيرَ البولِ والغائطِ (٢)؛ (كَقَيْءٍ) ولو بحالِه (٣)، (وَدَمٍ) وقَيحٍ، ودُودِ جُرحٍ؛ لقولِه ﵇ في حديثِ فاطمةَ: «إنَّه دَمُ عِرْقٍ، فتَوضَّئي لكلِّ صلاةٍ» رَواه الترمذيُّ (٤). وعُلم مِنْ قولِه: «كثيرًا» أنَّه لو كان غيرَ البولِ والغائطِ قليلًا؛ لم يَنقض؛ لمفهومِ قولِ ابنِ عباسٍ في الدَّم: «إذا كان فاحشًا فعليه الإعادةُ» (٥). والكثيرُ: ما فَحُش (٦) في نفسِ كلِّ أَحدٍ بحسَبِه، فلو مصَّ علقٌ أو قُرادٌ (٧) لا ذُبابٌ (٨) وبعوضٌ دمًا كثيرًا؛ نقَض. الثَّالثُ مِنْ النَّواقضِ: ما (٩) أشارَ إليه بقولِه: (وَزَوَالُ عَقْلٍ (١٠)) بجنونٍ، أو

стр. 157

بِرسامٍ (١)، أو تَغطيتُه بإغماءٍ أو سُكرٍ، قليلًا كان ذلك أو كثيرًا. (وَلَوْ) كانت تَغطيتُه (بِنَوْمٍ)؛ لحديثِ عليٍّ: «العَينُ وِكَاءُ السَّهِ، فمَن نامَ فَلْيَتوضَّأْ» رَواه أحمدُ (٢)، والسَّه: حَلْقةُ الدُّبُرِ، ولأنَّ النَّومَ مَظِنَّةُ الحدثِ، فأُقيمَ مُقامَه. والنَّومُ رحمةٌ مِنْ اللهِ على عبدِه؛ لِيَستريحَ بَدنُه عندَ تَعبِه، وهو غَشيةٌ ثَقيلةٌ تقَع على القلبِ، تَمنع المعرفةَ بالأشياءِ. فيَنقض النَّومُ الوضوءَ، إلَّا نومَ النبيِّ ﷺ (٣) على أيِّ حالٍ كان؛ لأنَّه تَنام

стр. 158

عَيناه ولا يَنام قلبُه (١). و (إِلَّا) نومًا (يَسِيرًا) عُرفًا (٢) (مِنْ قَاعِدٍ وَقَائِمٍ، غَيْرِ مُسْتَنِدٍ) كِلاهما (٣)، (وَنَحْوِهِ) أي: نحو (٤) المستنِدِ؛ كمُتَّكئٍ ومُحْتَبٍ؛ لقولِ أنسٍ: «كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يَنتظرون العشاءَ الأخيرةَ حتى تَخفِقَ رُؤوسُهم، ثمَّ يُصلُّون ولا يَتوضَّؤُون» رَواه أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ (٥)، ولقولِ ابنِ عبَّاسٍ في قصَّةِ تَهجُّدِه ﷺ : «فجَعلتُ إذا أَغفيتُ يأخذ بشَحمةِ أُذني» رَواه مسلمٌ (٦). وقولُه: «حتَّى تَخفِق رُؤوسُهم» قال في «المصباح»: (خفَق برأسِه خَفقةً: أخذَته سِنَةٌ مِنْ النُّعاس فمالَ رأسُه دونَ سائرِ جسدِه) (٧)، وبابُه: «ضرَب»، وقولُه: «أَغفيتُ» أي: نِمتُ نومةً خفيفةً، قال ابنُ السِّكِّيتِ (٨) وغيرُه: ولا يُقال: غَفَوتُ. وقلَّله الأزهريُّ (٩)

стр. 159

كما في «المصباح» (١). وعُلم منه: أنَّ الكثيرَ مِنْ قاعدٍ وقائمٍ يَنقض، وأنَّ نحوَ مُستنِدٍ كمُضطجِعٍ (٢)، بجامعِ الاعتمادِ، فيَنقض مطلقًا. وإن رأَى رُؤيا؛ فكثيرٌ (٣). الرَّابعُ مِنْ النَّواقضِ: أشارَ (٤) إليه بقولِه: (وَمَسُّ فَرْجٍ (٥))، متَّصلٍ، أصلِيٍّ، مِنْ آدميٍّ ولو ميتًا، قُبُلًا كان أو دُبُرًا، مِنْ الماسِّ أو مِنْ غيرِه، ذكَرًا كان الماسُّ أو أُنثى أو خُنثى، لشهوةٍ أو لا، ولو كان الذَّكرُ أَشلَّ (٦)، أو قُلفةً (٧)؛ لحديثِ بُسْرةَ

стр. 160

بنتِ صَفوانَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ ذكَرَه فَلْيَتوضَّأْ» رَواه مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهم، قال البخاريُّ: أصحُّ شيءٍ في هذا الباب حديثُ بُسْرةَ (١). (بِيَدٍ) ولو زائدةً، سواءٌ كان المسُّ ببَطنِ كَفِّه أو ظَهرِها أو حَرفِها، غيرَ ظُفرٍ، فلا نَقْضَ لو مسَّه بغيرِها (٢)؛ لحديثِ أَبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا أَفْضَى أَحدُكم بِيَدِه إلى ذَكَرِه؛ فقَد وجَب عليه الوُضوءُ» رَواه الشافعيُّ وأحمدُ (٣). (أَوْ الذَّكَرِ)، بالجرِّ عطفًا على «فَرجٍ»، يَعني أنَّه يَنقض الوضوءَ مسُّ الذَّكرِ (بِفَرْجٍ)، بالتنوين، (غَيْرِهِ) أي: غيرِ الذَّكرِ، فيَنقض مسُّ الذَّكرِ بقُبلِ أُنثى أو دُبرٍ مطلقًا بلا حائلٍ؛ لأنَّه أَفحشُ مِنْ مسِّه باليدِ. وعُلم منه: أنَّه لا يَنقض مسُّ ذَكرٍ بذَكرٍ، وكذا لا يَنقض مسُّ بائنٍ أو محلِّه، أو زائدٍ، أو أحدِ قُبلَي خُنثى مُشكِلٍ بلا شهوةٍ، أو بها، ما ليس للَّامسِ مِثلُه (٤)، كمسِّ ذَكَرٍ قُبلَ الخُنثى (٥)، أو أُنثى ذكَرَه لشهوةٍ، فلا نَقْضَ، وعكسُهما (٦) يَنقض

стр. 161

لشهوةٍ، كمَسِّهما (١) ولو بلا شهوةٍ. وكذا لا يَنقض مسُّ شُفْرَي امرأةٍ (٢)، وهُما حافَتا فَرجِها، دونَ فرجٍ (٣)، وهو مَخرجُ بولٍ ومَنيٍّ وحَيضٍ. الخامسُ مِنْ النَّواقضِ: أشارَ (٤) إليه بقولِه: (وَلَمْسُ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى الآخَرَ)، بالنَّصب، مفعولُ «لَمْس»، وذلك (٥) بأن يَلمس الذَّكرُ بَشرةَ الأُنثى، أو تمسَّ بَشرتَه (٦) بلا حائلٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، بشرطِ أن يَكون اللَّمسُ (لِشَهْوَةٍ (٧))؛ للجمعِ بينَ الآيةِ والأخبارِ. فلَو حصَل اللَّمسُ بلا شهوةٍ، وهي التَّلذُّذُ بذلك؛ فلا نَقْضَ (٨)؛ لحديثِ عائشةَ قالت: «كنتُ أنامُ بينَ يدَي رسولِ اللهِ ﷺ ، ورِجْلايَ في قِبلَتِه، فإذا سجَد غَمزَني، فقَبضتُ رِجلَيَّ» متَّفق عليه (٩)، والظاهرُ أنَّ غَمْزَه كان مِنْ غيرِ حائلٍ.

стр. 162

فيَنقض مع الشهوةِ (١) لَمسُ أَحدِهما الآخَرَ، ولو بزائدٍ لزائدٍ، أو أشلَّ، أو ميتٍ، أو هَرِمٍ، أو مَحرَمٍ. (لَا مَنْ دُونَ سَبْعٍ (٢)) أي: لا يَنقض لَمسُ رَجُلٍ أُنثى دونَ سبعٍ، ولا لَمسُ أُنثى ذكَرًا دونَ سبعٍ. (وَلَا) يَنقض (مَسُّ شَعْرٍ، أَوْ ظُفُرٍ)، أو سِنٍّ، أو عضوٍ مقطوعٍ، ولا المسُّ (٣) بذلك (٤). (أَوْ أَمْرَدَ) يَعني: لا يَنقض وضوءَ رَجلٍ مسُّ أَمردَ، ولو بشهوةٍ؛ لعدمِ تَناولِ الآيةِ له، ولأنَّه ليس بمحلٍّ للشَّهوةِ شرعًا. قال في «القاموس»: والأمردُ: الشَّابُّ طَرَّ شاربُه ولم تَنبُت لِحيتُه (٥). (وَلَا) يَنقض الوضوءَ مسٌّ لفَرجٍ، أو لمسٌ لبَدنٍ، (مَعَ حَائِلٍ)، أَشبَه ما لو لَمَس الحائلَ وحدَه. (وَلَا) يَنتقض وضوءُ (مَمْسُوسٍ فَرْجُهُ)، بالرَّفع، على أنَّه نائبُ فاعلِ «ممسوس»، (أَوْ) ملموسٍ (بَدَنُهُ) بالرَّفع، عطفًا على ما قَبلَه (٦)، (وَلَوْ وَجَدَ)

стр. 163

ممسوسٌ أو ملموسٌ (شَهْوَةً)؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا يصحُّ قياسُه على اللَّامسِ؛ لفَرطِ شَهوتِه (١). ومتى لم يَنقض مسُّ أُنثى؛ استُحبَّ الوضوءُ. السَّادسُ مِنْ النَّواقضِ: أشارَ إليه بقولِه: (وَيَنْقُضُ) الوضوءَ (غَسْلُ)، بفتحِ الغَينِ المعجَمةِ أي: تَغسيلُ (٢) (مَيْتٍ (٣)) أو بعضِه (٤)، ولو في قَميصٍ؛ لِما روَى عطاءٌ: «أنَّ ابنَ عمرَ وابنَ عبَّاسٍ كانَا يَأمُران غاسلَ الميتِ بالوضوء» (٥)، وعن أَبي هريرةَ: «أَقلُّ ما فيه الوضوءُ» (٦)، ولم يُعرف لهُم مخالِفٌ. والغاسل: مَنْ يُقلِّبه ويُباشِره ولو مرَّةً، لا مَنْ يَصبُّ الماءَ ونحوُه، ولا مَنْ يَمَّمه. ولا فرقَ في الميتِ بينَ المسلمِ والكافرِ، والرَّجلِ والمرأةِ، والكبيرِ والصَّغيرِ؛ للعمومِ.

стр. 164

السَّابعُ مِنْ النَّواقضِ: أشارَ إليه بقولِه: (وَأَكْلُ لَحْمِ إِبِلٍ خَاصَّةً)؛ لقولِه ﷺ : «تَوضَّؤوا مِنْ لحومِ الإبلِ، ولا تَتوضَّؤوا مِنْ لحومِ الغَنمِ» رَواه أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ، مِنْ حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ (١)، وروَى مسلمٌ معناه مِنْ حديثِ جابرِ ابنِ سَمُرةَ (٢). فعَلى هذا: لا فرقَ بينَ قليلِه وكثيرِه، وكَونِه نيئًا أو غيرَه. وعُلم مِنْ كلامِه: أنَّه لا نَقْضَ بشربِ لبنٍ ومرقِ لحمٍ، وأكلِ كبدٍ وطِحالٍ وسَنامٍ وجِلدٍ وكَرِشٍ ونحوِه. الثَّامنُ مِنْ النَّواقضِ: أشارَ إليه بقولِه: (وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ غُسْلًا، سِوَى مَوْتٍ)؛ كجماعٍ وانتقالِ مَنيٍّ وإسلامٍ (٣)، (أَوْجَبَ وُضُوءًا)، وأمَّا الموتُ فإنَّه (٤) يُوجِب الغُسلَ دونَ الوضوءِ، كما سيَجيء (٥).

стр. 165

فهذه هي النَّواقضُ المُشتَركةُ بينَ كلِّ متطهِّرٍ، وأمَّا المختصَّةُ بالماسحِ كفراغ المدَّةِ؛ فتقدَّمَت، والمختصَّةُ بالمُتيمِّمِ ستَأتي. (وَمَنْ تَيَقَّنَ طَهَارَةً وَشَكَّ فِي حَدَثٍ، أَوْ عَكْسُهُ)؛ بأنْ تَيقَّن حدثًا وشكَّ (١) في طهارةٍ؛ (بَنَى عَلَى يَقِينِهِ (٢)) الذي كان قبلَ طُروِّ الشَّكِّ عليه، وهو الطَّهارةُ في الصورةِ الأُولى، والحدثُ في الصورةِ الثَّانيةِ، وذلك لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ قال: شُكِي إلى النبيِّ ﷺ الرَّجلُ (٣) يُخيَّل إليه أنَّه يَجِد الشَّيءَ في الصَّلاةِ، فقال: «لا يَنصَرِفْ حتَّى يَسمعَ صَوتًا، أو يَجِدَ رِيحًا» متَّفق عليه (٤)، ولأنَّه إذا شكَّ تَعارضَ عندَه أَمران، فوجَب سُقوطُهما والرُّجوعُ إلى الأصلِ، فيُعمل به ولو عارَضه ظنٌّ. والمرادُ بالشَّكِّ هنا: خلافُ اليَقينِ، كما هو مَعناه لغةً، على ما في «القاموس» (٥). فإن تَيقَّن الطَّهارةَ والحدثَ (٦)، وجَهِل أَسبَقهما، فإن جَهِل حالَه قَبلَهما؛

стр. 166

تَطهَّر (١)، وإلَّا فعَلى ضدِّها (٢). (وَيَحْرُمُ بِحَدَثٍ) أصغرَ أو أكبرَ، أي: بسَببِه أو معَه، (صَلَاةٌ)، بالرَّفع، فاعلُ «يَحرُم»، فرضًا كانت الصَّلاةُ أو نفلًا، ولو صلاةَ جنازةٍ، وسجودَ تلاوةٍ؛ لِما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يَقبل اللهُ صلاةً بغيرِ طُهورٍ» رَواه مسلمٌ (٣)، وهو يَعمُّ ما ذكَرْنا، فلَو صلَّى محدِثًا ولو عالمًا؛ لم يَكفُر، خلافًا لأَبي حنيفةَ (٤). (وَ) يَحرُم بحدثٍ (طَوَافٌ) ولو نَفلًا؛ لحديثِ: «الطَّوافُ حولَ البيتِ مِثلُ الصَّلاةِ، إلَّا أنَّكم تَتكلَّمون فيه، فمَن تَكلَّم فلا يَتكلَّم إلّا بخيرٍ» رَواه الترمذيُّ (٥). (وَ) يَحرُم بحدثٍ (مَسُّ مُصْحَفٍ وَبَعْضِهِ)، بيَدٍ وغيرِها (٦)، حتى جِلدِه المتَّصلِ به وحَواشِيه؛ لقولِه تَعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، أي: لا يَمسُّ

стр. 167

القرآنَ، وهو خبرٌ بمَعنى النَّهي. ورُدَّ: بأنَّ المرادَ: اللَّوحُ المحفوظُ، والمطهَّرون: الملائكةُ؛ لأنَّ المطهَّر مَنْ طهَّره غيرُه، ولو أُريد بَنو آدمَ لقِيل: المتطهِّرون. والجوابُ: أنَّ بَني آدمَ على قياسِهم، بدليلِ حديثِ ابنِ عمرَ: أنَّ النبيَّ ﷺ كتَب إلى أهلِ اليمنِ كتابًا، وكان فيه: «لا يَمَسُّ القرآنَ إلّا طاهرٌ»، قال الأثرمُ: احتجَّ به أحمدُ، ورَواه مالكٌ مُرسَلًا (١). لكن إنَّما يَحرُم المسُّ إذا كان (بِلَا حَائِلٍ)؛ لأنَّ النَّهي إنَّما ورَد عن مَسِّه، ومع الحائلِ إنَّما يَكون المسُّ له دونَ المصحفِ. (وَلَهُ) أي: للمحدِثِ (حَمْلُهُ) أي: المصحفِ (بِلَا مَسٍّ)؛ كحَملِه بعِلاقةٍ، وفي كِيسٍ وكُمٍّ، (وَ) لمحدِثٍ (تَصَفُّحُهُ) أي: تقليبُ أوراقِه (٢) (بِكُمِّهِ، وَبِ) نحوِ (عُودٍ)، ولا فرقَ في ذلك بينَ الصَّغيرِ والكبيرِ، لكن لصغيرٍ مسُّ لَوحٍ فيه قرآنٌ، ولا يَجوز لوَليِّه تَمكينُه مِنْ مسِّ المحلِّ المكتوبِ فيه. ويَجوز لمحدِثٍ مسُّ تفسيرٍ ولو قلَّ، ورسائلَ فيها قرآنٌ، ومنسوخٍ تلاوتُه. فإن رفَع الحدثَ عن بعضِ أعضاءِ الوضوءِ؛ لم يَجُز مسُّ المصحفِ به قبلَ كمالِ الطَّهارةِ، ولو قلنا: يَرتفع الحدثُ عنه، وفيه وجهان، قال في «الإنصاف» (٣): الذي يَظهر أنَّ ذلك مُراعًى، فإن أَكمَله؛ ارتفَع، وإلَّا فلا.

стр. 168

(بَابُ الغُسْلِ) أي: ما يُوجِبه، أو يُسنُّ له، وصِفَتِه، وغيرِ ذلك. وهو بالضَّمِّ: بمَعنى الاغتسالِ، كما قال ابنُ مالكٍ، ويَكون بمَعنى الماءِ الذي يُغتسل به (١). وقال الجوهريُّ: غَسلتُ الشيءَ غَسلًا بالفتح، والاسمُ الغُسلُ بالضَّمِّ، وبالكسرِ: ما يُغسل به الرَّأسُ مِنْ خِطْمِيٍّ وغيرِه. انتهى (٢). وهو شرعًا: استعمالُ ماءٍ طَهورٍ في جميعِ بَدنِه على وجهٍ مَخصوصٍ. والأصلُ فيه قولُه تَعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. يُقال: رَجلٌ ورَجُلان ورِجالٌ جُنُبٌ، وقد يُقال: جُنُبان وجُنُبُون. قاله الجوهريُّ (٣)، وفي «صحيحِ مسلمٍ»: «ونحن جُنُبان» (٤)، سُمِّي به؛ لأنَّه نُهِي أن يَقرَب مواضعَ الصَّلاةِ، أو لمُجانبتِه (٥) النَّاسَ حتى يَتطهَّر، أو لأنَّ الماءَ جانبَ أي: باعدَ مَحلَّه. (يُوجِبُهُ) أي: الغُسلَ، يَعني: أنَّ الحدثَ الذي هو سببُ وجوبِ الغُسلِ

стр. 169

باعتبارِ أنواعِه: ستَّةُ أشياءَ، أيُّها وُجِد وجَب الغُسلُ. أَحدُها: ما أشارَ إليه بقولِه: (خُرُوجُ مَنِيٍّ (١))، بتشديدِ الياءِ، على وزنِ «غَنِيٍّ»: وهو ماءٌ غليظٌ دافقٌ، يَخرج عند اشتدادِ الشَّهوةِ، ومَنِيُّ المرأةِ أصفرُ رَقيقٌ. ولا بدَّ أن يَكون دَفْقًا (بِلَذَّةٍ)؛ لقولِ عليٍّ: إنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا فَضَخْتَ (٢) الماءَ فاغْتَسِلْ، وإن لم تَكُنْ فاضِخًا فلا تَغْتَسلْ» رَواه أحمدُ (٣)، والفَضْخُ: خروجُه بالغلبةِ. قاله إبراهيمُ الحربيُّ (٤). فلَو خرَج بلا لذَّةٍ مِنْ غيرِ نائمٍ ونحوِه؛ كمجنونٍ، ومُغمًى عليه، وسكرانَ؛ لم يُوجِب غُسلًا، فيَكون نجسًا، وليس منِيًّا، كما في «الرِّعاية». ولا بدَّ أن يَخرج المنيُّ مِنْ مَخرجِه أيضًا، فلَو انكسرَ صُلبُه فخرَج مِنه مَنيٌّ؛ لم يَجب بِه (٥) غُسلٌ، بَلْ حُكمُه (٦) كنجاسةٍ معتادةٍ. (وَ) يُوجِبه خروجُ المنيِّ (٧) (مِنْ نَائِمٍ) ونحوِه (مُطْلَقًا) أي: بلذَّةٍ أو لا؛ لتعذُّرِها إذَنْ.

стр. 170

فلَو انتبَه بالغٌ أو مَنْ يُمكن بُلوغُه؛ كابنِ عَشرٍ وبنتِ تِسعٍ، ووجَد بَللًا ببَدنِه أو ثَوبِه، وجَهِل كَونَه مَنيًّا، بلا سببٍ تَقدَّم نومَه؛ مِنْ بَردٍ، أو نَظرٍ، أو فِكرٍ، أو مُلاعَبةٍ، أو انتشارٍ؛ وجَب الغُسلُ؛ كتيقُّنِه مَنيًّا، ووجَب أيضًا غَسلُ ما أَصابَه (١) مِنْ بَدنٍ وثوبٍ (٢). فإن تَقدَّمه (٣) سببٌ؛ لم يَجب الغُسلُ؛ لعدمِ تيقُّنِ الحدثِ. قال المصنِّفُ: قلتُ: والظَّاهرُ وجوبُ غَسلِ ما أصابَه مِنْ بَدنٍ وثوبٍ (٤)؛ لرُجحانِ كَونِه مَذيًا بقِيامِ سَببِه؛ إقامةً للظَّنِّ مقامَ اليقينِ. انتهى (٥). وأمَّا لو تَيقَّن البللَ مَذيًا؛ فنجاسةٌ لا غيرُ. وإن وجَد مَنيًّا في ثوبٍ لا يَنام فيه غيرُه (٦)

стр. 171

قال أبو المَعالي (١) والأَزَجيُّ: لا بظاهرِه (٢)؛ لجوازِ كَونِه (٣) مِنْ غيرِه. قال في «الإنصاف»: (وهو صحيحٌ، وهو مرادُ الأصحابِ فيما يَظهر) (٤)؛ فعلَيه (٥) الغُسلُ، وإعادةُ المتيقَّنِ مِنْ الصَّلاةِ. وإن كان يَنام هو وغيرُه فيه، وكان الغيرُ مِنْ أهلِ الاحتلامِ؛ فلا غُسلَ عليهما، بل على واحدٍ لا بعينِه (٦). ولا غُسلَ بحُلمٍ بلا بَللٍ، فإن انتبَه، ثمَّ خرَج بلا لذَّةٍ؛ وجَب مِنْ حينِ الاحتلامِ، وبها (٧)؛ فمِن خروجِه. (وَإِنْ انْتَقَلَ) المَنيُّ مِنْ رَجلٍ أو امرأةٍ، (وَلَمْ يَخْرُجْ)؛ بأن أحسَّ به فحَبَسه، أو انحَبَس بنَفسِه؛ (اغْتَسَلَ) وجوبًا (٨) (لَهُ) أي: للانتقالِ؛ لأنَّ أصلَ الجَنابةِ: البُعدُ، ومع الانتقالِ قد باعدَ الماءُ مَحلَّه.

стр. 172

ويَثبت بانتقالِ مَنيٍّ ومِثلُه حَيضٌ (١) حُكْمُ بلوغٍ (٢)، مِنْ وجوبِ نحوِ صلاةٍ، وحُكمُ فِطرٍ مِنْ صومٍ بنحوِ قُبلةٍ، وغيرُهما؛ كوجوبِ بَدنةٍ في الحجِّ حيثُ وجَبَت لخروجِ مَنيٍّ. وفي «شرحِ المنتهى»: (كفسادِ نُسكٍ) (٣)، وهو كما قال المصنِّفُ مبنيٌّ على القولِ بفسادِ النُّسكِ بخروجِ المنيِّ (٤) بالمباشَرةِ. (وَلَا يُعَادُ) الغُسلُ (بِخُرُوجِهِ) أي: المَنيِّ (بَعْدُ)، بالبناءِ على الضمِّ؛ لحذفِ المضافِ إليه ونيَّةِ مَعناه، أي: بعدَ الاغتِسالِ مِنْ الانتِقالِ، وكذا لو خرَج المَنيُّ بعدَ غُسلِه مِنْ جماعٍ لم يُنزِل فيه، أو خرَجَت بقيَّةُ مَنيٍّ اغتسلَ له؛ لِما روَى سعيدٌ عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّه سُئِل عن الجُنبِ يَخرج منه الشَّيءُ بعدَ الغُسلِ، قال: «يَتوضَّأ» (٥)، وكذا ذكَرَه الإمامُ أحمدُ عن عليٍّ (٦). لكن يُشترط في الصُّوَرِ الثلاثِ: أن يَكون ما خرَج (بِلَا لَذَّةٍ)، فلَو خرَج بلذَّةٍ؛ اغتسلَ؛ لأنَّه مَنيٌّ جديدٌ.

стр. 173

الثَّاني مِنْ مُوجِباتِ الغُسلِ: ما أشارَ إليه بقولِه: (وَتَغْيِيبُ)، بالرَّفع عطفًا على قولِه: «خروجُ منيٍّ»، أي: ويُوجِب الغُسلَ أيضًا: تَغِييبُ (حَشَفَةٍ أَصْلِيَّةٍ (١)) أو قَدْرِها إن فُقِدَت (٢)، بلا حائلٍ، (فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ)؛ لحديثِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «إذا جلَس بينَ شُعَبِها (٣) الأربعِ، ثُمَّ جَهَدَها؛ فقد وجَب الغُسلُ» متَّفق عليه، زادَ أحمدُ ومسلمٌ: «وإنْ لم يُنزِلْ» (٤)، وفي حديثِ عائشةَ قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إذا قعَد بينَ شُعَبِها الأربعِ، ومسَّ الخِتانُ الخِتانَ؛ فقد وجَب الغُسلُ» رَواه مسلمٌ (٥)، والمرادُ مِنْ الْتِقائِهما: تَقابُلُهما وتَحاذِيهما، وذلك لا يَحصل إلّا بالتَّغيِيب، كما ذكَرَه المصنِّفُ (٦). وما رُوي عن عثمانَ (٧) وغيرِه مِنْ قولِه ﵇: «الماءُ مِنْ الماءِ» (٨)؛ فمَنسوخٌ.

стр. 174

(وَلَوْ) كان ما غُيِّب فيه (دُبُرًا أَوْ) فَرجًا (مِنْ بَهِيمَةٍ)، حتَّى سمكةٍ وطيرٍ، حيٍّ (أَوْ مَيتٍ)، ولو كان ذُو الحَشَفةِ مجنونًا، أو مُغمًى عليه، أو نائمًا، بأن أَدخَلَتْ حَشَفةَ أَحدِ مَنْ ذُكِر في فَرجِها؛ فإنَّه يَجب الغُسلُ عليهما؛ للعمومِ. ولو استَدخَلَتْ حَشَفةَ مَيتٍ أو بَهيمةٍ؛ فعَلَيها فقط، فلا يُعاد غُسلُ المَيتِ، ويُعاد غُسلُ مَيتةٍ مَوطُوءةٍ (١). ولا بدَّ في وجوبِ الغُسلِ بالتَّغيِيبِ مِنْ كَونِ كلٍّ يُجامِع مِثلُه؛ كابنِ عَشرٍ وبنتِ تِسعٍ، فيَلزمُهما غُسلٌ ووُضوءٌ لنحوِ صلاةٍ، بمَعنى توقُّفِ صحَّةِ ذلك عليه، لا أنَّه يأثَم غيرُ البالغِ بتَركِه (٢)، فلَو كان أَحدُهما يُجامِع مِثلُه (٣) دونَ الآخَرِ؛ فلكلٍّ حُكمُه، فيَجب الغُسلُ على مَنْ يُجامِع مِثلُه فقط، دونَ صاحبِه

стр. 175

الذي لا يُجامِع مِثلُه. وعُلم ممَّا تقدَّم: أنَّه لا غُسلَ بتَغيِيبِ بعضِ الحَشَفةِ، ولا مع حائلٍ، ولا بالْتِصاقِ الخِتانَين وتَماسِّهِما مِنْ غيرِ إيلاجٍ، ولا بسِحاقٍ وهو إتيانُ المرأةِ المرأةَ، ولا بإيلاجٍ في غيرِ أَصليٍّ أو بغيرِ أَصليٍّ، كقُبلِ الخُنثى وذَكَرِه. الثَّالثُ مِنْ مُوجِباتِ الغُسلِ: ما أشارَ إليه بقولِه: (وَإِسْلَامُ كَافِرٍ)، ولو مُرتدًّا أو مميِّزًا؛ لحديثِ أَبي هريرةَ: أنَّ ثُمَامةَ بنَ أُثالٍ أَسلَم، فقال النبيُّ ﷺ : «اذْهَبُوا به إلى حائطِ بَنِي فلانٍ فمُرُوه أن يَغتسلَ» رَواه أحمدُ (١). فيَجب الغُسلُ سواءٌ وُجِد منه في كُفرِه ما يُوجِبه أو لا، اغتَسلَ قبلَ إسلامِه أو لا. ووقتُ وُجوبِه على مميِّزٍ كما مرَّ (٢). الرَّابعُ مِنْ المُوجِباتِ: ما أشارَ إليه بقولِه: (وَمَوْتٌ)، فيَجب تَغسيلُ الميتِ المسلمِ (٣) ولو صغيرًا؛ لقولِه ﵊: «اغْسِلْنَها» (٤)، إلى غيرِه مِنْ الأحاديثِ، كما سيَأتي.

стр. 176

غيرَ شهيدِ (١) معركةٍ، ومقتولٍ ظُلمًا. الخامسُ مِنْ المُوجِباتِ: ما أشارَ إليه بقولِه: (وَحَيْضٌ) أي: خروجُ دَمِ حَيضٍ؛ لقولِه ﵇ لفاطمةَ بنتِ أَبي حُبَيْشٍ: «وإذا ذهَبَتْ فَاغْتَسِلي وصَلِّي» متَّفق عليه (٢). السَّادسُ مِنْ المُوجِباتِ: ما أشارَ إليه بقولِه: (وَنِفَاسٌ) أي: خروجُ دَمِ نفاسٍ، ف (لَا) يُوجِب الغُسلَ (وِلَادَةٌ عَارِيَةٌ (٣)) أي: خاليةٌ (عَنْ دَمٍ)، ولا يَحرُم بها وطءٌ، ولا يَفسُد صومٌ، ولا بإلقاءِ عَلَقةٍ أو مُضْغةٍ؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في معنى المنصوصِ عليه. والولدُ طاهرٌ، ومع الدَّمِ يَجب غَسلُه. (وَمَنْ لَزِمَهُ (٤) غُسْلٌ (٥)) بأحدِ الأسبابِ المتقدِّمةِ؛ (حَرُمَ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ آيَةٍ) كاملةٍ (فَأَكْثَرَ)؛ لحديثِ عليٍّ: «كان النبيُّ ﷺ لا يَحجُبه وربَّما قال: لا يَحجُزه عن القرآن شيءٌ، ليس الجنابةَ» رَواه ابنُ خُزَيمةَ والحاكمُ والدَّارقُطنيُّ، وصَحَّحاه (٦).

стр. 177

وعُلِم مِنْ كلامِه: أنَّه لا يَحرُم عليه قراءةُ بعضِها، ولو كرَّره، ما لم يَتحيَّل على قراءةٍ تَحرُم (١). قال المنقِّحُ (٢): (ما لم تَكُنْ الآيةُ طويلةً، أي: كآيةِ الدَّينِ، فتَحرُم قراءةُ بعضِها (٣)). (وَ) مَنْ لَزِمه غُسلٌ؛ حَرُم عليه: (لُبْثٌ) بضمِّ اللَّامِ: اسمُ مصدرِ لَبِث بالمكانِ: أقامَ به، (بِمَسْجِدٍ)، ولو مصلَّى عيدٍ، لا جنازةٍ (٤)، حتَّى حائضٌ ونُفَساءُ انقطَع دَمُهما؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، وقولِه ﷺ : «لا أُحِلُّ المسجِدَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ» رَواه أبو داودَ (٥).

стр. 178

ومحلُّ حُرمةِ اللُّبثِ بالمسجدِ على مَنْ ذُكِر: إذا كان (بِلَا وُضُوءٍ)، فإن توضَّؤُوا؛ جازَ لهُم اللُّبثُ (١)؛ لقولِ عطاءِ بنِ يَسارٍ: «رأيتُ رِجالًا مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يَجلسون في المسجدِ وهم مُجنِبُون إذا تَوضَّؤُوا وضوءَ الصَّلاةِ» رَواه سعيدُ بنُ منصورٍ والأثرمُ، وإسنادُه صحيحٌ (٢). قاله في «المبدِع» (٣)، ولأنَّ الوضوءَ يُخفِّف الحدثَ، فيَزول بعضُ ما منَعه، قال الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ: وحينئذٍ فيَجوز أن يَنام في المسجدِ (٤) حيثُ يَنام غيرُه (٥). (وَلَهُ) أي: لمَن لَزِمه غُسلٌ (المُرُورُ بِهِ) أي: بالمسجدِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وهو الطَّريقُ، وعن جابرٍ: «كان أَحدُنا يَمرُّ في المسجدِ

стр. 179

جُنبًا مُجتازًا» رَواه سعيدُ بنُ منصورٍ (١)، وسواءٌ كان لحاجةٍ أو لا، ومِن الحاجةِ: كَونُه طريقًا قصيرًا، لكن كَرِه الإمامُ أحمدُ اتِّخاذَ المسجدِ (٢) طريقًا (٣). وشُرِطَ لجوازِ مرورِ حائضٍ ونُفَساءَ بمسجدٍ: أن تَأمَنَا تَلويثَه. (وَ) لمَن عليه غُسلٌ (قَوْلُ مَا وَافَقَ قُرْآنًا) مِنْ الأذكارِ، (وَلَمْ يَقْصِدْهُ) أي: القرآنَ؛ (كَالبَسْمَلَةِ، وَالحَمْدَلَةِ)، وآيةِ الاسترجاعِ، والرُّكوبِ (٤). وعُلِم منه: أنَّه لو قصَد القرآنَ؛ حَرُم، وكذا لو قرأَ ما لا يُوافقه ذِكرٌ، ولم يَقصِد به القرآنَ. وله تَهجِّيه، وتَحريكُ شَفتَيه (٥) إن لم يُبيِّن الحروفَ، ونظرٌ في مصحفٍ، وأن يُقرأ عليه وهو ساكتٌ (٦). (وَيُسَنُّ غُسْلٌ لِ) صلاةِ (جُمُعَةٍ)؛ لحديثِ أَبي سعيدٍ مرفوعًا: «غُسلُ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ مُحتلِمٍ (٧)» (٨)، وقولِه ﷺ : «مَنْ جاء مِنْكُمْ الجمعةَ

стр. 180

فَلْيَغتَسِلْ» متَّفق عليهما (١)، وقولُه: «واجبٌ» أي: متأكِّدُ الاستِحبابِ، بدليلِ قولِه ﷺ : «مَنْ تَوضَّأ يومَ الجمعةِ فَبِها (٢) ونِعْمَتْ، ومَن اغْتَسلَ فالغُسلُ أَفضلُ» رَواه أحمدُ (٣). ووقتُ غُسلِ الجمعةِ: في يومِها، لذَكَرٍ (٤) حضَرها (٥)، ولو لم تَجب عليه؛ كعبدٍ ومسافرٍ إن صلَّى. وعندَ مُضيٍّ وعن جماعٍ أفضلُ (٦)، وهذا الغسلُ آكدُ الأغسالِ المَسنونةِ. (وَ) يُسنُّ غُسلٌ لصلاةِ (عِيدٍ) في يومِها (٧) لحاضرِها (٨)؛ لأنَّ «النبيَّ ﷺ
следующие страницы →