← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

عنها عادةً، وعملًا بالعرف (١). (وَعَلَيْهِ) أي: على الزَّوج (مُؤْنَةُ نَظَافَتِهَا) أي: الزَّوجة، مِنْ دُهنٍ، وسِدرٍ، وثمنِ ماءٍ، ومُشطٍ، وأُجرةِ قَيِّمَةٍ. (وَ) عليه تحصيلُ (خَادِمٍ) لها (إِنْ خُدِمَ مِثْلُهَا، وَلَوْ بِأُجْرَةٍ، وَ) عليه (مُؤْنِسَةٌ) لها (لِحَاجَةٍ). (وَكَذَا رَجْعِيَّةٌ فِي عِدَّتِهَا)، فنَفقتُها وكِسوتُها وسُكناها كزوجةٍ (٢)، (لَا بَائِنٌ) بفسخٍ أو طلاقٍ (٣)، (بِلَا حَمْلٍ)، فلا نفقةَ لها. فإن كانت البائنُ حاملًا وجَبَت نفقتُها للحملِ نفسِه (٤)، لا لها مِنْ أَجْله، فتَجِب لناشزٍ (٥).

стр. 1122

(وَلَا) نفقةَ ولا سُكْنى ل (مُتَوَفًّى عَنْهَا (١)) ولو حاملًا (٢) (مِنْ تَرِكَةٍ)؛ لانتقالِها عن الزَّوج إلى الورثة، لكنَّ نفقةَ الحاملِ: مِنْ حصَّةِ الحملِ مِنْ التَّركةِ إن كانت، وإلّا فعَلى وارثِه الموسِرِ. (وَمَنْ) أي: أيُّ زوجةٍ (حُبِسَتْ وَلَوْ ظُلْمًا، أَوْ نَشَزَتْ، أَوْ تَطَوَّعَتْ بِلَا إِذْنِهِ) أي: الزَّوجِ (بِصَوْمٍ أَوْ حَجٍّ، أَوْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا وَلَوْ بِإِذْنِهِ، فَلَا نَفَقَةَ) لها؛ لأنَّها منَعَت نفسَها عنه بسببٍ لا مِنْ جهته، بخلافِ مَنْ أَحرمَت بفريضةٍ مِنْ صومٍ أو حجٍّ أو صلاةٍ ولو في أوَّلِ وقتِها بسُنَّتها، أو صامَت قضاءَ رمضانَ في آخرِ شعبانَ. (وَتَجِبُ) نفقةُ (كُلِّ يَوْمٍ) أي: يَلزم دفعُها لمَن وجَبَت له (فِي أَوَّلِهِ)، يَعني: مِنْ طلوعِ الشمسِ، والواجبُ دفعُ قُوتٍ مِنْ خبزٍ وأُدْمٍ، لا حَبٍّ. (وَ) يَجب دفعُ (الكِسْوَةِ أَوَّلَ كُلِّ عَامٍ) مِنْ زمنِ الوجوبِ، وكذا غطاءٌ ووِطاءٌ وسِتارةٌ يُحتاج إليها. واختار ابنُ نصرِ اللهِ: أنَّها كماعونِ البيتِ، تَجِب بقَدْرِ الحاجةِ (٣). (وَإِنِ اتَّفَقَا) أي: الزَّوجان (عَلَى تَقْدِيمِ) ذلك، (أَوْ تَأْخِيرِهِ، أَوْ) على (عِوَضٍ) عنه؛ (جَازَ)؛ لأنَّ الحقَّ لا يَعْدُوهما، (وَلَا يُجْبَرُ مَنِ امْتَنَعَ مِنْهُ)؛ لأنَّه خلافُ الواجبِ. (وَلَا تَسْقُطُ) نفقةُ زوجةٍ (بِمُضِيِّ الزَّمَانِ)، ولو لم يَفرضها حاكمٌ، أو ترَك

стр. 1123

الإنفاقَ لعذرٍ؛ لأنَّه حقٌّ يَجب مع اليَسارِ والإعسارِ، فلم يَسقط بمُضيِّ الزَّمانِ؛ كالأُجرة، (بِخِلَافِ نَفَقَةِ القَرِيبِ)، فتَسقط بمُضيِّ الزَّمانِ؛ لأنَّها صِلَةٌ ومُواساةٌ، يُعتبر فيها يَسارُ المنفِقِ وإعسارُ مَنْ تَجِب له. هكذا أَطلَق السُّقوطَ الأكثرُ، وذكَرَ بعضٌ: إلّا بفرضِ حاكمٍ، أو إذنِه في استدانةٍ، وجزَم به في «الإقناع» (١). (وَتَجِبُ) النَّفقةُ على الزَّوج (بِتَسْلِيمِ) هِ (٢) (زَوْجَةً مُطِيقَةً) للوطءِ، بأنْ تَكون بنتَ تسعٍ، (أَوْ بَذْلِهَا) تسليمَ (٣) نفسِها للزَّوجِ تسليمًا تامًّا، هي أو وليُّها، (وَلَوْ مَعَ صِغَرِ زَوْجٍ)، أو مرضِه، أو سفرِه، أو عُنَّتِه، أو جَبِّ ذكَرِه، أو مع حيضِها، أو كَونِها نِضوةَ الخِلقةِ، أو مريضةً يَتعذَّر وطؤُها. (وَمَتَى أَعْسَرَ) زوجٌ (بِالقُوتِ، أَوْ) أَعسَر ب (الكِسْوَةِ)، أو ببعضِهما (٤)، أو بالمَسكن؛ فلَها فسخُ النِّكاحِ؛ لحديثِ أَبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا، في الرَّجل لا يَجِد ما يُنفق على امرأته، قال: «يُفرَّق بينَهما» رَواه الدارَقُطنيُّ (٥). فتَفسخ (٦) فورًا ومتراخيًا (٧) بإذنِ الحاكمِ. (أَوْ غَابَ) زوجٌ (وَتَعَذَّرَتْ) نفقةُ الزَّوجةِ (مِنْ مَالِهِ) أي: الزَّوجِ، بأنْ لم

стр. 1124

يَترك نفقةً، ولم تَقدِر له على مالٍ (١)، (وَ) تَعذَّرَت (الاسْتِدَانَةُ عَلَيْهِ)، ولو مُوسِرًا؛ (فَلَهَا الفَسْخُ بِ) إذنِ (حَاكِمٍ)، فيَفسخ الحاكمُ بطلبِها، أو تَفسخ بأمره. (فصل) في نفقةِ الأقاربِ والمماليكِ والبَهائمِ (تَجِبُ) النفقةُ كاملةً إذا كان المنفَقُ عليه لا يَملك شيئًا، ولم يَكُنْ مع المنفِقِ مَنْ يَشرَكُه (٢) في الإنفاق (لِأَبَوَيْهِ وَإِنْ عَلَوَا)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، والإنفاقُ عليهما مِنْ الإحسان. (وَ) تَجِب النَّفقةُ أو تتمَّتُها ل (وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ)، ذكرًا كان أو أُنثى؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

стр. 1125

(حَتَّى ذِي الرَّحِمِ مِنْهُمْ) أي: مِنْ آبائه وأمَّهاتِه؛ كأجداده المُدلِين بإناثٍ، وجدَّاتِه السَّاقطاتِ، ومِن أولادِه؛ كولدِ بنتٍ. (وَ) تَجِب النَّفقةُ أو تتمَّتُها ل (كُلِّ مَنْ يَرِثُهُ) المنفِقُ، (بِفَرْضٍ)؛ كولدِ الأمِّ، (أَوْ تَعْصِيبٍ)؛ كأخٍ (١) وعمٍّ لغيرِ أمٍّ، لا لمَن يَرِثه برحمٍ؛ كخالٍ وخالةٍ، سوى عَمودَي نسبِه كما سبَق. وتَكون النَّفقةُ على مَنْ تَجِب عليه (بِمَعْرُوفٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، فأَوجَب على الأب نفقةَ الرَّضاعِ، ثمَّ أَوجَب على الوارث مِثلَ ما أَوجَبه على الأب، وروَى أبو داودَ: أنَّ رَجلًا سألَ النبيَّ ﷺ : مَنْ أَبَرُّ؟ قال: «أمَّك وأباك، وأختَك وأخاك»، وفي لفظٍ: «ومَولاك الذي هو أَدناك، حقًّا واجبًا، ورَحِمًا موصولًا» (٢). ويُشترط لوجوبِ نفقةِ القريبِ ثلاثةُ شروطٍ: الأوَّلُ: أن يَكون المنفِقُ وارثًا للمنفَقِ عليه، وتقدَّمَت الإشارةُ إليه. الثاني: فَقرُ المنفَقِ عليه، وقد أشار إليه بقوله: (مَعَ فَقْرِ مَنْ تَجِبُ لَهُ) النَّفقةُ، (وَعَجْزِهِ عَنْ تَكَسُّبٍ)؛ لأنَّ النَّفقةَ إنَّما تَجِب على سبيلِ المواساةِ، والغنيُّ بمِلكه أو قدرتِه على التَّكسُّب مُستغنٍ عن المواساة. ولا يُعتبر نَقصُه، فتَجب لصحيحٍ مكلَّفٍ لا حِرْفةَ له. الثالثُ: غِنَى منفِقٍ، وإليه أشار بقوله: (وَيَسَارِ مُنْفِقٍ)، بأنْ يَفضُل ما يُنفقه

стр. 1126

على قريبه عن قوتِ نفسِه وزوجتِه ورقيقِه، يومَه وليلتَه، وعن كسوةٍ ومسكنٍ، مِنْ حاصلٍ في يده، أو متحصِّلٍ (١) مِنْ صناعةٍ، وتجارةٍ، وأُجرةِ عقارٍ، ونحوِها؛ لحديثِ جابرٍ مرفوعًا: «إذا كان أحدُكم فقيرًا؛ فَلْيَبْدأ بنفسه، فإن كان فَضلٌ؛ فعَلى عِيالِه، فإن كان فضلٌ؛ فعَلى قَرابته» (٢). ولا تَجِب نفقةُ قريبٍ مِنْ رأسِ مالٍ (٣)، أو ثمنِ مِلكٍ، أو آلةِ صناعةٍ؛ للضَّرر. (وَمَنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ أَبٍ)، واحتاجَ لنفقةٍ؛ (فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ) أي: على وارثه (بِقَدْرِ إِرْثِهِمْ) منه؛ لأنَّ اللهَ تَعالى رتَّب النَّفقةَ على الإرث بقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. فمَن له أمٌّ وجدٌّ: على الأمِّ ثُلثُ النَّفقةِ، وعلى الجدِّ الثُّلثان. وأمَّا الأبُ فيَنفرد بنفقةِ ولدِه. (وَيَلْزَمُ إِعْفَافُ مَنْ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ)، فمَن عليه نفقةُ زيدٍ مَثلًا لكَونِه أباه أو ابنَه أو أخاه ونحوَه؛ فعَليه تزويجُه (لِحَاجَةٍ، وَ) عليه (نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ)؛ لأنَّ ذلك مِنْ حاجةِ الفقيرِ. (وَ) يَجب على المنفِق على صغيرٍ نفقةُ (ظِئْرِهِ لِحَوْلَيْنِ) كاملَين؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ … ﴾ الآيةَ.

стр. 1127

(وَلَا) تَجِب (نَفَقَةٌ) بقَرابةٍ (مَعَ اخْتِلَافِ دِينٍ)، ولو مِنْ عمودَي نَسَبِه؛ لعدمِ التَّوارثِ إذَنْ، (إِلَّا بِالوَلَاءِ)، فيَلزم مسلمًا نفقةُ عَتيقِه الكافرِ، وعكسُه؛ لإرثِه منه. (وَ) يَجب (عَلَيْهِ (١)) أي: على (٢) السَّيِّدِ (نَفَقَةُ رَقِيقِهِ)، ولو آبقًا أو ناشزًا (٣)، طعامًا مِنْ غالبِ قُوتِ البلدِ. (وَ) عليه (كِسْوَتُهُ وَسُكْنَاهُ بِالمَعْرُوفِ). (وَ) على السَّيِّد (أَلَّا يُكَلِّفَهُ مُشِقًّا كَثِيرًا)؛ لقولِه ﷺ : «للمَملوكِ طعامُه وكسوتُه بالمعروف، وألّا يُكلَّف مِنْ العمل ما لا يُطيق» رَواه الشَّافعيُّ في مسنده (٤). ويُريحه في القائلة، ويُرْكِبه سفرًا عُقْبةً. (وَإِنْ طَلَبَ) الرَّقيقُ (نِكَاحًا؛ زَوَّجَهُ) السَّيِّدُ، (أَوْ بَاعَهُ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾. (وَإِنْ طَلَبَتْهُ) أي: التَّزويجَ (أَمَةٌ؛ وَطِئَهَا) السَّيِّدُ، (أَوْ زَوَّجَهَا، أَوْ بَاعَهَا)؛ إزالةً لضررِ الشَّهوةِ عنها. ويُزوِّج أمَةَ صبيٍّ أو مجنونٍ مَنْ يَلِي مالَه إذا طلَبَته.

стр. 1128

وإن غاب سيِّدٌ عن أمِّ ولدِه؛ زُوِّجَت لحاجةِ نفقةٍ أو وطءٍ (١). (وَ) يَجب (عَلَيْهِ) أي: على مالكِ بهائمَ (عَلْفُ بَهَائِمِهِ)، وسَقْيُها، (وَمَا يُصْلِحُهَا)؛ لحديثِ: «عُذِّبَت امرأةٌ في هرَّةٍ حبَسَتها حتى ماتت جوعًا، فلا هي أَطعمَتها، ولا هي أَرسلَتها تأكل مِنْ خَشاشِ الأرضِ (٢)» متَّفق عليه (٣). (وَ) يَجب عليه أن (لَا يُحَمِّلَهَا مَا تَعْجِزُ عَنْهُ)؛ لئلَّا يُعذِّبَها. ويَحرم لَعنُها، وضربُ وجهٍ، ووَسْمٌ فيه. (وَلَا يَحْلُبُ مِنْ لَبَنِهَا مَا يَضُرُّ بِوَلَدِهَا)؛ لعمومِ قولِه ﷺ : «لا ضررَ ولا ضِرارَ» (٤). (وَإِنْ عَجَزَ) مالكُ البهيمةِ (عَنْ نَفَقَتِهَا؛ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا، أَوْ إِجَارَتِهَا، أَوْ ذَبْحِ) هَا إن كانت (مَأْكُولَةً (٥))؛ دفعًا للضَّررِ.

стр. 1129

(بَابُ الحَضَانَةِ) مِنْ الحِضْن (١)، وهو الجَنْبُ؛ لأنَّ المربِّيَ يَضمُّ الطِّفلَ إلى حِضنه. وهي حفظُ صغيرٍ ونحوِه عمَّا يَضرُّه، وتَرْبِيَتُه بعملِ مَصالحِه. (تَجِبُ) الحضانةُ (لِحِفْظِ صَغِيرٍ، وَمَعْتُوهٍ) أي: مختلِّ العقلِ، (وَمَجْنُونٍ)؛ لأنَّهم يَضيعون بتَركها، فوجَبَت؛ إنجاءً مِنْ الهلكةِ. (وَالأَحَقُّ بِهَا أُمٌّ)؛ لقولِه ﷺ لها: «أنتِ أَحقُّ به ما لم تَنكِحي» رَواه أبو داودَ (٢)؛ ولأنَّها أَشفَق عليه. (ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا القُرْبَى فَالقُرْبَى)؛ لأنَّهنَّ في معنى الأمِّ؛ لتحقُّقِ وِلادَتِهنَّ. (ثُمَّ أَبٌ)؛ لأنَّه أصلُ النَّسبِ، (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ كَذَلِكَ) أي: القُربى فالقُربى؛ لإدلائِهنَّ بعصبةٍ. (ثُمَّ جَدٌّ) لأبٍ، الأقربُ فالأقربُ، (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ كَذَلِكَ)، القُربى فالقُربى. (ثُمَّ أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ)؛ لقوَّةِ قَرابتِها، (ثُمَّ) أختٌ (لِأُمٍّ)؛ لإدلائِها بالأمِّ؛ كالجدَّاتِ، (ثُمَّ) أختٌ (لِأَبٍ). (ثُمَّ خَالَةٌ كَذَلِكَ) أي: لأبوَين، ثمَّ لأمٍّ، ثمَّ لأبٍ؛ لإدلائِهنَّ بالأمِّ. (ثُمَّ عَمَّةٌ كَذَلِكَ)، لأبوَين، ثمَّ لأمٍّ، ثمَّ لأبٍ؛ لإدلائهنَّ بالأب.

стр. 1130

(ثُمَّ بَنَاتُ إِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ) لأبوَين، ثمَّ لأمٍّ، ثمَّ لأبٍ (١). (ثُمَّ بَنَاتُ أَعْمَامِهِ وَعَمَّاتِهِ) كذلك. (ثُمَّ) تَنتقل الحضانةُ ل (بَاقِي العَصَبَةِ، الأَقْرَبِ فَالأَقْرَبِ)، فتُقدَّم الإخوةُ، ثمَّ بَنُوهم، ثمَّ الأعمامُ، ثمَّ بَنُوهم، ثمَّ أعمامُ أبٍ، ثمَّ بَنُوهم، وهكذا. (ثُمَّ) تَنتقل الحضانةُ ل (ذَوِي الأَرْحَامِ) مِنْ الذُّكور والإناثِ غيرَ مَنْ تَقدَّم، وأَولاهم (٢): أبو أمٍّ، ثمَّ أمَّهاتُه، فأخٌ لأمٍّ، فخالٌ. (ثُمَّ) تَنتقل الحضانةُ إلى (الحَاكِمِ)؛ لعمومِ وِلايتِه. (وَإِنِ امْتَنَعَ مَنْ لَهُ الحَضَانَةُ) منها، (أَوْ كَانَ) مَنْ له الحضانةُ (غَيْرَ أَهْلٍ) لها؛ (انْتَقَلَتْ لِمَنْ بَعْدَهُ)، يَعني: إلى مَنْ يَليه؛ كولايةِ النِّكاحِ؛ لأنَّ وجودَ غيرِ المستحِقِّ كعَدمه. (وَلَا حَضَانَةَ لِمَنْ فِيهِ رِقٌّ) ولو قلَّ؛ لأنَّها ولايةٌ ليس هو مِنْ أهلها. (وَلَا) حضانةَ (لِفَاسِقٍ)؛ لأنَّه لا يُوثق به فيها. (وَلَا) حضانةَ (لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ)؛ لأنَّه أَولى بعدمِ الاستحقاقِ مِنْ الفاسق. (وَلَا) حضانةَ (لِمُزَوَّجَةٍ بِأَجْنَبِيٍّ مِنْ مَحْضُونٍ)، مِنْ حينِ عقدٍ؛ للحديثِ السابقِ، ولو رَضي زوجٌ. فإن تَزوَّجَت بقريبِ محضونِها ولو غيرَ مَحرمٍ له؛ لم تَسقط حضانتُها. (وَلَا) حضانةَ (لِغَيْرِ مَحْرَمٍ إِذَا تَمَّ لِأُنْثَى) محضونةٍ (سَبْعُ سِنِينَ)، فإن كان

стр. 1131

مَحرمًا ولو بنحوِ رَضاعٍ؛ كعمٍّ، وابنِ عمٍّ هو أخٌ مِنْ رَضاعٍ، أو هي رَبِيبةٌ وقد دخَل بأمِّها؛ قام مقامَ الأبِ عندَ عدمِه، أو عدمِ أهليَّتِه. (وَمَتَى زَالَ المَانِعُ)، بأنْ عتَق الرَّقيقُ، وتابَ الفاسقُ، وأَسلَم الكافرُ، وطُلِّقَت المزوَّجةُ ولو رجعيًّا؛ (عَادَ الحَقُّ) في الحضانة؛ لوجودِ السَّببِ، وانتفاءِ المانعِ. (وَإِذَا أَرَادَ أَحَدُ الأَبَوَيْنِ) لمحضونٍ (١) (سَفَرًا لِبَلَدٍ بَعِيدٍ) مسافةَ قصرٍ فأكثرَ، (لِيَسْكُنَهُ)، وهو وطريقُه آمنانِ؛ (فَأَبٌ أَحَقُّ) بالحضانة؛ لأنَّه الذي يَقوم بتأديبِه وتخريجِه وحفظِ نَسبِه، فإذا لم يَكُنْ الولدُ في بلدِ الأبِ ضاعَ. (وَإِلَّا)، بأنْ أراد أحدُ أبوَيه سفرًا إلى بلدٍ قريبٍ لسُكنى؛ (فَأُمٌّ) أحقُّ، فتَبقى على حضانتها؛ لأنَّها أَتمُّ شفقةً. (وَإِذَا بَلَغَ الغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ)، كاملةً، وكان عاقلًا؛ (خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ)، فكان مع مَنْ اختارَ منهما، قضَى به عمرُ (٢) وعليٌّ (٣) ﵄. فإن اختارَ أباه؛ كان عندَه ليلًا ونهارًا، ولا يُمنع زيارةَ أُمِّه، وإن اختارَها؛ كان عندها ليلًا، وعندَ أبيه نهارًا؛ ليُعلِّمَه ويُؤدِّبَه. وإن عادَ فاختارَ الآخرَ؛ نُقِل إليه (٤).

стр. 1132

فإن لم يَختر واحدًا؛ أُقرِع. (وَلَا يُقَرُّ مَحْضُونٌ بِيَدِ مَنْ لَا يَصُونُهُ وَيُصْلِحُهُ)؛ لفواتِ المقصودِ مِنْ الحضانة. (وَأَبُو الأُنْثَى أَحَقُّ بِهَا بَعْدَ) تَمامِ (سَبْعِ) سنين لها، فتُقِيم عندَ أبيها وجوبًا (حَتَّى الزِّفَافِ)، بكسرِ الزَّاي، أي: حتى يَتسلَّمها زوجُها؛ لأنَّه أحفظُ لها (١)، وأحقُّ بوِلايتِها مِنْ غيره. ولا تُمنع الأمُّ مِنْ زيارتها إن لم يُخَف منها. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ: ولو كان الأبُ عاجزًا عن حفظها، أو يُهمله لاشتغالِه أو قلَّةِ دِينِه، والأمُّ قائمةٌ بحِفظها؛ قُدِّمَت. انتهى (٢). وهو ممَّا يُفهم ممَّا تَقدم. (وَأُمُّ) رضيعٍ (أَحَقُّ بِرَضَاعِ وَلَدِهَا، وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا مَعَ) وجودِ (مُتَبَرِّعَةٍ (٣)) بالرَّضاع؛ لأنَّ الأمَّ أشفقُ مِنْ غيرها، ولبنُها أَمْرَأُ، بائنًا كانت الأمُّ أو تحتَ أبيه؛ لعمومِ قولِه تَعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. وإن تَزوَّجَت مرضِعةٌ بآخرَ؛ فله مَنعُها مِنْ إرضاعِ ولدِ الأوَّلِ، ما لم تَكُنْ اشترطَتْه، أو يُضطرَّ إليها.

стр. 1133

(كِتَابُ الجِنَايَاتِ) جمعُ «جِنايةٍ»، وهي لغةً: التَّعدِّي على بَدنٍ، أو مالٍ، أو عِرْضٍ. واصطلاحًا: التَّعدِّي على البَدنِ بما يُوجِب قِصاصًا أو مالًا. ومَن قتَل مسلمًا عمدًا عُدوانًا؛ فسَق، وأمرُه إلى الله، إن شاء غفَر له، وتوبتُه مقبولةٌ. ثمَّ (الْقَتْلُ) ثلاثةُ أضربٍ: (عَمْدٌ؛ يَخْتَصُّ القَوَدُ بِهِ بِشَرْطِ القَصْدِ) أي: قصدِ الجاني للجنايةِ، (وَ) بشرطِ (المُكَافَأَةِ) بينَ القاتلِ والمقتولِ، بأنْ يَكونا مسلِمَين أو كافرَين. (وَ) الضَّربُ الثَّاني: (شِبْهُ عَمْدٍ). (وَ) الثالثُ: (خَطَأٌ) يَجب (فِيهِمَا الدِّيَةُ عَلَى العَاقِلَةِ) أي: على (١) عاقلةِ القاتلِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾. (وَ) يَجب فيهما (٢) أيضًا (الكَفَّارَةُ فِي مَالِ قَاتِلٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. فالقتلُ العمدُ: أن يَقصد مَنْ يَعلَمُه آدميًّا معصومًا، فيَقتُلَه بما يَغلب على الظَّنِّ موتُه به، فلا قصاصَ إن لم يَقصد قَتْلَه، ولا إن قصَده بما لا يَقتل غالبًا، وإلى هذا أشار بقوله: (فَمَنْ قَتَلَ مَعْصُومًا بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ)؛ مِثلُ أن

стр. 1134

يَجرحه (بِمُحَدَّدٍ) وهو: ما له حَدٌّ يَنفذ به في البدن؛ كسِكِّينٍ، وشَوكةٍ؛ فعليه القَوَدُ. (أَوْ) ضرَبه (بِحَجَرٍ كَبِيرٍ) ونحوِه، (أَوْ) قتَله ب (سُمٍّ) يَقتل غالبًا لا يَعلم به المسمومُ؛ فعَليه القَوَدُ. (أَوْ) قتَله (١) ب (سِحْرٍ يَقْتُلُ غَالِبًا)؛ فعَليه القَوَدُ. (أَوْ أَلْقَاهُ مِنْ شَاهِقٍ) أي: مَحلٍّ عالٍ، فيَموت (٢)؛ فعَليه القَوَدُ. (أَوْ) أَلقاه (فِي نَارٍ) تُحرقه، (أَوْ مَاءٍ يُغْرِقُهُ) ولا يُمكنه التخلُّصُ (٣) منهما (٤)؛ لعجزٍ أو كثرةٍ، (وَنَحْوِ ذَلِكَ)؛ كما لو خنَقه بحبلٍ؛ فعليه القَوَدُ. (أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ)، مِنْ زِنًى، أو رِدَّةٍ لا تُقبل معها التَّوبةُ، (ثُمَّ رَجَعَ) عن شهادته بعدَ قتلِه، (وَقَالَ) الشاهدُ: (عَمَدْتُ (٥)) قَتْلَه؛ (فَعَلَيْهِ القَوَدُ) بهذا كلِّه؛ لأنَّه تَوصَّل إلى قتله بما يَقتله غالبًا. وأمَّا شِبهُ العَمدِ: فهو أن يَقصد جنايةً لا تَقتل غالبًا، ولم يَجرحه بها، وإلى ذلك أشار بقوله: (وَإِنْ ضَرَبَهُ قَصْدًا بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ؛ كَحَجَرٍ صَغِيرٍ، وَسَوْطٍ)، وعصًا؛ (فَشِبْهُ عَمْدٍ). وأمَّا الخطأُ: فهو أن يَفعل ما له فِعلُه، فيُؤدِّي إلى قتلِ آدميٍّ معصومٍ، وإلى هذا أشار بقوله: (وَإِنْ رَمَى صَيْدًا، أَوْ غَرَضًا، فَأَصَابَ آدَمِيًّا) معصومًا (لَمْ

стр. 1135

يَقْصِدْهُ)، فقتَله، (أَوِ انْقَلَبَ) وهو (نَائِمٌ، وَنَحْوُهُ)؛ كمُغمًى عليه، (عَلَى آدَمِيٍّ) معصومٍ (فَقَتَلَهُ)؛ فذلك القتلُ (خَطَأٌ؛ كَعَمْدِ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ)؛ لأنَّه لا قَصْدَ لهما، فهما كالمكلَّف المُخطِئ. (وَتُقْتَلُ الجَمَاعَةُ)، الاثنان فأكثرُ، (بِ) شخصٍ (وَاحِدٍ) إن صلَح فعلُ كلِّ واحدٍ لقتلِه، وإلّا فلا قصاصَ ما لم يَتواطؤوا عليه. (فَإِنْ أُسْقِطَ (١) القَوَدُ) بعفوٍ عن القاتلِين؛ (فَ) عليهم (دِيَةٌ فَقَطْ)، أي (٢): لا أكثرُ مِنْ ديةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ القتلَ واحدٌ، فلا يَلزم به أكثرُ مِنْ ديةٍ؛ كما لو قتلوه خطأً. (وَمَنْ أَكْرَهَ مُكَلَّفًا عَلَى قَتْلِ) معيَّنٍ (مُكَافِئِهِ)، فقتَله؛ (فَالقَوَدُ) إن لم يَعفُ وليُّه، (أَوِ الدِّيَةُ) إن عفَا، (عَلَيْهِمَا) أي: على القاتل ومَن أَكرَهه؛ لأنَّ القاتلَ قصَد استبقاءَ نفسِه بقتلِ غيرِه، ومكرِهَه تَسبَّب (٣) إلى القتل بما يُفضي إليه غالبًا. (وَإِنْ أَمَرَ) مكلَّفٌ (بِهِ) أي: بالقتل (غَيْرَ مُكَلَّفٍ) لصِغَرٍ أو جنونٍ؛ فالقَوَدُ أو الدِّيةُ على الآمر؛ لأنَّ المأمورَ آلةٌ لا يُمكن إيجابُ القصاصِ عليه، فوجَب على المتسبِّب. (أَوْ) أمَر مكلَّفٌ بالقتل (مَنْ) أي: مكلَّفًا (يَجْهَلُ تَحْرِيمَهُ) أي: القتلِ؛ كمَن نشَأ بغيرِ بلدِ الإسلامِ، ولو عبدًا للآمرِ؛ فالقصاصُ أو الدِّيةُ على الآمر؛ لِما تَقدَّم. (أَوْ أَمَرَ بِهِ) أي: بالقتل (سُلْطَانٌ)، حالَ كَونِ القتلِ (ظُلْمًا مَنْ) أي: مكلَّفًا (جَهِلَ) المأمورُ (ظُلْمَهُ) أي: السُّلطانِ (فِيهِ) أي: في القتل، بأنْ لم يَعرف المأمورُ

стр. 1136

أنَّ المقتولَ لم يَستحقَّ القتلَ، فقتَل المأمورُ؛ (فَالقَوَدُ) إن لم يَعفُ مستحِقُّه، (أَوِ الدِّيَةُ) إن عفَا عنه؛ (عَلَى الآمِرِ) بالقتل دونَ المباشِرِ؛ لأنَّه معذورٌ؛ لوجوبِ طاعةِ الإمامِ في غيرِ المعصيةِ، والظاهرُ أنَّ الإمامَ لا يأمر إلّا بالحقِّ. (وَإِنْ عَلِمَ المُكَلَّفُ المَأْمُورُ) بالقتل (تَحْرِيمَهُ)، سلطانًا كان الآمرُ أو غيرَه؛ (ضَمِنَ) المأمورُ (وَحْدَهُ) بالقَوَد أو الدِّيةِ (١)؛ لمباشرتِه القتلَ بلا عذرٍ؛ لقولِه ﷺ : «لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ» (٢)، (وَأُدِّبَ آمِرُهُ (٣)) بما يَراه الإمامُ مِنْ ضربٍ أو حبسٍ. ومَن دفَع إلى غيرِ مكلَّفٍ آلةَ قتلٍ، ولم يَأمره به، فقتَل؛ لم يَلزم الدَّافعَ شيءٌ. (وَ) يُشترَطُ (٤) لوجوبِ القصاصِ أربعةُ شروطٍ: أحدُها: عِصمةُ مقتولٍ، فلو قتَل حربيًّا، أو مرتدًّا، أو زانيًا محصَنًا، ولو قبلَ ثُبوته عندَ حاكمٍ؛ لم يَضمن بقصاصٍ ولا ديةٍ. الثاني: كونُ قاتلٍ بالغًا عاقلًا، فلا قصاصَ على صغيرٍ ومجنونٍ ومعتوهٍ. الثالثُ: المكافأةُ بينَ المقتولِ وقاتلِه، ف (لَا قِصَاصَ بِقَتْلِ غَيْرِ مُكَافِئٍ) أي: غيرِ مُساوٍ في دِينٍ وحرِّيَّةٍ أو رِقٍّ، بأن لا يَفضُلَ القاتلُ المقتولَ بإسلامٍ أو حرِّيَّةٍ أو مِلكٍ.

стр. 1137

(فَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِمَنْ فِيهِ رِقٌّ)؛ لحديثِ أحمدَ عن عليٍّ: «مِنْ السُّنَّة أن لا يُقتل حرٌّ بعبدٍ» رَواه الدارَقُطنيُّ (١). (وَلَا) يُقتل (مُسْلِمٌ)، حرٌّ أو عبدٌ، (بِكَافِرٍ)، كتابيٍّ أو مجوسيٍّ، ذمِّيٍّ أو معاهَدٍ؛ لقولِه ﷺ : «لا يُقتل مسلمٌ بكافرٍ» رَواه البخاريُّ وأبو داودَ (٢). (وَيُقْتَلُ ذَكَرٌ بِأُنْثَى)، وعكسُه، ومكلَّفٌ بغيرِ مكلَّفٍ. الرابعُ: عدمُ الولادةِ، كما أشار إلى ذلك بقوله: (وَلَا يُقْتَلُ أَبٌ، وَلَا أُمٌّ، وَلَا جَدٌّ، وَلَا جَدَّةٌ، بِوَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ)؛ لقولِه ﷺ : «لا يُقتل والدٌ بولدِه» (٣)، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (هو حديثٌ مشهورٌ عندَ أهلِ العلمِ بالحجاز (٤) والعراقِ، مستفيضٌ عندَهم) (٥). (وَيُقْتَلُ الوَلَدُ بِكُلٍّ مِنْهُمْ) أي: جميعِ أصولِه؛ لعمومِ قولِه تَعالى: ﴿كُتِبَ

стр. 1138

عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. ويُشترط لاستيفاءِ القصاصِ ثلاثةُ شروطٍ: أحدُها: كونُ مستحِقِّه مكلَّفًا. فإن كان مستحِقُّ القصاص، أو بعضُ مستحِقِّه صبيًّا أو مجنونًا؛ لم يَستوفه لهما أبٌ ونحوُه، وإلى هذا أشار بقوله: (وَيُحْبَسُ جَانٍ إِنْ كَانَ فِي الوَرَثَةِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ) لصِغَرٍ أو جنونٍ، (حَتَّى يُكَلَّفَ) صغيرٌ ببلوغٍ، ومجنونٌ بإفاقةٍ (١)، (وَيُطَالِبَ) بعدَ تكليفِه؛ لأنَّ معاويةَ حبَس هُدْبَةَ بنَ خَشْرم في قصاصٍ حتى بلَغ ابنُ القتيلِ (٢)، وكان ذلك في عصرِ الصَّحابةِ، ولم يُنكَر. وإن احتاج لنفقةٍ؛ فلِوَليِّ مجنونٍ فقط العفوُ إلى الدِّية. الثاني: اتِّفاقُ جميعِ الورثةِ على استيفائِه، وإلى هذا أشار بقوله: (وَلَيْسَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ)؛ لأنَّه يَكون مستوفيًا لحقِّ غيرِه بغيرِ إذنِه، ولا ولايةَ له عليه، فيُنتظر قدومُ غائبٍ ونحوِه. الثالثُ (٣): أن يُؤمَن في استيفاءٍ أن يَتعدَّى إلى غيرِ جانٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾، وإلى هذا أشار بقوله: (وَلَا يُسْتَوْفَى مِنْ حَامِلٍ) وجَب عليها القصاصُ، أو على حائلٍ فحَمَلَت، (حَتَّى تَضَعَ) الولدَ، (وَتَسْقِيَهُ اللِّبَأَ)؛ لأنَّ قَتْلَ الحاملِ يَتعدَّى إلى الجنين، وقَتْلَها قبلَ أن تَسقيه اللِّبأَ يَضرُّه؛ لأنَّه في الغالب لا يَعيش إلّا به، ثمَّ بعدَ سَقْيِه اللِّبأَ إن وُجِد مَنْ يُرضعه؛ قُتِلَت، وإلّا تُرِكَت حتى تَفطِمَه.

стр. 1139

(وَلَا) يُستوفى مِنْ حاملٍ (فِي طَرَفٍ)؛ كيَدٍ أو رِجلٍ، (حَتَّى تَضَعَ) وإن لم تَسقِه اللِّبَأَ، (وَكَذَا حَدٌّ (١))، فإذا زنَت محصَنةٌ حاملٌ، أو حائلٌ فحَمَلَت؛ لم تُرجَم حتى تضعَ وتَسقِيَه اللِّبأَ، ويُوجدَ مَنْ يُرضعه. وتُحَدُّ بجلدٍ عندَ وضعٍ. (وَلَا) يَجوز أن (يُسْتَوفَى قِصَاصٌ إِلَّا بِحَضْرَةِ إِمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ)؛ لافتقارِه إلى اجتهادِه (٢)، وخوفِ الحَيفِ. (وَ) لا يُستوفى إلّا (بِآلَةٍ مَاضِيَةٍ)، ثمَّ إن أَحسَنه الوليُّ مُكِّنَ منه، وإلّا أُمِرَ (٣) بالتَّوكيل، وإن احتيجَ إلى أُجرةٍ؛ فمِن مالِ جانٍ. ولا يُستوفى القصاصُ في النَّفس إلّا (بِضَرْبِ عُنُقِهِ) بسيفٍ، ولو كان الجاني قتَله بغيره؛ لقولِه ﷺ : «لا قَوَدَ إلّا بالسَّيف» رَواه ابنُ ماجَه (٤). ولا يُستوفى من طَرَفٍ إلّا بسكِّينٍ ونحوِها؛ لئلَّا يَحيفَ.

стр. 1140

(فصل) في العفو عن القصاص أَجمَع المسلمون على جوازه (١). (يَجِبُ بِعَمْدٍ القَوَدُ أَوِ الدِّيَةُ، فَيُخَيَّرُ الوَلِيُّ بَيْنَهُمَا)؛ لحديثِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «مَنْ قُتِلَ له قتيلٌ فهُو بخيرِ النَّظرَين، إمَّا أن يُفدى، وإمَّا أن يُقتل» رَواه الجماعةُ إلّا التِّرمذيَّ (٢). (وَعَفْوُهُ) أي: عفوُ وليِّ القصاصِ (مَجَّانًا) مِنْ غيرِ أن يَأخذ شيئًا؛ (أَفْضَلُ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، ولحديثِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «ما عفَا رَجلٌ عن مَظلمةٍ إلّا زادَه اللهُ بها عزًّا» رَواه أحمدُ ومسلمٌ والتِّرمذيُّ (٣). ثمَّ لا تعزيرَ على جانٍ. (وَيَصِحُّ صُلْحُهُ) أي: وليِّ الجنايةِ، (عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا) أي: مِنْ الدِّية. (وَإِنِ اخْتَارَهَا) أي: الدِّيةَ؛ تَعيَّنَت. (أَوْ عَفَا مُطْلَقًا)، بأنْ قال عَفَوتُ، ولم يُقيِّده بقصاصٍ ولا ديةٍ؛ تَعيَّنَت. (أَوْ هَلَكَ) أي: مات (جَانٍ؛ تَعَيَّنَتِ) الدِّيةُ في تَرِكَةِ جانٍ. (وَإِنْ وَكَّلَ) وليُّ القصاصِ (مَنْ يَسْتَوْفِيهِ، ثُمَّ عَفَا) الموكِّلُ عن القصاص،

стр. 1141

(وَلَمْ يَعْلَمْ وَكِيلُهُ) بالعفو، فاقْتَصَّ؛ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا)، أمَّا الموكِّلُ؛ فلِأنَّه محسِنٌ بالعفو، وما على المحسنِين (١) مِنْ سبيلٍ، وأمَّا الوكيلُ؛ فلِأنَّه لا تفريطَ منه. (وَإِنْ وَجَبَ لِرَقِيقٍ قَوَدٌ)، بقطعِ طَرَفِه، (أَوْ) وجَب له (تَعْزِيرُ قَذْفٍ؛ فَطَلَبُهُ) له، (وَإِسْقَاطُهُ لَهُ). (فَإِنْ مَاتَ) الرَّقيقُ؛ (فَ) طلبُ ذلك وإسقاطُه (لِسَيِّدِهِ)؛ لقيامِه مقامَه. (فصل) فيما يُوجِب القصاصَ فيما دونَ النَّفسِ (مَنْ أُخِذَ) أي: اقتُصَّ منه (بِغَيْرِهِ فِي النَّفْسِ) لوجودِ الشُّروطِ السَّابقةِ؛ (أُخِذَ بِهِ فِيمَا دُونَهَا) أي: دونَ النَّفسِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ … ﴾ الآيةَ. فمَن لا يُقاد به في النَّفس؛ كالمسلم بالكافر، والحُرِّ بالعبد، والأبِ بولده؛ فلا يُقاد به فيما دونَها. ثمَّ القصاصُ فيما دونَ النَّفْسِ نوعان: أحدُهما: في الطَّرف، (فَتُؤْخَذُ العَيْنُ) بالعين، (وَالأَنْفُ) بالأنف، (وَالأُذُنُ) بالأذن، (وَالسِّنُّ) بالسِّنِّ، (وَالجَفْنُ) بالجفن، (وَالشَّفَةُ) بالشَّفة؛ العُليا بالعُليا، والسُّفلى بالسُّفلى، (وَاليَدُ) باليد، (وَالرِّجْلُ) بالرِّجل؛ اليُمنى في ذلك كلِّه باليُمنى، واليُسرى باليُسرى، (وَالإِصْبَعُ) بإصبعٍ (٢) تُماثِلها في موضعها،

стр. 1142

(وَالأَنْمَلَةُ) بالأَنمَلة كذلك، (وَالذَّكَرُ) بالذَّكر، (وَالخُصْيَةُ) بالخُصية، (وَالأَلْيَةُ بِمِثْلِهَا) أي: بالأَلْية؛ للآيةِ السابقةِ. وللقصاصِ في الطَّرَف شروطٌ ثلاثةٌ: أشار إلى الأوَّل بقوله: (بِشَرْطِ أَمْنِ الحَيْفِ)، وهو شرطٌ لجوازِ الاستيفاءِ. وشرطُ وجوبِه: إمكانُ الاستيفاءِ بلا حَيفٍ، بأنْ يَكون القطعُ مِنْ مَفصِلٍ، أو يَنتهي إلى حدٍّ؛ كمارِنِ الأنفِ، وهو ما لانَ منه دونَ القصَبة. فلا قَوَدَ في جائفةٍ، ولا كسرِ غيرِ سنٍّ. الشَّرطُ الثاني: ما أشار إليه بقوله: (وَالمُمَاثَلَةُ فِي الاسْمِ وَالمَوْضِعِ). (وَ) الشَّرطُ الثالثُ: استواءُ الطَّرفَين، المجنيِّ (١) عليه والمقتَصِّ منه، في (الصِّحَّةِ وَالكَمَالِ، فَلَا تُؤْخَذُ يَمِينٌ) مِنْ يدٍ ورِجلٍ وعينٍ وأُذنٍ ونحوِها (بِيَسَارٍ)؛ لعدمِ المساواةِ في الاسم. ولا يُؤخذ أصليٌّ (٢) بزائدٍ، وعكسُه؛ لعدمِ المساواةِ في الموضعِ. (وَلَا) تُؤخذ يدٌ أو رِجلٌ (صَحِيحَةٌ بِ) يدٍ أو رِجلٍ (شَلَّاءَ). (وَلَا) تُؤخذ (عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بِ) عينٍ (قَائِمَةٍ)، وهي التي بياضُها وسوادُها صافيان، غيرَ أنَّ صاحبَها لا يُبصِر بها؛ لعدمِ المساواةِ في الصِّحَّة. ولا تُؤخذ يدٌ أو رِجلٌ كاملةُ الأصابعِ أو الأظفارِ بناقِصَتِها (٣)؛ لعدمِ

стр. 1143

المساواةِ (١) في الكمال. النَّوعُ الثاني مِنْ نوعَي القصاصِ فيما دونَ النَّفسِ: الجروحُ، وإليه أشار بقوله: (وَيُقْتَصُّ أَيْضًا مِنْ كُلِّ جُرْحٍ). وشُرِطَ لجوازِه زيادةً على ما سبَق: أن (يَنْتَهِيَ إِلَى عَظْمٍ؛ كَمُوضِحَةٍ) في رأسٍ أو وجهٍ، (وَ) كَ (جُرْحِ عَضُدٍ وَسَاقٍ وَفَخِذٍ، وَكَسْرِ سِنٍّ). ف (لَا) قصاصَ في (هَاشِمَةٍ، وَ) لا في (جَائِفَةٍ، وَنَحْوِهِمَا)؛ كمُنَقِّلةٍ ومأمومةٍ؛ لخوفِ الحَيفِ. (وَتُقْطَعُ الجَمَاعَةُ)، اثنان فأكثرُ، (بِوَاحِدٍ إِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ أَفْعَالُهُمْ)؛ كأنْ وضَعوا حديدةً على يدٍ، وتَحامَلوا عليها حتى بانَت اليدُ عمدًا، فعَلى كلِّ واحدٍ (٢) منهم القَوَدُ، كما في النَّفس. فإن تَفرَّقَت أفعالُهم، أو قطَع كلٌّ منهم مِنْ جانبٍ؛ فلا قَوَدَ على أحدٍ، بل عليهم الدِّيةُ، قال المصنِّفُ في «شرحِ المنتهى» (٣): وظاهرُه ولو تَواطؤوا (٤). وفيه نظر. (وَسِرَايَةُ الجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا)، فلو قطَع إصبعًا، فتَأكَّلَت (٥) أُخرى، أو اليدُ وسقَطَت مِنْ مَفصِلٍ، أو مات؛ ضَمِن الجاني ذلك،

стр. 1144

(بِقَوَدٍ أَوْ دِيَةٍ)؛ لحصولِ التَّلفِ بفعلِ الجاني، أَشبَه ما لو باشرَه. (دُونَ سِرَايَةِ القَوَدِ)، فلا تُضمن (١)؛ لقولِ عمرَ وعليٍّ ﵄: «مَنْ مات مِنْ حدٍّ أو قصاصٍ: لا ديةَ له، الحقُّ قتَله» رَواه سعيدٌ بمعناه (٢). (وَلَا) يَجوز أن (يُقْتَصَّ لِطَرَفٍ وَجُرْحٍ (٣) قَبْلَ بُرْئِهِ)؛ لحديثِ جابرٍ: «أنَّ رَجلًا جرَح رَجلًا، وأراد أن يَستقيد، فنهَى النبيُّ ﷺ أن يُستقاد مِنْ الجارحِ حتى يَبرأَ المجروحُ» رَواه الدارَقُطنيُّ (٤). (وَلَا يُطَالِبُ) مقطوعٌ أو مجروحٌ (بِدِيَتِهِ قَبْلَهُ) أي: قبلَ بُرئِه، (فَإِنْ فَعَلَ)، بأنِ اقتَصَّ، أو أخَذ الدِّيةَ قبلَ البُرءِ، فسرَى القطعُ أو الجرحُ على الجاني أو المجنيِّ عليه؛ (فَسِرَايَتُهُ هَدَرٌ)، أمَّا الجاني؛ فلِما تَقدَّم، وأمَّا المجنيُّ عليه؛ فلِأنَّه رَضي بتركِ ما يَزيد عليه بالسِّراية، فبطَل حقُّه.

стр. 1145

(كِتَابُ الدِّيَاتِ) جمعُ «دِيَةٍ»، مصدرُ: وَدَيْتُ القتيلَ: إذا أدَّيتَ دِيَتَه؛ كالعِدَة مِنْ الوَعد. وشرعًا: المالُ المؤدى (١) إلى مَجنِيٍّ عليه أو وليِّه، بسببِ جنايةٍ عليه. (مَنْ أَتْلَفَ آدَمِيًّا)، مسلمًا أو ذمِّيًّا، أو معاهَدًا، أو أَتلَف جزءًا منه، (بِمُبَاشَرَةٍ، أَوْ سَبَبٍ؛ لَزِمَتْهُ دِيَتُهُ) في مالِ جانٍ إن كان عمدًا، وعلى عاقِلته في غيره. فمَن أَلقى على آدميٍّ أفعًى، أو ألقاه عليها، أو طلَبه بسيفٍ ونحوِه مجرَّدٍ، فتَلِف في هَربه، ولو غيرَ ضريرٍ، أو روَّعه، بأنْ شَهَره في وجهه، أو دلَّاه مِنْ شاهقٍ، فمات، أو ذهَب عقلُه؛ ففيه الدِّيةُ. و (لَا) يَضمن بقَوَدٍ ولا دِيَةٍ (مَنْ أَدَّبَ وَلَدَهُ، أَوْ زَوْجَتَهُ، أَوْ) أدَّب معلِّمٌ (صَبِيَّهُ (٢)، أَوْ) أدَّب سلطانٌ (رَعِيَّتَهُ، وَلَمْ يُسْرِفِ) المؤدِّبُ في الجميع؛ لأنَّه فعَل ما له فعلُه شرعًا، ولم يتعدَّ فيه. فإن أَسرَف أو زادَ على ما يَحصل به المقصودُ، أو ضرَب مَنْ لا عقلَ (٣) له مِنْ صبيٍّ وغيرِه؛ ضَمِن؛ لتَعدِّيه. (وَمَنْ أَمَرَ) شخصًا (مُكَلَّفًا) أن (يَصْعَدَ شَجَرَةً، أَوْ) أمرَه أن (يَنْزِلَ بِئْرًا)، ففعَل (فَهَلَكَ بِهِ) أي: بصعوده أو نزولِه؛ (لَمْ يَضْمَنْهُ) آمرٌ، (وَلَوْ أَنَّهُ) أي: الآمرُ

стр. 1146

(سُلْطَانٌ)؛ لعدمِ إكراهِه (١) له؛ (كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَهُ) سلطانٌ أو غيرُه لذلك وهلَك به؛ لأنَّه لم يَجْنِ، ولم يَتعدَّ عليه. وكذا لو سلَّم بالغٌ عاقلٌ نفسَه أو ولدَه إلى سابحٍ حاذقٍ ليُعلِّمَه السِّباحةَ فغَرِق؛ لم يَضمن (٢) السَّابحُ. (وَيَضْمَنُ مَا) أي: حَملًا (أَسْقَطَتْ) هـ (حَامِلٌ بِ) سببِ (رِيحِ طَعَامِ) هـ (وَنَحْوِهِ)؛ كرائحةٍ كريهةٍ عندَه، إن (عَلِمَهُ) أي: عَلِم ربُّ الرَّائحةِ إسقاطَ الحاملِ مِنْ ذلك (عَادَةً)؛ لتسبُّبِه. (فصل) في مَقاديرِ دِيَاتِ النَّفسِ (دِيَةُ الحُرِّ المُسْلِمِ الذَّكَرِ: مِائَةُ بَعِيرٍ، أَوْ أَلْفُ مِثْقَالٍ ذَهَبًا، أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِضَّةً، أَوْ مَائَتَا بَقَرَةٍ، أَوْ أَلْفَا شَاةٍ)؛ لحديثِ أَبي داودَ عن جابرٍ: «فرَض رسولُ اللهِ ﷺ في الدِّية على أهلِ الإبلِ مائةً مِنْ الإبل، وعلى أهلِ البقرِ مائتَي بقرةٍ، وعلى أهلِ الشَّاءِ أَلفَي شاةٍ» (٣)، وعن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ رَجلًا قُتِلَ، فجعَل النبيُّ ﷺ دِيَتَه اثْنَا عشرَ ألفَ (٤) درهمٍ» (٥)، وفي كتابِ عمرِو بنِ

стр. 1147

حزمٍ: «وعلى أهلِ الذَّهبِ ألفُ دينارٍ» (١). (فَأَيَّهَا) بالنَّصب على المفعوليةِ ل: «أَحضَر» (٢)، أي: أيَّ هذه الخمسةِ (أَحْضَرَ مَنْ لَزِمَتْهُ) الدِّيةُ؛ (فَعَلَى الوَلِيِّ قَبُولُهُ)؛ لأنَّه أتى بالأصل في قضاءِ الواجبِ عليه. ثمَّ تارةً تُغلَّظ الدِّيةُ، وتارةً لا تُغلَّظ، فلِذا قال: (وَتُغَلَّظُ (٣) فِي عَمْدٍ وَشِبْهِهِ، فَيُؤْخَذُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً). ولا تغلَّظُ (٤) في غيرِ إبلٍ. (وَتُخَفَّفُ) الدِّيةُ (فِي الخَطَأِ، فَيُؤْخَذُ عِشْرُونَ مِنْ كُلٍّ (٥) مِنْ ذَلِكَ) المذكورِ، أي: عشرون بنتَ مَخاضٍ، وعشرون بنتَ لَبونٍ، وعشرون حِقَّةً، وعشرون جَذَعةً، (وَ) يُؤخذ (عِشْرُونَ ابْنَ مَخَاضٍ)، هذا قولُ ابنِ مسعودٍ ﵁ (٦).

стр. 1148

(وَكَذَا) في التَّغليظ والتَّخفيف: (حُكْمُ) دِيَةِ (طَرَفٍ)، وتُؤخذ (١) مِنْ بقرٍ مُسِنَّاتٌ وأَتْبِعةٌ، ومِن غنمٍ ثَنايَا وأجذِعةٌ (٢) نِصفَين. (وَدِيَةُ) حرٍّ (كِتَابِيٍّ)، ذمِّيٍّ أو معاهَدٍ (٣) أو مستأمَنٍ: (نِصْفُ دِيَةِ) الحرِّ (المُسْلِمِ)؛ لحديثِ عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّه: «أنَّ النبيَّ ﷺ قضَى بأنَّ عَقْلَ أهلِ الكتابِ نِصفُ عقلِ المسلمين» رَواه أحمدُ (٤). وكذا جِراحُه. (وَدِيَةُ مَجُوسِيٍّ)، ذمِّيٍّ أو معاهَدٍ أو مستأمَنٍ، (وَ) دِيَةُ (وَثَنِيٍّ)، معاهَدٍ أو مستأمَنٍ: (ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ (٥))، رُوي عن عمرَ (٦) وعثمانَ (٧) وابنِ مسعودٍ (٨) ﵃.

стр. 1149

وجِراحُه (١) بالنِّسبة. (وَنِسَاؤُهُمْ) أي: نساءُ أهلِ الكتابِ، والمجوسِ، وعَبَدةِ الأوثانِ، وسائرِ المشركين: (عَلَى النِّصْفِ) مِنْ ذُكرانهم؛ (كَ) دِيَةِ نساءِ (المُسْلِمِينَ)؛ لِما في كتابِ عمرِو بنِ حَزْمٍ: «دِيَةُ المرأةِ على النِّصف مِنْ دِيَةِ الرَّجلِ» (٢). ويَستوي ذكَرٌ وأُنثى فيما يُوجِب دونَ ثلثِ الدِّيةِ. ودِيَةُ خُنثى مشكِلٍ: نِصفُ كلٍّ منهما. (وَدِيَةُ رَقِيقٍ)، ذكرًا كان أو أُنثى، ولو مُدَبَّرًا أو مكاتَبًا (٣): (قِيمَتُهُ)، عمدًا كان القتلُ أو خطأً؛ لأنَّه متقوِّمٌ، فضُمِنَ بقِيمته بالغةً ما بلَغَت؛ كالفَرَس. (وَفِي جِرَاحِهِ) أي: الرَّقيقِ: (مَا نَقَصَهُ) الجرحُ، (إِنْ لَمْ يَكُنِ) الجرحُ (مُقَدَّرًا مِنْ حُرٍّ)، فإن كان مقدَّرًا؛ وجَب قِسطُه مِنْ قيمته، ففي يدِه: نصفُ قيمتِه، نقَص بالجناية أقلَّ مِنْ ذلك أو أكثرَ، وفي أنفه: قيمتُه كاملةً. (وَ) يَجب (فِي جَنِينٍ) حرٍّ، (ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى)، إذا سقَط ميتًا بجنايةٍ على أمِّه، عمدًا أو خطأً: (غُرَّةٌ) أي: (عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ قِيمَتُهَا عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ)، وتُورَثُ عنه كأنَّه سَقَط حيًّا ثم مات، ولا حقَّ فيها لقاتل (٤).

стр. 1150

(وَ) يَجب في جنينٍ: (عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ إِنْ كَانَ) الجنينُ (مَمْلُوكًا). وتُقدَّر حرَّةٌ حاملٌ برقيقٍ: أمَةً (١)، ويُؤخذ عُشرُ قيمتِها يومَ جنايةٍ عليها نقدًا. وإن سقَط حيًّا لوقتٍ يَعيش لمِثلِه؛ ففيه إذا مات ما في مولودٍ. (وَيَتَعَلَّقُ أَرْشُ جِنَايَةِ قِنٍّ)، خطأً، أو عمدًا لا قَوَدَ فيه كجائفةٍ، أو فيه قَوَدٌ (٢) واختِير المالُ، أو أَتلَف مالًا، (بِرَقَبَتِهِ إِنْ لَمْ يَأْذَنْهُ سَيِّدُهُ) في ذلك، (فَ) يُخيَّر السَّيِّدُ بينَ أن (يَفْدِيَهُ) بأرشِ جنايتِه إن كان قَدْرَ قيمتِه فأقلَّ، (أَوْ يَبِيعَهُ فِيهَا، أَوْ يُسَلِّمَهَا)، كذا بخطِّه، أي: الرقبة (٣)، والأنسبُ بالضمائر السابقةِ أن يُقال: أو يُسلِّمه؛ أي: الجانيَ (٤) (لِوَلِيِّهَا) أي: الجنايةِ (٥). وإن كانت بإذنِ السَّيِّدِ؛ فَدَاه بأَرشِها كلِّه. (فصل) في دِيَاتِ الأعضاءِ ومَنافعِها (وَمَا فِي الإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ؛ كَأَنْفٍ)، ولو مِنْ أخْشَمَ (٦) أو مُعْوجًّا، (وَذَكَرٍ، وَلِسَانٍ) ولو مِنْ صغيرٍ: (فَفِيهِ) إذا أُتلِف (الدِّيَةَ) أي: ديةَ تلك النَّفسِ التي قُطِعَ منها على التَّفصيل السَّابقِ.

стр. 1151

(وَمَا فِيهِ) أي: الإنسانِ (مِنْهُ (١) شَيْئَانِ؛ كالعَيْنَيْنِ)، ولو مع حَوَلٍ أو عَمَشٍ، (وَالأُذُنَيْنِ)، ولو مع صَمَمٍ، (وَاليَدَيْنِ) والرِّجلَين: (فَفِيهِمَا الدِّيَةُ). (وَفِي إِحْدَاهُمَا (٢) نِصْفُهَا) أي: نصفُ ديةِ تلك النَّفسِ. (وَفِي المَنْخِرَيْنِ)، بفتحِ الميمِ، وقد تُكسَر إتباعًا للخاءِ المعجَمةِ: ثُلُثَا (٣) (الدِّيَةِ)، وسقَط مِنْ خطِّ المصنِّفِ ذِكرُ الثُّلثَين، ويَتعيَّن إثباتُهما؛ ليُوافِقَ «المنتهى» (٤) وغيرَه (٥)، (وَفِي الحَاجِزِ بَيْنَهُمَا ثُلُثُهَا)؛ لاشتمالِ المارنِ على ثلاثةِ أشياءَ: مَنخِرَيْن، وحاجزٍ، فوجَب توزيعُ الدِّيةِ على عددِها. (وَفِي الأَجْفَانِ) الأربعةِ: (الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهَا) أي: الأجفانِ: (رُبُعُهَا). (وَفِي أَصَابِعِ اليَدَيْنِ أَوِ الرِّجْلَيْنِ: الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ) مِنْ يدٍ أو رِجلٍ: (عُشْرُهَا). (وَفِي أَنْمَلَةِ إِبْهَامِ) يدٍ أو رِجلٍ: (نِصْفُ عُشْرِهَا) أي: الدِّيةِ، (وَ) في (أَنْمَلَةِ) إصبعٍ (غَيْرِهِ) أي: غيرِ الإبهامِ: (ثُلُثُ عُشْرِهَا). (وَفِي كُلِّ سِنٍّ) أو نابٍ أو ضِرسٍ ولو مِنْ (٦) صغيرٍ: (خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ). (وَفِي كُلٍّ مِنْ (٧) مَنْفَعَةِ سَمْعٍ، وَبَصَرٍ، وَشَمٍّ، وَذَوْقٍ، وَكَلَامٍ، وَعَقْلٍ):

стр. 1152

الدِّيةُ كاملةً. (وَ) كذا في (مَنْفَعَةِ مَشْيٍ، وَ) منفعةِ (أَكْلٍ، وَ) منفعةِ (نِكَاحٍ): الدِّيةُ. (وَ) فِي (١) (عَدَمِ اسْتِمْسَاكِ بَوْلٍ، أَوْ غَائِطٍ: الدِّيَةُ). (وَفِي كُلِّ) واحدٍ (مِنَ الشُّعُورِ الأَرْبَعَةِ: الدِّيَةُ)، وهي: (شَعَرُ رَأْسٍ، وَلِحْيَةٍ، وَحَاجِبَيْنِ (٢)، وَأَهْدَابِ عَيْنَيْنِ)، وفي حاجبٍ: نصفُ الدِّيةِ، وفي هُدْبٍ: رُبعُها، وفي شاربٍ حكومةٌ. (وَمَا عَادَ) مِنْ تلك الشُّعورِ؛ (سَقَطَ مَا) وجَب (فِيهِ). وإن ترَك مِنْ لحيةٍ ونحوِها ما لا جمالَ فيه؛ فدِيَةٌ كاملةٌ. (وَ) يَجب (فِي عَيْنِ أَعْوَرَ: دِيَتُهُ) أي: الأعورِ (كَامِلَةً)، قضَى به عمرُ (٣) وعثمانُ (٤) وعليٌّ (٥) وابنُ عمرَ (٦) ﵃.

стр. 1153

(فَإِنْ قَلَعَ) الأعورُ (عَيْنَ صَحِيحِ) العَينَين، وكانت التي قلَعها (تُمَاثِلُ صَحِيحَتَهُ (١)، عَمْدًا؛ فَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَا قِصَاصَ)، رُوي عن عمرَ وعثمانَ ﵄ (٢). وفي يدِ الأقطعِ أو رِجلِه: نصفُ الدِّيةِ؛ كغيره. (فصل) في الشِّجاج وكَسرِ العظامِ الشَّجَّةُ في الوجه والرَّأسِ خاصَّةً. (وَ) يَجب (فِيمَا دُونَ المُوضِحَةِ) مِنْ حارِصَةٍ تَحرُص، أي: تَشقُّ الجلدَ قليلًا، ولا تُدمِيه، وبازلةٍ داميةٍ يَسيل منها الدَّمُ، وباضعةٍ تَبْضَع اللَّحمَ، أي: تَشقُّه بعدَ الجلدِ، ومتلاحمةٍ تَغوص في اللَّحم، وسِمْحاقٍ بينَها وبينَ العظمِ قِشرةٌ رقيقةٌ. فهذه خمسٌ لا مقدَّرَ فيها، بل فيها (حُكُومَةٌ). (وَ) يَجب (فِي المُوضِحَةِ)، وهي (الَّتِي تُوضِحُ العَظْمَ وَتُبْرِزُهُ) عطفُ تفسيرٍ على «تُوضِح» (وَلَوْ) أَبرزَته (بِقَدْرِ إِبْرَةٍ) لمَن (٣) يَنظره؛ (خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ). (وَ) يَجب (فِي الهَاشِمَةِ)، وهي (الَّتِي تُوضِحُ العَظْمَ وَتُبْرِزُهُ)، هكذا بخطِّه، والصَّوابُ: وتَهشِمُه، أي: تَكسر العظمَ؛ (عَشَرَةُ) أَبْعِرَةٍ.

стр. 1154

(وَفِي المُنَقِّلَةِ)، وهي (الَّتِي تُوضِحُهُ) أي: العظمَ، (وَتَهْشِمُهُ، وَتُنَقِّلُ العِظَامَ؛ خَمْسَةَ عَشَرَ) بعيرًا. (وَفِي كُلِّ) واحدةٍ (مِنَ المَأْمُومَةِ)، وهي التي تَصِل إلى جلدةِ الدِّماغِ، (وَالدَّامِغَةِ) بالغين المعجَمةِ: التي تَخرق الجلدةَ؛ (ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ كَالجَائِفَةِ)، وهي (الَّتِي تَصِلُ إِلَى بَاطِنِ جَوْفٍ (١))؛ كبطنٍ، ولو لم تَخرق أمعاءً، وظَهرٍ، وصدرٍ، وحَلْق، ومَثانةٍ، وبينَ خُصيتَين ودُبُرٍ؛ ففيها (٢) ثلثُ الدِّيةِ. (وَ) يَجب (فِي ضِلَعٍ) إذا جُبِر (٣) كما كان؛ بعيرٌ. (وَ) في (تَرْقُوَةٍ)، وهي العظمُ المستديرُ حولَ العُنُقِ مِنْ النَّحر إلى الكَتِف، ولكلِّ إنسانٍ تَرقُوَتان؛ ففي كلِّ واحدةٍ منهما (بَعِيرٌ). (وَفِي التَّرْقُوَتَيْنِ)؛ بَعيران. (وَ) في كسرِ كلٍّ مِنْ (الذِّرَاعِ، وَالعَضُدِ، وَالفَخِذِ، وَالسَّاقِ، إذا جُبِرَ) ذلك (مُسْتَقِيمًا؛ بَعِيرَانِ)، فإن (٤) جُبِر غيرَ مستقيمٍ؛ فحُكومةٌ. (وَمَا) عدا ذلك ممَّا (لَا مُقَدَّرَ فِيهِ)؛ كخَرَزةِ صُلبٍ، وعانةٍ، وكما لو هشَمه في وجهه أو رأسِه بمُثقَّلٍ ولم يُوضِحه؛ (فَفِيهِ حُكُومَةٌ)، وهي: أن يُقوَّم مَجنيٌّ عليه كأنَّه عبدٌ لا جنايةَ به، ثمَّ يُقوَّمَ وهي به قد بَرِئَت، فما نقَص مِنْ القيمة؛ فله مِثلُ نِسبته (٥) مِنْ الدِّية.

стр. 1155

فلو قُدِّر أن (١) قيمتَه سليمًا ستُّون، وبالجناية خمسون؛ ففيه سُدسُ ديةٍ، إلّا أن تَكون الحكومةُ في مَحلٍّ له مقدَّرٌ؛ كشجَّةٍ دونَ الموضحةِ، فلا يُبلغ بها المقدَّرُ. (فصل) في العاقلة وما تَحمله وغيرِ ذلك (وَعَاقِلَةُ جَانٍ: ذُكُورُ عَصَبَتِهِ (٢) نَسَبًا وَوَلَاءً)، قريبُهم؛ كإخوةٍ، وبعيدُهم؛ كابنِ ابنِ ابنِ عمِّ جدِّ الجاني، مِنْ حاضرٍ وغائبٍ، سواءٌ كان الجاني رَجلًا أو امرأةً. ولو عُرِفَ نسبُه مِنْ قبيلةٍ، ولم يُعلم مِنْ أيِّ بطونِها؛ لم يَعقلوا عنه. ويَعقل هَرِمٌ وزَمِنٌ وأعمى أغنياءُ. (وَلَا عَقْلَ عَلَى فَقِيرٍ) لا يَملك نصابَ زكاةٍ عندَ حُلولِ حولٍ فاضلًا عنه؛ كحجٍّ، ولو مُعتَمِلًا؛ لأنَّه ليس مِنْ أهلِ المواساةِ. (وَ) لا على (غَيْرِ مُكَلَّفٍ)؛ كصغيرٍ ومجنونٍ؛ لأنَّهما ليسَا مِنْ أهلِ النُّصرةِ. (وَ) لا على (أُنْثَى). (وَ) لا على (مُخَالِفٍ فِي دِينِ جَانٍ)؛ لفَواتِ المعاضدةِ والمناصرةِ (٣). ومَن لا عاقلةَ له، أو عجَزَت، فإن كان كافرًا؛ فالواجبُ عليه، وإن كان مسلمًا؛ فمِن بيتِ المالِ حالًّا إن أَمكَن، وإلّا سقَط.

стр. 1156

(وَلَا تَحْمِلُ) عاقلةٌ (عَمْدًا مَحْضًا)، ولو لم يَجب به (١) قصاصٌ؛ كمأمومةٍ. (وَلَا) تَحمل عاقلةٌ أيضًا (عَبْدًا) أي: قيمةَ عبدٍ جُنِيَ عليه. (وَلَا) تَحمل (صُلْحًا) عن إنكارٍ، (وَلَا اعْتِرَافًا إِنْ لَمْ تُصَدِّقْهُ)، بأنْ يُقِرَّ على نفسه بجنايةٍ فتُنكِرَها العاقلةُ. (وَلَا) تَحمل عاقلةٌ (مَا دُونَ ثُلُثِ دِيَةٍ تَامَّةٍ) أي: دِيَةِ ذكَرٍ حرٍّ مسلمٍ. ويَجتهد حاكمٌ في تحميلِ العاقلةِ؛ فيُحمِّل كلًّا ما يَسهل عليه، ويَبدأ بالأقرب فالأقربِ؛ كإرثٍ، لكن تُؤخذ مِنْ بعيدٍ لغَيبةِ قريبٍ، فإن تَساوَوا وكثُروا (٢)؛ وُزِّعَ الواجبُ بينَهم (٣). (وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً)، ولو نفسَه، أو قِنَّه، أو مستأمَنًا، أو جنينًا، أو شارك في قتلها، (خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، مُبَاشَرَةً أَوْ سَبَبًا)؛ كحفرِ بئرٍ (بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَعَلَيْهِ) أي: على القاتل ولو كافرًا أو قِنًّا أو صغيرًا أو مجنونًا؛ (كَفَّارَةٌ) وهي: (عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؛ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ)، ولا إطعامَ فيها. (وَمَنِ ادُّعِيَ)، بالبناء للمفعولِ (٤)، (عَلَيْهِ القَتْلُ) لمعصومٍ (بِلَا لَوْثٍ؛ لَمْ يُحَلَّفْ) مدَّعًى عليه (فِي) دَعوى قتلٍ (عَمْدٍ)، فيُخلَّى سبيلُه، (بَلْ) يُحلَّف (فِي خَطَأٍ وَشِبْهِهِ) يَمينًا واحدةً حيثُ لا بيِّنةَ لمدَّعٍ، (وَيُخَلَّى سَبِيلُهُ)، فإن نكَل؛ قُضِي عليه بالنُّكول.

стр. 1157

(وَ) إن كانت دَعوى القتلِ (مَعَ لَوْثٍ، وَهُوَ: العَدَاوَةُ (١) الظَّاهِرَةُ، كَالقَبَائِلِ الَّتِي يَطْلُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِثَأْرٍ؛ حَلَفَ رِجَالُ وَرَثَةِ الدَّمِ خَمْسِينَ يَمِينًا)، تُوَزَّع بينَهم بقَدْرِ إرثِهم، ويُكمَّل كسرٌ، ويُعتبر حضورُ مدَّعٍ ومدَّعًى عليه وقتَ حَلِفٍ. (وَيَثْبُتُ الحَقُّ) بحَلِفِ ذُكورٍ، حتى في عمدٍ؛ (لِلكُلِّ) أي: لجميعِ الورثةِ. (فَإِنْ نَكَلُوا) أي: الذُّكورُ الوارثُون، ولو عن يَمينٍ (٢) مِنْ الخمسين، (أَوْ كَانُوا) أي: الورثةُ كلُّهم (نِسَاءً؛ حَلَفَهَا) أي: الخمسين يمينًا (مُدَّعًى عَلَيْهِ)، وبَرِئ إن رَضي الورثةُ. (فَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا يَمِينَهُ؛ وَدَاهُ) أي: القتيلَ (إِمَامٌ) أي: دفَع دِيَتَه مِنْ بيتِ المالِ؛ (كَقَتِيلٍ فِي زَحْمَةِ) جمعةٍ وطوافٍ، فيُفدى مِنْ بيتِ المالِ. * * *

стр. 1158

(كِتَابُ الحُدُودِ) جمعُ «حَدٍّ»، وهو لغةً: المنعُ، وحدودُ اللهِ تَعالى: مَحارِمُه. واصطلاحًا: عقوبةٌ مقدرَّةٌ شرعًا في معصيةٍ لتَمنعَ الوقوعَ في مِثلِها. (لَا يُقِيمُهُ) أي: الحدَّ (إِلَّا إِمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ)، سواءٌ كان للهِ تَعالى؛ كحدِّ زنًى، أو لآدميٍّ؛ كحدِّ قذفٍ؛ لأنَّه يَفتقر إلى اجتهادٍ، ولا يُؤمَن الحَيفُ في استيفائه، فوجَب تفويضُه إلى الإمام أو نائبِه. وإنَّما يَجب الحدُّ (عَلَى مُكَلَّفٍ) أي: بالغٍ عاقلٍ؛ لحديثِ: «رُفِع القلمُ عن ثلاثةٍ» (١). (مُلْتَزِمٍ) أحكامَ المسلمين، مسلمًا كان أو ذمِّيًّا، بخلافِ حربيٍّ ومستأمَنٍ. (عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ)؛ لقولِ عمرَ وعثمانَ وعليٍّ ﵃: «لا حدَّ إلّا على مَنْ عَلِمَه» (٢).

стр. 1159

(وَلَا) يَجوز أن (يُقَامَ فِي مَسْجِدٍ)؛ لنهيِه ﷺ عنه (١)، فيُقام في غيره. (وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الحَدِّ قَائِمًا)؛ ليُعطى كلُّ عضوٍ حظَّه مِنْ الضَّرب، (بِسَوْطٍ) وسَطٍ، (لَا خَلَقٍ)، بفتحِ اللَّام، (وَلَا جَدِيدٍ)؛ لأنَّ الخَلَقَ لا يُؤلمه، والجديدَ يُحرقه، (بِلَا مَدٍّ، وَلَا رَبْطٍ، وَلَا تَجْرِيدٍ) لمحدودٍ عن ثيابه؛ لقولِ ابنِ مسعودٍ ﵁: «ليس في دِيننا مَدٌّ، ولا قَيدٌ، ولا تجريدٌ» (٢). (وَلَا مُبَالَغَةٍ فِي الضَّرْبِ) بحيثُ يَشقُّ جلدَه؛ لأنَّ المقصودَ تأديبُه، لا إهلاكُه، ولا يَرفع ضاربٌ يدَه بحيثُ يَبدو إبطُه. (وَيُفَرِّقُ) الضَّربَ ندبًا (عَلَى بَدَنِهِ)؛ لأنَّ تَوالي الضَّربِ على عضوٍ واحدٍ قد يُفضي إلى القتل. ويُكثِر منه في مواضعِ اللَّحمِ؛ كالأَليتَين والفَخِذَين. ويَضرب مِنْ جالسٍ ظهرَه وما قاربَه. (وَيَتَّقِي) ضاربٌ وجوبًا (الرَّأْسَ)، والوجهَ، (وَالفَرْجَ، وَالمَقَاتِلَ)؛ كالفُؤاد والخُصيتَين. (وَكَذَا) أي: كالرَّجل فيما ذُكِرَ (المَرْأَةُ، لَكِنَّ) ها تُضرب (جَالِسَةً)؛ لقولِ

стр. 1160

عليٍّ ﵁: «تُضرب المرأةُ جالسةً، والرَّجلُ قائمًا» (١). (وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا)؛ لئلَّا تَنكشفَ. (وَأَشَدُّ جَلْدِ) حدٍّ: جَلدٌ (فِي زِنًى، فَ) جَلدُ (قَذْفٍ، فَ) جَلدُ (شُرْبٍ، فَ) جَلدُ (تَعْزِيرٍ)؛ لأنَّ اللهَ تَعالى خصَّ الزِّنى بمزيدِ تأكيدٍ بقوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾، وما دونَه أخفُّ منه. (وَلَا يُحْفَرُ لِرَجْمِ) مُحصَنٍ، رَجلًا كان أو امرأةً. (وَلَا يَضْمَنُ مُقِيمُهُ) أي: الحدِّ، لو مات المحدودُ، (إِنْ لَمْ يَتَعَدَّ) المقيمُ، فلو زادَ ولو جلدةً، أو بسوطٍ (٢) لا يَحتمله، فتَلِفَ المحدودُ؛ ضَمِنَه بدِيَته. (فصل) في حدِّ الزِّنى وهو فعلُ الفاحشةِ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ. (يُرْجَمُ) المكلَّفُ (المُحْصَنُ إِذَا زَنَى) حتى يَموتَ. (وَهُوَ) أي: المحصَنُ: (مَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ) ولو ذميَّةً أو مستأمَنةً، (فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ) في قُبلها، (وَهُمَا) أي: الزَّوجان (مُكَلَّفَانِ) أي: بالغان عاقلان، (حُرَّانِ)، فإن اختلَّ شرطٌ منها؛ فلا إحصانَ لواحدٍ منهما. (وَغَيْرُهُ) أي: غيرُ المُحصَنِ (يُجْلَدُ) إذا زنَى وهو مكلَّفٌ؛ (مِائَةَ) جلدةٍ،
следующие страницы →