← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

(وَلَا تَحْمِلُ) عاقلةٌ (عَمْدًا مَحْضًا)، ولو لم يَجب به (١) قصاصٌ؛ كمأمومةٍ. (وَلَا) تَحمل عاقلةٌ أيضًا (عَبْدًا) أي: قيمةَ عبدٍ جُنِيَ عليه. (وَلَا) تَحمل (صُلْحًا) عن إنكارٍ، (وَلَا اعْتِرَافًا إِنْ لَمْ تُصَدِّقْهُ)، بأنْ يُقِرَّ على نفسه بجنايةٍ فتُنكِرَها العاقلةُ. (وَلَا) تَحمل عاقلةٌ (مَا دُونَ ثُلُثِ دِيَةٍ تَامَّةٍ) أي: دِيَةِ ذكَرٍ حرٍّ مسلمٍ. ويَجتهد حاكمٌ في تحميلِ العاقلةِ؛ فيُحمِّل كلًّا ما يَسهل عليه، ويَبدأ بالأقرب فالأقربِ؛ كإرثٍ، لكن تُؤخذ مِنْ بعيدٍ لغَيبةِ قريبٍ، فإن تَساوَوا وكثُروا (٢)؛ وُزِّعَ الواجبُ بينَهم (٣). (وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً)، ولو نفسَه، أو قِنَّه، أو مستأمَنًا، أو جنينًا، أو شارك في قتلها، (خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، مُبَاشَرَةً أَوْ سَبَبًا)؛ كحفرِ بئرٍ (بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَعَلَيْهِ) أي: على القاتل ولو كافرًا أو قِنًّا أو صغيرًا أو مجنونًا؛ (كَفَّارَةٌ) وهي: (عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؛ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ)، ولا إطعامَ فيها. (وَمَنِ ادُّعِيَ)، بالبناء للمفعولِ (٤)، (عَلَيْهِ القَتْلُ) لمعصومٍ (بِلَا لَوْثٍ؛ لَمْ يُحَلَّفْ) مدَّعًى عليه (فِي) دَعوى قتلٍ (عَمْدٍ)، فيُخلَّى سبيلُه، (بَلْ) يُحلَّف (فِي خَطَأٍ وَشِبْهِهِ) يَمينًا واحدةً حيثُ لا بيِّنةَ لمدَّعٍ، (وَيُخَلَّى سَبِيلُهُ)، فإن نكَل؛ قُضِي عليه بالنُّكول.

стр. 1157

(وَ) إن كانت دَعوى القتلِ (مَعَ لَوْثٍ، وَهُوَ: العَدَاوَةُ (١) الظَّاهِرَةُ، كَالقَبَائِلِ الَّتِي يَطْلُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِثَأْرٍ؛ حَلَفَ رِجَالُ وَرَثَةِ الدَّمِ خَمْسِينَ يَمِينًا)، تُوَزَّع بينَهم بقَدْرِ إرثِهم، ويُكمَّل كسرٌ، ويُعتبر حضورُ مدَّعٍ ومدَّعًى عليه وقتَ حَلِفٍ. (وَيَثْبُتُ الحَقُّ) بحَلِفِ ذُكورٍ، حتى في عمدٍ؛ (لِلكُلِّ) أي: لجميعِ الورثةِ. (فَإِنْ نَكَلُوا) أي: الذُّكورُ الوارثُون، ولو عن يَمينٍ (٢) مِنْ الخمسين، (أَوْ كَانُوا) أي: الورثةُ كلُّهم (نِسَاءً؛ حَلَفَهَا) أي: الخمسين يمينًا (مُدَّعًى عَلَيْهِ)، وبَرِئ إن رَضي الورثةُ. (فَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا يَمِينَهُ؛ وَدَاهُ) أي: القتيلَ (إِمَامٌ) أي: دفَع دِيَتَه مِنْ بيتِ المالِ؛ (كَقَتِيلٍ فِي زَحْمَةِ) جمعةٍ وطوافٍ، فيُفدى مِنْ بيتِ المالِ. * * *

стр. 1158

(كِتَابُ الحُدُودِ) جمعُ «حَدٍّ»، وهو لغةً: المنعُ، وحدودُ اللهِ تَعالى: مَحارِمُه. واصطلاحًا: عقوبةٌ مقدرَّةٌ شرعًا في معصيةٍ لتَمنعَ الوقوعَ في مِثلِها. (لَا يُقِيمُهُ) أي: الحدَّ (إِلَّا إِمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ)، سواءٌ كان للهِ تَعالى؛ كحدِّ زنًى، أو لآدميٍّ؛ كحدِّ قذفٍ؛ لأنَّه يَفتقر إلى اجتهادٍ، ولا يُؤمَن الحَيفُ في استيفائه، فوجَب تفويضُه إلى الإمام أو نائبِه. وإنَّما يَجب الحدُّ (عَلَى مُكَلَّفٍ) أي: بالغٍ عاقلٍ؛ لحديثِ: «رُفِع القلمُ عن ثلاثةٍ» (١). (مُلْتَزِمٍ) أحكامَ المسلمين، مسلمًا كان أو ذمِّيًّا، بخلافِ حربيٍّ ومستأمَنٍ. (عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ)؛ لقولِ عمرَ وعثمانَ وعليٍّ ﵃: «لا حدَّ إلّا على مَنْ عَلِمَه» (٢).

стр. 1159

(وَلَا) يَجوز أن (يُقَامَ فِي مَسْجِدٍ)؛ لنهيِه ﷺ عنه (١)، فيُقام في غيره. (وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الحَدِّ قَائِمًا)؛ ليُعطى كلُّ عضوٍ حظَّه مِنْ الضَّرب، (بِسَوْطٍ) وسَطٍ، (لَا خَلَقٍ)، بفتحِ اللَّام، (وَلَا جَدِيدٍ)؛ لأنَّ الخَلَقَ لا يُؤلمه، والجديدَ يُحرقه، (بِلَا مَدٍّ، وَلَا رَبْطٍ، وَلَا تَجْرِيدٍ) لمحدودٍ عن ثيابه؛ لقولِ ابنِ مسعودٍ ﵁: «ليس في دِيننا مَدٌّ، ولا قَيدٌ، ولا تجريدٌ» (٢). (وَلَا مُبَالَغَةٍ فِي الضَّرْبِ) بحيثُ يَشقُّ جلدَه؛ لأنَّ المقصودَ تأديبُه، لا إهلاكُه، ولا يَرفع ضاربٌ يدَه بحيثُ يَبدو إبطُه. (وَيُفَرِّقُ) الضَّربَ ندبًا (عَلَى بَدَنِهِ)؛ لأنَّ تَوالي الضَّربِ على عضوٍ واحدٍ قد يُفضي إلى القتل. ويُكثِر منه في مواضعِ اللَّحمِ؛ كالأَليتَين والفَخِذَين. ويَضرب مِنْ جالسٍ ظهرَه وما قاربَه. (وَيَتَّقِي) ضاربٌ وجوبًا (الرَّأْسَ)، والوجهَ، (وَالفَرْجَ، وَالمَقَاتِلَ)؛ كالفُؤاد والخُصيتَين. (وَكَذَا) أي: كالرَّجل فيما ذُكِرَ (المَرْأَةُ، لَكِنَّ) ها تُضرب (جَالِسَةً)؛ لقولِ

стр. 1160

عليٍّ ﵁: «تُضرب المرأةُ جالسةً، والرَّجلُ قائمًا» (١). (وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا)؛ لئلَّا تَنكشفَ. (وَأَشَدُّ جَلْدِ) حدٍّ: جَلدٌ (فِي زِنًى، فَ) جَلدُ (قَذْفٍ، فَ) جَلدُ (شُرْبٍ، فَ) جَلدُ (تَعْزِيرٍ)؛ لأنَّ اللهَ تَعالى خصَّ الزِّنى بمزيدِ تأكيدٍ بقوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾، وما دونَه أخفُّ منه. (وَلَا يُحْفَرُ لِرَجْمِ) مُحصَنٍ، رَجلًا كان أو امرأةً. (وَلَا يَضْمَنُ مُقِيمُهُ) أي: الحدِّ، لو مات المحدودُ، (إِنْ لَمْ يَتَعَدَّ) المقيمُ، فلو زادَ ولو جلدةً، أو بسوطٍ (٢) لا يَحتمله، فتَلِفَ المحدودُ؛ ضَمِنَه بدِيَته. (فصل) في حدِّ الزِّنى وهو فعلُ الفاحشةِ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ. (يُرْجَمُ) المكلَّفُ (المُحْصَنُ إِذَا زَنَى) حتى يَموتَ. (وَهُوَ) أي: المحصَنُ: (مَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ) ولو ذميَّةً أو مستأمَنةً، (فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ) في قُبلها، (وَهُمَا) أي: الزَّوجان (مُكَلَّفَانِ) أي: بالغان عاقلان، (حُرَّانِ)، فإن اختلَّ شرطٌ منها؛ فلا إحصانَ لواحدٍ منهما. (وَغَيْرُهُ) أي: غيرُ المُحصَنِ (يُجْلَدُ) إذا زنَى وهو مكلَّفٌ؛ (مِائَةَ) جلدةٍ،

стр. 1161

(وَيُغَرَّبُ) أيضًا (عَامًا) إلى مسافةِ قصرٍ، (وَلَوْ) كان المجلودُ (امْرَأَةً)، فَتُغرَّب (بِمَحْرَمٍ)، وعليها أُجرتُه، فإن تَعذَّر المَحرمُ؛ فوَحْدَها. (وَ) إذا زنَى (الرَّقِيقُ)؛ يُجلد (خَمْسِينَ) جلدةً، (بِلَا تَغْرِيبٍ)؛ لأنَّ التَّغريبَ إضرارٌ بسيِّده. ويُجلد ويُغرَّب مبعَّضٌ بحسابه. (وَ) حدُّ (لُوطِيٍّ)، فاعلًا كان أو مفعولًا؛ (كَزَانٍ)، فإن كان محصَنًا؛ رُجِم، وإلَّا جُلِدَ مائةً، وغُرِّب عامًا. ومملوكُه كغيره. ودُبرُ أجنبيَّةٍ كلواطٍ. (وَلَا) يَجب (حَدُّ) زِنًى (مَعَ شُبْهَةٍ)؛ لقولِه ﷺ : «ادْرَؤُوا الحدودَ بالشُّبهاتِ ما استَطعتم» (١). فلا يُحَدُّ بوطءِ أمَةٍ له فيها شِركٌ، أو امرأةٍ ظنَّها زوجتَه أو سُرِّيَّتَه. فلا بُدَّ لوجوبِ الحدِّ مِنْ ثلاثةِ شروطٍ: أحدُها: تغييبُ حَشَفةٍ أصليَّةٍ، كلِّها، أو قَدْرِها لعدمٍ، في قُبُلٍ أصليٍّ، أو دُبُرٍ مِنْ آدميٍّ (٢).

стр. 1162

الثاني: انتفاءُ الشُّبهةِ، كما تَقدَّم. الثالثُ (١): ثبوتُه، كما ذكَره بقوله: (وَيَثْبُتُ زِنًى بِأَرْبَعَةِ رِجَالٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٢)، (يَصِفُونَهُ) فيَقولون: رَأَيْنا ذكَرَه في فَرجِها كالمِرْوَدِ في المُكْحُلةِ، والرِّشاءِ في البئر. ويُعتبر أن يَشهدوا (بِزِنًى وَاحِدٍ)، وأن يُؤدُّوا الشَّهادةَ (فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ جَاؤُوا) لأدائِها (مُتَفَرِّقِينَ). (أَوْ) أي: ويَثبت الزِّنى أيضًا (بِإِقْرَارِهِ) أي: بإقرارِ مكلَّفٍ بالزِّنى، ولو قِنًّا. ويَكون الإقرارُ (أَرْبَعًا) أي: أربعَ إقراراتٍ. (وَ) يُعتبر أن (يَصِفَهُ) أي: الزِّنى، (وَ) أن (لَا يَرْجِعَ) عن إقراره (٣) (حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ الحَدُّ). (فَإِنْ رَجَعَ) عن إقراره أو هرَب؛ (تُرِكَ) أي: كُفَّ عنه. (وَإِنْ حَمَلَتْ مَنْ) أي: امرأةٌ (لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ؛ لَمْ تُحَدَّ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ) الحملِ. ولا يَجب أن تُسأل؛ لما فيه مِنْ إشاعةِ الفاحشةِ. وإن سُئِلَت فادَّعت أنَّها أُكرِهَت، أو وُطِئَت بشُبهةٍ، أو لم تَعترف بالزِّنى أربعًا؛ لم تُحَدَّ؛ لأنَّه يُدْرَأ بالشُّبهة.

стр. 1163

(فصل) في حدِّ القذفِ وهو الرَّميُ بزنًى أو لِواطٍ. إذا قذَف مكلَّفٌ مختارٌ، ولو أخرسَ بإشارةٍ، محصَنًا، ولو مجبوبًا، أو ذاتَ مَحرمِ قاذفٍ؛ كأختِه، أو رَتْقاءَ؛ لَزِمَه (حَدُّ القَذْفِ). وهو (ثَمَانُونَ جْلَدَةً) إن كان القاذفُ حرًّا، (وَالعَبْدُ) القاذفُ يُحَدُّ (نِصْفَهَا)، وهو أربعون جلدةً، ومبعَّضٌ بحسابه. وإنَّما يَجب الحَدُّ (إِنْ كَانَ المَقْذُوفُ مُحْصَنًا). (وَهُوَ) أي: المُحصَنُ في القذفِ: (الحُرُّ، المُسْلِمُ، العَاقِلُ، العَفِيفُ عَنِ الزِّنَى ظَاهِرًا)، ولو تائبًا منه، (الَّذِي يُجَامِعُ مِثْلُهُ)، وهو ابنُ عشرٍ وبنتُ تسعٍ، فلا يُشترط بلوغُه. (وَصَرِيحُ قَذْفٍ: «يَا زَانِي»)، بسكونِ الياءِ ونيَّةِ الضمَّةِ عليها؛ لأنَّه نَكِرَةٌ مقصودةٌ، (يَا لُوطِيُّ)، بتشديدِ الياءِ المضمومةِ، (وَنَحْوُهُ)؛ ك «يا عاهرُ». (وَكِنَايَتُهُ) أي: القذفِ: («يَا قَحْبَةُ»، «يَا فَاجِرَةُ»، وَنَحْوُهُ)؛ ك «يا خبيثةُ». (فَيُعَزَّرُ) مَنْ قذَف بكنايةٍ (١) (إِنْ لَمْ يُفَسِّرْهُ بِصَرِيحِ زِنًى)، فإن فسَّره بصريحِ زِنًى؛ حُدَّ (٢). (كَ) ما يُعزَّر (٣) (قَاذِفُ) شخصٍ (غَيْرِ مُحْصَنٍ).

стр. 1164

(وَ) كما (١) يُعزَّر قاذفُ (أَهْلِ بَلَدٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ لَا يُتصَوَّرُ زِنَاهُمْ عَادَةً)؛ لأنَّه لا عارَ عليهم به؛ للقطعِ بكذبه. (وَيَسْقُطُ حَدُّ قَذْفٍ بِعَفْوِ مَقْذُوفٍ) عن قاذفٍ؛ لأنَّ الحقَّ له. (وَ) يَسقط حدُّ قذفٍ ب (تَصْدِيقِهِ) أي: بتصديقِ (٢) مقذوفٍ لقاذفٍ. (وَلَا يُسْتَوْفَى) حدُّ قذفٍ (إِلَّا بِطَلَبِهِ) أي: المقذوفِ؛ لأنَّه حقُّه، كما تَقدَّم. (فصل) في حدِّ المسْكِرِ أي: الذي يَنشأ عنه السُّكرُ، وهو اختلاطُ العقلِ. (وَمَا) أي: كلُّ شرابٍ (أَسْكَرَ كَثِيرُهُ؛ فَقَلِيلُهُ خَمْرٌ مُحَرَّمٌ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ)؛ لقولِه ﷺ : «كلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وكلُّ خمرٍ حرامٌ» رَواه أحمدُ وأبو داودَ (٣). (لَا يُبَاحُ) شربُ ما ذُكِر ولو لِتَداوٍ أو عطشٍ، (إِلَّا لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا إِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُهُ) أي: غيرُ المسكِرِ، وخاف تلفًا؛ لأنَّه مضطرٌّ (٤). ويُقدَّم عليه بولٌ، وعليهما ماءٌ نجسٌ. (وَإِذَا شَرِبَهُ) أي: المسكرَ (المُسْلِمُ)، أو شَرِب ما خُلِطَ به ولم يُستهلك فيه، أو أكَل عجينًا لُتَّ به، (مُخْتَارًا، عَالِمًا أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ؛ حُدَّ) وجوبًا (حُرٌّ ثَمَانِينَ) جلدةً؛ لأنَّ عمرَ ﵁ استشار النَّاسَ في حدِّ الخمرِ، فقال عبدُ الرَّحمنِ:

стр. 1165

«اجعَلْه كأخفِّ الحدودِ ثمانين»، ففعَل عمر (١)، وكتَب به إلى خالدٍ وأبي (٢) عبيدةَ في الشام. رَواه الدارَقُطنيُّ (٣). (وَ) حُدَّ (قِنٌّ أَرْبَعِينَ)، عبدًا كان أو أمَةً، فإن لم يَعلم أنَّ كثيرَه يُسكِر؛ فلا حدَّ، ويُصدَّق في الجهل. ويُعزَّر مَنْ وُجِد منه (٤) رائحتُها، أو حضَر شُربَها، لا مَنْ جَهِل التَّحريمَ، لكن لا يُقبل ممَّن نشَأ بينَ المسلمين. ويَثبت بإقراره مرَّةً كقذفٍ، أو شهادةِ عدلَين. (وَيَحْرُمُ عَصِيرُ) عِنَبٍ أو قَصَبٍ أو رُمَّانٍ أو غيرِه (غَلَى) كغَلَيان القِدرِ (٥)؛ بأنْ قذَف زَبَدَه، نصًّا (٦). وظاهرُه: ولو لم يُسكِر. (أَوْ) أي: ويَحرم عصيرٌ (أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ)، وإن لم يَغْلِ نصًّا (٧). وإن طُبِخَ عصيرٌ قبلَ تحريمٍ؛ حَلَّ إن ذهَب ثُلثاه.

стр. 1166

ويُكره الخليطان؛ كنبيذِ تمرٍ مع زبيبٍ، لا وضعُ نحوِ تمرٍ في ماءٍ لتحليةٍ، ما لم يَشتدَّ، أو تَتِمَّ (١) له ثلاثةُ أيَّامٍ. (فصل) في التَّعزير وهو لغةً: المنعُ، ومنه التَّعزيرُ بمعنى النُّصرةِ؛ لأنَّه يَمنع المُعاديَ مِنْ الأذى (٢). واصطلاحًا: التأديبُ؛ لأنَّه يَمنع ممَّا لا يَجوز فعلُه. (وَيَجِبُ تَعْزِيرُ (٣)) مكلَّفٍ (فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ؛ كَشَتْمٍ) بغيرِ زنًى ولواطٍ؛ ك «يا فاسقُ»، (وَضَرْبٍ) بنحوِ كفٍّ؛ كصَفْعٍ ووَكْزٍ. (وَلَا يُزَادُ) في جلده (عَلَى عَشْرِ (٤) ضَرَبَاتٍ) نصًّا (٥)؛ لحديثِ أَبي بُرْدَةَ (٦) مرفوعًا: «لا يُجلد أحدٌ فوقَ عشرةِ أسواطٍ إلّا في حدٍّ مِنْ حدودِ اللهِ» متَّفق عليه (٧). (إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ)، وهو مَنْ شَرِب مسكرًا في نهارِ رمضانَ، فيُعزَّر مع الحدِّ بعشرين سوطًا، ومَن وَطِئ أمَةً له فيها شِركٌ، فيُعزَّر (٨) بمائةٍ (٩) إلّا سَوطًا نصًّا (١٠)،

стр. 1167

ولحاكمٍ نَقصُه بحسبِ اجتهادِه. (وَمَنِ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ) مِنْ رَجلٍ أو امرأةٍ، (بِلَا حَاجَةٍ؛ عُزِّرَ)؛ لأنَّه معصيةٌ. وإن فعَله خوفًا مِنْ زنًى أو لواطٍ (١)؛ فلا شيءَ عليه إن لم يَقدِر على نكاحٍ، ولو لأمَةٍ. (فصل) في قطعِ السَّرقةِ (مَنْ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ، وَهُوَ) أي: النِّصابُ (رُبُعُ دِينَارٍ) أي: مثقالٍ وإن لم يُضرب، (أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ خَالِصَةٍ)، أو تُخلَّص مِنْ مغشوشةٍ، (أَوْ مَا) أي: عَرْضٌ (يَبْلُغُهَا قِيمَةً) أي: يُساوي ربعَ دينارٍ، أو ثلاثةَ دراهمَ، والمالُ لمعصومٍ، بخلافِ حربيٍّ، (وَلَا شُبْهَةَ) لآخذٍ، بخلافِ سَرِقَتِه مِنْ مالِ عَمودَي نَسَبِه، أو مالٍ له فيه شِرْكٌ، ولا بدَّ مِنْ كَونِ سارقٍ مكلَّفًا مختارًا، عالمًا بمسروقٍ وبتحريمه (٢)؛ (قُطِعَ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾؛ (كَطَرَّارٍ)، وهو الذي يَبُطُّ الجَيْبَ أو غيرَه ويَأخذ منه بعدَ سُقوطِه، فيُقطع. و (لَا) يُقطع (خَائِنٌ فِي وَدِيعَةٍ وَنَحْوِهَا (٣))؛ كعاريّةٍ؛ لأنَّ ذلك ليس بسرقةٍ (٤)؛ كمُنتهِبٍ ومُختلِسٍ وغاصبٍ. (بَلْ) يُقطع (جَاحِدُ عَارِيَّةٍ) بلَغَت نصابًا؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كانت مخزوميَّةٌ

стр. 1168

تستعيرُ المتاعِ وتَجحده، فأمَر النبيُّ ﷺ بقَطعِ يَدِها» رَواه أحمدُ والنَّسائيُّ وأبو داودَ (١)، قال (٢) الإمامُ أحمدُ: لا أعرفُ شيئًا يَدفعه (٣). (وَ) لا بدَّ أن يَكون المسروقُ مالًا محترمًا، ف (لَا قَطْعَ بِ) سرقةِ (آلَةِ لَهْوٍ وَنَحْوِهَا)؛ كصليبٍ، وآنيةٍ فيها خمرٌ. (وَلَا) قَطْعَ مع شبهةِ آخذٍ؛ كسرقتِه (٤) (مِنْ مَالِ أَبِيهِ، أَوِ ابْنِهِ (٥)، أَوْ زَوْجِهِ) أي: أحدِ الزَّوجَين، (أَوْ مِنْ) مِلكِ (٦) (سَيِّدِهِ، أَوْ) سرَق (مُسْلِمٌ مِنْ بَيْتِ المَالِ)، فلا قَطْعَ بذلك كلِّه؛ لأنَّ الحدودَ تُدرَأ بالشُّبهة. (وَلَا تَثْبُتُ) السَّرقةُ المُوجِبةُ للقطعِ (إِلَّا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ) عدلَين، يَصِفانها، بعدَ الدَّعوى مِنْ مالكٍ أو مَنْ يَقوم مقامَه. (أَوْ) بِ (إِقْرَارِ (٧)) سارقٍ بالسَّرقة (مَرَّتَيْنِ مَعَ وَصْفِهَا) أي: السَّرقةِ في كلِّ مرَّةٍ؛ لاحتمالِ ظنِّه القطعَ في حالٍ لا قَطْعَ فيها. ولا يَرجع عن إقراره حتى يُقطع، فإن رجَع تُرِك. ولا بأسَ بتلقينه الإنكارَ. ولا يُقطع إلّا (بَعْدَ طَلَبِ) مسروقٍ منه أو وكيلِه أو وليِّه.

стр. 1169

(فَإِذَا وَجَبَ القَطْعُ) لتمامِ شروطِه؛ (قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنَى)؛ لقراءةِ ابنِ مسعودٍ: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا﴾ (١)، ولأنَّه قولُ أَبي بكرٍ وعمرَ (٢)، ولا مخالِفَ لهما مِنْ الصَّحابة. (مِنْ مَفْصِلِ كَفٍّ (٣))؛ لقولِ أَبي بكرٍ وعمرَ (٤)، ولا مخالِفَ لهما مِنْ الصَّحابة. (وَحُسِمَتْ) وجوبًا، بغَمسها في زيتٍ مَغْلِيٍّ لتَستدَّ (٥) أفواهُ العُروقِ، فيَنقطعَ الدَّمُ. فإن (٦) عاد؛ قُطِعَت رِجلُه اليُسرى مِنْ مَفصِل كعبِه (٧)، وتُرِكَ عَقِبُه، وحُسِمَت (٨)، فإن عاد؛ حُبِسَ حتى يتوبَ (٩). (وَمَنْ سَرَقَ ثَمَرًا (١٠) وَنَحْوَهُ)؛ كطَلعٍ أو جُمَّارٍ، (مِنْ شَجَرَةٍ)، ولو ببستانٍ

стр. 1170

مَحُوطٍ عليه (١) فيه حافظٌ (٢)؛ (أُضْعِفَتْ عَلَيْهِ) أي: على السَّارق (قِيمَتُهُ (٣)) أي: الثَّمرِ ونحوِه (٤)، فيَضمن عِوَضَ ما سرَقه مرَّتين، (وَلَا قَطْعَ)؛ لحديثِ رافعِ بنِ خَديجٍ مرفوعًا: «لا قَطْعَ في ثمرٍ ولا كُثَرٍ» رَواه أحمدُ وغيرُه (٥)، والكُثَر بضمِّ الكافِ وفتحِ المثلَّثةِ (٦): طَلْعُ الفُحَّالِ. (فصل) في حدِّ قُطَّاعِ الطَّريقِ وهم الذين يَعرِضون للنَّاسِ بالسلاح، فيَغصبونهم المالَ. (مَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ، فَقَتَلَ)، مكافئًا له أو غيرَ مُكافئٍ، (وَأَخَذَ المَالَ) الذي قتَل لقصدِه؛ (قُتِلَ) وجوبًا؛ لحقِّ اللهِ تَعالى، ثمَّ غُسِّل وصُلِّيَ عليه، (ثُمَّ صُلِبَ (٧)) قاتلُ مَنْ يُقاد به في غيرِ المحاربةِ (حَتَّى يَشْتَهِرَ) أمرُه (٨)،

стр. 1171

ولا يُقطع مع ذلك. (وَإِنْ قَتَلَ) المحارِبُ (وَلَمْ يَأْخُذِ المَالَ؛ قُتِلَ حَتْمًا بِلَا صَلْبٍ)؛ لأنَّه لم يُذكر في خبرِ ابنِ عبَّاسٍ الآتي. (وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ) محارِبٌ (١)، (بَلْ أَخَذَ مَا يُقْطَعُ بِهِ فِي السَّرِقَةِ)، بأنْ أخَذ نصابًا لا شبهةَ له (٢) فيه مِنْ بينِ القافلةِ، لا مِنْ منفردٍ عنها؛ (قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنَى وَرِجْلُهُ اليُسْرَى فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ) حتمًا، فلا يُنتظر (٣) بقطعِ إحداهما اندِمالُ الأُخرى، (وَحُسِمَتَا) بالزَّيت المَغْلِيِّ. (وَإِنْ لَمْ يَقْتُلُوا) أي: المحارِبون أحدًا، (وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا) يُقطع به في السَّرقة؛ (نُفُوا)، بأنْ يُشرَّدوا (مُتَفَرِّقِينَ، فَلَا يُتْرَكُونَ يَأْوُونَ إِلَى بَلَدٍ) حتى تَظهرَ توبتُهم، قال تَعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٤)، قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «إذا قتَلوا وأخَذوا المالَ؛ قُتلوا وصُلِّبوا، وإذا قتَلوا ولم يأخذوا المالَ؛ قُتلوا ولم يصَلبوا، وإذا أخذوا المالَ ولم يَقتلوا؛ قُطِعَت أيديهم وأرجُلهم مِنْ خلافٍ، وإذا أخافوا السَّبيلَ ولم يأخذوا مالًا؛ نُفوا مِنْ الأرض» رَواه الشَّافعيُّ، ورُوي نحوُه مرفوعًا (٥).

стр. 1172

(وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ) أي: من (١) المحاربين؛ (قَبْلَ قُدْرَةٍ (٢) عَلَيْهِ؛ سَقَطَ عَنْهُ حَقُّ اللهِ تَعَالَى، مِنْ نَفْيٍ، وَقَطْعِ) يدٍ ورِجلٍ، (وَصَلْبٍ، وَتَحَتُّمِ قَتْلٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. (وَأُخِذَ بِحَقِّ آدَمِيٍّ)، مِنْ قصاصٍ في نفسٍ أو دونَها، وغرامةِ مالٍ، ودِيَةِ ما لا قصاصَ فيه، (مَا لَمْ يَعْفُ) مستحقُّه، فيَسقط. (وَيُدْفَعُ صَائِلٌ) عن نفسٍ أو مالٍ (بِالأَخَفِّ فَالأَخَفِّ)، فيَدفعه أوَّلًا بالكلام، ثمَّ بالعصا، (فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلَّا بِالقَتْلِ؛ فَلَا ضَمَانَ) على دافعٍ. (وَيَلْزَمُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ) في غيرِ فتنةٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، فكما يَحرم عليه (٣) قتلُ نفسِه يَحرم عليه إباحةُ قتلِها، وكذا عن نفسِ غيرِه. فإن كان ثَمَّ فتنةٌ؛ لم يَجب الدَّفعُ عن نفسه، ولا عن نفسِ غيرِه (٤)؛ لقصَّةِ عثمانَ ﵁ (٥). (وَ) يَلزم الدَّفعُ عن (حُرْمَتِهِ) إذا أُريدَت نصًّا (٦)، فمَن رأَى مع امرأتِه أو

стр. 1173

ابنتِه ونحوِها رَجلًا يَزني بها، أو مع ولدِه ونحوِه رَجلًا يَلوط به؛ وجَب عليه قتلُه إن لم يَندفع بدونه. (دُونَ مَالِهِ)، فلا يَلزمه (١) الدَّفعُ عن مالِ نفسِه. ويَجب الدَّفعُ عن حرمةِ غيرِه ومالِه مع ظنِّ سلامةِ دافعٍ ومدفوعٍ، وإلّا حَرُم. (وَكَذَا مَنْ دَخَلَ مَنْزِلًا (٢) مُتَلَصِّصًا)، فيُدفع كصائلٍ، بالأخفِّ فالأخفِّ، فإن لم يَندفع إلّا بالقتل؛ فلا ضمانَ. (فصل) في قتالِ (٣) البُغاةِ وهم الخارجون على الإمام ولو غيرَ عدلٍ، بتأويلٍ سائغٍ، ولهم شوكةٌ، فإن اختلَّ شرطٌ (٤) مِنْ ذلك (٥)؛ فقُطَّاعُ طريقٍ. ونَصبُ الإمامِ فرضُ كفايةٍ، ويَثبت بإجماعِ أهلِ الحَلِّ والعقدِ على اختيارِ صالحٍ مع إجابته؛ كخلافةِ الصِّدِّيقِ ﵁، فيَلزم كافَّةَ الأمَّةِ الدُّخولُ في بَيعتِه، والانقيادُ لطاعتِه. ويَثبت أيضًا بنصٍّ؛ كعهدِ الصِّدِّيقِ لعمرَ ﵄. وباجتهادٍ؛ كخلافةِ عثمانَ ﵁، حيثُ جعَل عمرُ ﵁ أَمْرَ الإمامةِ شُورى

стр. 1174

بينَ ستَّةٍ (١) مِنْ الصَّحابةِ، فوقَع الاتِّفاقُ على عثمانَ ﵁. ويَثبت أيضًا بقهرٍ؛ كما فعَل عبدُ الملكِ بنُ مروانَ حينَ خرَج على ابنِ الزُّبيرِ ﵁ فقتَله، واستَولى على البلاد وأهلِها. وشُرِطَ كونُه قرشيًّا، حرًّا، ذكَرًا، عدلًا، عالمًا، كافيًا ابتداءً ودوامًا. ويُجبَر متعيِّنٌ لها. وصِفَةُ العقدِ: أن يَقول كلٌّ مِنْ أهلِ الحَلِّ والعقدِ: «قد بايَعناك على إقامةِ العدلِ والإنصافِ، والقيامِ بمصالحِ الأمَّةِ»، ولا يُحتاج مع ذلك إلى صفقةِ اليدِ. وإذا تمَّ العقدُ؛ لَزِمه حفظُ الدِّينِ على أصوله التي أَجمَع عليها سلفُ الأمَّةِ، فإن زاغَ (٢) ذو شبهةٍ؛ أزالها. (وَيُرَاسِلُ إِمَامٌ بُغَاةً، وَيُزِيلُ شُبَهَهُمْ) ليَرجعوا إلى الحقِّ، ويُزيل ما يدَّعونه مِنْ مَظلمةٍ. (فَإِنْ فَاؤُوا) أي: رجَعوا عن (٣) البغي وطلبِ القتالِ؛ ترَكهم، (وَإِلَّا) يَفيئُوا؛ (قَاتَلَهُمْ) إمامٌ قادرٌ وجوبًا.

стр. 1175

(وَ) يَجب (عَلَى رَعِيَّتِهِ مَعُونَتُهُ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. (وَإِنِ اقْتَتَلَ طَائِفَتَانِ لِعَصَبِيَّةٍ (١)، أَوْ) طلبِ (رِئَاسَةٍ؛ فَ) هما (ظَالِمَتَانِ، تَضْمَنُ كُلٌّ) منهما (مَا أَتْلَفَتْ لِلأُخْرَى). وضَمِنتَا سواءً ما جُهِل مُتلِفُه. (فصل) في حُكمِ المرتدِّ وهو لغةً: الرَّاجعُ، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾. وشرعًا: مَنْ أتى بما يُوجِب الكفرَ بعدَ إسلامِه. (مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ تَعَالَى) أي: زعَم أنَّ له شريكًا، أو سجَد لكوكبٍ أو صنمٍ؛ كفَر؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾. (أَوْ جَحَدَ رُبُوبِيَّتَهُ) أي: اللهِ تَعالى، (أَوْ) جحَد (وَحْدَانِيَّتَهُ، أَوْ) جحَد (صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ) الذاتيَّةِ؛ كالعلمِ والحياةِ؛ كفَر. (أَوِ اتَّخَذَ) أي: اعتقَد (لَهُ) تَعالى (صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا)؛ كفَر. (أَوْ جَحَدَ بَعْضَ كُتُبِهِ، أَوْ رُسُلِهِ)، أو ملائكتِه المجمَعِ عليهم؛ كفَر. (أَوْ) جحَد (تَحْرِيمَ زِنًى وَنَحْوِهِ)؛ كلحمِ خنزيرٍ، (أَوْ) جحَد (حِلَّ خُبْزٍ وَنَحْوِهِ)؛ كلَحمِ مذكَّاةِ بهيمةِ الأنعامِ والدَّجاجِ، (أَوْ) جحَد (حُكْمًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ)

стр. 1176

إجماعًا قطعيًّا، لا سكوتيًّا، وكان الحكمُ (ظَاهِرًا) بينَ المسلمين، بخلافِ فرضِ السُّدسِ لبنتِ الابنِ مع بنتِ الصُّلبِ، أو شكَّ فيه ومِثلُه لا يَجهله، أو كان يَجهله (وَعُرِّفَ) حُكمَه، (فَ) عرَف و (أَصَرَّ) على (١) الجحد أو الشَّكِّ؛ (كَفَرَ)؛ لمعاندتِه (٢) للإسلامِ، وامتناعِه من قَبولِ الأحكامِ. (فَ) مَنْ ارتدَّ بشيءٍ مِنْ ذلك مكلَّفًا مختارًا، ولو أُنثى؛ فإنَّه يُدعى للإسلامِ (٣)، و (يُسْتَتَابُ ثَلَاثًا) أي: ثلاثةَ أيَّامٍ وجوبًا، (وَ) يَنبغي أن (يُضَيَّقَ عَلَيْهِ فِيهَا) أي: في مدَّةِ الاستتابةِ، ويُحبسَ، (فَإِنْ) تاب؛ لم يُعزَّر، ولو بعدَ المدَّةِ، وإن (لَمْ يَتُبْ) بل أصرَّ على ردَّته؛ (قُتِلَ بِالسَّيْفِ)، ولا يُحرق بالنَّار. ولا يَقتله إلّا الإمامُ أو نائبُه، فإن قتَله غيرُهما بلا إذنٍ؛ أساءَ وعُزِّر، ولا ضمانَ، ولو قبلَ استتابتِه (٤)، إلّا أن يَلحق بدارِ الحربِ، فلكلِّ أحدٍ قتلُه، وأخذُ ما معه. (وَتَوْبَتُهُ) أي: المرتدِّ، (وَ) توبةُ (كُلِّ كَافِرٍ؛ إِتْيَانُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ) أي: قولُه: «أشهدُ أن لا إله إلّا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ»؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخَل الكنيسةَ، فإذا هو بيهوديٍّ يَقرأ عليهم التَّوراةَ، فقرأ حتى أتى على صِفَةِ النبيِّ ﷺ ، فقال: هذه صِفَتُك وصِفَةُ أمَّتِك، أشهدُ أن لا إله إلّا اللهُ، وأنَّك (٥)

стр. 1177

رسولُ اللهِ، فقال النبيُّ ﷺ : «لُوا (١) أخاكُم» رَواه أحمدُ (٢)، وإذا ثبَت بهما (٣) إسلامُ الكافرِ الأصليِّ، فكذا المرتدُّ. وأمَّا تفسيرُ الإسلامِ في حديثِ جبريلَ بالأمور الخمسةِ؛ فبيانٌ لأصولِ الإسلامِ التي (٤) تَتضمَّنها الشهادتان إجمالًا، وإلّا فالإسلامُ اسمٌ لكلِّ ما أمَر اللهُ به، ونهَى عنه، كما حقَّقه الحافظُ ابنُ رجبٍ في «شرحِ الأربعين النَّوويَّةِ» (٥). (وَلَا تُقْبَلُ) في الدُّنيا توبةٌ (مِمَّنْ سَبَّ اللهَ) تَعالى صريحًا؛ لعِظَمِ ذنبِه، وكذا مَنْ سبَّ رسولًا، أو مَلَكًا للهِ تَعالى، صريحًا، أو تَنقَّصه، (أَوْ تَكَرَّرَتْ (٦) رِدَّتُهُ)؛ لأنَّ تَكرارَ ردَّتِه يَدلُّ على فسادِ عَقيدتِه. (وَلَا بُدَّ) في توبةِ مَنْ تصحُّ توبتُه (مِنْ إِقْرَارِ جَاحِدٍ بِفَرْضٍ وَنَحْوِهِ)؛ كتحليلٍ وتحريمٍ، (مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ، أَوْ قَوْلِهِ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الإِسْلَامِ»)، فهو توبةٌ للمرتدِّ وكلِّ كافرٍ (٧).

стр. 1178

(كِتَابُ الأَطْعِمَةِ) واحدُها طعامٌ، وهو ما يُؤكَل ويُشرَب. وأصلُها الحِلُّ؛ لقولِه تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ف (يَحِلُّ كُلُّ طَعَامٍ طَاهِرٍ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ، مِنْ (١) حَبٍّ وَثَمَرٍ وَغَيْرِهِمَا) مِنْ الطَّاهراتِ. و (لَا) يَحلُّ (نَجِسٌ؛ كَمَيْتَةٍ وَدَمٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾. وكذا يَحرم متنجِّسٌ. (وَلَا) يَحلُّ (مُضِرُّ؛ كَسُمٍّ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. (وَ) يَحرم (مِنْ حَيَوَانَاتِ البَرِّ: حُمُرٌ أَهْلِيَّةٌ)؛ لحديثِ جابرٍ: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نهَى يومَ خيبرَ عن لحومِ الحُمُرِ الأهليَّةِ، وأَذِن في لحومِ الخيلِ» متَّفق عليه (٢). (وَ) يَحرم مِنْ حيواناتِ البَرِّ: (مَا لَهُ نَابٌ) يَفترس به (غَيْرَ ضَبُعٍ (٣)؛ كَأَسَدٍ، وَنَمِرٍ، وَفَهْدٍ، وَذِئْبٍ، وَفِيلٍ، وَقِرْدٍ، وَدُبٍّ)؛ لأنَّه « ﷺ نهَى عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباع»، كما في المتَّفق عليه (٤).

стр. 1179

وأمَّا الضَّبُعُ فمباحٌ؛ لحديثِ جابرٍ: «أمرَنا رسولُ اللهِ ﷺ بأكلِ الضَّبعِ، قلت: هي صيدٌ؟ قال: «نعم» (١)، احتجَّ به الإمامُ أحمدُ (٢)، فهذا يُخصِّص النَّهيَ المتقدِّمَ. (وَ) يَحرم (مَا لَهُ مِخْلَبٌ)، بكسرِ الميمِ، (مِنَ الطَّيْرِ) يَصيد به، وهو له بمنزلةِ الظُّفرِ للآدميِّ؛ (كَعُقَابٍ، وَبَازٍ، وَصَقْرٍ، وَحِدَأَةٍ) بوزن عِنَبةٍ، (وَبُومَةٍ)؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ: «نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ، وكلِّ ذي مِخلبٍ مِنْ الطَّير» (٣). (وَ) يَحرم مِنْ الطَّير (مَا يَأْكُلُ الجِيَفَ؛ كَنَسْرٍ، وَرَخَمٍ، وَغُرَابٍ أَبْقَعَ (٤)، وَ) الغرابِ (الأَسْوَدِ الكَبِيرِ). (وَ) يَحرم (مَا يُسْتَخْبَثُ) أي: ما تَستخبثه العربُ ذَوو (٥) اليسارِ؛ (كَقُنْفُذٍ، وَنَيْصٍ، وَفَأْرَةٍ، وَوَطْوَاطٍ، وَحَشَرَاتٍ)؛ كخَنافسَ، ودِيدانٍ. (وَ) يَحرم (مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ؛ كَسِمْعٍ)، بكسرِ السِّينِ المهمَلةِ وسكونِ الميمِ: ولدُ ضَبُعٍ مِنْ ذئبٍ، وكعِسْبارٍ، عكسُه: ولدُ ذئبةٍ مِنْ ضِبْعان (٦)، (وَبَغْلٍ) متولِّدٍ مِنْ خيلٍ وحُمُرٍ أهليَّةٍ.

стр. 1180

(فصل) (وَتُبَاحُ الخَيْلُ) كلُّها نصًّا (١)، (وَبَهِيمَةُ الأَنْعَامِ)، مِنْ إبلٍ وبقرٍ وغنمٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾، (وَالدَّجَاجُ، وَالبَطُّ، وَحُمُرُ الوَحْش، وَبَقَرُهُ) أي: الوحشِ، (وَالظِّبَاءُ) أي: الغِزلانُ على اختلافِ أنواعِها، (وَالنَّعَامَةُ، وَالأَرْنَبُ، وَالزَّرَافَةُ)، بفتحِ الزَّايِ وضمِّها: دابَّةٌ تُشبه البعيرَ، لكنَّ (٢) عُنقَها أطولُ مِنْ عُنقه، وجِسمُها ألطفُ مِنْ جِسمه، ويَداها أطولُ مِنْ رِجلَيها، (وَسَائِرُ) أي: باقي (الوَحْشِ)؛ كيَربوعٍ، ووَبْرٍ، وضَبٍّ. (وَ) يُباح كلُّ (حَيَوانِ البَحْرِ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾، (غَيْرَ ضِفْدَعٍ)، فيَحرم نصًّا (٣)؛ لاستخباثِها. (وَ) غيرَ (تِمْسَاحٍ) نصًّا (٤)؛ لأنَّ له نابًا يَفترس به. (وَ) غيرَ (حَيَّةٍ)؛ لاستخباثِها. (وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى مُحَرَّمٍ)، بأنْ خاف التَّلفَ إن لم يأكل؛ (أَكَلَ) وجوبًا نصًّا (٥)، (مِنْ غَيْرِ سُمٍّ) ونحوِه ممَّا يَضرُّ، (مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ) بفتحِ الراءِ والميمِ، كما في «المُطلِع» (٦)، أي: يُمسك بقيَّةَ رُوحِه، كما يُسدُّ الشيءُ المنفتحُ. وليس له الشِّبَعُ.

стр. 1181

فإن كان في سفرٍ محرَّمٍ، ولم يَتب؛ لم يَحلَّ له الأكلُ. وله التزوُّدُ إن خاف. (وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى طَعَامِ) شخصٍ (غَيْرِ مُضْطَرٍّ) ولا خائفٍ أن يُضطرَّ؛ (وَجَبَ) على ربِّ الطَّعامِ (بَذْلُهُ (١) لَهُ) أي: أن يَبذل (٢) للمضطرِّ ما يَسدُّ رمقَه؛ لأنَّه إنقاذٌ لمعصومٍ مِنْ الهلكة، (بِقِيمَتِهِ) أي: الطَّعامِ نصًّا (٣)، لا مجَّانًا. فإن كان ربُّ الطَّعامِ مضطرًّا أو خائفًا أن يُضطرَّ؛ فهو أحقُّ به، وليس له إيثارُه. (وَ) مَنِ اضْطُرَّ (إِلَى نَفْعِ مَالِ الغَيْرِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ)؛ كثيابٍ (لِدَفْعِ بَرْدٍ، أَوْ) حبلٍ أو دَلوٍ ل (اسْتِقَاءِ مَاءٍ وَنَحْوِهِ؛ وَجَبَ بَذْلُهُ) لمضطرٍّ (مَجَّانًا)، مع عدمِ حاجةِ ربِّه إليه (٤). (وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِشَجَرِهِ (٥)، أَوْ سَاقِطٍ تَحْتَهُ) أي: تحتَ شجرِه، (وَلَا حَائِطَ) على البستان، (وَلَا حَارِسَ) له؛ (فَلَهُ الأَكْلُ) منه مجَّانًا، ولو بلا حاجةٍ، (بِلَا حَمْلِ) شيءٍ مِنْ الثَّمرِ، (وَلَا رَجْمِ) أي: رميِ (شَجَرٍ) بشيءٍ. وكذا لا يَجوز له صعودُ شجرةٍ، ولا أكلٌ مِنْ مَجنيٍّ مجموعٍ إلّا لضرورةٍ، وكذا زرعٌ قائمٌ، وشربُ لبنِ ماشيةٍ؛ فيَجوز؛ لجَريانِ العادةِ بذلك. (وَتَجِبُ) على مسلمٍ (ضِيَافَةُ مُسْلِمٍ مُجْتَازٍ) أي: مارٍّ به، مسافرًا لا مقيمًا،

стр. 1182

(فِي قَرْيَةٍ) لا مِصرٍ، (يَوْمًا وَلَيْلَةً)، قَدْرَ كفايتِه مع أُدمٍ؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ كان يُؤمن بالله واليومِ الآخرِ فَلْيُكرِمْ ضَيفَه جائزتَه»، قالوا: وما جائزتُه يا رسولَ اللهِ؟ قال: «يومُه وليلتُه» متَّفق عليه (١). ويَجب إنزالُه ببيتِه مع عدمِ مسجدٍ ونحوِه. (فَإِنِ امْتَنَعَ) مُضيفٌ مِنْ الضِّيافة؛ (فَلَهُ) أي: الضَّيفِ طلبُه بها (٢) عندَ حاكمٍ، فإن تَعذَّر؛ جاز له (أَخْذُ قَدْرِهَا قَهْرًا) مِنْ مالِه. (فصل) في الذَّكاة يقال: ذكَّى الشاةَ ونحوَها تَذكيةً؛ أي: ذبَحها. فالذَّكاةُ: ذبحُ أو نحرُ حيوانٍ مأكولٍ برِّيٍّ (٣)، بقطعِ حُلقومِه ومَريئِه، أو عَقرُ ممتنعٍ. و (لَا يُبَاحُ حَيَوَانٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ)؛ لأنَّ غيرَ المذكَّى ميتةٌ، وقال تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. (إِلَّا الجَرَادَ، وَ) كلَّ (مَا لَا يَعِيشُ إِلَّا فِي المَاءِ) فيَحلُّ بدونِ ذكاةٍ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: «أُحلَّت لنا مَيتتان ودَمان، فأمَّا المَيتتان فالحوتُ والجرادُ، وأمَّا الدَّمان فالكبدُ والطِّحالُ» رَواه أحمدُ وغيرُه (٤).

стр. 1183

وما يَعيش في برٍّ وبحرٍ؛ كسُلَحْفاةٍ وكلبِ ماءٍ، لا يَحلُّ إلّا بالذَّكاة. وحَرُم بلعُ سمكٍ حيًّا، وكُرِه شَيُّه حيًّا، لا جرادٍ. (وَتُشْتَرَطُ) أربعةُ شروطٍ في صحَّةِ ذكاةٍ: أحدُها: (أَهْلِيَّةُ مُذَكٍّ، بِأَنْ يَكُونَ عَاقِلًا)، فلا يُباح ما ذكَّاه مجنونٌ، أو سكرانُ، أو طفلٌ؛ لأنَّه لا يصحُّ منهم قصدُ التَّذكيةِ، (مُسْلِمًا) كان (أَوْ كِتَابِيًّا) أبواه كتابيَّان؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، قال البخاريُّ: قال (١) ابنُ عبَّاسٍ: «طعامُهم ذبائحُهم (٢)» (٣). (وَلَوْ) كان المذكِّي (مُمَيِّزًا، أَوِ امْرَأَةً، أَوْ أَقْلَفَ) لم يُختن، (أَوْ أَعْمَى). و (لَا) تُباح ذكاةُ (سَكَرْانَ)؛ لِما تَقدَّم. (وَ) لا (مُرْتَدٍّ وَنَحْوِهِ)؛ كوَثنيٍّ ومجوسيٍّ؛ لمفهومِ قولِه تَعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. (وَ) الشَّرطُ الثاني: (الآلَةُ، وَهِي كُلُّ مُحَدَّدٍ) أي: ذي حدٍّ يُنهِر الدَّمَ بحدِّه، (وَلَوْ) كان (مَغْصُوبًا؛ مِنْ حَدِيدٍ، وَحَجَرٍ، وَقَصَبٍ، وَغَيْرِهِ)؛ كخشبٍ له حدٌّ، وذهبٍ، وفضَّةٍ، وعظمٍ، (غَيْرَ سِنٍّ وَظُفُرٍ)، لقولِه ﷺ : «ما أَنهَر (٤) الدَّمَ فكُلْ،

стр. 1184

ليسَ السِّنَّ والظُّفرَ» متَّفق عليه (١). (وَ) الشَّرطُ الثالثُ: (قَطْعُ حُلْقُومٍ) أي: مَجرى النَّفسِ، (وَمَرِيءٍ) بالمدِّ: مَجرى الطَّعامِ والشَّرابِ، سواءٌ كان القطعُ فوقَ الغَلْصَمةِ وهو الموضعُ الناتئُ مِنْ الحلقِ أو دونَها. و (لَا) يُشترط قطعُ (الْوَدَجَيْنِ)، وهُما عِرقان مُحيطان بالحُلقوم، ولا إبانةُ الحلقومِ (٢) والمَريءِ بالقطع. ولا يَضرُّ رفعُ يدِ الذَّابحِ إن أَتمَّ الذَّكاةَ على الفور، فإن تَراخى ووصَل الحيوانُ إلى حركةِ المذبوحِ، فأَتمَّها؛ لم يَحلَّ (٣). (وَغَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ)، مِنْ صيدٍ، ونَعَمٍ متوحِّشةٍ، (وَمُتَرَدٍّ) أي: واقعٌ (فِي بِئْرٍ وَنَحْوِهَا؛ بِعَقْرِهِ) أي: ذكاةُ ما ذُكِر بجَرحه (فِي أَيِّ مُوْضِعٍ) كان مِنْ بَدنه، رُوي عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ وغيرِهما ﵃ (٤). (إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ بِالمَاءِ)، ونحوِه ممَّا يَقتله لو انفرَد، فلا يُباح أكلُه؛

стр. 1185

تغليبًا للحظرِ. (وَ) الشَّرطُ الرابعُ: (قَوْلُ) ذابحٍ عندَ حركةِ يدِه بذبحٍ: (بِاسْمِ اللهِ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾. ولا يُجزئه غيرُها؛ كقولِ (١): «باسمِ الخالقِ»، ونحوِه. وتُجزئ بغيرِ عربيَّةٍ ولو أَحسنَها. (فَإِنْ تَرَكَهَا) أي: التَّسميةَ (عَمْدًا)، أو جهلًا؛ (لَمْ تُبَحِ) الذَّبيحةُ؛ لِما تَقدَّم. و (لَا) تَحرم إن ترَكها (سَهْوًا)؛ لقولِه ﷺ : «ذبيحةُ المسلمِ حلالٌ وإن لم يُسمِّ إذا لم يَتعمَّد» رَواه سعيدٌ (٢). وسقطَت التَّسميةُ هنا بالسَّهو، بخلافِ ما يأتي في الصَّيد (٣)، مع أنَّ قياسَ الشَّرطِ أنْ لا يَسقط به (٤)؛ لكثرةِ وقوعِ الذَّكاةِ مع غلبةِ السَّهوِ، وأمَّا الجاهلُ فمقصِّرٌ حيثُ لم يَسأل. (وَيُكْرَهُ ذَبْحٌ بِآلَةٍ كَالَّةٍ)؛ لحديثِ: «إنَّ اللهَ كتَب الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قَتلتُم فأحسِنوا القِتلةَ، وإذا ذَبحتُم فأحسِنوا الذِّبحةَ، ولْيُحِدَّ أحدُكم شَفْرتَه،

стр. 1186

وَلْيُرِحْ ذَبيحتَه» رَواه الشافعيُّ وغيرُه (١). (وَ) يُكره أيضًا (حَدُّهَا) أي: الآلةِ (وَالحَيَوَانُ يُبْصِرُهُ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمَر أن تُحَدَّ الشِّفارُ، وأن تُوارى عن البهائمِ» رَواه أحمدُ وابنُ ماجَه (٢). (وَ) يُكره أيضًا (كَسْرُ عُنُقِهِ) أي: المذبوحِ، (وَسَلْخُهُ قَبْلَ (٣) أَنْ يَتِمَّ زُهُوقُهُ)؛ للنَّهيِ عنه (٤). (وَ) يُكره أيضًا (أَنْ يُوَجَّهَ) الحيوانُ (إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ)؛ لأنَّ السُّنَّةَ توجيهُه إليها على شقِّه الأيسرِ. وسُنَّ رفقٌ به، وحملٌ على الآلة بقوَّةٍ. (فصل) في الصَّيد وهو اقتناصُ حيوانٍ حلالٍ متوحِّشٍ طبعًا، غيرِ مقدورٍ عليه. ويُطلق على المصيود.

стр. 1187

(وَيُبَاحُ الصَّيْدُ لِقَاصِدِهِ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾، وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ … ﴾ الآيةَ. (وَيُكْرَهُ) الصَّيدُ (لَهْوًا)؛ لأنَّه عبثٌ. وهو أفضلُ مأكولٍ، والزِّراعةُ أفضلُ مُكتسَبٍ (١). (وَيَحِلُّ مَا) أي: صيدٌ (أَدْرَكَهُ مَيِّتًا) بأربعةِ شروطٍ: الأوَّلُ: ما أشار إليه بقوله: (إِنْ كَانَ الصَّائِدُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ) أي: تَحلُّ ذبيحتُه، فلا يَحلُّ صيدُ مجوسيٍّ ونحوِه (٢) ولو مشاركةً. والثاني: الآلةُ، وهي نَوعان: جارحٌ، ومحدَّدٌ، وإلى ذلك أشار بقوله: (وَقَتَلَهُ) أي: الصَّيدَ (جَارِحٌ مُعَلَّمٌ)، ممَّا يَصيد بنابِه؛ كفَهدٍ، وكلبٍ غيرِ أسودَ بهيمٍ، وهو ما لا بياضَ فيه نصًّا (٣)، قال في «الإقناع» (٤): أو بينَ عَينَيه نُكتتان، كما اقتضاه الحديثُ الصحيحُ. انتهى، أو يَصيد بمِخلبه؛ كصقرٍ وبازٍ. ثمَّ تعليمُ نحوِ كلبٍ وفهدٍ (٥): أن يَسترسل إذا أُرسل، ويَنزجرَ إذا زُجِر، وإذا أَمسَك لم يأكل.

стр. 1188

وتعليمُ نحوِ صقرٍ: أن يَسترسل إذا أُرسل، ويَرجعَ إذا دُعي، لا بتَركِ الأكلِ. (أَوْ بِمُحَدَّدٍ، كَآلَةِ ذَكَاةٍ (١)) فيما تَقدَّم، وشُرِط جَرحُ الصَّيدِ بالآلة. ف (لَا (٢)) يَحلُّ صيدُ (مَا قَتَلَ بِثِقَلِهِ؛ كَبُنْدُقٍ، وَعَصًا، وَشَبَكَةٍ، وَفَخٍّ)، ولو مع قطعِ حُلقومٍ ومَريءٍ. (أَوْ) أي: ولا يَحلُّ صيدٌ (خَنَقَهُ) أو صدَمه (صَقْرٌ وَنَحْوُهُ)؛ لعدمِ جَرحِه، كالمِعراض وهو عودٌ محدَّدٌ إذا قتَل بثِقَله. والثالثُ: ما ذكَره بقوله: (وَيُشْتَرَطُ إِرْسَالُ الآلَةِ قَصْدًا) أي: قاصدًا للصَّيدِ. ف (لَا (٣)) يَحلُّ (إِنِ اسْتَرْسَلَ كَلْبٌ أَوْ غَيْرُهُ بِنَفْسِهِ، مَا لَمْ يَزْجُرْهُ) أي: يَحُثَّه ويَحمله على السُّرعة (فَيَزِيدَ فِي عَدْوِهِ) أي: طلبِه، فيَحلُّ الصَّيدُ. (وَ) الشَّرطُ الرابعُ: (قَوْلُ) صائدٍ («بِاسْمِ اللهِ» عِنْدَ إِرْسَالِ جَارِحَةٍ، أَوْ) إرسالِ (سَهْمِهِ، فَلَا تَسْقُطُ عَمْدًا، وَلَا سَهْوًا)، ولا جهلًا فيما يَظهر، فلا يُباح ما لم يُسمَّ عليه مطلقًا؛ لمفهومِ قولِه ﷺ : «إذا أَرسلتَ كَلبَك المعلَّمَ، وذكَرتَ اسمَ اللهِ عليه فكُلْ» متَّفق عليه (٤). ولو سمَّى على صيدٍ فأصابَ غيرَه؛ حَلَّ، لا على سهمٍ ألقاه ورمَى بغيره، بخلافِ ما لو سمَّى على سكِّينٍ، ثمَّ ألقاها وذبَح بغيرها؛ لأنَّ التَّسميةَ على السَّهم

стр. 1189

في الأُولى، وعلى الذَّبيحة في الثانية. وسُنَّ أن يَقول مع «باسمِ اللهِ»: «اللهُ أكبرُ»، كما (١) في الذَّكاة.

стр. 1190

(كِتَابُ الأَيْمَانِ) جمعُ «يمينٍ»، وهو الحَلِفُ والقَسَمُ. (اليَمِينُ المُوجِبَةُ لِلكَفَّارَةِ إِذَا حَنِثَ فِيهَا هِيَ) اليمينُ (الَّتِي) يَحلف فيها (بِ) اسمِ (اللهِ) الذي لا يُسمَّى به غيرُه؛ كالله، والقديمِ الأزليِّ (١)، والأوَّلِ الذي ليس قبلَه (٢) شيءٌ، والآخِرِ الذي ليس بعدَه شيءٌ، وخالقِ الخلقِ، وربِّ العالَمين. (أَوْ صِفَتِهِ؛ كَالرَّحْمَنِ)، أو بما يُسمَّى به غيرُه، ولم ينوِ الغيرَ؛ كالرَّحيم والعليمِ، أو بوجهِ اللهِ، وعَظَمتِه. (أَوْ) بِ (القُرْآنِ، أَوِ المُصْحَفِ)، أو بسورةٍ، أو آيةٍ منه. (وَيَحْرُمُ الحَلِفُ بِغَيْرِ اللهِ) سبحانَه؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ كان حالفًا فَلْيَحلفْ بالله تَعالى أو لِيَصمُتْ» متَّفق عليه (٣). ويُكره الحَلِفُ بالأمانة (٤). (وَلَا) تَجِب (كَفَّارَةٌ) بالحلف بغيرِ اللهِ تَعالى إذا حَنِث. (وَمَنْ حَلَفَ عَلَى) أمرٍ (مَاضٍ كَاذِبًا عَالِمًا؛ فَهِيَ) اليمينُ (الغَمُوسُ)؛ لأنَّها تَغمسه في الإثم، ثمَّ في النَّار، (وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا) أي: في الغَموس.

стр. 1191

(كَلَغْوِ اليَمِينِ)، وهي (الَّتِي لَا يَقْصِدُهَا)، بل تَجري على لسانِه، (نَحْوُ) قولِه: («لَا وَاللهِ»، وَ «بَلَى وَاللهِ»، فِي عُرْضِ حَدِيثِهِ)، بضمِّ العينِ المهمَلةِ، أي: جانبِه وأثنائِه، وأمَّا العَرْضُ بالفتح: فخلافُ الطُّولِ، ويحتمل أن يُراد هنا توسُّعًا؛ فلا كفَّارةَ؛ لقولِه تَعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، وفي حديثِ أَبي داودَ عن عائشةَ ﵂ مرفوعًا: «اللَّغوُ في اليمين كلامُ الرَّجلِ في بيته: لا واللهِ، بلى واللهِ» (١). (وَكَذَا) لا تجب كفَّارةٌ (لَوْ عَقَدَهَا) أي: اليمينَ (يَظُنُّ صِدْقَ نَفْسِهِ، فَبَانَ بِخِلَافِهِ)؛ لأنَّه مِنْ لغوِ اليمينِ. (وَمَنْ حَلَفَ مُكْرَهًا)؛ لم تَنعقد يمينُه؛ لقولِه ﷺ : «رُفِع عن أمَّتي الخطأُ، والنِّسيانُ، وما استُكرِهوا عليه» (٢). (أَوْ) حلَف (غَيْرُ مُكَلَّفٍ)؛ كصغيرٍ ومجنونٍ ومغمًى عليه؛ (لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ)؛ لعدمِ القصدِ. (وَلَا) تَجِب (كَفَّارَةٌ) إلّا بأربعةِ شروطٍ: أحدُها: قصدُ عقدِ اليمينِ، بخلافِ اللَّغوِ، ويمينِ نائمٍ ونحوِه. الثاني: كونُها على مستقبَلٍ، بخلافِ الغَموسِ. الثالثُ: كونُ حالفٍ مختارًا، بخلافِ المكرَهِ، وتَقدَّمَت الإشارةُ إلى ذلك كلِّه.

стр. 1192

الرابعُ: الحِنثُ، فلا تَجِب (قَبْلَ حِنْثٍ). ثمَّ بيَّنَ الحِنثَ فقال: (بِأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُهُ)؛ كما لو حلَف لا يُكلِّم زيدًا، فكلَّمه مختارًا ذاكرًا، (أَوْ يَتْرُكَ مَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ (١))؛ كما لو حلَف ليُكلِّمنَّ زيدًا اليومَ، فلَم يُكلِّمه (مُخْتَارًا ذَاكِرًا) ليَمينِه. ف (لَا) تَجِب كفَّارةٌ إن فعَل أو ترَك (نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا)؛ لأنَّه لا إثمَ عليه. (وَلَا) تَجِب كفَّارةٌ أيضًا (إِنْ قَالَ فِي يَمِينِهِ: «إِنْ شَاءَ اللهُ»)، إن قصَد المشيئةَ، واتَّصلَت بيمينه (٢) لفظًا أو حُكمًا؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ (٣) حلَف فقال: إن شاء الله؛ لم يَحنث» رَواه أحمدُ وغيرُه (٤). (وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا؛ سُنَّ فِعْلُهُ (٥)، وَيُكَفِّرُ)، فمَن حلَف على تركِ مندوبٍ؛ كصلاةِ الضُّحى، أو على فعلِ مكروهٍ؛ كأكلِ بصلٍ وثومٍ؛ سُنَّ حِنثُه، وكُرِه بِرُّه. ومن حلَف على فعلِ واجبٍ، أو تركِ محرَّمٍ؛ حَرُم حِنثُه، ووجَب بِرُّه (٦). وعلى فعلِ محرَّمٍ، أو تركِ واجبٍ؛ وجَب حِنثُه، وحَرُم بِرُّه. ويُخيَّر في مباحٍ، وحفظُها فيه أَولى.

стр. 1193

ولا يَلزم إبرارُ قسمٍ؛ كإجابةِ سؤالٍ بالله تَعالى، بل يُسنُّ (١). (وَمَنْ حَرَّمَ حَلَالًا؛ مِنْ أَمَةٍ، أَوْ طَعَامٍ، أَوْ لِبَاسٍ، أَوْ غَيْرِهِ، غَيْرَ زَوْجَتِهِ؛ لَمْ يَحْرُمْ) عليه. وأمَّا تحريمُ زوجتِه؛ فظهارٌ، كما تَقدَّم (٢). (وَعَلَيْهِ) أي: على مَنْ حرَّم سوى زوجتِه: (كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ)؛ لقوله (٣) تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ … ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾؛ أي (٤): التَّكفيرَ، وسببُ نزولِ الآيةِ: أنَّه ﷺ قال: «لن أَعُودَ إلى شُربِ العسلِ» متَّفق عليه (٥). (كَمَنْ قَالَ: «هُوَ يَهُودِيٌّ»، أَوْ «نَصْرَانِيٌّ»، وَنَحْوُهُ)، كما لو قال: «هو كافرٌ (إِنْ فَعَلَ كَذَا»، ثُمَّ فَعَلَهُ)؛ فقد فعَل محرَّمًا، وعليه كفَّارةُ يمينٍ بحِنثه (٦). (وَمَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ خُيِّرَ بَيْنَ إِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، كَمَا تَقَدَّمَ) في الظِّهار (٧)، لكلِّ (٨) مسكينٍ مُدُّ بُرٍّ، أو نصفُ صاعٍ مِنْ غيره.

стр. 1194

(أَوْ كِسْوَتُهُمْ) أي: العشرةِ، للرَّجلِ ثوبٌ يُجزئه في صلاته، وللمرأةِ دِرعٌ وخِمارٌ كذلك. (أَوْ تَحْرِيرُ) أي: عتقُ (رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: مسلمةٍ، سليمةٍ مِنْ العيوب، كما تَقدَّم في الظِّهار. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) شيئًا مِنْ الثلاثة؛ (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، (مُتَتَابِعَةٍ) وجوبًا؛ لقراءةِ ابنِ مسعودٍ: ﴿فصيامُ ثلاثةِ أيَّام متتابعةٍ (١)﴾ (٢). وتَجِب كفَّارةٌ ونذرٌ فورًا بحِنثٍ، ويَجوز إخراجُها قبلَه. (وَمَنْ حَنِثَ فِي أَيْمَانٍ بِاللهِ تَعَالَى)، ولو على أفعالٍ؛ كقوله: «واللهِ لا أَكلتُ»، «واللهِ (٣) لا شَرِبتُ»، «واللهِ لا أَعطيتُ»، ونحوَه، (قَبْلَ تَكْفِيرٍ (٤)؛ فَ) عليه (كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) نصًّا (٥)؛ لأنَّها كفَّاراتٌ مِنْ جنسٍ، فتَداخلَت، كالحدود (٦) مِنْ جنسٍ. (وَ) مَنْ حَنِث (فِي ظِهَارٍ وَيَمِينٍ بِاللهِ تَعَالَى (٧)؛ لَمْ يَتَدَاخَلَا) ولو قبلَ التَّكفيرِ؛ لعدمِ اتِّحادِ الجنسِ.

стр. 1195

ويُكفِّر قِنٌّ بصومٍ، وليس لسيِّدِه منعُه منه. ويُكفِّر كافرٌ بغيرِ صومٍ. ومَن حلَف يمينًا واحدةً على أجناسٍ؛ فكفَّارةٌ واحدةٌ، حَنِث في الجميع أو في واحدةٍ (١)، وتَنحلُّ في البقيَّة. (فصل) جامعُ الأيمانِ (وَيُرْجَعُ فِي اليَمِينِ إِلَى نِيَّةِ حَالِفٍ إِنِ احْتَمَلَهَا لَفْظُهُ)؛ لقولِه ﷺ : «وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوَى» (٢). فمَن نوَى ب «السَّقف» أو «البناءِ»: السَّماءَ، أو ب «الفراش» أو «البساطِ»: الأرضَ؛ قُدِّمَت على عموم لفظِه. ويَجوز التَّعريضُ في مخاطبةٍ لغيرِ ظالمٍ. (فَإِنْ عُدِمَتِ) النِّيَّةُ؛ (فَ) يُرجع (إِلَى سَبَبِ اليَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا)؛ لدَلالةِ ذلك على النِّيَّة. فمَن حلَف ليَقضينَّ زيدًا حقَّه غدًا، فقضاه قبلَه؛ لم يَحنث إذا اقتَضى السببُ أنَّه لا يَتجاوز غدًا، وكذا: ليَأكلنَّ شيئًا ونحوَه غدًا. وإن حلَف لا يَبيعه إلّا بمائةٍ؛ لم يَحنث بأكثرَ. (فَإِنْ عُدِمَ) ما ذُكر مِنْ النِّيَّة والسَّببِ؛ (فَ) يُرجع (إِلَى التَّعْيِينِ) بالإشارة؛
следующие страницы →