← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

(كَلَغْوِ اليَمِينِ)، وهي (الَّتِي لَا يَقْصِدُهَا)، بل تَجري على لسانِه، (نَحْوُ) قولِه: («لَا وَاللهِ»، وَ «بَلَى وَاللهِ»، فِي عُرْضِ حَدِيثِهِ)، بضمِّ العينِ المهمَلةِ، أي: جانبِه وأثنائِه، وأمَّا العَرْضُ بالفتح: فخلافُ الطُّولِ، ويحتمل أن يُراد هنا توسُّعًا؛ فلا كفَّارةَ؛ لقولِه تَعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، وفي حديثِ أَبي داودَ عن عائشةَ ﵂ مرفوعًا: «اللَّغوُ في اليمين كلامُ الرَّجلِ في بيته: لا واللهِ، بلى واللهِ» (١). (وَكَذَا) لا تجب كفَّارةٌ (لَوْ عَقَدَهَا) أي: اليمينَ (يَظُنُّ صِدْقَ نَفْسِهِ، فَبَانَ بِخِلَافِهِ)؛ لأنَّه مِنْ لغوِ اليمينِ. (وَمَنْ حَلَفَ مُكْرَهًا)؛ لم تَنعقد يمينُه؛ لقولِه ﷺ : «رُفِع عن أمَّتي الخطأُ، والنِّسيانُ، وما استُكرِهوا عليه» (٢). (أَوْ) حلَف (غَيْرُ مُكَلَّفٍ)؛ كصغيرٍ ومجنونٍ ومغمًى عليه؛ (لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ)؛ لعدمِ القصدِ. (وَلَا) تَجِب (كَفَّارَةٌ) إلّا بأربعةِ شروطٍ: أحدُها: قصدُ عقدِ اليمينِ، بخلافِ اللَّغوِ، ويمينِ نائمٍ ونحوِه. الثاني: كونُها على مستقبَلٍ، بخلافِ الغَموسِ. الثالثُ: كونُ حالفٍ مختارًا، بخلافِ المكرَهِ، وتَقدَّمَت الإشارةُ إلى ذلك كلِّه.

стр. 1192

الرابعُ: الحِنثُ، فلا تَجِب (قَبْلَ حِنْثٍ). ثمَّ بيَّنَ الحِنثَ فقال: (بِأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُهُ)؛ كما لو حلَف لا يُكلِّم زيدًا، فكلَّمه مختارًا ذاكرًا، (أَوْ يَتْرُكَ مَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ (١))؛ كما لو حلَف ليُكلِّمنَّ زيدًا اليومَ، فلَم يُكلِّمه (مُخْتَارًا ذَاكِرًا) ليَمينِه. ف (لَا) تَجِب كفَّارةٌ إن فعَل أو ترَك (نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا)؛ لأنَّه لا إثمَ عليه. (وَلَا) تَجِب كفَّارةٌ أيضًا (إِنْ قَالَ فِي يَمِينِهِ: «إِنْ شَاءَ اللهُ»)، إن قصَد المشيئةَ، واتَّصلَت بيمينه (٢) لفظًا أو حُكمًا؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ (٣) حلَف فقال: إن شاء الله؛ لم يَحنث» رَواه أحمدُ وغيرُه (٤). (وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا؛ سُنَّ فِعْلُهُ (٥)، وَيُكَفِّرُ)، فمَن حلَف على تركِ مندوبٍ؛ كصلاةِ الضُّحى، أو على فعلِ مكروهٍ؛ كأكلِ بصلٍ وثومٍ؛ سُنَّ حِنثُه، وكُرِه بِرُّه. ومن حلَف على فعلِ واجبٍ، أو تركِ محرَّمٍ؛ حَرُم حِنثُه، ووجَب بِرُّه (٦). وعلى فعلِ محرَّمٍ، أو تركِ واجبٍ؛ وجَب حِنثُه، وحَرُم بِرُّه. ويُخيَّر في مباحٍ، وحفظُها فيه أَولى.

стр. 1193

ولا يَلزم إبرارُ قسمٍ؛ كإجابةِ سؤالٍ بالله تَعالى، بل يُسنُّ (١). (وَمَنْ حَرَّمَ حَلَالًا؛ مِنْ أَمَةٍ، أَوْ طَعَامٍ، أَوْ لِبَاسٍ، أَوْ غَيْرِهِ، غَيْرَ زَوْجَتِهِ؛ لَمْ يَحْرُمْ) عليه. وأمَّا تحريمُ زوجتِه؛ فظهارٌ، كما تَقدَّم (٢). (وَعَلَيْهِ) أي: على مَنْ حرَّم سوى زوجتِه: (كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ)؛ لقوله (٣) تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ … ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾؛ أي (٤): التَّكفيرَ، وسببُ نزولِ الآيةِ: أنَّه ﷺ قال: «لن أَعُودَ إلى شُربِ العسلِ» متَّفق عليه (٥). (كَمَنْ قَالَ: «هُوَ يَهُودِيٌّ»، أَوْ «نَصْرَانِيٌّ»، وَنَحْوُهُ)، كما لو قال: «هو كافرٌ (إِنْ فَعَلَ كَذَا»، ثُمَّ فَعَلَهُ)؛ فقد فعَل محرَّمًا، وعليه كفَّارةُ يمينٍ بحِنثه (٦). (وَمَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ خُيِّرَ بَيْنَ إِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، كَمَا تَقَدَّمَ) في الظِّهار (٧)، لكلِّ (٨) مسكينٍ مُدُّ بُرٍّ، أو نصفُ صاعٍ مِنْ غيره.

стр. 1194

(أَوْ كِسْوَتُهُمْ) أي: العشرةِ، للرَّجلِ ثوبٌ يُجزئه في صلاته، وللمرأةِ دِرعٌ وخِمارٌ كذلك. (أَوْ تَحْرِيرُ) أي: عتقُ (رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: مسلمةٍ، سليمةٍ مِنْ العيوب، كما تَقدَّم في الظِّهار. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) شيئًا مِنْ الثلاثة؛ (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، (مُتَتَابِعَةٍ) وجوبًا؛ لقراءةِ ابنِ مسعودٍ: ﴿فصيامُ ثلاثةِ أيَّام متتابعةٍ (١)﴾ (٢). وتَجِب كفَّارةٌ ونذرٌ فورًا بحِنثٍ، ويَجوز إخراجُها قبلَه. (وَمَنْ حَنِثَ فِي أَيْمَانٍ بِاللهِ تَعَالَى)، ولو على أفعالٍ؛ كقوله: «واللهِ لا أَكلتُ»، «واللهِ (٣) لا شَرِبتُ»، «واللهِ لا أَعطيتُ»، ونحوَه، (قَبْلَ تَكْفِيرٍ (٤)؛ فَ) عليه (كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) نصًّا (٥)؛ لأنَّها كفَّاراتٌ مِنْ جنسٍ، فتَداخلَت، كالحدود (٦) مِنْ جنسٍ. (وَ) مَنْ حَنِث (فِي ظِهَارٍ وَيَمِينٍ بِاللهِ تَعَالَى (٧)؛ لَمْ يَتَدَاخَلَا) ولو قبلَ التَّكفيرِ؛ لعدمِ اتِّحادِ الجنسِ.

стр. 1195

ويُكفِّر قِنٌّ بصومٍ، وليس لسيِّدِه منعُه منه. ويُكفِّر كافرٌ بغيرِ صومٍ. ومَن حلَف يمينًا واحدةً على أجناسٍ؛ فكفَّارةٌ واحدةٌ، حَنِث في الجميع أو في واحدةٍ (١)، وتَنحلُّ في البقيَّة. (فصل) جامعُ الأيمانِ (وَيُرْجَعُ فِي اليَمِينِ إِلَى نِيَّةِ حَالِفٍ إِنِ احْتَمَلَهَا لَفْظُهُ)؛ لقولِه ﷺ : «وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوَى» (٢). فمَن نوَى ب «السَّقف» أو «البناءِ»: السَّماءَ، أو ب «الفراش» أو «البساطِ»: الأرضَ؛ قُدِّمَت على عموم لفظِه. ويَجوز التَّعريضُ في مخاطبةٍ لغيرِ ظالمٍ. (فَإِنْ عُدِمَتِ) النِّيَّةُ؛ (فَ) يُرجع (إِلَى سَبَبِ اليَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا)؛ لدَلالةِ ذلك على النِّيَّة. فمَن حلَف ليَقضينَّ زيدًا حقَّه غدًا، فقضاه قبلَه؛ لم يَحنث إذا اقتَضى السببُ أنَّه لا يَتجاوز غدًا، وكذا: ليَأكلنَّ شيئًا ونحوَه غدًا. وإن حلَف لا يَبيعه إلّا بمائةٍ؛ لم يَحنث بأكثرَ. (فَإِنْ عُدِمَ) ما ذُكر مِنْ النِّيَّة والسَّببِ؛ (فَ) يُرجع (إِلَى التَّعْيِينِ) بالإشارة؛

стр. 1196

لأنَّه أَبلغُ مِنْ دَلالةِ الاسمِ على مُسمَّاه؛ لنفيِه (١) الإبهامَ بالكلِّيَّة. فإذا حلَف: «لا أَلبَس (٢) هذا القميصَ»، فجَعله سراويلَ، أو رداءً، أو عمامةً، ولَبِسه، أو: «لا كلَّمتُ هذا الصَّبيَّ»، فصار شيخًا وكلَّمه، أو: «لا أَكلتُ هذا الرُّطَبَ»، فصار تمرًا، أو دِبسًا، أو خَلًّا، وأكَله، ونحوُ ذلك؛ حَنِث. (فَإِنْ عُدِمَ) ما ذُكِر كلُّه مِنْ النِّيَّة والسَّببِ والتَّعيينِ؛ (فَ) يُرجع (إِلَى مَا تَنَاوَلَهُ الاسْمُ)، وهو ثلاثةٌ: شرعيٌّ، وعُرفيٌّ، ولُغويٌّ، فقد لا يَختلف المسمَّى؛ ك «أرضٍ» و «سماءٍ». (وَ) قد يَختلف، ف (يُقَدَّمُ الشَّرْعِيُّ)، وهو ما له موضوعٌ شرعًا، وموضوعٌ (٣) لغةً؛ كالصَّلاة، والزَّكاة، والصَّوم، والحجِّ، ونحوِ ذلك. فالاسمُ المطلقُ في اليمين يَنصرف إلى الموضوع الشرعيِّ الصحيحِ، فلا بِرَّ ولا حِنثَ بفاسدٍ، إلّا الحجَّ والعمرةَ، ففاسدُهما كصحيحهما. (ثُمَّ العُرْفِيُّ)، وهو ما اشتهَر مجازُه حتى غلَب على حقيقته؛ كالرَّاوية، حقيقةٌ في الجَمل يُستقى عليه، وعرفًا: للمَزادةِ، وكالظَّعينة، حقيقةً: النَّاقةُ يُظعن عليها، وعرفًا: المرأةُ في الهَودَج، وكالدَّابَّة، حقيقةً: ما دَبَّ ودرَجَ، وعرفًا: الخيلُ والبِغالُ والحميرُ. (ثُمَّ اللُّغَوِيُّ)، وهو ما لم (٤) يَغلب مجازُه. (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ، وَنَحْوُهُ)؛ ك: لا يَنكح؛ (لَمْ يَحْنَثْ بِفَاسِدِهِ)؛ لأنَّ

стр. 1197

البيعَ أو النِّكاحَ (١) لا يَتناول الفاسدَ، (إِلَّا أَنْ) يُقيِّد يمينَه بما لا تُمكن (٢) صحَّتُه؛ كأنْ (يَقُولَ: «لَا يَبِيعُ الخَمْرَ»، وَنَحْوَهُ)؛ كالخنزير، فيَحنث بصورةِ العقدِ؛ لتعذُّرِ الصِّحَّةِ. (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا؛ لَمْ يَحْنَثْ بِشَحْمٍ، أَوْ كَبِدٍ، أَوْ مُخٍّ، وَنَحْوِهِ)؛ كقلبٍ وطِحالٍ، (مَعَ الإِطْلَاقِ)؛ لأنَّ اسمَ اللَّحمِ لا يَتناول ذلك إلّا بنيَّةٍ أو سببٍ. (وَ) مَنْ حلَف (لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ؛ حَنِثَ)؛ لأنَّ الفعلَ يُضاف إلى مَنْ فُعِل عنه، قال تَعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾، وإنَّما الحالقُ غيرُهم. (مَا لَمْ يَنْوِ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ)، فتُقدَّم نيَّتُه (٣)؛ لأنَّ لفظَه يَحتمله. (وَمَنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجِتِهِ؛ حَنِثَ بِجِمَاعِهَا)؛ لانصرافِ اللَّفظِ إليه عرفًا. (وَ) مَنْ حلَف (لَا يَطَأُ دَارَ فُلَانٍ؛ حَنِثَ بِدُخُولِهَا) راكبًا أو ماشيًا، حافيًا أو منتعلًا؛ لتعلُّقِ يمينِه بالدخول؛ لأنَّه العرفُ. (وَ) مَنْ حلَف (لَا يَأْكُلُ شَيْئًا، فَأَكَلَهُ مُسْتَهْلَكًا فِي غَيْرِهِ)؛ كمَن حلَف لا يأكل سَمْنًا، فأكَل خَبِيصًا فيه سمنٌ، (وَلَمْ يَظْهَرْ طَعْمُهُ فِيهِ؛ لَمْ يَحْنَثْ)، وإن ظهَر طعمُ شيءٍ مِنْ المحلوفِ عليه فيما أكَله؛ حَنِث؛ لأكلِه المحلوفَ عليه. (كَمَا لَوْ فَعَلَ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ)، بأنْ حلَف لا يُكلِّم زيدًا، أو لا يَدخل دارَ فلانٍ، ونحوُ ذلك، ففعَله (مُكْرَهًا)، فلا يَحنث مطلقًا (٤)؛ لأنَّ الفعلَ في الإكراه

стр. 1198

غيرُ منسوبٍ إليه. (أَوْ) فعَله (نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا)، فلا يَحنث (فِي غَيْرِ طَلَاقٍ وَعَتَاقٍ)؛ كيمينٍ بالله تَعالى، ونذرٍ، وظِهارٍ، أمَّا الطَّلاقُ والعَتاقُ فيَحنث فيهما ولو ناسيًا أو جاهلًا؛ لأنَّهما حقُّ آدميٍّ، فلَم يُعذر بذلك؛ كإتلافِ المالِ، بخلافِ اليمينِ بالله تَعالى ونحوِه؛ فإنَّها حقٌّ للهِ (١) تَعالى، وقد رفَع سبحانَه عن هذه الأمَّةِ الخطأَ والنِّسيانَ. ومَن حلَف على من يَمتنع بيمينه؛ كولده وزوجتِه، ففِعْله مُكرَهًا أو ناسيًا أو جاهلًا؛ كنفسه، ومَن لا يَمتنع بيمينه مِنْ سلطانٍ أو غيرِه؛ يَحنث بفعله مطلقًا. (أَوْ) حلَف لا يَفعل شيئًا؛ كما لو حلَف لا يأكل هذا الرَّغيفَ، ف (فعَل) أي: أكَل (بَعْضَهُ)؛ لم يَحنث؛ لعدمِ وجودِ المحلوفِ عليه، ما لم تَكُنْ نيَّةٌ أو سببٌ.

стр. 1199

(بَابُ النَّذْرِ) هو لغةً: الإيجابُ، يُقال نذَر (١) دمَ فلانٍ: أي أَوجَب قَتْلَه. وشرعًا: إلزامُ مكلَّفٍ مختارٍ (٢) نفسَه للهِ تَعالى شيئًا غيرَ مُحالٍ، بكلِّ قولٍ يَدلُّ عليه. (يَصِحُّ) النَّذرُ (مِنْ) كلِّ (مُكَلَّفٍ) مختارٍ، فلا يصحُّ مِنْ صغيرٍ ومجنونٍ ومُكرَهٍ، (وَلَوْ) كان (كَافِرًا) نذَر عبادةً، فيصحُّ؛ لحديثِ عمرَ: إنِّي كنتُ نَذرتُ في الجاهليَّة أن أَعتَكف ليلةً، فقال له النبيُّ ﷺ : «أَوْفِ بنَذرِكَ» (٣). (وَ) الصحيحُ مِنْ النَّذر ستةُ أقسامٍ: أحدُها: النَّذرُ المطلقُ، كما (إِذَا قَالَ: «لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ») ولم يُسمِّ شيئًا، (وَنَحْوَهُ)؛ ك «إن فعلتُ كذا فلِلَّهِ عليَّ نذرٌ»، ولا نيَّةَ، وفعَله؛ (فَ) يَلزمه (كَفَّارَةُ يَمِينٍ)؛ لحديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «كفَّارةُ النَّذرِ إذا لم يُسَمَّ كفَّارةُ يمينٍ» رَواه ابنُ ماجَه والتِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ (٤). (وَ) الثاني: (نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالغَضَبِ)، وهو تعليقُ نذرِه بشرطٍ يقصد المنعِ منه، أو الحملِ عليه، أو التَّصديقِ أو التَّكذيبِ؛ كقوله: «إن كلَّمتُك»، أو «إن لم

стр. 1200

أَضربك» (١)، أو «إن لم يَكُنْ هذا الخبرُ صدقًا أو كذبًا؛ فعليَّ الحجُّ»، ونحوَه. فَ (يُخَيَّرُ فِيهِ) أي: في هذا النَّوعِ (بَيْنَهُ) أي: بينَ (٢) فعلِ ما نذَره، (وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ)؛ لحديثِ عمرانَ بنِ حُصَينٍ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقول: «لا نذرَ في غضبٍ، وكفَّارتُه كفَّارةُ يمينٍ» رَواه سعيدٌ في «سننه» (٣). (كَنَذْرِ المُبَاحِ)؛ كلُبسِ ثوبِه، وركوبِ دابَّتِه، وهو النَّوعُ الثالثُ، فيُخيَّر فيه كالذي قبلَه بينَ فعلِه وكفَّارةِ يمينٍ. (وَ) الرابعُ: (نَذْرُ المَكْرُوهِ؛ كَ) نذرِ (الطَّلَاقِ)، ونحوِه؛ كأكلِ بصلٍ وثوم، ف (يُسَنُّ أَنْ يُكَفِّرَ، وَلَا يَفْعَلَهُ)، كما لو حلَف عليه. (وَ) الخامسُ: (نَذْرُ المَعْصِيَةِ؛ كَ) نذرِ (القَتْلِ، وَشُرْبِ الخَمْرِ)، ف (يَحْرُمُ الوَفَاءُ بِهِ)؛ لحديثِ: «ومَن نذَر أن يَعصيَ اللهَ فلا يَعْصِه» (٤). (وَيُكَفِّرُ) مَنْ لم يَفعله كفَّارةَ يمينٍ. (وَ) السادسُ: (نَذْرُ التَّبَرُّرِ؛ كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالحَجِّ، وَنَحْوِهِ)؛ كالعمرة (٥)، بقصدِ التقرُّبِ مطلقًا، فَ (يَلْزَمُ الوَفَاءُ بِهِ)، أو معلَّقًا بحصول (٦) نعمةٍ، أو دفعِ نِقمةٍ، كما أشار إلى ذلك بقوله: (وَمِنْهُ) أي: مِنْ نذرِ (٧) التَّبرُّرِ قولُه:

стр. 1201

(«إِنْ شَفَى اللهُ مَرِيضِي»، أَوْ «سَلَّمَ مَالِيَ) الغائبَ»، (وَنَحْوَهُ؛ «فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا»)، أو حلَف بقصدِ التقرُّبِ؛ ك «واللهِ إن سَلِم مالي لأَتصدَّقنَّ بكذا»، فيَلزمه الوفاءُ به، (إِذَا وُجِدَ شَرْطُهُ (١)) نصًّا (٢)، وكذا: «إن طلعَت الشَّمسُ، أو قَدِم الحاجُّ؛ فلِلَّهِ عليَّ كذا»، ذكَره في «المستوعب» (٣)؛ لعمومِ (٤) حديثِ: «مَنْ نذَر أن يُطيع اللهَ فَلْيُطِعْه» رَواه البخاريُّ (٥). (وَمَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ)، وهو ممَّن تُسنُّ له الصَّدقةُ بكلِّ مالِه؛ (أَجْزَأَهُ) أن يَتصدَّق بِ (ثُلُثِهِ)، ولا كفَّارةَ عليه نصًّا (٦). ولو نذَر الصَّدقةَ بمسمًّى يَزيدُ على ثُلثِ مالِه؛ كألفٍ؛ لَزِمه التَّصدُّقُ به، كما في «الإنصاف»، وقطَع به في «المنتهى» (٧). (وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ) معيَّنٍ؛ كرجبٍ، أو مطلقٍ، (أَوْ نَحْوِهِ)؛ كسَنةٍ؛ (لَزِمَهُ تَتَابُعُهُ)؛ لأنَّ إطلاقَ الشَّهرِ والسَّنةِ (٨) يَقتضي التَّتابعَ. و (لَا) يَلزمه التَّتابعُ إن نذَر (أَيَّامًا مَعْدُودَةً)؛ كعشرةِ أيَّامٍ، أو ثلاثين (٩) يومًا؛ لأنَّ الأيَّامَ لا تَدلُّ على التَّتابع، (إِلَّا بِشَرْطِهِ) أي: التَّتابعِ؛ كأنْ يَقول: «متتابعة»، (أَوْ نِيَّتِهِ)، بأنْ يَنوي التَّتابعَ حالَ النَّذرِ، فيَلزمه.

стр. 1202

(كِتَابُ القَضَاءِ) هو (١) لغةً: إحكامُ الشَّيءِ، والفراغُ (٢) منه، ومنه: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾، وقولُه (٣) تَعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ أي: أَدَّيتموها وفرَغتم منها. واصطلاحًا: تبيينُ الحكمِ الشرعيِّ، والإلزامُ به، وفصلُ الحُكوماتِ. وهو فرضُ كفايةٍ، ف (يَلْزَمُ الإِمَامَ نَصْبُ قَاضٍ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ (٤))، بكسرِ الهمزةِ؛ لأنَّ الإمامَ لا يُمكنه مباشرةُ الخصوماتِ في جميعِ البلدانِ بنفسه. (وَ) يَلزم الإمامَ (اخْتِيَارُ أَصْلَحِ مَنْ يَجِدُهُ لَهُ) أي: للقضاءِ، (وَيَأْمُرُهُ بِتَقْوَى اللهِ) تَعالى؛ لأنَّها رأسُ الدِّينِ، (وَ) يأمره بِ (تَحَرِّي العَدْلِ) أي: إعطاءِ الحقِّ لمستحِقِّه مِنْ غيرِ مَيلٍ. (فَيَقُولُ) الإمامُ لمَن يَختاره للقضاءِ: (وَلَّيْتُكَ) الحكمَ، (أَوْ: قَلَّدْتُكَ الحُكْمَ، وَنَحْوَهُ)؛ كفوَّضتُ، أو رَددتُ، أو جعلتُ إليك الحكمَ. (وَتُفِيدُ وِلَايَةُ حُكْمٍ عَامَّةٌ: فَصْلَ الخُصُومَةِ) بينَ الخصومِ.

стр. 1203

(وَ) تُفيد (أَخْذَ الحَقِّ، وَدَفْعَهُ لِمُسْتَحِقِّهِ). (وَ) تُفيد (النَّظَرَ فِي مَالِ غَيْرِ رَشِيدٍ)؛ كصغيرٍ ومجنونٍ وسفيهٍ، (لَا وَصِيَّ لَهُ) أي: لغيرِ الرَّشيدِ، وكذا مالٌ غائبٌ (١) لا وكيلَ له، فإن كان ثَمَّ وصيٌّ أو وكيلٌ؛ قُدِّم على الحاكم (٢). (وَ) تُفيد (الحَجْرَ) على مَنْ يَستوجبه (لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ). (وَ) تُفيد (النَّظَرَ فِي وُقُوفِ عَمَلِهِ)، جمعُ «وقفٍ» (لِ) أَجْلِ (إِجْرَائِهَا عَلَى وَجْهِهَا)، ويَعمل بشروطِها. (وَتَنْفِيذَ الوَصَايَا، وَتَزْوِيجَ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا) مِنْ النِّساء، (وَإِقَامَةَ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ (٣)، وَنَحْوَهُ)؛ كإقامةِ حدودٍ. (وَشُرُوطُ قَاضٍ) عشرُ صفاتٍ: (كَوْنُهُ مُكَلَّفًا) أي: بالغًا عاقلًا؛ لأنَّ غيرَ المكلَّفِ تحتَ ولايةِ غيرِه. (ذَكَرًا)؛ لقولِه ﷺ : «ما أَفلَح قومٌ وَلَّوا أمرَهم امرأةً» (٤). (حُرًّا)؛ لأنَّ الرَّقيقَ مشغولٌ بحقوقِ سيِّدِه. (مُسْلِمًا عَدْلًا)؛ لأنَّ الكافرَ والفاسقَ لا يَكون كلٌّ منهما شاهدًا، فأَولى ألّا يَكون قاضيًا. (سَمِيعًا)؛ ليَسمع كلامَ الخصمَين.

стр. 1204

(بَصِيرًا)؛ ليَعرفَ المدَّعيَ مِنْ المدَّعى عليه. (مُتَكَلِّمًا)؛ ليَتمكَّنَ مِنْ النُّطق بالحكم، والأخرسُ لا يَفهم كلُّ النَّاسِ إشارتِهِ. (مُجْتَهِدًا)؛ لقولِه تَعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، (وَلَوْ) كان مجتهدًا (فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ) المقلِّدِ له؛ للضَّرورةِ بعدمِ المجتهدِ المطلقِ، فيُراعي ألفاظَ إمامِه، ومتأخِّرَها، ويُقلِّد كبارَ مذهبِه في ذلك، ويَحكم به ولو اعتقَد خلافَه. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ: وهذا الشرط يُعتبر حسَبَ الإمكانِ (١). واختار بعضُهم: أو مقلِّدًا. وفي «الإنصاف» (٢): قلتُ: وعليه العملُ مِنْ مدَّةٍ طويلةٍ، وإلّا لتَعطَّلَت أحكامُ النَّاسِ. انتهى، قلتُ: وهو معنى كلامِ الشَّيخِ تقيِّ الدِّينِ المتقدِّمِ. (وَمَنْ حَكَّمَهُ)، بتشديدِ الكافِ، (اثْنَانِ بَيْنَهُمَا) حالَ كَونِه (صَالِحًا لِلقَضَاءِ)، فحكَم بينَهما؛ (نَفَذَ حُكْمُهُ فِي المَالِ وَغَيْرِهِ)؛ كالحدود، وكلِّ ما يَنفذ فيه حكمُ مَنْ ولَّاه إمامٌ أو نائبُه؛ لأنَّ عمرَ وأُبيًّا تَحاكمَا إلى زيدِ بنِ ثابتٍ (٣)، وتَحاكمَ عثمانُ وطلحةُ إلى جُبيرِ بنِ مُطعِمٍ (٤)، ولم يَكُنْ أحدٌ ممَّن (٥) ذكَرْنا قاضيًا.

стр. 1205

(فصل) في أدبِ القاضي (١) (يَنْبَغِي) أي: يُسنُّ (أَنْ يَكُونَ القَاضِي قَوِيًّا بِلَا عُنْفٍ)؛ لئلَّا يَطمعَ فيه الظَّالمُ، والعنفُ: ضدُّ الرِّفقِ. (لَيِّنًا بِلَا ضَعْفٍ)؛ لئلَّا يَهابَه صاحبُ الحقِّ. (حَلِيمًا (٢))؛ لئلَّا يَغضبَ مِنْ كلامِ الخصمِ. (فَطِنًا)؛ لئلَّا يَخدعَه بعضُ الأخصامِ. وأن يَكون ذا أناةٍ (٣). (عَارِفًا بِأَحْكَامِ الحُكَّامِ قَبْلَهُ)؛ ليَعتبر بهم في بعضِ (٤) المهمَّاتِ. (وَلْيَكُنْ مَجْلِسُهُ (٥) وَسَطَ البَلَدِ) إن أَمكَن؛ ليَستويَ أهلُ البلدِ في المُضِيِّ إليه، ولْيَكُن مجلسُه (فَسِيحًا) واسعًا، لا يُتأذَّى فيه بشيءٍ. (وَلَهُ القَضَاءُ فِي المَسْجِدِ) بلا كراهةٍ، (وَيَصُونُهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ فِيهِ)، مِنْ نحوِ

стр. 1206

رفعِ صوتٍ. (وَيَعْدِلُ) وُجُوبًا (بَيْنَ الخَصْمَيْنِ فِي لَحْظِهِ) أي: ملاحظتِه، (وَلَفْظِهِ) أي: كلامِه لهما، (وَمَجْلِسِهِ، وَدُخُولٍ عَلَيْهِ)، إلّا مسلمًا مع كافرٍ، فيُقدَّم دخولًا، ويُرفع جلوسًا. (وَيَنْبَغِي) أي: يُسنُّ للقاضي (أَنْ يُحْضِرَ)، بضمِّ الياءِ، (مَجْلِسَهُ فُقَهَاءَ المَذَاهِبِ، وَيُشَاوِرَهُمْ فِيمَا يُشْكِلُ) عَلَيْهِ إن أَمكَن، فإن اتَّضح له الحكمُ، وإلّا أخَّره؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. (وَيَحْرُمُ القَضَاءُ وَهُوَ غَضْبَانُ كَثِيرًا)؛ لخبرِ أَبي بَكْرةَ مرفوعًا: «لا يَقضينَّ حاكمٌ بينَ اثنين وهو غضبانُ» متَّفق عليه (١). (أَوْ) وهو (حَاقِنٌ، وَنَحْوُهُ)؛ كفي شدَّةِ جوعٍ، أو عطشٍ، أو همٍّ، (فَإِنْ فَعَلَ) أي: حكَم في حالِ مِنْ تلك الأحوالِ؛ (نَفَذَ) حكمُه (إِنْ أَصَابَ الحَقَّ). (وَيَحْرُمُ) على قاضٍ (٢) (قَبُولُهُ (٣) رِشْوَةً)؛ لحديثِ ابنِ عمر (٤) قال: «لعَن رسولُ اللهِ ﷺ الرَّاشيَ والمُرتشيَ»، قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٥). (وَكَذَا) يَحرم على القاضي قبول (٦) (هَدِيَّةٍ)؛ لقولِه ﷺ : «هدايا العمَّالِ

стр. 1207

غُلولٌ» رَواه أحمدُ (١). (إِلَّا) إذا كانت الهديَّةُ (مِمَّنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ)، فتَجوز (٢)، (إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ) أي: للمُهادي (حُكُومَةٌ)، فتَحرم. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْكُمَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ)؛ ليَستوفيَ بهما الحقوقَ. (وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ، وَلَا لِمَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ)؛ كوالده، وولدِه، وزوجتِه، ولا على عدوِّه؛ كالشهادة. (وَمَنِ ادَّعَى عَلَى) امرأةٍ (غَيْرِ بَرْزَةٍ) أي: طلَب مِنْ الحاكم إحضارَها للدَّعوى عليها؛ لم يَأمر الحاكمُ بإحضارها، وَ (أُمِرَتْ بِالتَّوْكِيلِ)؛ للعذرِ. فإن كانت بَرْزةً، وهي التي تَبرز لقضاءِ حوائجِها؛ أُحضِرَت. (فَإِنْ لَزِمَهَا) أي: غيرَ البَرْزةِ (يَمِينٌ؛ أَرْسَلَ) الحاكمُ (مَنْ يُحَلِّفُهَا (٣))، فيَبعث شاهدَين؛ لتُستحلفَ (٤) بحضرتهما. (وَكَذَا) لا يَلزم إحضارُ (مَرِيضٍ)، بل يُؤمر بالتوكيل، فإن لَزِمَته (٥) يمينٌ؛ أَرسَل مَنْ يُحلِّفه.

стр. 1208

(بَابُ طَرِيقِ الحكْمِ وَصِفَتِهِ) طريقُ كلِّ شيءٍ: ما تُوصِّل (١) به إليه. والحكمُ: فصلُ الخُصوماتِ. (إِذَا حَضَرَ إِلَيْهِ خَصْمَانِ؛ أَجْلَسَهُمَا) ندبًا بينَ يدَيه، ثمَّ له أن يَسكت حتى يَبدأَ أحدُهما، وله أن يَقول: أيُّكما المدَّعي؟ (وَقَدَّمَ مَنْ سَبَقَ) منهما (بِالدَّعْوَى)، فإن ادَّعيَا معًا؛ قدَّم مَنْ قرَع، (فَإِنْ أَقَرَّ مُدَّعًى عَلَيْهِ؛ حَكَمَ) قاضٍ (بِسُؤَالِ مُدَّعٍ) له؛ لأنَّ الحقَّ في الحكم للمدَّعي، فلا يُستوفى إلّا بطلبه. (وَإِنْ أَنْكَرَ)، بأنْ قال لمدَّعٍ قرضًا أو ثَمنًا: «ما أَقرَضني»، أو «ما باعني»، أو «لا يَستحقُّ عليَّ ما ادَّعاه، ولا شيئًا منه»، أو «لا حقَّ له عليَّ»؛ صحَّ الجوابُ ما لم يَعترف بسببِ الحقِّ. وَ (قَالَ) الحاكمُ (لِمُدَّعٍ: «إِنْ كَانَ لَكَ بَيِّنَةٌ فَأَحْضِرْهَا إِنْ شِئْتَ»، فَإِنْ أَحْضَرَ (٢)) البيِّنةَ؛ لم يَسألها ولم يُلقِّنها، فإذا شَهِدَت؛ (سَمِعَهَا، وَلَا) يَجوز له أن (يَتَعَنَّتَهَا) (٣) أي: يَطلبَ زلَّتَها، (وَلَا) أن (يُرَدِّدَهَا، وَحَكَمَ لَهُ بِهَا) إذا اتَّضح الحكمُ، وسأله المدَّعي. (وَلَا يَحْكُمُ) القاضي (بِعِلْمِهِ) ولو في غيرِ حدٍّ؛ لإفضائِه إلى التُّهمةِ،

стр. 1209

والحكمِ بما يَشتهي. (وَإِنْ قَالَ) المدَّعي: (مَا لِي بَيِّنَةٌ؛ عَرَّفَهُ) الحَاكِمُ (أَنَّ لَهُ اليَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ)؛ لِما رُوي: أنَّ رَجُلَين اختَصمَا إلى النبيِّ ﷺ ، حضرميٌّ وكِنديٌّ، فقال الحضرميُّ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ هذا غلَبني (١) على أرضٍ لي، فقال الكِنديُّ: هي أرضي، وفي يدي، وليس له فيها حقٌّ، فقال النبيُّ ﷺ للحضرميِّ: «أَلَكَ بيِّنةٌ؟» قال: لا، قال: «فَلَكَ يمينُه». حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٢)، قاله في «شرح المنتهى» (٣). (فَإِنْ سَأَلَ) المدَّعي مِنْ القاضي (إِحْلَافَهُ) أي: المدَّعى عليه؛ (أَحْلَفَهُ) الحاكمُ، وتَكون يمينُه (عَلَى صِفَةِ جَوَابِهِ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ) بعدَ تحليفِه. (وَإِنْ نَكَلَ) أي: امتنَع المدَّعى عليه مِنْ اليمين؛ (قَالُ لَهُ) الحاكمُ: (إِنْ حَلَفْتَ) خلَّيتُ سبيلَك، (وَإِلَّا) تَحلِفْ (قَضَيْتُ عَلَيْكَ) بالحقِّ (بِالنُّكُولِ) أي: بسببه، (فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ؛ قَضَى عَلَيْهِ). (وَإِنْ (٤) أَحْضَرَ مُدَّعٍ بَيِّنَةً بَعْدَ حَلِفِ مُنْكِرٍ؛ حَكَمَ) القاضي (بِهَا)، ولم تَكُنْ اليمينُ مُزيلةً للحقِّ، (إِلَّا إِنْ كَانَ) المدَّعي (قَالَ: «لَا بَيِّنَةَ لِي»، وَنَحْوَهُ)؛ كما لو قال: «كلُّ بيِّنةٍ أُقيمها فهي زُورٌ»، أو «باطلةٌ»؛ فلا تُسمع بيِّنته بعدُ؛ لأنَّه مكذِّبٌ لها. (بِخِلَافِ) قولِه: (لَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً)، فتُسمع إذا أَقامها (٥)؛ لأنَّه ليس مكذِّبًا لها.

стр. 1210

(فصل) (وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إِلَّا مُحَرَّرَةً)؛ لأنَّ الحكمَ مرتَّبٌ عليها؛ ولذلك قال رسولُ اللهِ ﷺ : «وإنَّما أَقضي على نحوِ ما أَسمَع» (١). ولا تصحُّ أيضًا إلّا (مَعْلُومَةَ المُدَّعَى بِهِ)، بأنْ تَكون بشيءٍ معلومٍ؛ ليَتأتَّى الإلزامُ به، (إِلَّا) الدَّعوى بِ (مَا يَصِحُّ مَجْهُولًا؛ مِنْ وَصِيَّةٍ، وَمَهْرٍ، وَخُلْعٍ)، فلا يُشترط علمُه، كما تَقدَّم، فيصحُّ بعبدٍ مِنْ عبيده (٢). ويُشترط أن تَكون (مُنْفَكَّةً) أي: خاليةً (عَمَّا يُكَذِّبُهَا)، فلا تصحُّ (٣) على إنسانٍ بأنَّه قتَل أو سرَق مِنْ عشرين سَنةً وعمرُه دونَها. (وَمَنِ ادَّعَى عَقْدَ نِكَاحٍ، أَوْ) عقدَ (٤) (بَيْعٍ، أَوْ نَحْوِهِ)؛ كإجارةٍ؛ ذكَر شروطَه، (أَوْ شَهِدَ بِهِ) أي: بالعقد؛ (ذَكَرَ شُرُوطَهُ)؛ لاختلافِ النَّاسِ فيها، فقد لا يَكون العقدُ صحيحًا عند القاضي. وإن ادَّعى استدامةَ الزَّوجيَّة؛ لم يُشترط ذِكرُ شروطِ العقدِ. (وَإِنِ ادَّعَتِ امْرَأَةٌ نِكَاحًا لِطَلَبِ مَهْرٍ أَوْ نَفَقَةٍ وَنَحْوِهِ؛ سُمِعَتْ دَعْوَاهَا)؛ لأنَّها تدَّعي حقًّا تُضيفه إلى سببه. (وَإِلَّا) تدَّع سوى النِّكاحِ؛ (فَلَا) تُسمع دَعواها؛ لأنَّه حقٌّ للزَّوجِ عليها، فلا (٥)

стр. 1211

تُسمع دعواها (١) حقًّا لغيرِها. (وَإِنِ ادَّعَى إِرْثًا؛ ذَكَرَهُ) أي: ذكَر سببَه؛ لاختلافِها، فلا بدَّ مِنْ تعيينه، (أَوِ) ادَّعى (قَتْلًا) لمورِّثِه؛ (وَصَفَهُ) أي: القتلَ، فيَقول: قتَله بسيفٍ، أو عصًا، ونحوِهما، ويَذكر كونَه عمدًا أو غيرَه، وأنَّ القاتلَ انفرَد بقتله أو لا. (وَيُعْتَبَرُ فِي البَيِّنَةِ: العَدَالَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، (فِي غَيْرِ نِكَاحٍ)، فتَكفي فيه العدالة ظاهرًا، كما تَقدَّم. (فَإِنْ جَهِلَ) الحاكمُ (عَدَالَتَهَا (٢)؛ سَأَلَ عَنْهَا) مَنْ له خِبرةٌ باطنةٌ بصُحبةٍ أو معاملةٍ ونحوِهما (٣). (وَإِنْ عَلِمَهَا) أي: عَلِم القاضي عدالةَ البيِّنةِ؛ (عَمِلَ بِهَا)، ولم يَحتج لتزكيةٍ (٤)، وكذا لو عَلِم فِسقَها؛ لم يَحتج لجرحٍ. (وَإِنْ جَرَحَ الخَصْمُ الشُّهُودَ) أي: أظهر (٥) فيهم ما تُردُّ به شهادتهم (٦)؛ (كُلِّفَ)، بالبناء للمفعولِ، أي: كلَّفه القاضي (البَيِّنَةَ لَهُ) أي: للجَرحِ، (وَأُمْهِلَ) مَنْ ادَّعى الجَرحَ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِنْ طَلَبَهُ) أي: الإمهالَ، ولا بدَّ مِنْ بيانِ سببِ الجَرحِ عن رؤيةٍ (٧) أو استفاضةٍ.

стр. 1212

(وَلِمُدَّعٍ مُلَازَمَتُهُ (١)) أي: ملازمةُ خصمِه في مدَّةِ الإمهالِ؛ لئلَّا يَهربَ، فإن لم يأتِ مدَّعي الجَرحِ (بِبَيِّنَةٍ؛ حَكَمَ عَلَيْهِ)؛ لأنَّ عجزَه عن إقامةِ البيِّنةِ فيها دليلٌ على عدمِ ما ادَّعاه مِنْ الجَرح. (وَتَزْكِيَةٌ، وَجَرْحٌ، وَتَرْجَمَةٌ، وَتَعْرِيفٌ عِنْدَ حَاكِمٍ؛ كَشَهَادَةٍ) في العدالة والعَددِ وغيرِهما، (عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ) في الشهادات. (وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَى) شخصٍ (حَاضِرٍ بِالبَلَدِ، أَوْ قُرْبِهِ) دونَ مسافةِ قصرٍ، (حَتَّى يَحْضُرَ) المدَّعى عليه (مَجْلِسَ الحُكْمِ)؛ لأنَّه أَمكَن سؤالُه، فلَم يَجُز الحكمُ عليه قبلَه، (مَا لَمْ يَتَوَارَ) حَاضِرٌ أي: يَستترْ، (فَتُسْمَعُ عَلَيْهِ الدَّعْوَى وَالبَيِّنَةُ، وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ) بها (٢)؛ لتعذُّرِ حضورِه، (كَ) ما تُسمع الدَّعوى والبيِّنةُ على (غَائِبٍ مَسَافَةَ قَصْرٍ)، ويُحكم بها على الغائب، (وَهُوَ) أي: الغائبُ (عَلَى حُجَّتِهِ إِذَا حَضَرَ). (وَيُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِي إِلَى القَاضِي فِي كُلِّ حَقِّ آدَمِيٍّ)؛ كقرضٍ وبيعٍ وإجارةٍ، (حَتَّى قَذْفٍ) وطلاقٍ. و (لَا) يُقبل في حدودِ اللهِ تَعالى؛ كحدِّ (زِنًى وَنَحْوِهِ)؛ كشربِ خمرٍ؛ لأنَّها مبنيَّةٌ على السَّتر والدَّرء بالشُّبهات. وإنَّما يُقبل كتابُ القاضي فيما يَثبت (٣) عنده ليَحكمَ به القاضي المكتوبُ إليه، بشرطِ أن يَكون بينَهما مسافةُ قصرٍ. (فَيَقْرَؤُهُ) أي: الكتابَ (القَاضِي الكَاتِبُ عَلَى عَدْلَيْنِ، وَيُشْهِدُهُمَا عَلَيْهِ)،

стр. 1213

فيَقول: «اشهدا أنَّ هذا كتابي إلى فلانِ بنِ فلانٍ»، أو «إلى مَنْ يَصِل إليه كتابي مِنْ قضاةِ المسلمين»، ثمَّ يَدفعه إليهما، فإذا دفَعاه إلى المكتوب إليه، وشَهِدا أنَّه كتابُ فلانٍ إليه؛ لَزِمه العملُ به. (فصل) في القِسمة وهي نوعان: قسمةُ تَراضٍ، وأشار إليها بقوله: (لَا تَجُوزُ قِسْمَةُ مِلْكٍ لَا يَنْقَسِمُ إِلَّا بِضَرَرٍ)، ولو على بعضِ الشرُّكاءِ، بأنْ تنقصَ القيمةُ بالقسمة (١)، (أَوْ) لا تَنقسم إلّا (بِرَدِّ عِوَضٍ) مِنْ أحدهما على الآخر؛ (كَالدُّورِ الصِّغَارِ، وَالحَمَّامِ) الصَّغيرِ، (وَنَحْوِهِ)؛ كالطَّاحون الصَّغيرِ، (إِلَّا بِرِضَا الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ)؛ لحديثِ: «لا ضررَ ولا ضِرارَ» رَواه أحمدُ وغيرُه (٢). وهذه القسمةُ في حكمِ البيعِ، تَجوز بتراضيهما، ويَجوز فيها ما يَجوز فيه خاصَّةً. (وَلَا يُجْبَرُ) منهما (مَنِ امْتَنَعَ مِنْهَا)؛ لأنَّها معاوَضةٌ، (بَلْ يُبَاعُ) المِلكُ (أَوْ يُؤْجَرُ بِطَلَبِ بَعْضِهِمْ)، فإن أَبى؛ باعه الحاكمُ وقسَم الثَّمنَ بينَهما على قَدْرِ حِصَصِهما. والوقفُ يُؤْجِره حاكمٌ على ممتنعٍ، ويَقسم أُجرتَه كذلك. والنَّوعُ الثاني: قِسمةُ إجبارٍ، وقد ذكَرها بقوله: (وَمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ) أي: في قَسْمه (٣)، (وَلَا رَدَّ عِوَضٍ) فيه (٤)؛ (كَقَرْيَةٍ، وَأَرْضٍ وَاسِعَةٍ، وَدَارٍ كَبِيرَةٍ، وَدُكَّانٍ

стр. 1214

وَاسِعَةٍ، وَمَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ مِنْ جِنْسٍ) واحدٍ؛ كالأَدهان، والأَلبان، ونحوِها؛ (يُجْبَرُ مُمْتَنِعٌ بِطَلَبِ شَرِيكِهِ) القسمةَ. ويَقسم عن غيرِ مكلَّفٍ وليُّه، فإن امتنَع؛ أُجبر. ويَقسم حاكمٌ على غائبٍ بطلبِ شريكِه أو وليِّه. (وَهِيَ) أي: قِسمةُ الإجبارِ؛ (إِفْرَازٌ) لحقِّ أحدِ الشَّريكَين مِنْ الآخَر، لا بيعٌ، (فَتَجُوزُ (١) فِي) قَسمِ (لَحْمِ هَدْيٍ وَأَضَاحِيَّ)، مع أنَّه لا يصحُّ بيعُ شيءٍ منهما. (وَ) يَجوز (لِلشُّرَكَاءِ القِسْمَةُ بِأَنْفُسِهِمْ، وَ) أن يَتقاسموا (بِقَاسِمٍ (٢) يَنْصِبُونَهُ، وَ) يَجوز (أَنْ يَسْأَلُوا الحَاكِمَ نَصْبَهُ)، وتَجِب عليه إجابتُهم؛ لقطعِ النِّزاعِ. وشُرِطَ: إسلامُه، وعدالتُه، ومعرفتُه بها، ويَكفي واحدٌ، إلّا مع (٣) تقويمٍ، فلا بدَّ مِنْ اثنين. (وَأُجْرَتُهُ) أي: القاسمِ: على الشُّركاء، (عَلَى قَدْرِ الأَمْلَاكِ)، ولو شُرِط خلافُه، ولا يَنفرد بعضُهم باستئجاره. وتُعدَّل سهامٌ بالأجزاء إن تَساوَت؛ كالمَكيلات والموزوناتِ غيرِ المختلفةِ، وبالقيمة إن اختلَفَت، وبالرَّدِّ إن اقتَضَته. (وَتَلْزَمُ) القِسمةُ إذا خيَّر بعضُهم بعضًا (بِتَرَاضِيهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ) بأبدانهم. (وَ) تَلزم أيضًا (بِالقُرْعَةِ) منهم أو مِنْ القاسم إذا تَراضيَا عليها وخرجَت،

стр. 1215

نصًّا (١)، (وَكَيْفَمَا اقْتَرَعُوا جَازَ)، بالحصى أو غيرِه. ومَن ادَّعى غلطًا فيما تَقاسماه بأنفسهما وأَشهَدا على رضاهما به؛ لم يُلتفت إليه. وفيما قسَمه قاسمُ حاكمٍ، أو قاسمٌ نصَباه؛ يُقبل ببيِّنةٍ، وإلّا حلَف مُنكِرٌ. (وَتَبْطُلُ) القِسمةُ (بِغَبْنٍ فَاحِشٍ)؛ لفواتِ شرطِها، وهو التَّعديلُ. (فصل) في الدَّعاوى والبيِّناتِ المدَّعي: مَنْ إذا سكَت تُرِك. والمدَّعى عليه: مَنْ إذا سكَت لم يُترك. (وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى وَ) لا (٢) (الإِنْكَارُ) لها (إِلَّا مِنْ جَائِزَي (٣) التَّصَرُّفِ)، بأنْ يَكونا حُرَّين، مُكلَّفَين، رشيدَين، (غَيْرَ مَا يُؤَاخَذُ بِهِ السَّفِيهُ فِي الحَالِ) لو أَقرَّ به؛ كطلاقٍ، وحدٍّ، فيصحُّ منه إنكارُه. (وَإِنْ تَدَاعَيَا (٤) عَيْنًا) أي: ادَّعى كلٌّ منهما أنَّها له، وهي (بِيَدِ أَحَدِهِمَا؛ فَهِيَ لَهُ) أي: فالعينُ لمَن هي في يده (بِيَمِينِهِ)، إلّا أن يَكون له بيِّنةٌ، ويُقيمها، فلا يَحلف معها؛ اكتفاءً بها. (فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ) واحدٍ (مِنْهُمَا بَيِّنَةً) أنَّ العينَ له؛ (قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ خَارِجٍ)، وهو مَنْ ليسَت العينُ بيده، ولَغَت بيِّنةُ الدَّاخلِ؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا: «لو يُعطى

стр. 1216

النَّاسُ بدَعواهم لادَّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالَهم، ولكنَّ اليمينَ على المدَّعى عليه» رَواه أحمدُ ومسلمٌ (١)، ولحديثِ: «البيِّنةُ على المدَّعي، واليمينُ على مَنْ أَنكَر» رَواه التِّرمذيُّ (٢). وإن لم تَكُنْ العينُ بيدِ أحدٍ، ولا ثَمَّ ظاهرٌ؛ تَحالفَا، وتَناصَفاها، وإن وُجِد ظاهرٌ لأحدِهما؛ عُمِلَ به. فلو تَنازع الزَّوجان في قُماشِ البيتِ ونحوِه، فما يَصلح لرَجلٍ؛ فلَه، ولها؛ فلَها، ولَهُما؛ فلَهُما. (وَإِنْ كَانَتِ) العينُ (بِيَدَيْهِمَا، وَلَا بَيِّنَةَ) لأحدِهما؛ تَحالفَا، و (تَنَاصَفَاهَا)، فإن (٣) قَوِيَت يدُ أحدِهما؛ كحيوانٍ أحدُهما سائقُه، والآخرُ راكبُه، فهو للثاني؛ لقوَّةِ يده. (وَ) إن كانت العينُ (بِيَدِ ثَالِثٍ لَمْ (٤) يُنَازِعْ) أي: لم يَدَّعها لنفسِه، (وَلَمْ يُقِرَّ (٥)) الثالثُ (بِهَا لِأَحَدِ) المتنازعَين؛ أَخذاها منه، و (اقْتَرَعَا عَلَيْهَا)، فمَن قرَع؛ حلَف وأَخذها (٦) نصًّا؛ لحديثِ: «أنَّ رَجُلَين تَداعيَا في دابَّةٍ ليس لواحدٍ

стр. 1217

منهما بيِّنةٌ، فأَمرهما رسولُ اللهِ ﷺ أن يَسْتَهِما (١) على العين، أَحبَّا أو كَرِها» رَواه أحمدُ وغيرُه (٢). فإن ادَّعاها الثالثُ لنفسِه؛ حلَف لكلِّ واحدٍ يمينًا، فإن نكَل؛ أَخذاها منه، كما تَقدَّم. وإن أَقرَّ بها لهما؛ اقتَسماها، وحلَف لكلٍّ يمينًا بالنسبة إلى النِّصف الذي أَقرَّ به لصاحبِه، وحلَف كلٌّ لصاحبِه على النِّصف المحكومِ له به. وإن قال: هي لأحدِهما، وأَجهله، فصدَّقاه؛ لم يُحلَّف، وإلّا حلَف يمينًا واحدةً، واقتَرعَا عليها، كما تَقدَّم.

стр. 1218

(كِتَابُ الشَّهَادَاتِ) واحدُها شهادةٌ، مشتقَّةٌ مِنْ المشاهَدة؛ لإخبارِ الشاهدِ عمَّا شاهدَه، أي: رآه، ومِن ثَمَّ قيل لمَحضَرِ النَّاسِ: مشْهَدٌ؛ لأنَّهم يَرون فيه ما يَحضرونه. وهي عرفًا: الإخبارُ بما عَلِمَه بلفظِ: «أَشهدُ»، أو «شَهِدتُ». (تَحَمُّلُهَا) أي: الشهادةِ: فرضُ كفايةٍ في غيرِ حقِّ اللهِ تَعالى، فإذا (١) قام به مَنْ يَكفي؛ سقَط عن غيره، فإن لم يُوجد إلّا مَنْ يَكفي؛ تعيَّن عليه، ولو عبدًا، وليس لسيِّدِه منعُه. (وَأَدَاؤُهَا) أي: الشَّهادةِ: (فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى مَنْ (٢)) تَحمَّل ودُعِي إلى أداءٍ، و (قَدَرَ عَلَيْهِ بِلَا ضَرَرٍ فِي بَدَنِهِ، أَوْ عِرْضِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ أَهْلِهِ)، وكان بدونِ مسافةِ قصرٍ، ولو عند سلطانٍ لا يَخاف ضررَه، فإن كان عليه ضررٌ في التحمُّل أو الأداءِ، في بدنه أو غيرِه ممَّا ذُكِر؛ لم يَلزمه، (فَيَحْرُمُ كِتْمَانُهَا) بلا ضررٍ. (وَلَا) يَحلُّ أن (يَشْهَدَ) أحدٌ (إِلَّا بِمَا عَلِمَهُ)؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ: سُئِل النبيُّ ﷺ عن الشهادة، قال: «تَرى الشَّمسَ؟» قال: «على مِثلها فاشهدْ أو دَعْ» رَواه الخلَّالُ في «جامعه» (٣).

стр. 1219

والمرادُ: العِلمُ بأصلِ المُدرَكِ لا دوامِه؛ ولذلك يَشهد بالدَّين مع جوازِ دفعِه، وبالبيع والإجارةِ (١) مع جوازِ الإقالةِ. والعلمُ إمَّا (بِرُؤْيَةٍ، أَوْ سَمَاعٍ) مِنْ مشهودٍ عليه؛ كعتقٍ أو طلاقٍ أو عقدٍ، فيَلزمه أن يَشهد بما سَمِع، ولو كان مستخفيًا حينَ تَحمَّل، (أَوْ) عَلِمه (بِاسْتِفَاضَةٍ فِيمَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ غَالِبًا بِدُونِهَا؛ كَنَسَبٍ، وَمَوْتٍ، وَنِكَاحٍ) عقدًا أو دوامًا، (وَمِلْكٍ مُطْلَقٍ)، بخلافِ قولِ شاهدٍ: ملَكه بالشِّراء، فلا تَكفي فيه الاستفاضةُ، (وَوَقْفٍ وَنَحْوِهِ)، كعتقٍ وخُلعٍ وطلاقٍ. ولا يَشهد بالاستفاضة إلّا عن عددٍ يَقع بهم العلمُ. (وَمَنْ شَهِدَ بِرَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ وَصَفَهُ)، فمَن شَهِد بعقدٍ؛ ذكَر شروطَه، ويَذكر في رَضاعٍ عددَ الرَّضَعاتِ، وأنَّه شَرِب مِنْ ثَديها، أو مِنْ لبنٍ حُلِب منه. (وَ) مَنْ شهد (بِزِنًى؛ ذَكَرَ مَكَانَهُ وَزَمَانَهُ) الذي وقَع فيه الزِّنى، وذكَر (المَزْنِيَّ بِهَا وَنَحْوَهُ)، بأنْ يَذكر كيف زنى بها، مِنْ كونهما نائمَين أو جالسَين، وأنَّه رأى ذكَره في فرجها. (فصل) (يُشْتَرَطُ فِيمَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ) ستَّةُ شروطٍ (٢): أحدُها: (البُلُوغُ، فَلَا) تُقبَل (شَهَادَةٌ لِصَبِيٍّ مُطْلَقًا) أي: سواءٌ شَهِد على مِثله أو لا.

стр. 1220

(وَ) الثاني: (العَقْلُ، فَلَا تُقْبَلُ) شهادةٌ (مِنْ مَجْنُونٍ وَنَحْوِهِ)؛ كمَعتوهٍ، (إِلَّا مَنْ يُخْنَقُ أَحْيَانًا)، فتُقبَل شهادتُه (إِذَا شَهِدَ) أي: تَحمَّل وأدَّى (فِي) حالِ (إِفَاقَتِهِ)؛ لأنَّها شهادةٌ مِنْ عاقلٍ. (وَ) الثالثُ: (الإِسْلَامُ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. (فَلَا شَهَادَةَ لِكَافِرٍ) ولو على مِثله، (إِلَّا فِي الوَصِيَّةِ فِي صُورَةٍ خَاصَّةٍ) وهي: أن يَشهد رَجُلان كتابيَّان عندَ عدمِ مسلِمٍ، بوصيَّةِ ميِّتٍ بسفرٍ، مسلمًا كان المُوصي أو كافرًا، ويُحلِّفهما حاكمٌ وجوبًا، بعدَ العصرِ: (لا نَشتري به ثَمنًا (١)، ولو كان (٢) ذا قُربى، وما خانَا ولا حَرَّفَا، وإنَّها لَوصيَّتُه)، فإن عُثِرَ على أنَّهما استَحقَّا إثمًا؛ فآخَران مِنْ أولياءِ المُوصي يَحلفان بالله: (لَشَهادتُنا أَحقُّ مِنْ شهادتهما، ولقد خانَا وكتَمَا)، ويَقضي لهم. (وَ) الرابعُ: (الكَلَامُ) أي: كونُ الشاهدِ متكلِّمًا، (فَلَا شَهَادَةَ لِأَخْرَسَ، وَلَوْ) أدَّاها بإشارته (٣) و (فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ)؛ لأنَّ الشهادةَ يُعتبر فيها اليقينُ، (إِلَّا إِذَا أَدَّاهَا) الأخرسُ (بِخَطِّهِ)، فتُقبَل؛ لدَلالةِ الخطِّ على الألفاظ. (وَ) الخامسُ: (الحِفْظُ)، فلا تُقبَل مِنْ مغفَّلٍ، ومعروفٍ بكثرةِ سهوٍ وغلطٍ؛ لأنَّه لا تَحصل الثِّقةُ بقوله. (وَ) السادسُ: (العَدَالَةُ) وهي لغةً: الاستقامةُ، مِنْ «العدل»، ضدُّ الجَورِ.

стр. 1221

وشرعًا: استواءُ أحوالِه في دِينه، واعتدالُ أقوالِه وأفعالِه. (وَيُعْتَبَرُ لَهَا) أي: للعدالةِ (شَيْئَانِ): أحدُهما: (صَلَاحُ الدِّينِ)، ويَحصل ذلك (بِ) أمرَين: أحدُهما: (أَدَاءُ الفَرَائِضِ) أي: الصلواتِ الخمسِ والجمعةِ، وكذا ما وجَب مِنْ صومٍ وحجٍّ وزكاةٍ ونحوِها، (بِرَوَاتِبِهَا) أي: سُنَنِها (١) الرَّاتبةِ، فلا تُقبَل ممَّن داومَ على تركها؛ لأنَّ تهاونَه بالسُّنن يَدلُّ على عدمِ محافظتِه على أسبابِ دِينِه. (وَ) الثاني: (اجْتِنَابُ المَحَارِمِ)، بألَّا يأتيَ كبيرةً، ولا يُدمِنَ (٢) على صغيرةٍ. والكبيرةُ: ما فيه حدٌّ في الدنيا، أو وعيدٌ (٣) في الآخرة؛ كأكلِ الرِّبا ومالِ اليتيمِ، وشهادةِ الزُّورِ، وعقوقِ الوالدين (٤). والصَّغيرةُ: ما دونَ ذلك مِنْ المحرَّمات؛ كسَبِّ النَّاسِ (٥) بما دونَ القَذفِ، واستماعِ كلامِ النِّساءِ الأجانبِ على التَّلذُّذِ، والنَّظرِ المحرَّمِ. والكذبُ صغيرةٌ إلّا في شهادةِ زُورٍ، وكذبٍ على نبيٍّ، ورميِ فِتَنٍ، ونحوِه؛ فكبيرةٌ. قال الإمامُ أحمدُ: ويُعرف الكذَّابُ بخُلفِ المواعيدِ. نقَله عبدُ اللهِ (٦).

стр. 1222

ويَجب كذبٌ لتخليصِ مسلمٍ مِنْ قتلٍ. (فَلَا شَهَادَةَ لِفَاسِقٍ، بِأَنْ يَأْتِيَ بِكَبِيرَةٍ، أَوْ يُدْمِنَ عَلَى (١) صَغِيرَةً)، سواءٌ كان فِسقُه بفعلٍ؛ كزِنًى، أو باعتقادٍ؛ كتقليدٍ في خلقِ القرآنِ، أو نفيِ الرُّؤيةِ، أو في الرَّفْضِ، أو التَّجهُّمِ، أو التَّجسيمِ، وما (٢) يَعتقده الخوارجُ والقدريَّةُ ونحوُهم، ويَكفر مجتهدُهم الدَّاعيةُ. ومَن تَتبَّع الرُّخصَ مِنْ المذاهب فعَمِل بها؛ فسَق. (الثَّانِي) ممَّا يُعتبر للعدالةِ: (اسْتِعْمَالُ المُرُوءَةِ)، بوزنِ «سُهولة»، أي: الإنسانيَّةِ. (وَهُوَ) أي: استعمالُ المروءةِ: (فِعْلُ مَا يُجَمِّلُهُ وَيَزِينُهُ) عادةً؛ كالسَّخاء، وحسنِ (٣) الخُلقِ، وحسنِ المجاورةِ، (وَتَرْكِ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ) عادةً، مِنْ الأمورِ الدَّنيَّةِ المُزرِيَةِ به (٤)، فلا شهادةَ لمُصافِعٍ (٥)، ومُتمسخِرٍ، ورقَّاصٍ، ومُغنٍّ، وطُفيليٍّ، ومُتَزيٍّ بزِيٍّ (٦) يُسخر منه، ولا لمَن يأكل بالسُّوق إلا شيئًا يسيرًا؛ كلقمةٍ وتفَّاحةٍ، ولا لمَن يَمدُّ رِجلَه بمجمعِ (٧) النَّاسِ، أو يَنام بينَ جالسِين، ونحوِه (٨).

стр. 1223

(وَإِذَا) زالَت الموانعُ، بأنْ (أَسْلَمَ الكَافِرُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ (١)، وَعَقَلَ المَجْنُونُ، وَتَابَ الفَاسِقُ قَبْلَ) أداءِ الفاسقِ (شَهَادَتَهُ؛ قُبِلَتْ) شهادةُ مَنْ ذُكِر؛ لزوالِ المانعِ. فإن شَهِد الفاسقُ فرُدَّت شهادتُه، ثمَّ تابَ وأعادَ تلك الشهادةَ بعينها؛ لم تُقبَل؛ للتُّهمةِ. ولا تُعتبر الحرِّيَّةُ، فتُقبَل شهادةُ عبدٍ وأمَةٍ في كلِّ ما يُقبَل فيه حُرٌّ وحُرَّةٌ. وتُقبَل شهادةُ ذي صَنعةٍ دَنيئةٍ؛ كحجَّامٍ وحدَّادٍ وزبَّالٍ. (فصل) في موانعِ الشَّهادةِ (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ عَمُودَيِ النَّسَبِ)، وهم الآباءُ وإن علَوْا، والأولادُ وإن سفَلُوا، (بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ)؛ كشهادةِ الأبِ لابنِه، وعكسِه؛ للتُّهمةِ بقوَّةِ القرابةِ. (وَلَا) تُقبَل شهادةُ (أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلآخَرِ (٢))؛ كشهادته لزوجتِه، وشهادتِها له (٣)، ولو بعدَ الطَّلاقِ. (وَيُقْبَلُ) أن (٤) يَشهد (عَلَيْهِ) أي: على مَنْ ذُكِر مِنْ عمودَي النَّسبِ، وأحدِ الزَّوجين، فلو شَهِد على أبيه أو ابنِه (٥) أو زوجتِه، أو شَهِدَت عليه؛ قُبِلَت، إلّا

стр. 1224

على زوجته بالزِّنى. (وَلَا) تُقبَل شهادةُ (مَنْ يَجُرُّ إِلَى نَفْسِهِ) بشهادته (١) (نَفْعًا)؛ كشهادةِ السَّيِّدِ لمكاتَبِه، وعكسِه، (أَوْ يَدْفَعُ عَنْهَا) أي: عن نفسه بشهادته (ضَرَرًا)؛ كشهادةِ العاقلةِ بجَرحِ شهودِ الخطأِ، والغُرَماءِ (٢) بجَرحِ شهودِ الدَّينِ على المُفلِس. (وَلَا) تُقبَل شهادةُ عدوٍّ (عَلَى عَدُوِّهِ؛ كَ) شهادةِ مقذوفٍ على (قَاذِفِهِ، وَ) شهادةِ شخصٍ على (قَاطِعِ الطَّرِيقِ عَلَيْهِ). (وَتُقْبَلُ) شهادةُ العدوِّ لعدوِّه، و (شَهَادَةُ الأَخِ لِأَخِيهِ، وَالصَّدِيقِ) لصديقِه، (وَنَحْوِهِ)؛ كشهادةِ السَّيِّدِ لعتيقِه. (فصل) في عددِ الشُّهودِ (وَلَا يُقْبَلُ فِي زِنًى) ولِواطٍ، (وَ) في (إِقْرَارٍ بِهِ إِلَّا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ) يَشهدون أنَّه فعَله أو أَقرَّ به؛ لقولِه تَعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ … ﴾ الآيةَ. (وَيُقْبَلُ فِي بَقِيَّةِ الحُدُودِ)؛ كقَذفٍ، وشُربِ خَمرٍ، وسَرِقةٍ، وقَطعِ طريقٍ، (وَ) فيما يُوجِب (التَّعْزِيرَ)؛ كإتيانِ البهيمةِ: رَجُلان. وفي قِصاصٍ (وَمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا؛ كَنِكَاحٍ، وَطَلَاقٍ، وَرَجْعَةٍ، وَخُلْعٍ، وَنَسَبٍ، وَوَلَاءٍ: رَجُلَانِ). (وَيُقْبَلُ فِي المَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ) المالُ؛ (كَبَيْعٍ، وَأَجَلٍ وَخِيَارٍ فِيهِ) أي: في (٣)

стр. 1225

البيعِ، (وَوَكَالَةٍ فِي مَالٍ، وَإِيصَاءٍ فِيهِ) أي: المالِ، (وَعِتْقٍ، وَكِتَابَةٍ، وَتَدْبِيرٍ، وَنَحْوِهِ)؛ كقرضٍ، ورهنٍ، وغصبٍ، وإجارةٍ، وشركةٍ، وشُفعةٍ: (رَجُلَانِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، وسياقُ الآيةِ يَدلُّ على اختصاصِ ذلك بالأموال. (أَوْ رَجُلٌ وَيَمِينُ مُدَّعٍ)؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قضَى باليمين مع الشاهدِ» رَواه أحمدُ وغيرُه (١). ويَجب تقديمُ الشَّهادةِ عليه، لا بامرأتين (٢) ويمينٍ. ويُقبَل في داءِ دابَّةٍ، ومُوضِحةٍ: طبيبٌ وبَيطارٌ واحدٌ مع عدمِ غيرِه، فإن لم يَتعذَّر: فاثنان. (وَمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا؛ كَعُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ، وَالبَكَارَةِ، وَالحَيْضِ، وَالوِلَادَةِ، وَالرَّضَاعِ، وَالاسْتِهْلَالِ) أي: صُراخِ المولودِ عند الولادةِ، (وَجِرَاحَةِ (٣)) نساءٍ (فِي حَمَّامٍ أَوْ عُرْسٍ)، ونحوِهما ممَّا لا يَحضره رجالٌ: يُقبَل فيه (امْرَأَةٌ عَدْلٌ)؛ لحديثِ حذيفةَ: «أنَّ النبيَّ ﷺ أجازَ شهادةَ القابلةِ وَحْدَها» (٤). (وَرَجُلٌ) في ذلك (أَوْلَى) مِنْ امرأةٍ؛ لأنَّه أكملُ. (وَإِنْ شَهِدَ بِسَرِقَةٍ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ؛ ثَبَتَ المَالُ)؛ لكمالِ بيِّنتِه، (دُونَ

стр. 1226

القَطْعِ)؛ لعدمِ كمالِ بيِّنتِه. (وَ) إن شَهِد (بِخُلْعٍ) رَجلٌ وامرأتان؛ (ثَبَتَ العِوَضُ)؛ لِما تَقدَّم، (وَبَانَتْ بِدَعْوَاهُ)؛ لإقرارِه على نفسه. أمَّا لو ادَّعَته الزَّوجةُ؛ فلا يُقبَل فيه إلّا رَجُلان. (فصل) في الشَّهادة على الشَّهادة (وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ فَقَطْ) أي: دونَ حقوقِ اللهِ تَعالى؛ كالحدود؛ لأنَّها مَبنيَّةٌ على السّتر. ولا يَحكم الحاكمُ بالشهادة على الشهادة (١) إلّا (إِنْ تَعَذَّرَ شُهُودُ الأَصْلِ بِمَوْتٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْبَةٍ مَسَافَةَ القَصْرِ (٢))، أو خوفٍ مِنْ سلطانٍ أو غيرِه. ولا بدَّ مِنْ دوامِ العذرِ إلى الحُكم (٣). (وَ) لا يَشهد الفرعُ إلّا إن (اسْتَرْعَاهُ) أي: استَحفَظه عَلَيْهَا (شَاهِدُ الأَصْلِ، بِأَنْ قَالَ) شاهدُ الأصلِ للفرعِ: («اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي بِكَذَا»، وَنَحْوَهُ (٤))؛ ك «اشهد أنِّي أَشهد بكذا (٥)»، (وَإِلَّا) يَستَرْعِه؛ (فَلَا) يَشهد، (مَا لَمْ يَسْمَعْهُ) أي: يَسمع الفرعُ الأصلَ (يَشْهَدُ بِهَا عِنْدَ حَاكِمٍ)، أو يَسمَعْه (يَعْزُوهَا) أي: يَنسب

стр. 1227

الشَّهادةَ (لِسَبَبٍ، مِنْ قَرْضٍ وَنَحْوِهِ)؛ كبيعٍ، فيَجوز للفرعِ أن يَشهد؛ لأنَّ هذا كالاسترعاء، (وَيُؤَدِّيهَا) الفرعُ (عَلَى صِفَةِ مَا تَحَمَّلَ) مِنْ استرعاءٍ أو غيرِه (١). وتَثبت شهادةُ شاهدَي الأصلِ بفَرعَين، ولو على كلِّ أصلٍ فرعٌ. ويَثبت الحقُّ بفرعٍ مع أصلٍ آخَرَ. ويُقبَل تعديلُ فرعٍ لأصلِه بموته ونحوِه، لا تعديلُ شاهدٍ لرفيقِه. (وَمَتَى رَجَعَ شُهُودُ مَالٍ بَعْدَ حُكْمٍ (٢)؛ لَمْ يُنْقَضِ) الحكمُ؛ لتمامِه، ووجَب مشهودٌ به لمشهودٍ له، (وَغَرِمُوهُ) أي: المشهودَ به، الشُّهودُ الرَّاجعون، قائمًا كان المالُ أو تالفًا؛ لأنَّهم أَخرجوه مِنْ (٣) يدِ مالكِه بغيرِ حقٍّ. (دُونَ مُزَكٍّ) لشهودِ المالِ، فلا غُرمَ على مُزَكٍّ برجوعه؛ لأنَّ الحكمَ تَعلَّق بشهادةِ الشُّهودِ (٤) دونَ المُزكِّي؛ لمجرَّدِ إخبارِه بظاهرِ حالِ الشُّهودِ، وأمَّا باطنُه فعِلمُه إلى الله تَعالى. (وَإِنْ حَكَمَ) القاضي (بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدُ؛ غَرِمَ) الشاهدُ (المَالَ) كلَّه (وَحْدَهُ) (٥) دونَ الحالفِ؛ لأنَّ الشاهدَ حجَّةُ الدَّعوى، وأمَّا اليمينُ فقولُ الخصمِ، وهو غيرُ مقبولٍ على خصمه، وإنَّما هو شرطُ الحكمِ، فهو كطلبِ الحكمِ. وإن رجَعوا قبلَ الحكمِ؛ لغَت، ولا حكمَ، ولا ضمانَ.

стр. 1228

وإن رجَع شهودُ قَوَدٍ بعدَ حكمٍ وقبلَ استيفاءٍ؛ لم يُستوفَ، ووجَبَت الدِّيةُ، ويَرجع غارمٌ على شهودٍ. (وَيُقْبَلُ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ) عندَ حاكمٍ (بِلَفْظِ: «شَهِدْتُ بِكَذَا»، أَوْ: «أَشْهَدُ بِهِ»)، فلا يَكفي قولُه: «أنا شاهدٌ»، ولا: «أعلمُ»، أو: «أعرفُ». (فصل) في اليمين في الدَّعاوى (١) وهي تَقطع الخصومةَ حالًا، ولا تُسقِط حقًّا. (وَلَا حَلِفَ) أي: لا يُستحلف مُنكِرٌ (فِي العِبَادَاتِ)؛ كدعوى دفعِ زكاةٍ، وكفَّارةٍ، ونذرٍ. (وَلَا) في (الحُدُودِ) للهِ تَعالى؛ لأنَّها يُستحبُّ سَترُها، والتَّعريضُ لمُقِرٍّ بها ليَرجعَ عن إقراره. (وَيُسْتَحْلَفُ مُنْكِرٌ) على صفةِ جوابِه، بطلبِ خصمِه، (فِي كُلِّ حَقِّ آدَمِيٍّ)؛ لِما تَقدَّم مِنْ قوله ﷺ : «ولكنَّ اليمينَ على المدَّعى عليه» (٢). (غَيْرَ نِكَاحٍ، وَطَلَاقٍ)، ورجعةٍ، (وَإِيلَاءٍ، وَأَصْلِ رِقٍّ)؛ كدَعوى رقِّ لقيطٍ، (وَوَلَاءٍ، وَاسْتِيلَادِ) أمَةٍ (٣)، (وَنَسَبٍ، وَقَوَدٍ، وَقَذْفٍ)، فلا يُستحلف مُنكِرُ شيءٍ مِنْ ذلك؛ لأنَّها ليست مالًا، ولا يُقصد بها المالُ، ولا يُستحلف شاهدٌ أَنكَر تحمُّلَ

стр. 1229

الشَّهادةِ، ولا حاكمٌ أَنكَر الحكمَ، ولا وصيٌّ على نفي دَينٍ على مُوصٍ. (وَاليَمِينُ المَشْرُوعَةُ) هي اليمينُ (بِاللهِ تَعَالَى)، فلو قال الحاكمُ: قل: «واللهِ لا حقَّ له عندي»؛ كفَى. (وَيَجُوزُ) لحاكمٍ (تَغْلِيظُهَا) أي: اليمينِ (فِيمَا فِيهِ خَطَرٌ)؛ كعتقٍ، ونصابِ زكاةٍ، وجنايةٍ لا تُوجِب قَوَدًا. وتغليظُها بلفظٍ، ك «واللهِ الذي لا إلهَ إلّا هوَ، عالمِ الغيبِ والشَّهادةِ، الرَّحمنِ الرَّحيمِ، الطالبِ الغالبِ، الضَّارِّ النافعِ، الذي يَعلم خائنةَ الأَعيُنِ، وما تُخفي الصُّدورُ». وبزمنٍ؛ كبعدِ العصرِ، وبمكانٍ؛ فبمكَّةَ: بينَ الرُّكنِ والمَقامِ، وبالمَقْدِس: عند (١) الصَّخرةِ، وببقيَّةِ البلادِ: عند المنبرِ. (وَلَا يَكُونُ نَاكِلًا مَنْ أَبَاهُ) أي: امتَنع مِنْ التَّغليظ.

стр. 1230

(كتابُ الإقرارِ) وهو الاعترافُ بالحقِّ، مأخوذٌ مِنْ المَقَرِّ، وهو المكانُ؛ كأنَّ المُقِرَّ يَجعل الحقَّ في مَوضعه. وهو إخبارٌ عمَّا في نفسِ الأمرِ، لا إنشاءٌ. (يَصِحُّ) الإقرارُ (مِنْ مُكَلَّفٍ) أي: بالغٍ عاقلٍ، لا مِنْ صغيرٍ غيرِ مأذونٍ له في تجارةٍ، فيصحُّ في قَدْرِ ما أُذِنَ له فيه، (مُخْتَارٍ، غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ)، فلا يصحُّ مِنْ سفيهٍ إقرارٌ بمالٍ. (وَلَا) يصحُّ الإقرارُ (مِنْ مُكْرَهٍ)، هذا مُحتَرزُ قولِه: «مُختارٍ»، إلّا أن يُقِرَّ بغيرِ ما أُكره عليه، كما لو أُكره على الإقرار بدرهمٍ، فأَقرَّ بدينارٍ. ويصحُّ مِنْ سكرانَ آثمٍ؛ كالطَّلاق، ومِن أخرسَ بإشارةٍ (١) معلومةٍ. (وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى وَزْنِ) أي: دفعِ (مَالٍ، فَبَاعَ مِلْكَهُ لِذَلِكَ) أي (٢): لوزنِ المالِ الذي أُكره عليه؛ (صَحَّ) البيعُ؛ لأنَّه لم يُكرَه عليه. (وَيَصِحُّ إِقْرَارُ مَرِيضٍ) ولو في مرضِ موتِه المَخُوفِ (٣)؛ لعدمِ التُّهمةِ، (إِلَّا) إن أَقرَّ (لِوَارِثِهِ بِمَالِهِ) أي: بمالِ المريضِ المُقِرِّ، بأنْ يَقول: «له عليَّ كذا»، أو يَكون للمريضِ على وارثه دَينٌ، فيُقِرَّ بقَبضه منه؛ (فَكَوَصِيَّةٍ)، لا (٤) يصحُّ لازمًا
следующие страницы →