← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

غيرَ شهيدِ (١) معركةٍ، ومقتولٍ ظُلمًا. الخامسُ مِنْ المُوجِباتِ: ما أشارَ إليه بقولِه: (وَحَيْضٌ) أي: خروجُ دَمِ حَيضٍ؛ لقولِه ﵇ لفاطمةَ بنتِ أَبي حُبَيْشٍ: «وإذا ذهَبَتْ فَاغْتَسِلي وصَلِّي» متَّفق عليه (٢). السَّادسُ مِنْ المُوجِباتِ: ما أشارَ إليه بقولِه: (وَنِفَاسٌ) أي: خروجُ دَمِ نفاسٍ، ف (لَا) يُوجِب الغُسلَ (وِلَادَةٌ عَارِيَةٌ (٣)) أي: خاليةٌ (عَنْ دَمٍ)، ولا يَحرُم بها وطءٌ، ولا يَفسُد صومٌ، ولا بإلقاءِ عَلَقةٍ أو مُضْغةٍ؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في معنى المنصوصِ عليه. والولدُ طاهرٌ، ومع الدَّمِ يَجب غَسلُه. (وَمَنْ لَزِمَهُ (٤) غُسْلٌ (٥)) بأحدِ الأسبابِ المتقدِّمةِ؛ (حَرُمَ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ آيَةٍ) كاملةٍ (فَأَكْثَرَ)؛ لحديثِ عليٍّ: «كان النبيُّ ﷺ لا يَحجُبه وربَّما قال: لا يَحجُزه عن القرآن شيءٌ، ليس الجنابةَ» رَواه ابنُ خُزَيمةَ والحاكمُ والدَّارقُطنيُّ، وصَحَّحاه (٦).

стр. 177

وعُلِم مِنْ كلامِه: أنَّه لا يَحرُم عليه قراءةُ بعضِها، ولو كرَّره، ما لم يَتحيَّل على قراءةٍ تَحرُم (١). قال المنقِّحُ (٢): (ما لم تَكُنْ الآيةُ طويلةً، أي: كآيةِ الدَّينِ، فتَحرُم قراءةُ بعضِها (٣)). (وَ) مَنْ لَزِمه غُسلٌ؛ حَرُم عليه: (لُبْثٌ) بضمِّ اللَّامِ: اسمُ مصدرِ لَبِث بالمكانِ: أقامَ به، (بِمَسْجِدٍ)، ولو مصلَّى عيدٍ، لا جنازةٍ (٤)، حتَّى حائضٌ ونُفَساءُ انقطَع دَمُهما؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، وقولِه ﷺ : «لا أُحِلُّ المسجِدَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ» رَواه أبو داودَ (٥).

стр. 178

ومحلُّ حُرمةِ اللُّبثِ بالمسجدِ على مَنْ ذُكِر: إذا كان (بِلَا وُضُوءٍ)، فإن توضَّؤُوا؛ جازَ لهُم اللُّبثُ (١)؛ لقولِ عطاءِ بنِ يَسارٍ: «رأيتُ رِجالًا مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يَجلسون في المسجدِ وهم مُجنِبُون إذا تَوضَّؤُوا وضوءَ الصَّلاةِ» رَواه سعيدُ بنُ منصورٍ والأثرمُ، وإسنادُه صحيحٌ (٢). قاله في «المبدِع» (٣)، ولأنَّ الوضوءَ يُخفِّف الحدثَ، فيَزول بعضُ ما منَعه، قال الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ: وحينئذٍ فيَجوز أن يَنام في المسجدِ (٤) حيثُ يَنام غيرُه (٥). (وَلَهُ) أي: لمَن لَزِمه غُسلٌ (المُرُورُ بِهِ) أي: بالمسجدِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وهو الطَّريقُ، وعن جابرٍ: «كان أَحدُنا يَمرُّ في المسجدِ

стр. 179

جُنبًا مُجتازًا» رَواه سعيدُ بنُ منصورٍ (١)، وسواءٌ كان لحاجةٍ أو لا، ومِن الحاجةِ: كَونُه طريقًا قصيرًا، لكن كَرِه الإمامُ أحمدُ اتِّخاذَ المسجدِ (٢) طريقًا (٣). وشُرِطَ لجوازِ مرورِ حائضٍ ونُفَساءَ بمسجدٍ: أن تَأمَنَا تَلويثَه. (وَ) لمَن عليه غُسلٌ (قَوْلُ مَا وَافَقَ قُرْآنًا) مِنْ الأذكارِ، (وَلَمْ يَقْصِدْهُ) أي: القرآنَ؛ (كَالبَسْمَلَةِ، وَالحَمْدَلَةِ)، وآيةِ الاسترجاعِ، والرُّكوبِ (٤). وعُلِم منه: أنَّه لو قصَد القرآنَ؛ حَرُم، وكذا لو قرأَ ما لا يُوافقه ذِكرٌ، ولم يَقصِد به القرآنَ. وله تَهجِّيه، وتَحريكُ شَفتَيه (٥) إن لم يُبيِّن الحروفَ، ونظرٌ في مصحفٍ، وأن يُقرأ عليه وهو ساكتٌ (٦). (وَيُسَنُّ غُسْلٌ لِ) صلاةِ (جُمُعَةٍ)؛ لحديثِ أَبي سعيدٍ مرفوعًا: «غُسلُ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ مُحتلِمٍ (٧)» (٨)، وقولِه ﷺ : «مَنْ جاء مِنْكُمْ الجمعةَ

стр. 180

فَلْيَغتَسِلْ» متَّفق عليهما (١)، وقولُه: «واجبٌ» أي: متأكِّدُ الاستِحبابِ، بدليلِ قولِه ﷺ : «مَنْ تَوضَّأ يومَ الجمعةِ فَبِها (٢) ونِعْمَتْ، ومَن اغْتَسلَ فالغُسلُ أَفضلُ» رَواه أحمدُ (٣). ووقتُ غُسلِ الجمعةِ: في يومِها، لذَكَرٍ (٤) حضَرها (٥)، ولو لم تَجب عليه؛ كعبدٍ ومسافرٍ إن صلَّى. وعندَ مُضيٍّ وعن جماعٍ أفضلُ (٦)، وهذا الغسلُ آكدُ الأغسالِ المَسنونةِ. (وَ) يُسنُّ غُسلٌ لصلاةِ (عِيدٍ) في يومِها (٧) لحاضرِها (٨)؛ لأنَّ «النبيَّ ﷺ

стр. 181

كان يَغتسل لذلك» رَواه ابنُ ماجَه (١). (وَ) يُسنُّ غُسلٌ (مِنْ)، بكسرِ الميمِ أي: لأجلِ، (غَسْلِ مَيِّتٍ)، مسلمٍ أو كافرٍ (٢)؛ لِما روَى أَبو هريرةَ مرفوعًا: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغتَسِلْ، ومَن حَمَله فَلْيَتوضَّأْ» رَواه أحمدُ (٣)، وهو محمولٌ على الاستِحبابِ؛ لأنَّ أسماءَ غسَّلَت أبا بكرٍ، وسألَتْ: «هل عليَّ (٤) غُسلٌ؟ قالوا: لا» رَواه مالكٌ مرسَلًا (٥). (وَ) يُسنُّ غُسلٌ مِنْ (إِفَاقَةٍ مِنْ جُنُونٍ وإِغْمَاءٍ بِلَا إِنْزَالِ) مَنيٍّ فيهما، والواوُ بمَعنى «أو»، قال ابنُ المنذِرِ (٦): (ثبَت أنَّ النبيَّ ﷺ اغتَسلَ مِنْ الإغماءِ، متَّفق عليه مِنْ حديثِ عائشةَ (٧))، والجنونُ في مَعناه، بل أَولى. وأمَّا مع الإنزالِ فيَجب الغُسلُ، وتَقدَّم التفصيلُ فيما إذا أفاقَ نحوُ نائمٍ

стр. 182

ووجَد بَللًا. (وَ) يُسنُّ غُسلٌ (لِ) صلاةِ (كُسُوفٍ، وَاسْتِسْقَاءٍ (١))؛ لأنَّ كِلَيهِما عبادةٌ يَجتمع لها النَّاسُ؛ كالجمعةِ والعِيدَين. (وَ) يُسنُّ غُسلٌ (لِإِحْرَامٍ) بحجٍّ أو عمرةٍ أو بِهما؛ لِما روَى زيدُ بنُ ثابتٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ تَجرَّد لإهلالِه (٢)، واغتَسلَ» رَواه الترمذيُّ وحسَّنه (٣). وظاهرُه: ولو مع حيضٍ ونفاسٍ، وصرَّح به في «المنتهى» (٤). (وَ) يُسنُّ غُسلٌ (لِدُخُولِ مَكَّةَ (٥))، «لفِعلِه ﵇» متَّفق عليه (٦)، وظاهرُه: ولو مع حيضٍ أو بالحرمِ؛ كمَن بمنًى إذا أرادَ دخولَ مكَّةَ. ويُسنُّ غُسلٌ لدخولِ حَرمِها. (وَطَوَافِ إِفَاضَةٍ، وَ) طوافِ (وَدَاعٍ، وَوُقُوفٍ بِعَرَفَةَ، وَمَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ جِمَارٍ)؛ لأنَّها أَنساكٌ يَجتمع لها النَّاسُ ويَزدحِمون فيَعرَقون، فيُؤْذي بعضُهم بعضًا، فاستُحِبَّ الغُسلُ؛ كالجمعةِ. ويَتيمَّم للكلِّ لحاجةٍ، ولِما يُسنُّ له الوضوءُ لعذرٍ.

стр. 183

ولا يُسنُّ غُسلٌ لدخولِ طَيبةَ (١)، ولا لحِجامةٍ وبلوغٍ (٢) وكلِّ اجتماعٍ. (فصل) في صِفَةِ الغُسلِ (وَالغُسْلُ) إمَّا كاملٌ، وإمَّا مُجزِئٌ. فَ (الكَامِلُ) المشتمِلُ على الواجباتِ والسُّننِ: (أَنْ يَنْوِيَ (٣)) أي: يَقصِد رَفْعَ الحدثِ الأكبرِ، أو استباحةَ نحوِ صلاةٍ. (ثُمَّ يُسَمِّيَ)، فيَقول: «باسمِ اللهِ»، لا يَقوم غيرُها مَقامَها. (وَيَغْسِلَ) بعدَ ذلك (يَدَيْهِ ثَلَاثًا) كالوضوءِ، لكن هنا آكدُ، باعتبارِ رفعِ الحدثِ عنهما، ولفِعلِه ﵇ (٤). (وَ) يَغسلَ (مَا لَوَّثَهُ) أي: ما أصابَه مِنْ أَذًى؛ لحديثِ عائشةَ ﵂: «فيُفرِغُ بيَمينِه على شِمالِه، فيَغسلُ فَرْجَه» (٥)، وظاهرُه: لا فرقَ بينَ أن يَكون (٦) على فَرجِه، أو بقيَّةِ بَدنِه، وسواءٌ كان نجسًا، أو مستقذَرًا طاهرًا كالمَنيِّ (٧). (وَيَتَوَضَّأَ) كاملًا؛ لقولِه ﵇: «ثمَّ يَتوضَّأُ وُضوءَه للصَّلاةِ».

стр. 184

(وَيَحْثِيَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا) أي: يُفرِغَ على رأسِه ثلاثَ غَرَفاتٍ بكَفَّيه، وأصلُه مِنْ حَثَا التُّرابَ، يَحثُوه، ويَحثِيه (١): إذا هالَه (٢) بيَدِه، فشُبِّه ما هنا به، (يُرَوِّيهِ (٣)) أي: رأسَه، أي: يُروِّي بكلِّ مرَّةٍ أُصولَ شَعرِه؛ لقولِ مَيمونةَ: «ثمَّ أَفرغَ على رأسِه ثلاثَ حَثَياتٍ». (وَيَعُمَّ) بعدَ ذلك بقيَّةَ (بَدَنِهِ) بإفاضةِ الماءِ عليه، (غَسْلًا) لا مَسحًا؛ لقولِ عائشةَ: «ثمَّ أفاضَ على سائرِ جسدِه»، وقولِ مَيمونةَ: «ثمَّ غسَل سائرَ جسدِه»، (ثَلَاثًا)؛ قياسًا على الوضوء، حالَ كَونِه (مُتَيَامِنًا)، فيَبدأ بشِقِّه الأيمنِ ثمَّ الأيسرِ؛ لِما تَقدَّم: «أنَّه ﵇ كان يُعجِبه التَّيمُّنُ (٤) في طُهورِه» (٥). (وَيَدْلُكَهُ (٦)) أي: بدَنهِ (٧)؛ لأنَّه أَنقَى، وبه يَتيقَّن وصولَ الماءِ إلى مَغابِنِه وجميعِ بدَنِه، ويَخرج مِنْ خلافِ مَنْ أَوجَبه. ويَتفقَّد أصولَ شَعرِه، وغَضاريفَ أُذنَيه، وتحتَ حَلقِه، وإِبْطَيه، وعُمقَ سُرَّتِه وحالِبَيه (٨)، وبينَ أَلْيَتَيه، وطَيَّ رُكبَتَيه.

стр. 185

ويَكفي الظَّنُّ (١) في الإسباغِ. (وَ) يَتحوَّلَ عن موضعِه ف (يَغْسِلَ قَدَمَيْهِ)، ولو في حمَّامٍ ونحوِه، (بِمَوْضِعٍ آخَرَ)؛ لقولِ مَيمونةَ: «ثمَّ تَنحَّى عن مَقامِه، فغسَل رِجلَيه». (وَ) الغُسلُ (المُجْزِئُ) المشتمِلُ (٢) على الواجباتِ فقط: (أَنْ) يُزيلَ ما به مِنْ نجاسةٍ أو غيرِها ممَّا يَمنع وصولَ الماءِ إلى البَشرةِ إن وُجِد، و (يَنْوِيَ) كما تَقدَّم، (وَيُسَمِّيَ، وَيَعُمَّ بَدَنَهُ)، حتَّى فمَه وأَنفَه، وظاهرَ شَعرٍ وباطنَه مع نَقضِه (٣) لحَيضٍ ونِفاسٍ (٤)، وحتى حَشَفةَ أَقلَفَ أَمكَن تَشمِيرُها، وما تحتَ نحوِ خاتمٍ، فيُحرِّكه، وحتى (٥) ما يَظهر مِنْ فَرجِ امرأةٍ عندَ قُعودِها لقضاءِ حاجةٍ (٦)، لا ما أَمكَن مِنْ داخلِه، ولا داخلَ عينٍ، كما تَقدَّم في الوضوءِ. ويَكون تَعميمُ بدَنِه بالماءِ (غَسْلًا)، فلا يُجزِئ المسحُ، (مَرَّةً)، فلا يَجب التَّكرارُ. (وَيُسَنُّ وُضُوءٌ بِمُدٍّ، و) يُسنُّ (اغْتِسَالٌ بِصَاعٍ)، وهو أربعةُ أَمدادٍ؛ لِما روَى أنسٌ: «أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَتوضَّأ بالمُدِّ، ويَغتسل بالصَّاعِ» متَّفق عليه (٧).

стр. 186

(وَكُرِهَ إِسْرَافٌ (١)) في ماءٍ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: أنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ على سعدٍ وهو يَتوضَّأ، فقال: «ما هذا السَّرَفُ؟» فقال: أَفِي الوضوءِ إسرافٌ؟ قال: «نعم، وإن كنتَ على نَهرٍ جارٍ» رَواه ابنُ ماجَه (٢). (وَإِنْ أَسْبَغَ) أي: أَتمَّ الوضوءَ أو الغُسلَ (بِدُونِهِ) أي (٣): ما ذُكِر، بأن توضَّأ بدونِ مدٍّ، واغتسلَ بدونِ صاعٍ؛ أَجزأه ذلك؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أمَر بالغُسلِ وقد فعَله، ولم يُكرَه. والإسباغُ: تَعميمُ العضوِ بالماء، بحيثُ يَجري عليه ولا يَكون مسحًا. (أَوْ نَوَى بِغُسْلِهِ) رَفْعَ (الحَدَثَيْنِ)، الأصغرِ والأكبرِ؛ أَجزأ عنهما (٤)، ولم يَلزمه ترتيبٌ ولا مُوالاةٌ.

стр. 187

وظاهرُه كغيرِه: يَسقط مسحُ الرَّأسِ حينئذٍ (١). (أَوْ) نوَى بغُسلِه (اسْتِبَاحَةَ) نحوِ (الصَّلَاةِ)؛ كطوافٍ، ومسِّ مصحفٍ، أو نوَى الحدثِ وأَطلَق فلَم يُقيِّده بأكبرَ ولا بأصغرَ؛ (كَفَى) أي: أَجزأ الغُسلُ عن الحَدثَين (٢). (وَيُسَنُّ لِجُنُبٍ)، حتى حائضٍ ونُفَساءَ انقَطَع دَمُهما: (غَسْلُ فَرْجِهِ)؛ لإزالةِ ما عليه مِنْ أذًى، (وَوُضُوءُهُ لِنَوْمٍ وَأَكْلٍ) وَشُرْبٍ (٣)، (وَمُعَاوَدَةِ وَطْءٍ)، رُوي ذلك عن عليٍّ (٤) وابنِ عمرَ (٥). (وَيُبَاحُ) لرَجلٍ وامرأةٍ دخولُ (حَمَّامٍ (٦) مَعَ أَمْنِ) كلٍّ منهما وقوعَ (مُحَرَّمٍ (٧))، بأن يَسلم مِنْ النَّظرِ إلى عَوراتِ النَّاسِ ومَسِّها، ومِن نَظرِهم إلى عَورتِه ومسِّها؛ لِما رُوي: «أنَّ ابنَ عبَّاسٍ دخَل حمَّامًا بالجُحْفةِ» (٨)، ورُوي «عنه ﷺ أيضًا» (٩).

стр. 188

فإن خافَ داخلُ الحمَّامِ (١) وقوعَ مُحرَّمٍ؛ كُرِه دخولُه (٢)، وإن عَلِمه؛ حَرُم. لكنَّ شرطَ جوازِ دخولِه للمرأةِ مع ما ذُكِر: وجودُ عذرٍ، مِنْ حيضٍ، أو نفاسٍ، أو جنابةٍ، أو مرضٍ، أو حاجةٍ إلى غُسلٍ. والأَولى (٣) في حمَّامٍ: غَسلُ قَدمَيه وإبْطَيه بماءٍ باردٍ عندَ دخولِه، ويَلزم الحائطَ، ويَقصِد موضعًا خاليًا، ولا يَدخل البيتَ الحارَّ حتى يَعرقَ في الأوَّل، ويُقلِّل الالتفاتَ، ولا يُطيل المُقامَ إلّا بقَدْرِ الحاجةِ، ويَغسل قَدمَيه عندَ خروجِه بماءٍ باردٍ؛ فإنَّه يُذهِب الصُّداعَ، كما في «المستوعِب» (٤). ولا يُكره دخولُه قُربَ غُروبٍ، أو بينَ عِشاءَين (٥). وكُرِه بِناؤُه (٦)، وبَيعُه، وشِراؤُه، وإجارتُه (٧)، وكَسبُه (٨)، وقراءةٌ فيه (٩)، وسلامٌ (١٠)، لا ذِكرٌ.

стр. 189

(بَابٌ) بالتنوينِ، أي: هذا بابٌ يُذكر فيه شيءٌ مِنْ أحكامِ التَّيمُّمِ (١) (التَّيَمُّمُ) لغةً: القصدُ. وشرعًا: مسحُ وجهٍ ويَدَين بترابٍ طَهورٍ على وجهٍ مخصوصٍ. وهو ثابتٌ بالإجماعِ (٢)، وسندُه قولُه تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا … ﴾ الآيةَ، وحديثُ عمارٍ (٣) وغيرِه. وهو مِنْ خصائصِ هذه الأمَّةِ، لم يَجعله اللهُ تَعالى طَهورًا لغيرِها؛ توسعةً عليها، وإحسانًا إليها. وهو (بَدَلٌ عَنْ طَهَارَةِ مَاءٍ)؛ لأنَّه لا يَجوز عندَ وجودِ الماءِ وتَمكُّنه مِنْ استعمالِه، بل (عِنْدَ عَجْزٍ عَنْهُ) أي: عن الماء (شَرْعًا) أي: مِنْ جهةِ الشَّرعِ، وإن لم يَعجِز عنه حِسًّا، كما سيَأتي، وهذا شأنُ البدلِ. ويَجوز حضرًا وسفرًا، ولو غيرَ مباحٍ، أو قصيرًا؛ لأنَّه عزيمةٌ. إذا عَلِمتَ ذلك؛ (فَ) إنَّه يَجوز التيمُّمُ بشَرطَين: أَحدُهما: دخولُ وقتِ ما يَتيمَّم له، وإلى هذا أشارَ بقولِه: (إِذَا دَخَلَ وَقْتُ) صلاةِ (فَرْضٍ)، أو نفلٍ مقيَّدٍ بوقتٍ (٤)، (أَوْ أُبِيحَ نَفْلٌ) مطلقٌ (٥) بخروجِ وقتِ النَّهيِ.

стр. 190

فلا يصحُّ تيمُّمٌ لفرضٍ أو نفلٍ معيَّنٍ؛ كسُنَّةٍ راتبةٍ قبلَ وقتِهما نصًّا (١)، ولا لنفلٍ في وقتِ نَهيٍ عنه (٢)، بخلافِ رَكعتَي طوافٍ، فيصحُّ فِعلُهما كلَّ وقتٍ؛ لإباحتِهما إذَنْ. ويصحُّ لفائتةٍ إذا ذَكرَها وأرادَ فِعلَها (٣)، ولكسوفٍ عندَ وجودِه، ولاستسقاءٍ إذا اجتَمعُوا (٤)، ولجنازةٍ إذا تمَّ تَغسيلُ مَيتٍ، أو يُمِّم لعُذرٍ (٥)، ولعيدٍ إذا دخَل وقتُه، ولمَنذورةٍ بمعيَّنٍ (٦) إذا دخَل، لا قبلَ ذلك في الكلِّ، ولمَنذورةٍ مطلَقةٍ كلَّ وقتٍ.

стр. 191

الشَّرطُ الثَّاني: عجزُه عن استعمالِ الماءِ حِسًّا؛ كأنْ عُدِم الماءُ، أو شرعًا كأنْ احتاجَ إلى الماء في نحوِ شُربٍ، وإلى هذا أشارَ بقولِه: (وَعُدِمَ المَاءُ) (١)، حضرًا أو سفرًا، بحَبسٍ (٢) لمُتيمِّمٍ عن الماء، أو عكِسه (٣)، أو غيرِ الحبسِ؛ كقطعِ عدوٍّ ماءَ بلدِه؛ لعمومِ حديثِ أَبي ذرٍّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الصَّعيدُ الطَّيِّبُ طَهورُ المسلمِ وإن لم يَجِدِ الماءَ عَشرَ سِنينَ، فإذا وجدَه فلْيُمِسَّه بَشَرَتَه؛ فإنَّ ذلك خيرٌ» رَواه أحمدُ (٤). (أَوْ زَادَ) الماءُ (عَلَى ثَمَنِهِ) أي: ثمنِ مِثلِه قَدْرًا (كَثِيرًا) عرفًا (٥)؛ فيصحُّ التيمُّمُ. وعُلم منه: أنَّه يَلزمه شراءُ ماءٍ بثمنِ مِثلِه، أو زائدٍ (٦) يسيرٍ عرفًا؛ لأنَّه قادرٌ على استعمالِه إذَنْ مِنْ غيرِ ضَررٍ. فإن عجَز عن ثمنِ الماءِ، أو احتاجَه لنحوِ نَفقةٍ؛ تَيمَّم.

стр. 192

وكذا يَلزمه شراءُ (١) حَبلٍ ودَلوٍ (٢). (أَوْ خَافَ بِاسْتِعْمَالِهِ) أي: الماءِ (ضَرَرَ بَدَنِهِ (٣)) بعطشٍ، ولو متوقَّعًا، أو بجُرحٍ، أو مرضٍ يَخشى (٤) زيادتَه، أو تَطاوُلَه، أو بقاءَ أَثرِ (٥) شَينٍ (٦)؛ فيتَيمَّم (٧)؛ لعمومِ قولِه تَعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. (أَوْ) خافَ باستعمالِه ضررَ (رَفِيقِهِ) المحترَمِ بعَطَشِه؛ تَيمَّم؛ لأنَّ حُرمَتَه تُقدَّم على الصَّلاةِ، بدليلِ ما لو رأَى غَريقًا عندَ ضيقِ وقتِها، فيَتركها ويُنقِذه (٨)، فتَقديمُها (٩) على الطَّهارة بالماء أَولى.

стр. 193

ولا فرقَ بينَ رفِيقِه (١) المُزامِلِ له أو واحدٍ مِنْ أهلِ الرَّكبِ. ويَلزمه بذلُ ماءٍ لعطشِ رَفيقِه، لا لطهارتِه بحالٍ. وخرَج بقولنا: «المُحترَم» (٢) زانٍ محصَنٌ، ومرتدٌّ، وحربيٌّ، فلا يَلزمه (٣) بَذلُه له (٤)، ولو خيفَ (٥) تَلفُه. (أَوْ) خاف باستعمالِه ضررَ (بَهِيمَةٍ مُحْتَرَمَةٍ)، له أو لغيرِه، بخلافِ نحوِ (٦) عَقُورٍ وخِنزيرٍ. وقولُه: (تَيَمَّمَ) جوابُ قولِه: «فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ فَرْضٍ» وما عُطف عليه، يَعني أنَّه إذا وُجِد الشَّرْطان المَذكُوران؛ وجَب التَّيمُّمُ لِما يَجب له الوضوءُ (٧) أو الغُسلُ، وسُنَّ لما يُسنُّ له ذلك. (وَمَنْ وَجَدَ مَاءً) طهورًا (يَكْفِي بَعْضَ طُهْرِهِ) في وضوءٍ أو غُسلٍ؛ (اسْتَعْمَلَهُ) وجوبًا، (ثُمَّ تَيَمَّمَ) للباقي؛ لقولِه ﷺ : «إذا أَمَرتُكُم بأمرٍ فَأتُوا مِنه ما

стр. 194

اسْتَطَعتُم» رَواه البخاريُّ (١). ولا يصحُّ أن يَتيمَّم قبلَ استعمالِ الماءِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فاعتُبر استعمالُه أوَّلًا؛ ليتحقَّقَ عدمُ الماءِ، وليَتميَّز (٢) ما تَيمَّم له. ويُقدِّم مُحدِثٌ على بَدنِه نجاسةٌ غَسْلَها (٣)، ثمَّ يَتيمَّم، إلَّا أن تَكون في محلٍّ يُمكن تطهيرُه (٤) مِنْ الحدثِ، فيَستعملُه فيه عنهما (٥). ويُقدِّم (٦) على نجاسةِ بَدنٍ نجاسةُ ثوبٍ أو بُقعةٍ. (وَالجَرِيحُ) في بعضِ بَدنِه (يَغْسِلُ الصَّحِيحَ) مِنْ بَدنِه، (وَيَتَيَمَّمُ لِمَا يَضُرُّهُ المَاءُ) مِنْ بَدنِه، حالَ كَونِ ما ذُكِر (مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا)، وجوبًا إن كان (٧) (فَي حَدَثٍ أَصْغَرَ) (٨)، فيَتيمَّم لجُرحِ بعضِ أعضاءِ وُضوئِه عندَ غَسلِه لو كان صحيحًا؛ لأنَّ

стр. 195

البدلَ يُعطى حُكمَ مُبدَلِه. فإذا كان الجُرحُ في الوجهِ قد استَوعَبه؛ لَزِمه التَّيمُّمُ أوَّلًا، ثمَّ يُتِمُّ الوضوءَ، وإن كان في بعضِ الوجهِ؛ خُيِّر بينَ غَسلِ الصَّحيحِ منه ثمَّ يَتيمَّم، وبينَ التَّيمُّمِ ثمَّ يَغسل الصَّحيحَ (١). وإن كان الجُرحُ في عضوٍ غيرِ الوجهِ؛ لَزِمه غَسلُ ما قَبلَه، ثمَّ كان الحُكمُ فيه كما ذَكرْنا (٢) في الوجهِ. وإن كان في وجهِه ويَدَيه ورِجلَيه؛ احتاجَ في كلِّ عضوٍ إلى تَيمُّمٍ في محلِّ غَسلِه؛ ليَحصلَ التَّرتيبُ، فلَو غَسلَ صحيحَ وجهِه، ثمَّ تَيمَّم لجَريحِه وجَريحِ يَدَيه (٣) تيمُّمًا واحدًا؛ لم يُجزِئه. ويَبطُل وضوءُه هذا وتيمُّمُه بخروجِ الوقتِ؛ لاعتبارِ المُوالاةِ (٤).

стр. 196

وعُلم مِنْ قولِه: «فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ» أنَّه لا تَرتيبَ ولا مُوالاةَ في حدثٍ أكبرَ، بل إن شاء غسَل الصَّحيحَ ثمَّ تَيمَّم لِما بَقي، وإن شاء عكَس، ولا تَبطل طَهارتُه بالماء إذَنْ بخروجِ الوقتِ، بل يَبطل (١) التيمُّمُ فقط؛ لعدمِ اعتبارِ المُوالاةِ في الغُسلِ (٢)، بخلافِ الوضوءِ. (وَيَجِبُ) بدخولِ وقتِ كلِّ صلاةٍ (طَلَبُ مَاءٍ) على مَنْ عَدِمَه وظنَّ وُجودَه، أو شكَّ ولم يَتحقَّق عَدمَه؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، ولا يُقال: لم يَجِد، إلَّا لمَن طلَب (٣). إذا عَلمتَ هذا: فيَلزمه طلبُ الماءِ (٤) (فِي رَحْلِهِ) أي: ما يَسكُنه ويَستصحبُه (٥) مِنْ الأثاثِ (٦)، فيُفتِّش مِنْ رَحلِه ما يُمكن أن يَكون فيه. (وَ) يَطلب الماءَ أيضًا في (قُرْبِهِ) أي: ما قَرُب منه عرفًا، فيَسعى في جِهاتِه الأربعِ إلى ما جرَت عادةُ القوافلِ بالسَّعي إليه.

стр. 197

(وَ) يَجب طلبُه (مِنْ رَفِيقِهِ)، بأن يَسأله عن مَواردِه، وعمَّا معه ليَبيعَه أو يَبذُلَه له. وإن كان سائرًا؛ طلَبه أمامَه فقط. (وَ) يَجب طلبُه (بِدلَالَةِ (١)) ثِقَةٍ عليه، فمتى (٢) دلَّه ثقةٌ على الماء (٣)، أو عَلِمه؛ لَزِمه قصدُه، فإن تَيمَّم قبلَ ذلكَ (٤)؛ لم يصحَّ. ولا أثرَ لطلبِه قبلَ الوقتِ. لكن إنَّما يلزمُه الطَّلبُ (٥): إذا كان (بِلَا ضَرَرٍ) عليه في ذلك، فلَو خافَ فَوتَ رُفقتِه، أو خافَ على نَفسِه أو مالِه في طلبِه خوفًا محقَّقًا، لا جُبنًا، وهو الخوفُ بلا سببٍ، والمحقَّقُ كما لو كان بينَه وبينَ الماءِ نحوُ سَبُعٍ، أو حريقٍ، أو لصٍّ، أو خافَ غَريمًا يُلازِمُه ويَعجِزُ عن أدائِه، أو خافَت امرأةٌ أو أَمردُ فُسَّاقًا؛ لم يَجب الطَّلبُ إذَنْ، بل يَحرم الطَّلبُ عليهما مع خوفِ المَحذورِ. (قَبْلَهُ) أي: التيمُّمِ، والظرفُ متعلقٌ ب «طَلَب» أو ب «يَجِب» (٦)، يَعني: أنَّه يَجب ما ذُكِر مِنْ الطَّلب قبلَ التيمُّمِ (٧). (فَإِنْ نَسِيَ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ) أي: على الماء، أو جَهِله بمَوضعٍ يُمكنه استعمالُه، (وَتَيَمَّمَ؛ أَعَادَ)؛ لتَقصيرِه؛ كمصلٍّ عُريانًا ناسيًا أو جاهلًا للسُّترةِ، وذلك (٨) كأن

стр. 198

يَجِد الماءَ بعدَ التيمُّمِ في رَحله وهو في يَدِه (١)، أو في (٢) بئرٍ بقُربِه أَعلامُها ظاهرةٌ يَتمكَّن مِنْ تَناوله منها، فلا يصحُّ تيمُّمُه ولا صلاتُه إذَنْ (٣). فأمَّا إن ضلَّ عن رَحله وبه الماءُ، وقد طلَبه، أو كانت أَعلامُ البئرِ خفيَّةً ولم يَكُنْ يَعرفها، أو يَعرفها وضلَّ عنها، أو رأَى دونَ الماءِ سَوادًا بليلٍ ظنَّه عدوًّا، فتَبيَّن عَدمُه (٤) بعدَ أن تَيمَّم وصلَّى؛ فإنَّه لا إعادةَ عليه في ذلك. (وَيَتيَمَّم لِكُلِّ حَدَثٍ) أكبرَ أو أصغرَ؛ لقولِه تَعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، والملامسةُ: الجماعُ، ولقولِه تَعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. (وَ) يَتيمَّم (لِ) كُلِّ (نَجَاسَةٍ) لا يُعفى عنها (بِبَدَنٍ) فقط، (تَضُرُّهُ إِزَالَتُهَا) أي: النَّجاسةِ، أو يَضرُّه الماءُ الذي يُزيلها به، (وَلَوْ) كان الضَّررُ مِنْ بَردٍ (حَضَرًا) لعدمِ ما يُسخِّن به الماءَ، (أَوْ عَدِمَ) مَنْ ببَدنِه نجاسةٌ (مَا يُزِيلُهَا) به، وذلك لعمومِ حديثِ أَبي ذرٍّ (٥)، كما تَقدَّم. وعُلم مِنْ كلامه: أنَّه لا يَتيمَّم لنجاسةِ ثَوبِه، ولا بُقعتِه (٦)؛ لأنَّ البَدنَ له مدخلٌ في التيمُّمِ للحدث، فدخَل فيه التيمُّمُ للنَّجس، بخلافِ الثَّوبِ والبُقعةِ.

стр. 199

ولا يَتيمَّم لنجاسةٍ مَعفوٍّ عنها. وإنَّما يَتيمَّم لنجاسةِ البَدنِ (بَعْدَ تَخْفِيفِهَا) أي: النَّجاسةِ عن بَدنِه (مَا أَمْكَنَ) أي: حسَب إمكانِه، بمَسحِ رَطبةٍ (١)، وحَكِّ يابسةٍ وجوبًا، فلا يصحُّ التَّيمُّمُ لها قبلَ ذلك. (وَ) حيثُ تَيمَّم للنَّجاسة كما تَقدَّم، وصلَّى، فإنَّه (لَا إِعَادَةَ) عليه، سواءٌ كانت بمحلٍّ صحيحٍ أو جَريحٍ (٢). (فَإِنْ عَدِمَ) مُريدُ الصَّلاةِ وهو مُحدِثٌ، أو ببَدنِه نجاسةٌ (المَاءَ وَالتُّرَابَ)؛ كمَن حُبِس بمحلٍّ لا ماءَ فيه ولا ترابَ، أو وجدَهُما ولم (٣) يُمكنه استعمالُهما لمانعٍ؛ كمَن به قُروحٌ لا يَستطيع معها مسَّ البشرةِ بوضوءٍ ولا تيمُّمٍ، وكمريضٍ (٤) عجَز عن استعمالِهما وعمَّن يُطهِّره بأَحدِهما؛ (صَلَّى الفَرْضَ) فقط (عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) أي: على قَدْرِ حالِه، أي: على الصِّفةِ التي هو عليها وجوبًا؛ لقولِه ﵊: «إذا أَمَرتُكُم بأَمرٍ فَائتُوا مِنه ما اسْتَطعتُم» (٥)، ولأنَّ العجزَ عن الشَّرط لا يُوجب تَرْكَ المشروطِ؛ كما لو عجَز عن السُّترةِ والاستقبالِ. (وَلَا يَزِيدُ) عادمُ الماءِ والتُّرابِ (عَلَى مَا يُجْزِئُ) في الصَّلاةِ مِنْ قراءةٍ

стр. 200

وغيرِها، فلا يَستفتِح، ولا يَتعوَّذ، ولا يُبَسمِل، ولا يَقول «آمين»، ولا يَقرأ زائدًا على الفاتحةِ، ولا يُسبِّح ولا يَسأل المغفرةَ أكثرَ مِنْ مرَّةٍ (١)، ولا يَزيد على ما يُجزِئ في طمأنينةِ ركوعٍ وسجودٍ وجلوسٍ بينَ السَّجدتَين، ولا يزيد (٢) على ما يُجزِئ في تَشهُّدٍ، وإذا فرَغ مِنْ قراءةِ الفاتحةِ؛ ركَع في الحالِ، وإذا فرَغ ممَّا يُجزِئ في التَّشهُّدِ؛ نهَض أو سلَّم في الحالِ؛ لأنَّها صلاةُ ضرورةٍ، فتَقيَّدَت بالواجب؛ إذْ لا ضرورةَ للزائدِ. وفي «تصحيحِ المحرَّرِ» لابنِ نَصرِ اللهِ الكِنَانيِّ (٣): فإن زادَ على مُجزِئٍ مِنْ رُكنٍ أو واجبٍ؛ أَعادَ (٤). انتهى. ولا يَقرأ خارجَ الصَّلاةِ إن كان جُنبًا ونحوَه. (وَلَمْ يُعِدْ) مُصلٍّ على حسَبِ حالِه عندَ عدمِ الماءِ والترابِ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به، فخرَج مِنْ عُهدتِه. وتَبطل صلاتُه بنحوِ حدثٍ فيها، فيَستأنفها على حسَبِ حالِه، لا بخروجِ الوقتِ فيها. ولا يَؤمُّ عادمُ الماءِ والترابِ مُتطهِّرًا بأَحدِهما (٥)، وله أن يَؤمَّ مِثلَه.

стр. 201

ولو صُلِّي (١) على ميتٍ على حسَبِ حالِه؛ لعدمِ الماءِ والترابِ، ثمَّ إن (٢) إن وُجد أَحدُهما؛ بطَلَت، ووجَب أن يُغسَّل أو يُيمَّم، ثمَّ يُصلَّى عليه. ويَجوز نَبشُه لأَحدِهما مع أَمنِ تَفسُّخِه. (وَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمٌ إِلَّا بِتُرَابٍ طَهُورٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، وما لا غبارَ عليه لا (٣) يُمسح بشيءٍ منه، وقال ابنُ عبَّاسٍ: «الصَّعيدُ: ترابُ الحَرثِ» (٤)، والطَّيِّبُ: الطاهرُ، يُؤكِّده قولُه ﷺ : «وجُعِل لي التُّرابُ طَهورًا» رَواه الشافعيُّ وأحمدُ مِنْ حديثِ عليٍّ، وهو حديثٌ حسنٌ (٥). فلا يصحُّ التيمُّمُ (٦) برَملٍ، ونُورةٍ، وجِصٍّ، ونَحتِ حِجارةٍ ونحوِه (٧)، ولا بترابٍ زالَت طَهوريَّتُه؛ كالمُتناثِرِ مِنْ المُتيمِّمِ؛ لأنَّه كالماءِ المستعمَلِ في طهارةٍ واجبةٍ. وإن تَيمَّم جماعةٌ مِنْ موضعٍ واحدٍ؛ صحَّ، كما لو توضَّؤُوا مِنْ حَوضٍ يَغتَرفون منه.

стр. 202

(مُبَاحٍ)، فلا يصحُّ بمَغصوبٍ (١)، كالوضوء به (٢). قال في «الفروع»: (وظاهرُه ولو بترابِ مسجدٍ، ولعله غيرُ مُرادٍ؛ فإنَّه لا يُكره بترابِ زمزمَ (٣) مع أنَّه مسجدٌ) (٤). ولا بدَّ أن يَكون غيرَ مُحترِقٍ؛ فلا يصحُّ بما دُقَّ مِنْ نحوِ خَزفٍ؛ لأنَّ الطَّبخَ (٥) أَخرَجه عن أن يَقع عليه اسمُ الترابِ. (لَهُ غُبَارٌ) يَعلَق باليَدِ أو غيرِها، لا بسَبْخَةٍ ونحوِها ممَّا ليسَ له غبارٌ، ولا بطِينٍ رَطبٍ، لكن إن أَمكَن تَجفيفُه والتيمُّمُ به (٦) قبلَ خروجِ الوقتِ؛ جازَ (٧)، لا بعدَه (٨). (لَمْ يُغَيِّرْهُ) أي: الترابَ الطَّهورَ (طَاهِرٌ غَيْرُهُ)؛ كجِصٍّ، ونُورةٍ، ودَقيقِ بُرٍّ، ونحوِه ممَّا له غُبارٌ.

стр. 203

فإن خالطَه شيءٌ ممَّا ذُكِر، وكانت الغَلبةُ لغيرِ الترابِ؛ لم يصحَّ التيمُّمُ به؛ كماءٍ خالطَه طاهرٌ غلَب على بعضِ أَوصافِه. فإن كان المخالِطُ لا غبارَ له؛ لم يَمنع التيمُّمَ بالترابِ؛ كبُرٍّ وشَعيرٍ. وإن خالطَتْه نجاسةٌ؛ لم يَجُز التيمُّمُ به وإن كَثُر (١). ذكَرَه ابنُ عَقيلٍ (٢). ولا يَجوز التيمُّمُ بترابِ مَقبرةٍ تَكرَّر نَبشُها، وإلَّا (٣) أو شُكَّ فيه؛ جازَ. ويصحُّ التيمُّمُ بما له غبارٌ، (وَلَوْ عَلَى لِبْدٍ أَوْ نَحْوِهِ (٤))؛ كثَوبٍ، وبِساطٍ، وحَصيرٍ، وحائطٍ، وصخرةٍ، وحيوانٍ، وبَرْذَعةِ حِمارٍ، وشجرٍ، وخشبٍ، وعِدلِ شَعيرٍ، ونحوِه ممَّا عليه غبارٌ طَهورٌ، حتَّى مع وجودِ تُرابٍ. وأَعجَبَ الإمامَ (٥) أحمدَ ﵀ حَملُ الترابِ للتَّيمُّم، وقال الشيخُ تقيُّ الدِّينِ ﵀: لا يَحمِله، وظهَّره في «الفروع» (٦)، وصوَّبه في «الإنصاف» (٧)؛ إذْ لم يُنقل عن أحدٍ (٨) مِنْ الصَّحابةٍ ﵃ مع كثرةِ أَسفارِهم (٩).

стр. 204

(فصل) (وَفُرُوضُهُ) أي: التيمُّمِ (١) لحدثٍ أو نجاسةٍ، قِسمان: مُشترَكٌ، ومُختصٌّ. فالمُشترَكُ ثلاثةٌ لا بدَّ منها في كلِّ تيمُّمٍ: أَحدُها: (مَسْحُ وَجْهِهِ (٢))؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾، سِوَى ما تحتَ شَعرٍ ولو خفيفًا، وداخلِ فَمٍ وأَنفٍ، ويُكرَه. (وَ) الثَّاني: مَسحُ (يَدَيْهِ إِلَى كُوعَيْهِ) (٣)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾، وإذا عُلِّق حُكمٌ بمُطلَقِ اليدَين؛ لم يَدخل الذِّراعُ؛ كقَطعِ (٤) السارقِ، ومسِّ الفَرجِ، وحديثِ عمارٍ قال: بعثني النبيُّ ﷺ في حاجةٍ، فأَجْنَبتُ، فلَم أَجِد الماءَ، فتَمرَّغتُ في الصَّعيدِ كما تَتمرَّغ الدابَّةُ، ثمَّ أَتيتُ النبيَّ ﷺ ، فذكرتُ ذلك له (٥)، فقال: «إنَّما كان يَكفيكَ أن تَقول (٦) بيَدَيكَ هكذا»، ثمَّ ضربَ بيَدَيه الأرضَ ضربةً واحدةً، ثمَّ مسَح الشِّمالَ على اليمينِ، وظاهرَ كفَّيه ووجهَه. متَّفق عليه (٧). ولو أمرَّ المحلَّ على ترابٍ، أو صَمَدَه أي: نصَبَه لريحٍ، فعَمَّه ومسَحَه

стр. 205

به؛ صحَّ، لا إن سَفَتْه فمسَحَه به (١). وإن تَيمَّم ببعضِ يَدِه، أو بحائلٍ (٢)، أو يَمَّمه غيرُه؛ فكَوُضوءٍ (٣). (وَ) الثَّالثُ: (تَعْيِينُ نِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ مَا) أي: شيءٍ (يَتَيَمَّمُ لَهُ (٤))؛ كصلاةٍ أو طوافٍ، فرضًا أو نفلًا أو غيرَهما، (مِنْ)، مُتعلِّقٌ بقولِه: «يَتَيَمَّمُ»، أو ب «اسْتِبَاحَةٍ»، أي: مِنْ أجلِ (حَدَثٍ) أصغرَ أو أكبرَ، (أَوْ نَجَسٍ) أي: نجاسةٍ ببَدنٍ، ويَكفيه لها تيمُّمٌ واحدٌ، ولو تَعدَّدَت مَواضعُها. وصِفةُ التَّعيينِ: أن يَنويَ بِتيمُّمِه (٥) اسْتِباحةَ صلاةِ الظُّهرِ مَثلًا مِنْ الجنابةِ إن كان جنبًا، أو مِنْ الحدثِ الأصغَرِ إن كان حدثُه أصغَرَ (٦)، أو مِنْ النَّجاسة إن كان نجسًا، وما أَشبَه ذلك. وإنَّما اعتَبَرنا (٧) التَّعيينَ تقويةً لضَعفِه، فإن نوَى حدثًا وأَطلَق؛ لم يُجزِئْه عن

стр. 206

الحدثَين (١)، أو نوَى رَفْعَ حدثٍ؛ لم يصحَّ تيمُّمُه؛ لأنَّه مُبيحٌ لا رافعٌ؛ لأنَّه (٢) طهارةُ ضرورةٍ. وأمَّا المُختصُّ فشَيئان، أشارَ إليهما بقولِه: (وَكَذَا تَرْتِيبٌ)، بأن يَمسح وجهَه قبلَ يدَيه، (وَمُوَالَاةٌ)، بأن لا يُؤخِّر مَسْحَ يدَيه عن وجهِهِ (٣) بحيثُ لو كان وجهُه مَغسولًا لَجَفَّ في زمنٍ معتدلٍ، أو قَدْرِه مِنْ غيرِه. فهَذان لا يَجِبان في كلِّ تيمُّمٍ، بل (فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ) خاصَّةً (٤)، فلا يَجِبان في حدثٍ أكبرَ، أو نجاسةٍ ببَدنٍ؛ لأنَّ التَّيمُّمَ مَبنيٌّ على طهارةِ الماءِ، وهُما فَرْضان في الوضوءِ دونَ ما سِواه. (وَإِنْ نَوَى) مُحدِثٌ ببَدنِه نجاسةٌ (حَدَثًا) فقط؛ لم يُجزِئْه عن النَّجاسةِ، (أَوْ) نوَى (نَجَسًا) أي: نجاسةً ببَدنِه فقط؛ (لَمْ يُجْزِئْهُ) التَّيمُّمُ (عَنْ الآخَرِ) أي: الحدثِ، بل يُجزِئُه عمَّا نَواه فقط. وكذا لو نوَى حدثًا أصغرَ أو أكبرَ؛ لم يُجزِئه عن الآخَرِ. (وَإِنْ نَوَاهُمَا) أي: الحدثَ والنَّجاسةَ، أو نوَى الأصغرَ والأكبرَ والنَّجاسةَ

стр. 207

بتَيمُّمٍ واحدٍ (١)؛ (كَفَى) أي: أَجزأه ذلك، قلت (٢): والظاهرُ هنا اعتبارُ التَّرتيبِ والمُوالاةِ (٣). وإن تنوَّعَت أسبابُ أَحدِ الحَدثَين، فنوَى أَحدَهما (٤)؛ أَجزأ عن الجميعِ، لكن لو نوَى الاستِباحةَ مِنْ أَحدِها على أن لا يَستبيحَ مِنْ غيرِه؛ لم يُجزِئْه، على قياسِ ما تَقدَّم في الوضوءِ وأَولى؛ لضَعفِه. (وَإِنْ نَوَى) بتَيمُّمِه (نَفْلًا) أي: استِباحةَ نَفلِ الصَّلاةِ؛ لم يُصلِّ به فرضًا، (أَوْ أَطْلَقَ) النيَّةَ للصَّلاةِ، بأن نوَى استِباحةَ الصَّلاةِ، ولم يَنوِ فرضًا ولا نَفلًا؛ (لَمْ يُصَلِّ بِهِ فَرْضًا)؛ لأنَّه لم يَنوِه، فلَم يَحصل له، بل يُصلِّي به نَفلًا في الصُّورتَين، أمَّا في الأُولى؛ فلِنيَّتِه النَّفلَ، وأمَّا في الثانيةِ؛ فلأنَّه أقلُّ ما يُحمل عليه الإطلاقُ. وطوافٌ كصلاةٍ فيما تَقدَّم. (وَإِنْ نَوَاهُ) أي: الفرضَ بتَيمُّمهِ؛ (صَلَّى كُلَّ وَقْتِهِ فُرُوضًا وَنَوَافِلَ)، فمَن تَيمَّم لظُهرٍ مَثلًا؛ صلَّى ما دامَ الوقتُ ما شاء مِنْ الفَرضِ والنَّفلِ، أمَّا الفَرضُ فلنِيَّتِه، وأمَّا النَّفلُ فلأنَّه أخفُّ، ونيَّةُ الفَرضِ تَتضمَّنُه.

стр. 208

فمَن نوَى شيئًا؛ استَباحَه ومِثلَه ودُونَه، لا ما فَوقَه، فأَعلاه: فَرضُ عَينٍ (١)، فنَذرٌ (٢)، فكِفايةٌ (٣)، فنافلةٌ (٤)، ففَرضُ طوافٍ (٥)، فنَفلُه، فمَسُّ مُصحَفٍ، فقراءةٌ، فلُبثٌ (٦). قال المصنِّفُ: وسُكوتُهم عن الوَطءِ (٧) يُعلم منه: أنَّه دونَ الكلِّ (٨). (وَيَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ) مطلقًا (٩) (بِخُرُوجِ وَقْتٍ) أو دخولِه، ولو لغيرِ صلاةٍ (١٠)،

стр. 209

ما لم يَكُنْ في صلاةِ جمعةٍ (١)، أو يَنوي وهو في وقتِ الأُولى الجمعَ في وقتِ ثانيةٍ (٢)، ثمَّ يتَيمَّم (٣) للمجموعة، أو لفائتةٍ؛ فلا يَبطل بخروجِ وقتِ الأُولى. (وَ) يَبطل تيمُّمُه أيضًا بشيءٍ (مُبْطِلٍ مَا تَيَمَّمَ لَهُ) مِنْ الطَّهارتَين، فيَبطل تيمُّمُه عن وضوءٍ بما يُبطله مِنْ نومٍ ونحوِه، وعن غُسلٍ بما يَنقضه؛ كخروجِ مَنيٍّ بلذَّةٍ. ولو تَيمَّم لحدثٍ وجنابةٍ تيمُّمًا واحدًا، ثمَّ خرَج منه ريحٌ مثلًا؛ بطَل تيمُّمُه للحَدث، وبَقِي تيمُّمُه للجَنابةِ بحالِه (٤). (وَ) يَبطل تيمُّمُه أيضًا بِ (وُجُودِ مَاءٍ) مَقدورٍ على استِعمالِه بلا ضررٍ على ما مرَّ. ولو انْدَفَق الماءُ، أو كان قليلًا؛ فيَستعملُه، ثمَّ يَتيمَّم لِما بَقِي. (وَلَوْ) كان وجودُه الماءَ (فِي صَلَاةٍ (٥)) أو طوافٍ، فيَبطُلان فيَتوضَّأ أو

стр. 210

يَغتسل، ويَبتدئ الصَّلاةَ أو الطَّوافَ. و (لَا) إعادةَ على واجد الماء (بعدها) أي: الصَّلاة، أي: بعد انقضاء الصَّلاة، وكذا الطواف. لكن يستحبُّ لواجد الماءَ في الوقت استعمالُه، وإعادةُ الصَّلاة، كما بحثه المصنِّف (١)، ومحلُّه في نحو ظهرٍ كعِشاء (٢)، لا صبح وعصر؛ لأنَّ ذلك وقت نهي. ويبطل التيمُّم أيضًا بزوال مبيح؛ كبرء مرضٍ أو جرحٍ تيمَّم له. (وَالتَّيَمُّمُ آخِرَ الوَقْتِ) المختارِ، بحيثُ يُدرِك الصَّلاةَ كلَّها قبلَ خروجِه، (لِرَاجِي) وجودِ (المَاءِ: أَوْلَى)؛ لأنَّ الطَّهارةَ بالماءِ فريضةٌ، والصَّلاةَ في أوَّلِ الوقتِ فضيلةٌ، وانتظارُ الفريضةِ أَولى. وكذا لو اسْتَوى عندَه احتمالُ وجودِ الماءِ وعَدمِه، وأمَّا العالِمُ وجودَه فمِن بابِ أَولى. والأصلُ في ذلك: قولُ عليٍّ في الجُنُبِ: «يَتلوَّم ما بينَه وبينَ آخرِ الوقتِ، فإن وجَد الماءَ، وإلّا تَيمَّم» (٣)، ومعنى «يَتلوَّم»: يَمكُث ويَنتظر.

стр. 211

فإن تَيمَّم وصلَّى؛ أَجزأه ولو وجَد الماءَ بعدُ. وعُلِم ممَّا تَقدَّم: أنَّ التَّقديمَ لمتحقِّقِ العدمِ أو ظانِّه أَولى. (وَصِفَتُهُ) أي: التيمُّمِ: (أَنْ يَنْوِيَ) استِباحةَ ما يَتيمَّم له؛ كفَرضِ الصَّلاةِ، مِنْ حدثٍ أصغرَ أو أكبرَ، أو نجاسةٍ. (ثُمَّ يُسَمِّيَ) وجوبًا (١)، فيَقول: «باسم الله»، لا يَقوم غيرُها مَقامَها، وتَسقط سهوًا. (وَيَضْرِبَ التُّرَابَ بِيَدَيْهِ) حالَ كَونِهما (مُفَرَّجَتَيِ الأَصَابِعِ)؛ لِيَصِل التُّرابُ إلى ما بينَهما، (بَعْدَ نَزْعِ نَحْوِ خَاتَمٍ (٢))؛ كحَلْقةٍ بيدِه (٣)؛ لِيَصِل التُّرابُ إلى ما تحتَه، (ضَرْبَةً)، بالنصبِ مفعولٌ مطلَقٌ، عاملُه «يَضرب» أي: يَضرب التُّرابَ ضربةً واحدةً، قال الأَثرمُ: قلتُ لأَبي عبدِ اللهِ: التَّيمُّمُ ضربةٌ واحدةٌ؟ فقال: نعم، للوجهِ والكفَّين، ومَن قال: ضَربتَين فإنَّما هو شيءٌ زادَه. انتهى (٤). فإن كان التُّرابُ ناعمًا، فوضعَ يدَيه بلا ضربٍ، فعَلِق بهما؛ كفَى. وكُرِه نَفخُ ترابِ يدَيه إن كان قليلًا، فإن ذهَب به (٥)؛ أعادَ الضَّربَ. ثمَّ (يَمْسَحَ وَجْهَهُ) جَميعَه (بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ (٦))، فإن بَقِي منه شيءٌ لم يَصِل

стр. 212

التُّرابُ إليه؛ أَمرَّ يدَه عليه إن لم يَفصِلها عنه؛ لأنَّ الواجبَ تَعميمُ المسحِ، لا تَعميمُ التُّرابِ. فإن فصَلَها وقد بَقِي عليها غبارٌ؛ مسَح بها ما بَقِي، وإلّا أعادَ الضَّربَ. (وَ) يَمسح ظاهرَ (كَفَّيْهِ بِرَاحَتَيْهِ (١)) استحبابًا؛ لحديثِ عمَّارٍ وتَقدَّم. فإن قِيل: قد ذُكِر (٢) في حديثِ عمارٍ لفظُ: «المَرفِقَين» (٣)، فتَكون مفسِّرةً للمرادِ ب «الكَفَّين». أُجيبَ: بأنَّه لا يُعوَّل على هذا الحديثِ، إنَّما رَواه سلمةُ وشكَّ فيه، ذكَرَه النَّسائيُّ، مع أنَّه قد أُنكِر عليه، وخالفَ به سائرَ الرُّواةِ الثِّقاتِ. ولو مسَح وجهَه بيَمينِه، ويَمينَه بيَسارِه، أو عكَس؛ صحَّ. (وَيُخَلِّلَ أَصَابِعَهُ)؛ ليَصِلَ التُّرابُ إلى ما بينَها. وإن مسَح بضَربتَين: بإِحداهُما وجهَه، وبالأُخرى يدَيه؛ جازَ (٤).

стр. 213

(بَابُ إِزَالَةِ (١) النَّجَاسَةِ) الحكمِيَّةِ أي: الطَّارئةِ على محلٍّ طاهرٍ. والمرادُ ب «إزالتِها»: تَطهيرُ مَواردِها. وذكَرَ أيضًا النَّجاساتِ، وما يُعفَى عنه منها. وخرَج ب «الحُكميَّةِ»: العَينيَّةُ؛ كعَظمِ مَيتةٍ وجِلدِها، فإنَّها لا تَطهُر بحالٍ. (يَجِبُ) أي: يشترَطُ (لِ) تطهيرِ (كُلِّ مُتَنَجِّسٍ) حتى أسفلِ خُفٍّ وحذاءٍ (٢)، وذيلِ امرأةٍ: (سَبْعُ غَسَلَاتٍ (٣))؛ لعمومِ حديثِ ابنِ عمرَ: «أُمِرْنا بغَسلِ الأَنجاسِ سَبعًا» (٤)، فيَنصرف إلى أَمرِه ﷺ . ويُعتبر في كلِّ غَسلةٍ: أن تَستوعِبَ المحلَّ، ويُحسَب العددُ مِنْ أوَّلِ (٥) غَسلةٍ (٦).

стр. 214

وتَكفي السَّبعُ (إِنْ أَنْقَتِ) النَّجاسةَ وأَذهبَتْها، (وَإِلَّا) تُنْقِ النَّجاسةَ؛ (فَ) يزيد على السَّبعِ (حَتَّى تُنْقِيَ) أي: إلى أن تَذهب النَّجاسةُ. ولا بدَّ أن تَكون كلُّ غُسلةٍ مِنْ السَّبعِ فما فَوقَها (بِمَاءٍ طَهُورٍ)؛ لحديثِ أسماءَ قالت: جاءَت امرأةٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالت: إِحدَانَا يُصِيبُ ثَوبَها مِنْ دَمِ الحَيضةِ، كيف تَصنع؟ قال (١): «تَحُتُّه بالماءِ، ثمَّ تَنضَحُه (٢)، ثمَّ تُصلِّي فيه» متَّفق عليه (٣)، و «أمَر بِصَبِّ ذَنوبٍ مِنْ ماءٍ فأُهرِيقَ على بولِ الأعرابيِّ» (٤)، والذَّنوبُ وِزَانُ «رَسولٍ»: الدَّلْوُ العظيمةُ، قالوا: ولا تُسمَّى ذَنوبًا حتَّى تَكون مَملوءةً، ويُذكَّر ويُؤنَّث. وقولُه: «فأُهرِيقَ» أي: صُبَّ، وفيه الجمعُ بينَ الهاءِ والهمزةِ، وهو قليلٌ؛ لأنَّ الهاءَ في الأصلِ بَدلٌ مِنْ الهمزةِ، لكن عندَ الجمعِ بينَهما كما هُنا يُلحظ في الهاءِ كَونُها عِوَضًا عن حركةِ الياءِ في الأصلِ، ولهذا لا يَصير الفِعلُ بهذه الزيادةِ خماسيًّا (٥). (مَعَ حَتٍّ وَقَرْصٍ (٦)) لمحلِّ النَّجاسةِ، والحَتُّ: الحَكُّ (٧) بطَرفِ حَجرٍ أو عُودٍ، والقَرْصُ بالصاد المُهمَلةِ: الدَّلْكُ بأطرافِ الأصابعِ والأظفارِ، مع صبِّ الماءِ عليه، (لِحَاجَةٍ) إلى ذلك، ولو في كلِّ مرَّةٍ، إن لم يَتضرَّر المحلُّ، فيَسقط.

стр. 215

(وَ) مع (عَصْرٍ) لمغسولٍ تَشرَّب النَّجاسةَ بحسَبِ الإمكانِ، بحيثُ لا يُخاف فسادُه. ويُفعل العَصرُ (كُلَّ مَرَّةٍ) مِنْ السَّبعِ (خَارِجَ المَاءِ)؛ ليَحصُلَ انفصالُ الماءِ عنه، فإن عصَرَه في الماء ولو سبعًا؛ فغسلةٌ واحدةٌ، يَبني عليها. فإن لم يُمكِن عَصْرُ ما تَشرَّب النَّجاسةَ؛ دَقَّه وقَلَّبه (١) أو ثَقَّله، كلَّ غَسلةٍ حتى يَذهبَ أكثرُ ما فيه مِنْ الماء، ولا يَكفي عن عَصْرِه تَجفيفُه. وما لا يَتشرَّب يَطهر بمرورِ الماءِ عليه وانفصالِه عنه. (فَإِنْ كَانَتِ) النَّجاسةُ (مِنْ كَلبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ (٢))، أو متولِّدٍ منهما، أو مِنْ أَحدِهما (٣)؛ (وَجَبَ) في تطهيرِها (٤) (تُرَابٌ طَهُورٌ (٥))، فلا يَكفي ترابٌ نَجسٌ، ولا مستعمَلٌ (٦).
следующие страницы →