← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فإن تَيمَّم وصلَّى؛ أَجزأه ولو وجَد الماءَ بعدُ. وعُلِم ممَّا تَقدَّم: أنَّ التَّقديمَ لمتحقِّقِ العدمِ أو ظانِّه أَولى. (وَصِفَتُهُ) أي: التيمُّمِ: (أَنْ يَنْوِيَ) استِباحةَ ما يَتيمَّم له؛ كفَرضِ الصَّلاةِ، مِنْ حدثٍ أصغرَ أو أكبرَ، أو نجاسةٍ. (ثُمَّ يُسَمِّيَ) وجوبًا (١)، فيَقول: «باسم الله»، لا يَقوم غيرُها مَقامَها، وتَسقط سهوًا. (وَيَضْرِبَ التُّرَابَ بِيَدَيْهِ) حالَ كَونِهما (مُفَرَّجَتَيِ الأَصَابِعِ)؛ لِيَصِل التُّرابُ إلى ما بينَهما، (بَعْدَ نَزْعِ نَحْوِ خَاتَمٍ (٢))؛ كحَلْقةٍ بيدِه (٣)؛ لِيَصِل التُّرابُ إلى ما تحتَه، (ضَرْبَةً)، بالنصبِ مفعولٌ مطلَقٌ، عاملُه «يَضرب» أي: يَضرب التُّرابَ ضربةً واحدةً، قال الأَثرمُ: قلتُ لأَبي عبدِ اللهِ: التَّيمُّمُ ضربةٌ واحدةٌ؟ فقال: نعم، للوجهِ والكفَّين، ومَن قال: ضَربتَين فإنَّما هو شيءٌ زادَه. انتهى (٤). فإن كان التُّرابُ ناعمًا، فوضعَ يدَيه بلا ضربٍ، فعَلِق بهما؛ كفَى. وكُرِه نَفخُ ترابِ يدَيه إن كان قليلًا، فإن ذهَب به (٥)؛ أعادَ الضَّربَ. ثمَّ (يَمْسَحَ وَجْهَهُ) جَميعَه (بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ (٦))، فإن بَقِي منه شيءٌ لم يَصِل

стр. 212

التُّرابُ إليه؛ أَمرَّ يدَه عليه إن لم يَفصِلها عنه؛ لأنَّ الواجبَ تَعميمُ المسحِ، لا تَعميمُ التُّرابِ. فإن فصَلَها وقد بَقِي عليها غبارٌ؛ مسَح بها ما بَقِي، وإلّا أعادَ الضَّربَ. (وَ) يَمسح ظاهرَ (كَفَّيْهِ بِرَاحَتَيْهِ (١)) استحبابًا؛ لحديثِ عمَّارٍ وتَقدَّم. فإن قِيل: قد ذُكِر (٢) في حديثِ عمارٍ لفظُ: «المَرفِقَين» (٣)، فتَكون مفسِّرةً للمرادِ ب «الكَفَّين». أُجيبَ: بأنَّه لا يُعوَّل على هذا الحديثِ، إنَّما رَواه سلمةُ وشكَّ فيه، ذكَرَه النَّسائيُّ، مع أنَّه قد أُنكِر عليه، وخالفَ به سائرَ الرُّواةِ الثِّقاتِ. ولو مسَح وجهَه بيَمينِه، ويَمينَه بيَسارِه، أو عكَس؛ صحَّ. (وَيُخَلِّلَ أَصَابِعَهُ)؛ ليَصِلَ التُّرابُ إلى ما بينَها. وإن مسَح بضَربتَين: بإِحداهُما وجهَه، وبالأُخرى يدَيه؛ جازَ (٤).

стр. 213

(بَابُ إِزَالَةِ (١) النَّجَاسَةِ) الحكمِيَّةِ أي: الطَّارئةِ على محلٍّ طاهرٍ. والمرادُ ب «إزالتِها»: تَطهيرُ مَواردِها. وذكَرَ أيضًا النَّجاساتِ، وما يُعفَى عنه منها. وخرَج ب «الحُكميَّةِ»: العَينيَّةُ؛ كعَظمِ مَيتةٍ وجِلدِها، فإنَّها لا تَطهُر بحالٍ. (يَجِبُ) أي: يشترَطُ (لِ) تطهيرِ (كُلِّ مُتَنَجِّسٍ) حتى أسفلِ خُفٍّ وحذاءٍ (٢)، وذيلِ امرأةٍ: (سَبْعُ غَسَلَاتٍ (٣))؛ لعمومِ حديثِ ابنِ عمرَ: «أُمِرْنا بغَسلِ الأَنجاسِ سَبعًا» (٤)، فيَنصرف إلى أَمرِه ﷺ . ويُعتبر في كلِّ غَسلةٍ: أن تَستوعِبَ المحلَّ، ويُحسَب العددُ مِنْ أوَّلِ (٥) غَسلةٍ (٦).

стр. 214

وتَكفي السَّبعُ (إِنْ أَنْقَتِ) النَّجاسةَ وأَذهبَتْها، (وَإِلَّا) تُنْقِ النَّجاسةَ؛ (فَ) يزيد على السَّبعِ (حَتَّى تُنْقِيَ) أي: إلى أن تَذهب النَّجاسةُ. ولا بدَّ أن تَكون كلُّ غُسلةٍ مِنْ السَّبعِ فما فَوقَها (بِمَاءٍ طَهُورٍ)؛ لحديثِ أسماءَ قالت: جاءَت امرأةٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالت: إِحدَانَا يُصِيبُ ثَوبَها مِنْ دَمِ الحَيضةِ، كيف تَصنع؟ قال (١): «تَحُتُّه بالماءِ، ثمَّ تَنضَحُه (٢)، ثمَّ تُصلِّي فيه» متَّفق عليه (٣)، و «أمَر بِصَبِّ ذَنوبٍ مِنْ ماءٍ فأُهرِيقَ على بولِ الأعرابيِّ» (٤)، والذَّنوبُ وِزَانُ «رَسولٍ»: الدَّلْوُ العظيمةُ، قالوا: ولا تُسمَّى ذَنوبًا حتَّى تَكون مَملوءةً، ويُذكَّر ويُؤنَّث. وقولُه: «فأُهرِيقَ» أي: صُبَّ، وفيه الجمعُ بينَ الهاءِ والهمزةِ، وهو قليلٌ؛ لأنَّ الهاءَ في الأصلِ بَدلٌ مِنْ الهمزةِ، لكن عندَ الجمعِ بينَهما كما هُنا يُلحظ في الهاءِ كَونُها عِوَضًا عن حركةِ الياءِ في الأصلِ، ولهذا لا يَصير الفِعلُ بهذه الزيادةِ خماسيًّا (٥). (مَعَ حَتٍّ وَقَرْصٍ (٦)) لمحلِّ النَّجاسةِ، والحَتُّ: الحَكُّ (٧) بطَرفِ حَجرٍ أو عُودٍ، والقَرْصُ بالصاد المُهمَلةِ: الدَّلْكُ بأطرافِ الأصابعِ والأظفارِ، مع صبِّ الماءِ عليه، (لِحَاجَةٍ) إلى ذلك، ولو في كلِّ مرَّةٍ، إن لم يَتضرَّر المحلُّ، فيَسقط.

стр. 215

(وَ) مع (عَصْرٍ) لمغسولٍ تَشرَّب النَّجاسةَ بحسَبِ الإمكانِ، بحيثُ لا يُخاف فسادُه. ويُفعل العَصرُ (كُلَّ مَرَّةٍ) مِنْ السَّبعِ (خَارِجَ المَاءِ)؛ ليَحصُلَ انفصالُ الماءِ عنه، فإن عصَرَه في الماء ولو سبعًا؛ فغسلةٌ واحدةٌ، يَبني عليها. فإن لم يُمكِن عَصْرُ ما تَشرَّب النَّجاسةَ؛ دَقَّه وقَلَّبه (١) أو ثَقَّله، كلَّ غَسلةٍ حتى يَذهبَ أكثرُ ما فيه مِنْ الماء، ولا يَكفي عن عَصْرِه تَجفيفُه. وما لا يَتشرَّب يَطهر بمرورِ الماءِ عليه وانفصالِه عنه. (فَإِنْ كَانَتِ) النَّجاسةُ (مِنْ كَلبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ (٢))، أو متولِّدٍ منهما، أو مِنْ أَحدِهما (٣)؛ (وَجَبَ) في تطهيرِها (٤) (تُرَابٌ طَهُورٌ (٥))، فلا يَكفي ترابٌ نَجسٌ، ولا مستعمَلٌ (٦).

стр. 216

(أَوْ نَحْوُهُ) أي: التُّرابِ، مِنْ أُشْنانٍ (١)، وصابونٍ، ونُخَالةٍ، ونحوِ ذلك ممَّا له قوَّةُ الإزالةِ. (يَعُمُّ) التُّرابُ ونحوُه (المَحَلَّ) المتنجِّسَ (مَعَ المَاءِ (٢))؛ لحديثِ مسلمٍ عن أَبي هريرةَ مرفوعًا: «إذا وَلَغَ الكَلبُ في إناءِ أَحدِكم فَلْيَغسِلْه سَبعًا، أُولاهنَّ بالتُّرابِ» (٣). وقولُ المصنِّفِ (٤): «مَعَ المَاءِ» إشارةٌ إلى أنَّه لا بدَّ مِنْ مَزجِ التُّرابِ بالماء، ليُوصِله (٥) الماءُ إلى المحلِّ المتنجِّسِ، فلا يَكفي مائعٌ غيرُ الماءِ، ولا ذَرُّه وإتباعُه الماءَ. والأَوْلى جَعلُ التُّرابِ في الأُولى (٦)؛ لموافقةِ لفظِ الخبرِ، ولِيأتي الماءُ

стр. 217

بعدَه فيُنظِّفه، فإن جعَله في غيرِها جازَ؛ لأنَّه رُوِي في حديثٍ: «إحداهُنُّ بالتُّراب» (١). (إِلَّا فِيمَا) أي: محلٍّ (يَضُرُّهُ) التُّرابُ، (فَيَكْفِي مُسَمَّاهُ) أي: أقلُّ شيءٍ يُسمَّى ترابًا؛ دَفعًا للضَّرر. (وَيَكْفِي فِي) تطهيرِ (أَرْضٍ (٢) تَنَجَّسَتْ بِمَائِعٍ)؛ كبولٍ، أو نجاسةٍ ذاتِ جِرمٍ أُزيل عنها، ولو مِنْ كلبٍ أو خنزيرٍ: (غَسْلَةٌ) واحدةٌ (تَذْهَبُ بِالنَّجَاسَةِ) أي: بلَوْنِها ورِيحِها؛ لحديثِ أنسٍ قال: «جاءَ أعرابيٌّ، فبالَ في طائفةِ المسجدِ، فزَجَرَه النَّاسُ، فنَهاهُم النبيُّ ﷺ ، فلمَّا قضَى بَولَه أَمَر بذَنوبٍ مِنْ ماءٍ، فأُهرِيقَ عليه» (٣). فإن بَقِيَا، أو أَحدُهما؛ لم تَطهُر (٤) ما لم يَعجِز، فلا يَضرُّ بَقاؤُهما، بخلافِ طَعمِ النَّجاسةِ، فلا بدَّ مِنْ زَوالِه (٥). وفُهِم ممَّا تَقدَّم: أنَّ الأرضَ لو اختَلطَت بنجاسةٍ ذاتِ أجزاءٍ متفرِّقةٍ؛ كالرِّمَمِ، والدَّمِ إذا جفَّ، والرَّوثِ إذا اختَلَط بأجزاءِ الأرضِ؛ فإنَّها لا تَطهُر بالغَسلِ، بل بإزالةِ أجزاءِ المكانِ، بحيثُ يُتيقَّن زوالُ أجزاءِ النَّجاسةِ. (وَلَا تَطْهُرُ) أرضٌ تنجَّسَت، ولا غيرُها مِنْ المُتنجِّساتِ (بِشَمْسٍ، وَ) لا

стр. 218

(رِيحٍ، وَلَا دَلْكٍ (١))؛ لأنَّه « ﷺ أمَر بغَسلِ بولِ الأعرابيِّ»، ولو كان ذلك يُطهِّر؛ لاكْتُفِيَ به. (وَلَا) تَطهُر النَّجاسةُ أيضًا ب (اسْتِحَالَةٍ) أي: انتقالٍ مِنْ صفةٍ إلى صفةٍ، فالمتولِّدُ منها؛ كدودِ جُرحٍ، وصَراصِرِ كُنُفٍ، وكلبٍ وقعَ في مَلَّاحةٍ فصارَ مِلحًا؛ نَجسٌ (٢)؛ لأنَّه « ﷺ نهَى عن أكلِ الجَلَّالةِ وأَلبانِها» (٣)؛ لأكلِها النَّجاسةَ، ولو طَهُرَت بالاستِحالةِ لم يَنْهَ عن ذلك. (إِلَّا) عَلَقةٌ يُخلق منها حيوانٌ طاهرٌ، فتَطهُر بذلك (٤). وإلّا (خَمْرَةٌ تَنْقَلِبُ خَلًّا بِنَفْسِهَا)، فتَطهُر؛ لأنَّ نَجاستَها لشِدَّتِها المُسكِرَةِ الحادثةِ لها، وقد زالَتْ مِنْ غيرِ نجاسةٍ خَلَّفَتها؛ كالماء المتغيِّرِ الكثيرِ يَزول تَغيُّرُه بنَفسِه. وكذا لو انقلَبَت خَلًّا بنَقلِها مِنْ دَنٍّ إلى دَنٍّ (٥)، أو مِنْ موضعٍ إلى غيرِه بلا قصدِ تَخليلٍ. وحَرُم تَخليلُها ولو ليَتيمٍ (٦)؛ لحديثِ مسلمٍ عن أنسٍ قال: سُئِل النبيُّ ﷺ

стр. 219

عن الخَمرِ (١) تُتَّخذ خَلًّا، قال: «لا» (٢). والنَّبيذُ كالخَمرِ فيما تَقدَّم. فإن خُلِّلَت ولو بنَقلٍ لقَصدِ تَخليلٍ؛ لم تَطهُر. ودَنُّها مِثلُها (٣)، فيَطهُر بطَهارتِها، ولو ممَّا لم يُلاقِ الخَلَّ ممَّا أصابَه الخَمرُ في غَلَيانِه (٤)؛ كمُحتفَرٍ مِنْ أرضٍ طَهُر ماؤُه بمُكثٍ أو بإضافةٍ. ويَدخل في ذلك (٥): ما بُني في الأرضِ مِنْ الصَّهاريجِ والبَحراتِ، بخلافِ إناءٍ طَهُر ماؤُه، لكن إذا انفصلَ حُسِبَت غَسلةً واحدةً. وحَرُم على غيرِ خلَّالٍ إمساكُ خَمرٍ لتُخلَّل، بل تُراقُ في الحالِ، فإن خالفَ فصارَ خَلًّا بغيرِ تَخليلٍ؛ طَهُر. والخلُّ المباحُ: أن يُصبَّ على العِنَبِ أو العصيرِ خلٌّ قبلَ غَلَيانِه، وقبلَ أن تَمضي عليه ثلاثةُ أيَّامٍ بلَياليهِنَّ حتى لا يَغليَ، قِيل للإمامِ أحمدَ ﵀: فإن صُبَّ عليه خلٌّ فغَلَى؟ قال: يُهراقُ (٦). (وَلَا يَطْهُرُ دُهْنٌ (٧)) تَنجَّس

стр. 220

(بِغَسْلٍ (١))؛ لأنَّه لا يُتحقَّق وصولُ الماءِ إلى جميعِ أجزائِه، وإلَّا لم يأمُر النبيُّ ﷺ بإراقةِ السَّمنِ الذي وقعَت فيه الفأرةُ (٢). (وَلَا) يَطهُر باطنُ (حَبٍّ تَشَرَّبَها) أي: النَّجاسةَ، (أَوْ) أي: ولا تَطهُر (٣) (سِكِّينٌ سُقِيَتْهَا (٤)) أي: النَّجاسةَ، كما لو سُقِيَت ماءً نَجسًا، أو بولًا، أو نحوَه مِنْ النَّجاساتِ؛ لأنَّ الغَسلَ لا يَستأصلُ أجزاءَ النَّجاسةِ. (وَيُجْزِئُ فِي) تطهيرِ (بَوْلِ غُلَامٍ لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا لِشَهْوَةٍ (٥) غَمْرُهُ) أي: البولِ، أي: سَتْرُه (بِالمَاءِ) وإن لم يَنفصل الماءُ عن مَحلِّه. والمرادُ: أنَّه يَطهُر بغَسلةٍ واحدةٍ، ولا يَحتاج إلى مَرْسٍ ولا عَصرٍ؛ لحديثِ أمِّ قَيسٍ بِنتِ مِحْصَنٍ: «أنَّها أتَت بابنٍ لها صغيرٍ لم يَأكل الطَّعامَ إلى النبيِّ ﷺ ، فأَجلَسه في حَجرِه، فبالَ على ثَوبِه، فدَعَا بماءٍ، فنَضَحَه ولم يَغسله» متَّفق عليه (٦)، وقولُها: «لم يَأكل الطَّعامَ»، أي: بشهوةٍ (٧) واختيارٍ وطلبٍ، لا عدمُ أَكلِه

стр. 221

بالكلِّيَّةِ؛ لأنَّه يُسقى الأدويةَ والسُّكَّر، ويُحنَّك حينَ الولادةِ. وقَيئُه كبَولِه، بل هو أخفُّ. وعُلِم منه: أنَّه لو أكلَ الطَّعامَ لشهوةٍ؛ غُسِل سَبعًا (١)، وأنَّه يُغسَل غائطُه سبعًا (٢) مطلقًا، وأنَّ بول الأنثى والخنثى يُغْسَل سبعًا (٣)؛ لقولِه ﵇: «إنَّما يُغسَل مِنْ بَولِ الأُنثى، ويُنضَح مِنْ بَولِ الذَّكرِ» رَواه أبو داودَ (٤). والحكمةُ فيه: أنَّ بولَ الغُلامِ يَخرج بقوَّةٍ، فينتشِر، وأنَّه يَكثر حَملُه على الأَيدي، فتَعظُم المشقَّةُ بغَسلِه (٥)، أو أنَّ مِزاجَه حارٌّ، فبَولُه رَقيقٌ، بخلافِ الجاريةِ. وقال الشافعيُّ ﵀: لم يَتبيَّن لي فرقٌ مِنْ السُّنَّةِ بينَهما. وذكَر بعضُهم أنَّ الغلامَ أَصلُه مِنْ الماء والتُّرابِ، والجاريةَ مِنْ اللَّحمِ والدَّمِ، وقد أفادَه ابنُ ماجَه في «سُنَنِه» (٦)، وهو غريبٌ. (وَإِنْ خَفِيَ مَوْضِعُ نَجَاسَةٍ) في بَدنٍ، أو ثَوبٍ، أو مُصلًّى صغيرٍ؛ (غُسِلَ) وجوبًا ما احتَملَ أنَّ النَّجاسةَ أَصابَتْه، (حَتَّى يُتَيَقَّنَ زَوَالُهَا) أي: النَّجاسةِ، فلا يَكفي الظَّنُّ؛ ليَخرج مِنْ العُهدةِ بيَقينٍ. فإن جَهِل جِهَتَها مِنْ نحوِ ثوبٍ؛ غسَلَه كلَّه، وإن عَلِمَها في إحدَى يدَيه أو

стр. 222

كُمَّيه، ونَسِيَه؛ غسَلَهما. ويُصلِّي في صحراءَ ونحوِها، كحوشٍ واسعٍ خَفِيَت فيه النَّجاسةُ بلا تَحرٍّ، وتَقدَّم. (وَيُعْفَى) في غيرِ مائعٍ ومَطعومٍ، بل في صلاةٍ وطوافٍ، (عَنْ يَسِيرِ دَمٍ، وَقَيْحٍ) وهو الأبيضُ الخاثِرُ، الذي لا يُخالطه دَمٌ، (وَصَدِيدٍ) وهو الدَّمُ المختلِطُ بالقَيحِ، فيُعفى عن يسيرِ ذلك، (بِ) نحو (١) (ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ (٢))، إذا كان (مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ) في الحياة، مِنْ مُصلٍّ وغيرِه، ولو دَمَ حَيضٍ ونِفاسٍ، لا مِنْ حيوانٍ نَجسٍ؛ كحمارٍ، أو مِنْ سَبيلٍ؛ لأنَّه كالبَولِ (٣). وقَدْرُ اليسيرِ مِنْ ذلك: ما لا يَنقض الوضوءَ، أي: ما لا يَفحُش في النَّفسِ، ويُضمُّ (٤) متفرِّقٌ بثَوبٍ لا أكثرَ (٥). (وَ) يُعفى أيضًا (عَنْ أَثَرِ اسْتِجْمَارٍ بِمَحَلِّهِ (٦)) بعدَ الإنقاءِ واستِيفاءِ العددِ،

стр. 223

بلا خلافٍ. وعُلِم منه: أنَّه لو تَعدَّى مَحلَّه إلى الثَّوبِ أو البَدنِ؛ لم يُعفَ عنه. (وَلَا (١) يَنْجُسُ آدَمِيٌّ) ولو كافرًا بموتٍ (٢)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، ولحديثِ: «إنَّ المؤمنَ لا يَنجُس» (٣)، ولأنَّه لو نَجُس لم يَطهُر بالغَسلِ (٤). وأجزاؤُه وأبعاضُه كجُملتِه. (وَلَا) يَنجُس (مَا لَا نَفْسَ) أي: دَمَ (لَهُ سَائِلَة (٥))، بالنصبِ والرَّفعِ، إتباعًا

стр. 224

لمَحلِّ اسمِ «لا»، أو لِ «لا» مع اسمِها، (بِمَوْتٍ)؛ لخبرِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «إذا وقَع الذُّبابُ في شَرابِ أَحدِكُم فَلْيَغْمِسه كُلَّه، ثمَّ ليَطْرَحْه؛ فإنَّ في أَحدِ جَناحَيه شِفاءً، وفي الآخَرِ داءً» رَواه البخاريُّ (١)، والظاهرُ مَوتُه بالغَمسِ، لا سِيَّما (٢) إذا كان الطَّعامُ حارًّا. والذي لا نَفسَ له سائلةً؛ كالخُنفُساءِ، والعَنكَبوتِ، والذُّبابِ، والنَّحلِ، والزُّنْبورِ، والنَّملِ، والدُّودِ مِنْ طاهرٍ، وكذا مَيتةُ جَرادٍ وسمكٍ، وسائرُ ما لا يَعيش إلّا في الماء. (وَبَوْلُ مَا) أي: حيوانٍ (يُؤْكَلُ لَحْمُهُ) أي: يَحلُّ أَكلُه: طاهرٌ، (وَرَوْثُهُ (٣)) أي: رَوثُ ما يُؤكَل لَحمُه طاهرٌ؛ لأنَّه « ﷺ أمَر العُرَنِيِّين أن يَلحقوا بإبلِ الصَّدقةِ، فيَشربوا مِنْ أَبوالِها وأَلبانِها» (٤)، والنَّجسُ لا يُباح شُربُه، ولو أُبيح للضَّرورةِ لأَمرَهم بغَسلِ أَثرِه إذا أَرادوا الصَّلاةَ، «وكان ﷺ يُصلِّي في مَرابِضِ الغَنمِ» (٥)، «وأمَر بالصَّلاة فيها» (٦). (وَمَنِيُّهُ) أي: مَنيُّ ما يُؤكَل لَحمُه؛ طاهرٌ؛ كبَولِه وأَولى. (وَمَنِيُّ آدَمِيٍّ) طاهرٌ؛ لقولِ عائشةَ: «كنتُ أَفرُك المَنيَّ مِنْ ثوبِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ثمَّ يَذهب فيُصلِّي فيه» متَّفق عليه (٧)، وقال ابنُ عبَّاسٍ: «امسَحْه عنك

стр. 225

بإِذْخِرَةٍ أو خِرقةٍ، فإنَّما هو بمَنزلةِ المُخاطِ والبُصاقِ» رَواه سعيدٌ (١)، ورَواه الدارَقُطنيُّ مرفوعًا (٢)، وفارق البولَ والمَذيَ: بأنَّه بَدءُ خَلقِ آدميٍّ. (وَعَرَقُهُ) أي: عرقُ ما يُؤكَل لَحمُه؛ طاهرٌ، (وَرِيقُهُ طَاهِرٌ (٣))؛ كبَولِه وأَولى. (وَكَذَا) أي: كما تَقدَّم في طَهارتِه: (سُؤْرُ هِرٍّ)، بضمِّ السِّينِ المهملة (٤)، وبالهمزةِ (٥)، وهو فَضْلَةُ طَعامِه وشَرابِه، (وَ) سُؤرُ (مَا) أي: حيوانٍ (دُونَهُ) أي: دونَ الهِرِّ أو مِثلَه (خِلْقَةً)، بالنصبِ على التَّميِيزِ، أي: مِنْ جهةِ الخِلقةِ، سواءٌ كان طيرًا أو غيرَه (٦). فلَو أكَل هِرٌّ أو نحوُه (٧) أو طفلٌ نجاسةً، ثمَّ شَرِب ولو قبلَ أن يَغيب مِنْ ماءٍ يسيرٍ؛ فطَهورٌ. قال ابنُ تَميمٍ: فيَكون الرِّيقُ مطهِّرًا لها. انتهى (٨).

стр. 226

فدلَّ على أنَّه لا يُعفى عن نجاسةٍ بيَدِ بَهيمةٍ أو رِجلِها (١)، نصَّ عليه (٢)، وكذا هِرٌّ وطفلٌ (٣). (وَسِبَاعُ البَهَائِمِ) مبتدأٌ، خبرُه مع ما عُطِف عليه قولُه الآتي: «نَجِسٌ»، (وَ) سباعُ (الطَّيْرِ) أي: السِّباعُ مِنْ النَّوعَين (مِمَّا فَوْقَ الهِرِّ) خِلقةً: نَجسٌ؛ وذلك كالأسدِ والنَّمِرِ والذِّئبِ والفَهْدِ والخِنزيرِ والعُقابِ والصَّقرِ. (وَالحِمَارُ الأَهْلِيُّ) نَجسٌ، (وَالبَغْلُ) المتولِّدُ (٤) (مِنْهُ) أي: مِنْ الحمارِ الأهليِّ؛ نَجسٌ، وعُلِم منه: أنَّ الحمارَ الوحشيَّ والبَغلَ منه طاهِران. (وَعَرَقُهُ) أي: عرقُ ما ذُكِر مِنْ سباعِ البهائمِ والطَّيرِ، إلخ؛ نَجسٌ، (وَرِيقُهُ) نَجسٌ؛ لتَولُّدِهما مِنْ النَّجسِ. (وَكُلُّ مُسْكِرٍ) خمرًا كان أو نَبيذًا؛ (نَجِسٌ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ … ﴾ إلى قولِه: ﴿رِجْسٌ﴾، ولأنَّه يَحرُم تَناوُلها مِنْ غيرِ ضَررٍ، أَشبَه الدَّمَ (٥)، ولقولِه ﷺ : «كلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وكلُّ خَمرٍ حرامٌ» رَواه مسلمٌ (٦)، ولأنَّ

стр. 227

النَّبيذَ شرابٌ فيه شِدَّةٌ مُطرِبةٌ، أَشبَه الخَمرَ. قال في «شرحِ المنتهى»: وكذا الحَشِيشةُ المُسكِرةُ (١). قال المصنِّف: والمراد بعد علاجها؛ كما يدلُّ عليه كلام الغزي في شرحه على منظومته. انتهى (٢)، ووجهه: أنَّها قبل ذلك نبات طاهر، والله أعلم (٣).

стр. 228

(بَابٌ) بالتَّنوينِ وعَدمِه (الحَيْضُ (١)) لغةً: السَّيَلانُ، مِنْ قولِهم: حاضَ الوادي: إذا سالَ، يُقال: حاضَت المرأةُ، تَحيض حَيضًا ومَحِيضًا، فهي حائضٌ وحائضةٌ: إذا جرَى دَمُها، وتَحيَّضَت: قعَدَت أيَّامَ حَيضِها عن الصَّلاةِ. ويُسمَّى أيضًا: الطَّمْثَ، والعِراكَ، والضَّحِكَ. وهو شرعًا: دَمُ طَبيعةٍ وجِبِلَّة، تُرخِيه الرَّحِمُ (٢)، يَعتاد أُنثى إذا بلَغَت، في أوقاتٍ معلومةٍ (٣). والحيضُ (يَمْنَعُ) أشياءَ: (الغُسْلَ لَهُ) أي: للحيضِ، فلا يصحُّ؛ لقيامِ مُوجِبه، ولا يَمنع الغُسلَ لجنابةٍ

стр. 229

أو نحوِ إحرامٍ، بل يُسنُّ. (وَ) يَمنع (الوُضُوءَ)، فلا يصحُّ؛ لِما تَقدَّم. (وَ) يَمنع فِعلَ (الصَّلَاةِ)، ولو سجدةَ تلاوةٍ لمُستمِعةِ قراءةِ آيةِ سجدةٍ؛ لِقيام المانعِ بها. (وَ) يَمنع (وُجُوبَهَا (١)) أي: الصَّلاةِ إجماعًا (٢). (وَ) يَمنع (فِعْلَ صَوْمٍ) إجماعًا (٣)؛ لقولِه ﷺ : «أَلَيسَتْ إِحداكُنَّ إذا حاضَتْ لَم تَصُمْ ولَم تُصَلِّ؟» قُلْن: بلَى. رَواه البخاريُّ (٤)، وعُلِم منه: أنَّه لا يَمنع وجوبَه. (وَ) يَمنع فِعلَ (طَوَافٍ)؛ لقولِه ﷺ لعائشةَ حينَ حاضَت: «افْعَلِي ما يَفعل الحاجُّ، غيرَ أن لا تَطُوفِي بالبيتِ حتى تَطهُري» متَّفق عليه (٥)، وأمَّا وجوبُه فباقٍ، فتَفعله إذا طَهَرَت، لكن يَسقط عنها طوافُ الوداعِ، على ما يَأتي. (وَ) يَمنع فِعلَ (اعْتِكَافٍ)؛ لأنَّه لُزومُ مسجدٍ على وجهٍ مخصوصٍ، وقد قال ﷺ : «لا أُحِلُّ المسجدَ لِحائضٍ ولا جُنُبٍ» رَواه أبو داودَ (٦). (وَ) يَمنع (وَطْئًا فِي فَرْجٍ (٧))؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ

стр. 230

وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، ولقولِه ﷺ : «اصْنَعُوا كُلَّ شَيءٍ إلّا النِّكاحَ» رَواه مسلمٌ (١). (إِلَّا لِمَنْ بِهِ شَبَقٌ) أي: شِدَّةُ شهوةِ النِّكاحِ، (بِشَرْطِهِ (٢))، بأن يَخاف تَشقُّقَ أُنثَيَيه إن لم يَطَأ، ولا تَندفع شهوتُه بدُونِه في الفَرجِ، ولا يَجِد غيرَ الحائضِ مِنْ زوجةٍ أو سُرِّيَّةٍ، ولا يَقدِر على مَهرِ حُرَّةٍ أو ثَمنِ أَمَةٍ (٣). (وَيَجِبُ بِهِ) أي: بوطءِ الحائضِ في الفَرجِ قبلَ انقطاعِ الدَّمِ، سواءٌ كان في أوَّلِ الحيضِ أو آخرِه: (دِينَارٌ أَوْ نِصْفُهُ) أي: نِصفُ الدِّينارِ، (كفَّارةً) لذلك (٤)، على التَّخييرِ، بشرطِ أن يَكون الواطئ (٥) ممَّن يُجامِع مِثلُه، وهو ابنُ عَشرٍ وبنتُ تسعٍ (٦)، وأن يُولِج الحَشَفةَ أو قَدْرَها، ولو بحائلٍ لَفَّه على ذَكرِه، وذلك لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا في الذي يَأتي امرأتَه وهي حائضٌ قال: «يَتصدَّق بدِينارٍ، أو نِصفِ دِينارٍ» رَواه أحمدُ وأبو داودَ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ (٧).

стр. 231

وتَخييرُه بينَ الشَّيءِ ونِصفِه؛ كتَخييرِ المسافِرِ بينَ القَصرِ والإتمامِ (١). والدِّينارُ هنا: المِثقالُ مِنْ الذَّهبِ، مضروبًا أو لا، وتُجزِئ قِيمتُه مِنْ الفضَّةِ فقط. وتَجِب الكفَّارةُ ولو كان الواطئُ مُكرَهًا، أو ناسيًا، أو جاهلًا الحيضَ والتَّحريمَ. وكذا هي إن طاوَعَتْه، فإن أَكرَهَها؛ فلا كفَّارة عليها، قال المصنِّفُ: (وقِياسُه لو كانت ناسيةً أو جاهلةً) (٢). ومَصرِفها إلى مَنْ له أخذُ زكاةٍ لحاجةٍ (٣)؛ كبقيَّةِ الكفَّاراتِ ونَذرٍ (٤) مُطلَقٍ، وتُجزِئ إلى واحدٍ، وتَسقط بعَجزٍ (٥). وإن كرَّر الوطءَ في حَيضةٍ أو حَيضتَين؛ فكالصومِ إذا كرَّر الوطءَ فيه في يومٍ أو يومَين، فلِكُلِّ حَيضةٍ كفَّارةٌ، كما أنَّ لكلِّ يومٍ كفَّارةً ولو لم يُكفِّر (٦).

стр. 232

وبَدنُ الحائضِ طاهرٌ، ولا يُكره عَجنُها ونحوُه، ولا وضعُ يَدِها في مائعٍ. (وَيَسْتَمْتِعُ) جوازًا زوجٌ أو سيِّد (مِنْهَا) أي: مِنْ الحائضِ (بِمَا دُونَ فَرْجٍ) أي: بما سِوى الفَرجِ (١)؛ كقُبلةٍ، ولَمسٍ، ووَطءٍ دونَ الفَرجِ، زادَ في «الاختيارات»: (والاستِمناء بيَدِها) (٢)؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، قال ابنُ عبَّاسٍ: «فاعْتَزِلُوا نِكاحَ فُرُوجِهنَّ» رَواه عبدُ بنُ حُميدٍ، وابنُ جَريرٍ (٣)، ولأنَّ المَحِيضَ اسمٌ لمكانِ الحيضِ في ظاهرِ كلامِ الإمامِ أحمدَ، وقالَه ابنُ عقيلٍ؛ كالمَقِيلِ والمَبِيتِ، فيَختصُّ التَّحريمُ بمكانِ الحيضِ (٤) وهو الفَرجُ، ويُسنُّ سَترُه إذَنْ. (وَإِذَا انْقَطَعَ) دَمُ الحيضِ؛ (لَمْ يُبَحْ) ممَّا يَحرُم على الحائضِ (قَبْلَ غُسْلِ) هَا أو تيمُّمِها (٥) لعَدمِ الماءِ (٦) (غَيْرُ صَوْمٍ)، فإن (٧) انقطَع دَمُها (٨) قبلَ الفجرِ؛ جازَ

стр. 233

لها أن تَنوي الصَّوم (١)؛ لأنَّ وجوبَ الغُسلِ لا يَمنع فِعلَ (٢) الصَّومِ؛ كالجنابةِ. (وَ) غيرُ (طَلَاقٍ)، فبِانقطاعِ الدَّمِ يُباح لزوجِها تَطليقُها؛ لأنَّ تحريمَه لتطويلِ العِدَّةِ بالحيض، وقد زالَ ذلك. وعُلِم منه: أنَّ الحيضَ يَمنع أيضًا سُنَّةَ طلاقٍ، فيَكون بِدعةً محرَّمةً، كما سيَأتي، لكنْ مَحلُّه ما لم تَسأله خُلعًا، أو طلاقًا على عِوَضٍ (٣). ويُباح أيضًا بعدَ انقطاعِه: لُبثٌ بمسجدٍ بوضوءٍ، كما تَقدَّم في الغُسل، فالحَصرُ إضافيٌّ (٤). (وَتَقْضِي) الحائضُ (الصَّوْمَ) الواجبَ إجماعًا، قالَه في «المبدِع» (٥)؛ لأنَّ الحيضَ إنَّما يَمنع فِعلَه، لا وجوبَه.

стр. 234

و (لَا) تَقضي (الصَّلَاةَ) إجماعًا (١)، بل يَحرُم عليها؛ لحديثِ مُعاذةَ قالت: سألتُ عائشةَ فقلتُ: ما بالُ الحائضِ تَقضي الصَّومَ ولا تَقضي الصَّلاةَ؟ فقالت: أحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟ فقلتُ: لستُ بحَرُورِيَّةٍ، ولكنِّي أسألُ، فقالت: «كنَّا نَحيض على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فنُؤمَر بقضاءِ الصَّومِ، ولا نُؤمَر بقضاءِ الصَّلاةِ» متَّفق عليه (٢)، ومعنى قولِها: «أَحَرُورِيَّةٌ؟» الإنكارُ عليها أن تَكون مِنْ أهلِ حَرُورَاءَ (٣)، مكانٍ تُنسَب إليه الخوارجُ، لأنَّهم يَرون قضاءَ الحائضِ الصَّلاةَ كالصَّوم؛ لفَرطِ تَعمُّقِهم في الدِّين حتى مَرَقُوا منه. قال في «الفروع»: (ولعلَّ المرادَ: إلّا ركعتَي الطَّوافِ؛ لأنَّهما نُسكٌ لا آخرَ لوقتِه، فيُعايا بها) (٤) انتهى. يَعني: لو حاضَت بعدَ الطَّوافِ قبلَ صلاةِ ركعتَيه؛ فإنَّها تُصلِّيهما (٥) إذا طهَرَت، وتسميةُ ذلك قضاءً تَجوُّزٌ؛ لأنَّه لا آخرَ لوقتِها. (وَلَا حَيْضَ قَبْلَ) تَمامِ (تِسْعِ سِنِينَ) هِلاليَّةٍ، فمَتى رأَت دَمًا قبلَ بلوغِ التِّسعِ؛ لم يَكُنْ حَيضًا؛ لأنَّه لم يُوجَد مِنْ النِّساءِ مَنْ تَحيض قَبلَها، قال التِّرمذيُّ: قالت عائشةُ: «إذا بلَغَت الجاريةُ تِسعَ سِنين فهي امرأةٌ» (٦). (وَلَا) حَيضَ (بَعْدَ) تَمامِ (خَمْسِينَ سَنَةً)؛ لقولِ عائشةَ: «إذا بلَغَت المرأةُ

стр. 235

خَمسين سنةً خرَجَت مِنْ حَدِّ الحيضِ» ذكَرَه الإمامُ أحمدُ (١). ولا فرقَ بينَ نساءِ العربِ وغيرِهنَّ. (وَلَا) حَيضَ (مَعَ حَمْلٍ) (٢) نصًّا (٣)؛ لحديثِ أَبي سعيدٍ مرفوعًا في سَبْيِ أوْطاسٍ: «لا تُوطَأُ حاملٌ حتَّى تضَع، ولا غيرُ ذاتِ حَملٍ حتَّى تَحيضَ» رَواه أحمدُ وأبو داودَ (٤)، فجعَل الحيضَ عَلَمًا على بَراءةِ الرَّحِمِ، فدَلَّ على أنَّه لا يَجتمع معه. فإذا رأَت الحاملُ دَمًا؛ فهُو دَمُ فسادٍ، لا تَترك له الصَّلاةَ، ولا يُمنع زوجُها مِنْ وَطئِها، ويُستحبُّ أن تَغتسل بعدَ انقطاعِه نصًّا (٥). (وَأَقَلُّهُ) أي: أقلُّ زمنٍ يَصلح أن يَكون دَمُه حَيضًا: (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ)؛ لقولِ عليٍّ ﵁ (٦)، والمرادُ مِقدارُ ذلك، أي: أربعٌ وعِشرون ساعةً، فلَو انقطَع لأقلَّ منه؛

стр. 236

فدَمُ فسادٍ. (وَأَكْثَرُهُ) أي: الحَيضِ: (خَمْسَةَ عَشَرَ) يومًا بلَياليها؛ لقولِ عليٍّ ﵁: «ما زادَ على خمسةَ عشرَ استِحاضةٌ، وأقلُّ الحَيضِ يومٌ وليلةٌ» (١). (وَغَالِبُهُ) أي: الحَيضِ: (سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ)؛ لقولِه ﵇ لِحَمْنَةَ: «تَحيَّضي في عِلمِ اللهِ ستَّةَ أيَّامٍ أو سبعةً، ثمَّ اغْتَسِلي وصَلِّي أربعةً وعِشرينَ يومًا أو ثلاثةً وعِشرينَ يومًا، كما تَحِيضُ النِّساءُ وكما يَطْهُرْنَ لمِيقات» (٢). وأقلُّ طُهرٍ بينَ حَيضتَين: ثلاثةَ عشرَ (٣)، وغالبُه بقيَّةُ الشَّهرِ؛ كما في حديثِ حَمْنَةَ، ولا حدَّ لأَكثرِه. واعْلَم: أنَّ المبتدَأةَ بدَمٍ أو صُفرةٍ أو كُدرةٍ (٤) وهي التي ابتدأَ بها شيءٌ مِنْ

стр. 237

ذلك بعدَ تِسعِ سِنينَ فأكثرَ تَجلس بمجرَّدِ ما تَراه (١) أَقلَّه (٢)، ثمَّ تَغتسل وتُصلِّي، فإذا انقطَع ولم يُجاوِز أكثرَه؛ اغْتَسلَت أيضًا، تَفعله ثلاثًا، فإن لم يَختلف؛ صارَ عادةً تَنتقل إليه، وتُعيد صَومَ فَرضٍ ونحوه فيه (٣). (وَإِنِ اسْتُحِيضَتْ مَنْ) أي: امرأةٌ (لَهَا عَادَةٌ) مستقِرَّةٌ، واستِحاضتُها (بِأَنْ جَاوَزَ دَمُهَا أَكْثَرَ الحَيْضِ)، وهو خمسةَ عشرَ كما تَقدَّم؛ (جَلَسَتْهَا) أي: عادَتَها، ولو كان لها تَمييزٌ صالحٌ؛ لعمومِ قولِه ﷺ لأمِّ حَبيبةَ إذْ سألَتْه (٤) عن الدَّمِ: «امْكُثِي قَدْرَ ما كانت تَحبِسُك حَيضتُكِ، ثمَّ اغْتَسلي وصَلِّي» رَواه مسلمٌ (٥)، ولأنَّ العادةَ أَقوى؛ لكَونِها لا تَبطل دَلالتُها، بخلافِ نحوِ اللَّونِ إذا زادَ على أكثرِ الحيضِ بطَلَت دَلالتُه (٦). ولا فرقَ بينَ أن تَكون العادةُ متَّفِقةً (٧) أو مختلِفةً (٨)، لكن إنَّما تَجلس

стр. 238

المُستحاضةُ عادَتَها (إِنْ عَلِمَتْهَا)، بأن تَعرف شَهرَها (١)، وهو ما يَجتمع لها فيه حَيضٌ وطُهرٌ صَحيحان، وأقلُّه أربعةَ عشرَ يومًا، وتَعرف وقتَ حَيضِها منه ووقتَ طُهرِها، وعددَ أيَّامِها. فإن لم تَعلم عادَتَها؛ بأن جَهِلَت شيئًا ممَّا ذُكر؛ عَمِلَت (٢) بتَمييزٍ صالحٍ، بأن يَكون بعضُ دَمِها أسودَ أو ثَخينًا أو مُنتِنًا، ولم يَنقص عن أقلِّه، ولم يُجاوِز أكثرَه، فتَجلسه وتَترك ما عَداه. (وَصُفْرَةٌ وَكُدْرَةٌ) أي: شيءٌ كالصديدِ يَعلوه صُفرةٌ وكُدرةٌ (٣)، (زَمَنَ عَادَةٍ) أي: في أيَّامِ عادةِ حَيضِها: (حَيْضٌ) تَجلسه؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ وهو يَتناولُهما، ولأنَّ النِّساءَ كُنَّ يَبعَثن إلى عائشةَ بالدّرَجَةِ (٤) فيها الصُّفرةُ والكُدرةُ، فتَقول: «لا تَعْجَلنَ حتَّى ترَيْنَ القَصَّةَ البيضاءَ» (٥)، تُريد بذلك الطُّهرَ مِنْ الحيضِ. قال في «المصباح» ما مَعناه: والقَصَّةُ بفتحِ القافِ في الأصل (٦):

стр. 239

الجِصُّ، وجاء هذا على التَّشبيهِ، قال أبو عُبيدٍ (١): معناه أن تَخرج القُطنةُ أو الخِرقةُ التي تَحتَشي بها المرأةُ كأنها قَصَّةٌ لا تُخالطُها صُفرةٌ. انتهى (٢). وفي «الكافي» (٣): قال مالكٌ وأحمدُ: هي ماءٌ أبيضُ يَتبع الحَيضةَ (٤). وعُلِم مِنْ قولِه: «زَمَنَ عَادَةٍ» أنَّها لو رأَت صُفرةً أو كُدرةً في غيرِ زمنِ العادةِ؛ لم يَكُنْ حَيضًا ولو تَكرَّر، فلا تَجلِسُه. (وَمَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ)؛ كمُستَحاضةٍ، ومَن به سَلَسُ بولٍ، أو مَذْيٍ، أو رِيحٍ، أو جُرحٌ لا يَرقأُ دَمُه، أو رُعافٌ دائمٌ، (يَغْسِلُ) وجوبًا (مَحَلَّهُ) أي: محلَّ الحدثِ الملوَّثِ به؛ لإزالةِ ما عليه مِنْ النَّجاسةِ، ويَحشِي المحلَّ بنحوِ قُطنةٍ طاهرةٍ. (وَيَشُدُّهُ (٥)) أي: المحلَّ، أي: يَعصِبه بطاهرٍ يَمنع النَّجاسةَ حسَبَ الإمكانِ إن لم يمتنع بالحَشوِ (٦). فإن كَثُر دَمُ المُستَحاضةِ؛ اسْتَثْفَرَت بخِرقةٍ (٧) عريضةٍ مَشقوقةِ الطَّرَفَين، تَتلجَّم بها، وتُوثِق طَرفَيها (٨) في شيءٍ آخَرَ قد شَدَّته على وَسَطِها، فإن غلَب وقطَر

стр. 240

بعدَ ذلك؛ لم تَبطل طهارتُها. (وَيَتَوَضَّأُ) مَنْ حدثُه دائمٌ (لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ) إن خرَج شيءٌ؛ لقولِه ﵊ لفاطمةَ بنتِ أَبي حُبَيْشٍ: «وتَوضَّئِي لِكُلِّ صلاةٍ حتَّى يَجِيءَ ذلكَ الوقتُ» رَواه أحمدُ (١). وتَتعيَّن نيَّةُ الاستِباحةِ لدائمِ الحدثِ (٢) ولو قُلنا إنَّ طهارتَه تَرفع الحدثَ. وظاهرُ ما تَقدَّم: أنَّه لا تَبطل الطَّهارةُ بخروجِ الوقتِ؛ كما لو تَوضَّأ قبلَ طلوعِ الشمسِ، فلا تَبطل طهارتُه إذا طلَعَت، قال المجدُ (٣) وغيرُه: وهو أَولى، وجزَم به ناظمُ «المفرَداتِ» فقال (٤): وبدخولِ الوقتِ طُهرٌ يَبطلُ … لِمَنْ بها استحاضةٌ قد نَقلُوا لا بالخروجِ منه لو تطهَّرَتْ … للفجرِ لم يَبطل بشمسٍ ظَهرَتْ

стр. 241

وقال أبو يَعلَى (١): تَبطل بكلِّ واحدٍ منهما. أي: بخروجِ الوقتِ ودخولِه، وجزَم به في «الإقناع» (٢). ولا تَلزم إعادةُ غَسلٍ وعَصْبٍ لكلِّ صلاةٍ إن لم يُفرِّط. فإن لم يَخرج شيءٌ أصلًا؛ لم يَلزم أن يتوضَّأ لكلِّ صلاةٍ. ويُصلِّي دائمُ الحدثِ عَقِب طُهْرِهِ (٣) ندبًا. (وَلَا تُوطَأُ مُسْتَحَاضَةٌ)، بل يَحرُم، (إِلَّا لِخَوْفِ عَنَتٍ) أي: زِنًى منه أو منها؛ لقولِ عائشةَ: «المُستَحاضَةُ لا يَغشاها زوجُها» (٤). فإن خافَ العَنتَ أَحدُهما؛ أُبيح وَطؤُها، ولو لواجدِ الطَّولِ (٥). وكذا إن كان به شَبَقٌ شديدٌ؛ لأنَّه أخفُّ مِنْ الحيضِ، ومدَّتُه تَطول، بخلافِ الحيضِ، ولأنَّ وطءَ الحائضِ يَتعدَّى إلى الولدِ، فيَكون مجذومًا. وحيثُ حَرُم وطءُ مُستَحاضةٍ؛ فلا كفَّارةَ فيه. (وَيُسْتَحَبُّ غُسْلُهَا) أي: المُستَحاضةِ (لِكُلِّ صَلَاةٍ)؛ لأنَّ «أمَّ حَبيبةَ

стр. 242

استُحِيضَت، فسألَتِ النبيَّ ﷺ عن ذلك، فأَمرَها أن تَغتسل عندَ كلِّ صلاةٍ» متَّفق عليه (١). (وَأَكْثَرُ) مدَّةِ (النِّفَاسِ)، وهو دَمٌ تُرخِيه الرَّحِمُ مع وِلادةٍ، وقَبلَها بيَومَين أو ثلاثةٍ، مع أَمارةٍ على الولادةِ؛ كتألُّمٍ، وهو بقيَّةُ الدَّمِ المُحتبِسِ في مدَّةِ الحَملِ لأجلِه (٢)، وهو بِكسْرِ النُّونِ في الأصلِ، مصدرُ (٣) نفِستِ المرأةُ، بضمِّ النُّونِ وفتحِها مع كسرِ الفاءِ فيهما، وسمِّيت الولادةُ نفاسًا مِنَ التَّنفُّسِ، وهو التَّشقُّقُ والانصداعُ، يقال: تنفَّستِ القوسُ إذا تشقَّقت، ثمَّ سمِّي الدَّمُ الخارجُ نفسه نفاسًا؛ لكونه خارجًا بسبب الولادة، تسميةً للمسبَّب باسم السَّبب. قاله في «المطلع» (٤). (أَرْبَعُونَ يَومًا) مِنْ ابتِداءِ خروجِ بعضِ الولدِ، (وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ) أي: النِّفاسِ؛ لأنَّه لم يَرِد تَحديدُه، فرُجِع فيه إلى الوجودِ. ويَثبت حُكمُ النِّفاسِ بوضعِ ما يَتبيَّنُ (٥) فيه خَلقُ إنسانٍ (٦).

стр. 243

(فَإِنْ طَهَرَتِ) النَّفَساءُ بأن انقَطَع دَمُها (فِيهَا) أي: في الأربعينَ؛ (تَطَهَّرَتْ) وجوبًا، أي: اغتَسلَت وتَوضَّأَت، أو تَيمَّمَت، (وَصَلَّتْ) وصامَت، كسائرِ الطَّاهراتِ (١). (وَيُكْرَهُ وَطْؤُهَا) زمنَ الطُّهرِ (فِيهَا) أي: في الأربعينَ بعدَ الغُسلِ، قال أحمدُ: ما يُعجبني أن يأتيَها زوجُها، على حديثِ (٢) عثمانَ بنِ أَبي العاصِ: «أنَّها أَتَته قبلَ الأربعينَ، فقال: لا تَقرَبِيني» (٣)، ولأنَّه لا يَأمن عَودَ الدَّمِ زمنَ (٤) الوطءِ. (فَإِنْ عَادَ الدَّمُ) بعدَ انقطاعِه (فِيهَا) أي: في الأربعينَ؛ (فَ) ذلك الدَّمُ العائدُ (مَشْكُوكٌ فِيهِ) أي: في كَونِه نِفاسًا أو فسادًا؛ لتَعارُضِ الأَمارتَين فيه؛ كما لو لم تَرَه مع الولادةِ، ثمَّ رأَتْه في الأربعينَ، (فَتَصُومُ وَتُصَلِّي) معه؛ لأنَّ سببَ الوجوبِ (٥) مُتيقَّنٌ، وسُقوطُه بهذا الدَّمِ مَشكوكٌ فيه، (وَتَقْضِي الصَّوْمَ المَفْرُوضَ) ونحوَه (٦) ممَّا فَعلَته مع الدَّمِ العائدِ احتياطًا؛ لأنَّها تَيقَّنَت شَغلَ ذِمَّتِها به، فلا تَبرأُ إلّا بيَقينٍ، ولا تُوطأ (٧) في هذا الدَّمِ.

стр. 244

(وَهُوَ) أي: النِّفاسُ (كَحَيْضٍ فِيمَا تَقَدَّمَ) ممَّا يَحرُم كصلاةٍ، وصومٍ، ووَطءٍ في فَرجٍ، ويَجب كغسلٍ وكفَّارةٍ بوطءٍ فيه، ويَسقط كقضاءِ صلاةٍ، ويحلُّ كاستمتاعٍ بما دونَ فَرجٍ. إلّا في اعتِدادٍ (١)، وكَونِه لا يُوجِب بلوغًا، ولا يُحتَسب به في مدَّةِ إيلاءٍ (٢). وإن وَلدَت تَوأمَين؛ فأوَّلُ نِفاسٍ وآخرُه مِنْ الأوَّلِ، فلَو كان بينَهما أربعونَ يومًا (٣)؛ فلا نِفاسَ للثَّاني (٤). ومَن صارَت نُفَساءَ بتَعدِّيها بضربِ بَطنِها، أو شربِ دواءٍ؛ لم تَقضِ (٥).

стр. 245

(كِتَابُ الصَّلَاةِ) هي لغةً: الدُّعاءُ (١). وشرعًا: أقوالٌ (٢) وأفعالٌ مخصوصةٌ، مُفتَتحةٌ بالتكبيرِ، مُختَتمةٌ بالتَّسليمِ (٣). سُمِّيَت صلاةً؛ لاشتِمالِها على الدُّعاء، مشتقَّةٌ مِنْ الصَّلَوَين (٤)، تَثنيةُ «صَلاً» كعَصا، وهُما عِرْقان مِنْ جانبَي الذَّنَبِ (٥)، أو عَظمان يَنحنِيان في الرُّكوعِ والسُّجودِ.

стр. 246

فُرِضَت ليلةَ الإسراءِ، بعدَ مَبعثِه ﷺ بنحوِ خمسِ سِنينَ. وهي آكدُ أَركانِ الإسلامِ بعدَ الشَّهادتَين. (تَجِبُ) الخَمسُ في كلِّ يومٍ وليلةٍ (عَلَى كُلِّ) مسلمٍ (مُكَلَّفٍ) أي: بالغٍ عاقلٍ، ذكَرٍ أو أُنثى أو خُنثى، حُرٍّ أو عَبدٍ أو مُبعَّضٍ. (غَيْرِ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ)، فلا تَجِب عليهِما. ولو لم يَبلغ المسلمَ المكلَّفَ الشَّرعُ (١)، أو كان نائمًا، أو مُغطًّى عَقلُه بإغماءٍ، (فَيَقْضِي نَائِمٌ وَمُغْمًى عَلَيهِ وَنَحْوُهُ)؛ كمُغطًّى عَقلُه بشُربِ دواءٍ، وسَكرانَ ولو مُكرَهًا، (أَفَاقَ) كلٌّ منهم ما مضَى عليه مِنْ الصَّلواتِ زمنَ ذلك؛ لحديثِ: «مَنْ نامَ عن صلاةِ أو نَسِيَها؛ فَلْيُصلِّها إذا ذكَرَها» رَواه مسلمٌ (٢)، و «غُشِي على عمَّارٍ ﵁ ثلاثًا، ثمَّ أفاقَ وتَوضَّأ، وقضَى تلك الثَّلاثِ» (٣). ويَقضي مَنْ شَرِب مُحرَّمًا، حتَّى زمنَ جنونٍ طرَأ متَّصلًا به؛ تغليظًا عليه (٤).

стр. 247

(وَلَا تَصِحُّ) صلاةٌ (مِنْ مَجْنُون (١)) وغيرِ مميِّزٍ؛ لأنَّه لا يَعقل النيَّةَ. (وَلَا) تَصِحُّ مِنْ (كَافِرٍ)؛ لعدمِ صحَّةِ نِيَّتِه، ولا تَجِب عليه بمعنى أنَّه لا يَلزمه القضاءُ إذا أَسلَم، لَا بِمعنَى سقوطها عنه فِي الآخرةِ (٢)، فيُعاقَب (٣) عليها وعلى سائرِ فروعِ الإسلامِ إذا ماتَ كافرًا. (وَإِنْ صَلَّى) الكافرُ على اختلافِ أنواعِه، في دارِ إسلامٍ أو حربٍ، جماعةً أو منفردًا، بمسجدٍ أو غيرِه؛ فمسلمٌ حُكمًا. (أَوْ أَذَّنَ) الكافرُ (٤)، ولو في غيرِ وقتِه؛ (فَمُسْلِمٌ حُكمًا) أي: ظاهرًا. فلَو ماتَ عَقِب ذلك؛ فتَرِكَتُه لأقاربِه المسلِمين، ويُغسَّل، ويُصلَّى عليه، ويُدفن بمَقابرِنا (٥). وإن أرادَ البقاءَ على الكفرِ، وقال: إنَّما أردتُ التَّهزِّي؛ لم يُقبَل (٦). (وَيُؤْمَرُ صَغِيرٌ بِهَا) أي: بالصَّلاةِ أي: بفِعلِها (لِسَبْعٍ) أي: يَلزم وَليَّه أن يأمُرَه بالصَّلاةِ لتمامِ سبعِ سِنينَ؛ ليَعتادَها، ذكَرًا كان أو أُنثى.

стр. 248

(وَيُضْرَبُ) الصَّغيرُ وجوبًا (عَلَيْهَا لِعَشْرِ) سِنين؛ لحديثِ عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أَبيه عن جدِّه، يَرفعه: «مُرُوا أَبناءَكم بالصَّلاةِ وهُم أبناءُ سَبعِ سِنينَ، واضْرِبُوهم عليها لِعَشرٍ، وفَرِّقُوا بينَهم في المَضاجعِ» رَواه الإمامُ أحمدُ وغيرُه (١). (وَ) يَجب (عَلَى وَلِيِّهِ) أي: الصَّغيرِ (تَعْلِيمُهُ إِيَّاهَا) أي: الصَّلاةَ، (وَ) تَعليمُه (الطَّهَارَةَ (٢)) بالنصبَ، وكَفُّه عن المَفاسدِ، (و) تَعليمه (مَا يَحْتَاجُهُ لِدِينِهِ) مِنْ حلالٍ وحرامٍ وغيرِهما؛ (كَإِصْلَاحِ مَالِهِ) أي: كما يَلزم الوليَّ أن يُصلِح مالَ الصَّغيرِ بحِفظِه، والتصرُّفِ فيه بما فيه حظٌّ للصَّغيرِ. (وَإِنْ (٣) بَلَغَ) صغيرٌ (فِي وَقْتِهَا) أي: الصَّلاةِ، بأن تمَّت مدَّةُ بُلوغِه قبلَ خُروجِ وَقتِ الصَّلاةِ، سواءٌ كان (٤) في أثناءِ الصَّلاةِ أو بعدَها؛ (أَعَادَهَا) أي: الصَّلاةَ وجوبًا؛ لأنَّها نافلةٌ في حقِّه، فلَم تُجزِئه عن الفريضة (٥). وسُمِّي بلوغًا؛ لبلوغِه حدَّ التَّكليفِ. ويُعيد البالغُ أيضًا (٦) تيمُّمًا (٧)، لا وضوءًا وإسلامًا (٨).

стр. 249

(وَيَحْرُمُ) على مَنْ وَجبَت عليه (تَأْخِيرُهَا) أو بعضِها (عَنْ وَقْتِ الجَوَازِ)، وهو وقتُها المعلومُ ممَّا يَأتي فيما لها وقتٌ واحدٌ، والوقتُ المختارُ فيما لها وَقتان، ومحلُّه: إذا كان ذاكرًا، قادرًا على فعلِها، بخلافِ ناسٍ ونحوِ نائمٍ (١). (إِلَّا لِنَاوِي الجَمْعِ) لعذرٍ يبيحُه كما سيأتي، فيباحُ (٢) له التأخيرُ؛ لأنَّ وقتَ الثانيةِ إذا نوَى جَمْعَ الأُولى إليها يَصير وقتًا لهُما. (أَوْ بِمُشْتَغِلٍ)، كذا بخَطِّه، بالباءِ، والأظهرُ اللامُ، أي: وإلّا لمشتغِلٍ (بِشَرْطٍ لهَا) أي: الصَّلاةِ (يُحَصِّلُهُ) أي: الشرطَ (قَرِيبًا)؛ كانقطاعِ ثَوبِه الذي ليس عندَه غيرُه إذا لم يَفرُغ مِنْ خِياطتِه حتى خرَج الوقتُ، فإن كان بعيدًا عرفًا؛ صلَّى على حسَبِ ما يَستطيع. ولِمَن لَزِمَته الصَّلاةُ تأخيرُها في الوقتِ مع العزمِ عليه (٣)، وتَسقط بمَوتِه، ولم يأثَم، ما لم يَظنَّ مانعًا (٤)؛ كموتٍ وقتلٍ. (وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا) أي: الصَّلاةِ، بأن قال: ليسَت الصَّلاةُ واجبةً على المسلمِ المكلَّفِ؛ (كَفَرَ) إذا كان ممَّن لا يَجهله، وإن فعَلَها؛ لأنَّه مكذِّبٌ للهِ ورسولِه، وإجماعِ الأمَّةِ. وإن ادَّعى جهلًا وأَمكَن؛ كحديثِ إسلامٍ؛ عُرِّف وُجوبَها، ولم يُحكم

стр. 250

بكفرِه؛ لأنَّه معذورٌ (١)، فإن عُرِّفَ فَعرفَ وأصرَّ (٢)؛ كفَر. (وَكَذَا) يَكفر (تَارِكُهَا) أي: الصَّلاةِ (٣) (كَسَلًا) أو تَهاونًا، لا جُحودًا، بشرطٍ أشارَ إليه بقولِه (٤): (إِذَا دَعَاهُ) أي: أمرَه (٥) (إِمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ) لفعلِها (٦) (وَأَبَى) أي: امْتَنع مِنْ فعلِها وأَصرَّ، (حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ) الصَّلاةِ (الثَّانِيَةِ) المختارِ (عَنْهَا) أي: عن الثانيةِ، بأن يُدْعَى للظُّهرِ مَثلًا، فيَأبى حتى يَتضايقَ وقتُ العصرِ المختارُ عنها؛ فيُحكَم بكُفرِه إذَنْ؛ لقولِه ﵇: «بَينَ العبدِ وبينَ الكُفرِ تَركُ الصَّلاةِ» رَواه مسلمٌ (٧)، زادَ أحمدُ والنسائيُّ (٨): «فمَن تركَها فقد كفَر» (٩). (وَيُسْتَتَابَانِ) أي: جاحِدُها وتاركُها كسلًا، أي: تَجِب استِتابَتُهما، (ثَلَاثًا) أي: ثلاثَ لَيالٍ بأيَّامِها، ويُضيَّق عليهِما في مدَّةِ الاستِتابةِ (١٠)، ويُدْعَيان كلَّ وقتِ صلاةٍ إليها، فإن تابَا بفعلِها (١١)، وإلّا ضُرِبَت عُنقُهما. والجمعةُ كغيرِها، وكذا تركُ ركنٍ أو شرطٍ يعتقِدُ وجوبَه (١٢).
следующие страницы →