← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فُرِضَت ليلةَ الإسراءِ، بعدَ مَبعثِه ﷺ بنحوِ خمسِ سِنينَ. وهي آكدُ أَركانِ الإسلامِ بعدَ الشَّهادتَين. (تَجِبُ) الخَمسُ في كلِّ يومٍ وليلةٍ (عَلَى كُلِّ) مسلمٍ (مُكَلَّفٍ) أي: بالغٍ عاقلٍ، ذكَرٍ أو أُنثى أو خُنثى، حُرٍّ أو عَبدٍ أو مُبعَّضٍ. (غَيْرِ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ)، فلا تَجِب عليهِما. ولو لم يَبلغ المسلمَ المكلَّفَ الشَّرعُ (١)، أو كان نائمًا، أو مُغطًّى عَقلُه بإغماءٍ، (فَيَقْضِي نَائِمٌ وَمُغْمًى عَلَيهِ وَنَحْوُهُ)؛ كمُغطًّى عَقلُه بشُربِ دواءٍ، وسَكرانَ ولو مُكرَهًا، (أَفَاقَ) كلٌّ منهم ما مضَى عليه مِنْ الصَّلواتِ زمنَ ذلك؛ لحديثِ: «مَنْ نامَ عن صلاةِ أو نَسِيَها؛ فَلْيُصلِّها إذا ذكَرَها» رَواه مسلمٌ (٢)، و «غُشِي على عمَّارٍ ﵁ ثلاثًا، ثمَّ أفاقَ وتَوضَّأ، وقضَى تلك الثَّلاثِ» (٣). ويَقضي مَنْ شَرِب مُحرَّمًا، حتَّى زمنَ جنونٍ طرَأ متَّصلًا به؛ تغليظًا عليه (٤).

стр. 247

(وَلَا تَصِحُّ) صلاةٌ (مِنْ مَجْنُون (١)) وغيرِ مميِّزٍ؛ لأنَّه لا يَعقل النيَّةَ. (وَلَا) تَصِحُّ مِنْ (كَافِرٍ)؛ لعدمِ صحَّةِ نِيَّتِه، ولا تَجِب عليه بمعنى أنَّه لا يَلزمه القضاءُ إذا أَسلَم، لَا بِمعنَى سقوطها عنه فِي الآخرةِ (٢)، فيُعاقَب (٣) عليها وعلى سائرِ فروعِ الإسلامِ إذا ماتَ كافرًا. (وَإِنْ صَلَّى) الكافرُ على اختلافِ أنواعِه، في دارِ إسلامٍ أو حربٍ، جماعةً أو منفردًا، بمسجدٍ أو غيرِه؛ فمسلمٌ حُكمًا. (أَوْ أَذَّنَ) الكافرُ (٤)، ولو في غيرِ وقتِه؛ (فَمُسْلِمٌ حُكمًا) أي: ظاهرًا. فلَو ماتَ عَقِب ذلك؛ فتَرِكَتُه لأقاربِه المسلِمين، ويُغسَّل، ويُصلَّى عليه، ويُدفن بمَقابرِنا (٥). وإن أرادَ البقاءَ على الكفرِ، وقال: إنَّما أردتُ التَّهزِّي؛ لم يُقبَل (٦). (وَيُؤْمَرُ صَغِيرٌ بِهَا) أي: بالصَّلاةِ أي: بفِعلِها (لِسَبْعٍ) أي: يَلزم وَليَّه أن يأمُرَه بالصَّلاةِ لتمامِ سبعِ سِنينَ؛ ليَعتادَها، ذكَرًا كان أو أُنثى.

стр. 248

(وَيُضْرَبُ) الصَّغيرُ وجوبًا (عَلَيْهَا لِعَشْرِ) سِنين؛ لحديثِ عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أَبيه عن جدِّه، يَرفعه: «مُرُوا أَبناءَكم بالصَّلاةِ وهُم أبناءُ سَبعِ سِنينَ، واضْرِبُوهم عليها لِعَشرٍ، وفَرِّقُوا بينَهم في المَضاجعِ» رَواه الإمامُ أحمدُ وغيرُه (١). (وَ) يَجب (عَلَى وَلِيِّهِ) أي: الصَّغيرِ (تَعْلِيمُهُ إِيَّاهَا) أي: الصَّلاةَ، (وَ) تَعليمُه (الطَّهَارَةَ (٢)) بالنصبَ، وكَفُّه عن المَفاسدِ، (و) تَعليمه (مَا يَحْتَاجُهُ لِدِينِهِ) مِنْ حلالٍ وحرامٍ وغيرِهما؛ (كَإِصْلَاحِ مَالِهِ) أي: كما يَلزم الوليَّ أن يُصلِح مالَ الصَّغيرِ بحِفظِه، والتصرُّفِ فيه بما فيه حظٌّ للصَّغيرِ. (وَإِنْ (٣) بَلَغَ) صغيرٌ (فِي وَقْتِهَا) أي: الصَّلاةِ، بأن تمَّت مدَّةُ بُلوغِه قبلَ خُروجِ وَقتِ الصَّلاةِ، سواءٌ كان (٤) في أثناءِ الصَّلاةِ أو بعدَها؛ (أَعَادَهَا) أي: الصَّلاةَ وجوبًا؛ لأنَّها نافلةٌ في حقِّه، فلَم تُجزِئه عن الفريضة (٥). وسُمِّي بلوغًا؛ لبلوغِه حدَّ التَّكليفِ. ويُعيد البالغُ أيضًا (٦) تيمُّمًا (٧)، لا وضوءًا وإسلامًا (٨).

стр. 249

(وَيَحْرُمُ) على مَنْ وَجبَت عليه (تَأْخِيرُهَا) أو بعضِها (عَنْ وَقْتِ الجَوَازِ)، وهو وقتُها المعلومُ ممَّا يَأتي فيما لها وقتٌ واحدٌ، والوقتُ المختارُ فيما لها وَقتان، ومحلُّه: إذا كان ذاكرًا، قادرًا على فعلِها، بخلافِ ناسٍ ونحوِ نائمٍ (١). (إِلَّا لِنَاوِي الجَمْعِ) لعذرٍ يبيحُه كما سيأتي، فيباحُ (٢) له التأخيرُ؛ لأنَّ وقتَ الثانيةِ إذا نوَى جَمْعَ الأُولى إليها يَصير وقتًا لهُما. (أَوْ بِمُشْتَغِلٍ)، كذا بخَطِّه، بالباءِ، والأظهرُ اللامُ، أي: وإلّا لمشتغِلٍ (بِشَرْطٍ لهَا) أي: الصَّلاةِ (يُحَصِّلُهُ) أي: الشرطَ (قَرِيبًا)؛ كانقطاعِ ثَوبِه الذي ليس عندَه غيرُه إذا لم يَفرُغ مِنْ خِياطتِه حتى خرَج الوقتُ، فإن كان بعيدًا عرفًا؛ صلَّى على حسَبِ ما يَستطيع. ولِمَن لَزِمَته الصَّلاةُ تأخيرُها في الوقتِ مع العزمِ عليه (٣)، وتَسقط بمَوتِه، ولم يأثَم، ما لم يَظنَّ مانعًا (٤)؛ كموتٍ وقتلٍ. (وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا) أي: الصَّلاةِ، بأن قال: ليسَت الصَّلاةُ واجبةً على المسلمِ المكلَّفِ؛ (كَفَرَ) إذا كان ممَّن لا يَجهله، وإن فعَلَها؛ لأنَّه مكذِّبٌ للهِ ورسولِه، وإجماعِ الأمَّةِ. وإن ادَّعى جهلًا وأَمكَن؛ كحديثِ إسلامٍ؛ عُرِّف وُجوبَها، ولم يُحكم

стр. 250

بكفرِه؛ لأنَّه معذورٌ (١)، فإن عُرِّفَ فَعرفَ وأصرَّ (٢)؛ كفَر. (وَكَذَا) يَكفر (تَارِكُهَا) أي: الصَّلاةِ (٣) (كَسَلًا) أو تَهاونًا، لا جُحودًا، بشرطٍ أشارَ إليه بقولِه (٤): (إِذَا دَعَاهُ) أي: أمرَه (٥) (إِمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ) لفعلِها (٦) (وَأَبَى) أي: امْتَنع مِنْ فعلِها وأَصرَّ، (حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ) الصَّلاةِ (الثَّانِيَةِ) المختارِ (عَنْهَا) أي: عن الثانيةِ، بأن يُدْعَى للظُّهرِ مَثلًا، فيَأبى حتى يَتضايقَ وقتُ العصرِ المختارُ عنها؛ فيُحكَم بكُفرِه إذَنْ؛ لقولِه ﵇: «بَينَ العبدِ وبينَ الكُفرِ تَركُ الصَّلاةِ» رَواه مسلمٌ (٧)، زادَ أحمدُ والنسائيُّ (٨): «فمَن تركَها فقد كفَر» (٩). (وَيُسْتَتَابَانِ) أي: جاحِدُها وتاركُها كسلًا، أي: تَجِب استِتابَتُهما، (ثَلَاثًا) أي: ثلاثَ لَيالٍ بأيَّامِها، ويُضيَّق عليهِما في مدَّةِ الاستِتابةِ (١٠)، ويُدْعَيان كلَّ وقتِ صلاةٍ إليها، فإن تابَا بفعلِها (١١)، وإلّا ضُرِبَت عُنقُهما. والجمعةُ كغيرِها، وكذا تركُ ركنٍ أو شرطٍ يعتقِدُ وجوبَه (١٢).

стр. 251

وتَنبغي الإشاعةُ عن تاركِها بتَركِها حتى يُصلِّيَ، ولا يَنبغي السَّلامُ عليه، ولا إجابةُ دَعوتِه، قاله (١) الشيخُ تقيُّ الدِّينِ (٢). ولا يَكفُر بتَركِ غيرِها مِنْ زكاةٍ، وصومٍ، وحجٍّ، غيرُ جاحدٍ لوجوبِه. (فصل) (وَالأَذَانُ (٣)) لغةً: الإعلامُ. وشرعًا: إعلامٌ بدخولِ وقتِ صلاةٍ، أو قُربِه لفجرٍ، بذِكرٍ مخصوصٍ. (وَالإِقَامَةُ) لغةً: مصدرُ «أقامَ». وشرعًا: إعلامٌ بالقيامِ إلى الصَّلاةِ بذِكرٍ مخصوصٍ (٤).

стр. 252

وهُما (فَرْضَا (١) كِفَايَةٍ)؛ لحديثِ (٢): «إذا حضَرَت الصَّلاةُ فَلْيُؤذِّنْ لكُم أَحدُكم، ولْيَؤُمَّكم أَكبرُكم» متَّفق عليه (٣)، والأمرُ يَقتضي الوجوبَ، وعن أَبي الدَّرداءِ مرفوعًا: «ما مِنْ ثلاثةٍ لا يُؤذَّن ولا تُقام فيهم الصَّلاةُ إلّا اسْتَحوَذ عليهم الشَّيطانُ» رَواه أحمدُ والطَّبَرانيُّ (٤). ولا يُشرَعان لكلِّ مَنْ في المسجدِ، بل تَكفيهم المتابعةُ، وتَحصل لهم الفَضيلةُ. (لِل) صَّلَوَاتِ ال (خَمْسِ) المُؤدَّاةِ، والجمعةُ منها. (عَلَى رِجَالٍ)، أحرارٍ، (مُقِيمِينَ) بقُرًى (٥) وأَمصارٍ (٦)، لا على رَجلٍ واحدٍ، ولا على نساءٍ وعَبيدٍ ومُسافرِين، بل يُكرَهان لنساءٍ وخَنَاثَى، ولو بلا رَفعِ صوتٍ. لكن يُسنَّان لمنفرِدٍ ذَكرٍ، وسفرًا، ولمَقضيَّةٍ (٧).

стр. 253

(فَيُقَاتَلُ)، بالبناء للمفعولِ، ونائبُ الفاعلِ قولُه: (أَهْلُ بَلَدٍ تَرَكُوهُمَا (١)) أي: الأذانَ والإقامةَ، أي: يُقاتِلُهم الإمامُ أو نائبُه إذا اتَّفقوا على تَركِهما (٢)؛ لأنَّهما مِنْ شعائرِ الإسلامِ الظاهرةِ. وإذا قامَ بِهما مَنْ يَحصل به الإعلامُ؛ أَجزأ عن الكلِّ، وإن (٣) واحدًا، وإلّا زِيدَ بقَدْرِ الحاجةِ، كلُّ واحدٍ في جانبٍ، أو دَفعةً واحدةً بمكانٍ واحدٍ، ويُقِيم أَحدُهم، وإن تَشاحُّوا أُقرِع. وتَصحُّ صلاةٌ بدُونِهما، لكن يُكرَه. (وَتَحْرُمُ أُجْرَتُهُمَا (٤)) أي: يَحرُم أَخذُ أُجرةٍ على أذانٍ وإقامةٍ؛ لأنَّهما قُرْبَتان لفاعلِهما، (لَا رَزْقٌ مِنْ بَيْتِ المَالِ) فيَجوز أَخذُه وبَذلُه (لِعَدَمِ مُتَطَوِّعٍ) أي: فاعلٍ لهُما تَطوُّعًا بلا شيءٍ؛ كأرزاقِ قُضاةٍ وغُزاةٍ. (وَيُسَنُّ كَوْنُ مُؤَذِّنٍ صَيِّتًا) أي: رَفيعَ الصَّوتِ؛ لأنَّه أبلغُ في الإعلامِ (٥).

стр. 254

(أَمِينًا (١)) أي: زائدَ العَدالةِ؛ ليُؤمَن على الأوقاتِ ونساءِ الجِيرانِ. (عَالِمًا بِوَقْتِ (٢) الصَّلاةِ)؛ ليُؤذِّن في أوَّلِه. (فَإِنْ تَشَاحَّ (٣)) أي: تَنازع (فِيهِ اثْنَانِ) فأكثرُ؛ (قُدِّمَ) بالبناءِ للمفعُولِ (٤) (أَفْضَلُهُمَا)، أو أفضلُهم (فِي ذَلِكَ) المذكورِ مِنْ الخِصالِ. (ثُمَّ) إن استَويَا فيها؛ قدِّم أفضلُهما (فِي دِينٍ وَعَقْلٍ)؛ لحديثِ: «لِيُؤذِّنْ لكُم خِيارُكم» رَواه أبو داودَ (٥). (ثُمَّ) إن استَويَا (٦) في ذلك (٧)؛ قُدِّم (مَنْ يَخْتَارُهُ أَكْثَرُ الجِيرَانِ) أي (٨): المُصلِّين؛ لأنَّ الأذانَ لإعلامِهم.

стр. 255

(ثُمَّ) إن استَوَوا في الكلِّ؛ فالمميِّزُ (قُرْعَةٌ (١))، فأيُّهم خرَجَت له قُدِّم. (وَهُوَ) أي: الأذانُ المختارُ؛ لكَونِه أذانَ بلالٍ ﵁: (خَمْسَ عَشْرَةَ)، ببِنائهِما على الفتحِ، (جُمْلَةً (٢)) تَمييزٌ، وهي (٣) المركَّبُ الإسناديُّ، مَثلًا: «اللهُ أكبرُ» جملةٌ، وهكذا إلخ، مِنْ غيرِ تَرجيعٍ للشَّهادتَين (٤)، فإن رجَّعَهما فلا بأسَ. (يُرَتِّلُهُ) أي: الأذانَ، أي: يُستحبُّ أن يَتمهَّل في أَلفاظِه، ويَقِف على كلِّ جملةٍ. وأن يَكون قائمًا (٥)، (عَلَى عُلْوٍ) أي: مكانٍ مُرتفِعٍ كالمَنارةِ؛ لأنَّه أبلغُ في الإعلامِ. حالَ كَونِه (مُتَطَهِّرًا) مِنْ الحَدثَين، ويُكره أذانُ جُنُبٍ (٦)، وإقامةُ مُحدِثٍ (٧).

стр. 256

(مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ)؛ لأنَّها أَشرفُ الجِهاتِ. (جَاعِلًا سَبَّابَتَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ)؛ لأنَّه (١) أرفعُ للصَّوتِ. (يَلْتَفِتُ نَدْبًا) برأسِه وعُنقِه وصَدرِه (يَمِينًا لِقَوْلِهِ: «حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ» (٢) وَشِمَالًا لِ: «حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ» (٣))، ومعنى «حيَّ»: أقبِلُوا وتعالَوْا، والفلاح: الفوزُ والرِّضا (٤). ويَرفع وجهَه إلى السماء فيه كلِّه (٥)؛ لأنَّه حقيقةُ التَّوحيدِ. (وَلَا يُزِيلُ قَدَمَيْهِ (٦)) أي: لا يَستدِير في مَنارةٍ وغيرِها. (وَيَقُولُ) المؤذِّنُ ندبًا (بَعْدَهُمَا)، أي: بعد الحَيعلتَين (فِي أَذَانِ الصُّبْحِ: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ» مرَّتَين)؛ لحديثٍ فيه رَواه أحمدُ (٧)، ولأنَّه وقتٌ يَنام

стр. 257

النَّاسُ فيه غالبًا. ويُكره في غيرِ أذانِ فجرٍ، وبينَ أذانٍ وإقامةٍ. (وَالإِقَامَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ) جملةً (١)، بلا تَثنيَةٍ (٢)، وتُباح تَثنيتُها. (يَحْدُرُهَا) أي: يُستحبُّ أن يُسرِع فيها، ويَقِف على كلِّ جملةٍ؛ كالأذانِ. (وَيُقِيمُ مُؤَذِّنٌ) أي: يَتولَّى الإقامةَ مَنْ أذَّن (٣) ندبًا، فلَو سُبِق (٤) المؤذِّنُ بالأذانِ، فأرادَ المؤذِّنُ أن يُقيم؛ فقال أحمدُ: (لو أعادَ الأذانَ كما صنَع أبو مَحْذُورةَ) (٥)، فإن أقامَ بلا إعادةٍ؛ فلا بأسَ، قاله في «المبدِع» (٦). (فِي مَكَانِهِ) أي: يُسنُّ أن يُقيم في مكانِ أذانِه (إِنْ سَهُلَ) عليه (٧)؛ لأنَّه أبلغُ في الإعلامِ، فإن شَقَّ؛ كأن أذَّن في مَنارةٍ أو مكانٍ بعيدٍ عن المسجدِ؛ أقام في المسجدِ؛ لئلَّا يَفوته بعضُ الصَّلاةِ، لكن لا يُقيم إلّا بإذنِ الإمامِ. (وَلَا يُجْزِئُ) أي: لا يصحُّ أذانٌ (إِلَّا مِنْ ذَكَرٍ) واحدٍ (٨)،

стр. 258

(عَدْلٍ (١)) ولو ظاهرًا، فلَو أذَّن واحدٌ بعضَه، وكمَّله آخرُ، أو أذَّنَت امرأةٌ، أو خُنثَى، أو ظاهرُ الفسقِ؛ لم يُعتدَّ به. ولا يُجزئ إلّا (مُرَتَّبًا)؛ كأركانِ الصَّلاةِ، (مُتَوَالِيًا) عُرفًا؛ لأنَّه لا يَحصل المقصودُ منه إلّا بذلك، فإن نَكَّسه لم يُعتدَّ به. ويصحُّ أذانٌ (وَلَوْ) كان (مُلَحَّنًا) أي: مُطرَّبًا به، (وَمَلْحُونًا) لحنًا لا يُحيل المعنى (٢)، (وَيُكْرَهُ) أي: الأذانُ ملحَّنًا وملحونًا، وبطَل إن أُحيل المعنى (٣). (وَيُجْزِئُ) أذانٌ (مِنْ مُمَيِّزٍ)؛ لصحَّةِ صلاتِه كالبالغِ. وفي «الاختيارات»: أنَّ الأذانَ الذي يَسقط به فرضُ الكِفايةِ لا بدَّ أن يَكون مِنْ بالغٍ حتى يُرجَع إلى خبرِه (٤). (وَيُبْطِلُهُمَا) أي: الأذانَ والإقامةَ (فَصْلٌ كَثِيرٌ (٥)) بسكوتٍ أو كلامٍ، ولو مباحًا. (وَ) يُبطلهما (كَلَامٌ مُحَرَّمٌ)؛ كقذفٍ ولو يسيرًا، وكُرِه يسيرٌ غيرُه (٦). (وَلَا يُجْزِئُ) أذانٌ (قَبْلَ وَقْتِ) صلاةٍ؛ لأنَّه شُرع للإعلامِ بدخولِه،

стр. 259

وسنُّ (١) في أوَّلِه، (إِلَّا لِفَجْرٍ)، فيَصحُّ (بَعْدَ نِصْفِ لَيْلٍ (٢))؛ لحديثِ: «إنَّ بلالًا يؤذِّن بلَيلٍ، فكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يُؤذِّن ابنُ أمِّ مكتومٍ» متَّفق عليه (٣). ويُستحبُّ لِمَنْ أذَّن قبلَ فجرٍ أن يَكون معه مَنْ يؤذِّن في الوقتِ، وأن يُتَّخذ ذلك عادةً؛ لئلَّا يُغَرَّ (٤) النَّاسُ. ورفعُ الصَّوتِ (٥) بالأذانِ (٦) ركنٌ (٧)، ما لم يُؤذِّن لحاضرٍ (٨)، فيرفع بقَدْرِ (٩) ما يُسمِعه. (وَمَنْ جَمَعَ) بينَ صَلاتَين لعذرٍ؛ أذَّن للأُولى، وأَقام لكلٍّ منهما، سواءٌ كان جَمْعَ تقديمٍ أو تأخيرٍ. (أَوْ قَضَى) فرائضَ (فَوَائِتَ؛ أَذَّنَ لِلأُولَى، ثُمَّ أَقَامَ لِلكُلِّ) أي: لكلِّ فريضةٍ مِنْ الأُولى وما بعدَها، وإن (١٠) كانت واحدةً؛ أذَّن لها وأَقام. ثمَّ إن خافَ تَلبيسًا مِنْ رَفعِ صوتِه به؛ أَسرَّ، وإلّا جهَر، فلَو ترَك الأذانَ

стр. 260

لها؛ فلا بأسَ. (وَتُسَنُّ مُتَابَعَتُهُمَا) أي: المؤذِّنِ والمقيمِ لسامعٍ (١)، ولو نَفسَه، أو ثانيًا وثالثًا حيثُ سُنَّ (٢)، أو أنَّ السامعَ امرأةٌ، لكن لو سَمِع وأجابَ وصلَّى في جماعةٍ؛ لم يُجِب الثانيَ؛ لأنَّه غيرُ مدعوٍّ بهذا الأذانِ. قاله في «المبدِع» (٣). (سِرًّا بِمِثْلِهِ) أي: يَقول السامعُ سِرًّا مِثلَ ما يَقول المؤذِّنُ والمقيمُ، ولو في طوافٍ أو قراءةٍ، ويَقضيه مُصلٍّ ومُتَخَلٍّ، (إِلَّا فِي الحَيْعَلَةِ) أي: «حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاح»، (فَيَقُولُ) سامعٌ: (لَا حَوْلَ) أي: لا (٤) تحوُّلَ مِنْ حالٍ إلى حالٍ، (وَلَا قُوَّةَ) أي: لا (٥) قُدرةَ على ذلك (إِلَّا بِاللهِ (٦))؛ لأنَّه الخالقُ سبحانَه لكلِّ شيءٍ. (وَ) إلّا (فِي لَفْظِ الإِقَامَةِ) أي: قولِ المُقيمِ: «قد قامَت الصَّلاةُ»، فيَقول سامعٌ: (أَقَامَهَا اللهُ وَأَدَامَهَا). (وَ) إلّا (فِي التَّثْوِيبِ) وهو قولُ المؤذِّنِ: «الصَّلاةُ خيرٌ مِنْ النَّوم»، فيَقول سامعٌ: (صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ (٧))، بكسرِ الرَّاءِ الأُولى، أي: صِرتَ ذا بِرٍّ، أي: خيرٍ. (وَيُصَلِّي (٨) عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ فَرَاغِهِ) مِنْ الأذانِ والإجابةِ.

стр. 261

(وَيَقُولُ) كلٌّ منهما: (اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِه الدَّعْوَةِ)، بفتحِ الدَّالِ المُهملةِ (١)، أي: دَعوةِ الأذانِ، (التَّامَّةِ) أي (٢): الكاملةِ السَّالمةِ مِنْ نقصٍ يَتطرَّق إليها، (وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ) التي ستَقوم وتُفعل بصِفاتِها، (آتِ)، بمدِّ الهمزةِ وكسرِ التاءِ، فعلُ دعاءٍ مبنيٌّ على حذفِ الياءِ، ومَعناه: أَعطِ، (مُحَمَّدًا) ﷺ (الوَسِيلَةَ)؛ أَعلى مَنزلةٍ في الجنَّةِ، وهي منزلةُ رسولِ اللهِ ﷺ ودارُه، وهي أَقربُ أَمكنةِ الجنَّةِ إلى العرشِ، (وَالفَضِيلَةَ)، هي الرُّتبةُ الزائدةُ على سائرِ الخلائقِ، أو منزلةٌ أُخرى، أو تفسيرٌ للوسيلةِ كما نقلَه في «المواهب» عن الحافظِ ابنِ كثيرٍ (٣)، (وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ (٤)) أي: الشَّفاعةَ العُظمى في موقفِ القيامةِ؛ لأنَّه يَحمده فيه الأوَّلون والآخِرون. ثمَّ يَدعو (٥) هنا،

стр. 262

وعندَ إقامةٍ (١). (وَيَحْرُمُ بَعْدَهُ) أي: بعدَ دُخولِ الوقْتِ (٢) (إِنْ أُذِّنَ وَهُوَ) أي: مَنْ وجبَتْ عليه الصَّلاةُ مع صحَّتها منه إذَنْ (فِي المَسْجِدِ: خُرُوجٌ)، فاعلُ «يَحرُم»، (مِنْهُ) أي: مِنْ المسجدِ قبلَ الصَّلاةِ معَ الجماعَةِ، يعني: أنَّه يحرُمُ على مَنْ تلزمُه الجماعةُ أنْ يخرُجَ مِنَ المسجدِ بعدَ الأذانِ الواقعِ في وقتِ الصَّلاةِ (٣) (بِلَا عُذْرٍ) يُبيح تَرْكَ الجماعةِ، كما سَيأتي، أو بنيَّةِ (٤) رجوعٍ إلى المسجد. فلَو كان الأذانُ (٥) لفجرٍ (٦) قبلَ وقتِه، أو خرجَ (٧) لعذرٍ، أو بنيَّةِ رجوعٍ قبلَ فَوتِ الجماعةِ؛ لم يَحرُم. والظَّاهرُ أنَّ وقوعَ الأذانِ وهو بالمسجدِ ليس بشرطٍ، خلافًا لما يوهِمُه كلامُه، فلو دخَلَ المسجدَ وقتَ الصَّلاة بعدَ الأذانِ؛ حرُمَ عليه الخروجُ، كما هو مقتضى كلام «الإقناع» و «المنتهى» (٨) وغيرهما (٩). تتمَّةٌ: لا يصحُّ الأذانُ بغيرِ العربيَّةِ مطلقًا. ويُكره القيامُ عندَ الأخذِ في الأذانِ، بل يَصبر قليلًا؛ لئلَّا يَتشبَّه بالشَّيطان.

стр. 263

(بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ) الشُّروطُ: جمعُ شَرطٍ، وهو لغةً: العلَامةُ (١). وعُرفًا: ما يَلزم مِنْ عَدمِه العدمُ، ولا يَلزم مِنْ وجودِه وجودٌ ولا عدمٌ لذاتِه (٢). وشروطُ الصَّلاةِ: ما يَتوقَّف عليها صحَّتُها إن لم يَكُنْ عذرٌ، وليسَت منها (٣)، وتَجِب لها قَبلَها، إلَّا النيَّةَ، فتَكفي مُقارنتُها، بل هو الأفضلُ. وهي تسعةٌ: إسلامٌ، وعقلٌ، وتَمييزٌ، وهذه شروطٌ في كلِّ عبادةٍ، إلا التَّمييزَ في الحجِّ، ويأتي؛ ولذا (٤) لم يَذكرها كثيرٌ مِنْ الأصحابِ هنا. والرابعُ: ما أشارَ إليه بقولِه: (مِنْهَا (٥)) أي: مِنْ شروطِ الصَّلاةِ: (الطَّهَارَةُ) مِنْ الحَدثِ والخَبثِ؛ لحديثِ: «لا يَقبلُ اللهُ صلاةً بغيرِ طُهورٍ» رَواه مسلمٌ (٦)، (وَتَقَدَّمَتِ) الطَّهارةُ مفصَّلةً. (وَ) الخامسُ (٧): ما أشارَ إليه بقولِه: (مِنْهَا) دخولُ (الوَقْتِ) لصلاةٍ مؤقَّتةٍ،

стр. 264

كما هو المقصودُ هنا؛ قال عمرُ: «الصَّلاةُ لها وقتٌ شرَطَه اللهُ لها، لا تصحُّ إلا به» (١). وهو المذكورُ في حديثِ جِبريلَ حينَ أَمَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلمفي الصَّلواتِ الخَمسِ، ثمَّ قال: «يا محمدُ! هذا وقتُ الأنبياءِ مِنْ قَبلِك (٢)» (٣). (فَوَقْتُ (٤) الظُّهْرِ) وهي الأُولى (٥) (مِنَ الزَّوَالِ) أي: مَيلِ الشمسِ إلى المَغربِ، ويَستمرُّ (إِلَى مُسَاوَاةِ الشَّاخِصِ) أي: المرتفِعِ (ظِلَّهُ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ (٦))

стр. 265

أي: بعدَ (١) الظِّلِّ الذي زالَتْ عليه الشمسُ، فإنَّ الشمسَ إذا طلَعَت رُفِع لكلِّ شاخصٍ ظلٌّ طويلٌ مِنْ جانبِ المغربِ، ثمَّ ما دامَتْ الشمسُ تَرتفع فالظِّلُّ يَنقص؛ فإذا انتَهَت الشمسُ إلى وسَطِ السماءِ وهي حالةُ الاستواءِ انتَهى نُقصانه، فإذا زادَ الظِّلُّ أَدنى زيادةٍ؛ دلَّ على الزَّوالِ (٢). قال ابنُ قُتيبةَ (٣): الظِّلُّ يَكون غُدوةً وعَشيَّةً، والفَيءُ لا يَكون إلّا بعدَ الزَّوالِ؛ لأنَّه فاءَ، أي: رجَع مِنْ جانبٍ إلى جانبٍ. انتهى (٤). ويَختلف ظلُّ الزَّوالِ، أي: الموجودُ لكلِّ شاخصٍ وقتَ الزَّوالِ (٥) بشَهرٍ وبَلدٍ (٦).

стр. 266

(وَتَعْجِيلُهَا) أي: الظُّهرِ بصَلاتِها أوَّلَ الوقتِ (أَفْضَلُ)، وتَحصُل (١) فَضيلتُه (٢) بالتأهُّبِ أوَّلَ الوقتِ. (إِلَّا فِي شِدَّةِ حَرٍّ) فيُستحبُّ التأخيرُ (حَتَّى يَنْكَسِرَ) الحَرُّ؛ لحديثِ: «أَبرِدُوا (٣) بالظُّهرِ» (٤)، (وَلَوْ صَلَّى وَحْدَهُ (٥))، يَعني: أنَّه يُسنُّ تأخيرُ الظُّهرِ في شدَّةِ الحَرِّ للجماعةِ، والمنفردِ لعذرٍ كمرضٍ (٦)، وليس المرادُ أنَّه يَترك الجماعةَ ويُؤخِّر وحدَه كما قد يُتوهَّم؛ إذْ لا يُترك واجبٌ لسُنَّةٍ. ويُؤيِّد ما ذكَرْنا (٧) قولُه كغيرِه: (أَوْ مَعَ غَيْمٍ لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً) أي: فيُستحبُّ تأخيرُ الجماعةِ الظُّهرَ لقُرب وقتِ عصرٍ؛ ليَسهل الخروجُ لهُما (٨) معًا.

стр. 267

وهذا كلُّه في غيرِ الجمعةِ، فيُسنُّ تَقديمُها مطلقًا (١). (وَيَلِيهِ) أي: وقتَ الظُّهرِ (وَقْتُ العَصْرِ (٢)) المختارُ، مِنْ غيرِ فصلٍ بينَهما (٣)، ويَستمرُّ (إِلَى مَصِيرِ الظِّلِّ مِثْلَيْهِ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ) إن كان؛ كما هو المرادُ حيثُ قُيِّد به. (وَوَقْتُ الضَّرُورَةِ إِلَى غُرُوبِهَا) أي: غروبِ الشمسِ، فالصَّلاةُ فيه أداءٌ، لكن يأثَم بالتأخيرِ إليه بلا عذرٍ. (وَيُسَنُّ تَعْجِيلُهَا) أي: العصرِ (مُطْلَقًا) أي: مع حرٍّ أو غَيمٍ (٤) أو غيرِهما. وهي الصَّلاةُ الوُسطَى (٥)، أي: الفُضلَى. (وَيَلِيهِ) أي: وقتَ الضَّرورةِ للعصرِ (وَقْتُ المَغْرِبِ (٦))، وهي وِترُ النَّهارِ (٧)، ويَمتدُّ (إِلَى مَغِيبِ الحُمْرَةِ)

стр. 268

أي: الشَّفقِ الأحمرِ (١). (وَيُسَنُّ (٢) تَعْجِيلُهَا) أي: المغربِ، (إِلَّا لَيْلَةَ مُزْدَلِفَةَ)، وهي ليلةُ يومِ النَّحرِ (٣)، فيُسنُّ تأخيرُها (لِمَنْ قَصَدَهَا) أي: مزدلفةَ حالَ كَونِه (مُحْرِمًا) يُباح له الجمعُ، إن لم يوافِ مزدلفةَ وقتَ الغروبِ، فيصلِّي المغربَ في وقتِها، ولا يُؤخِّر. وكذا يُؤخَّر (٤) المغربُ في غَيمٍ لمصلٍّ جماعةً، وفي جَمعٍ إن كان أَرفقَ. (وَيَلِيهِ) أي: وقتَ المغربِ (وَقْتُ العِشَاءِ)، ويَمتدُّ وقتُها المختارُ (إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) الأوَّلِ مِنْ الغروبِ. (وَتَأْخِيرُهَا) أي: العشاءِ ليُصلِّيَها في آخرِ المختارِ (أَفْضَلُ إِنْ سَهُلَ)، فإنْ شقَّ ولو على بعضِ المأمومِينَ؛ كُرِه. ويُكرَه النَّومُ قَبلَها (٥)، والحديثُ بعدَها إلّا يسيرًا، ولشُغلٍ (٦) وأهلٍ. (ثُمَّ هُوَ) أي: الوقتُ بعدَ ثُلثِ الليلِ (وَقْتُ ضَرُورَةٍ)، يَحرُم تأخيرُها إليه (٧) بلا عذرٍ، (إِلَى) طلوعِ (الفَجْرِ الثَّانِي، وَهُوَ البَيَاضُ المُعْتَرِضُ بِالمَشْرِقِ) ولا

стр. 269

ظُلمةَ بعدَه، ويُقال له: الفجرُ الصادقُ، والأوَّلُ ويُقال له: الكاذبُ مُستطيلٌ أَزرقُ، له شعاعٌ ثمَّ يُظلِم. (وَيَلِيهِ) أي: وقتَ الضَّرورةِ للعشاءِ (وَقْتُ الفَجْرِ (١)) مِنْ طلوعِه (إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ). (وَتَعْجِيلُهَا) أي: الفجرِ (أَفْضَلُ) مطلقًا (٢). ويَجب تأخيرٌ لتعلُّمِ فاتحةٍ وذِكرٍ واجبٍ أَمكَن تعلُّمُه في الوقتِ. وكذا لو أمرَه به والدُه ليُصلِّيَ به (٣)، فلا يُكره أن يَؤمَّ أَباه. وسُنَّ (٤) لنحوِ حاقنٍ مع سعةِ الوقتِ. (وَيُدْرَكُ (٥) أَدَاءُ صَلَاةٍ)، حتى جمعةٍ؛ (بِ) تكبيرةِ (إِحْرَامٍ فِي وَقْتِهَا)، فإذا كبَّر للإحرامِ قبلَ طلوعِ الشمسِ أو غروبِها؛ كانت كلُّها أداءً، حتى ولو (٦) كان التأخيرُ لغيرِ عذرٍ (٧)، لكن يأثَم.

стр. 270

(وَمَنْ شَكَّ فِي دُخُولِ وَقْتِ) صلاةٍ، ولم يُمكنه مشاهدةُ ما يَعرف به الوقتَ لعمًى أو غيرِه؛ (لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ) أي: الوقتِ، (بِاجْتِهَادٍ) ونظرٍ في الأدلَّةِ، أو له صَنعةٌ، وجرَت عادتُه بعَملِ شيءٍ مُقدَّرٍ إلى وقتِ الصَّلاةِ. ويُستحبُّ له التأخيرُ حتى يَتيقَّن (١)، فإن صلَّى مع الشَّكِّ؛ أعادَ مطلقًا (٢)؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه. (أَوْ) بِ (إِخْبَارِ) ثِقَةٍ (عَارِفٍ (٣)) بالوقتِ عن يَقينٍ؛ كأنْ يَقول: رأيتُ الفجرَ طالعًا، أو الشَّفقَ غائبًا، فيَجب العملُ به، فإن أَخبرَه عن ظنٍّ؛ لم يَعمل به. ويُعمل بأذان (٤) ثقةٍ عارفٍ. (وَإِنْ) أَحْرَمَ باجتهادٍ فَ (تَبَيَّنَ أَنَّهُ (٥)) أي: إحرامَه (قَبْلَهُ) أي: قبلَ الوقتِ؛ (أَعَادَ (٦))؛ لوقوعِ ما صلَّاه نفلًا، وبقاءِ فَرضِه عليه. وعُلم منه: أنَّه إن (٧) لم يَتبيَّن له الخطأُ، فلا إعادةَ. وإذا دخَل وقتُ فريضةٍ بقَدْرِ تكبيرةٍ (٨)، ثمَّ طرأَ مانعٌ؛ كجُنونٍ وحيضٍ؛ قُضِيَت.

стр. 271

(وَمَنْ صَارَ أَهْلًا) لوجوبِها، بأن بلَغ صبيٌّ، أو أَسلَم كافرٌ، أو أَفاقَ مجنونٌ، أو طهَرَت حائضٌ، أو نُفَساءُ، (قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا) أي: وقتِ الصَّلاةِ، بأن وُجِد ذلك قبلَ الغروبِ مَثلًا، ولو بقَدْرِ تكبيرةٍ (١)؛ (لَزِمَتْهُ) أي: العصرُ في المثالِ المذكورِ، (وَ) لَزِمه (مَا يُجْمَعُ إِلَيْهَا قَبْلَهَا)، وهي الظُّهرُ، وكذا لو كان ذلك قبلَ الفجرِ؛ لَزِمَته العشاءُ والمغربُ؛ لأنَّ وقتَ الثانيةِ وقتٌ للأُولى حالَ العذرِ، فإذا أَدرَكه المعذورُ؛ فكأنَّه أَدرَك وقتَها. (وَيَجِبُ) على مكلَّفٍ (٢) لا مانعَ به (قَضَاءُ فَائِتَةٍ فَأَكْثَرَ) مِنْ الخمسِ (فَوْرًا)، ما لم يَنضرَّ في بَدنِه، أو معيشةٍ يَحتاجها، أو يَحضرْ لصلاةِ عيدٍ (٣)، (مُرَتِّبًا) ولو كَثُرَت، وسُنَّ صلاتُها جماعةً. (إِلَّا إِذَا نَسِيَهُ) أي: الترتيبَ بينَ الفوائتِ حالَ قَضائِها، أو بينَ حاضرةٍ وفائتةٍ حتى فرَغ مِنْ الحاضرةِ؛ فيَسقط الترتيبُ بالنِّسيانِ؛ للعذرِ (٤). ولا يَسقط بجهلِ وجوبِه. (أَوْ خَشِيَ خُرُوجَ وَقْتِ اخْتِيَارِ) الحاضرةِ، فيُقدِّمها ويَسقط الترتيبُ؛ لأنَّها آكدُ، ولا يَجوز تأخيرُها (٥) عن وقتِ الجوازِ.

стр. 272

ويَجوز تأخيرٌ لغرضٍ صحيحٍ؛ كانتظارِ رُفقةٍ أو جماعةٍ لها. ومَن شكَّ فيما عليه (١) مِنْ فوائتَ، وتَيقَّن سَبْقَ الوجوبِ (٢)؛ أَبرأَ ذِمَّتَه يَقينًا، وإن لم يَعلم وقتَ الوجوبِ؛ فمِمَّا تَيقَّن وجوبَه. (وَ) السادسُ مِنْ الشروطِ: ما أشارَ إليه بقولِه: (مِنْهَا سَتْرُ العَوْرَةِ)، قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٣): (أَجمَعوا على فسادِ صلاةِ مَنْ تركَ ثَوبَه وهو قادرٌ على الاستِتارِ به، وصلَّى عُريانًا) (٤). والسَّتر، بفتحِ السِّينِ المُهملةِ (٥): التَّغطيةُ، وبكسرِها: ما يُستر به. والعَورةُ لغةً: النُّقصانُ، والشيءُ المستقبَحُ، ومنه: كلمةٌ عوراءُ، أي: قبيحةٌ. وشرعًا: القُبلُ والدُّبرُ، وكلُّ ما يُستَحيا منه (٦)، كما يأتي.

стр. 273

(فَيَجِبُ) سَتْرُهَا حتى عن نَفسِه (١)، وفي خَلوةٍ (٢)، وظُلمةٍ (٣)، وخارجَ صلاةٍ، (بِمَا لا يَصِفُ البَشَرَةَ) أي: لونَ بَشرةِ العَورةِ مِنْ بياضٍ أو سوادٍ؛ لأنَّ السَّترَ إنَّما يَحصل بذلك. ولا يُعتبر أنْ لا يَصِف حجمَ العضوِ؛ لأنَّه لا يُمكن التحرُّزُ عنه. ويَكفي سترٌ بغيرِ مَنسوجٍ؛ كوَرقٍ وجِلدٍ ونباتٍ، ولا يَجب ببارِيَّةٍ (٤) وحَصيرٍ وحَفيرةٍ (٥) وطِينٍ وماءٍ كَدِرٍ لعدمٍ؛ لأنَّه ليس بسُترةٍ (٦). ويُباح كَشْفُها لتداوٍ وتَخلٍّ ونحوِهما (٧)، ولزوجٍ وسيِّدٍ، وزوجةٍ وأَمةٍ. (وَعَوْرَةُ رَجُلٍ)، وبالغٍ عشرًا، (وَأَمَةٍ)، وأمِّ وَلدٍ، ومكاتَبةٍ، ومُدبَّرةٍ، ومُعتَقٍ بعضُها، وحُرَّةٍ مُميِّزةٍ (٨)، ومُراهِقةٍ (٩):

стр. 274

(مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ (١))، ولَيستَا مِنْ العَورةِ. وعورة ابنِ (٢) سبعٍ إلى عشرٍ: الفَرْجان. (وَالْحُرَّةُ) مبتدأ أوَّل، و (الْبَالِغَةُ) صفة، و (كُلُّها) مبتدأ ثان، وقوله (٣): (عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ) خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر (٤) الأول، أو: (كلُّها) توكيد للحرة، وقوله: (عورةٌ) خبر لها، والمعنى: أنه يجبُ على الحرةِ البالغةِ أن تَستُرَ في كلِّ صلاةٍ، فرضًا كانت أو نفلًا، جميع بدنها؛ لأنه عورة (٥)، (إلَّا وَجْهَهَا)، بالنصبِ (٦) فليس عورةً في الصَّلاة (٧). (وَسُنَّ (٨) صَلَاةُ رَجُلٍ فِي ثَوْبَيْنِ)؛ كقَميصٍ مع رِداءٍ، أو إزارٍ، أو سراويلَ.

стр. 275

(وَيُجْزِئُهُ) أي: الرجلَ (فِي نَفْلٍ سَتْرُ عَوْرَتِهِ) المتقدِّمةِ (١)، (وَ) يُجزِئه (فِي فَرْضِ) عَينٍ أو نَذرٍ أو كفايةٍ؛ (سَتْرُهَا) أي: عَورتِه (مَعَ) سَترِ (أَحَدِ عَاتِقَيْهِ (٢)) بلِباسٍ، ولو وصَف البَشرةَ؛ لقولِه ﷺ : «لا يُصلِّي الرَّجُلُ في الثَّوبِ الواحدِ ليس على عاتقِه منه شيءٌ» رَواه الشَّيخانِ عن أَبي هريرةَ (٣)، والمرادُ بالعاتقِ: موضعُ الرِّداءِ مِنْ المَنْكِبِ. وقولُنا: «بلباسٍ»، أي (٤): سواءٌ كان مِنْ الثوبِ الذي ستَر (٥) به عَورتَه، أم مِنْ غيرِه، لكنْ مَحلُّه إذا قَدَرَ عليه (٦)، وإلَّا؛ فأيُّ شيءٍ ستَر به عاتقَه أَجزأه. (وَ) تُستحبُّ (٧) (صَلَاتُهَا) أي: المرأةِ (فِي قَمِيصٍ وَخِمَارٍ)، وهو ما تضَعه على رأسِها، وتُدِيره تحتَ حَلقِها، (وَمِلْحَفَةٍ (٨)) أي: ثوبٍ تَلتَحِف به.

стр. 276

وتُكره صلاتُها (١) في نِقابٍ (٢) وبُرقُعٍ (٣). (وَيُجْزِئُ) المرأةَ (سَتْرُ عَوْرَتِهَا) في فرضٍ ونفلٍ. (وَإِنْ انْكَشَفَ (٤) بَعْضُ عَوْرَةِ) مُصلٍّ، رَجُلًا كان أو امرأةً، (وَفَحُشَ) المنكشِفُ عرفًا، (وَطَالَ) الزمانُ؛ أعاد. وعُلِم منه: أنَّه لو قَصُر الزمنُ، أو لم يَفحُش المنكشِفُ؛ لم يُعِد إن لم يَتعمَّده (٥). (أَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُحرَّمٍ (٦) عَلَيْهِ)؛ كمغصوبٍ كلُّه أو بعضُه (٧)، وكحريرٍ، ومنسوجٍ بذهبٍ أو فضَّةٍ إن كان رَجلًا واجدًا غيرَه، وصلَّى فيه عالمًا ذاكرًا (٨)؛ أعاد.

стр. 277

وكذا إذا صلَّى بمكانٍ غصبٍ (١)، (أَوْ) صلَّى في ثوبٍ (نَجِسٍ (٢)) نجاسةً لا يُعفى عنها، ولو لعدمِ غيرِه؛ (أَعَادَ) الصلاة وجوبًا (٣). (وَيُصَلِّي) عُريانًا مع غصبٍ، و (فِي حَرِيرٍ لِعَدَمِ) غيرِه، ولا يُعيد، وفي نجسٍ لعدمٍ ويُعيد. (وَ) يُصلِّي (مَنْ حُبِسَ بِ) محلٍّ غصبٍ أو (نَجِسٍ، وَلَا يُعِيدُ)، ويَسجد على نجاسةٍ يابسةٍ، ويُومِئ برَطبةٍ غايةَ ما يُمكِنه (٤)، ويَجلس على قدمَيه. ولا يصحُّ نفلُ آبقٍ. (وَمَنْ وَجَدَ كِفَايَةَ عَوْرَتِهِ؛ سَتَرَهَا) وجوبًا وترَك غيرَها، وصلَّى قائمًا؛ لأنَّ سَترَها واجبٌ في غيرِ الصَّلاةِ، ففِيها أَولى، (وَإِلَّا) أي: وإن لم يَجِد ما يَسترها كلَّها، بل بعضَها؛ (فَ) لْيَستر (الفَرْجَيْنِ)؛ لأنَّهما أَفحشُ، (فَإِنْ) لم يَكفِهما، بل (كَفَى أَحْدَهُمَا؛ فَالدُّبُرُ أَوْلَى) بالسَّتر؛ لأنَّه يَنفرج في الرُّكوعِ والسُّجودِ؛ إلَّا إذا كَفَت (٥) مَنكِبَه وعَجُزَه فقط؛

стр. 278

فيَستُرهما (١)؛ لكَونِه يَستر مُعظَمَ العورةِ (٢) والمغلَّظَ منها، وسَترُ المَنكِبِ لا بدلَ له. (وَيُصَلِّي) مَنْ لم يسترْ فَرْجيه (٣) (جَالِسًا نَدْبًا يُومِئُ) بركوعٍ وسجودٍ، ولا يَتربعُ، بل يَنضامُّ (٤)، فلو صلَّى قائمًا، ورَكَع وسَجد جاز (٥). ويلزَم (٦) عُريانًا تَحصيلُ سُترةٍ بثَمنِ أو أُجرةِ مِثلٍ، أو زائدٍ يسيرًا. (وَمَنْ أُعِيرَ سُتْرَةً) ليُصلِّيَ فيها؛ (قَبِلَهَا) أي: وجَبَ عليه قَبولُها، فلا تصحُّ صلاتُه عُريانًا (٧)؛ لأنَّه قادرٌ على سَترِ عَورتِه بما لا ضررَ فيه، بخلافِ الهبةِ؛ للمِنَّةِ (٨)، ولا يَلزمه استِعارتُها.

стр. 279

(وَتُصَلِّي العُرَاةُ جَمَاعَةً) وجوبًا إذا كانوا رجالًا أحرارًا لا عذرَ لهم يُبيح تركَ الجماعةِ؛ إذ الوجوبُ لا يَسقط بفواتِ سُنَّةِ المَوقفِ، ولأنَّهم أَولى بالوجوبِ مِنْ أهلِ صلاةِ الخوفِ. (وَ) يَكون (إِمَامُهُمْ) أي: إمامُ العُراةِ (وَسْطًا (١)) بسكون السين المهملة (٢) أي: بينَهم (٣) (وُجُوبًا)، وإن لم يَتساوَ (٤) مَنْ عن يمينِه وشِمالِه، فإن تَقدَّمهم؛ بطَلَت. ويُصلُّون صفًّا واحدًا وجوبًا، لكن محلُّ ذلك (٥): ما لم يَكونوا عُميانًا، أو في ظُلمةٍ. (وَ) يُصلِّي (كُلُّ نَوْعٍ) مِنْ رجالٍ ونساءٍ (وَحْدَهُ) لأَنفُسِهم إن اتَّسع مَحلُّهم، فإن شقَّ؛ صلَّى الرجالُ واستَدبَرهم النساءُ، ثم عكَسوا. (وَيُصَلِّي عَارٍ) عاجزٌ عن تحصيلِ سُترةٍ (قَاعِدًا، بِالإِيمَاءِ) بركوعٍ وسجودٍ، (نَدْبًا) في قعودِه وإيمائِه، فلو صلَّى قائمًا وركَع وسجَد؛ جاز.

стр. 280

(وَإِنْ وَجَدَ) مُصلٍّ عُريانًا (سُتْرَةً قَرِيبَةً) عرفًا (فِي) أَثناءِ (الصَّلَاةِ؛ سَتَرَ) بها عَورتَه، (وَبَنَى) على ما مضَى مِنْ صلاتِه، (وَإِلَّا) أي: وإن لم يَجِدها قريبةً، بل وجَدها بعيدةً؛ (ابْتَدَأَ) الصَّلاةَ بعدَ سَترِ عَورتِه. وكذا مَنْ عتَقَتْ فيها واحتاجَت إليها (١). (وَكُرِهَ فِي صَلَاةٍ سَدْلٌ (٢))، وهو طَرحُ ثوبٍ على كَتِفَيه، ولا يَردُّ طَرَفَه على الأُخرى. (وَ) كُره فيها (اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ)، بأن يَضْطَبِع بثوبٍ ليس عليه غيرُه، والاضطِباعُ: أن يَجعل وسَطَ الرِّداءِ تحتَ عاتقِه الأيمنِ، وطَرفَيه على عاتقِه الأيسرِ، فإن كان تحتَه ثوبٌ غيرُه؛ لم يُكرَه. (وَ) كُره فيها (تَغْطِيَةُ وَجْهٍ) بلا سببٍ؛ «لنهيِه ﷺ أن يُغطِّي الرَّجلُ فاهُ» رَواه أبو داودَ (٣)، ففيه تنبيهٌ على كراهةِ تَغطيةِ الوجهِ؛ لاشتِمالِه على تغطيةِ الفمِ. (وَ) كُره فيها (تَلَثُّمٌ عَلَى فَمٍ وَأَنْفٍ)، رُوي ذلك عن ابنِ عمرَ (٤)، وفي

стр. 281

تغطيةِ الفمِ تشبُّهٌ بفعلِ المَجوسِ عندَ عبادتِهم النِّيرانَ. (وَ) كُره (١) فيها (لَفُّ كُمِّهِ) أي: جَمعُه، وَكَفُّهُ أي: منعُه (٢) مِنْ السُّجودِ معه بلا سببٍ (٣)؛ لقولِه ﷺ : «ولا أَكُفُّ شعرًا ولا ثوبًا» متَّفق عليه (٤). (وَ) كُره فيها (شَدُّ وَسَطِهِ كَزُنَّارٍ) أي (٥): بما يُشبه شدَّ الزُّنَّارِ، بضمِّ أوَّلِه، كتُفَّاح، وهو خيطٌ غليظٌ تَشدُّه النصارى على أَوساطِهم (٦)؛ لِما فيه مِنْ التشبُّهِ (٧) بأهلِ الكتابِ، وفي الحديثِ: «مِنْ تَشبَّه بقومٍ فهُو منهم (٨)» رَواه أحمدُ وغيرُه بإسنادٍ صحيحٍ (٩). وكُره للمرأةِ شدُّ وسَطِها في الصَّلاةِ (١٠)، لا لرَجلٍ بما لا يُشبِه الزُّنَّارَ. (وَتَحْرُمُ خُيَلَاءُ)، بضمِّ الخاءِ المُعجَمةِ، وفتحِ المُثنَّاةِ التَّحتيَّةِ، والمَدِّ، والمنعِ مِنْ الصَّرفِ؛ لألِفِ التأنيثِ الممدودةِ، ومعناه: الكِبْرُ والإعجابُ (١١)،

стр. 282

(فِي ثَوْبٍ وَغَيْرِهِ)؛ كعمامةٍ، في الصَّلاة وخارجَها، في غيرِ حربٍ؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ جَرَّ ثَوبَه خُيلاءَ لم يَنظُر اللهُ إليه» متَّفق عليه (١). ويَجوز الإسبالُ مِنْ غيرِ خُيَلاءَ لحاجةٍ؛ كسَترِ قُبحٍ (٢) برِجلٍ. (وَ) يَحرُم (٣) (تَصْوِيرٌ (٤)) أي: عملُ صورةِ حيوانٍ؛ لحديثِ الترمذيِّ وصحَّحه: «نهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن الصُّورة (٥) في البيت، وأن تُصنَعَ» (٦). فإن أُزيل منها (٧) ما لا تَبقى معه حياةٌ (٨)؛ لم تُكرَه. (وَ) يَحرُم (اسْتِعْمَالُهُ) أي: المصوَّرِ، على الذَّكرِ والأُنثى، (فِي غَيْرِ فَرْشٍ وَتَوَسُّدٍ)، فيَحرُم استِعمالُه في لُبسٍ، وتعليقٍ، وسترِ جُدُرٍ به (٩)، لا في فَرشٍ، أي: افتراشٍ (١٠)، ولا في توسُّدِه، أي: جَعلِه مِخَدًّا. (وَ) يَحرُم (عَلَى ذَكَرٍ (١١)) استِعمالُ (مَا) أي: منسوجٍ من حريرٍ وغيره،

стр. 283

لكنَّ (١) (غَالِبَهُ) أي: أكثرَه (حَرِيرٌ ظُهُورًا)، تَمييزٌ محوَّلٌ عن الفاعلِ، أي: ما كَثُر ظهورُ الحريرِ فيه، وزادَ على ما معه مِنْ نحوِ كَتَّانٍ. وعُلِم منه: أنَّه لا يَحرُم إذا استَويَا ظهورًا، أو كان الغالبُ غيرَ الحريرِ، ولا عبرةَ بالوزنِ. (وَ) يَحرُم على ذَكرٍ (مَنْسُوجٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ)، أو مُموَّهٌ بأَحدِهما، غيرَ ما يأتي في الزكاةِ مِنْ أنواعِ الحَلْيِّ، (قَبْلَ اسْتِحَالَةِ (٢)) ما ذُكر مِنْ الذَّهبِ والفضَّةِ، فإن تَغيَّر لونُه، ولم (٣) يَحصل منه شيءٌ بعَرضِه على النارِ؛ لم يَحرُم؛ لعدمِ السَّرفِ والخُيَلاءِ. (وَيُبَاحُ) خَزٌّ، وهو (مَا سُدِيَ بِإِبْرِيسَمٍ (٤)) أي: حريرٍ (وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ) أي: غيرِ الإِبرِيسَمِ مِنْ نحوِ صوفٍ أو قطنٍ (٥)، لكن بشرطِ أن يَكون الحريرُ مستتِرًا وغيرُ الحريرِ هو الظاهرُ، وإلّا بأن ظهَر الحريرُ واستَتَر غيرُه؛ فهو كالمُلْحَمِ المحرَّمِ، كما قال في «الاختيارات»: (المنصوصُ عن أحمدَ وقُدماءِ الأصحابِ إباحةُ الخَزِّ دونَ المُلحَمِ) (٦). قال المصنِّفُ: والمُلحَمُ: ما سُدِيَ بغيرِ الحريرِ

стр. 284

وأُلحِم به. انتهى (١). فالمُلحَمُ عكسُ الخَزِّ صورةً وحكمًا، وقد اشْتَبه على كثيرٍ مِنْ الناس (٢) نحوُ الثيابِ البغداديَّةِ ممَّا يُسدَى بالحريرِ ويُلحَم بالقطنِ، لكن مع ظهورِ الحريرِ واستِتارِ القطنِ، فتوهَّموا أنَّ ذلك مِنْ الخَزِّ المباحِ، وغَفَلُوا (٣) عن شرطِ الخَزِّ

стр. 285

أعني: استِتارَ الحريرِ وظهورَ غيرِه وهذا الشرطُ لا بُدَّ منه، كما يَدلُّ عليه مواضعُ مِنْ كلامِهم، كما في «حواشي الفروعِ» لابنِ قُندُسٍ وغيرِها، واللهُ أعلمُ (١). (وَ) يُباحُ حريرٌ (خَالِصٌ لِ) ضرورةٍ، و (حِكَّةٍ). ويُباح حريرٌ في حربٍ مباحٍ، إذا تَراءَى الجَمعانِ إلى انقضاءِ القتالِ، ولو لغيرِ حاجةٍ. (وَ) يُباح حريرٌ لحاجةِ (قَمْلٍ، وَمَرَضٍ) يُنتفع به فيه. (وَ) يُباح مِنْ الحرير (حَشْوُ) جِبَابٍ، وفُرشٍ؛ لعدمِ الفخرِ والخُيَلاءِ، بخلافِ البِطانةِ. ويَحرُم إلباسُ صبيٍّ ما حَرُم على رَجلٍ (٢)، وتشبُّهُ رَجلٍ بأُنثى، وعكسُه، في لباسٍ وغيرِه (٣). (وَ) يُباح مِنْ حريرٍ (عَلَمُ ثَوْبٍ (٤)) وهو طِرازُه، (وَ) يُباح منه (رِقَاعٌ، وسُجُفُ) نحوِ فِراءٍ، بضمِّ السِّينِ المهمَلةِ والجيمِ، جمعُ سِجافٍ، ككُتبٍ وكتابٍ.
следующие страницы →