← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

تغطيةِ الفمِ تشبُّهٌ بفعلِ المَجوسِ عندَ عبادتِهم النِّيرانَ. (وَ) كُره (١) فيها (لَفُّ كُمِّهِ) أي: جَمعُه، وَكَفُّهُ أي: منعُه (٢) مِنْ السُّجودِ معه بلا سببٍ (٣)؛ لقولِه ﷺ : «ولا أَكُفُّ شعرًا ولا ثوبًا» متَّفق عليه (٤). (وَ) كُره فيها (شَدُّ وَسَطِهِ كَزُنَّارٍ) أي (٥): بما يُشبه شدَّ الزُّنَّارِ، بضمِّ أوَّلِه، كتُفَّاح، وهو خيطٌ غليظٌ تَشدُّه النصارى على أَوساطِهم (٦)؛ لِما فيه مِنْ التشبُّهِ (٧) بأهلِ الكتابِ، وفي الحديثِ: «مِنْ تَشبَّه بقومٍ فهُو منهم (٨)» رَواه أحمدُ وغيرُه بإسنادٍ صحيحٍ (٩). وكُره للمرأةِ شدُّ وسَطِها في الصَّلاةِ (١٠)، لا لرَجلٍ بما لا يُشبِه الزُّنَّارَ. (وَتَحْرُمُ خُيَلَاءُ)، بضمِّ الخاءِ المُعجَمةِ، وفتحِ المُثنَّاةِ التَّحتيَّةِ، والمَدِّ، والمنعِ مِنْ الصَّرفِ؛ لألِفِ التأنيثِ الممدودةِ، ومعناه: الكِبْرُ والإعجابُ (١١)،

стр. 282

(فِي ثَوْبٍ وَغَيْرِهِ)؛ كعمامةٍ، في الصَّلاة وخارجَها، في غيرِ حربٍ؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ جَرَّ ثَوبَه خُيلاءَ لم يَنظُر اللهُ إليه» متَّفق عليه (١). ويَجوز الإسبالُ مِنْ غيرِ خُيَلاءَ لحاجةٍ؛ كسَترِ قُبحٍ (٢) برِجلٍ. (وَ) يَحرُم (٣) (تَصْوِيرٌ (٤)) أي: عملُ صورةِ حيوانٍ؛ لحديثِ الترمذيِّ وصحَّحه: «نهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن الصُّورة (٥) في البيت، وأن تُصنَعَ» (٦). فإن أُزيل منها (٧) ما لا تَبقى معه حياةٌ (٨)؛ لم تُكرَه. (وَ) يَحرُم (اسْتِعْمَالُهُ) أي: المصوَّرِ، على الذَّكرِ والأُنثى، (فِي غَيْرِ فَرْشٍ وَتَوَسُّدٍ)، فيَحرُم استِعمالُه في لُبسٍ، وتعليقٍ، وسترِ جُدُرٍ به (٩)، لا في فَرشٍ، أي: افتراشٍ (١٠)، ولا في توسُّدِه، أي: جَعلِه مِخَدًّا. (وَ) يَحرُم (عَلَى ذَكَرٍ (١١)) استِعمالُ (مَا) أي: منسوجٍ من حريرٍ وغيره،

стр. 283

لكنَّ (١) (غَالِبَهُ) أي: أكثرَه (حَرِيرٌ ظُهُورًا)، تَمييزٌ محوَّلٌ عن الفاعلِ، أي: ما كَثُر ظهورُ الحريرِ فيه، وزادَ على ما معه مِنْ نحوِ كَتَّانٍ. وعُلِم منه: أنَّه لا يَحرُم إذا استَويَا ظهورًا، أو كان الغالبُ غيرَ الحريرِ، ولا عبرةَ بالوزنِ. (وَ) يَحرُم على ذَكرٍ (مَنْسُوجٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ)، أو مُموَّهٌ بأَحدِهما، غيرَ ما يأتي في الزكاةِ مِنْ أنواعِ الحَلْيِّ، (قَبْلَ اسْتِحَالَةِ (٢)) ما ذُكر مِنْ الذَّهبِ والفضَّةِ، فإن تَغيَّر لونُه، ولم (٣) يَحصل منه شيءٌ بعَرضِه على النارِ؛ لم يَحرُم؛ لعدمِ السَّرفِ والخُيَلاءِ. (وَيُبَاحُ) خَزٌّ، وهو (مَا سُدِيَ بِإِبْرِيسَمٍ (٤)) أي: حريرٍ (وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ) أي: غيرِ الإِبرِيسَمِ مِنْ نحوِ صوفٍ أو قطنٍ (٥)، لكن بشرطِ أن يَكون الحريرُ مستتِرًا وغيرُ الحريرِ هو الظاهرُ، وإلّا بأن ظهَر الحريرُ واستَتَر غيرُه؛ فهو كالمُلْحَمِ المحرَّمِ، كما قال في «الاختيارات»: (المنصوصُ عن أحمدَ وقُدماءِ الأصحابِ إباحةُ الخَزِّ دونَ المُلحَمِ) (٦). قال المصنِّفُ: والمُلحَمُ: ما سُدِيَ بغيرِ الحريرِ

стр. 284

وأُلحِم به. انتهى (١). فالمُلحَمُ عكسُ الخَزِّ صورةً وحكمًا، وقد اشْتَبه على كثيرٍ مِنْ الناس (٢) نحوُ الثيابِ البغداديَّةِ ممَّا يُسدَى بالحريرِ ويُلحَم بالقطنِ، لكن مع ظهورِ الحريرِ واستِتارِ القطنِ، فتوهَّموا أنَّ ذلك مِنْ الخَزِّ المباحِ، وغَفَلُوا (٣) عن شرطِ الخَزِّ

стр. 285

أعني: استِتارَ الحريرِ وظهورَ غيرِه وهذا الشرطُ لا بُدَّ منه، كما يَدلُّ عليه مواضعُ مِنْ كلامِهم، كما في «حواشي الفروعِ» لابنِ قُندُسٍ وغيرِها، واللهُ أعلمُ (١). (وَ) يُباحُ حريرٌ (خَالِصٌ لِ) ضرورةٍ، و (حِكَّةٍ). ويُباح حريرٌ في حربٍ مباحٍ، إذا تَراءَى الجَمعانِ إلى انقضاءِ القتالِ، ولو لغيرِ حاجةٍ. (وَ) يُباح حريرٌ لحاجةِ (قَمْلٍ، وَمَرَضٍ) يُنتفع به فيه. (وَ) يُباح مِنْ الحرير (حَشْوُ) جِبَابٍ، وفُرشٍ؛ لعدمِ الفخرِ والخُيَلاءِ، بخلافِ البِطانةِ. ويَحرُم إلباسُ صبيٍّ ما حَرُم على رَجلٍ (٢)، وتشبُّهُ رَجلٍ بأُنثى، وعكسُه، في لباسٍ وغيرِه (٣). (وَ) يُباح مِنْ حريرٍ (عَلَمُ ثَوْبٍ (٤)) وهو طِرازُه، (وَ) يُباح منه (رِقَاعٌ، وسُجُفُ) نحوِ فِراءٍ، بضمِّ السِّينِ المهمَلةِ والجيمِ، جمعُ سِجافٍ، ككُتبٍ وكتابٍ.

стр. 286

ومحلُّه: إذا كانت الثلاثةُ قَدْرَ أربعِ أصابعَ فأقلَّ؛ لِما روَى مسلمٌ عن عمرَ: «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن لُبسِ الحريرِ إلّا موضعَ إصبَعَين أو ثلاثةٍ أو أربعةٍ» (١). و (لا) يُباح مِنْ الثلاثة مَا (فَوْقَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ مَضْمُومَةٍ (٢))، بالجرِّ، أي: مضمومٍ بعضُها إلى بعضٍ، فتُعتبر الأصابعُ عرضًا لا طولًا. (وَكُرِهَ لِرَجُلٍ) ثوبٌ (مُعَصْفَرٌ فِي غَيْرِ إِحْرَامٍ (٣)، وَ) كُره لرَجلٍ ثوبٌ (مُزَعْفَرٌ) مطلقًا (٤)؛ لأنَّه ﵊ «نهَى الرِّجالَ عن التَّزَعفُرِ» متَّفق عليه (٥). وكُره أحمرُ خالصٌ، ومشيٌ بنَعلٍ واحدةٍ، وكونُ ثيابِه فوقَ نصفِ ساقِه (٦)، أو تحتَ كَعبِه بلا حاجةٍ (٧)، وللمرأةِ زيادةٌ إلى ذراعٍ (٨).

стр. 287

وكُره لُبسُ ثوبٍ يَصِف البشرةَ (١) لرجلٍ وامرأةٍ، وثوبُ شُهرةٍ، وهو ما يَشتهر به عند الناسِ، ويُشار إليه بالأصابعِ. (وَ) السابعُ مِنْ شروطِ الصَّلاةِ (٢): ما أشارَ إليه بقولِه: (مِنْهَا اجْتِنَابُ نَجَاسَةٍ (٣) لَا يُعْفَى عَنْهَا)، في بَدنِ مُصلٍّ وثوبِه وبُقعتِهما، وعدمُ حَملِها (٤)؛ لحديثِ: «تَنزَّهوا من البولِ؛ فإنَّ عامَّةَ عذابِ القبرِ منه» (٥)، وقولِه تَعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. (فَمَنْ حَمَلَهَا) أي: النَّجاسةَ التي لا يُعفى عنها، ولو بقارورةٍ (٦)؛ لم تصحَّ صلاتُه. فإن كانت مَعفوًّا عنها؛ كمَن حمَل مستجمِرًا، أو حيوانًا طاهرًا (٧)؛ صحَّت صلاتُه. (أَوْ لَاقَاهَا) أي: النَّجاسةَ التي لا يُعفى عنها، (بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ)؛ لعدمِ اجتنابِه النَّجاسةَ.

стр. 288

وإن مسَّ ثوبُه ثوبًا أو حائطًا نَجسًا لم يَستند إليه (١)، أو قابَلها راكعًا أو ساجدًا ولم يُلاقها؛ صحَّت. (وَإِنْ طَيَّنَ أَرْضًا نَجِسَةً أَوْ فَرَشَهَا صَفِيقًا (٢) طَاهِرًا)، أو بسَطَه على حيوانٍ نَجسٍ، أو صلَّى على بساطٍ باطنُه فقط نَجسٌ؛ (صَحَّتْ) صَلاتُه؛ لأنَّه ليس حاملًا للنَّجاسة، ولا مباشِرًا لها، (وَكُرِهَ) له ذلك؛ لاعتمادِه على ما لا تصحُّ الصَّلاةُ عليه. (وَتَصِحُّ) الصَّلاةُ (عَلَى طَاهِرٍ بَطَرَفِهِ) أي: الطاهرِ (نَجَاسَةٌ) لا يُلاقيها، ولو تحرَّك النَّجسُ بحركتِه، وكذا لو كان تحتَ قَدمِه حبلٌ مشدودٌ في نجاسةٍ وما يُصلِّي عليه منه طاهرٌ، (إِلَّا إِنْ تَعَلَّقَ بِهِ) أي: بالمُصلِّي (نَجِسٌ يَنْجَرُّ) معه (بمَشْيِهِ)؛ فلا تصحُّ؛ لأنَّه مُستتبِعٌ لها، فهو كحامِلِها. وإن كانت سفينةً كبيرةً، أو حيوانًا كبيرًا لا يَقدِر على جَرِّه إذا استَعصَى عليه؛ صحَّت؛ لأنَّه ليس بمُستتبِعٍ لها (٣). (وَمَنْ) أي: أيُّ مُصلٍّ (وَجَدَ بِهِ) أي: ببَدنِه أو ثوبِه أو مكانِه (نَجَاسَةً) لا يُعفى عنها (بَعْدَ صَلَاتِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهَا) أي: النَّجاسةَ (كَانَتْ فِيهَا) أي: في الصَّلاة (لَكِنْ نَسِيَهَا، وَنَحْوُهُ)؛ كما لو جَهِلها؛ (أَعَادَ) الصَّلاةَ وجوبًا (٤)، كما لو صلَّى

стр. 289

محدِثًا ناسيًا، (وَإِلَّا) أي: وإن لم يَعلم كونَها فيها؛ (فَلَا) يُعيد؛ لاحتمالِ حدوثِها بعدَها، فلا تَبطل بالشكِّ. (وَمَنْ جُبِرَ)، بالبناء للمفعول، (عَظْمُهُ (١))، نائبُ فاعلٍ (٢)، بعَظمٍ نَجسٍ، (أَوْ خِيطَ)، بالبناء للمفعول، (جُرْحُهُ)، نائبُ فاعل (٣)، (بِ) خَيطٍ (نَجِسٍ) وصحَّ؛ (لَمْ تَجِبْ (٤) إِزَالَتُهُ) أي: النجسِ (مَعَ ضَرَرٍ) بفواتِ نفسٍ أو عضوٍ، أو مرضٍ، ولا يَتيمَّم له إن غطَّاه اللحمُ (٥). وإن لم يَخَف ضررًا؛ لَزِمَتْه إزالتُه، وتقدم في السِّواك حُكمُ الوَشْمِ (٦). (وَمَا سَقَطَ مِنْهُ) أي: مِنْ آدميٍّ (مِنْ عُضْوٍ أَوْ سِنٍّ)؛ فهو (طَاهِرٌ)، أعادَه أو لم يُعِده (٧)؛ لأنَّ ما أُبِينَ مِنْ حيٍّ كمَيتتِه، وميتةُ الآدميِّ طاهرةٌ. وإن جعَل موضعَ سِنِّه سِنَّ شاةٍ مُذكَّاةٍ؛ فصلاتُه صحيحةٌ، ثَبتتْ (٨) أو لا. (وَلَا تَصِحُّ صَلَاةٌ) بلا عذرٍ؛ كحبسٍ (٩)، فرضًا كانت أو نفلًا، غيرَ صلاةِ

стр. 290

جنازةٍ، (فِي مَقْبَرَةٍ (١))، بتَثليثِ الباءِ، ولا يَضرُّ قَبران، ولا ما دُفِن بدارِه (٢). (وَ) لا في (حَمَّامٍ)، داخلَه وخارجَه، وجميعِ ما يَتبعه في بيعٍ. (وَ) لا في (عَطَنِ إِبِلٍ)، بفتح الطاءِ المهملةِ (٣)، أي: مَعطِنها، بكسرها، وهي (٤) ما تُقيم فيه (٥)، وتَأوي إليه (٦). (وَ) لا في (حُشٍّ (٧))، بضم الحاء المهمَلةِ وفتحِها، وهو المِرحاضُ.

стр. 291

(وَ) لا في (مَجْزَرَةٍ (١)، وَمَزْبَلَةٍ (٢)، وَقَارِعَةِ طَرِيقٍ (٣)) (٤). (وَ) لا تصح الصلاةُ (٥) في (أَسْطِحَتِهَا) أي: أسطحةِ تلك المواضعِ، وسطحِ نَهرٍ (٦). (وَ) لا في (مَغْصُوبٍ) (٧). والمنعُ فيما ذُكر تعبُّديٌّ؛ لِما روَى ابنُ ماجَه والترمذيُّ عن ابنِ عمرَ: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نهَى أن يُصلَّى في سبعِ مواطنَ: المزبلةِ، والمجزرةِ، والمقبرةِ، وقارعةِ الطريقِ، وفي الحمَّامِ، وفي معاطنِ الإبلِ، وفوقَ ظهرِ بيتِ اللهِ» (٨).

стр. 292

(وَتُكْرَهُ) الصَّلاةُ وتصحُّ (إِلَيْهَا) أي: إلى تلك المواضعِ إن لم يَكُنْ حائلٌ (١)، وإلّا فلا كراهةَ (٢). وتصحُّ صلاةُ جنازةٍ وجمعةٍ وعيدٍ ونحوِها (٣) بطَريقٍ لضرورةٍ (٤)، وغصبٍ (٥)، وعلى راحلةٍ بطَريقٍ، وفي سفينةٍ، ويَأتي. (وَلَا تَصِحُّ فَرِيضَةٌ فِي الكَعْبَةِ، وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا، وَالحِجْرُ)، بكسر الحاء المهملة (٦) (مِنْهَا) أي: مِنْ الكعبةِ، فلا تصحُّ الفريضةُ فيه كما لا تصحُّ في الكعبة (٧). وتصحُّ إن وقَف على مُنتهاها بحيثُ لم يَبقَ وراءَه شيءٌ منها، أو وقَف

стр. 293

خارجَها وسجَد فيها أو في الحِجْر (١)؛ لأنَّه غيرُ مُستدبِرٍ لشيءٍ منها. وتصحُّ النَّافلةُ والمنذورةُ فيهما، أي: في الكعبةِ والحِجْرِ، وكذا يَصحَّان عليها (٢). (وَتُسَنُّ (٣) النَّافِلَةُ فِيهِمَا) أي: في الحِجْرِ، والكعبةِ بينَ الأُسطُوانَتَين تِجَاهَه (٤) إذا دخَل؛ لفعلِه ﵇ (٥). (وَ) الشرطُ الثامنُ: ما أشارَ إليه بقولِه: (مِنْهَا: اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ) أي: الكعبةِ (٦) أو جِهتِها (٧)، سُمِّيَت قِبلةً؛ لإقبالِ الناسِ عليها، قال تَعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. (فَلَا تَصِحُّ) صلاةٌ (بِدُونِهِ) أي: بدونِ الاستِقبالِ، (إِلَّا لِعَاجِزٍ)؛ كمربوطٍ، ومصلوبٍ لغيرِ القبلةِ، وعندَ اشتِدادِ حربِ.

стр. 294

(وَ) إلّا لِ (مُسَافِرٍ) سفرًا مباحًا، طويلًا أو قصيرًا، (مُتَنَفِّلٍ)، لا مفترضٍ، إذا كان يَقصد جهةً معيَّنةً؛ فلَه أن يَتطوَّع، سائرًا لا نازلًا، ماشيًا أو راكبًا على راحلته، حيثما توجَّهت به (١). (وَيَفْتَتِحُ (٢)) متنفِّلٌ في سفرٍ (الصَّلَاةَ) بالإحرامِ (إِلَيْهَا) أي: إلى القبلةِ وجوبًا، بالدَّابَّةِ أو بنَفسِه، (إِنْ لَمْ يَشُقَّ) عليه، (وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ أَيْضًا) أي: كما يَفتتح، (إِلَيْهَا) أي: إلى القبلةِ وجوبًا، (مَاشٍ)، فاعلٌ يَتنازعه (٣) (يَركع) و (يَسجد)، أي: لتَيسُّرِ ذلك عليه، وأمَّا الراكبُ فيَركع ويَسجد إن أَمكَن بلا مشقَّةٍ، وإلّا فإلى جهةِ سَيرِه، ويُومِئ بهما، ويَجعل سجودَه أَخفضَ. وراكبُ المِحَفَّةِ الواسعةِ، والسَّفينةِ، والراحلةِ الواقفةِ: يَلزمه الاستِقبالُ في كلِّ صلاتِه. (وَمَنْ قَرُبَ مِنَ الكَعْبَةِ)؛ بأن أَمكَنه مُعايَنتُها، أو الخبرُ عن يقينٍ؛ (فَفَرْضُهُ إِصَابَةُ عَيْنِهَا) ببَدنِه كلِّه، بحيثُ لا يَخرج شيءٌ منه عن الكعبةِ، ولا يَضرُّ علوٌّ ولا نزولٌ. (وَمَنْ بَعُدَ) عن الكعبةِ؛ ففَرضُه استِقبالُ (جِهَتِهَا)، فلا يَضرُّ التَّيامنُ والتَّياسرُ اليَسيران عرفًا، إلّا مَنْ كان بمسجدِه ﷺ ؛ لأنَّ قِبلتَه متيقَّنةٌ.

стр. 295

(وَيَعْمَلُ) مَنْ جَهِل القِبلةَ (بِخَبَرِ) مكلَّفٍ، ثقةٍ، عدلٍ ظاهرًا وباطنًا، (عَنْ يَقِينٍ)، حُرًّا كان أو عبدًا، رَجلًا أو امرأةً. (وَ) يَعمل أيضًا (بِمِحْرَابٍ إِسْلَامِيٍّ)؛ لأنَّ الاتِّفاقَ عليه مع تَكرارِ الأَعصارِ إجماعٌ، فلا تَجوز مخالفتُه حيثُ عَلِمه للمسلِمين، ولا يَنحرف (١). (وَيَسْتَدِلُّ) جاهلُ القِبلةِ (عَلَيْهَا فِي السَّفَرِ بِالقُطْبِ)، نجمٌ خفيٌّ شماليٌّ، حولَه أنجمٌ دائرةٌ كفراشةِ الرَّحى، في أحدِ طَرفَيها الجَديُ والآخرِ الفَرْقَدَان، يَكون القطبُ (٢) وراءَ ظَهرِ المصلِّي بالشَّامِ، وعلى عاتقِه الأيسرِ بمِصرَ، وهو أَثبتُ أدلَّتِها؛ لأنَّه لا يَزول عن مكانِه إلّا قليلًا. (وَ) يَستدلُّ عليها أيضًا (بِغَيْرِهِ) أي: غيرِ القُطبِ؛ كالشمسِ والقمرِ ومَنازلِهما، فإنَّها (٣) تَطلع مِنْ المشرقِ، وتَغرب بالمغربِ. ويُستحبُّ تعلُّمُ أدلَّةِ القِبلةِ والوقتِ (٤)، فإن دخَل وخَفِيَت؛ لَزِمه، ويُقلِّد إن ضاق الوقتُ. (وَلَا يَتْبَعُ مُجْتَهِدٌ مُجْتَهِدًا خَالَفَهُ) وإن كان أعلمَ منه، (وَلَا يَقْتَدِي بِهِ)؛ لأنَّ كلًّا منهما يَعتقد خطأَ الآخرِ.

стр. 296

(وَيَتْبَعُ مُقَلِّدٌ)، بكسرِ اللامِ، لجَهلٍ أو عمًى؛ (الأَوْثَقَ) مِنْ مُجتهِدَين، أي: أَعلمَهما (عِنْدَهُ) وأَصدَقهما، وأَشدَّهما تحرِّيًا لدِينِه؛ لأنَّ الصَّوابَ إليه أقربُ. فإن تَساويَا خُيِّر. وإذا قلَّد اثنَين؛ لم يَرجع برجوعِ أَحدِهما (١). (وَمَنْ صَلَّى بِلَا اجْتِهَادٍ) في القِبلةِ (٢) مع قُدرتِه عليه، (وَلَا تَقْلِيدٍ) إن لم يُحسِن الاجتهادَ (مَعَ قُدْرَتِهِ) على التَّقليدِ، بأن وجَد مَنْ يُقلِّدُه؛ (أَعَادَ) ولو أَصاب لِتَرْكِهِ الواجِبَ عَليه (٣)، (وَإِلَّا) أي: وإن لم يَقدِر على اجتهادٍ ولا تقليدٍ؛ كأن لم يَجِد أَعمى أو جاهلٌ مَنْ يُقلِّده؛ (تَحَرَّى (٤) وَصَلَّى (٥))، ولا إعادةَ. وإن صلَّى بَصيرٌ حضرًا فأخطأ، أو صلَّى أَعمى بلا دليلٍ، مِنْ لَمسِ نحوِ مِحرابٍ، أو خبرِ ثقةٍ؛ أعاد. (وَيَجْتَهِدُ عَارِفٌ) بأدلَّةِ القِبلةِ (لِكُلِّ صَلَاةٍ)؛ لأنَّها واقعةٌ متجدِّدةٌ، فتَستدعي

стр. 297

طلبًا جديدًا. (وَيَعْمَلُ بِ) الاجتهادِ (الثَّانِي)؛ لأنَّه تَرجَّح في ظنِّه، ولو في أثناءِ الصَّلاةِ، فيَبني، (وَلَا يَقْضِي مَا صَلَّى ب) الاجتهادِ (الأَوَّلِ)؛ لأنَّ الاجتهادَ لا يَنقض الاجتهادَ. ومَن أُخبر فيها بالخطأِ يَقينًا؛ لَزِم قَبولُه (١). وإن لم يَظهر لمجتهدٍ جِهةٌ؛ صلَّى على حسَبِ حالِه (٢). (وَ) الشرطُ التاسعُ: ما أشارَ إليه بقولِه: (مِنْهَا النِّيَّةُ (٣)) وبها تمَّت الشروطُ. وهي لغةً: القصدُ، وهو عزمُ القلبِ على الشيءِ. وشرعًا: العزمُ على فعلِ العبادةِ تقرُّبًا إلى اللهِ تَعالى (٤). ومحلُّها القلبُ، والتلفُّظُ بها ليس بشرطٍ (٥)؛ إذ الفرضُ جعلُ العبادةِ للهِ

стр. 298

تَعالى، فلا يَضرُّ سبقُ لِسانِه بغيرِ ما نَواه. (فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَنْوِيَ عَيْنَ مَا يُصَلِّيهِ مِنْ) فرضٍ؛ (نَحْوِ ظُهْرٍ) وعصرٍ، (أَوْ) نَفلٍ؛ ك (رَاتِبَةٍ) ووِترٍ؛ لحديثِ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» (١). (وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ فَرْضٍ) في نحوِ ظُهرٍ، بأن يَنويها فرضًا، بل تَكفي نيَّةُ الظُّهرِ مَثلًا، (وَلَا) تُعتبر نيَّةُ (أَدَاءٍ، وَلَا) نيَّةُ (ضِدِّهِمَا) أي: ضدِّ الفرضِ والأداءِ، وهُما النفلُ والقضاءُ، (فِي ذَلِكَ) المذكور (٢) مِنْ الفرضِ والراتبةِ. ولا يُشترط أيضًا: نيَّةُ الإعادةِ في المُعادةِ، ولا إضافةُ الفعلِ إلى اللهِ تَعالى فيما ذُكر (٣)، ولا في باقي العباداتِ؛ لأنَّها لا تَكون إلّا له سبحانَه، ولا عددِ الركعاتِ. ومَن عليه ظُهران؛ عيَّن السابقةَ لأجلِ التَّرتيبِ، ولا يَمنع صحَّتَها قصدُ تَعليمها ونحوِه (٤). (وَيَنْوِي مَعَ التَّحْرِيمَةِ)؛ لتَكونَ النِّيَّةُ مُقارِنةً للعبادةِ، (أَوْ) يَنوي (قَبْلَهَا) أي: قبلَ تكبيرةِ الإحرامِ (بِ) زمنٍ (يَسِيرٍ) عرفًا، إن وُجدت النيَّةُ (فِي الوَقْتِ)

стр. 299

أي: وقتِ المؤدَّاةِ والراتبةِ، ما لم يَفسخها. (وَإِنْ قَطَعَهَا) أي: النيَّةَ في أثناءِ الصَّلاةِ، (أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ) أي: في (١) قطعِها؛ (بَطَلَتْ)؛ لأنَّ استدامةَ النيَّةِ شرطٌ، ومع الفسخِ أو التردُّدِ لا يَبقى مستديمًا. وكذا لو علَّقه على شرطٍ. لا إن عزَم على فعلِ محظورٍ قبلَ (٢) فعلِه (٣). وإذا شكَّ في الصَّلاة في النيَّة أو التَّحريمةِ؛ استأنفَها، وإن تذكَّر أنَّه نوى، وكان ذلك قبل قَطْعِه لها (٤)؛ فإن لم يَكُنْ أَتى بشيءٍ مِنْ أعمالِ (٥) الصَّلاةِ؛ بنَى، وإن عَمِل مع الشَّكِّ عملًا؛ استأنَف. وبعدَ الفراغِ؛ لا أثرَ للشَّكِّ. (وَيَجُوزُ) لمنفردٍ أو مأمومٍ (قَلْبُ فَرْضِهِ) الذي أَحرم به في وقتِه (نَفْلًا (٦)

стр. 300

إِنِ اتَّسَعَ وَقْتُهُ) المختارُ؛ لفعل ما أحرم به، ولأداء الفرض في وقته (١). (وَكُرِهَ) قلبُ الفرضِ نفلًا (بِلَا غَرَضٍ) صحيحٍ؛ كأن يُحرِم منفردًا فيُريدَ الصَّلاةَ في جماعةٍ. وإن انتَقل مِنْ فرضٍ إلى آخرَ بالنيَّةِ؛ بَطَلَا (٢). (وَيَنْوِي إِمَامُ) جماعةٍ (وَمَأْمُومٌ حَالَهُمَا) وجوبًا، فيَنوي الإمامُ الإمامةَ، وينوي (٣) المأمومُ الائتِمامَ؛ لأنَّ الجماعةَ يَتعلَّق بها أحكامٌ (٤)، وإنَّما يَتميَّزان بالنيَّة، فكانت شرطًا (٥)، رَجلًا كان المأمومُ أو امرأةً. وإن اعتَقَد كلٌّ أنَّه إمامُ الآخرِ أو مأمومُه؛ فسَدَت صلاتُهما؛ كما لو نوَى إمامةَ مَنْ لا يصحُّ أن يَؤمَّه (٦)، أو شكَّ في كَونِه إمامًا أو مأمومًا. ولا يُشترط تَعيينُ الإمامِ ولا المأمومِ، ولا يَضرُّ جهلُ مأمومٍ ما (٧) قرأ به إمامُه.

стр. 301

وإن نوَى زيدٌ الاقتداءَ بعمرٍو، ولم يَنوِ عمرٌو الإمامةَ؛ صحَّت صلاةُ عمرٍو وحدَه. وتصحُّ نيَّةُ الإمامةِ ظانًّا حضورَ مأمومٍ (١)، لا شاكًّا. (فَإِنْ نَوَى مُنْفَرِدٌ) في أثناءِ الصَّلاةِ (الإِمَامَةَ)، بأن نوَى أنَّه إمامٌ لغيرِه، (أَوْ) نوَى المنفردُ (الائْتِمَامَ)، بأن نوَى الاقتِداءَ (٢) بغيرِه؛ (لَمْ يَصِحَّ)؛ لأنَّه لم يَنوِه في ابتداءِ الصَّلاةِ، سواءٌ صلَّى وحدَه ركعةً أو لا، فرضًا كانت الصَّلاةُ أو نفلًا. (وَتَبْطُلُ) صلاةُ مُؤتمٍّ (إِنْ انْفَرَدَ) أي: نوَى الانفرادَ (بِلَا عُذْرٍ يُبِيحُ تَرْكَ جَمَاعَةٍ)؛ كمرضٍ، وغلبةِ نُعاسٍ، وتطويلِ إمامٍ، وإنَّما بطَلَت لتَركِ متابعةِ إمامِه، فلَو فارَقَه لعذرٍ صحَّت، فإن فارَقَه في ثانيةِ جمعةٍ لعذرٍ؛ أتمَّها جمعةً (٣). (وَ) تَبطل (صَلَاةُ مَأْمُومٍ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إِمَامِهِ) لِعُذْرٍ أو غيرِهِ، لا عكسُه، ويُتمُّها منفردًا (٤). (وَ) يَجوز (٥) (لِإِمَامٍ أَنْ يَسْتَخْلِفَ) مَنْ يُتمُّ الصَّلاةَ بالمأمومِين (لِ) حدوثِ

стр. 302

(مَرَضٍ) به، (وَلِحَصْرٍ) أي: منعٍ (عَنْ وَاجِبٍ)، نحوِ قراءةٍ، أو خوفٍ مِنْ سَبقِ حَدَثٍ، لا إن سبقَه قبلَ الاستخلاف (١). (وَيَبْنِي الخَلِيفَةُ) أي: مَنْ استَخلفَه الإمامُ في إتمامِ الصَّلاةِ (عَلَى) ترتيبِ (صَلَاةِ إِمَامِهِ) المُستخلِفِ له، لا على ترتيبِ نَفسِه لو كان مسبوقًا (٢). (وَإِنْ أَحْرَمَ) الإمامُ (الرَّاتِبُ بِمَنْ) أي: بمأمومِين (أَحْرَمَ بِهِمْ نَائِبُهُ) لغَيبتِه مَثلًا، وبنَى على صلاةِ نائبِه، (وَعَادَ) أي: صارَ الإمامُ (النَّائِبُ مُؤْتَمًّا؛ صَحَّ)؛ لأنَّ «أبا بكرٍ ﵁ صلَّى في غَيْبةِ النبيِّ ﷺ ، فجاءَ النبيُّ ﷺ والناسُ في الصَّلاة، فتَخلَّص حتى وقَف في الصفِّ وتَقدَّم فصلَّى بهِم» متَّفق عليه (٣). وإن سُبِق اثنان فأكثرُ ببعضِ الصَّلاةِ، فائْتمَّ أَحدُهما بصاحبِه في قضاءِ ما فاتَهُما، أو ائْتمَّ مُقيمٌ بمِثلِه إذا سلَّم إمامٌ مسافرٌ (٤)؛ صحَّ.

стр. 303

(بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ) سُنَّ خروجٌ إليها بسَكينةٍ (١) ووَقارٍ (٢)، ويُقارب خُطاه (٣). وإذا دخَل المسجدَ؛ قدَّم رجلَه اليُمنى، واليُسرى إذا خرَج، كما تَقدَّم. ويَقول: «باسمِ اللهِ، والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، اللَّهمَّ اغفِر لي ذُنوبي، وافتَح لي أبوابَ رحمتِك»، ويَقوله إذا خرَج، إلّا أنَّه يَقول: «أبوابَ فضلِك». ولا يُشبِّك أصابعَه، ولا يَخوضُ في حديثِ الدُّنيا، ويَجلسُ مستقبِلَ القِبلةَ. (وَيُسَنُّ قِيَامُ إِمَامٍ فَ) قيامُ (مَأْمُومٍ (٤) رَآهُ) أي: رأى المأمومُ الإمامَ (عِنْدَ قَوْلِ) مقيمٍ: («قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ») (٥)؛ «لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يَفعل ذلك» رَواه ابنُ أَبي أَوْفَى (٦).

стр. 304

ولا يُحرِم الإمامُ حتَّى تَفرغَ الإقامةُ. (وَ) تُسنُّ (تَسْوِيَةُ صَفٍّ)، بمَنكبٍ وكعبٍ، فيَلتفت يمينًا (١) فيَقول: «استَوُوا رَحِمَكم اللهُ»، وشمالًا كذلك، ويُكمَّل الأوَّلُ فالأوَّلُ (٢)، ويَتراصُّون (٣). وصفٌّ أوَّلُ لرجالٍ (٤) أفضلُ، وله ثوابُه وثوابُ مَنْ وراءَه ما اتَّصلَت الصُّفوفُ، والأخيرُ لنساءٍ أفضلُ. (وَ) يُسنُّ (قُرْبُهُ) أي: الصفِّ (مِنْ إِمَامٍ) (٥). ويَقول مُصلٍّ مطلقًا (٦): (اللهُ أَكْبَرُ)، فلا تَنعقد إلّا بها نطقًا؛ لحديثِ: «تَحريمُها التَّكبيرُ» رَواه أحمدُ وغيرُه (٧). فلا تصحُّ إن نَكَّسه (٨)، أو قال: «اللهُ الأكبرُ»، أو «الجليلُ» ونحوَه، أو مَدَّ همزةَ «الله»، أو «أكبر»، أو قال: «أَكبار» (٩)، وإن مَطَّطه كُرِه مع بقاءِ المعنى.

стр. 305

ولا بدَّ أن يأتي بالتَّكبيرةِ حالَ كَونِه (قَائِمًا) في فَرضٍ مع قُدرةٍ، فإن أَتى بالتَّحريمةِ أو ابْتدَأها أو أَتمَّها غيرَ قائمٍ؛ صحَّت نفلًا إن اتَّسع الوقتُ (١). ويَكون حالَ تَحريمِه (رَافِعًا يَدَيْهِ) ندبًا، فإن عجَز عن رَفعِ إِحداهُما؛ رفَع الأُخرى، ويَبتدِئ الرَّفعَ مع ابتداءِ التَّكبيرِ، ويُنهِيه معَ انتهائه (٢)، (إِلَى حَذْوِ) أي: مقابِلِ (مَنْكِبَيْهِ)؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كان النبيُّ ﷺ إذا قام إلى الصَّلاة رفَع يدَيه حتَّى يَكونَا حَذوَ مَنكِبَيه، ثمَّ يُكبِّر» متَّفق عليه (٣)، حالَ كَونِ يدَيه (٤) (مَضْمُومَةَ الأَصَابِعِ مَمْدُودَتَهَا)، مستقبِلًا ببُطونِها القِبلةَ. فإن لم يَقدِر على الرَّفعِ المسنونِ؛ رفَع حسَبَ إمكانِه، ويَسقط (٥) بفراغِ التَّكبيرِ كلِّه. وكَشفُ يدَيه هنا وفي دعاءٍ أفضلُ (٦).

стр. 306

ورَفعُهما إشارةٌ إلى رفعِ الحجابِ بينَه وبينَ ربِّه تَعالى. (وَيُسْمِعُهُ)، بضمِّ أوَّلِه: أي: يُسمع التَّكبيرَ كلَّه، (إِمَامٌ) ندبًا (مَنْ خَلْفَهُ) مِنْ مأمومِين؛ ليُتابعوه، (كَ) ما يُندب جَهرُه ب (تَسْمِيعٍ (١)) أي قولِ: «سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَه»، (وَتَسْلِيمَةٍ أُولَى (٢)). فإن لم يُمكنه إسماعُ جَميعِهم؛ جهَر به بعضُهم (٣)؛ لفعلِ أَبي بكرٍ معه ﷺ ، متَّفق عليه (٤). (وَ) يُسنُّ جهرُه (٥) بِ (قِرَاءَةِ) الفاتحةِ والسُّورةِ (فِي أَوَّلَتَيْ غَيْرِ الظُّهْرَيْنِ) أي: الظُّهرِ والعصرِ، فيَجهر في أوَّلتَي مغربٍ وعشاءٍ، وفي صبحٍ، وجمعةٍ، وعِيدَين، وكسوفٍ، واستسقاءٍ، وتراويحَ، ووترٍ، بقَدْرِ ما يُسمِع المأمومِين. (وَغَيْرُهُ) أي: غيرُ الإمامِ، وهو المأمومُ والمنفرِدُ؛ يُسرُّ بذلك كلِّه، إلَّا القراءةَ لمنفردٍ وقائمٍ لقضاء ما فاته، فيخيَّران بين الجهر وعدمه ليلًا، وفي نفلٍ ليلًا يراعي المصلحة (٦).

стр. 307

لكن يَنطق مصلٍّ بما قلنا، يسرُّ (١) به بحيثُ يُسمِع (نَفْسَهُ) وجوبًا في كلِّ واجبٍ؛ لأنَّه لا يَكون كلامًا بدونِ صوتٍ، وهو ما يَتأتَّى سماعُه حيثُ لا مانعَ، فإن كان؛ فبحيثُ يَحصل السَّماعُ مع عَدمِه (٢). (ثُمَّ) إذا فرَغ مِنْ التَّكبيرِ؛ (يَقْبِضُ كُوعَ يُسْرَاهُ) بكفِّ يُمناه، (وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ) ندبًا. (وَيَنْظُرُ) مُصلٍّ ندبًا (مَسْجِدَهُ) أي: يجعل نظره إلى (٣) موضعَ سجودِه، فلا يتعدَّاه (٤)؛ لأنَّه أخشعُ، إلّا في صلاةِ خوفٍ لحاجةٍ (٥). (ثُمَّ) يَستفتح ندبًا فَ (يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ) أي: أنزِّهكَ يا اللهُ (٦) عمَّا لا يَليق بكَ، (وَبِحَمْدِكَ) سبَّحتُكَ، (وَتَبَارَكَ اسْمُكَ) أي: كَثُرَت بَركاتُه، (وَتَعَالَى جَدُّكَ) بفتحِ الجيمِ، أي: ارتَفَع قَدْرُكَ وعَظُم، (وَلَا إِلَهَ) يَستحقُّ أن يُعبَد (غَيْرُكَ)، كان ﷺ يَستفتح بذلك، رَواه أحمدُ وغيرُه (٧).

стр. 308

(ثُمَّ يَسْتَعِيذُ) ندبًا، فيَقول: أعوذُ باللهِ مِنْ الشَّيطانِ الرَّجيمِ (١). (ثُمَّ يُبَسْمِلُ) ندبًا، فيَقول: بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، وهي آيةٌ مِنْ القرآن، نزلَت فصلًا بينَ السُّوَرِ غيرَ «براءةَ»، فيُكرَه ابتِداؤُها بها (٢). ويَكون الاستفتاحُ والتَّعوُّذُ والبسملةُ (سِرًّا)، فيسنُّ ألّا يجهر بشيء من ذلك (٣). ويُخيَّر في غيرِ صلاةٍ في الجهرِ بالبسملةِ (٤). (وَلَيْسَتِ) البسملةُ (مِنَ الفَاتِحَةِ)، وتُستحبُّ عندَ كلِّ فعلٍ مهمٍّ. (ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاتِحَةَ)، تامَّةً بتَشديداتِها، وهي (٥) ركنٌ في كلِّ ركعةٍ، فرضٍ أو نفلٍ، وهي أفضلُ سورةٍ، وآيةُ الكرسيِّ أعظمُ آيةٍ، وسُمِّيَت فاتحةً؛ لأنَّه يُفتتح بقراءتِها الصَّلاةُ، وبكتابتِها المصاحفُ، وفيها إحدَى عشرةَ تشديدةً (٦).

стр. 309

ويَقرؤها (مُرَتَّبَةً) وجوبًا، فلو قرأَها منكَّسةً؛ لم تصحَّ صلاتُه. (مُرَتَّلَةً) ندبًا، فيَتمهَّل في قراءتِها، ويَقِف عندَ كلِّ آيةٍ؛ كقراءتِه ﵊ (١). ويُكرَه الإفراطُ في التَّشديدِ والمدِّ. ويَقرؤها (مُتَوَالِيَةً) وجوبًا، (فَإِنْ قَطَعَهَا) أي: الفاتحة (٢) (بِذِكْرٍ) غيرِ مشروعٍ، (أَوْ) قطَعها بِ (سُكُوتٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، وَطَالَ) القطعُ عرفًا؛ أَعادها. فإن كان مشروعًا؛ كسؤالٍ عندَ آيةِ رحمةٍ، وكسكوتٍ لاستماعِ قراءةِ إمامِه، وكسجودِه لتلاوةٍ مع إمامِه (٣)؛ لم يَبطل ما مضَى مِنْ قراءتِها ولو طالَ. (أَوْ تَرَكَ مِنْهَا تَشْدِيدَةً أَوْ حَرْفًا) مُجمَعًا عليه، بخلافِ أَلِفِ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤)، أو ترَك ترتيبًا؛ (أَعَادَهَا) أي: الفاتحةَ وجوبًا (غَيْرُ مَأْمُومٍ)، وهو الإمامُ والمنفرِدُ، فيَستأنفها إن تَعمَّد (٥)، وأمَّا المأمومُ فهِي سُنَّةٌ في حقِّه، فلا يَلزمه (٦) إعادتُها.

стр. 310

(ثُمَّ يَقُولُ) كلُّ مُصلٍّ: («آمِينَ» جَهْرًا فِي) صلاةٍ (جَهْرِيَّةٍ)، ويَقوله إمامٌ ومأمومٌ معًا بعدَ سَكتةٍ لطيفةٍ؛ ليُعلم أنَّها ليسَت مِنْ القرآنِ، وإنَّما هي طابَعُ الدُّعاءِ، وهي اسمُ فعلٍ بمعنى: اللَّهمَّ استجبْ. وحَرُم وبطَلَت إن شدَّد ميمَها (١). وإن ترَكه (٢) إمامٌ، أو أسرَّه؛ أتى به مأمومٌ جهرًا. ويَلزم جاهلًا (٣) تعلُّمُ الفاتحةِ، وذِكرٍ واجبٍ. ومَن صلَّى وتلقَّف (٤) القراءةَ مِنْ غيرِه؛ صحَّت. (ثُمَّ) بعدَ الفاتحةِ (يَقْرَأُ سُورَةً) كاملةً ندبًا، يَفتتِحها ب «بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ». وتَجوز آيةٌ، إلَّا أنَّ الإمامَ أحمدَ ﵀ استَحبَّ كونَها طويلةً (٥)؛ كآيةِ الدَّينِ والكرسيِّ، ونصَّ على جوازِ تفريقِ السُّورةِ في ركعتَين (٦)؛ لفعلِه ﷺ (٧). ولا يُعتدُّ بالسُّورة قبلَ الفاتحةِ.

стр. 311

وكُرِه اقتصارٌ في الصَّلاة على الفاتحة، وقراءةٌ بكلِّ القرآنِ في فرضٍ (١)؛ لعدمِ نقلِه، وللإطالةِ. (وَتَكُونُ) السُّورةُ (فِي) صلاةِ (الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ المُفَصَّلِ)، بكسرِ الطاءِ المهملةِ (٢)، وأوَّلُه سورةُ «ق» (٣)، ولا يُكرَه فيها بقِصارِه لعذرٍ؛ كمرضٍ وسفرٍ. (وَ) تَكون (فِي) صلاةِ (المَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ)، وأوَّلُه سورةُ «الضُّحَى»، ولا يُكرَه فيها بطِوالِه. (وَ) تَكون السُّورةُ (فِي البَاقِي) مِنْ الصَّلواتِ؛ كالظُّهرَين والعشاءِ، (مِنْ أَوْسَاطِهِ)، وأوَّلُه سورةُ «النَّبأ». وحَرُم تنكيسُ الكلماتِ، وتَبطل به، لا السُّورِ والآياتِ، بل يُكرَه، إلَّا في الفاتحةِ فيحرمُ كما تقدَّم. ولا يكره (٤) ملازمةُ سورةٍ مع اعتقادِ جوازِ غيرِها (٥). (وَلَا تَصِحُّ) صلاةٌ (بِقِرَاءَةٍ تَخْرُجُ عَنْ (٦) مُصْحَفِ عُثْمَانَ) بنِ عفَّان رَضي اللهُ تَعالى عنه؛ كقراءةِ ابنِ مسعودٍ: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتتابعاتٍ) (٧)، وتصحُّ بما

стр. 312

وافقَ مصحفَ عثمانَ وصحَّ (١) سندُه، وإن لم يَكُنْ مِنْ العشرةِ، وتَتعلَّق به الأحكامُ (٢). وإن كان في القراءةِ زيادةُ حرفٍ فهي أَولى؛ لأجْلِ الحسناتِ العشرِ (٣). (ثُمَّ) بعدَ فراغِه مِنْ قراءةِ الفاتحةِ والسُّورةِ؛ (يَرْكَعُ) حالَ كَونِه (مُكَبِّرًا (٤))؛ لقولِ أَبي هريرةَ: «كان النبيُّ ﷺ يُكبِّر إذا قامَ إلى الصَّلاة، ثمَّ يُكبِّر حينَ يَركع»

стр. 313

متَّفق عليه (١). (رَافِعًا يَدَيْهِ) مع ابتداءِ الركوعِ؛ لقولِ (٢) ابنِ عمرَ: «رأيتُ النبيَّ ﷺ إذا استفتَح الصَّلاةَ رفَع يدَيه حتى يُحاذيَ مَنكِبَيه، وإذا أرادَ أن يَركع، وبعدَما يَرفع رأسَه» متَّفق عليه (٣). (وَيَجْعَلُهُمَا) أي: يضَع يدَيه (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) حالَ كَونِ يدَيه (مُفَرَّجَتَيِ الأَصَابِعِ) ندبًا، ويُكره التَّطبيقُ، بأن يَجعل إحدَى كفَّيه على الأُخرى، ثمَّ يَجعلهما بينَ رُكبتَيه إذا ركَع، كما هو (٤) في أوَّلِ الإسلامِ، ثمَّ نُسِخ. (وَيُسَوِّي) في الرُّكوعِ (ظَهْرَهُ، وَ) يَكون (رَأْسُهُ بِحِيَالِهِ) أي: بإزاءِ ظَهرِه، فلا يَرفعه ولا يَخفِضه؛ لقولِ وابصةَ (٥) بنِ معبدٍ: «رأيتُ النبيَّ ﷺ يُصلِّي، وكان إذا ركَع سوَّى ظَهرَه، حتى لو صُبَّ عليه الماءُ لاستقرَّ» رَواه ابنُ ماجَه (٦)، ويُجافي مَرفِقَيه عن جَنبَيه. والمُجزئُ: الانحِناءُ، بحيثُ يُمكِن وسَطًا (٧) مسُّ رُكبتَيه بيدَيه (٨)، أو قَدْرُه مِنْ غيرِه (٩)، ومِن قاعدٍ: مقابلةُ وجهِه ما وراءَ

стр. 314

رُكبتَيه (١) مِنْ أرضٍ أَدنى مقابلةٍ (٢)، وتَتمَّتها الكمالُ (٣). (وَيَقُولُ) راكعًا: («سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ»)؛ لأنَّه ﵊ كان يَقولها في ركوعِه، رَواه مسلمٌ وغيرُه (٤)، والاقتصارُ عليها أفضلُ. والواجبُ مرَّةٌ، (وَأَدْنَى الكَمَالِ ثَلَاثٌ)، وأَعلاه لإمامٍ عشرٌ، ولمنفردٍ العُرفُ (٥). (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ السَّابقِ، (قَائِلًا)، حالٌ متقدِّمةٌ على صاحبِها، وهو (إِمَامٌ وَمُنْفَرِدٌ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» (٦))، مرتِّبًا وجوبًا؛ لأنَّه ﵊ كان يَقول ذلك (٧). قالَه في «المبدِع» (٨)، ومعنى «سَمِع»: استجابَ.

стр. 315

(وَ) يَقول إمامٌ ومنفردٌ (إِذَا قَامَا) أي: انتصَبَا واعتدَلَا مِنْ الركوعِ: («رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» (١)) أي: حمدًا لو كان أجسامًا لمَلَأ ذلك. وله قولُ (٢): «اللَّهمَّ ربَّنا ولكَ الحمدُ»، وبلا واوٍ أفضلُ، عكسُ «ربَّنا لكَ الحمدُ»، فبالواو أفضلُ (٣)، فالصِّيَغُ أربعٌ. (وَ) يَقول (مَأْمُومٌ فِي) حالِ (رَفْعِهِ) مِنْ الركوع: («رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ» فَقَطْ) أي: لا يَزيد على ذلك؛ لقولِه ﷺ : «إذا قالَ الإمامُ: سَمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، فقولوا: رَبَّنا ولكَ الحمدُ» متَّفق عليه مِنْ حديثِ أَبي هريرةَ (٤). وإذا رفَع المصلِّي مِنْ الركوع؛ فإن شاء وضَع يَمينَه على شِمالِه أو أَرسلَهما. (ثُمَّ) إذا فرَغ مِنْ ذِكر الاعتدالِ حيثُ سُنَّ (٥)؛ (يَخِرُّ) حالَ كَونِه (مُكَبِّرًا)،

стр. 316

ولا يَرفع يدَيه، (سَاجِدًا) على سبعةِ أعضاء؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: «أُمِرَ النبيُّ ﷺ أن يَسجد على سبعةِ أَعظُمٍ، ولا يَكفَّ شعَرًا، ولا ثوبًا: الجبهةِ، واليدَين، والرُّكبتَين، والرِّجلَين» متَّفقٌ عليه (١). (وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ) أوَّلًا ندبًا (٢)، (ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ جُبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ)؛ لِما روَى الدارَقُطنيُّ عن ابنِ عباسٍ مرفوعًا: «لا صلاةَ لِمَنْ لم يضَع أَنفَه على الأرض» (٣). (وَيَكُونُ) في سجودِه (عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ) ندبًا، ويوجِّهها إلى القِبلةِ، (وَيُجَافِي) أي: يُباعِد الساجدُ ندبًا (عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَبَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَهُمَا) أي: فَخِذاه يُبعدهما (عَنْ سَاقَيْهِ)، ما لم يُؤذ جارَه (٤)، (وَيُفَرِّقُ رُكْبَتَيْهِ) ورِجلَيه وأصابعَهما، وله أن يَعتمد بمَرفِقَيه على فَخِذَيه إن طال (٥). وَلَا (٦) تَجِب مباشرةُ المصلَّى بشيءٍ مِنْ أعضاءِ السُّجودِ السَّبعةِ، فتصحُّ ولو مع حائلٍ ليس مِنْ أعضاءِ سجودِه (٧)، لكن (يُكْرَهُ تَرْكُ مُبَاشَرَةِ الجَبْهَةِ بِالمُصَلَّى)،

стр. 317

بفتحِ اللَّامِ المشدَّدةِ، اسمُ مفعولٍ (١)، أي: مكانِ السُّجودِ، (بِلَا عُذْرٍ)؛ كحرٍّ أو بردٍ. فإن جعَل بعضَ أعضاءِ السُّجودِ فوقَ بعضٍ، كما لو وضَع يدَيه على فَخِذَيه، أو جَبهتَه على يدَيه؛ لم يُجزِئه. ويُجزِئ بعضُ كلِّ عضوٍ. وإن جعَل ظُهورَ كَفَّيه أو قَدمَيه على الأرض، أو سجَد على أطرافِ أصابعِ يدَيه؛ فظاهرُ الخبرِ أنَّه يُجزِئه، ذكَره في «الشَّرحِ» (٢). ومَن عجَز بالجبهةِ؛ لم يَلزمه بغيرِها (٣)، ويُومِئ ما يُمكنه (٤). (وَيَقُولُ) في سجودِه: («سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى»)، على ما تَقدَّم في تسبيحِ الركوعِ، (وَأَدْنَى كَمَالِهِ) أي: تسبيحِ السُّجودِ؛ (مَا سَبَقَ) في تسبيحِ الركوعِ، وهو ثلاثٌ. (ثُمَّ يَرْفَعُ) رأسَه مِنْ (٥) السَّجدةِ الأُولى حالَ كَونِه (مُكَبِّرًا، وَيَجْلِسُ) حالَ كَونِه (مُفْتَرِشًا يُسْرَاهُ) أي: يُسرى رِجلَيه، (نَاصِبًا يُمْنَاهُ)، ويُخرِجها مِنْ تحتِه، ويَثني أصابعَها نحوَ (٦) القِبلةِ، ويَبسط يدَيه على فَخِذَيه مَضمومتَي الأصابعِ.

стр. 318

(وَيَقُولُ) بينَ السَّجدتَين: («رَبِّ اغْفِرْ لِي» (١) ثَلَاثًا) ندبًا، والواجبُ مرَّةٌ. (ثُمَّ يَسْجُدُ) السَّجدةَ (الثَّانِيَةَ كَالأُولَى) فيما تَقدَّم مِنْ التَّكبيرِ والتَّسبيحِ وغيرِهما. (ثُمَّ) يَرفع رأسَه مِنْ السَّجدةِ الثانيةِ، و (يَنْهَضُ) أي: يَقوم حالَ كَونِه (مُكَبِّرًا، قَائِمًا عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ (٢))، ولا يَجلس للاستراحةِ (٣)، (مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ (٤) إِنْ سَهُلَ) عليه (٥)، وإلّا اعتَمَد بالأرض. وفي «الغُنْيةِ»: يُكرَه أن يُقدِّم إحدَى رِجلَيه. (فَيُصَلِّي) الرَّكعةَ (الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ) أي: كالأُولى، (غَيْرَ التَّحْرِيمَةِ) أي: تكبيرةِ الإحرامِ، (وَالاسْتِفْتَاحِ (٦)، وَالتَّعَوُّذِ إِنْ تَعَوَّذَ فِي) الرَّكعةِ (الأُولَى)، وإلّا تَعوَّذ في الثانيةِ، وغيرَ تجديدِ النيَّةِ (٧)، فلا يُشرع ذلك إلّا في الأُولى. (ثُمَّ) بعدَ فراغِه مِنْ الرَّكعةِ الثانيةِ (يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا)؛ كجلوسِه بينَ

стр. 319

السَّجدتَين، (وَيَدَاهُ عَلَى فَخِذَيْهِ)، ولا يُلقِمُهما رُكبتَيه (١)، (قَابِضًا خِنْصِرَ يُمْنَاهُ وَبِنْصِرَهَا، مُحَلِّقًا)، بضمِّ الميمِ وتشديدِ اللامِ المكسورةِ، (إِبْهَامَهَا) أي: إبهامَ يُمنى يدَيه، (مَعَ) الإصبعِ (الوُسْطَى) منها (٢)، بأن يَجمع بينَ رأسَي الإبهامِ والوُسطَى، فتُشبه الحَلْقةَ مِنْ حديدٍ ونحوِه، (مُشِيرًا بِسَبَّاحَتِهَا) وهي الإصبعُ التي تَلِي الإبهامَ، سُمِّيَت سبَّاحةً؛ لأنَّه يُشار بها للتوحيدِ، الَّذي هو رأسُ التَّنزيه، الَّذي هو (٣) معنى التَّسبيح (٤)، وتُسمَّى أيضًا سبَّابةً؛ للإشارة بها للسبِّ، فيَرفعها مِنْ غيرِ تحريكٍ في تشهُّدِه ودعائِه في صلاةٍ وغيرِها، (عِنْدَ ذِكْرِ اللهِ) تَعالى؛ تنبيهًا على التوحيدِ. وقوله: «مفترِشًا، ويَدَاه على فَخِذَيه، قابضًا، محلِّقًا، مشيرًا» أحوالٌ مترادِفةٌ أو متداخِلةٌ. (وَيَبْسُطُ) أصابعَ يدِه (اليُسْرَى) مضمومةً إلى القِبلةِ، وكذا يَبسط سبَّاحةَ اليُمنى في (٥) غيرِ حالِ الإشارةِ بها. (وَيَقُولُ) سِرًّا: (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ (٦)) أي: الألفاظُ التي تَدلُّ على السَّلامِ والمُلكِ والبقاءِ والعَظَمةِ؛ للهِ تَعالى، أي: مملوكةٌ له، أو مختصَّةٌ به، (وَالصَّلَوَاتُ) أي: الخَمسُ، أو الرَّحماتُ (٧)، أو المعبودُ بها (٨)، أو العباداتُ كلُّها، أو

стр. 320

الأدعيةُ، (وَالطَّيِّبَاتُ) أي (١): الأعمالُ الصَّالحةُ، أو مِنْ الكَلِمِ. (السَّلَامُ) أي: اسمُ السَّلامِ، وهو اللهُ، أو سلامُ اللهِ وتحيَّتُه، (عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ)، بالهَمزِ، مِنْ النَّبأِ، أي: الخبرِ؛ لأنَّه يُخبِر عن اللهِ، وبلا همزٍ؛ إمَّا تسهيلًا أو مِنْ النَّبْوَةِ، أي: الرِّفعةِ؛ لأنَّه مرفوعُ الرُّتبةِ على سائرِ الخلائقِ، (وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ)، جمعُ «بركةٍ»، وهي النَّماءُ والزِّيادةُ. (السَّلَامُ عَلَيْنَا) أي: على الحاضرِين، مِنْ الإمامِ والمأمومِ والملائكةِ، (وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ)، جمعُ صالحٍ: وهو القائمُ بما عليه مِنْ حقوقِ اللهِ وحقوقِ عبادِه، وقيل: المكثِرُ مِنْ العملِ الصَّالحِ، ويَدخل فيه النِّساءُ ومَن لم يُشاركه في الصَّلاةِ. (أَشْهَدُ) أي: أُخبر بأنِّي قاطعٌ ب (أَنْ لَا إِلَهَ) أي: لا معبودَ بحقٍّ (إِلَّا اللهُ (٢)) تَعالى، (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) إلى النَّاس كافَّةً. (وَ) هذا المذكورُ (هُوَ التَّشَهُّدُ الأَوَّلُ)، علَّمه النبيُّ ﷺ ابنَ مسعودٍ، وهو في الصَّحيحَين (٣). (ثُمَّ) بعدَ فراغِه مِنْ التشهُّدِ الأوَّلِ (إِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ) التي أَحرَم بها (ثُنَائِيَّةً)؛ كالصُّبحِ والراتبةِ؛ (قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ (٤)، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ،
следующие страницы →