← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

(وَعَلَيْهِ) أي: يَجب على فاعلِ ذلك عمدًا؛ (أَنْ يَرْجِعَ لِمُتَابَعَتِهِ) أي: الإمامِ، أي: ليأتيَ بما فعَله قبلَ الإمامِ عَقِبَه؛ ليكونَ مؤتمًّا به، (كَ) ما يَجبُ على جاهلٍ فَعَل ذلك وعَلِم (١). وعلى (نَاسٍ ذَكَرَ (٢)) أي: تَذكَّر سَبْقَ إمامِه؛ أن يَرجع للمتابعةِ. (فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ)، عالمًا وجوبَه، (عَمْدًا) أي: غيرَ ساهٍ حتى أَدرَكه فيه؛ (بَطَلَتْ) صلاتُه؛ لتَركِه (٣) المتابعةَ الواجبةَ بلا عذرٍ. وعُلِم ممَّا تَقدَّم: أنَّها لا تَبطل إن أَبى الرُّجوعَ جاهلًا أو ناسيًا، بل يُعتدُّ به. والأَولى لمأمومٍ أن يَشرع في أفعالِها بعدَ إمامٍ (٤)، فإن وافقَه كُرِه. وإن كبَّر لإحرامٍ معه أو قبلَ إتمامِه؛ لم تنعقد. وإن سلَّم قبلَه عمدًا بلا عذرٍ، أو سهوًا ولم يُعِده بعدَه (٥)؛ بطَلَت، ومعه يُكرَه. ولا يَضرُّ سبقٌ بقولٍ غيرِهما. (وَإِنْ رَكَعَ) مأمومٌ (وَرَفَعَ قَبْلَ) ركوعِ (إِمَامِهِ)، عالمًا (عَمْدًا؛ بَطَلَتْ) صلاتُه؛ لأنَّه سبَقه بركنٍ كاملٍ، هو مُعظَمُ الرَّكعةِ؛ فبطَلَت؛ كما لو سبَقه بالسَّلام. (وَ) إن ركَع ورفَع قبلَ إمامِه (سَهْوًا أَوْ جَهْلًا)؛ لم تَبطل صلاتُه؛ لحديثِ: «عُفِيَ لأُمَّتي عن الخطأِ والنِّسيانِ» (٦).

стр. 387

و (يَقْضِي) بعدَ سلامِ إمامِه (الرَّكْعَةَ) التي وقَع السَّبقُ فيها، إن لم يأتِ بما سبَق به مع الإمامِ، فإن أتى به؛ اعتُدَّ له بالرَّكعة. وعُلِم مِنْ كلامه: أنَّها لا تَبطل إن سبَق إمامَه بركنٍ فعليٍّ غيرَ ركوعٍ. وأمَّا السَّبقُ بركنَين؛ فكالرُّكوع وأَولى؛ كما لو ركَع ورفَع قبلَ ركوعِه، وهوَى إلى السُّجود قبلَ رَفعِه (١). (وَسُنَّ) لإمامٍ وغيرِه (تَطْوِيلُ) قراءةِ ركعةٍ (أُولَى عَنْ) قراءةِ ركعةٍ (ثَانِيَةٍ)؛ لحديثِ أَبي قتادةَ مرفوعًا: «كان يَقرأ في الظُّهرِ في الرَّكعتَين الأُولَيَين (٢) بفاتحةِ الكتابِ، وكان يُطوِّل في الرَّكعةِ الأُولى ما لا يُطوِّل في الثانيةِ، وهكذا في صلاةِ العصرِ، وهكذا في صلاةِ الصُّبحِ» متَّفق عليه (٣)، زادَ أبو داودَ: «فظَننَّا أنَّه يُريد بذلك أن يُدرِك النَّاسُ الرَّكعةَ الأُولى» (٤). إلّا في صلاةِ خوفٍ في بعضِ الأَوجُهِ؛ فالثانيةُ أطولُ، أو بيسيرٍ (٥)، ك «سبِّحْ» (٦) و «الغاشيةِ».

стр. 388

(وَ) سُنَّ (لِإِمَامٍ التَّخْفِيفُ) للصَّلاة (مَعَ الإِتْمَامِ) للصَّلاة؛ لحديثِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «إذا صلَّى أَحدُكم للنَّاس فَلْيُخفِّفْ؛ فإنَّ فيهم السَّقيمَ والضَّعيفَ وذا الحاجةِ، وإذا صلَّى لنفسِه فَلْيُطوِّلْ ما شاءَ» رَواه الجماعةُ (١). وتُكرَه سرعةٌ تَمنع مأمومًا فِعلَ ما يُسنُّ. ومَحلُّ التَّخفيفِ: ما لم يُؤثِرْ مأمومٌ التَّطويلَ. (وَ) سنَّ (٢) لإمامٍ أيضًا (انْتِظَارُ دَاخِلٍ) معه أحسَّ به في ركوعٍ ونحوِه (٣)؛ لأنَّ الانتظارَ ثبَت عنه ﵊ في صلاةِ الخوفِ لإدراكِ الجماعةِ (٤)، وهذا المعنى موجودٌ هنا، (إِنْ لَمْ يَشُقَّ) انتظارُه (٥) على مأمومٍ؛ لأنَّ حرمةَ مَنْ معه أعظمُ، فلا يَشقُّ عليه لنفعِ الدَّاخلِ. (وَإِنِ اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةٌ)، حرَّةٌ أو أَمَةٌ، زوجَها ونحوَه في خروجِها (لِمَسْجِدٍ) تُصلِّي فيه جماعةً، ليلًا أو نهارًا؛ (كُرِهَ) له (مَنْعُهَا) (٦)؛ لحديثِ: «لا تَمنعُوا إمَاءَ اللهِ مساجدَ اللهِ» (٧). وتَخرج تَفِلةً (٨)، غيرَ مطيَّبةٍ، ولا لابسةٍ ثوبَ زينةٍ.

стр. 389

(وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا)؛ لقولِه ﵊: «وبُيوتُهنَّ خيرٌ لهُنَّ» (١)، «ولْيَخْرُجْنَ تَفِلاتٍ» رَواه أحمدُ وأبو داودَ (٢)، وظاهرُه: حتى مسجدِ النبيِّ ﷺ . ولأبٍ، ثمَّ وليٍّ محرمٍ؛ منعُ مَولِيَّتِه إن خَشِي فتنةً أو ضررًا، ومِن الانفرادِ (٣). (فصل) فِي الإِمَامَةِ (الأَوْلَى بِالإِمَامَةِ الأَقْرَأُ) أي: الأجودُ قراءةً الأفقهُ، ثمَّ الأجودُ قراءةً الفقيهُ (٤)؛ لحديثِ: «يَؤمُّ القومَ أَقرَؤُهم لكتابِ اللهِ» (٥). ثمَّ الأقرأُ (العَالِمُ فِقْهَ صَلَاتِهِ)، وإن لم يَكُنْ فقيهًا. ثمَّ مع الاستواءِ في الجودةِ: يُقدَّم الأكثرُ قرآنًا الأفقهُ، ثمَّ الأكثرُ قرآنًا الفقيهُ، ثمَّ قارئٌ أفقهُ، ثمَّ قارئٌ فقيهٌ، ثمَّ قارئٌ لا يَعلمُه (٦).

стр. 390

(ثُمَّ) إن استوَوا في عدمِ القراءةِ: قُدِّم (الأَفْقَهُ)، الأعلمُ بأحكامِ الصَّلاةِ؛ لمَزيَّةِ الفقهِ. (ثُمَّ) إن استوَوا في القراءةِ والفقهِ: فالأَولى (الأَسَنُّ) أي: الأكبرُ سنًّا (١)؛ لحديثِ مالكِ بنِ الحُوَيرِثِ مرفوعًا: «إذا حَضَرَت الصَّلاةُ؛ فَلْيُؤذِّنْ لكُم أَحدُكم، ولْيَؤُمَّكمْ أَكبرُكم» متَّفق عليه (٢)، ولأنَّه أقربُ إلى الخُشوع وإجابةِ الدُّعاءِ. (ثُمَّ) إن استووا (٣) في السِّنِّ أيضًا: يُقدَّم (الأَشْرَفُ)، وهو القرشيُّ؛ إلحاقًا للإمامةِ الصُّغرى بالكُبرى، ولقولِه ﵊: «الأئمَّةُ مِنْ قُرَيشٍ» (٤). فتُقدَّم بَنو هاشمٍ، ثمَّ باقي قريشٍ، ثمَّ الأقدمُ هجرةً بنفسِه (٥)، ثمَّ الأسبقُ إسلامًا. (ثُمَّ الأَتْقَى)؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. (ثُمَّ) إن استوَوا فيما تَقدَّم: قُدِّم عندَ التَّشاحِّ (مَنْ قَرَعَ)، بفتح القاف والراء (٦)، أي: غَلَب في القُرعة؛ بأن خرجَت له، فيُقدَّم (٧)؛ قياسًا على الأذانِ. (وَصَاحِبُ البَيْتِ) الصَّالحُ للإمامةِ ولو عبدًا؛ أحقُّ بالإمامة ممَّن حضرَه

стр. 391

في بيتِه؛ لقولِه ﷺ : «لا يُؤَمَّنَّ الرَّجلُ في بيتِه» (١). (وَإِمَامُ المَسْجِدِ) الراتبُ الصَّالحُ للإمامةِ ولو عبدًا؛ (أَحَقُّ) بالإمامة فيه، ولو حضَر أفقهُ أو أقرأُ منه (٢)؛ كصاحب البيتِ، لأنَّ (٣) ابنَ عمرَ ﵄ أَتى أرضًا له، وعندها مسجدٌ يُصلِّي فيه مَولًى له، فصلَّى ابنُ عمر معهم، فسألوه أن يَؤمَّهم، فأَبى وقال: «صاحبُ المسجدِ أحقُّ» رَواه البيهقيُّ بسندٍ (٤) جيِّدٍ (٥)، ولأنَّ التَّقدُّم عليه يُسيء الظَّنَّ به، وينفِّر عنه. قال في «الفروع»: ويَتَّجه: يُستحبُّ تَقديمُهما (٦) الأفضلَ منهما. ومَحلُّ كَونِ صاحبِ البيتِ وإمامِ المسجدِ أحقَّ: حيثُ لم يَحضر ذو سلطانٍ؛ فيُقدَّم؛ لقولِه ﷺ : «ولا في سُلطانِه» (٧). وكذا سيِّدُ عبدٍ ببيتِ (٨) العبدِ؛ لوِلايتِه على صاحبِ البيتِ. (وَحُرٌّ) أَولى بالإمامةِ مِنْ عبدٍ ومبعَّضٍ؛ لأنَّه أكملُ وأشرفُ (٩).

стр. 392

ولا تُكرَه إمامةُ عبدٍ في غيرِ جمعةٍ وعيدٍ (١). (وَمُقِيمٌ) أَولى مِنْ مسافرٍ سفرَ قصرٍ (٢)؛ لأنَّه ربَّما قصَر، ففاتَ المأمومِين بعضُ الصَّلاةِ جماعةً. ولا تُكرَه إمامةُ مسافرٍ بمقيمٍ إن قصَر، فإن أَتمَّ؛ كُرِهت. (وَبَصِيرٌ) أَولى مِنْ أَعمى؛ لأنَّه أقدرُ على تَوقِّي النَّجاسةِ، واستقبالِ القِبلةِ. وذلك معنى قولِه: (أَوْلَى مِنْ ضِدِّهِمْ) المتقدِّمِ بيانُه. (وَلَا تَصِحُّ) الصَّلاةُ (خَلْفَ) إمامٍ (فَاسِقٍ (٣)) باعتقادٍ، أو قولٍ، أو فعلٍ محرَّمٍ، سواءٌ أَعلن فِسقَه، أو أَخفاه؛ لقولِه تَعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾، وحديثِ ابنِ ماجَه عن جابرٍ مرفوعًا: «لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رَجلًا، ولا أَعرابيٌّ (٤)

стр. 393

مهاجرًا، ولا فاجرٌ مؤمِنًا، إلّا أن يَقهَره بسلطانٍ يَخاف سَوطَه وسَيفَه» (١). وتصحُّ خلفَ نائبِه العدلِ. ولا يَؤمُّ فاسقٌ فاسقًا. ويُعيد مَنْ صلَّى خلفَ فاسقٍ مطلقًا (٢)، إلّا في جمعةٍ وعيدٍ تَعذَّرَا خلفَ غيرِه (٣)، وإن خافَ أذىً؛ صلَّى خلفَه وأعاد. قال في «المنتهى» وغيره: (وتصحُّ خلفَ من خالَف في فرعٍ لم يَفسُق به) (٤)، ومفهومُه: لا تصحُّ إذا فَسَق به، مع كون مذهبِ الإمامِ مخالفًا لمذهبِ المأموم، وربَّما يدخل في عموم قولهم: (لا تصحُّ إمامة فاسق مطلقًا) انتهى. فلا بدَّ من التَّقليدِ عند فِسقِ الإمام، وأما الرجوعُ إلى عقيدةِ الإمامِ ففي أركانِ الصلاةِ وشروطِها، لا في شروطِ الإمامةِ، على ما يدلُّ عليه مواضعُ مِنْ كلامِهم (٥).

стр. 394

(وَلَا) تصحُّ إمامةُ (امْرَأَةٍ) لرَجلٍ؛ لحديثِ ابنِ ماجَه السَّابقِ (١). وكذا لا تصحُّ إمامةُ امرأةٍ لخنثى؛ لاحتمالِ كونِه رجلًا (٢). (وَ) لا تصحُّ إمامةُ (خُنْثَى لِرَجُلٍ) أو خُنثى؛ لاحتمالِ أن يَكون الإمامُ امرأةً والمأمومُ رَجلًا، يقينًا أو احتمالًا (٣). (وَلَا) تصحُّ إمامةُ (صَبِيٍّ)، وهو مَنْ لم يَبلغ، (لِبَالِغٍ) في فرضٍ؛ لقولِ ابنِ مسعودٍ: «لا يَؤمُّ الغلامُ حتى تَجِب عليه الحدودُ» (٤). (وَلَا) تصحُّ صلاةٌ خلفَ (أَخْرَسَ)، ولو مِنْ أخرسَ؛ لأنَّه لم يأتِ بفرضِ القراءةِ ولا بَدلِه (٥). (وَلَا) تصحُّ خلفَ (عَاجِزٍ عَنْ رُكْنٍ)؛ كركوعٍ أو سجودٍ أو غيرِهما، (أَوْ) عاجزٍ عن (شَرْطٍ)؛ كاستقبالِ القِبلةِ، (إِلَّا بِمِثْلِهِ) في العجزِ عن ذلك الرُّكنِ أو الشَّرطِ.

стр. 395

وكذا عاجزٌ عن قيامٍ؛ لا تصحُّ إمامتُه في الفرضِ إلّا بمِثلِه، (سِوَى إِمَامِ الحَيِّ) أي: الإمامِ (١) الراتبِ بمسجدٍ، إذا عجَز عن القيامِ لمرضٍ، بشرطٍ أشارَ إليه بقولِه (٢): (المَرْجُوِّ)، بصيغةِ اسمِ المفعولِ، الَّذي يُرجى (٣) (زَوَالُ مَرَضِهِ)؛ فتصحُّ خلفَه. (وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ جُلُوسًا نَدْبًا)، ولو مع قُدرتِهم على القيام؛ لحديثِ عائشةَ ﵂: صلَّى النبيُّ ﷺ في بيتِه وهو شاكٍ، فصلَّى جالسًا، وصلَّى وَراءَه قومٌ قيامًا، فأشارَ إليهم أنِ اجلِسُوا، فلمَّا انصرفَ قال: «إنَّما جُعل الإمامُ ليُؤتمَّ به» إلى أن قال: «فإذا صلَّى جالسًا فصَلُّوا جلوسًا أَجمعينَ» متَّفق عليه (٤)، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (هذا مِنْ طُرقٍ متواترةٍ) (٥). وتصحُّ خلفَه قيامًا؛ لأنَّه الأصلُ. (وَإِنِ ابْتَدَأَ) الإمامُ (بِهِمْ) أي: بالمأمومِين الصَّلاةَ (٦)، حالةَ كَونِه (قَائِمًا، وَعَجَزَ) عن القيام في أثنائِها، (فَجَلَسَ) الإمامُ؛ (أَتَمُّوا) أي: المأمومُون (خَلْفَهُ قِيَامًا) وجوبًا؛ «لأنَّه ﷺ صلَّى في مرضِ موتِه قاعدًا، وصلَّى أبو بكرٍ والنَّاسُ خلفَه قيامًا» متَّفق عليه (٧) مِنْ حديثِ عائشةَ (٨)، وكان أبو بكرٍ ابتدأَ بهم الصَّلاةَ قائمًا، كما أجابَ به الإمامُ أحمدُ (٩)، فوجَب أن يُتِمُّوها كذلك.

стр. 396

(وَلَا) تصحُّ الصَّلاةُ (خَلْفَ مُحْدِثٍ)، حدثًا أكبرَ أو أصغرَ، يَعلمُ ذلك، (أَوْ) أي: ولا تصحُّ خلفَ (نَجِسٍ) أي: مَنْ ببَدنِه أو ثوبِه أو بُقعتِه نجاسةٌ غيرُ معفوٍّ عنها، (يَعْلَمُ ذَلِكَ) أي: حَدثَه أو نَجسَه؛ لأنَّه أخلَّ بشرطِ الصَّلاةِ مع القدرةِ، أَشبه المتلاعبَ. (فَإِنْ جَهِلَ) إمامٌ حَدثَه أو نَجسَه، (مَعَ) جَهلِ (مَأْمُومٍ) بذلك (حَتَّى انْقَضَتِ) الصَّلاةُ؛ (صَحَّتِ) الصَّلاةُ (لِمَأْمُومٍ) وحدَه (١)؛ لحديثِ البراءِ بنِ عازبٍ: «إذا صلَّى الجُنُبُ بالقومِ أعادَ صلاتَه، وتَمَّت للقوم صلاتُهم» رَواه محمدُ ابنُ الحسينِ الحَرَّانيُّ (٢). وإنَّما تصحُّ صلاةُ المأمومِ إنْ كان قَرَأ (٣) الفاتحةَ؛ لأنَّ الإمامَ إنَّما يَتحمَّلُها عنه مع صحَّة إمامتِه، كما ذَكَره ابنُ قُندُسٍ (٤). وعُلِم منه: أنَّه إن عَلِم الإمامُ أو بعضُ المأمومِين، قبلَ الصَّلاةِ، أو فيها؛ أعاد الكلُّ. وظاهرُه: ولو نَسِي بعدَ عِلمِه؛ فيُعيدون. إلّا إن كانوا (٥) بجمعةٍ أو عيدٍ وهم بإمامٍ أو بمأمومٍ

стр. 397

كذلك (١) أربعونَ؛ فيُعيد الكلُّ (٢). (وَلَا) تصحُّ (إِمَامَةُ) أُمِّيٍّ إلَّا بمثلِه (٣)، وهو (مَنْ لَا يُحْسِنُ) أي: يَحفظُ (الفَاتِحَةَ، أَوْ يُدْغِمُ) فيها (مَا) أي: حرفًا (لَا يُدْغَمُ)؛ كإدغامِ هاءِ «لله» (٤) في راءِ «ربِّ»، وهو الأرتُّ (٥)، بالمثنَّاةِ الفوقيةِ، قال في «المصباحِ» (٦): الرُّتة بالضم، حُبسةٌ في اللِّسان (٧). (أَوْ يُبْدِلُ حَرْفًا) منها (ب) حرفٍ (آخَرَ) لا يُبدَل به، وهو الأَلثغُ؛ لحديثِ: «لِيَؤُمَّكُم أَقرَؤُكم» رَواه البخاريُّ وأبو داودَ (٨)، (غَيْرَ ضَادِ «المَغْضُوبِ»، وَ) ضادِ («الضَّالِّينَ»)، إذا أبدلَها (بظاءٍ) عجزًا (٩)، فلا يَصير به أُمِّيًّا، فتصحُّ إمامتُه ولو بغيرِ مِثلِه (١٠)، سواءٌ عَلِم الفرقَ بينَهما لفظًا ومعنًى أو لا (١١). (أَوْ يَلْحَنُ)، عطفٌ على «لا يُحسن (١٢)»، أي: ولا تصحُّ إمامةُ مَنْ يَلحن،

стр. 398

(فِيهَا) أي: في الفاتحة، (لَحْنًا يُحِيلُ) أي: يُغيِّر (المَعْنَى)؛ كفتحِ همزةِ «اهدِنا»، وكسرِ كافِ «إيَّاكَ»، وضمِّ تاءِ «أَنعمتَ»؛ لأنَّه عاجزٌ عن فرضِ القراءةِ. فلا تصحُّ إمامتُه (إِلَّا بِمِثْلِهِ) في ذلك العَجزِ، فلا يصحُّ اقتداءُ عاجزٍ عن نصفِ الفاتحةِ الأوَّلِ، بعاجزٍ عن نصفِها الأخيرِ، أو عكسُه (١). (فَإِنْ (٢)) تَعمَّد غيرُ الأُمِّيِّ إدغامَ ما لا يُدغَم، أو إبدالَ ما لا يُبْدَلُ، أو اللَّحنَ المُحيلَ للمعنى، أو (قَدَرَ) الأُمِّيُّ (عَلَى إِصْلَاحِهِ) فتَركه؛ (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ)؛ لأنَّه أَخرجه بذلك عن كَونِه قرآنًا، فهو كسائرِ الكلامِ. قال في «الفروع»: ويَكفر إن اعتَقَد إباحتَه (٣). (وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ لَحَّانٍ)، بتشديدِ الحاءِ المهمَلةِ، أي: كثيرِ لحنٍ لم يُحِل معنى؛ كجرِّ دالِ «الحمدُ»، وضمِّ هاءِ «لله» (٤)، سواءٌ كان المؤتمُّ مِثلَه أو لا؛ لأنَّ مَدلولَ اللفظِ باقٍ. فإن لم يَكُنْ كثيرَ اللَّحنِ؛ لم تُكرَه إمامتُه (٥). (وَتُكْرَهُ) إمامةُ (فَأْفَاءٍ)، بالمدِّ: الَّذي يُكرِّر الفاءَ، (وَنَحْوِهِ)؛ كتَمتامٍ يُكرِّر التاءَ. (وَ) تُكرَه إمامةُ (مَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الحُرُوفِ)؛ كالقافِ والضادِ. (وَ) تُكرَه إمامةُ (أَقْطَعِ يَدَيْنِ، أَوْ) أقطعِ (رِجْلَيْنِ، أَوْ) أقطعِ (إِحْدَاهُمَا)

стр. 399

أي: أقطعِ يدٍ أو رِجلٍ إذا أَمكَنه القيامُ، وإلّا فبِمثلِه، (أَوْ) أقطعِ (أَنْفٍ)؛ للاختلافِ في صحَّةِ إمامةِ مَنْ ذُكِر. (وَ) كُرِه (أَنْ يَؤُمَّ) رَجلٌ امرأةً (أَجْنَبِيَّةً) منه (فَأَكْثَرَ) مِنْ امرأةٍ (لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ)؛ «لأنَّه ﵇ نهَى عن خلوةِ الرَّجلِ بالأجنبيَّةِ» (١)، ولِما فيه مِنْ مخالطةِ الوَسواسِ، لكنْ إن كانت إمامتُه للأجنبيَّةِ على وجهِ الخلوةِ (٢)؛ حَرُم. وإن أَمَّ مَحارمَه، أو أجنبيَّاتٍ معهنَّ رَجلٌ أو مَحْرَمُه؛ فلا كراهةَ. (أَوْ) أي: وكُرِه أن يَؤمَّ (قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ يَكْرَهُهُ بِحَقٍّ)؛ كما لو كَرِهوهُ (٣) لخللٍ في دِينِه أو فضلِه؛ لحديثِ أَبي أُمامةَ مرفوعًا: «ثلاثةٌ لا تُجاوِز صَلاتُهم آذانَهم: العبدُ الآبِقُ حتَّى يَرجعَ، وامرأةٌ باتَت وزوجُها عليها ساخطٌ، وإمامُ قومٍ وهُم له كارهون» رَواه التِّرمذيُّ (٤). فإن كَرِهوه بغيرِ حقٍّ؛ لم يُكرَه أن يَؤمَّهم. (وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يَقْضِي صَلَاةً بِمُؤَدِّيهَا)؛ كأنْ يُصلِّيَ شخصٌ الظُّهرَ مَثلًا قضاءً خلفَ إمامٍ يُصلِّيها أداءً. (وَ) يصحُّ (٥) (عَكْسُهُ)، وهو ائتمامُ مؤدِّي صلاةٍ بقاضِيها؛ كأنْ يُصلِّيَ الظُّهرَ

стр. 400

أداءً خلفَ إمامٍ (١) يُصلِّيها قضاءً؛ لأنَّ الصَّلاةَ واحدةٌ، وإنَّما اختَلَف الوقتُ. و (لَا) يصحُّ ائتمامُ (مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ)؛ كما لو صلَّى الظُّهرَ خلفَ مَنْ تَطوَّع بأربعِ ركعاتٍ؛ لقولِه ﷺ : «فلا تَختلِفُوا عليه» (٢)، وكَونُ صلاةِ المأمومِ غيرَ صلاةِ الإمامِ اختلافٌ عليه؛ لأنَّ صلاةَ المأمومِ لا تُؤدَّى (٣) بنيَّةِ صلاةِ الإمامِ، لكن تصحُّ العيدُ خلفَ مَنْ يَقول: إنَّها سُنَّةٌ، وإن اعتَقَد المأمومُ أنَّها فرضُ كفايةٍ؛ لعدمِ الاختلافِ عليه فيما يَظهر، قاله المصنِّفُ (٤). ويستثنى من ذلك (٥): إذا صلَّى بهم في خوفٍ صلاتَين، فيصحُّ ائتمامُ المفترِضِ بالمتنفِّلِ في هذه الصُّورِ (٦). وكذا يصحُّ ائتمامُ متنفِّلٍ بمفترضٍ (٧). (وَلَا) يصحُّ ائتمامُ مُصلٍّ نحوَ (ظُهْرٍ خَلْفَ) إمامٍ يُصلِّي (نَحْوَ عَصْرٍ)؛ لاختلافِ اسمِ (٨) الصَّلاتَين. (فصل) في مَوقفِ الإمامِ والمأمومِ (يَقِفُ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ) مِنْ المأمومِين (خَلْفَ إِمَامٍ نَدْبًا)، يَعني: أنَّ السُّنَّةَ وقوفُ

стр. 401

إمامِ الجماعةِ الذُّكورِ متقدِّمًا عليهم؛ «لأنَّه ﵇ كان إذا قامَ إلى الصَّلاة تَقدَّم وقامَ أصحابُه خَلفَه» (١)، ولمسلمٍ وأَبي داودَ (٢): «أنَّ جابرًا وجبَّارًا وقَف أَحدُهما عن يمينِه، والآخرُ عن يسارِه، فأَخذ بأيدِيهما حتى أَقامهما خَلفَه». والسُّنَّةُ أيضًا: توسُّطُه الصَّفَّ، وقُربُه منه، إلّا إمامَ عُراةٍ، فيَقِف بينَهم وجوبًا. (وَيَصِحُّ) وقوفُ مأمومٍ (٣) (عَنْ يَمِينِهِ) أي: الإمامِ (٤). (وَ) ويصحُّ وقوفُ اثنينِ فأكثَرَ (٥) (بِجَنْبَيْهِ)، بأنْ يَقِف الإمامُ بينَهم؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ؛ أنه (٦) صلَّى بينَ عَلقَمةَ والأسودِ وقال: «هكذا رأيتُ النبيَّ ﷺ فعَل» رَواه أحمدُ (٧). و (لَا) يصحُّ أن يَقِف مأمومٌ واحدٌ (٨) فأكثرُ عن (يَسَارِهِ) أي: الإمامِ (فَقَطْ) أي: مع خُلوِّ يمينِ الإمامِ، إن صلَّى ركعةً فأكثرَ؛ لأنَّه خالفَ مَوقفَه؛ «لإدارتِه ﵇ ابنَ عبَّاسٍ وجابرًا لمَّا وقَفَا عن يسارِه» (٩). (أَوْ) أي: ولا يصحُّ وقوفُ مأمومٍ (قُدَّامَهُ) أي: الإمامِ، فمتى تَقدَّمه مأمومٌ

стр. 402

ولو بإحرامٍ (١)؛ لم تصحَّ لمأمومٍ، إلّا في شدَّةِ خوفٍ (٢) إذا أَمكَنت (٣) متابعتُه، وفيما إذا تَقابَلَا أو تَدابَرَا داخلَ الكعبةِ (٤)، لا إن جعَل ظَهرَه إلى وجهِ إمامِه (٥)، وفيما إذا استَدارَ الصَّفُّ حولَها والإمامُ عنها أبعدُ مِمَّنْ هو في غيرِ جهتِه. والاعتبارُ في التقدُّمِ والتأخُّرِ حالَ القيامِ: بمُؤخَّر القدمِ، وهو العَقِبُ، وفي قعودٍ: بالأَلْيَةِ (٦). (وَلَا) يصحُّ وقوفُ (الفَذِّ) أي: الواحدِ (خَلْفَهُ) أي: الإمامِ، (أَوْ خَلْفَ صَفٍّ)، إن صلَّى ركعةً فأكثرَ وحدَه، (إِلَّا امْرَأَةً) وقَفَت (خَلْفَ رَجُلٍ) أو خلفَ صفِّ رجالٍ، فيصحُّ، بل ذلك هو السُّنَّةُ؛ لحديثِ أنسٍ: أنَّ جدَّتَه مُلَيكةَ دَعَت رسولَ اللهِ ﷺ لطعامٍ صنَعَتْه، فأكَل ثمَّ قال: «قُومُوا لِأُصلِّيَ لَكُمْ»، فقمتُ إلى حصيرٍ قدِ اسودَّ مِنْ طولِ ما لَبِث (٧)، فنَضحتُه بماءٍ، فقامَ عليه رسولُ اللهِ ﷺ ، وقمتُ أنا واليتيمُ وراءَه، وقامَت العجوزُ مِنْ ورائِنا، فصلَّى لنا ركعتَين، ثمَّ انصرفَ. رَواه الجماعةُ إلّا ابنَ ماجَه (٨).

стр. 403

(وَتَقِفُ إِمَامَةُ النِّسَاءِ فِي صَفِّهِنَّ) أي: بينَهنَّ، (نَدْبًا)؛ رُوي عن عائشةَ (١). (وَيَلِيهِ) أي: الإمامَ، ندبًا، مِنْ أنواعِ مأمومِين: (رِجَالٌ) أحرارٌ بالِغُون، الأفضلُ فالأفضلُ، ثمَّ عَبيدٌ بالِغُون، الأفضلُ فالأفضلُ؛ لحديثِ: «لِيَلِنِي منكم أُولُو الأحلامِ والنُّهَى» رَواه مسلمٌ (٢). (ثُمَّ صِبْيَانٌ)، أحرارٌ ثمَّ أرقَّاءُ، الأفضلُ فالأفضلُ؛ «لأنَّه ﷺ صلَّى فصَفَّ الرِّجالَ، ثمَّ صفَّ خلفَهم الغِلمانُ» رَواه أبو داودَ (٣). (ثُمَّ نِسَاءٌ) بالغاتٌ؛ أحرارٌ ثمَّ أرقَّاءُ، ثمَّ غيرُ البالغاتِ؛ الأحرارُ ثمَّ الأرقَّاءُ، الفُضْلَى فالفُضْلَى. فيُقدَّم مِنْ كلِّ نوعٍ (الأَفْضَلُ فَالأَفْضَلُ؛ كَجَنَائِزِهِمْ) يَعني: أنَّه يُقدَّم مِنْ جنائزَ إلى الإمامِ، وكذا إلى القِبلةِ في قَبرٍ حيثُ جازَ: حرٌّ بالغٌ، فعبدٌ، فصبيٌّ، فامرأةٌ كذلك. (وَمَنْ) أي: أيُّ مأمومٍ (لَمْ يَقِفْ مَعَهُ) في صفِّه (إِلَّا) كافرٌ، أو (امْرَأَةٌ)، أو خُنثى وهو ذَكرٌ؛ ففَذٌّ؛ لأنَّ صلاةَ الكافرِ غيرُ صحيحةٍ، والمرأةَ والخُنثى ليسَا مِنْ أهلِ الوقوفِ معه.

стр. 404

(أَوْ) لم يَقِف معه إلّا (مَنْ) أي: شخصٍ (عَلِمَ) المأمومُ (حَدَثَهُ)، أي: حدَثَ ذلك الشَّخصِ الذي لم يقف معه غيرُه، (أَوْ) عَلِم (نَجَسَهُ) أي: نجاسَتَه، فقد قال المصنِّف: وكذا لو علم المصافُّ حدَثَ أو نَجسَ نفسِه، قال في «الشرح»: وكذا إذا وقَفَ معه سائرُ مَنْ لا تصحُّ صلاتُهم (١)، فدلَّ على (٢) أنَّ مَنْ صحَّت صلاتُه صحَّت مُصافَفَتُه (٣). انتهى (٤). (أَوْ) لم يَقِف مع رَجلٍ إلّا (صَبِيٌّ فِي) صلاةِ (فَرْضٍ؛ فَفَذٌّ) أي: فردٌ؛ لأنَّه لا تصحُّ إمامتُه بالرَّجلِ في الفرضِ، فلا تصحُّ مُصافَّتُه له. وتصحُّ مُصافَّةُ مفترِضٍ لمتنفِّلٍ بالغٍ، كأُمِّيٍّ، وأخرسَ، وعاجزٍ عن ركنٍ أو شرطٍ، وناقصِ طهارةٍ ونحوِه، وفاسقٍ، ومجهولٍ حدثُه أو نجسُه. (وَمَنْ) أرادَ الصَّلاةَ وقد أُقيمَت الصُّفوفُ؛ فإن (وَجَدَ فُرْجَةً)، بضمِّ الفاءِ

стр. 405

وفَتحِها (١)، أي: خَللًا في صفٍّ ولو بعيدةً؛ (دَخَلَهَا) أي: الفرجةَ، ويُكرَه مَشيُه إليها عرضًا (٢)، وإن وجَد الصَّفَّ غيرَ مرصوصٍ؛ وقَف فيه نصًّا (٣). (وَإِلَّا) أي: وإن لم يَجِد فرجةً، وكان الصفُّ مرصوصًا؛ (فَ) يَقِفُ (عَنْ يَمِينِ إِمَامِهِ) إن أَمكَنه؛ لأنَّه موقفُ الواحدِ. (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) الوقوفُ عن (٤) يمينِ الإمامِ؛ (نَبَّهَ) بنَحنَحةٍ، أو إشارةٍ، أو كلامٍ؛ كقوله: ليتأخَّرْ أَحدُكم لأكن (٥) معه صفًّا، (مَنْ يَقُومُ مَعَهُ) صفًّا؛ ليتمكَّنَ مِنْ الاقتداءِ، ولَزِم المُنبَّهَ أن يَتأخَّر ليَقِف معه (٦)، وكُرِه تنبيهُه بجَذبِه (٧). (وَمَنْ صَلَّى رَكْعَةً فَذًّا) خلفَ إمامٍ (٨) أو صفٍّ، ولو امرأةً خلفَ امرأةٍ؛ (لَمْ تَصِحَّ) صلاتُه، عالمًا كان أو جاهلًا، ناسيًا (٩) أو عامدًا؛ لحديثِ وابصةَ ابنِ معبدٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ رأى رَجلًا يُصلِّي خلفَ الصَّفِّ، فأمَرَه أن يُعيد الصَّلاةَ»

стр. 406

رَواه أحمدُ والتِّرمذيُّ (١). وظاهرُه: ولو زُحِم في ثانيةِ الجمعةِ فخرَج مِنْ الصفِّ وبقيَ منفردًا، فيَنوي المفارقةَ ويُتمُّ لنفسه، وإلّا بطَلَت، وصحَّحه في «تصحيح الفروع» (٢). (وَإِنْ رَكَعَ فَذًّا) لعذرٍ؛ كخوفِ فوتِ الرَّكعةِ، (ثُمَّ دَخَلَ الصَّفَّ) قبلَ سجودِ الإمامِ؛ صحَّت (٣). (أَوْ) رَكَعَ فَذًّا لعذرٍ، ثمَّ (وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلَ سُجُودِ إِمَامِهِ؛ صَحَّتْ) صلاتُه؛ لأنَّ أبا بَكْرةَ واسمُه نُفَيعٌ، مُصغَّر نَفْع؛ بالفاء (٤) ركَع دونَ الصَّفِّ، ثمَّ مشَى حتى دخَل الصَّفَّ، فقال له النبيُّ ﷺ : «زادكَ اللهُ حرصًا، ولا تَعد» رَواه البخاريُّ (٥).

стр. 407

فإن لم يَكُنْ عذرٌ؛ لم تصحَّ؛ لأنَّ الرُّخصةَ ورَدَت في المعذورِ، فلا يُلحَق به غيرُه. وقدَّم في «الكافي» (١): تصحُّ (٢). (فصل) في الاقتداء (يَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَأْمُومٍ بِإِمَامٍ) وهُما (فِي مَسْجِدٍ مُطْلَقًا) أي: سواءٌ رأى المأمومُ إمامَه أو مَنْ وراءَه أو لا، أو كان بينَهما حائلٌ أو لا (٣)، (إِنْ سَمِعَ) المأمومُ (٤) (التَّكْبِيرَ)؛ لأنَّه بسماعِ التَّكبيرِ (٥) يَتمكَّن مِنْ متابعتِه، والمسجدُ مُعَدٌّ للاجتماع. (وَكَذَا) يصحُّ اقتداءُ مأمومٍ (خَارِجَهُ) أي: المسجدِ الذي به الإمامُ (٦)؛ (إِنْ رَأَى) المأمومُ (الإِمَامَ (٧)، أَوْ) رأى (مَنْ وَرَاءَهُ) مِنْ المأمومِين، ولو في بعضِها (٨)،

стр. 408

أو مِنْ شُبَّاكٍ (١)، حيثُ أَمكَنَتْه (٢) المتابعةُ، ولو كان بينَهما أكثرُ مِنْ ثلاثِمائةِ ذراعٍ، ولا يُكتَفَى إذَنْ بسماعِ التَّكبيرِ. (وَيُكْرَهُ عُلُوُّ إِمَامٍ) أي: ارتفاعُه (٣) (عَنْهُ) أي: عن مأمومٍ ارتفاعًا كثيرًا، بأنْ يكونَ (٤) (ذِرَاعًا فَأَكْثَرَ)؛ لحديثِ أَبي داودَ عن حذيفةَ مرفوعًا: «إذا أَمَّ الرَّجلُ القومَ؛ فلا يَقُومَنَّ (٥) في مكانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَكانِهم» (٦). فإن كان مع الإمامِ أَحدٌ مُساوٍ له أو أعلى منه؛ زالَت الكراهةُ، نقَله ابنُ نصرِ اللهِ (٧) عن «المُغْني». فإن كان العلوُّ يسيرًا دونَ ذراعٍ؛ كدرجةِ مِنبَرٍ؛ لم يُكرَه. ولا بأسَ بالعلوِّ ولو كثيرًا لمأمومٍ (٨).

стр. 409

(وَ) تُكره (صَلَاتُهُ) أي: الإمامِ، (فِي الطَّاقِ) أي: المحرابِ، إن منَع ذلك مشاهَدتَه، رُوي عن ابنِ مسعودٍ وغيرِه (١)، فيَقِف عن يمينِ المحرابِ نصًّا (٢) إن لم يَكُنْ حاجةٌ. فإن لم يَمنع مشاهَدتَه (٣)؛ لم يُكره. (وَ) يُكره (تَطَوُّعُهُ) أي: الإمامِ، (مَوْضِعَ) صلاةٍ (مَكْتُوبَةٍ بَعْدَهَا)، نصًّا (٤)؛ لحديثِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ مرفوعًا: «لا يُصلِّينَّ الإمامُ في مَقامِه الذي صلَّى فيه المكتوبةَ حتى يَتنحَّى عنه» رَواه أبو داودَ (٥)، ولأنَّ في تحوُّلِه إعلامًا بأنَّه صلَّى فلا يُنتظر. وفُهِم مِنْ قولِه: «بَعْدَهَا»: أنَّه لا يُكره تطوُّعُه قبلَ المكتوبةِ في موضعِها (٦). (وَ) يُكره لإمامٍ (إِطَالَةُ قُعُودِهِ (٧) مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ بَعْدَهَا) أي: بعدَ المكتوبةِ،

стр. 410

أي: عقبَ السَّلامِ (١) (إِلَّا لِحَاجَةٍ)؛ كأنْ يَكون ثَمَّ نساءٌ؛ لحديثِ عائشةَ ﵂: «كان النبيُّ ﷺ إذا سلَّم لم يَقعد إلّا مِقدارَ ما يَقول: اللَّهمَّ أنتَ السَّلامُ، ومنكَ السَّلامُ، تبارَكتَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ» رَواه مسلمٌ (٢). ويُستحبُّ لمأمومٍ ألّا يَنصرف قبلَه إن لم يَطُل لُبثُه. فإن كان ثَمَّ نساءٌ؛ مكَث هو والرِّجالُ حتى يَنصرف النِّساءُ؛ لِئلَّا يَختلط الرِّجالُ بالنِّساء. (وَيُكْرَهُ وُقُوفُ مَأْمُومِينَ بَيْنَ سَوَارٍ)، جمعُ ساريةٍ؛ كجاريةٍ وجوارٍ، وهو (٣) الأُسطوانةُ، قاله في المِصباح (٤)، (تَقْطَعُ الصُّفُوفَ) عرفًا (٥)؛ لقولِ أنسٍ: «كنَّا نَتَّقي هذا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ » رَواه أحمدُ وأبو داودَ، وإسنادُه ثقاتٌ (٦)، قال أحمدُ: (لأنَّه يَقطع) (٧). فإن كان الصَّفُّ صغيرًا قَدْرَ ما بينَ السَّاريتَين؛ لم يُكره. ومحلُّ الكراهةِ: إذا كان (٨) (بِلَا حَاجَةٍ)؛ كضِيقِ مسجدٍ، أو مطرٍ، وإلا لم يُكره (٩).

стр. 411

(فصل) في الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة (١) (يُعْذَرُ)، بالبناء للمفعول (٢)، (بِتَرْكِ) أي: في تركِ (٣) (جُمُعَةٍ وَجَمَاعَةٍ: مَرِيضٌ (٤))، بالرفعِ، نائبُ فاعلِ: «يُعذر» (٥)؛ «لأنَّه ﵇ لمَّا مَرِض تَخلَّف عن المسجدِ وقال: «مُرُوا أبا بكرٍ فَلْيُصلِّ بالنَّاس» متَّفق عليه (٦). وكذا خائفٌ حدوثَ مرضٍ، بشرطِ ألّا يَكون المريضُ والخائفُ حدوثَ المرضِ (٧) بالمسجد، وإلَّا لم يُعذرا (٨). وتَلزم الجمعةُ مَنْ لم يَتضرَّر بإتيانِها راكبًا أو محمولًا (٩)، أو تَبرَّع أحدٌ به، أو بقَوْدِ أَعمى (١٠).

стр. 412

(وَ) يُعذر بتركِ جمعةٍ وجماعةٍ: (مُدَافِعُ أَحَدِ الأَخْبَثَيْنِ)، البولِ والغائطِ؛ لأنَّه يَمنعه مِنْ إكمالِ الصَّلاةِ وخشوعِها. (وَ) يُعذر بتركِ جمعةٍ وجماعةٍ: (مُحْتَاجٌ لِطَعَامٍ)، إن كان ذلك الطَّعامُ (بِحَضْرَتِهِ (١)) أي: المحتاجِ، وله الشِّبَعُ؛ لخبرِ أنسٍ في الصَّحيحَين: «ولا تَعجلنَّ حتى تَفرُغَ منه» (٢). (وَ) يُعذر بتركِ جمعةٍ وجماعةٍ: (خَائِفٌ ضَيَاعَ مَالِهِ)؛ كغلَّةٍ ببَيادِرِها، (أَوْ) خائفٌ (فَوَاتَهُ) بالنَّصب؛ كشُرودِ دابَّتِه، أو إباقِ عبدِه، وسفرِ نحوِ غريمٍ له، (أَوْ) خائفٌ (ضَرَرًا فِيهِ) أي: في مالِه؛ كاحتراقِ خبزٍ أو طبيخٍ، أو إطلاقِ ماءٍ على نحوِ زَرعِه بغَيبتِه، (أَوْ) خائفٌ بحضورِ جمعةٍ وجماعةٍ؛ (مَوْتَ قَرِيبِهِ)، نصًّا (٣)، (أَوْ) موتَ (رَفِيقِهِ). (وَ) يُعذر بتركِ جمعةٍ وجماعةٍ: (مَنْ (٤) يُمَرِّضُهُمَا) (٥) أي: مَنْ يَتولَّى تمريضَ قريبِه أو رفيقِه. (أَوْ خَافَ) بحضورِ جمعةٍ وجماعةٍ (عَلَى نَفْسِهِ ضَرَرًا) مِنْ نحوِ لصٍّ، (أَوْ)

стр. 413

خافَ على نَفسِه (سُلْطَانًا) يأخذه، (أَوْ) خافَ (مُلَازَمَةَ غَرِيمِهِ وَ) الحالُ أنه (١) (لَا شَيْءَ مَعَهُ) أي: لا قدرةَ له على الوفاءِ (٢)؛ لأنَّ حَبْسَ المعسِرِ ظلمٌ. وكذا إن كان الدَّينُ مؤجَّلًا، وخَشِي أن يُطالَب به قبلَ أجلِه. فإن كان حالًّا، وقَدَرَ على وَفائِه؛ لم يُعذر (٣)؛ لأنَّه ظالمٌ. (أَوْ) خافَ (فَوَاتَ رُفْقَتِهِ بِسَفَرٍ) مباحٍ، أَنشَأه أو استَدَامه؛ لِما في ذلك كلِّه مِنْ الضَّررِ عليه. (أَوْ) خافَ (تَطْوِيلَ إِمَامٍ) يَتأذَّى به. (أَوْ) خافَ (أَذًى بِمَطَرٍ وَنَحْوِهِ)؛ كوَحَلٍ وثَلجٍ وجَليدٍ. (أَوْ) خافَ (غَلَبَةَ نُعَاسٍ) يَخاف به فَوتَها في الوقت، أو مع إمامٍ (٤). (وَ) يُعذر بتركِ جمعةٍ وجماعةٍ: خائفٌ أذًى ب (رِيحٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةٍ، بِلَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: «كان النبيُّ ﷺ يُنادي مُنادِيهِ فِي الليلةِ الباردةِ أو المَطيرةِ: صلُّوا في رِحالِكم» رَواه ابنُ ماجَه (٥). وتَقييدُه الرِّيحَ بكونِها شديدةً؛ ليس في «المنتهى» (٦)، بل صرَّح بِنفيه في «الإقناعِ»، فقال: ولو لم تَكنْ شَديدةً (٧).

стр. 414

(بَابُ صَلَاةِ أَهْلِ الأَعْذَارِ) جمعُ «عُذرٍ» وهُم: المريضُ، والمسافرُ، والخائفُ، ونحوُهم. (تَلْزَمُ) صلاةٌ (مَكْتُوبَةٌ مَرِيضًا قَائِمًا) إن (١) قَدَرَ عليه، ولو كراكعٍ، أو معتمِدًا، أو مستنِدًا بأُجرةٍ يَقدِر عليها. (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ) المريضُ القيامَ كما تَقدَّم، أو شقَّ عليه لضررٍ، أو زيادةِ مرضٍ، أو بطءِ بُرءٍ؛ (فَ) إنَّه تَلزمه المكتوبةُ (قَاعِدًا)، وعلى قياسِ ما سبَق: ولو معتمِدًا، أو مستنِدًا بأُجرةٍ يَقدِر عليها. ويَتربَّع ندبًا في قيامٍ (٢)، ويَثني رِجلَيه في ركوعٍ وسجودٍ؛ كمتنفِّل. (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ) القعودَ، أو شقَّ عليه، ولو بتعدِّيه بضربِ ساقِه؛ (فَعَلَى جَنْبِهِ) يُصلِّي؛ لقولِه ﷺ لعِمرانَ بنِ حُصينٍ: «صلِّ قائمًا، فإن لم تَستطع فقاعدًا، فإن لم تَستطع فعَلَى جَنبٍ» رَواه الجماعةُ إلّا مسلمًا، زادَ النَّسائيُّ: «فإن لم تَستطع فمُستلقِيًا» (٣). (وَ) الجَنبُ (الأَيْمَنُ أَفْضَلُ) مِنْ الجنبِ الأيسرِ (٤)؛ لحديثِ عليٍّ (٥).

стр. 415

(وَتَصِحُّ) صلاةُ مريضٍ عجَزَ عن قيامٍ وقعودٍ، مستلقيًا (عَلَى ظَهْرِهِ، وَ) لكن (١) (تُكْرَهُ) صلاتُه كذلك (مَعَ قُدْرَتِهِ) أن يُصلِّي (عَلَى جَنْبِهِ). (وَإِلَّا) أي: وإن لم يَقدِرْ مريضٌ أن يصلِّيَ على جنبِه؛ (تَعَيَّنَ) أن يصلِّيَ على ظهرِه، (وَ) تَكون (رِجْلَاهُ إِلَى القِبْلَةِ، وَيُومِئُ) برأسِه (٢) حالَ كَونِه (رَاكِعًا وَسَاجِدًا) بركوعٍ وسجودٍ عاجزٌ عنهما، غايةَ ما يُمكنه، نصًّا (٣)، (وَيَخْفِضُهُ) أي: يَجعل إيماءَه للسُّجودِ أَخفضَ مِنْ الرُّكوعِ؛ للتَّميِيزِ. (فَإِنْ عَجَزَ) عن إيماءٍ برأسه؛ (أَوْمَأَ بِعَيْنِهِ) ناويًا، مُستحضِرًا الفعلَ والقولَ إن عَجَزَ عنه بقلبِه (٤)؛ كأسيرٍ خائفٍ. ولا تَسقط ما دامَ عقلُه ثابتًا. (وَمَنْ عَجَزَ) عن قيامٍ أو قعودٍ في أثناءِ صلاةٍ ابتدأَها (٥) كذلك؛ انتَقَل إلى الآخَرِ، (أَوْ قَدَرَ) مُصلٍّ مضطجِعًا عجَز عن قعودٍ على قيامٍ أو قعودٍ (فِي أَثْنَائِهَا) أي: الصَّلاةِ؛ (انْتَقَلَ إِلَى الآخَرِ)؛ لتعيُّنِه عليه، والحكمُ يَدور مع علَّتِه، ويُتمُّها، فيَقعُدُ القادرُ أوَّلًا على القيامِ، ويَضطجع القادرُ على القعودِ عندَ حدوثِ العجزِ له، ويَقوم القاعدُ، ويَقعد المضطجِعُ عندَ حدوثِ القدرةِ له (٦).

стр. 416

وإن أبطأَ متثاقِلًا (١) مَنْ أطاقَ القيامَ فعادَ العجزُ؛ فإن كان بمَحلِّ قعودٍ كتشهُّدٍ؛ صحَّت، وإلّا بطلت (٢). ويَركع بلا قراءةٍ مَنْ قرأَ، وإلّا قرأَ. (وَمَنْ قَدَرَ عَلَى قِيَامٍ وَقُعُودٍ دُونَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ)، فلم يَقدرْ عليهما (٣)؛ (أَوْمَأَ بِرُكُوعٍ قَائِمًا)؛ لأنَّ الرَّاكعَ كالقائم في نَصبِ رِجلَيه، (وَ) أَومأَ ب (سُجُودٍ قَاعِدًا)؛ لأنَّ السَّاجدَ كالجالس في جَمعِ رِجلَيه، وليَحصلَ الفرقُ بينَ الإيماءَين. (وَلِمَرِيضٍ)، ولو أَرْمدَ، (يُطِيقُ قِيَامًا؛ الصَّلَاةُ مُسْتَلْقِيًا لِمُدَاوَاةٍ، بِقَوْلِ طَبِيبٍ (٤) مُسْلِمٍ ثِقَةٍ) أي: عدلٍ ضابطٍ؛ لأنَّه أمرٌ دِينيٌّ، فلا (٥) يُقبَل فيه كافرٌ ولا فاسقٌ، وسُمِّي طبيبًا؛ لحِذقِه وفِطنَتِه (٦). (وَ) للمريضِ أن (يُفْطِرَ بِقَوْلِهِ) أي: الطَّبيبِ المسلمِ الثِّقةِ: (إِنَّ الصَّوْمَ يُمَكِّنُ)، بتشديد الكاف (٧)، (العِلَّةَ) أي: المرضَ، أي: يَجعله متمكِّنًا ثابتًا (٨).

стр. 417

(وَتَصِحُّ) مكتوبةٌ (فِي سَفِينَةٍ إِذَا أَتَى بِمَا يُعْتَبَرُ لَهَا) أي: للصَّلاة؛ مِنْ قيامٍ واستقبالِ قِبلةٍ وغيرِهما، ولو مع القدرةِ على الخروجِ منها (١). (وَ) تصحُّ مكتوبةٌ بسفينةٍ (قَاعِدًا إِنْ عَجَزَ) مُصلٍّ بالسَّفينة (عَنْ خُرُوجٍ مِنْهَا، وَ) عجَز عن (قِيَامٍ) في الصَّلاة (بِهَا) أي: بالسَّفينة، ويَستقبلُ القبلة من بالسفينةِ (٢) ويَستدير بها كلَّما انحرَفَت. وتُقام الجماعةُ فيها مع عجزٍ عن قيامٍ؛ كمَع (٣) قدرةٍ عليه. (وَ) تصحُّ مكتوبةٌ (عَلَى رَاحِلَةٍ)، واقفةٍ أو سائرةٍ، (خَشْيَةَ تَأَذٍّ)، أي: لخوفِ التَّضرُّرِ (بِوَحَلٍ) بسكونِ الحاءِ المهملةِ، وتُحرَّك، كما في القاموس: الطينُ الرقيقُ (٤) (وَنَحْوِهِ)؛ كمطرٍ وثلجٍ وبَرَدٍ؛ لحديثِ يَعلَى بنِ أُميَّةَ: «أنَّ النبيَّ ﷺ انتهى إلى مضيقٍ هو وأصحابُه، وهو على راحلتِه، والسَّماءُ مِنْ فوقِهم (٥)، والبِلَّةُ مِنْ أسفلَ منهم، فحضَرَت الصَّلاةُ، فأمَر المؤذِّنَ، فأذَّن وأقامَ، ثمَّ تَقدَّم النبيُّ ﷺ ، فصلَّى بهم، يُومِئُ إيماءً، يَجعل السُّجودَ أَخفضَ مِنْ الرُّكوعِ» رَواه أحمدُ والتِّرمذيُّ (٦)، والبِلَّة: بكسرِ الباء الموحَّدة، اسم مصدر من بَلَّه بالماء (٧)،

стр. 418

مِنْ بابِ قَتَل، كما في المصباح (١). و (لَا) تصحُّ مكتوبةٌ على راحلةٍ (لِمَرَضٍ)، نصًّا (٢)، (مَعَ قُدْرَةِ) المريضِ على (نُزُولٍ) عن الدَّابَّةٍ (وَ) على (رُكُوبٍ) عليها؛ لأنَّه لا أثرَ للصَّلاة عليها في زوالِه. فإن عجَز عن الرُّكوب أو النُّزولِ، أو خافَ انقطاعًا عن الرُّفقةِ، أو على نفسِه مِنْ عدوٍّ ونحوِه؛ جازَ له الصَّلاة عليها؛ كالصَّحيح وأَولى. وعلى مُصلٍّ على الراحلة لعذرٍ؛ الاستقبالُ وما يَقدِر عليه (٣). (وَيَصِحُّ النَّفْلُ) قَاعِدًا بالسَّفينة، وعلى الراحلة (مُطْلَقًا) أي (٤): سواءٌ قدَرَ على القيام أوْ لا، ولو مع قُدرةٍ على خروجٍ ونزولٍ وركوبٍ (٥). (فصل) في القَصْر (مَنْ سَافَرَ) أي: ابتدأَ، ناويًا (سَفَرًا مُبَاحًا) أي: ليس حرامًا ولا مكروهًا، واجبًا كان كحجٍّ وجهادٍ متعيِّنَين، أو مسنونًا كزيارةِ رَحِمٍ، أو مُستويَ الطَّرفَين كتجارةٍ.

стр. 419

وكذا لو كان السَّفرُ المباحُ أكثرَ قَصدِه؛ كتاجرٍ قصَد التِّجارةَ وقصَد معها أن يَشرب مِنْ خمرِ تلك البلدةِ، فإن تَساوى القَصدان، أو غلَب المحرَّمُ، أو سافرَ ليَقصرَ فقط؛ لم يَجُز له القصرُ. ولا بدَّ أنْ (١) يَبلغَ السَّفرُ تقريبًا (يَوْمَيْنِ) (٢) قاصدَين، أي: مُعتدِلَين، بسَيرِ الأثقالِ، ودَبِيبِ الأقدامِ، (فَأَكْثَرَ)، برًّا أو بحرًا، واليومان: أربعةُ بُرُدٍ، والبَريدُ: أربعةُ فراسخَ. (فَلَهُ قَصْرُ رُبَاعِيَّةٍ رَكْعَتَيْنِ)، جوابُ قولِه: «مَنْ سافرَ»، فيَقصر الظُّهرَ والعصرَ والعشاءَ إلى ركعتَين. ولا تُقصر صبحٌ؛ لأنَّها لو سقَط منها ركعةٌ بقيَتْ ركعةٌ، ولا نظيرَ لها في الفرض. ولا تُقصرُ مغربٌ أيضًا (٣)؛ لأنَّها وترُ النَّهارِ، فإذا سقَط منها ركعةٌ؛ بطَل كَونُها وترًا، وإن سقَط منها ركعتان؛ بقيَ ركعةٌ، ولا نظيرَ لها في الفرض. (إِذَا فَارَقَ) مَنْ سافرَ سفرًا مباحًا (عَامِرَ) بيوتِ (٤) (قَرْيَتِهِ) أي: بيوتَ قريتِه العامرةِ، داخلَ السُّورِ كانت أو خارجَه، وَلِيَها بيوتٌ خارِبةٌ (٥) أو لا، وكذا إذا فارق خيامَ قومِه (٦)، أو ما نُسِبَت (٧)

стр. 420

إليه عرفًا كسكَّانِ (١) قصورٍ وبساتينَ (٢) ونحوِهم، إن لم يَنوِ عَودًا، أو يَعُد قريبًا (٣)، فإن نَواه، أو تَجدَّدَت نيَّتُه لحاجةٍ بَدَت؛ فلا حتى يَرجعَ ويُفارقَ بشرطِه، أو تَنثنيَ (٤) نيَّتُه ويسيرَ (٥). ولا يُعيد مَنْ قصَر ثمَّ رجَع قبلَ استكمالِ المسافةِ. (وَهُوَ) أي: القصرُ (أَفْضَلُ مِنْ إِتْمَامٍ)، نصًّا (٦)؛ لأنَّه ﷺ وخُلَفاءَه داوَمُوا عليه (٧)، لكن لا يُكره الإتمامُ. (وَإِنْ مَرَّ) مسافرٌ (بِوَطَنِهِ)؛ لَزِمه أن يُتمَّ، ولو لم يَكُنْ له به حاجةٌ غيرَ أنَّه طريقُه إلى بلدٍ يَطلبه. (أَوْ) مرَّ (بِبَلَدٍ لَهُ بِهِ زَوْجَةٌ)، أو تَزوَّج فيه (٨)، وإن لم يَكُنْ وطنَه؛ لَزِمه أن

стр. 421

يُتمَّ حتى يُفارقَه. (أَوْ دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ عَلَيْهِ حَضَرًا) ثمَّ سافرَ؛ لَزِمه أن يُتمَّ تلك الصَّلاةَ؛ لأنَّها صلاةُ حضرٍ وجَبَت تامَّةً. (أَوْ أَقَامَ فِيهَا) أي: في الصَّلاة، بأن نوَى الإقامةَ أثناءَ الصَّلاةِ إقامةً تَمنع القصرَ؛ لَزِمه أن يُتمَّ. (أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ بِسَفَرٍ، أَوْ عَكْسَهُ)، بأن ذكَر صلاةَ سفرٍ بحضرٍ؛ لَزِمه أن يُتمَّ؛ لأنَّه الأصلُ. (أَوْ ائْتَمَّ (١)) مسافرٌ (بِمُقِيمٍ)؛ لَزِمه أن يُتمَّ، نصًّا (٢)؛ لِما رُوي عن ابنِ عبَّاسٍ: «تلك السُّنَّةُ» (٣). وسواءٌ ائْتمَّ به في كلِّ (٤) الصَّلاةِ أو بعضِها، عَلِمَه مقيمًا أو لا. وشَمِل كلامُه: ما لو اقتَدَى بمسافرٍ فاستَخلَف لعذرٍ مقيمًا؛ لَزِم المأمومَ الإتمامُ، دونَ الإمامِ المفارِقِ.

стр. 422

(أَوْ) ائْتمَّ مسافرٌ (بِمَنْ يَشُكُّ فِيهِ) أي: في كَونِه مسافرًا؛ لَزِمه أن يُتمَّ، ولو بان الإمامُ مسافرًا. ويَكفي عِلمُه بسفره بعلامةِ (١) سفرٍ؛ نحوِ لباسٍ. ولو قال: إن قصَر قصرتُ، وإن أَتمَّ أتممتُ؛ لم يَضرَّ في نيَّته. (أَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ يَلْزَمُهُ إِتْمَامُهَا)؛ لِكَونه ائْتمَّ فيها بمقيمٍ أو نحوِه، (فَفَسَدَتْ) صلاتُه (وَأَعَادَهَا)؛ لَزِمه الإتمامُ في الإعادة؛ لأنَّها وجَبَت كذلك. وإن ابتَدَأها جاهلًا (٢) حدثَه؛ فلَه القصرُ (٣). (أَوْ لَمْ يَنْوِ القَصْرَ عِنْدَ إِحْرَامِهِ)؛ لَزِمه أن يُتمَّ؛ لأنَّه الأصلُ، فإطلاقُ النِّيَّةِ يَنصرف إليه. (أَوْ شَكَّ) إمامٌ أو غيرُه (فِي نِيَّتِهِ) أي: في كَونِه نَوى القصرَ عندَ الإحرامِ، ولو ذكَر بعدُ أنَّه نَواه؛ لَزِمه أن يُتمَّ. (أَوْ أَخَّرَهَا) أي: الصَّلاةَ بلا عذرٍ؛ كنومٍ، (حَتَّى ضَاقَ وَقْتُهَا عَنْهَا) أي: عن فعلها كلِّها فيه مقصورةً؛ لَزِمه أن يُتمَّ؛ لأنَّه صار عاصيًا بتأخيرها متعمِّدًا بلا عذرٍ.

стр. 423

(أَوْ نَوَى) مسافرٌ (إِقَامَةً) مطلَقةً، أو (فَوْقَ عِشْرِينَ صَلَاةً)، ولو في نحوِ مَفازةٍ؛ (لَزِمَهُ الإِتْمَامُ)، وإلَّا فلَه القصرُ؛ لأنَّ الذي تَحقَّق (١): أنَّه ﵊ أَقام بمكَّةَ أربعةَ أيَّامٍ؛ لأنَّه كان حاجًّا، ودخَل مكَّةَ صَبيحةَ رابعةِ ذي الحجَّةِ، والحاجُّ لا يَخرج قبلَ يومِ التَّرويةِ (٢)، قال الأثرمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يَذكر حديثَ أنسٍ، أي قولَه: «أَقَمْنا بمكَّةَ عشرًا نَقصر الصَّلاةَ» متَّفق عليه (٣)، ويَقول أي: الإمامُ أحمدُ ﵀: (هو كلامٌ ليس يَفقهه كلُّ أحدٍ) (٤)، أي: لأنَّه (٥) حسَب مُقامَ النبيِّ ﷺ بمكَّةَ ومِنًى. ويُحسَب يومُ الدخولِ ويومُ الخروجِ مِنْ المدَّةِ. (وَإِنْ كَانَ لَهُ) أي: لبلدٍ قصدَه (طَرِيقَانِ)، أبعدُهما يَبلغ المسافةَ، والأقربُ لا يَبلغها، (فَسَلَكَ أَبْعَدَهُمَا) الذي يَبلغ المسافةَ؛ فلَه القصرُ، كما لو لم يَكُنْ له سِواها، أو كان الأقربُ مخوفًا، أو مُشِقًّا (٦).

стр. 424

(أَوْ ذَكَرَ) مسافرٌ (صَلَاةَ سَفَرٍ بِ) سفرٍ (آخَرَ) تُقصر فيه الصَّلاةُ؛ فلَه قصرُها؛ لأنَّ وجوبَها وفعلَها وُجِدَا في السَّفرِ المبيحِ، أَشبَه ما لو أدَّاها فيه، أو قَضاها في سفرٍ تَركها فيه، فإن ذكَرها في إقامةٍ تَخلَّلت السَّفرَ، ثمَّ نَسيها حتى سافرَ؛ أَتمَّها (١). (أَوْ حُبِسَ) ظلمًا، أو (لِنَحْوِ مَطَرٍ)؛ كثلجٍ وبَرَدٍ، أو مرضٍ، (وَلَمْ يَنْوِ إِقَامَةً) تَمنع القصرَ لولا المانعُ؛ فلَه القصرُ ما دامَ حَبسُه بذلك؛ «لأنَّ ابنَ عمرَ أَقام بأَذْرَبِيجانَ ستةَ أشهرٍ يَقصر الصَّلاةَ، وقد حالَ الثَّلجُ بينَه وبينَ الدخولِ» رَواه الأثرمُ (٢)، وقِيس عليه الباقي. ومَن قصَر المجموعتَين بوقتِ أُولاهُما سفرًا، ثمَّ قَدِم قبلَ دخولِ وقتِ ثانيةٍ؛ أَجزأه (٣)، كمَن جمَع بينَهما كذلك بتَيمُّم ثمَّ وجَد الماءَ وقتَ ثانيةٍ. (أَوْ أَقَامَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ)؛ كاستيفاءِ دَينٍ، أو لجهادٍ، (بِلَا نِيَّتِهَا) أي: الإقامةِ، وهو لا يَدري متى تَنقضي (٤)؛ (قَصَرَ)، سواءٌ غلَب على ظنِّه كثرةُ الإقامةِ أو قلَّتُها، بعد أن يَحتمل انقضاءَ الحاجةِ في مدَّةٍ لا تَقطعُ حُكمَ السَّفر، فلو ظنَّ أنَّها لا تَنقضي في أربعةِ أيامٍ؛ لزِمه الإتمامُ (٥).

стр. 425

(فصل) في الجمع بين الصَّلاتَين (يَجُوزُ الجَمْعُ)، فلا يُكره ولا يُستحبُّ، (بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ) أي: الظُّهرِ والعصرِ في وقتِ إحداهُما، (وَ) يَجوز (بَيْنَ العِشَاءَيْنِ) أي: المغربِ والعشاءِ (فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا) أي: إحدى (١) الصلاتَين. وتَركُه أفضلُ، غيرَ جَمعَي عرفةَ ومزدلفةَ فيُسنُّ بشرطِه، بأن لا يَكون مكِّيًّا (٢)، ولا ناويًا للإقامة بمكَّةَ بعدَ المناسكِ فوقَ أربعةِ أيَّامٍ؛ كأهلِ مصرَ (٣) والشَّامِ في هذه الأزمنةِ، فليس لهم قصرٌ ولا جمعٌ بمكَّةَ، ولا منًى ولا عرفةَ ولا مزدلفةَ؛ لانقطاع سَفرهم بدخولِ مكَّةَ. لكن قال الإمامُ أحمدُ فيمَن كان مقيمًا بمكَّةَ، ثمَّ خرَج إلى الحجِّ وهو يُريد أن يَرجع إلى مكَّةَ فلا يُقيمَ بها أي: فوقَ أربعةِ أيَّامٍ: فهذا يُصلِّي ركعتَين بعرفةَ (٤)؛ لأنَّه حينَ خرَج مِنْ مكَّةَ أَنشأ السَّفرَ إلى بلدِه. (بِسَفَرِ قَصْرٍ)، نصًّا (٥)؛ لحديثِ معاذٍ مرفوعًا: «كان في غزوةِ تبوكَ إذا ارْتَحل قبلَ زَيغِ الشمسِ (٦)؛ أخَّر الظُّهرَ حتى يَجمعها إلى العصر، يُصلِّيهما جميعًا، وإذا ارْتَحل بعدَ زَيغِ الشمسِ؛ صلَّى الظُّهرَ والعصرَ جميعًا ثمَّ سار، وكان
следующие страницы →