← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

يُتمَّ حتى يُفارقَه. (أَوْ دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ عَلَيْهِ حَضَرًا) ثمَّ سافرَ؛ لَزِمه أن يُتمَّ تلك الصَّلاةَ؛ لأنَّها صلاةُ حضرٍ وجَبَت تامَّةً. (أَوْ أَقَامَ فِيهَا) أي: في الصَّلاة، بأن نوَى الإقامةَ أثناءَ الصَّلاةِ إقامةً تَمنع القصرَ؛ لَزِمه أن يُتمَّ. (أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ بِسَفَرٍ، أَوْ عَكْسَهُ)، بأن ذكَر صلاةَ سفرٍ بحضرٍ؛ لَزِمه أن يُتمَّ؛ لأنَّه الأصلُ. (أَوْ ائْتَمَّ (١)) مسافرٌ (بِمُقِيمٍ)؛ لَزِمه أن يُتمَّ، نصًّا (٢)؛ لِما رُوي عن ابنِ عبَّاسٍ: «تلك السُّنَّةُ» (٣). وسواءٌ ائْتمَّ به في كلِّ (٤) الصَّلاةِ أو بعضِها، عَلِمَه مقيمًا أو لا. وشَمِل كلامُه: ما لو اقتَدَى بمسافرٍ فاستَخلَف لعذرٍ مقيمًا؛ لَزِم المأمومَ الإتمامُ، دونَ الإمامِ المفارِقِ.

стр. 422

(أَوْ) ائْتمَّ مسافرٌ (بِمَنْ يَشُكُّ فِيهِ) أي: في كَونِه مسافرًا؛ لَزِمه أن يُتمَّ، ولو بان الإمامُ مسافرًا. ويَكفي عِلمُه بسفره بعلامةِ (١) سفرٍ؛ نحوِ لباسٍ. ولو قال: إن قصَر قصرتُ، وإن أَتمَّ أتممتُ؛ لم يَضرَّ في نيَّته. (أَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ يَلْزَمُهُ إِتْمَامُهَا)؛ لِكَونه ائْتمَّ فيها بمقيمٍ أو نحوِه، (فَفَسَدَتْ) صلاتُه (وَأَعَادَهَا)؛ لَزِمه الإتمامُ في الإعادة؛ لأنَّها وجَبَت كذلك. وإن ابتَدَأها جاهلًا (٢) حدثَه؛ فلَه القصرُ (٣). (أَوْ لَمْ يَنْوِ القَصْرَ عِنْدَ إِحْرَامِهِ)؛ لَزِمه أن يُتمَّ؛ لأنَّه الأصلُ، فإطلاقُ النِّيَّةِ يَنصرف إليه. (أَوْ شَكَّ) إمامٌ أو غيرُه (فِي نِيَّتِهِ) أي: في كَونِه نَوى القصرَ عندَ الإحرامِ، ولو ذكَر بعدُ أنَّه نَواه؛ لَزِمه أن يُتمَّ. (أَوْ أَخَّرَهَا) أي: الصَّلاةَ بلا عذرٍ؛ كنومٍ، (حَتَّى ضَاقَ وَقْتُهَا عَنْهَا) أي: عن فعلها كلِّها فيه مقصورةً؛ لَزِمه أن يُتمَّ؛ لأنَّه صار عاصيًا بتأخيرها متعمِّدًا بلا عذرٍ.

стр. 423

(أَوْ نَوَى) مسافرٌ (إِقَامَةً) مطلَقةً، أو (فَوْقَ عِشْرِينَ صَلَاةً)، ولو في نحوِ مَفازةٍ؛ (لَزِمَهُ الإِتْمَامُ)، وإلَّا فلَه القصرُ؛ لأنَّ الذي تَحقَّق (١): أنَّه ﵊ أَقام بمكَّةَ أربعةَ أيَّامٍ؛ لأنَّه كان حاجًّا، ودخَل مكَّةَ صَبيحةَ رابعةِ ذي الحجَّةِ، والحاجُّ لا يَخرج قبلَ يومِ التَّرويةِ (٢)، قال الأثرمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يَذكر حديثَ أنسٍ، أي قولَه: «أَقَمْنا بمكَّةَ عشرًا نَقصر الصَّلاةَ» متَّفق عليه (٣)، ويَقول أي: الإمامُ أحمدُ ﵀: (هو كلامٌ ليس يَفقهه كلُّ أحدٍ) (٤)، أي: لأنَّه (٥) حسَب مُقامَ النبيِّ ﷺ بمكَّةَ ومِنًى. ويُحسَب يومُ الدخولِ ويومُ الخروجِ مِنْ المدَّةِ. (وَإِنْ كَانَ لَهُ) أي: لبلدٍ قصدَه (طَرِيقَانِ)، أبعدُهما يَبلغ المسافةَ، والأقربُ لا يَبلغها، (فَسَلَكَ أَبْعَدَهُمَا) الذي يَبلغ المسافةَ؛ فلَه القصرُ، كما لو لم يَكُنْ له سِواها، أو كان الأقربُ مخوفًا، أو مُشِقًّا (٦).

стр. 424

(أَوْ ذَكَرَ) مسافرٌ (صَلَاةَ سَفَرٍ بِ) سفرٍ (آخَرَ) تُقصر فيه الصَّلاةُ؛ فلَه قصرُها؛ لأنَّ وجوبَها وفعلَها وُجِدَا في السَّفرِ المبيحِ، أَشبَه ما لو أدَّاها فيه، أو قَضاها في سفرٍ تَركها فيه، فإن ذكَرها في إقامةٍ تَخلَّلت السَّفرَ، ثمَّ نَسيها حتى سافرَ؛ أَتمَّها (١). (أَوْ حُبِسَ) ظلمًا، أو (لِنَحْوِ مَطَرٍ)؛ كثلجٍ وبَرَدٍ، أو مرضٍ، (وَلَمْ يَنْوِ إِقَامَةً) تَمنع القصرَ لولا المانعُ؛ فلَه القصرُ ما دامَ حَبسُه بذلك؛ «لأنَّ ابنَ عمرَ أَقام بأَذْرَبِيجانَ ستةَ أشهرٍ يَقصر الصَّلاةَ، وقد حالَ الثَّلجُ بينَه وبينَ الدخولِ» رَواه الأثرمُ (٢)، وقِيس عليه الباقي. ومَن قصَر المجموعتَين بوقتِ أُولاهُما سفرًا، ثمَّ قَدِم قبلَ دخولِ وقتِ ثانيةٍ؛ أَجزأه (٣)، كمَن جمَع بينَهما كذلك بتَيمُّم ثمَّ وجَد الماءَ وقتَ ثانيةٍ. (أَوْ أَقَامَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ)؛ كاستيفاءِ دَينٍ، أو لجهادٍ، (بِلَا نِيَّتِهَا) أي: الإقامةِ، وهو لا يَدري متى تَنقضي (٤)؛ (قَصَرَ)، سواءٌ غلَب على ظنِّه كثرةُ الإقامةِ أو قلَّتُها، بعد أن يَحتمل انقضاءَ الحاجةِ في مدَّةٍ لا تَقطعُ حُكمَ السَّفر، فلو ظنَّ أنَّها لا تَنقضي في أربعةِ أيامٍ؛ لزِمه الإتمامُ (٥).

стр. 425

(فصل) في الجمع بين الصَّلاتَين (يَجُوزُ الجَمْعُ)، فلا يُكره ولا يُستحبُّ، (بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ) أي: الظُّهرِ والعصرِ في وقتِ إحداهُما، (وَ) يَجوز (بَيْنَ العِشَاءَيْنِ) أي: المغربِ والعشاءِ (فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا) أي: إحدى (١) الصلاتَين. وتَركُه أفضلُ، غيرَ جَمعَي عرفةَ ومزدلفةَ فيُسنُّ بشرطِه، بأن لا يَكون مكِّيًّا (٢)، ولا ناويًا للإقامة بمكَّةَ بعدَ المناسكِ فوقَ أربعةِ أيَّامٍ؛ كأهلِ مصرَ (٣) والشَّامِ في هذه الأزمنةِ، فليس لهم قصرٌ ولا جمعٌ بمكَّةَ، ولا منًى ولا عرفةَ ولا مزدلفةَ؛ لانقطاع سَفرهم بدخولِ مكَّةَ. لكن قال الإمامُ أحمدُ فيمَن كان مقيمًا بمكَّةَ، ثمَّ خرَج إلى الحجِّ وهو يُريد أن يَرجع إلى مكَّةَ فلا يُقيمَ بها أي: فوقَ أربعةِ أيَّامٍ: فهذا يُصلِّي ركعتَين بعرفةَ (٤)؛ لأنَّه حينَ خرَج مِنْ مكَّةَ أَنشأ السَّفرَ إلى بلدِه. (بِسَفَرِ قَصْرٍ)، نصًّا (٥)؛ لحديثِ معاذٍ مرفوعًا: «كان في غزوةِ تبوكَ إذا ارْتَحل قبلَ زَيغِ الشمسِ (٦)؛ أخَّر الظُّهرَ حتى يَجمعها إلى العصر، يُصلِّيهما جميعًا، وإذا ارْتَحل بعدَ زَيغِ الشمسِ؛ صلَّى الظُّهرَ والعصرَ جميعًا ثمَّ سار، وكان

стр. 426

يَفعل مِثلَ ذلك في المغربِ والعشاءِ» رَواه أبو داودَ، والتِّرمذيُّ وقال: (حسنٌ غريبٌ) (١)، وعن أنسٍ مَعناه، متَّفق عليه (٢). وسواءٌ كان نازلًا أو سائرًا في الجَمْعَين. (وَ) يَجوز الجمعُ بينَ الظُّهرَين وبينَ العِشاءَين أيضًا (٣): (لِمَرِيضٍ يَلْحَقُهُ بِتَرْكِهِ) أي: الجمعِ، (مَشَقَّةٌ)؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ جمَع مِنْ غيرِ خوفٍ، ولا مطرٍ»، وفي روايةٍ: «مِنْ غيرِ خوفٍ، ولا سفرٍ» رَواهُما مسلمٌ (٤)، ولا عذرَ بعدَ ذلك إلّا المرضُ. (وَ) يَجوز الجمعُ بينَ (العِشَاءَيْنِ) دونَ الظُّهرَين: (لِمَطَرٍ يَبُلُّ الثِّيَابَ، وَتُوجَدُ مَعَهُ مَشَقَّةٌ)؛ لأنَّ السُّنَّةَ لم تَرِد بالجمع لذلك (٥) إلّا في المغرب والعشاءِ، رَواه الأثرمُ (٦)، ورَوى النَّجَّادُ بإسنادِه: «أنَّ النبيَّ ﷺ جمَع بينَ المغربِ والعشاءِ في ليلةٍ مَطيرةٍ» (٧).

стр. 427

فإن بلَّ المطرُ النَّعلَ فقط، أو البَدنَ، أو لم (١) تُوجَد معه مشقَّةٌ؛ فلا (٢). (وَ) يَجوز الجمعُ بينَ العِشاءَين: (لِوَحلٍ)، بسكونِ (٣) الحاءِ المهمَلةِ، وتُحرَّك (٤): الطِّينُ الرَّقيقُ، وتقدم (٥)، (وَرِيحٍ شَدِيدَةٍ بَارِدَةٍ) ظاهرةٍ، وإن لم تَكُنْ اللَّيلةُ مظلمةً؛ لأمرِ ابنِ عمرَ مُناديَه في ليلةٍ باردةٍ فنادَى: «الصَّلاةُ في الرِّحال» (٦)، والوحلُ أعظمُ مشقَّةً مِنْ البَردِ. وله الجمعُ لِما ذُكِر (وَلَوْ صَلَّى بِبَيْتِهِ)، أو بمسجدٍ طريقُه تحتَ ساباطٍ ونحوِه (٧)؛ لأنَّ المعتبَرَ وجودُ المشقَّةِ في الجملةِ، لا لكلِّ فردٍ مِنْ المصلِّين؛ لأنَّ الرُّخصةَ العامَّةَ يَستوي فيها حالُ وجودِ المشقَّةِ وعدمِها؛ كالسَّفر. (وَالأَفْضَلُ) لمَن يَجمع؛ (فِعْلُ الأَرْفَقِ بِهِ) أي: الأسهلِ عليه، (مِنْ تَأْخِيرٍ) للظُّهرِ (٨) إلى وقتِ العصرِ، أو المغربِ إلى العشاء، (وَ) مِنْ (تَقْدِيمٍ) للعصرِ (٩) وقتَ الظُّهرِ، أو العشاءِ وقتَ المغربِ؛ لحديثِ معاذٍ السَّابقِ.

стр. 428

(فَإِنِ اسْتَوَيَا) أي: التقديمُ والتأخيرُ في الأَرفقيَّة؛ (فَتَأْخِيرٌ أَفْضَلُ)؛ لأنَّه أَحوطُ، وخروجًا مِنْ الخلاف. ومَحلُّ ذلك: في غيرِ جَمعَي عرفةَ ومزدلفةَ، فالأفضلُ بعرفةَ التقديمُ مطلقًا (١)، وبمزدلفةَ (٢) التأخير مطلقًا (٣)؛ لفعلِه ﵇ فيهما (٤). (وَ) يُشترط لصحَّةِ الجمعِ تقديمًا أو تأخيرًا: أن (يُرَتِّبَ) الصَّلاتَين (المَجْمُوعَتَيْنِ)، فلا يُصلِّيَ العصرَ قبلَ الظُّهرِ، ولا العشاءَ قبلَ المغربِ، فإن فَعَل؛ لم يصحَّ، سواءٌ كان ذاكرًا أو ناسيًا، بخلافِ سقوطِ التَّرتيبِ بالنِّسيان في قضاءِ الفوائتِ، خلافًا لِما في «الإقناع» (٥). (وَإِنْ جَمَعَ تَقْدِيمًا؛ اشْتُرِطَ) لصحَّةِ الجمعِ (٦) أربعةُ شروطٍ أيضًا: أَحدُها: (نِيَّةُ الجَمْعِ عِنْدَ إِحْرَامِهِ) بأُولى المجموعتَين؛ لأنَّه مَحلُّ النِّيَّةِ، كنيَّةِ الجماعةِ.

стр. 429

(وَ) الثاني: (أَنْ لَا يَفْرُقَ) أي: يفصِل (١)، وبابه: قتل (٢)، (بَيْنَهُمَا) أي: المجموعتَين، (إِلَّا بِقَدْرِ (٣) إِقَامَةٍ وَوُضُوءٍ خَفِيفٍ)؛ لأنَّ معنى الجمعِ: المقارنةُ والمتابعةُ، ولا تَحصل مع تفريقٍ بأكثرَ مِنْ ذلك، ولا يَضرُّ كلامٌ يَسيرٌ لا يزيدُ على ذلك (٤)، مِنْ تكبيرِ عيدٍ أو غيرِه (٥)، ولو غيرَ ذِكرٍ، ولا سجودُ سهوٍ. (فَيَبْطُلُ) الجمعُ (بِرَاتِبَةٍ) صلَّاها (بَيْنَهُمَا) أي: المجموعتَين. (وَ) الثالثُ: (وُجُودُ العُذْرِ) المبيحِ للجمعِ (عِنْدَ افْتِتَاحِهِمَا) أي: المجموعتَين، (وَ) عندَ (سَلَامِ الأُولَى) منهما؛ لأنَّ افتتاحَ الأُولى: موضعُ النِّيَّةِ، وسلامَها (٦) وافتتاحَ الثانيةِ: موضعُ الجمعِ. (وَ) الرابعُ: (اسْتِمْرَارُهُ) أي: العذرِ، في غيرِ (٧) جمعِ مطرٍ ونحوِه (٨)، (إِلَى فَرَاغِ ثَانِيَةِ) المجموعتَين، فلَو أَحرَم بالأُولى لمطرٍ، ثمَّ انقَطَع ولم يَعُد، فإن حصَل وحلٌ (٩)، وإلّا بطَل، ولو خلَفَه مرضٌ أو نحوُه. وإن انقَطَع سفرٌ بأُولى؛ بطَل الجمعُ والقصرُ، فيُتمُّها وتصحُّ، وبثانيةٍ؛ بطَلَا (١٠)، ويُتمُّها نفلًا.

стр. 430

ومرضٌ في جمعٍ؛ كسفرٍ. (وَإِنْ جَمَعَ تَأْخِيرًا اشْتُرِطَ) مع التَّرتيبِ شَرطان: أَحدُهما: (نِيَّةُ الجَمْعِ فِي وَقْتِ أُولَى) المجموعتَين مع وجودِ مُبيحِه، (قَبْلَ ضِيقِهِ) أي: وقتِ الأُولى (عَنْ فِعْلِهَا)؛ ليَحصلَ التَّخفيفُ بالمقارنةِ بينَ الصَّلاتَين الذي هو فائدةُ الجمعِ. فإن لم يَنوِ الجمعَ حتى ضاقَ وقتُ الأُولى عنها؛ لم تصحَّ النِّيَّةُ حينئذٍ. (وَ) الثاني: (اسْتِمْرَارُ عُذْرٍ) مِنْ نيَّةِ الجمعِ (١) بوقتِ أُولى (إِلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ)؛ لأنَّ المبيحَ للجمعِ العذرُ، فإذا لم يَستمرَّ إلى وقتِ الثانيةِ زالَ المُقتضي للجمعِ فامتَنَع؛ كمريضٍ بَرِئ، ومسافرٍ قَدِم. ولا يُشترط غيرُ ما ذُكِر، فلَو صلَّاهما خلفَ إمامَين، أو مَنْ لم يَجمع، أو إحداهُما منفردًا والأُخرى جماعةً، أو بمأمومٍ الأُولى وبآخرَ الثانيةَ، أو بمَن لم يَجمع؛ صحَّ. (فصل) (صَلَاةُ الخَوْفِ) ثابتةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ، وأجمعَ الصَّحابةُ على فعلها (٢). و (تَجُوزُ) بقتالٍ مباحٍ، ولو حضرًا، (كَمَا وَرَدَ) أي: على إحدَى الصِّفاتِ الواردةِ (عَنْهُ) أي: عن النبيِّ ﷺ ، قال الإمامُ أحمدُ ﵀: صحَّ عن النبيِّ ﷺ

стр. 431

صلاةُ الخوفِ مِنْ خمسةِ أوجُهٍ أو ستَّةٍ. وفي روايةِ أُخرى: مِنْ ستَّةِ أوجُهٍ أو سبعةٍ (١). قال الأثرمُ: قلتُ لأَبي عبدِ اللهِ (٢): تَقول بالأحاديثِ كلِّها، أم (٣) تختارُ واحدًا منها (٤)؟ قال: أنا أقول: مَنْ ذهَب إليها كلِّها فحسنٌ، وأمَّا حديثُ سهلٍ فأنا أَختاره (٥). وحديثُ سهلٍ الذي أشارَ إليه الإمامُ: هو صلاتُه ﷺ بذاتِ الرِّقاعِ، طائفةٌ صفَّتْ معه، وطائفةٌ وقفَتْ تِجاهَ (٦) العدوِّ، فصلَّى بالتي معه ركعةً ثمَّ ثبَت قائمًا وأَتمُّوا لأنفسهم، ثمَّ انصَرَفوا وصَفُّوا تِجاهَ (٧) العدوِّ، وجاءَتِ الطائفةُ الأُخرى، فصلَّى بهم الرَّكعةَ التي بقيَتْ مِنْ صلاته ثمَّ ثبَت جالسًا، وأَتمُّوا لأنفسهم، ثمَّ سلَّم بهم. متَّفق عليه (٨). وإذا اشتَدَّ الخوفُ؛ صلَّوا رجالًا وركبانًا، للقِبلةِ وغيرِها، يُومِئُون طاقَتَهم. وكذا حالةُ هربٍ مباحٍ مِنْ عدوٍّ، أو سيلٍ ونحوِه، أو خوفِ فوتِ عدوٍّ يَطلبه، أو وقوفٍ بعرفةَ. (وَيَحْمِلُ) خائفٌ (نَدْبًا فِيهَا (٩)) أي: في صلاةِ الخوفِ، (مَا) أي: سلاحًا،

стр. 432

(يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يُثْقِلُهُ (١)؛ كَسَيْفٍ) وسكِّينٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾. (وَلَا يُبْطِلُهَا) أي: صلاةَ الخوفِ: (كَرٌّ) على العدوِّ (وَفَرٌّ) منه (لِحَاجَةٍ)، ولو طالَ؛ لأنَّه موضعُ ضرورةٍ، بخلافِ الصِّياحِ. (وَلَا) يُبطلها أيضًا: (حَمْلُ نَجَسٍ) لا يُعفى عنه في غيرِها، إن كان الخائفُ (يَحْتَاجُهُ) أي: حملَ النَّجسِ، ولا يُعيد؛ للعذرِ.

стр. 433

(بَابُ صَلَاةِ الجُمعَةِ) (١) سُمِّيَت بذلك؛ لجَمعِها الخلقَ الكثيرَ. ويومُها أفضلُ أيَّامِ الأسبوعِ (٢). وصلاةُ الجمعةِ مستقلَّةٌ، وأفضلُ مِنْ الظُّهر، وفرضُ الوقتِ، فلَو صلَّى الظُّهرَ أهلُ بلدٍ مع بقاءِ وقتِ الجمعةِ؛ لم تصحَّ.

стр. 434

وتُؤخَّر فائتةٌ لخوفِ فَوتِها، والظُّهرُ بدلٌ عنها إذا فاتَت. (تَلْزَمُ) الجمعةُ (كُلَّ) ذكرٍ، ذكرَه ابنُ المنذر إجماعًا (١)؛ لأنَّ المرأةَ ليسَتْ مِنْ أهلِ الحضورِ في مَجامعِ الرِّجالِ. (حُرٍّ)؛ لأنَّ العبدَ محبوسٌ على سيِّدِه (٢). (مُكَلَّفٍ) أي: مسلمٍ (٣)، بالغٍ، عاقلٍ؛ لأنَّ ذلك لا بدَّ منه في التَّكليفِ، فلا تَجب على كافرٍ، وصبيٍّ، ومجنونٍ؛ لِما روَى طارقُ بنُ شهابٍ مرفوعًا: «الجمعةُ حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ في جماعةٍ، إلّا أربعةً: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبيّ، أو مريض» رَواه أبو داودَ (٤)، وقولُه: «عبد … » إلى آخره، يحتمل أن يكون منصوبًا على البدل، سقَطَت منه الألِفُ على طريقةِ المتقدِّمِين في عدمِ رسمِهم الألفَ اكتفاءً في مِثلِه بالشَّكلِ، كما أشارَ إليه النَّوويُّ في «شرحِ مسلمٍ» (٥)، ويَحتمل أن يَكون مرفوعًا على القطعِ، أي: هم عبدٌ، إلى آخره؛ لِما تَقرَّر مِنْ أنَّ البدلَ إذا فُصِّل (٦) به مذكورٌ وكان وافيًا (٧)؛ يَجوز فيه البدلُ والقطعُ، وإلّا تَعيَّن القطعُ إن لم يُنوَ معطوفٌ محذوفٌ، كما نصَّ عليه في «التَّسهيل» (٨).

стр. 435

(مُسْتَوْطِنٍ بِنَاءً) معتادًا مِنْ حَجرٍ أو قَصبٍ ونحوِهما، لا يَرتحل عنه صيفًا ولا شتاءً، (وَلَوْ تَفرَّقَ) (١) بناءُ البلدِ بما جَرَت به العادةُ، (وَاسْمُهُ) أي: البناءِ (وَاحِدٌ) إن بلَغُوا أَربعين، أو لم يَكُنْ بينَهم وبينَ مَوضعِها أكثرُ مِنْ فرسخٍ تقريبًا. و (لَا) تَجب الجمعةُ (عَلَى مُسَافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ)؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَه كانوا يُسافرون في الحجِّ وغيرِه، فلَم يُصلِّ أحدٌ منهم الجمعةَ فيه (٢) مع اجتماعِ الخلقِ الكثيرِ. وكمَا لا تَلزمه بنفسِه؛ لا تَلزمه بغيرِه (٣). فإن كان عاصيًا بسفرِه، أو كان سفرُه فوقَ فرسخٍ ودونَ (٤) المسافةِ، أو أقامَ ما يَمنع القصرَ (٥)، ولم يَنوِ استِيطانًا؛ لَزِمَته بغيرِه (٦). (أَوْ) أي: ولا على (عَبْدٍ)، أو مبعَّضٍ، (أَوِ امْرَأَةٍ)؛ لِما تَقدَّم، ولا على خُنثى؛ لأنَّه لا يُعلم كونُه رجلًا. (وَمَنْ حَضَرَهَا) أي: الجمعةَ (مِنْهُمْ) أي: مِنْ مسافرٍ وعبدٍ ومبعَّضٍ وامرأةٍ وخُنثى؛ (أَجْزَأَتْهُ) عن الظُّهر؛ لأنَّ إسقاطَ الجمعةِ عنهم تخفيفٌ، فإذا صلَّاها

стр. 436

أَحدُهم؛ فكمريضٍ تَكلَّف المشقَّةَ. (وَلَا يُحْسَبُ) مَنْ حضَرها منهم (مِنَ العَدَدِ) المعتبَرِ؛ لأنَّه ليس مِنْ أهلِ وجوبِها، وإنَّما صحَّت منه تبعًا. (وَلَا) يصحُّ أن (يَؤُمَّ) أَحدُهم (فِيهَا)؛ لِئلَّا يَصيرَ التابعُ متبوعًا. (بِخِلَافِ نَحْوِ مَرِيضٍ)؛ كخائفٍ على نفسِه أو مالِه، ونحوِه (١) ممَّن له شغلٌ أو عذرٌ يُبيح تركَ الجمعةِ، فإنَّه إذا حضَرها وجَبَت عليه، وانعَقَدَت به، وصحَّ أن يَؤمَّ فيها؛ لأنَّ سقوطَها لمشقَّةِ السَّعي، وقد زالَتْ. (وَمَنْ) كان مقيمًا (بِخِيَامٍ وَنَحْوُهُ)؛ كمسافرٍ أقامَ ما يَمنع القصرَ، ولم يَستوطن؛ (تَلْزَمُهُ) الجمعةُ (بِغَيْرِهِ) أي: بسببِ وجوبِها على غيرِه، (إِنْ كَانَ) مَنْ بخِيامٍ ونحوُه (بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِهَا) أي: الجمعةِ، أي: الموضعِ الذي تُقام فيه مِنْ المِصرِ؛ (فَرْسَخٌ فَأَقَلُّ) مِنْ فرسخٍ، فإن كان بينَه وبينَ مَوضعِها فوقَ فرسخٍ؛ لم تَلزمه، لا بنفسِه ولا بغيرِه (٢). (وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ) وهو (مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الجُمُعَةُ قَبْلَ فِعْلِهَا) أي: قبلَ صلاةِ الإمامِ الجمعةَ، أو مع الشَّكِّ فيه (٣)؛ (لَمْ تَصِحَّ) ظُهرُه؛ لأنَّه صلَّى ما لم يُخاطَب به، وترَك ما خُوطب به. وإذا ظنَّ أنَّه يُدرِك الجمعةَ؛ سعَى إليها؛ لأنَّها فرضُه، وإلّا انتظَر حتى يَتيقَّن أنَّهم صلَّوا الجمعةَ، فيُصلِّي الظُّهرَ.

стр. 437

(وَالأَفْضَلُ لِمَنْ لَا تَلْزَمُهُ) الجمعةُ؛ كمريضٍ ومسافرٍ، (تَأْخِيرُهَا) أي: الظُّهرِ (حَتَّى تُصَلَّى الجُمُعَةُ) أي: إلى أن يَفرغ الإمامُ مِنْ الجمعة. وعُلم منه: صحَّةُ الظُّهرِ قبلَ تجميعِ الإمامِ ممَّن لا تَلزمه، ولو زالَ عذرُه قبلَه، إلّا الصَّبيَّ إذا بلَغ، ولو بعدَه. وحضورُها لمعذورٍ، ولمَن اختُلف في وجوبِها عليه كعبدٍ؛ أفضلُ. ونُدِب تصدُّقٌ بدينارٍ أو نصفِه لتاركِها بلا عذرٍ. (وَيَحْرُمُ سَفَرُ مَنْ تَلْزَمُهُ) الجمعةُ (فِي يَوْمِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ) حتى يُصلي، إنْ لم يَخفْ فَوت رُفقتِه (١). (وَقَبْلَهُ) أي: الزَّوالِ؛ (يُكْرَهُ) سفرُه حتى يُصلي، (مَا لَمْ يَأْتِ) مسافرٌ (بِهَا) أي: الجمعةِ (فِي طَرِيقِهِ) فيهما (٢). (فصل) و (شَرْطُ (٣) صِحَّتِهَا) أي: الجمعةِ أربعةٌ، ليس منها إذنُ الإمامِ. أَحدُها: (الوَقْتُ)؛ لأنَّها صلاةٌ مفروضةٌ، فاشتُرِط لها الوقتُ كبقيَّةِ الصَّلواتِ، فلا تصحُّ قبلَ الوقتِ، ولا بعدَه إجماعًا، قالَه في «المبدِع» (٤). (وَهُوَ) أي: وقتُ الجمعةِ، (مِنِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ)؛ لقولِ عبدِ اللهِ بنِ سِيدانَ: «شَهِدتُ الجمعةَ مع أَبي بكرٍ، فكانت خُطبتُه وصلاتُه قبلَ نصفِ

стр. 438

النَّهارِ، ثمَّ شَهِدتُها مع عمرَ، فكانت صلاتُه وخُطبتُه إلى أن أقول: قد انتَصَف النَّهارُ، ثمَّ شَهِدتُها مع عثمانَ، فكانت صلاتُه وخُطبتُه إلى أن أقول: زالَ النَّهارُ، فما رأيتُ أحدًا عاب ذلك ولا أَنكَره» رَواه الدَّارَقُطنيُّ، وأحمدُ، واحتجَّ به (١)، قال: وكذلك رُوي عن ابنِ مسعودٍ وجابرٍ وسعيدٍ (٢) ومعاويةَ: أنَّهم صلَّوا قبلَ الزَّوالِ (٣)، ولم يُنكَر. ويَستمرُّ وقتُ الجمعةِ (إِلَى) دخولِ وقتِ (العَصْرِ) بلا خلافٍ، قالَه في «المبدِع» (٤).

стр. 439

وفعلُها بعدَ الزَّوالِ أفضلُ. (فَإِنْ خَرَجَ) وقتُها (قَبْلَ التَّحْرِيمَةِ) أي: قبلَ أن يُكبِّروا للإحرام بالجمعة؛ (صَلَّوْا ظُهْرًا) قال في «الشَّرح» (١): لا نَعلم فيه خلافًا، (وَإِلَّا)، بأن أَحرَموا بها في الوقت؛ صلَّوا (جُمُعَةً)؛ كسائرِ الصَّلواتِ، لإدراكِها (٢) أداءً بتكبيرةِ الإحرامِ في الوقت. ولا تَسقط بشكٍّ في خروجه، فإن بقيَ مِنْ الوقت قَدْرُ ما يُجزِئ مِنْ الخُطبةِ والتَّحريمةِ؛ لَزِمَهم فعلُها، وإلّا لم يَجْزِ (٣). (وَ) الشَّرطُ الثاني: (حُضُورُ أَرْبَعِينَ) رجلًا (٤)، ولو بالإمام، الخُطبةَ والصَّلاةَ، (مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا)، صفةً ل «أربعين» (٥)، أي: أربعين كائنين ممَّن تلزمهم الجمعة (٦)، وتَقدَّم بيانُهم، قال الإمامُ أحمدُ: (بعَث النبيُّ ﷺ مُصعبَ بنَ عُميرٍ إلى أهلِ المدينةِ، فلمَّا كان يومُ الجمعةِ جمَّع بهم، وكانوا أَربعينَ، وكانت

стр. 440

أوَّلَ جمعةٍ جُمِّعَت بالمدينة (١)) (٢)، وقال جابرٌ: «مضَت السُّنَّةُ أنَّ في كلِّ أَربعينَ فما فوقُ جمعةً وأَضحى وفِطرًا» رَواه الدارَقُطنيُّ، وفيه ضعفٌ (٣)، قالَه في «المبدِع» (٤). الشَّرطُ الثالثُ: أن يَكونوا (مُسْتَوْطِنِينَ بِقَرْيَةٍ)، مبنيَّةٍ بما جَرَت به العادةُ، فلا تَتمُّ مِنْ مكانَين متقارِبَين، ولا تصحُّ مِنْ أهلِ الخيامِ وبيوتِ الشَّعَرِ ونحوِهم؛ لأنَّ ذلك لم يُقصد للاستِيطانِ غالبًا، وكانت قبائلُ العربِ حولَ النبيِّ ﷺ ولم يَأمرهم بها. وتصحُّ بقريةٍ خرابٍ عزَموا على إصلاحها (٥) والإقامةِ بها. (وَتَصِحُّ) أي: الجمعةُ (٦) (فِيمَا قَارَبَ البُنْيَانَ) مِنْ الصَّحراءِ ولو بلا عذرٍ، فلا يُشترط لها البنيانُ. (فَإِنْ نَقَصُوا) أي: الأربعون (قَبْلَ إِتْمَامِهَا) أي: الجمعةِ؛ (اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا) أي: ابتَدَؤُوا صلاةَ الظُّهرِ إن لم تُمكن (٧) إعادةُ الجمعةِ. (وَيُدْرِكُهَا) أي: الجمعةَ، (مَسْبُوقٌ بِ) إدراكِ (رَكْعَةٍ) منها (مَعَ إِمَامِهِ) حيثُ أَحرَم بها في الوقت؛ لحديثِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «مَنْ أَدرَك ركعةً مِنْ

стр. 441

الجمعةِ فقَد أَدرَك الصَّلاةَ» رَواه الأثرمُ (١). (وَإِنْ أَدْرَكَ) مسبوقٌ (دُونَهَا) أي: دونَ الرَّكعةِ؛ بأن رفَع الإمامُ رأسَه مِنْ الثانيةِ ثمَّ دخَل معه؛ (أَتَمَّهَا ظُهْرًا)؛ لمفهومِ ما سبَق، (إِنْ) كان (دَخَلَ وَقْتُهُ) أي: الظُّهرِ (وَنَوَاهُ) عندَ إحرامه. (وَإِلَّا)، بأن لم يَدخل وقتُ الظُّهرِ، أو دخَل ولم يَنوِه، بل نوَى جمعةً؛ (فَ) تكون صلاتُه (نَفْلً) ا، أمَّا في الأُولى؛ فكمَن أَحرم بفرضٍ فبانَ قبلَ وقتِه، وأمَّا في الثانية؛ فلِحديثِ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» (٢). (وَ) الشَّرطُ الرابعُ: (تَقَدُّمُ خُطْبَتَيْنِ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، والذِّكرُ هو الخُطبةُ، ولقولِ ابنِ عمرَ: «كان النبيُّ ﷺ يَخطب خُطبتَين وهو قائمٌ، يَفصل بينَهما بجلوسٍ» متَّفق عليه (٣). وهما بدلُ ركعتَين لا مِنْ الظُّهرِ. (مِنْ شَرْطِهِمَا) أي: مِنْ شرطِ صحَّةِ الخُطبتَين: (حَمْدُ اللهِ تَعَالَى) بلفظِ: «الحمدُ للهِ»؛ لقوله ﷺ : «كلُّ كلامٍ لا يُبدأ فيه بالحمد للهِ فهُو أَجذَمُ» رَواه أبو داودَ عن أَبي هريرةَ (٤). (وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ) محمَّدٍ (عَلَيْهِ) الصَّلاةُ و (السَّلَامُ)؛ لأنَّ كلَّ عبادةٍ

стр. 442

افتَقَرَت إلى ذكرِ الله افتَقَرَت إلى ذكرِ رسوله؛ كالأذان (١). ويتعيَّن لفظُ الصَّلاةِ، والظاهرُ: أنَّ المجزِئَ منها كما يُجزئُ (٢) في تشهُّدِ الصَّلاةِ، كما أَفتَى به بعضُ مشايخِنا. (وَقِرَاءَةُ آيَةٍ) كاملةٍ؛ لقولِ جابرِ بنِ سَمُرةَ: «كان النبيُّ ﷺ يَقرأ آياتٍ، ويُذكِّر النَّاسَ» رَواه مسلمٌ (٣). قال أحمدٌ: (يَقرأ ما شاء) (٤)، وقال أبو المَعالي (٥): لو قرأ آيةً لا تستقلُّ بمعنىً أو حكمٍ؛ كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، أو: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾؛ لم يَكفِ. والمذهبُ: لا بدَّ مِنْ قراءةِ آيةٍ ولو جُنُبًا، مع تحريمِها. فلَو قرأ ما تَضمَّن الحمدَ والموعظةَ، ثمَّ صلَّى على النبيِّ ﷺ ؛ أَجزأ. (وَالوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللهِ) ؛ لأنَّه المقصودُ. قال في «المبدِع»: (ويَبدأ (٦) بالحمدِ للهِ، ثمَّ الصَّلاةِ، ثمَّ الموعظةِ، ثمَّ القراءةِ، في ظاهرِ كلامِ جماعةٍ) (٧). ولا بدَّ في كلِّ واحدةٍ مِنْ الخُطبتَين مِنْ هذه الأركانِ.

стр. 443

(وَ) مِنْ شَرطِ صحَّةِ الخُطبتَين: (حُضُورُ العَدَدِ المُعْتَبَرِ) لسماعِ القَدْرِ الواجبِ؛ لأنَّه ذِكرٌ اشتُرِط للصَّلاة؛ فاشتُرِط له العددُ؛ كتكبيرةِ الإحرامِ. فإن نقَصوا وعادُوا قبلَ فَواتِ (١) ركنٍ منها؛ بَنَوا، وإن كَثُر التَّفريقُ، أو فاتَ منها ركنٌ، أو أَحدَث فتَطهَّر؛ استأنفَ مع سعةِ الوقتِ. ويُشترط أيضًا لهُما (٢): الوقتُ، وأن يَكون الخطيبُ يَصلح إمامًا فيها. (وَ) مِنْ شرطِ صِحَّة الخُطبتين (٣): (الجَهْرُ) بهما (بِحَيْثُ يُسْمِعُهُمْ) بضم أوله، أي: يُسمِعُ الخَطيبُ (٤) الجماعةَ المعتبَرَ حضورُهم القَدْرَ الواجبَ مِنْ الخُطبتين (٥)، حيثُ لا مانعَ؛ كنومٍ أو غفلةٍ، أو صَمَمِ بعضِهم. فإن لم يَسمعوا لخفضِ صوتِه، أو بُعدِهم عنه ونحوِه؛ لم تصحَّ؛ لعدمِ حصولِ المقصودِ. ومِن شرطِهما أيضًا: النِّيَّةُ، والاستِيطانُ للقَدْرِ الواجبِ مِنْ الخُطبتَين، والموالاةُ بينَهما وبينَ الصَّلاةِ (٦). و (لَا) يُشترط لهُما (الطَّهَارَتَانِ) مِنْ الحدثَين (٧)، (وَ) لا (سَتْرُ العَوْرَةِ)، وإزالةُ (٨) النجاسة، (وَلَا أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا مَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ)، بل يُستحبُّ ذلك؛ لأنَّ

стр. 444

الخُطبةَ منفصلةٌ عن الصَّلاةِ، أَشبَهَا الصَّلاتَين. ولا يُشترط أيضًا حضورُ مُتولِّي الصَّلاةِ الخُطبةَ (١). ويُبطِلهما كلامٌ محرَّمٌ، ولو يَسيرًا. ولا تُجزِئ بغيرِ العربيَّةِ مع القدرةِ. (وَسُنَّ أَنْ يَخْطُبَ) حالَ كونِه (٢) (قَائِمًا عَلَى مِنْبَرٍ)؛ لفعلِه ﵊ (٣)، وهو بكَسرِ الميمِ، مِنْ النَّبْرِ، وهو الارتفاعُ، واتِّخاذُه سُنَّةٌ مجمعٌ عليها، قالَه في «شرحِ مسلمٍ» (٤). ويَصعدُه على تُؤَدَةٍ (٥) إلى الدَّرجةِ التي تَلِي السَّطحَ. (أَوْ) يَخطبَ على (مَوْضِعٍ عَالٍ) إن عَدِم المنبرَ؛ لأنَّه في معناه، عن يمينِ مُستقبِلِي القِبلةِ، أي: المحرابِ (٦)، وإن خطَب بالأرضِ؛ فعَن يَسارهم. (وَ) سنَّ للخَطيبِ (٧) أَنْ (يُسَلِّمَ عَلَى المَأْمُومِينَ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ)؛ لقولِ جابرٍ: «كان النبيُّ ﷺ إذا صَعِد المِنْبَرَ سلَّم» رَواه ابنُ ماجَه (٨)، ورَواه الأثرمُ عن

стр. 445

أبي بكرٍ، وعمرَ (١)، وابنِ مسعودٍ (٢)، وابنِ الزُّبيرِ (٣)، ورَواه البخاريُّ (٤) عن عثمانَ (٥)، كسلامِه (٦) على مَنْ عندَه مِنْ المأمومِين في خروجه إليهم. (وَ) يُسنُّ أن (يَجْلِسَ إِلَى فَرَاغِ الأَذَانِ)؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كان النبيُّ ﷺ يَجلسُ إذا صَعِد المِنبرَ حتى يَفرُغَ المؤذِّنُ، ثمَّ يَقومُ فيخطُبُ» رَواه أبو داودَ (٧). (وَ) أن يَجلسَ (بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ قَلِيلًا)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ المتقدِّمِ (٨). (وَ) أن (يَعْتَمِدَ) الخطيبُ (عَلَى نَحْوِ سَيْفٍ)؛ كقوسٍ، أو عصًا؛ لفعلِه ﵊، رَواه أبو داودَ عن الحكَمِ بنِ حربٍ (٩)، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ هذا الدِّينَ

стр. 446

فُتح به (١). قال في «الفروع» (٢): ويَتوجَّه (٣) باليُسرى (٤) والأُخرى بحرفِ المنبرِ، فإن لم يَعتمد؛ أَمسَك شِمالَه بيمينه، أو أَرسَلهما. (وَ) أن (يَقْصِدَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ)؛ لفعلِه ﵊ (٥)، ولأنَّ في الْتفاتِه عن أحدِ جانبَيه إعراضًا عن الآخرِ، وإن استَدبَرهم؛ كُرِه. ويَنحرفون إليه إذا خطَب؛ لفعلِ الصحابةِ (٦)، ذكَره في «المبدِع» (٧).

стр. 447

(وَ) أن (يَقْصُرَ الخُطْبَةَ)؛ لِما روَى مسلمٌ عن عمَّارٍ مرفوعًا: «إنَّ طولَ صلاةِ الرَّجلِ وقِصَرَ خُطبتِه مِنْ فِقهه، فأَطِيلوا الصَّلاةَ، وقَصِّروا الخُطبةَ» (١). وأن تَكون الثانيةُ أقصرَ، ويَرفع صوتَه قَدْرَ إمكانِه. (وَ) سُنَّ (٢) أن (يَدْعُوَ لِلمُسْلِمِينَ)؛ لأنَّه مسنونٌ في غيرِ الخُطبةِ، ففِيها أَولى. ويُباح الدُّعاءُ لمعيَّنٍ، وأن يَخطب مِنْ صحيفةٍ، قال في «المبدِع» (٣): ويَنزل مسرعًا. وإذا غلَب الخوارجُ على بلدٍ فأقاموا فيه الجمعةَ؛ جازَ اتِّباعهم نصًّا (٤). وقال ابنُ أَبي موسى: يُصلِّي معهم الجمعةَ ويُعيدها ظهرًا (٥). (فصل) (وَ) صلاةُ (الجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ) إجماعًا، حكَاه ابنُ المنذرِ (٦). (يَقْرَأُ جَهْرًا نَدْبًا)؛ لفعلِه ﷺ ، (فِي) الرَّكعةِ (الأُولَى بِ «الجُمُعَةِ») بعدَ الفاتحةِ، (وَفِي) الرَّكعةِ (الثَّانِيَةِ بِ «المُنَافِقِينَ»)؛ لأنَّه ﷺ كان يَقرأ بهما، رَواه مسلمٌ (٧). (وَ) سُنَّ (٨) أن يَقرأ (فِي فَجْرِهَا) أي: الجمعةِ؛ (فِي الأُولَى «الم السَّجْدَة»،

стр. 448

وفِي الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَى) عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ بعدَ الفاتحةِ فيهما نصًّا (١)؛ «لأنَّه ﷺ كان يَقرؤُهما (٢)» متَّفق عليه مِنْ حديثِ أَبي هريرةَ (٣). وتُكرَه مُداومتُه عليهما. (وَتَحْرُمُ إِقَامَتُهَا) أي: الجمعةِ، (كَ) ما تَحرُم إقامةُ (عِيدٍ؛ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ مِنَ البَلَدِ)؛ لأنَّه ﵊ وأصحابَه (٤) لم يُقيموها في أكثرَ مِنْ موضعٍ واحدٍ، (إِلَّا لِحَاجَةٍ)؛ كسَعةِ البلدِ، وتَباعُدِ أَقطارِه، أو بُعدِ الجامعِ، (أَوْ ضِيقِهِ (٥)) عمَّن تصحُّ منه الجمعةُ، وإن لم تَجب عليه، كما فَهِمه المصنِّفُ مِنْ كلامِ صاحبِ «المنتهى» في شرحه، قال: وحينئذٍ فالتعدُّدُ في مصرٍ لحاجةٍ (٦). (وَ) كخوفِ (٧) (فِتْنَةٍ)، فيَجوز التعدُّدُ عند الحاجةِ (٨) بِحَسبِها فقط؛ لأنَّها تُفعل في الأمصارِ العظيمةِ في مواضعَ مِنْ غيرِ نكيرٍ، فكان إجماعًا، ذكَره في «المبدِع» (٩). (فَإِنْ فَعَلُوا) أي: صلَّوها في مَوضعَين أو أكثرَ (١٠) بلا حاجةٍ؛ فالصَّحيحةُ ما

стр. 449

باشرَها الإمامُ أو أَذِن فيها ولو تأخَّرَت (١). فإن استَوتَا في إذنٍ (٢) أو عدمِه؛ (فَالمَسْبُوقَةُ) بالإحرام مِنْ جمعةٍ أو عيدٍ (بَاطِلَةٌ)؛ لأنَّ الاستغناءَ حصَل بالأُولى، فأُنِيط (٣) الحُكمُ بها. وإن وقَعتَا معًا ولا مزيَّةَ لإحداهما؛ بطَلتَا، ثم إن (٤) أَمكن اجتماعُهم وبقيَ الوقتُ؛ صلَّوا جمعةً، وإلّا فظُهرًا. (وَإِنْ جُهِلَ الحَالُ)، بأن لم يُعلَم سَبقُ إحداهما ولا مَعِيَّتهما؛ (صَلَّوْا ظُهْرًا وُجُوبًا)؛ لاحتمالِ سَبقِ إحداهما فتصحُّ ولا تُعاد، وكذا لو أُقِيمَت في المِصرِ جُمعاتٌ وجُهل كيف وقعَتْ. وإذا وافقَ العيدُ يومَ الجمعةِ؛ سقَطَت عمَّن حضَره مع الإمامِ سقوطَ حضورٍ، لا وجوبٍ؛ كمريضٍ، دونَ الإمامِ فيَلزمُه الحضورُ (٥)، فإن اجتَمَع معه العددُ المعتبَرُ أقامها، وإلّا صلَّوا ظُهرًا. وكذا يَسقطُ (٦) عيدٌ بالجُمعةِ (٧) إذا عزَموا على فعلِها (٨). (وَأَقَلُّ السُّنَّةِ) الرَّاتبةِ (بَعْدَهَا) أي: الجمعةِ؛ (رَكْعَتَانِ)؛ «لأنَّه ﷺ كان

стр. 450

يُصلِّي بعدَ الجمعةِ ركعتَين» متَّفق عليه مِنْ حديثِ (١) ابنِ عمرَ (٢). (وَأَكْثَرُهَا) أي: السُّنَّةِ بعدَ الجمعةِ؛ (سِتُّ) ركعاتٍ (٣)؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كان النبيُّ ﷺ يَفعله» رَواه أبو داودَ (٤). ويُصلِّيها مكانَه، بخلافِ سائرِ السُّننِ؛ فبِبَيته. ويُسنُّ فصلٌ بينَ فرضٍ وسنَّتِه بكلامٍ، أو انتقالٍ مِنْ موضعه. ولا سُنَّةَ لها قبلَها، أي: راتبةً، قال عبدُ اللهِ: رأيتُ أَبي يُصلِّي في المسجد إذا أذَّن المؤذِّن ركعاتٍ (٥). وسُنَّ أن يَغتسل لها في يومها؛ لخبرِ عائشةَ: «لَو أنَّكم تطهَّرتم ليومِكُم هذا» (٦)، وعندَ مُضيٍّ، وعن جماعٍ؛ أفضلُ، وتقَّدم (٧). (وَ) سُنَّ (٨) أن (٩) (يَتَنَظَّفَ) لها (١٠)؛ بقصِّ شاربٍ، وتقليمِ ظُفرٍ، وقطعِ

стр. 451

روائحَ كريهةٍ بسواكٍ وغيرِه. (وَ) أن (يَتَطَيَّبَ)؛ لحديثِ أَبي سعيدٍ مرفوعًا: «لا يَغتسلُ رَجلٌ يومَ الجمعةِ، ويَتطهَّرُ ما استطاع مِنْ طُهرٍ، ويَدَّهنُ، ويَمَسُّ مِنْ طيبِ امرأتِه، ثمَّ يَخرج فلا يُفرِّق بينَ اثنين، ثمَّ يُصلِّي ما كُتب له، ثمَّ يُنصت (١) إذا تكلَّم الإمامُ؛ إلّا غُفر له ما بينَه وبينَ الجمعةِ الأُخرى» رَواه البخاريُّ (٢). (وَ) أن (يَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ)؛ لوُرودِه في بعضِ ألفاظِ الحديثِ (٣). وأفضلُها البياضُ، ويَعتَمُّ (٤)، ويَرتدي. (وَ) أن (يُبَكِّرَ إِلَيْهَا مَاشِيًا)؛ لقولِه ﷺ : «وَمشَى ولم يَركبْ» (٥). ويَكون بسَكينةٍ ووَقارٍ، بعدَ طلوعِ الفجرِ الثاني. (وَ) أن (يَدْنُوَ مِنْ إِمَامِهِ)، مستقبِلَ القِبلةِ؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ غَسَّل (٦) واغتَسَل، وبَكَّر وابتَكَر، ومشَى ولم يَركبْ، ودَنَا مِنْ الإمامِ فاسْتَمَع ولم يَلْغُ؛ كان له بكلِّ خُطوةٍ يَخطوها أجرُ سنةٍ، عملُ صيامِها وقيامِها» رَواه أحمدُ وأبو داودَ،

стр. 452

وإسنادُه ثقاتٌ (١). ويَشتغل بالصَّلاة والذِّكرِ والقرآنِ. (وَ) أن (يَقْرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ فِي يَوْمِهَا) أي: الجمعةِ؛ لحديثِ أَبي سعيدٍ مرفوعًا: «مَنْ قرأَ سُورةَ الكهفِ في (٢) يوم الجمعةِ أضاءَ له مِنْ النُّور ما بينَ الجُمعتَين» رَواه البيهقيُّ بإسنادٍ حسنٍ. وفي خبرٍ آخرَ: «مَنْ قرأَ سورةَ الكهفِ في يومِ الجمعةِ أو لَيلتِه؛ وُقِيَ (٣) فتنةَ الدَّجَّالِ» (٤). (وَ) أن (يُكْثِرَ مِنَ (٥) الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ لقولِه ﷺ : «أَكثِروا عليَّ مِنْ الصَّلاةِ يومَ الجمعةِ» رَواه أبو داودَ وغيرُه (٦)، وكذا ليلتَها. (وَلَا يَتَخَطَّى الرِّقَابَ)؛ لقولِه ﷺ وهو على المنبرِ لرجلٍ رآه يَتخطَّى رقابَ

стр. 453

النَّاسِ: «اجْلِس، فقد آذَيتَ» رَواه أحمدُ (١). فيُكره ذلك لكلِّ أحدٍ، (إِلَّا الإِمَامَ) فلا يُكرَه له ذلك؛ لحاجتِه إليه. وأَلحق به (٢) بعضُهم: المؤذِّنَ بينَ يدَيه. (أَوْ) أي: وإلّا (لِفُرْجَةٍ) رآها في الصفِّ لا يَصل إليها إلَّا به، فيُباح؛ لإسقاطِهم حقَّهم بتأخُّرِهم عنها. (وَحَرُمَ) على كلِّ إنسانٍ (إِقَامَةُ غَيْرِهِ) مِنْ مَحلِّه (٣)، ولو عبدَه أو ولدَه الكبيرَ، (لِيَجْلِسَ مَكَانَهُ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى أنْ يُقِيم الرَّجلُ أخاه مِنْ مَقعدِه، ويَجلسَ فيه» متَّفق عليه (٤)، ولكن يَقول: افسَحُوا (٥)، قالَه في «التَّلخيص»، إلّا مَنْ قدَّم صاحبًا له، فجلَس في موضعٍ يَحفظه له. لكن إن جلَس في مكانِ الإمامِ، أو طريقِ المارَّةِ، أو استَقبلَ المصلِّين في مكانٍ ضيِّق؛ أُقِيم، قالَه أبو المَعالي. وكُرِه إيثارُ غيرِه بمكانه الفاضلِ، لا قَبولُه، وليس لغيرِ المؤثَر (٦) سَبقُه (٧). (وَ) حَرُم (رَفْعُ مُصَلًّى)، بفتحِ اللَّامِ المشدَّدةِ (٨)، (مَفْرُوشٍ)؛ لأنَّه كالنَّائب

стр. 454

عن صاحبِه (١)، فيَجوز فَرشُه، (إِلَّا إِذَا حَضَرَتْ) أي: أُقيمَت (الصَّلَاةُ) ولم يَحضر ربُّه، فلغيرِه رفعُه والصَّلاةُ مكانَه؛ لأنَّ المفروشَ لا حُرمةَ له في نفسِه. (وَمَنْ قَامَ) مِنْ موضعه (لِعَارِضٍ)؛ كتطهُّرٍ، (ثُمَّ عَادَ) إليه (قَرِيبًا؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَكَانِهِ) الذي كان سبَق إليه؛ لحديثِ مسلمٍ عن أَبي أيُّوبَ مرفوعًا: «مَنْ قامَ مِنْ مَجلِسه، ثُمَّ عادَ إليه فهُو أحقُّ به» (٢). وإذا (٣) لم يَصِل إليه إلّا بالتَّخطِّي؛ جاز بلا كَراهةٍ (٤)؛ فكمَن رأى فُرجةً. (وَمَنْ دَخَلَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ بِمَسْجِدٍ؛ صَلَّى) ندبًا (تَحِيَّتَهُ) أي: المسجدِ، ولو كان وقتَ نهيٍ؛ فيُصلِّي ركعتَين حالةَ كَونِه (مُوجِزًا)، بكسرِ الجيم، أي: مخفِّفًا لهما (٥)؛ لقولِه ﷺ : «إذا جاءَ أَحدُكم يومَ الجمعةِ وقد خرَج الإمامُ؛ فَلْيُصلِّ ركعتَين» متَّفق عليه، زادَ مسلمٌ: «وَلْيَتجوَّزْ فيهما» (٦). فإن جلَس؛ قامَ فأَتى بهما، ما لم يَطُل الفصلُ. فتُسنُّ تحيَّةُ المسجدِ لمَن دخَله غيرَ وقتِ نهيٍ، إلّا الخطيبَ، وداخلَه لصلاةِ عيدٍ، أو بعدَ شروعٍ في إقامةٍ، وقَيِّمَه؛ لتكرُّر دخولِه (٧)، وداخلَ المسجدِ الحرامِ؛ لأنَّ تحيَّتَه الطَّوافُ. (وَجَلَسَ) بعدَ فراغِه مِنْ التَّحيَّةِ؛ ليَسمعَ الخُطبةَ، فيَحرم أن يَبتدئ غيرَها.

стр. 455

(وَحَرُمَ كَلَامٌ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ)؛ إذا كان منه (١) بحيثُ يَسمعه؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، قال أكثرُ المفسِّرين (٢): إنَّها نزَلَت في الخُطبةِ، وسُمِّيَت قرآنًا؛ لاشتِمالِها عليه، ولقولِه ﷺ : «مَنْ قال: صَهْ، فقد لَغَا، ومَن لَغَا فلا جمعةَ له» رَواه أحمدُ (٣). (إِلَّا لَهُ) أي: للإمام، فلا يَحرُم عليه الكلامُ، (أَوْ لِمَنْ كَلَّمَهُ) الإمامُ (لِمَصْلَحَةٍ)؛ لأنَّه ﵊ كلَّم سائلًا، وكلَّمه (٤) هو (٥). ويَجب لتحذيرِ ضريرٍ وغافلٍ عن هلكةٍ. (وَيَجُوزُ) الكلامُ (قَبْلَ الخُطْبَةِ وَبَعْدَهَا)، وإذا سكَت بينَ الخُطبتَين، أو شرَع في الدُّعاء. وله الصَّلاةُ على النبيِّ ﷺ إذا سَمعها مِنْ الخَطيب، ويُسنُّ سرًّا؛ كدعاءٍ، وتأمينٍ عليه، وحمدُه خُفيةً إذا عطَس، وردُّ سلامٍ، وتشميتُ عاطسٍ. وإشارةُ أَخرسَ إذا فُهِمَت؛ ككلامٍ، لا تسكيتُ متكلِّمٍ بإشارةٍ. ويُكرَه العبثُ والشُّربُ حالَ الخُطبةِ إن سَمِعها، وإلّا جازَ، نصَّ عليه (٦).

стр. 456

(بَابٌ) بالتَّنوين، خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، تقديرُه: هذا بابٌ. (صَلَاةُ العِيدَيْنِ)، تثنيةُ «عيدٍ»، سُمِّي به؛ لأنَّه يَعود ويَتكرَّر لأوقاتِه، أو تفاؤلًا، وجَمعُه أعيادٌ. وقولُه: «صلاةُ العيدَين» مبتدأٌ، خبرُه: (فَرْضُ كِفَايَةٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وكان النبيُّ ﷺ والخلفاءُ بعدَه يُداوِمون عليها. (إِذَا تَرَكَهَا (١) أَهْلُ بَلَدٍ)، متفقين على ذلك (٢)؛ (قَاتَلَهُمْ الإِمَامُ)؛ لأنَّها مِنْ أعلامِ الدِّينِ الظَّاهرةِ. (وَوَقْتُهَا كَصَلَاةِ الضُّحَى)، فأوَّلُه (٣) (مِنِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قِيدَ (٤) رُمْحٍ) (٥)؛ لأنَّه ﵊ ومَن بعدَه لم يُصلُّوها إلّا بعدَ ارتفاعِ الشمسِ (٦)،

стр. 457

ذكَره في «المبدِع» (١). ويَستمرُّ الوقتُ (٢) (إِلَى قُبَيْلِ الزَّوَالِ) أي: زوالِ الشمسِ. فإن لم يُعلم بالعيد إلّا بعدَه؛ صلَّوا مِنْ الغدِ قضاءً، وكذا لو مضَى أيَّامٌ. (وَتُسَنُّ) صلاةُ العيدِ (فِي صَحْرَاءَ قَرِيبَةٍ) مِنْ البُنيان عرفًا؛ لقولِ أَبي سعيدٍ: «كان النبيُّ ﷺ يَخرج في الفطرِ والأَضحى إلى المصلَّى» متَّفق عليه (٣)، وكذا الخلفاءُ بعدَه. (وَ) يُسنُّ (تَقْدِيمُ صَلَاةِ الأَضْحَى، وَعَكْسُهُ) صلاةُ (٤) (الفِطْرِ) فيُؤخِّرها؛ لِما رَوى الشافعيُّ مُرسَلًا: «أنَّ النبيَّ ﷺ كتَب إلى عمرِو بنِ حزمٍ: أنْ عَجِّلْ الأَضحى، وأخِّرِ الفطرَ، وذكِّرِ النَّاسَ (٥)» (٦). (وَ) يُسنُّ (أَكْلُهُ قَبْلَهَا) أي: قبلَ الخروجِ لصلاةِ الفطرِ؛ لقولِ بُريدةَ: «كان النبيُّ ﷺ لا يَخرج يومَ الفطرِ حتى يُفطرَ، ولا يَطعمُ يومَ النَّحرِ حتى يُصلِّيَ» رَواه أحمدُ (٧)، والأفضلُ تَمراتٌ وترًا.

стр. 458

وتسنُّ (١) التوسعةُ على الأهلِ، والصَّدقةُ في العِيدينِ (٢). (عَكْسُ أَضْحًى)، فيُسنُّ الإمساكُ فيه (لِمُضَحٍّ) حتى يُصلِّيَ؛ لما تقدَّم (٣)، ليأكلَ مِنْ أُضحِيّتِه (٤)، والأَولى مِنْ كَبِدِها. وإن لم يُضحِّ؛ خُيِّر في الأكل وعدمِه. (وَتُكْرَهُ) صلاةُ العيدِ (فِي جَامِعٍ بِلَا عُذْرٍ)؛ كخوفٍ ومطرٍ، إلّا بمكَّةَ المشرَّفةِ؛ فلا تُصلَّى بالصحراءِ (٥)؛ لمخالفةِ فعلِه ﷺ (٦). ويُسنُّ للإمامِ أن يَستخلفَ مَنْ يُصلِّي بضَعَفةِ النَّاسِ في المسجد؛ لفعلِ عليٍّ (٧)، ويَخطُب لهم، ولهم فعلُها (٨) قبلَ الإمامِ وبعدَه، وأيُّهما سبَق سقَط به الفرضُ، وجازَت التَّضحيةُ. (وَيَخْرُجُ) ندبًا مُصلٍّ (إِلَيْهَا) أي: إلى صلاةِ العيدِ (عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ) أي: لابسًا أجملَ ثيابِه؛ لقولِ جابرٍ: «كان النبيُّ ﷺ يَعْتمُّ، ويَلبَس بُرْدَه الأحمرَ في

стр. 459

العيدَين والجمعةِ» رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ (١)، إلَّا المعتكفَ، فيَخرج في ثيابِ اعتكافِه. وسُنَّ أن (يُبَكِّرَ مَأْمُومٌ) بخروجه إليها بعدَ صلاةِ الصُّبحِ؛ ليَحصلَ له الدُّنوُّ مِنْ الإمامِ وانتظارُ الصَّلاةِ، فيَكثُرَ ثوابُه. حالَ كَونِ الخارجِ لصلاةِ العيدِ (مَاشِيًا)؛ لقولِ عليٍّ: «مِنْ السُّنَّةِ أن يَخرج إلى العيد ماشيًا» رَواه التِّرمذيُّ، وقال: العملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ (٢). (وَ) يُسنُّ أن (يَتَأَخَّرَ إِمَامٌ إِلَى) وقتِ (الصَّلَاةِ)؛ لقولِ أَبي سعيدٍ: «كان النبيُّ ﷺ يَخرج يومَ الفطرِ إلى المُصلَّى، فأوَّلُ شيءٍ يَبدأ به الصَّلاةُ» رَواه مسلمٌ (٣)، ولأنَّ الإمامَ يُنتظر، ولا يَنتظر (٤). (وَمِنْ شَرْطِهَا) أي: شرطِ وجوبِ صلاةِ العيد، لا شرطِ صحَّتِها، كما ذَكَره ابنُ نصر الله، وقال المصنفُ: (لعلَّ المرادَ شرطُ ما يَسقُطُ به فرضُ الكفايةِ، بدليلِ أنَّ المنفرِدَ تصحُّ صلاتُه بعد صلاةِ الإمامِ) (٥): (اسْتِيطَانُ) المُصلِّين (٦)،

стр. 460

(وَعَدَدُ الجُمُعَةِ) أي: وكونُهم أَربعينَ (١)، فلا تُقام صلاةُ العيدِ (٢) إلّا حيثُ تُقام الجُمعةُ (٣)؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ وافقَ العيدَ في يومِ حَجِّه فلَم يُصلِّ. (وَ) يُسنُّ إذا غدَا لصلاةِ العيدِ (٤) مِنْ طريقٍ أن (يَرْجِعَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى)؛ لِما رَوى البخاريُّ عن جابرٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا خرَج إلى العيد خالَفَ الطَّريقَ» (٥). وكذا الجمعةُ. قال في «شرحِ المنتهى»: ولا يَمتنع أيضًا في غيرِ الجمعةِ (٦). (وَيُصَلِّي) العيدَ (قَبْلَ الخُطْبَةِ رَكْعَتَيْنِ)؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كان النبيُّ ﷺ وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ يُصلُّون العيدَ قبلَ الخُطبةِ» متَّفق عليه (٧). فلَو قدَّم الخُطبةَ؛ لم يُعتدَّ بها. (يُكَبِّرُ فِي الأُولَى بَعْدَ) تكبيرةِ إحرامٍ و (اسْتِفْتَاحٍ، وَقَبْلَ تَعَوُّذٍ وَقِرَاءَةٍ؛ سِتًّا) أي: ستَّ تكبيراتٍ (٨) زوائدَ. (وَ) يُكبِّر (٩) (فِي) الرَّكعة (الثَّانِيَةِ قَبْلَ قِرَاءَةٍ؛ خَمْسًا)؛ لِما رَوى أحمدُ عن
следующие страницы →