← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

نموذج من النسخة (ب)

стр. 37

نموذج من النسخة (أ)

стр. 38

نموذج من النسخة (س)

стр. 39

نموذج من النسخة (ع)

стр. 40

نموذج من النسخة (ك)

стр. 41

نموذج من النسخة (د)

стр. 42

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثِقتي (١) الحمدُ لله الذي شرَح صُدورَنا للإسلامِ، ومنَّ علينا بمعرفةِ الحلالِ والحرامِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا محمدٍ خيرِ الأَنامِ، وعلى آلِه (٢) وصحبِه (٣) البَرَرَةِ الكرامِ (٤). وبعدُ: فهذا شرحٌ لطيفٌ (٥)، وتعليقٌ شريفٌ، على المختصَرِ الموسومِ ب «عُمدةِ الطالبِ لِنَيلِ المآرِبِ» للإمامِ العلَّامةِ (٦)، والحَبرِ البَحرِ الفهَّامةِ، شيخِ شيوخِنا:

стр. 43

الشيخِ مَنصورِ بنِ يونُسَ البُهُوتيِّ ﵀ (١). وسمَّيتُه: «هدايةَ الرَّاغبِ لشرحِ عُمدةِ الطَّالبِ»، واللهَ أَسألُ أنْ يَنفع به النَّفعَ العَميمَ، وأنْ يَجعله خالصًا لوجهِه الكريمِ، إنَّه وليُّ ذلك، وهو حَسبي ونِعمَ الوكيلُ. قال المصنِّفُ ﵀: (بسم الله الرحمن الرحيم)، أي: أَبتدئُ تَأليفي، أو أُؤلِّف متلبِّسًا ومصاحبًا (٢)، أو مستعينًا ومتبرِّكًا باسمِ اللهِ، فـ «الباء» في «بِسْمِ اللهِ» (٣) للمصاحَبةِ أو الاستعانةِ، متعلِّقةٌ بمحذوف، وتقديرُه (٤) فعلًا خاصًّا مؤخَّرًا أَولى.

стр. 44

و «الاسمُ» مشتقُّ مِنْ السُّموِّ، وهو العُلوُّ (١). و «الله» عَلمٌ لِلذَّات الواجبِ الوجودِ لِذاتِه، المستحقِّ لجميعِ الكَمالاتِ، وهو عربيٌّ مشتقٌّ عند سِيبَوَيه (٢)، واشتقاقُه (٣) مِنْ «أَلِهَ»، كعَلِمَ: إذا تحيَّر؛ لتحيُّرِ (٤) الخلقِ في كُنْهِ ذاتِه تَعالى وتَقدَّس. وهو الاسمُ الأعظمُ عند أكثرِ أهلِ العلمِ، وعدمُ الاستجابةِ لأكثرِ الناسِ مع الدعاءِ به؛ لعَدمِ بعضِ شروطِه الَّتي مِنْ أهمِّها: الإخلاص، وأكل الحلالِ. و «الرَّحْمَن»: صفةٌ في الأصل، بمعنَى كثيرِ الرَّحمةِ (٥) جدًّا، ثم غلَب على البالغِ في الرَّحمة غايتَها؛ وهو اللهُ تَعالى. و «الرَّحِيم»: ذو الرَّحمةِ الكثيرةِ؛ فالرَّحمنُ أبلغُ منه، وأُتِيَ به؛ إشارةً إلى أنَّ ما دلَّ عليه مِنْ دَقائقِ الرَّحمةِ وإنْ ذُكر بعدَ ما دلَّ على جَلائِلِها الذي هو المقصودُ الأعظمُ مقصودٌ أيضًا؛ لِئلَّا يُتوهَّم أنَّه غيرُ ملتَفتٍ إليه، وكلاهما مشتقٌّ مِنْ «رَحِم» بجَعلِه لازمًا بنَقلِه إلى بابِ «فعُل» (٦) بضمِّ العينِ، أو بتَنزيلِه منزلةَ اللَّازمِ؛ إذ هُما صِفَتان مشبَّهتان (٧)، وهي لا تُشتقُّ مِنْ متعدٍّ.

стр. 45

ورحمتُه تَعالى صفةٌ قديمةٌ، قائمةٌ بذاتِه تَعالى، تَقتضي التفضُّلَ (١) والإنعامَ، وتَفسيرها برِقَّةٍ في القلب تَقتضي الإنعامَ كما في «الكشَّاف» (٢) إنما يَليق برَحمةِ (٣) المخلوقِ (٤). ونَظيرُ ذلك العلمُ؛ فإنَّ حقيقتَه القائمةَ بالله تَعالى ليسَتْ مِثلَ الحقيقةِ القائمةِ بالمخلوق؛ بل نَفس (٥) الإرادةِ التي يردُّ بعضُهم الرَّحمةَ إليها هي في حقِّه تَعالى مخالِفةٌ لإرادة المخلوقِ؛ إذ هي مَيلُ قَلبِه إلى الفعلِ (٦)، وإرادتُه تَعالى بخلاف ذلك (٧). وكذا ردُّ الزمخشريِّ (٨) لها في حقِّه تَعالى إلى الفعلِ بمعنَى الإنعامِ، مع أنَّ فعلَ العبدِ الاختياريَّ إنما يَكون لجَلبِ نفعٍ للفاعل، أو دفعِ ضَررٍ عنه، وفعلُه تَعالى بِخلافِ ذلك، فما فرُّوا إليه فيه مِنْ المحذورِ نَظيرُ ما فرُّوا منه (٩). وبهذا يَظهر أنَّه لا حاجةَ إلى دَعوَى المجازِ في رحمتِه تَعالى الذي هو خلافُ الأصلِ المُقتضي لصحَّةِ نَفيِها عنه، وضعفِ المقصودِ منها فيه، كما هو

стр. 46

شأنُ المجازِ؛ إذ يصحُّ أنْ تقول لِمَنْ قال: «زيدٌ أسدٌ»: ليس بأسدٍ، وليسَت جُرأتُه كجُرأتِه. والحاصلُ: أنَّ الصِّفةَ تارةً تُعتبر مِنْ حيثُ هي هي، وتارةً مِنْ حيثُ قِيامُها به تَعالى، وتارةً مِنْ حيثُ قِيامُها بغيرِه تَعالى. وليسَت الاعتباراتُ الثلاثةُ متماثلةً (١)؛ إذ ليس كمِثلِه تَعالى شيءٌ، لا في ذاتِه، ولا في شيءٍ مِنْ صِفاتِه، ولا في شيءٍ مِنْ أفعالِه، وهو السميعُ البصيرُ. فاحفظْ هذه القاعدةَ؛ فإنَّها مهمَّةٌ جدًّا، بل هي التي أَغنَت السَّلفَ الصَّالحَ عن تأويلِ آياتِ الصِّفاتِ وأحاديثِها، وهي العاصمةُ لهُم مِنْ أنْ يَفهموا مِنْ الكتابِ والسُّنَّة مستحيلًا على الله تَعالى مِنْ تَجسيمٍ أو غيرِه. ثم بعد إثباتي لهذه القاعدةِ، رأيتُها مَنصوصةً في كلام السيِّدِ مُعينِ الدِّينِ الصَّفويِّ (٢)، ثم رأيتُه قد سبَقَه إليها العلامةُ ابنُ القيِّمِ ﵀ (٣)، والحمدُ للهِ تعالى (٤).

стр. 47

وابتدأَ المصنِّفُ ﵀ بالبسملةِ؛ تأسِّيًا بالكتاب (١)، وعملًا (٢) بحديثِ (٣): «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأُ فيه (٤) ببسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، فهو أَبتَرُ (٥)»، أي:

стр. 48

ذاهبُ البركةِ، رَواه الخطيبُ بهذا اللفظِ في كتابه «الجامع» (١). (الحَمْدُ لِلَّهِ) أي: الوصفُ بالجميلِ الاختياريِّ على قَصدِ التَّعظيمِ ثابتٌ، ومملوكٌ، ومستحَقٌّ لله تَعالى، وهذا هو الحمدُ لغةً (٢). وأمَّا (٣) عُرفًا (٤): فهو فعلٌ يُنْبِئُ عن تعظيم المنعِمِ مِنْ حيثُ إنَّه منعمٌ على الحامد أو غيرِه. والشُّكرُ لغةً: هو الحَمدُ العُرفيُّ. وعُرفًا (٥): صرفُ العبدِ جميعَ ما أنعمَ اللهُ عليه به إلى ما خُلِق لأجلِه (٦).

стр. 49

و «أَلْ» في «الحمد» للجنس أو الاستغراقِ أو العهدِ. واللامُ في «لله» للمِلك أو الاستحقاقِ (١). وأَردَف البسملةَ بالحمدلةِ؛ اقتداءً بأسلوبِ الكتابِ، وعمَلًا بما صحَّ مِنْ قولِه ﷺ : «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ أي: صاحبِ (٢) بالٍ (٣) يُهتمُّ به شرعًا (٤) لا يُبدأُ فيه بالحمد للهِ (٥) فهو أَجذَمُ»، وفي روايةٍ: «أَقطعُ»، وفي أخرى: «أَبترُ»، أي: قليلُ البركةِ، وفي روايةٍ: «لا يُبدأُ فيه (٦) بذِكرِ اللهِ» (٧)، وبها تبيَّن أنَّ المرادَ: البُداءةُ بأيِّ ذِكرٍ كان، على أنَّه يُمكن حَملُ الابتداءِ في البسملة على الحقيقيِّ، وهو كونُ الشَّيءِ قبلَ كلِّ شيءٍ، وفي الحمدلة على الإضافيِّ، أي: بالنسبة لِما بعدَها، ولم يُعكس؛ لأنَّ ما تقدَّم هو الموافقُ للكتاب والإجماعِ.

стр. 50

(رَبِّ العَالَمِينَ) أي: خالقِ جميعِ الخَلقِ، ومالِكِهم ومُربِّيهِم، والربُّ في الأصل مصدرٌ بمعنى التربيةِ والمِلكِ. وقد يُراد بالعالَمين: جميعُ الخلقِ، كما في مَقام الحمدِ، وقد يُراد بهم (١): الإنسُ والجنُّ؛ كما في قوله تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾. وهو اسمُ جمعٍ لعالَم بفتح اللَّام لا جمعٌ له؛ لكَونِه يكون (٢) أخصَّ منه، والعالَمُ (٣): يعمُّ كلَّ موجودٍ سِوَى اللهِ تَعالى (٤)، واختارَه ابنُ مالكٍ (٥). (والصَّلَاةُ) وهي مِنْ اللهِ: رحمةٌ، ومِن الملائكةِ: استغفارٌ (٦)، ومِن غيرِهم: تضرُّعٌ (٧) ودعاءٌ (٨).

стр. 51

(والسَّلَامُ) بمعنى التَّحيَّةِ، أو السَّلامةِ مِنْ النَّقائصِ والرَّذائلِ. (عَلَى سَيِّدِنَا) أي: أَشرَفِنا وأَكرَمِنا على الله تَعالى، (مُحَمَّدٍ (١))، عَلمٌ منقولٌ مِنْ اسمِ مفعولِ المضعَّفِ، سُمِّي به نبيُّنا بإلهامٍ مِنْ الله تَعالى؛ تفاؤلًا بأنه يَكثُر حَمدُ الخلقِ له لكثرةِ صِفاتِه الجميلةِ. (وعَلَى آلِهِ) أي: أَتباعِه على دِينِه (٢)، (وصَحْبِهِ)، اسمُ جمعٍ ل «صاحبٍ»، بمعنى الصَّحابيِّ، وهو مَنْ اجتمَع بالنبيِّ ﷺ ولو لحظةً، وإن لم يَره ولم يَروِ (٣) عَنه، مؤمنًا، ومات مؤمنًا. (وتَابِعِيهِمْ) أي: تابعي الصَّحبِ، يُقال: تَبِعه مِنْ بابَي «ضرَب» و «سلِم»: إذا مشَى خلفَه، وهو اصطلاحًا: مَنْ اجتمَع بالصَّحابيِّ، والمرادُ هنا: مَنْ اقتَدَى بهم في أقوالِهم (٤) وأفعالِهم (٥) إلى يوم القيامةِ.

стр. 52

(أَجْمَعِينَ)، تأكيدٌ للآلِ والصَّحبِ والتَّابعين، مُفيدٌ للإحاطة (١) والشُّمولِ. (وبَعْدُ (٢)) كلمةٌ يُؤتَى بها؛ للانتِقال مِنْ أُسلوبٍ إلى آخَرَ، وكان ﷺ وأصحابُه يأتُون بأصلِها (٣)، وهو «أمَّا بعدُ» في خُطَبِهم لذلك (٤)، ولكَونِ أصلِها ذلك لَزِمَتها الفاءُ في حَيِّزها. وأصلُ الأصلِ (٥): مَهما يَكُنْ مِنْ شيءٍ بعدَ الحمدِ والصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ . (فَهَذَا) المؤلَّفُ الحاضرُ في الذِّهن (مُخْتَصَرٌ (٦))، قلَّ لفظُه وكَثُر مَعناه (٧)، (فِي الفِقْهِ)، هو (٨) لغةً: الفهمُ، أي: إدراكُ معنى الكلامِ (٩)، وعُرفًا: معرفةُ

стр. 53

الأحكامِ (١) الشرعيَّةِ الفرعيَّةِ بالفعلِ (٢) أو القوَّةِ القريبةِ (٣). (عَلَى مَذْهَبِ)، بفَتحِ الميمِ، مِنْ ذهَب يَذهب: إذا مضَى، بمعنى الذَّهابِ، أو مكانِه، أو زمانِه، ثمَّ نُقل إلى ما قالَه المجتهدُ بدليلٍ، ومات قائلًا به، وكذا ما جرَى مَجراه (٤).

стр. 54

(الإِمَامِ) المقتَدَى به في الدِّينِ، (الأَمْثَلِ) أي: الأَشبهِ بكلِّ خيرٍ، أَبي عبدِ اللهِ، (أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ) الشَّيبانيِّ، المَرْوَزيِّ، البغداديِّ، الزاهدِ، الرَّبَّانيِّ، والصِّدِّيقِ الثاني (١). قال عليُّ بنُ المَدِينيِّ شيخُ البخاريِّ (٢): أيَّد اللهُ هذا الدِّين برَجُلين لا ثالثَ لهما: أبو بكرٍ الصدِّيقُ يومَ الرِّدَّةِ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ يومَ المِحنَةِ، انتهى (٣). والشَّيبانيُّ: نسبةً إلى أَحدِ أَجدادِه، وهو شَيبانُ بنُ ذُهْلِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ عُكَابةَ، لا شَيبانُ بنُ ثَعلَبَةَ بنِ عُكَابةَ. حملَت به ﵁ أمُّه بمَرْوَ، ووُلِد ببغدادَ في ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ أربعٍ وستِّين

стр. 55

ومائةٍ، وتوفِّي ببغدادَ يومَ الجمعةِ ثاني عشرَ ربيعٍ الأوَّلِ أو الآخِرِ (١) سنةَ إحدَى وأَربعين ومِائتَين، وله سبعٌ وسبعون سنةً، وأسلَم يومَ موتِه عشرون ألفًا مِنْ اليهودِ والنَّصارى والمجوسِ. ومِن مُصنَّفاتِه ﵁: «المسنَدُ» ثلاثونَ ألفًا (٢)، و «التفسيرُ» مائةٌ وخمسونَ ألفًا، وغيرُ ذلك، وفضائلُه ومَناقبُه كثيرةٌ شهيرةٌ، رَضي اللهُ تَعالى عنه. ومن أَعيانِ أصحابِه الذين نَقلُوا مَذهبَه: وَلَدَاه عبدُ اللهِ وصالحٌ، والمَرُّوذِيُّ (٣)، والأَثْرَمُ (٤)، والحربيُّ (٥). ثمَّ وصَف المختصَرَ أيضًا بأنَّه (تَشْتَدُّ إِلَيْهِ) أي: إلى المختصَرِ (حَاجَةُ المُبْتَدِئِينَ) في الفقهِ. ثمَّ ذكَر السَّببَ الحاملَ له على تَصنيفه فقال (٦): (سَأَلَنِيهِ) أي: طلَب منِّي

стр. 56

تأليفَه (بَعْضُ المُقَصِّرِينَ) في طَلبِهم مع قُدرَتِهم على ما هو أَطولُ منه، (و) بعضُ (العَاجِزِينَ) الذين لا قُدرةَ لهم على ما هو (١) أطولُ منه. (جَعَلَه اللهُ) أي: جعَل اللهُ جَمعَه مِنْ متفرِّقاتِ الكتبِ، (خَالِصًا لِوَجْهِهِ) أي: لطَلبِ مَرْضاتِه سبحانَه، غيرَ مرادٍ به سِواه (٢)، (الكَرِيمِ) أي: المتفضِّلِ بجميعِ النِّعمِ (٣)، (وسَبَبًا) أي: وجعَله سببًا (لِلزُّلْفَى) أي: القُربِ (لَدَيْهِ) أي: عندَه تَعالى، (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) المُعدَّةِ للمؤمِنين، (ونَفَعَ بِهِ) أي: بهذا المختصَرِ (٤) المبتدِئِين وغيرَهم، (إِنَّهُ) أي: اللهَ سبحانَه (هُوَ الرَّؤُوفُ) أي: ذو الرَّأفةِ، وهي كما في «القاموس»: أشدُّ الرَّحمةِ، أو أرقُّها (٥)، (الرَّحِيمُ) أي: ذو الرَّحمةِ العظيمةِ (٦).

стр. 57

هذا (كِتَابُ الطَّهَارَةِ) ف «كتابُ»: خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ (١)، ويَجوز العكسُ، وأن يَكون مفعولًا لفعلٍ محذوفٍ، تقديرُه: اقرأ، أو خُذ، وكذا يُقال في نَظائرِه الآتيةِ. والكتابُ: مصدرُ كتَب بمعنى جمَع يَكتب، كنصَر يَنصر (٢)، كَتْبًا وكِتابًا وكِتابةً، وهو هنا بمعنى (٣) المكتوبِ؛ كالخَلقِ بمعنى المخلوقِ، أي: هذا مكتوبٌ للطَّهارة، أي: مجموعٌ لبيانِ أحكامِها، أو بمعنى الكاتبِ؛ كالعدل بمعنى العادلِ، أي: هذا جامعٌ للطَّهارةِ. وهي لغةً: النَّظافةُ، والنَّزاهةُ عنِ الأقذارِ، حسيَّةً كانت أو معنويَّةً (٤). وشرعًا: ارتفاعُ حدثٍ (٥)، وما بمعناهُ (٦)، وزَوالُ نَجَسٍ، أو ارتفاعُ حُكمِ ذلك (٧).

стр. 58

(المِيَاهُ): جمعُ ماءٍ، أقسامُها (ثَلَاثَةٌ)؛ لأنَّ الماءَ إمَّا أن يَجوز الوُضوءُ به أوْ لا، فالأوَّلُ الطَّهورُ، والثَّاني إمَّا أن يَجوز شُربُه أو لا، فالأوَّلُ الطَّاهرُ، والثَّاني النِّجِسُ. وقد ذكَر المصنِّفُ الأوَّلَ بقَوله: (طَهُورٌ)، بمعنى مطهِّرٍ، أي: أوَّلُها طَهورٌ، (يَرْفَعُ) وحدَه دونَ قَسِيمَيه بقَرينةِ المَقامِ (الحَدَثَ (١))، أي: يُزيل الوصفَ القائمَ بالبَدنِ، المانعَ مِنْ نحوِ الصلاةِ. ويُطلق «الحَدثُ»: على الخارج مِنْ السَّبِيلَين، وعلى خُروجِه، وعلى (٢) ما أَوجَب وُضوءًا ويُسمَّى الأصغرَ، أو غُسلًا ويُسمَّى الأكبرَ. (ويُزِيلُ) أي: يُذهِب ذلك الطَّهورُ وحدَه أيضًا (النَّجَسِ الطَّارِئِ) أي: النَّجاسةِ الحادثةِ في مَحلٍّ طاهرٍ (٣). (وهُوَ) أي: الطَّهورُ: الماءُ (البَاقِي عَلَى خِلْقَتِهِ) أي: صِفَتِه التي خُلِق عليها مِنْ حرارةٍ أو بُرودةٍ، أو عُذوبةٍ أو مُلوحةٍ، أو غيرِها، (ولَوْ) كان بَقاؤه على خِلقَتِه (حُكْمًا)، يعني: أنَّ الباقيَ على خِلقَتِه قِسمان:

стр. 59

أحدُهما: ما يَبقى عليها حقيقةً؛ بأن لم يَطرأْ عليه شيءٌ أصلًا؛ كماءٍ نزَل مِنْ السَّماء، مِنْ مطرٍ، وذَوبِ ثَلجٍ وبرَدٍ، وكماءِ بَحرٍ ونَهرٍ وعَينٍ وبِئرٍ. وثانِيهِما: ما يَبقى عليها حُكمًا، بأن طَرأَ عليه ما لا يَسلُب طَهُوريَّتَه؛ (كَمُتَغَيِّرٍ بِمُكْثِهِ) أي: بطُولِ إقامتِه في مقرِّه؛ لأنَّه ﷺ توضَّأ بماءٍ آجِنٍ (١)، أي: متغيِّرٍ، يُقال: أجَن الماءُ، أَجنًا وأُجُونًا، من بابي «ضرب» و «قعد»: تغيَّر، إلَّا أنَّه يُشرب، فهو آجِنٌ بالمدِّ، قالَه في «المصباح» (٢)، ولأنَّه تغيَّر عن غيرِ مخالَطةٍ، أَشبَه المتغيِّرَ بالمُجاوَرة، وحكَاه ابنُ المُنذِر (٣) إجماعَ مَنْ يَحفظُ قولَه (٤) مِنْ أهلِ العلمِ، سِوى ابنِ سِيرِينَ فإنَّه كَرِهه (٥). (أَوْ) متغيِّرٍ (بِطُحْلُبٍ)، بضمِّ اللام، وفتحُها تخفيفٌ: شيءٌ أخضرُ لَزِجٌ (٦)،

стр. 60

يُخلَق في الماء ويَعلُوه. (أَوْ) متغيِّرٍ (١) (بِوَرَقِ شَجَرٍ) سقَط في الماء بنَفسِه، أو بفعلِ غيرِ ذي قصدٍ. (أَوْ) متغيِّرٍ (٢) (بِمَمَرِّهِ) أي: محلِّ مُرورِه، بأن تغيَّر (٣) بنحوِ كِبرِيتٍ (وَنَحْوِهِ)؛ كمتغيِّرٍ بآنيةِ أُدْمٍ أي جلودٍ أو آنيةِ نُحاسٍ وحديدٍ. (أَوْ) متغيِّرٍ (بِمُجَاوِرٍ) بالتَّنوين (٤) (نَجِسٍ) أي: برِيحِ نحوِ ميتةٍ نجسةٍ بمحلٍّ قريبٍ مِنْ الماء، قال في «الشَّرح» و «المُبدِعِ»: بغيرِ خلافٍ نَعلمه (٥). فهذا المتقدِّمُ كلُّه طَهورٌ غيرُ مكروهٍ. ثمَّ أَشار إلى ما يُكره مِنْ الطَّهور بقَوله: (وَكُرِهَ) بالبناءِ للمفعول، (مِنْهُ) أي: مِنْ الطَّهورِ: (شَدِيدُ حَرٍّ)، نائبُ فاعلِ «كُرِه»، أي: يُكره ماء (٦) اشتدَّ حرُّه بنارٍ أو شمسٍ؛ لأنَّه يَمنع كمالَ الطَّهارةِ، فلَو بُرِّد لم يُكره، (أَوْ) شَديدُ (بَرْدٍ) أي: يُكره (٧) ما اشتدَّ بَردُه؛ لِما تقدَّم (٨). (وَ) كُره منه ماءٌ (مُسَخَّنٌ بِنَجِسٍ) أي: بنجاسةٍ، ولو بُرِّد؛ لأنَّه لا يَسلم غالبًا مِنْ دُخَانِها، فإن (٩) تَحقَّق وصولَه إليه، وكان الماءُ يَسيرًا؛ تَنجَّس (١٠).

стр. 61

وكُرِه إيقادُ النَّجاسةِ في تَسخين ماءٍ وغيرِه. ويُستثنى مِنْ كَراهة (١) المسخَّنِ بنَجسٍ: الحمَّامُ، قال في «المبدِع»: لأنَّ الرُّخصةَ في دخول الحمَّامِ تَشمل المَوقودةَ (٢) بالطَّاهرِ والنَّجسِ. انتهى (٣). ومحلُّ كَراهةِ ما اشتَدَّ حرُّه أو بَردُه، أو سُخِّن بنَجسٍ: إذا (لَمْ يُحْتَجْ إِلَيْهِ)، بأن وُجِد غيرُه، فإن احتِيجَ إليه بأن لم يُوجد غيرُه (٤)؛ تعيَّن بلا كَراهةٍ؛ لأنَّ الواجبَ لا يَكون مكروهًا، وكذا حكمُ (٥) كلِّ مكروهٍ. (أَوْ) أي: وكُرِه منه متغيِّرٌ (بِغَيْرِ مُمَازِجٍ) أي: مخالِطٍ تَذهب أَجزاؤه فيه؛ (كَ) متغيِّرٍ بِ (دُهْنٍ)، بضمِّ الدالِ: ما يُدهن به مِنْ زيتٍ وغيرِه، (وَ) كمتغيِّرٍ بِ (قِطَعِ كَافُورٍ)، وعُودٍ قَمَارِيٍّ بفتحِ القافِ، وعَنبرٍ، لم يُستَهلك ذلك في الماءِ، ولم يَتحلَّل فيه. (أَوْ) أي: وكُرِه منه متغيِّرٌ (بِمِلْحٍ مَائِيٍّ)، وهو الماءُ الذي يُرسل على السِّباخ، فيَصير مِلحًا. وفُهِم منه: أنَّ الملحَ المعدنيَّ كباقي الطاهراتِ، فيَسلُب الطَّهوريَّةَ إذا غيَّر كثيرًا، كما سيَجيءُ. وكذا لو كان الماءُ الذي انعَقَد الملحُ منه مَسلوبَ الطَّهوريَّةِ.

стр. 62

ومحلُّ (١) كراهة ما ذُكِر إذا لم يُحتج إليه كما تقدَّم، ولو أخَّر المصنِّفُ قولَه: «لم يُحتَج إليه» إلى هنا لَكان أَولى (٢). و (لَا) يُكره مِنْ الطَّهورِ ماءٌ (مُسَخَّنٌ بِشَمْسٍ) مطلقًا، أي: سواءٌ كان في آنيةٍ مُنطَبِعَةٍ؛ كالنُّحاسِ، أو لا؛ كالأُدُمِ، حيثُ لم يَشتدَّ حرُّه، وما رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال لعائشةَ ﵂ وقد سخَّنَت ماءً في الشمسِ: «لا تَفعَلِي؛ فإنَّه يُورِثُ البَرَصَ» (٣)، قال النَّوويُّ: (هو حديثٌ ضعيفٌ باتِّفاقِ المحدِّثِين) (٤)، ومنهم مَنْ يَجعله موضوعًا، ويَعضُد ذلك: إجماعُ أهلِ الطبِّ على أنَّ ذلك لا أثرَ له في البَرصِ. (أَوْ) أي: ولا يُكره أيضًا مسخَّنٌ (بِطَاهِرٍ)؛ كالحَطَب نصًّا (٥)؛ لعُمومِ الرُّخصةِ، وعن عمرَ: «أنَّه كان يُسخَّن له ماءٌ في قُمقُمٍ، فيَغتسل به» رَواه الدارَقُطنيُّ بإسنادٍ صحيحٍ (٦). ومحلُّه: إذا لم يَشتدَّ حرُّه أيضًا. (وَإِنْ خَلَتْ) امرأةٌ (مُكَلَّفَةٌ) أي: بالغةٌ عاقلةٌ، ولو كافرةً (٧)، حرَّةً أو أمةً،

стр. 63

(بِ) مَاءٍ (يَسِيرٍ) دونَ القُلَّتَين، (لِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ) أي: تامَّةٍ، استَعمَلَتْه (١) فيها، (عَنْ حَدَثٍ) أصغرَ أو أكبرَ، وجوابُ «إنْ» قولُه: (لَمْ يَرْفَعْ) ذلك الطَّهورُ الباقي عن طهارتِها (حَدَثَ رَجُلٍ) أي: ذكَرٍ بالغٍ، وكذا لا يَرفع حدثَ خُنثَى مشكِلٍ بالغٍ، حدثًا أصغرَ أو أكبرَ، بل ليس لهما استعمالُه أيضًا في وُضوءٍ وغُسلٍ مُستحَبَّين، ولا في غَسلِهما مَيِّتَين، كما هو مُقتضَى كلامِ غيرِه. والأصلُ في ذلك: ما رَوى الحَكَمُ بنُ عَمرٍو الغِفاريُّ قال: «نهَى النَّبيُّ ﷺ أن يَتوضَّأ الرَّجلُ بفَضلِ طَهورِ المرأةِ» رَواه الخمسةُ، إلّا أنَّ النَّسائيَّ وابنَ ماجَه قالَا: «وَضوءِ المرأةِ»، وحسَّنه الترمذيُّ، وصحَّحه ابنُ حِبَّانَ، واحتجَّ به الإمامُ في روايةِ الأَثرمِ (٢).

стр. 64

والمرادُ بالخَلوة المذكورةِ: ألا يُشاركها، ولا يَحضرها حالةَ الاستعمالِ مَنْ تَزول به خَلوةُ النِّكاحِ، ولو مُميِّزًا، أو أَعمى (١)، أو كافرًا، ذكرًا (٢) أو أُنثى، فمتى (٣) شاركَها أو شاهَدها أحدٌ ممَّن (٤) ذُكر في الطَّهارة كلِّها أو بعضِها؛ لم يؤثِّر ذلك في الماء. وعُلم ممَّا تقدَّم: أنَّه لا أثرَ لخَلوةِ صغيرةٍ بالماء، ولا لخَلوةِ مكلَّفةٍ بماءٍ كثيرٍ (٥)، أو ترابٍ، أو لبعضِ طهارةٍ، أو لطهارةٍ مستحبَّةٍ، أو لإزالةِ خَبثٍ، وأنَّه يُزيل خبثَ الرَّجلِ والخُنثَى، وأنَّه يَرفع حدثَ الصغيرِ والأُنثى. زادَ المصنِّفُ: جوازَ غَسلِ رَجُلٍ ذكَرَه وأُنثيَيه لخروجِ مَذْيٍ. انتهى، ووجهُه: إلحاقُه بالنَّجاسةِ؛ إذ لم يُعتبر فيه نيَّةٌ ولا تَسميةٌ كما سيَجيء (٦). القسمُ (الثَّانِي) مِنْ أقسامِ الماءِ: (طَاهِرٌ) في نَفسِه، غير (٧) مطهِّرٍ لغيرِه، (وَهُوَ) أي: الطَّاهرُ: (مَا تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْ لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ)، في غيرِ محلِّ تَطهيرٍ (٨)، (بِ) مخالَطةِ شيءٍ (طَاهِرٍ) مِنْ غيرِ جنسِ الماءِ، ممَّا لا يَشقُّ صَونُ الماءِ عنه، بطَبخٍ (٩)؛ كمَرَقِ الباقِلَّا أو غيرِه، كما لو سقَط فيه نحوُ زَعفَرانٍ فتَغيَّر به، فيَسلُبه الطَّهوريَّةَ؛ لأنَّه زالَ إطلاقُ (١٠) اسمِ الماءِ عليه بلا قَيدٍ، بل يُقال فيه:

стр. 65

ماءُ زَعفَرانٍ، ماءُ باقِلَّا، ونحوُه، ولأنَّ الكثيرَ مِنْ الصِّفة بمَنزلةِ كلِّها. وعُلم منه: أنَّه لا يَسلُبه (١) الطَّهوريَّةَ تغيُّرٌ يسيرٌ مِنْ صفةٍ، فلو كان اليسيرُ مِنْ صِفتَين أو ثلاثٍ يَعدِل الكثيرَ مِنْ صفةٍ؛ سلَب الطَّهوريَّةَ. (غَيْرِ) ترابٍ (٢)، ولو وُضِع قصدًا، و (مَا مَرَّ) ذِكرُه في الطَّهور ممَّا لا يُمازِج الماءَ؛ كدُهنٍ، وقِطَعِ كافورٍ، وما أصلُه الماءُ كالملحِ المائيِّ، فإنَّ المتغيِّرَ بهذا لا تُسلَب طَهوريَّتُه، سواءٌ سقَط فيه بنَفسِه، أو وَضعَه فيه واضعٌ. (أَوْ) أي: ومِن أقسامِ الماء (٣) الطَّاهرِ: ما (رُفِعَ)، بالبناءِ للمفعولِ (بِقَلِيلِهِ) أي: الطَّهورِ، أي: بما دونَ القُلَّتَين، (حَدَثٌ)، نائبُ فاعلِ «رُفِعَ»، يَعني: أنَّ الماءَ اليسيرَ المستعمَلَ في رفعِ حدثٍ أكبرَ أو أصغرَ يَكون (٤) طاهرًا غيرَ مطهِّرٍ، وكذا يسيرٌ استُعمِل في غَسلِ ميتٍ، لكنْ ما دامَ الماءُ متردِّدًا على الأعضاء؛ فطَهورٌ، ولا يَصير الماء (٥) مستعمَلًا في الطَّهارتَين (٦) إلّا بانفصالِه (٧).

стр. 66

وعُلم ممَّا تقدَّم: أنَّه لو كان الماءُ في الصُّوَر الثَّلاثِ (١) كثيرًا، كما لو انغَمَس الجُنبُ، أو غمَس المتوضِّئُ أعضاءَ وُضوئِه واحدًا بعدَ واحدٍ، أو غُمس الميتُ في كثيرٍ؛ لم تنسلِب طَهوريَّتُه (٢). وأنَّه لو استُعمِل اليسيرُ في طهارةٍ مستحبَّةٍ؛ كتجديدِ وضوءٍ، وغُسلِ جمعةٍ، وغَسلةٍ ثانيةٍ وثالثةٍ؛ لم تنسلِب طَهوريَّتُه أيضًا، لكنْ صرَّح في «الإقناع» (٣) بكراهةِ هذا النوعِ؛ أَعني: المستعمَلَ في طهارةٍ مستحبَّةٍ (٤)، وظاهرُ «المُنتهَى» ك «التَّنقيحِ» و «الفروعِ» و «المُبدِعِ» و «الإنصافِ» وغيرِها: عدمُ الكراهةِ، واستوجَه المصنِّفُ (٥) ما ذكرَه صاحبُ «الإقناعِ». وقد يُقال: الظَّاهرُ لا يُعارِض الصَّريحَ (٦)؛ لقوَّته، فلعلَّ ظاهرَ كلامِهم

стр. 67

غيرُ مرادٍ (١). وأمَّا المستعمَلُ في طهارةٍ غيرِ مستحبَّةٍ؛ كرابعةٍ في وضوءٍ وغُسلٍ، وثامنةٍ في إزالةِ نجاسةٍ بعدَ زوالِها، أو في تبرُّدٍ وتنظُّفٍ؛ فطَهورٌ غيرُ مكروهٍ. (أَوْ) أي: ومِن الطَّاهر ماءٌ قليلٌ (٢) (غُمِسَ فِيهِ (٣))، بالبناء للمفعولِ (٤) (كُلُّ) أي: جميعُ (يَدِ (٥) مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ) أي: بالغٍ عاقلٍ، (قَائِمٍ) أي: مستيقِظٍ، (مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ) نومًا يَنقض الوضوءَ، ولو غَمسَها (٦) ناسيًا أو جاهلًا أو مكرَهًا، أو حصَل الماءُ في كلِّها مِنْ غيرِ غَمسٍ؛ بأن صَبَّ على جميعِ يَدِه مِنْ الكُوعِ إلى أطرافِ الأصابعِ، ولو باتَت مَكتوفةً، أو بجِرابٍ ونحوِه، حيثُ كان (٧) ذلك قبلَ غَسلِها ثلاثًا بنيَّةٍ شُرِطَت، وتسميةٍ وجَبَت. ولا فرقَ في ذلك بين الذَّكرِ والأُنثى (٨)، فيَسلُبُه الطَّهوريَّةَ، سواءٌ نوَى الغُسلَ بذلك الغَمسِ أو لا؛ لحديثِ أَبي هريرةَ ﵁ يَرفعه: «إذا اسْتَيقَظَ أَحَدُكم مِنْ نَومِه، فلا يَغمِسْ يَدَه في الإناءِ حتَّى يَغسِلَها ثَلاثًا؛ فإنَّه لا يَدرِي أينَ باتَتْ يَدُه» متَّفق عليه، ولفظُه لمسلمٍ (٩).

стр. 68

وعُلم ممَّا تقدَّم (١): أنَّه لا أثرَ لغَمسِ اليَدِ في الكثيرِ، ولا لغَمسِ غيرِها؛ كرأسٍ ورِجلٍ وذراعٍ؛ إذ المرادُ ب «اليد» هنا: مِنَ الكوعِ إلى أطرافِ الأصابعِ كما تقدَّم (٢)، ولا لغَمسِ بعضِها بلا نيَّةٍ، خلافًا لجمعٍ، ولا لغَمسِ يَدِ كافرٍ أو صغيرٍ أو مجنونٍ، أو قائمٍ مِنْ نومِ نهارٍ مطلقًا (٣)، أو مِنْ نومِ ليلٍ نومًا (٤) لا يَنقض الوضوءَ؛ كيسيرِ نومِ قائمٍ وقاعدٍ. لكنْ إن لم يَجِد مَنْ وجَبَت عليه طهارةٌ غيرَ هذا النوعِ أَعني: ما غُمِسَت فيه يَدُ القائمِ مِنْ نومِ الليلِ؛ استَعمَله وجوبًا، فيَنوي به رفعَ الحدثِ، ثمَّ يَتيمَّم وجوبًا. قال المصنِّفُ: قلتُ: فإن كانت الطَّهارةُ عن خبثٍ؛ استَعمَله، ثمَّ يَتيمَّم إن كانت بالبَدنِ. انتهى (٥). وأَولى مِنْ هذا النوعِ: ما خلَت به المرأةُ، كما في «المنتهَى» (٦)، فيقدَّم عليه (٧). (أَوْ كَانَ) قليلُ الطَّهورِ (آخِرَ غَسْلٍ)؛ كالسَّابعة أو ما بعدَها في نجاسةٍ على غيرِ نحوِ أرضٍ (٨) (زَالَتْ بِهِ) أي: بذلك

стр. 69

القليلِ (١) (النَّجَاسَةُ) أي: طَهُر محلُّها (٢)، (وانْفَصَلَ) القليلُ عن المحلِّ الَّذي طَهُر (غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ) بالنَّجاسة؛ فإنَّه طاهرٌ؛ لأنَّ المنفصِلَ بعضُ المتَّصِلِ، والمتَّصِلُ طاهرٌ. وعُلم منه: أنَّ ما انفصَل قبلَ طهارةِ المحلِّ؛ فنَجسٌ مطلقًا إن كان قليلًا، ولو بعدَ السَّابعةِ، وكذا لو انفصَل بعدَ طهارةِ المحلِّ، وكان متغيِّرًا، وأمَّا لو انفصَل عن محلٍّ طَهُر أو لم يَطهُر (٣) وكان كثيرًا غيرَ متغيِّرٍ؛ فطَهورٌ. القسمُ (الثَّالِثُ) مِنْ أقسامِ الماءِ (٤): (نَجِسٌ)، بتَثليثِ الجيمِ وسكونِها، (وَهُوَ) لغةً: المستقذَرُ، وهنا: (مَا تَغَيَّرَ بِنَجَسٍ) أي: بنجاسةٍ (٥)، قليلًا كان الماءُ (٦) أو كثيرًا، قلَّ التغيُّرُ أو كثُر، في غيرِ محلٍّ قابلٍ للتَّطهير (٧). وفيه (٨): طَهورٌ إن كان الماءُ واردًا، فإن كان مَورودًا، بأن غُمِس متنجِّسٌ

стр. 70

في ماءٍ، فإن كان قليلًا؛ نَجُس بمجرَّدِ المُلاقاةِ، أو كثيرًا وتغيَّر؛ نَجُس أيضًا، وإلَّا فلا، فإن تغيَّر بعضُه؛ فما تغيَّر فنَجسٌ، وغيرُه طَهورٌ إن كَثُر. (وَيَسِيرٌ) بالرفع، عطفًا على «مَا تَغَيَّرَ»، أي: ومِن النجسِ: ماءٌ قليلٌ دونَ القُلَّتَين (لَاقَى نَجَاسَةً) أي: اختَلَط (١) بها، ولو كانت صغيرةً لا يُدرِكها طَرْفٌ، أو لم يَمضِ زمنٌ تَسرِي فيه (٢)؛ كمائعٍ وطاهرٍ (٣) ولو كَثُرا (٤). (لَا بِمَحَلِّ تَطْهِيرٍ) يَعني: أنَّ القليلَ الواردَ على محلٍّ نَجسٍ يُمكن تطهيرُه، لا يَنجُس بمجرَّدِ المُلاقاةِ للنَّجاسةِ، وإلّا لم يُمكن تطهيرُ نجاسةٍ بماءٍ قليلٍ. وههُنا مسألةٌ يَغلط فيها بعضُ حنابلةِ مصرَ، وهي: ما إذا نزَل مِنْ نحوِ راويةٍ أو إبريقٍ ماءٌ على نجاسةٍ، فيُنجِّسون بذلك ما في نحوِ الرَّاويةِ أو الإبريقِ مِنْ الماء، ولا وجهَ لتَنجيسِه أصلًا؛ فإنَّ الأصحابَ قسَّموا النَّجسَ إلى قِسمين: متغيِّرٍ بالنَّجاسةِ، وملاقٍ لها، والتقسيمُ في موضعِ البيانِ يُفيد الحصرَ، وما في نحوِ الرَّاويةِ أو الإبريقِ (٥) مِنْ الماء في الصورة المذكورةِ ليس واحدًا مِنْ القِسمَين، وقد صرَّح بمعنى ذلك في «التَّلخيص» (٦)، وأشارَ إليه في «الرِّعاية الكُبرى».

стр. 71

وقد رأيتُ بخطِّ شيخِ شيخِنا الشيخِ عبدِ الرَّحمنِ البهوتيِّ (١) شيخِ المصنِّفِ أيضًا ما معناه: أنَّه لو صبَّ مِنْ الإبريق على محلِّ الاستنجاءِ؛ لم يَتنجَّس (٢) ما في الإبريق. انتهى، وهو ممَّا لا يشكُّ في تطهيره (٣) مَنْ له أدنَى اشتغالٍ بالفقهِ، فتأمَّل، واللهُ أعلمُ. ثمَّ أشارَ إلى كيفيَّةِ تطهيرِ هذا الماءِ المتنجِّسِ، فقال (٤): (وَيَطْهُرُ) الماءُ النَّجسُ، قليلًا كان أو كثيرًا، أي: يَصير طَهورًا (بِإِضَافَةِ) طَهورٍ (كَثِيرٍ (٥)) أي: قُلَّتَين فصاعدًا، إِلَيْهِ (٦)، مَعَ زَوَالِ تَغَيُّرِهِ إِنْ كَانَ متغيِّرًا (٧)؛ لأنَّ الكثيرَ يَدفع النَّجاسةَ عن نفسه وعمَّا اتَّصل به، ولا ينجس إلَّا بالتغيُّر، وتَكون الإضافةُ إمَّا بصبٍّ بحسَبِ الإمكانِ عُرفًا ولو لم (٨) يتَّصل الصَّبُّ (٩)، أو بإجراءِ ساقيةٍ إليه، أو بنَبعٍ فيه. وعُلم منه: أنَّه لا يَطهر بإضافةِ غيرِ الماءِ مِنْ ترابٍ ونحوِه، ولا بإضافةِ

стр. 72

يسيرٍ، ولو زالَ به التغيُّرُ (١). (وَ) يَطهر أيضًا (٢) (الكَثِيرُ) المتنجِّسُ بالتغيُّرِ (٣) (بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ)؛ كالخمرةِ (٤) تَنقلب خَلًّا، (وَبِنَزْحٍ) أي: إخراجِ بعضِ الماءِ النَّجسِ، سواءٌ قلَّ النَّزحُ أو كثُر (٥)، فيَصير طهورًا إن (بَقِيَ بَعْدَهُ) أي: بعد (٦) النَّزحِ (كَثِيرٌ) غيرُ متغيِّرٍ. والحاصلُ: أنَّ النَّجسَ القليلَ يَصير طهورًا بأمرٍ واحدٍ، وهو الإضافةُ، بشَرطِ زوالِ التغيُّرِ إن كان (٧)، وأنَّ النَّجسَ الكثيرَ يَطهر (٨) بأحدِ ثلاثةٍ: الإضافةِ والنَّزحِ بشرطِهما (٩)، وزوالِ تغيُّرِه بنفسه.

стр. 73

ثمَّ أشارَ إلى بيان حدِّ الكثيرِ وحُكمِه، فقال (١): (فَإِنْ بَلَغَ) الماءُ الطَّهورُ (قُلَّتَيْنِ) فصاعدًا، (وَهُمَا) أي: القُلَّتان: (أَرْبَعُمَائَةِ رِطْلٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ) رِطلًا (وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ مِصْرِيٍّ؛ لَمْ يَنْجُسْ) بمُلاقاةِ النَّجاسةِ، ولو كانت بولَ (٢) آدميٍّ أو عذِرَتَه، (إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: سُئِل النبيُّ ﷺ عن الماء يَكون بالفَلَاةِ، وما يَنُوبُه مِنْ الدَّوابِّ والسِّباعِ، فقال: «إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَينِ لَم يُنَجِّسْهُ شَيءٌ»، وفي روايةٍ: «لَم يَحمِل الخَبَثَ» رَواه الخمسةُ والحاكمُ، وقال: على شرطِ الشَّيخَين، ولفظُه لأحمدَ (٣)، فدلَّ بمَنطوقِه على رفعِ القُلَّتَين للنَّجاسةِ عنهما (٤)، وبمفهومِه على نجاسةِ ما لم يَبلُغهما؛ فلذلك جَعَلْناهما حدَّ الكثيرِ. وأمَّا حديثُ أَبي أُمامةَ مرفوعًا: «الماءُ لا يُنَجِّسُه شيءٌ، إلَّا ما غَلَب على رِيحِه وطَعمِه ولَونِه» رَواه ابنُ ماجَه والدارَقُطنيُّ (٥)؛ فمطلقٌ حُمل على خبرِ القُلَّتَين المقيَّدِ. والقُلَّتان: تَثنيةُ «قُلَّةٍ»، وهي اسمٌ لكلِّ ما ارْتفَع وعَلَا، ومنه: «قُلَّةُ الجبلِ»، والمرادُ بها هنا (٦): الجرَّةُ الكبيرةُ، سُمِّيَت قُلَّةً؛ لارتفاعِها وعلوِّها، أو لأنَّ الرَّجلَ العظيمَ يُقِلُّها بيدِه، أي: يَرفعها.

стр. 74

والتحديدُ وقَع بقِلالِ هَجَرَ قريةٍ قُرْبَ المدينةِ؛ لِما روَى الخطَّابيُّ بإسنادِه إلى ابنِ جُرَيجٍ، عن النبيِّ ﷺ مرسَلًا: «إذا كانَ الماءُ قُلَّتَينِ بِقِلالِ هَجَرَ» (١)، ولأنَّها مشهورةُ الصِّفةِ، معلومةُ المِقدارِ، لا تَختلف؛ كالصِّيعان، قال عبدُ الملكِ بنُ جُرَيجٍ: رأيتُ قِلالَ هَجَرَ، فرأيتُ القُلَّةَ تَسَعُ قِربَتَين، أو قِربَتَين وشيئًا. انتهى (٢)، والاحتياطُ إثباتُ الشيءِ وجعلُه نِصفًا؛ لأنَّه أقصَى ما يُطلق عليه اسمُ «شيءٍ» منكَّرًا، فيَكون مجموعُهما: خمسَ قِرَبٍ بقِرَبِ الحجازِ، والقِربةُ: تَسَعُ (٣) مِائةَ رِطلٍ عراقيٍّ، باتِّفاقِ القائلِين بتحديدِ الماءِ بالقِرَبِ (٤)، فالقُلَّتان بالرِّطلِ العراقيِّ (٥): خمسُمَائَةِ رِطلٍ، وبالمصريِّ ما ذكَره المصنِّفُ. وقَدْرُ القُلَّتَين بالصَّاع: ثلاثةٌ وتسعون صاعًا وثلاثةُ أرباعِ صاعٍ، أي: ثلاثةُ أمدادٍ، والصاعُ: قَدَحان بالقَدَحِ المِصريِّ تقريبًا (٦)، فالقُلَّتان بالإردبِّ المِصريِّ: إردبَّان إلَّا أربعةَ أقداحٍ ونصفَ قَدَحٍ. (وَإِنْ شَكَّ فِي تَنَجُّسِ مَاءٍ) أي: طُرُوِّ نجاسةٍ عليه، (أَوْ) شكَّ في تنجُّسِ (غَيْرِهِ) أي: غيرِ الماءِ مِنْ الطاهراتِ؛ كثوبٍ وإناءٍ، ولو مع تغيُّرِ الماءِ؛ (بَنَى

стр. 75

عَلَى اليَقِينِ) أي: على أصلِه الذي كان عليه قبلَ الشَّكِّ (١). وكذا لو شكَّ في طهارتِه بعدَ تيقُّنِ نجاستِه؛ لأنَّ الشيءَ إذا كان على حالٍ، فانتقالُه عنها يَفتقر إلى ثلاثةِ أمورٍ: عدمِها، ووجودِ أُخرى، واستمرارِ هذه الأُخرى، وأمَّا بقاءُ الأُولى فإنَّه لا يَفتقر إلَّا إلى مجرَّدِ البقاءِ، وهو أيسرُ مِنْ الحدوثِ وأكثرُ (٢)، والأصلُ إلحاقُ الفردِ بالأعمِّ الأغلبِ. لكن إن احتمل تغيُّرُ الماءِ بشيءٍ فيه مِنْ نجسٍ أو غيرِه؛ عُمل به، وإن احتمل التغيُّرُ بالطَّاهر والنَّجسِ أي: بأحدِهما فقط؛ فطَهورٌ إن كان التغيُّر يسيرًا، وإلَّا فنجسٌ ولو كثيرًا (٣)؛ لأنَّه طاهرٌ لاقَى نجاسةً، وهو لا يَدفعها عن نفسه. ولا يَلزم سؤالٌ عمَّا لم يتيقَّن (٤) نجاستُه، ويَلزم مَنْ عَلِم (٥) النَّجسَ إعلامُ
следующие страницы →