← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

(بَابٌ) بالتَّنوين، خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، تقديرُه: هذا بابٌ. (صَلَاةُ العِيدَيْنِ)، تثنيةُ «عيدٍ»، سُمِّي به؛ لأنَّه يَعود ويَتكرَّر لأوقاتِه، أو تفاؤلًا، وجَمعُه أعيادٌ. وقولُه: «صلاةُ العيدَين» مبتدأٌ، خبرُه: (فَرْضُ كِفَايَةٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وكان النبيُّ ﷺ والخلفاءُ بعدَه يُداوِمون عليها. (إِذَا تَرَكَهَا (١) أَهْلُ بَلَدٍ)، متفقين على ذلك (٢)؛ (قَاتَلَهُمْ الإِمَامُ)؛ لأنَّها مِنْ أعلامِ الدِّينِ الظَّاهرةِ. (وَوَقْتُهَا كَصَلَاةِ الضُّحَى)، فأوَّلُه (٣) (مِنِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قِيدَ (٤) رُمْحٍ) (٥)؛ لأنَّه ﵊ ومَن بعدَه لم يُصلُّوها إلّا بعدَ ارتفاعِ الشمسِ (٦)،

стр. 457

ذكَره في «المبدِع» (١). ويَستمرُّ الوقتُ (٢) (إِلَى قُبَيْلِ الزَّوَالِ) أي: زوالِ الشمسِ. فإن لم يُعلم بالعيد إلّا بعدَه؛ صلَّوا مِنْ الغدِ قضاءً، وكذا لو مضَى أيَّامٌ. (وَتُسَنُّ) صلاةُ العيدِ (فِي صَحْرَاءَ قَرِيبَةٍ) مِنْ البُنيان عرفًا؛ لقولِ أَبي سعيدٍ: «كان النبيُّ ﷺ يَخرج في الفطرِ والأَضحى إلى المصلَّى» متَّفق عليه (٣)، وكذا الخلفاءُ بعدَه. (وَ) يُسنُّ (تَقْدِيمُ صَلَاةِ الأَضْحَى، وَعَكْسُهُ) صلاةُ (٤) (الفِطْرِ) فيُؤخِّرها؛ لِما رَوى الشافعيُّ مُرسَلًا: «أنَّ النبيَّ ﷺ كتَب إلى عمرِو بنِ حزمٍ: أنْ عَجِّلْ الأَضحى، وأخِّرِ الفطرَ، وذكِّرِ النَّاسَ (٥)» (٦). (وَ) يُسنُّ (أَكْلُهُ قَبْلَهَا) أي: قبلَ الخروجِ لصلاةِ الفطرِ؛ لقولِ بُريدةَ: «كان النبيُّ ﷺ لا يَخرج يومَ الفطرِ حتى يُفطرَ، ولا يَطعمُ يومَ النَّحرِ حتى يُصلِّيَ» رَواه أحمدُ (٧)، والأفضلُ تَمراتٌ وترًا.

стр. 458

وتسنُّ (١) التوسعةُ على الأهلِ، والصَّدقةُ في العِيدينِ (٢). (عَكْسُ أَضْحًى)، فيُسنُّ الإمساكُ فيه (لِمُضَحٍّ) حتى يُصلِّيَ؛ لما تقدَّم (٣)، ليأكلَ مِنْ أُضحِيّتِه (٤)، والأَولى مِنْ كَبِدِها. وإن لم يُضحِّ؛ خُيِّر في الأكل وعدمِه. (وَتُكْرَهُ) صلاةُ العيدِ (فِي جَامِعٍ بِلَا عُذْرٍ)؛ كخوفٍ ومطرٍ، إلّا بمكَّةَ المشرَّفةِ؛ فلا تُصلَّى بالصحراءِ (٥)؛ لمخالفةِ فعلِه ﷺ (٦). ويُسنُّ للإمامِ أن يَستخلفَ مَنْ يُصلِّي بضَعَفةِ النَّاسِ في المسجد؛ لفعلِ عليٍّ (٧)، ويَخطُب لهم، ولهم فعلُها (٨) قبلَ الإمامِ وبعدَه، وأيُّهما سبَق سقَط به الفرضُ، وجازَت التَّضحيةُ. (وَيَخْرُجُ) ندبًا مُصلٍّ (إِلَيْهَا) أي: إلى صلاةِ العيدِ (عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ) أي: لابسًا أجملَ ثيابِه؛ لقولِ جابرٍ: «كان النبيُّ ﷺ يَعْتمُّ، ويَلبَس بُرْدَه الأحمرَ في

стр. 459

العيدَين والجمعةِ» رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ (١)، إلَّا المعتكفَ، فيَخرج في ثيابِ اعتكافِه. وسُنَّ أن (يُبَكِّرَ مَأْمُومٌ) بخروجه إليها بعدَ صلاةِ الصُّبحِ؛ ليَحصلَ له الدُّنوُّ مِنْ الإمامِ وانتظارُ الصَّلاةِ، فيَكثُرَ ثوابُه. حالَ كَونِ الخارجِ لصلاةِ العيدِ (مَاشِيًا)؛ لقولِ عليٍّ: «مِنْ السُّنَّةِ أن يَخرج إلى العيد ماشيًا» رَواه التِّرمذيُّ، وقال: العملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ (٢). (وَ) يُسنُّ أن (يَتَأَخَّرَ إِمَامٌ إِلَى) وقتِ (الصَّلَاةِ)؛ لقولِ أَبي سعيدٍ: «كان النبيُّ ﷺ يَخرج يومَ الفطرِ إلى المُصلَّى، فأوَّلُ شيءٍ يَبدأ به الصَّلاةُ» رَواه مسلمٌ (٣)، ولأنَّ الإمامَ يُنتظر، ولا يَنتظر (٤). (وَمِنْ شَرْطِهَا) أي: شرطِ وجوبِ صلاةِ العيد، لا شرطِ صحَّتِها، كما ذَكَره ابنُ نصر الله، وقال المصنفُ: (لعلَّ المرادَ شرطُ ما يَسقُطُ به فرضُ الكفايةِ، بدليلِ أنَّ المنفرِدَ تصحُّ صلاتُه بعد صلاةِ الإمامِ) (٥): (اسْتِيطَانُ) المُصلِّين (٦)،

стр. 460

(وَعَدَدُ الجُمُعَةِ) أي: وكونُهم أَربعينَ (١)، فلا تُقام صلاةُ العيدِ (٢) إلّا حيثُ تُقام الجُمعةُ (٣)؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ وافقَ العيدَ في يومِ حَجِّه فلَم يُصلِّ. (وَ) يُسنُّ إذا غدَا لصلاةِ العيدِ (٤) مِنْ طريقٍ أن (يَرْجِعَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى)؛ لِما رَوى البخاريُّ عن جابرٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا خرَج إلى العيد خالَفَ الطَّريقَ» (٥). وكذا الجمعةُ. قال في «شرحِ المنتهى»: ولا يَمتنع أيضًا في غيرِ الجمعةِ (٦). (وَيُصَلِّي) العيدَ (قَبْلَ الخُطْبَةِ رَكْعَتَيْنِ)؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كان النبيُّ ﷺ وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ يُصلُّون العيدَ قبلَ الخُطبةِ» متَّفق عليه (٧). فلَو قدَّم الخُطبةَ؛ لم يُعتدَّ بها. (يُكَبِّرُ فِي الأُولَى بَعْدَ) تكبيرةِ إحرامٍ و (اسْتِفْتَاحٍ، وَقَبْلَ تَعَوُّذٍ وَقِرَاءَةٍ؛ سِتًّا) أي: ستَّ تكبيراتٍ (٨) زوائدَ. (وَ) يُكبِّر (٩) (فِي) الرَّكعة (الثَّانِيَةِ قَبْلَ قِرَاءَةٍ؛ خَمْسًا)؛ لِما رَوى أحمدُ عن

стр. 461

عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أَبيه عن جدِّه: «أنَّ النبيَّ ﷺ كبَّر في عيدٍ اثنَتَي عَشْرةَ تكبيرةً؛ سَبعًا في الأُولى، وخَمسًا في الأخيرةِ» إسنادُه حسنٌ (١). قال أحمدُ: اختَلَف أصحابُ النبيِّ ﷺ في التَّكبير، وكلُّه جائزٌ (٢). (يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ)؛ لقولِ وائلِ بنِ حُجرٍ: «إنَّ النبيَّ ﷺ كان يَرفع يدَيه مع التَّكبير» (٣)، قال أحمدُ: (فأَرى أن يَدخل فيه هذا كلُّه) (٤)، وعن عمرَ: «أنَّه كان يَرفع يدَيه في كلِّ تكبيرةٍ في الجنازةِ والعيدِ» (٥)، وعن زيدٍ كذلك (٦)، رَواهما الأثرمُ. (وَيَقُولُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ: «اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ) الأُمِّي (٧) (وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا»، وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَهُ (٨)) أي: غيرَ ما ذُكر؛ لأنَّ الغرضَ الذِّكرُ بعدَ التَّكبيرِ.

стр. 462

وإذا شكَّ في عددِ التَّكبيرِ؛ بنَى على اليَقين. وإذا نَسِي التَّكبيرَ حتى قرأَ سقَط؛ لأنَّه سُنَّةٌ فاتَ مَحلُّها. وإن (١) أَدرَك الإمامَ راكعًا؛ أَحرَم ثمَّ ركَع، ولا يَشتغل بقضاءِ التَّكبيرِ. وإذا أَدرَكه قائمًا بعدَ فراغِه مِنْ التَّكبيرِ؛ لم يَقضِه، وكذا إن أَدرَكه في أثنائِه؛ سقَط ما فاتَ. (وَيَقْرَأُ) جهرًا (بَعْدَ الفَاتِحَةِ فِي) الرَّكعة (الأُولَى بِ «سَبِّحْ»، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالغَاشِيَةِ)؛ لقولِ سَمُرةَ: «إنَّ النبيَّ ﷺ كان يَقرأ في العِيدَين بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾» رَواه أحمدُ (٢). (فَإِذَا سَلَّمَ) مِنْ الصَّلاة؛ (خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ، كَ) خُطبتَي (الجُمُعَةِ) في أحكامِهما، حتى في الكلامِ، إلّا التَّكبيرَ مع الخاطبِ. (يَسْتَفْتِحُ اَلْأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ) نسَقًا قائمًا، (وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعِ) تكبيراتٍ (نسَقًا)، بفتحِ السِّينِ المهمَلةِ، بمعنى مَنسُوقةٍ، أي: متتابعةٍ. (وَالخُطْبَتَانِ) سُنَّةٌ؛ لِما روَى عطاءٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ السائبِ قال: شَهِدتُ مع النبيِّ ﷺ العيدَ، فلمَّا قضَى الصَّلاةَ قال: «إنَّا نَخطُب، فمَن أَحبَّ أن يَجلسَ للخُطبةِ فَلْيَجلسْ، ومَن أَحبَّ أن يَذهبَ فَلْيَذهبْ» رَواه ابنُ ماجَه، وإسنادُه ثقاتٌ (٣)، ولو وجبَتْ لوجَبَ حضورُها واستماعُها.

стр. 463

(وَالتَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ) سُنَّةٌ، (وَالذِّكْرُ بَيْنَهَا (١)) أي: بين التَّكبيراتِ؛ (سُنَّةٌ)، ولا يُسنُّ ذِكرٌ بعدَ التَّكبيرةِ الأخيرةِ في الرَّكعتَين. (وَكُرِهَ تَنَفُّلُهُ) أي: الحاضرِ لصلاةِ العيدِ، وقضاءُ فائتةٍ (قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا بِمَوْضِعِهَا) قبلَ مفارَقتِه؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ: «خرَج النبيُّ ﷺ يومَ العيدِ، فصلَّى ركعتَين لم يُصلِّ قبلَهما ولا بعدَهما» متَّفق عليه (٢). وسُنَّ لمَن فاتَتْه أو بعضُها؛ قضاؤُها على صِفَتِها (٣). (وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ) أي: الذي لم يُقيَّد بأدبارِ الصَّلواتِ، وإظهارُه (وَالجَهْرُ) لغيرِ أُنثى (بِهِ، فِي لَيْلَتَيِ العِيدَيْنِ)، في البيوت والأسواقِ والمساجدِ وغيرِها. ويَجهر به في الخروج إلى المصلَّى إلى فراغِ الإمامِ مِنْ الخُطبةِ. (وَ) التَّكبيرُ في عيدِ (فِطْرٍ آكَدُ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾. (وَ) يُسنُّ التَّكبيرُ المطلَقُ أيضًا (فِي كُلِّ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ)، ولو لم يرَ بهيمةَ الأنعامِ. (وَ) يُسنُّ التَّكبيرُ (المُقَيَّدُ عَقِبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ) فُعِلَت (جَمَاعَةً)؛ «لأنَّ ابنَ عمرَ كان لا يُكبِّر إذا صلَّى وحدَه» (٤)، وقال ابنُ مسعودٍ: «إنَّما التَّكبيرُ على مَنْ

стр. 464

يُصلِّي في جماعةٍ» رَواه ابنُ المنذِرِ (١). فيَلتفتُ الإمامُ الى المأمومِين، ثمَّ يُكبِّر؛ لفعلِه ﷺ (٢). (فِي) عيدِ (الأَضْحَى مِنْ): صلاةِ (صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ)، رُوي عن عمرَ (٣) وعليٍّ (٤) وابنِ عبَّاسٍ (٥) وابنِ مسعودٍ ﵃ (٦). (وَالمُحْرِمُ) يَبتدئ التَّكبيرَ المقيَّدَ: (مِنْ) صلاةِ (ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ)؛ لأنَّه قبلَ ذلك مشغولٌ بالتَّلبيةِ، فلَو رمَى جمرةَ العقبةِ قبلَ الفجرِ؛ لم يُكبِّر، ولو أخَّر الرَّميَ إلى بعدَ الظُّهرِ؛ كبَّر ولَبَّى (٧). ويَستمرُّ المقيَّدُ (إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ).

стр. 465

والجهرُ به (١) مسنونٌ إلّا للمرأة. ويأتي به كالذِّكر عَقِبَ الصَّلاةِ. وإذا فاتَتْه صلاةٌ مِنْ عامِه (٢)، فقضَى فيها (٣) جماعةً؛ كبَّر. (وَإِنْ نَسِيَهُ) أي: التَّكبيرَ؛ (قَضَاهُ مَوْضِعَهُ)، فإن قامَ أو ذهَب؛ عادَ فجلَس، (مَا لَمْ يُحْدِثْ، أَوْ يَخْرُجْ مِنَ المَسْجِدِ)، أو يَطُل الفصلُ، فلا يأتي به؛ لأنَّه سُنَّةٌ فاتَ مَحلُّها. ويُكبِّر مأمومٌ نَسِيه إمامُه، ومسبوقٌ إذا فرَغ؛ كذكرٍ ودعاءٍ. (وَلَا يُسَنُّ) التَّكبيرُ (عَقِبَ صَلَاةِ عِيدٍ (٤))؛ لأنَّ الأثرَ إنَّما جاءَ في المكتوباتِ، ولا عَقِبَ نافلةٍ، ولا فريضةٍ صلَّاها منفردًا؛ لِما تَقدَّم. (وَصِفَتُهُ) أي: التَّكبيرِ حالَ كونِه (٥) (شَفْعًا) أي: يُكرِّرُ التَّكبيرَ مَرتين مَرتين (٦): («اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَه إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الحَمْدُ»)؛ لأنَّه ﷺ كان يَقول كذلك، رَواه الدارَقُطنيُّ (٧).

стр. 466

ولا بأسَ بقولِه لغيرِه: تَقبَّل اللهُ منَّا ومنكَ؛ كالجوابِ (١). ولا بالتَّعريفِ (٢) عَشيَّةَ عرفةَ بالأمصارِ؛ لأنَّه دعاءٌ وذِكرٌ، وأوَّلُ مَنْ فعَله ابنُ عبَّاسٍ (٣) وعمرُو بنُ حُريثٍ (٤).

стр. 467

(بَابٌ) في صلاةِ الكُسوفِ يُقال: كسفَت الشمسُ بفتحِ الكافِ وضمِّها ومِثلُه خسفَت، وهو ذهابُ ضوءِ الشمسِ والقمرِ أو بعضِه (١)، وبابُهما «ضَرَب»، يَتعدى ولا يَتعدى، وقال ثعلبٌ (٢): أجودُ الكلامِ: خَسَف القمرُ، وكسَفَتِ الشمسُ. نقله في «المصباح» (٣). وصلاةُ الكسوفِ ثابتةٌ (٤) بالسُّنَّةِ المشهورةِ، واستَنبطَها بعضُهم مِنْ قولِه تَعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾. (تُسَنُّ (٥) صَلَاةُ الكُسُوفِ) جماعةً وفُرادى، بلا خُطبةٍ؛ لأنَّه ﵊ أمَر بها دونَ الخُطبةِ (٦). (إِذَا كَسَفَ أَحَدُ النَّيِّرَيْنِ)، الشمسِ والقمرِ، أي: وقتَ كسوفِ أحدِهما، ف «إذا» ظرفيةٌ (٧)، ووقتُها: مِنْ ابتِدائِه إلى التَّجلِّي.

стр. 468

ولا تُقضى؛ كاستسقاءٍ، وتحيَّةِ مسجدٍ. فيُصلِّي (رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ جَهْرًا)، ولو في كسوفِ الشمسِ، (فِي الأُولَى بِالفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ طَوِيلَةٍ)، مِنْ غيرِ تَعيينٍ، (ثُمَّ يَرْكَعُ) ركوعًا (طَوِيلًا)، مِنْ غيرِ تقديرٍ، (ثُمَّ يَرْفَعُ) رأسَه حالَ كونِه (١) (مُسَمِّعًا) أي قائلًا: «سَمِع اللهُ لمَن حَمِده»، (وَيُحَمِّدُ) أي يَقول: «ربَّنا ولكَ الحمدُ» بعدَ اعتدالِه، (ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاتِحَةَ وَسُورَةً طَوِيلَةً دُونَ) السُّورةِ (الأُولَى، ثُمَّ يَرْكَعُ) ركوعًا (طَوِيلًا دُونَ) الرُّكوعِ (الأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ) فيُسمِّع (وَيَعْتَدِلُ)، فيُحمِّد كما تَقدَّم ولا يُطيل، (ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ)، ولا يُطيل الجلوسَ بينَ السَّجدتَين. (ثُمَّ يُصَلِّي) الرَّكعةَ (الثَّانِيَةَ كَ) الرَّكعةِ (الأُولَى، لَكِنْ) تَكون (دُونَهَا فِي الكُلِّ) أي: في جميعِ ما تَقدَّم، (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ)؛ لفعلِه ﷺ ، كما رُوي عنه ذلك مِنْ طرقٍ بعضُها في الصَّحيحَين (٢). ولا تُعاد إن فرَغَت قبلَ التَّجلِّي، بل يَدعو ويَذكر، كما لو كان وقتَ نهيٍ (٣). (وَإِنْ تَجَلَّى الكُسُوفُ فِيهَا) أي: الصَّلاةِ؛ (أَتَمَّهَا خَفِيفَةً)؛ لقولِه ﷺ : «فصَلُّوا وادْعُوا حتى يَنكشفَ ما بِكُمْ» متَّفق عليه مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ (٤). (وَ) إن تَجلَّى (قَبْلَهَا) أي: الصَّلاةِ، أي: قبلَ الشُّروعِ فيها؛ (لَمْ يُصَلِّ)؛ لأنَّها لا تُقضى، كما تقدَّم (٥).

стр. 469

وإن غابَت الشمسُ كاسفةً، أو طلَع الفجرُ والقمرُ خاسفٌ، أو كانت آيةٌ غيرُ الزَّلزلةِ؛ لم يُصلِّ (١). (وَيَصِحُّ فِعْلُهَا) أي: صلاةِ الكسوفِ (كَنَافِلَةٍ) أي: بلا تعدُّدِ ركوعٍ، ولا تطويلٍ، (وَ) يصحُّ فعلُها (بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ أَوْ أَرْبَعِ) ركوعاتٍ (أَوْ خَمْسِ) ركوعاتٍ؛ لثُبوتِه عنه ﷺ (٢)، ولا يَزيد على خمسِ ركوعاتٍ؛ لأنَّه لم يُنقل. (فصل) في صلاةِ الاستِسقاءِ وهو الدُّعاءُ بطلبِ السُّقيا على صفةٍ مخصوصةٍ. (وَإِذَا ضَرَّ) النَّاسَ (جَدْبُ أَرْضٍ) أي: مَحْلُها، (وَ) ضرَّهم (قَحْطُ مَطَرٍ) أي: احتباسُه، أو غَورُ ماءِ عيونٍ أو أنهارٍ؛ (صَلَّوْا) جماعةً وفُرادى (صَلَاةَ الاسْتِسْقَاءِ). وهي سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ؛ لقولِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ: «خرَج النبيُّ ﷺ يَستسقي، فتَوجَّه الى القِبلةِ يَدعو، وحوَّل رِداءَه، ثمَّ صلَّى ركعتَين جهَر فيهما بالقراءةِ» متَّفق عليه (٣). والأفضلُ جماعةً، حتى بسفرٍ، ولو كان القحطُ في غيرِ أرضِهم.

стр. 470

ولا استسقاءَ لانقطاعِ مطرٍ عن أرضٍ غيرِ مسكونةٍ ولا مسلوكةٍ؛ لعدمِ الضَّررِ. وصِفَتُها (كَ) صلاةِ (عِيدٍ فِيمَا تَقَدَّمَ)، مِنْ موضعِها وأحكامِها، قال ابنُ عبَّاسٍ: «سُنَّةُ الاستسقاءِ سُنَّةُ العيدَين» (١). فتُسنُّ في الصَّحراءُ، ويُصلِّي ركعتَين، يُكبِّر في الأُولى ستًّا زوائدَ، وفي الثانية خمسًا، مِنْ غيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ، قال ابنُ عبَّاسٍ: «صلَّى النبيُّ ﷺ ركعتَين، كما يُصلِّي العيدَ» قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٢). ويَقرأ في الأُولى ب «سبَّحْ»، وفي الثانيةِ بالغاشيةِ. وتُفعل وقتَ صلاةِ العيدِ. (وَإِذَا أَرَادَ الإِمَامُ الخُرُوجَ لَهَا): (وَعَدَ النَّاسَ) أي: بيَّن لهم (يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ)؛ ليَتهيَّؤوا للخروجِ على الصِّفةِ المسنونةِ. (وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ) مِنْ المَعاصي، والخروجِ مِنْ المَظالمِ. (وَ) أَمَرَهُمْ بِ (تَرْكِ التَّشَاحُنِ)، مِنْ الشَّحناءِ وهي العداوةُ؛ لأنَّها تَحمل على المعصية والبَهتِ، وتَمنع نزولَ الخيرِ؛ لقولِه ﷺ : «خَرجتُ أُخبركم بلَيلةِ القَدْرِ، فتَلاحَى فلانٌ وفلانٌ، فرُفِعَت» (٣).

стр. 471

(وَ) أَمَرهم ب (الصِّيَامِ)؛ لأنَّه وسيلةٌ الى نزولِ الغَيثِ، ولحديثِ: «دَعوةُ الصائمِ لا تُردُّ» (١). (وَ) أَمَرهم ب (الصَّدَقَةِ)؛ لأنَّها متضمِّنةٌ للرَّحمة. ويَتنظَّف لها، ولا يَتطيَّب. (وَيَخْرُجُ) الإمامُ كغيرِه، حالَة كَونِه (مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا) أي: خاضعًا (مُتَذَلِّلًا) مِنْ الذُّلِّ، أي: الهَوانِ، قال ابنُ نصرِ اللهِ: متواضعًا ببَدنِه، متخشِّعًا بقلبِه وعينَيه (٢)، متذلِّلًا في ثيابِه أيضًا (٣)، ويكونُ أيضًا (٤) متضرِّعًا بلسانِه. (وَمَعَهُ) أي: الإمامِ (أَهْلُ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ، وَالشُّيُوخُ)؛ لسرعةِ إجابةِ دَعوتِهم، (وَ) الصِّبيانُ (المُمَيِّزُونَ)؛ لأنَّه (٥) لا ذنوبَ لهم. وأُبيح خروجُ طفلٍ، وعجوزٍ، وبهيمةٍ، والتوسُّلُ بالصَّالحِين (٦). ولا تُمنع أهلُ الذِّمَّةِ منفرِدِين عنَّا، لا بيومٍ، وكُرِه إخراجُنا لهم. (فَيُصَلِّي (٧) بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ كَ) صلاةِ (العِيدِ)؛ لِما تَقدَّم.

стр. 472

(ثُمَّ يَخْطُبُ) خُطبةً (وَاحِدةً)؛ لأنَّه لم يُنقل أنَّ النبيَّ ﷺ خطَب بأكثرَ منها. ويَخطب على منبرٍ، ويَجلس للاستراحة، ذكَره الأكثرُ؛ كالعيدِ في الأحكامِ، والنَّاسُ جلوسٌ، قالَه (١) في «المبدِع» (٢). (يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ كَ) خُطبةِ (عِيدٍ)؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ: «صنَع رسولُ اللهِ ﷺ في الاستسقاءِ كما صنَع في العيدِ» (٣). (وَيُكْثِرُ فِيهَا الاسْتِغْفَارَ وَقِرَاءَةَ آيَاتٍ فِيهَا الأَمْرُ بِهِ)؛ كقولِه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا … ﴾ الآياتِ. ويُكثر فيها الدُّعاءَ، والصَّلاةَ على النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ ذلك مَعونةٌ على الإجابة. (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) في الدعاء ندبًا؛ لقولِ أنسٍ: «كان النبيُّ ﷺ لا يَرفع يدَيه في شيءٍ مِنْ (٤) دعائِه إلّا في الاستسقاءِ، وكان يَرفع حتى يُرى بَياضُ إِبْطَيه» متَّفق عليه (٥)، وظهورُهما نحوَ السماءِ؛ لحديثٍ رواه مسلمٌ (٦). (وَيَدْعُو بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ تأسِّيًا به، وهو: «اللَّهمَّ اسْقِنا غَيثًا مُغيثًا، هنيئًا مريئًا، غَدَقًا مُجلِّلًا سَحًّا، عامًّا طَبَقًا دائمًا (٧)، اللَّهمَّ اسْقِنا الغيثَ، ولا تَجعلنا مِنْ القانِطِين.

стр. 473

اللَّهمَّ سُقيَا رحمةٍ، لا سُقيَا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرقٍ، اللَّهمَّ إنَّ بالعبادِ والبلادِ مِنْ اللَّأواءِ (١) والجَهدِ (٢) والضَّنْكِ ما لا نَشكوه إلّا إليكَ. اللَّهمَّ أَنبِت لنا الزَّرعَ، وأَدِرَّ لنا الضَّرْعَ، واسْقِنا مِنْ بركاتِ السَّماءِ، وأَنزِل علينا مِنْ بركاتِك. اللَّهمَّ ارفع عنَّا الجوعَ والجَهدَ والعُريَ، واكشف عنَّا مِنْ البلاءِ ما لا يَكشفه غيرُك. اللَّهمَّ إنَّا نَستغفرك، إنَّك كنتَ غفَّارًا، فأرسل السَّماءَ علينا مدرارًا»، رَواه ابنُ عمرَ (٣). ويَستقبل القِبلةَ في أثناءِ الخُطبةِ، ويُحوِّل رِداءَه، فيَجعل الأيمنَ على الأيسرِ، والأيسرَ على الأيمنِ، ويَفعل النَّاسُ كذلك، ويَتركونه حتى يَنزِعوه مع ثيابِهم. ويَدعو سرًّا فيَقول: «اللَّهمَّ إنَّك أَمرتَنا بدعائِك، ووعَدتَنا إجابتَكَ، وقد دَعوناك كما أَمرتَنا، فاستجبْ لنا كما وعَدتَنا». فإن سُقوا، وإلّا عادوا ثانيًا وثالثًا. (وَيُنَادَى)، بالبناءِ للمفعولِ (٤)، (لَهُ) أي: للاستسقاءِ، أي: لصلاتِه، (كَمَا) يُنادى (لِكُسُوفٍ) وعيدٍ، بخلافِ جنازةٍ وتراويحَ (٥)، فيَقول المقيمُ: (الصَّلَاةُ

стр. 474

جَامِعَةٌ)، برفعِهما على المبتدأِ والخبرِ، وبِنصبِهما (١)؛ فالأوَّلُ على الإغراء، أي: الْزَموا (٢)، والثاني على الحال. (وَسُنَّ (٣) وُقُوفٌ فِي أَوَّلِ مَطَرٍ، وَإِخْرَاجُ مَتَاعِهِ)؛ كثيابٍ وما يَستصحبه مِنْ أثاثٍ (٤)؛ (لِيُصِيبَهُ) المطرُ؛ لقولِ أنسٍ: أصابَنا ونحن مع رسولِ اللهِ ﷺ مطرٌ، فحسَر ثوبَه حتى أَصابه مِنْ المطرِ، فقلنا: لم صنعتَ هذا؟ فقال (٥): «لأنَّه حديثُ عهدٍ بربِّه» رَواه مسلمٌ (٦). وذكَر جماعةٌ: يَتوضَّأ ويَغتسل؛ لأنَّه رُوي أنَّه ﷺ كان يَقول إذا سالَ الوادي: «اخرُجوا بنا إلى الذي جعَله اللهُ طهورًا، فنتطهَّرَ به» (٧). وفي معناه: ابتداءُ زيادةِ النِّيلِ ونحوِه. (وَ) سُنَّ لمَن مُطِر (قَوْلُهُ: «مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ) ورحمتِه»؛ لأنَّه اعترافٌ بنعمةِ اللهِ تَعالى. (وَيَحْرُمُ) قولُه: «مُطِرنا (بِنَوْءِ)، أي: كوكبِ (كَذَا»)؛ كالثُّريا (٨)؛ لأنَّه كفرٌ بنعمةِ اللهِ ، كما يَدلُّ عليه خبرُ الصَّحيحَين (٩). ويُباح: مُطِرنا في نوءِ كذا؛ لأنَّه لا يَقتضي الإضافةَ إلى النَّوء.

стр. 475

(كِتَابُ الجَنَائِزِ) بفتحِ الجيمِ، جمعُ «جِنازةٍ» بالكسر، والفتحُ لغةٌ، اسمٌ للمَيت، أو للنَّعش عليه مَيتٌ، فإن لم يَكُنْ عليه مَيتٌ فلا يُقال له (١): نعشٌ، ولا جنازةٌ، بل سريرٌ، قالَه الجوهريُّ (٢). واشتقاقُه مِنْ «جَنَز»، كضرَب: إذا ستَر. وذكروا الجنائز (٣) هنا؛ لأنَّ أهمَّ ما يُفعل بالمَيت الصَّلاةُ (٤). (يُسَنُّ الاسْتِعْدَادُ) أي: التأهُّبُ (٥) (لِلْمَوْتِ) بالتَّوبةِ مِنْ المَعاصي، والخروجِ مِنْ المَظالمِ، ويُسنُّ الإكثارُ مِنْ ذِكرِه؛ لقولِه ﷺ : «أَكثِروا مِنْ ذِكرِ هاذِمِ اللذَّاتِ» (٦)، أي: الموتِ، بالذال المعجَمةِ. (وَ) تُسنُّ (عِيَادَةُ مَرِيضٍ) مسلمٍ، والسؤالُ عن حاله؛ للأخبار (٧).

стр. 476

ويُغِبُّ بها (١)، وتَكون بُكرةً وعشيًّا. ويأخذ بيدِه ويَقول: «لا بأسَ! طهورٌ إن شاء اللهُ تَعالى»؛ لفعلِه ﷺ (٢). ويُنفِّس له في أجَله؛ لخبرٍ رَواه ابنُ ماجَه (٣)؛ فإنَّ ذلك لا يَردُّ شيئًا، ويَدعو له بما ورَد. (وَ) يُسنُّ لعائدٍ (تَذْكِيرُهُ) أي: المريضِ، مَخوفًا كان مرضُه أو لا، (التَّوْبَةَ)؛ لأنَّه أَحوجُ اليها مِنْ غيره، وهي واجبةٌ على كلِّ أحدٍ في كلِّ وقتٍ مِنْ كلِّ ذنبٍ، حتى مِنْ تأخيرها (٤). (وَ) تذكيرُه (الوَصِيَّةَ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: «ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يُوصي به يَبِيت لَيلَتَين إلّا ووصيَّتُه مكتوبةٌ عندَه» متَّفق عليه (٥)، أي: ما الحزمُ والمعروفُ شرعًا إلّا ذلك، و «ما» نافيةٌ، وجملة (٦): «له شيءٌ» صفةُ

стр. 477

«امرئٍ»، وجملةُ (١): «يُوصي به» صفةٌ ل «شيءٌ»، وجملةُ (٢): «يَبِيت لَيلَتَين» خبرٌ، وجملةُ: «ووصيَّتُه مكتوبةٌ عندَه» حالٌ. قال الطِّيبيُّ (٣): (في تخصيصِ الليلَتَين تسامحٌ في إرادةِ المبالَغةِ، أي: لا يَنبغي له أن يَبيت ليلةً، وقد سامَحْناه في هذا المقدارِ فلا يَنبغي أن يَتجاوزه) (٤)، وفيه حثٌّ على الوصيَّةِ. ويُكرَه لمريضٍ الأَنينُ، وتمنِّي الموتِ. ويُباح تَداوٍ بمباحٍ، وتركُه أفضلُ، ويَحرُم بمحرَّمٍ (٥) مأكولٍ أو غيرِه؛ كصوتِ مَلهاةٍ، ويَجوز ببولِ إبلٍ فقط، قالَه في «المبدِع» (٦). وكُرِه أن يَستطبَّ مسلمٌ ذمِّيًّا لغيرِ ضرورةٍ، وأن يأخذ منه دواءً لم يُبيِّن مُفرداتِه المباحةَ (٧). (وَإِذَا (٨) نُزِلَ)، بالبناء للمفعول، (بِهِ (٩)) أي: المريضِ، أي: نزَل به الملكُ

стр. 478

لقبضِ رُوحِه (تَعَاهَدَ)، فعلٌ ماضٍ جواب «إذا»، مِنْ تعاهدتُ الشيءَ: راعيتُ حالَه، أي: يسنُّ لأرفَقِ (١) أهلِ الميِّتِ (٢) وأَتقاهُم لله تَعالى أنْ يُباشرَ عندَ احتضارِ المريضِ (٣) (بَلَّ حَلْقِهِ) أي: المريضِ (بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَنَدَّى) المتعاهِدُ (٤) (شَفَتَيْهِ) بقطنةٍ؛ لأنَّ ذلك يُطفئ ما نزَل به مِنْ الشِّدَّةِ، ويُسهِّل عليه النُّطقَ بالشهادة. (وَلَقَّنَهُ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»)؛ لقولِه ﷺ : «لَقِّنُوا مَوتاكم لا إلهَ إلّا اللهُ» رَواه مسلمٌ عن أَبي سعيدٍ (٥). ويُكتفى في التَّلقين (٦) بِ (مَرَّةٍ) إن أجابَ ولم يَتكلَّم بعدُ، وإلّا أعادَ، فإن لقَّنه لا إله إلّا اللهُ، ولم يُجِب (٧)؛ لقَّنه ثانيًا وثالثًا. (وَلَا يُزَادُ عَلَى ثَلَاثٍ)؛ لئلَّا يُضجرَه، (إِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ) بعدَ الثلاثِ، فإن تَكلَّم بعدَها أعادَه؛ ليَكونَ آخرَ كلامه: لا إلهَ إلّا اللهُ، ويَكون برفقٍ، أي: بلطفٍ ومُداراةٍ؛ لأنَّه مطلوبٌ في كلِّ موضعٍ، فهنا أَولى.

стр. 479

(وَيَقْرَأُ عِنْدَهُ) سورةَ (﴿يس﴾)؛ لقولِه ﷺ : «اقْرَؤُوا على مَوتاكم سورةَ يس» رَواه أبو داودَ (١)، ولأنَّه يُسهِّل خروجَ الرُّوحِ. ويَقرأ أيضًا (٢) عندَه الفاتحةَ. (وَيُوَجَّهُ) المَيِّتُ، بالبناءِ للمفعولِ (٣) (لِلْقِبْلَةِ)؛ لقولِه ﷺ عن البيتِ الحرامِ: «قِبلتُكم أحياءً وأمواتًا» رَواه أبو داودَ (٤). وعلى جنبِه الأيمنِ أفضلُ إن كان المكانُ واسعًا، وإلّا فعَلى ظهرِه مستلقيًا ورِجلاه إلى القِبلةِ، ويَرفع رأسَه قليلًا؛ ليصيرَ وَجهُه إلى القِبلةِ. (وَإِذَا مَاتَ سُنَّ تَغْمِيضُهُ)؛ لأنَّه ﷺ أَغمَض أبا سلمةَ، وقال: «إنَّ الملائكةَ يُؤمِّنون على ما تَقولون» رَواه مسلمٌ (٥). ويَقول: «باسمِ اللهِ، وعلى وفاةِ رسولِ اللهِ». ويُغمِض ذاتَ مَحرمٍ، وتُغمِضه، وكُرِه من حائضٍ وجُنُبٍ، وأن يَقرباه، ويُغمِض الأُنثى مِثلُها، أو صبيٌّ. (وَ) سُنَّ (شَدُّ لَحْيَيْهِ) أي: الميت (٦) بعِصابةٍ أو نحوِها تَجمع

стр. 480

لَحييَه (١)، ويَربطها فوقَ رأسِه؛ لئلَّا يَبقى فمُه مفتوحًا، فتَدخلَه الهوامُّ، ويَتشوَّهَ خَلقُه. (وَ) سُنَّ (٢) (تَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ)؛ ليسهُلَ تَغسيلُه، فيَردُّ ذراعَيه إلى عَضُدَيه، ثمَّ يَردُّهما إلى جَنبِه، ثمَّ يَردُّهما، ويَردُّ ساقَيه إلى فَخِذَيه، وهُما إلى بطنِه، ثمَّ يَردُّهما، ويَكون ذلك عَقِب مَوتِه قبلَ قَسوتِها، فإن شقَّ (٣) ذلك ترَكه. (وَ) سُنَّ (خَلْعُ ثِيَابِهِ)؛ لئلَّا يَحمى جسدُه، فيَسرُعَ إليه الفسادُ. (وَ) سُنَّ (وَضْعُهُ) أي: الميتِ (عَلَى سَرِيرِ غَسْلِهِ)؛ ليَبعُد عن الهوامِّ، ونَداوةِ الأرضِ، حالَ (٤) كَونِه (مُوَجَّهًا) للقِبلةِ، (مَسْتُورًا بِثَوْبٍ)، وينبغي جعلُ أحدِ طرفَيْه تحتَ رأسِه، والآخرِ تحتَ رجلَيْه؛ لئلَّا يَنكشفَ. (وَ) سنَّ (وَضْعُ حَدِيدَةٍ) ونحوِها؛ كمرآةٍ وسيفٍ وسكِّينٍ (عَلَى بَطْنِهِ)؛ لِما روَى البيهقيُّ: أنَّه مات مولًى لأنسٍ عندَ مَغيبِ الشمسِ، فقال أنسٌ: «ضعُوا على بطنِه حديدًا» (٥)، ولئلَّا يَنتفخَ بطنُه، وقدَّر بعضُهم وزنَه بنحوِ عشرين درهمًا. ويُصان عنه (٦) مصحفٌ، وكتبُ فقهٍ وحديثٍ وعلمٍ نافعٍ. (وَ) سُنَّ (إِسْرَاعُ تَجْهِيزِهِ)؛ لحديثِ: «لا يَنبغي لجيفةِ مسلمٍ أن تُحبس بينَ ظَهْرانَي أهلِه» رَواه أبو داودَ (٧)، وصونًا له عن التغيُّر إن مات غيرَ فجأةٍ.

стр. 481

(وَ) سُنَّ إسراعٌ ب (إِنْفَاذِ وَصِيَّتِهِ)؛ لِما فيه مِنْ تعجيلِ أَجرِه. (وَيَجِبُ) الإسراعُ (فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ) أي: الميتِ، ولو لله تَعالى؛ لأنَّ تأخيرَه مع القُدرةِ ظُلمٌ لربِّه (١)، فيُقدَّم حتى على الوصيَّةِ؛ لحديثِ عليٍّ: «قضَى رسولُ اللهِ ﷺ بالدَّين قبلَ الوصيَّةِ» (٢). (فصل) فِي غَسلِ الميتِ (وَغَسْلُ) بفتحِ الغينِ المعجَمةِ، أي: تَغسيلُ (المَيِّتِ) المسلمِ، أو يُيَمَّم (٣) لعذرٍ، (وَتَكْفِينُهُ): فرضُ كفايةٍ على مَنْ أَمكَنه (٤)؛ لقولِه ﷺ في الذي وقَصَتْه راحلتُه: «اغْسِلُوه بماءٍ وسِدْرٍ، وكَفِّنوه في ثَوبَيه» متَّفق عليه مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ (٥). (وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ) فرضُ كفايةٍ؛ لقولِه ﷺ : «صلُّوا على مَنْ قال لا إلهَ إلَّا اللهُ»

стр. 482

رَواه الخلَّالُ والدارَقُطنيُّ، وضعَّفه ابنُ الجوزيِّ (١). (وَحَمْلُهُ وَدَفْنُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، قال ابنُ عبَّاسٍ: «معناه: أَكرَمه بدَفنه» (٢)، ولا شكَّ أنَّ دفنَه متوقِّفٌ على حَملِه إلى مَحلِّ الدَّفنِ. واتِّباعُه سُنَّةٌ. وكَرِه الإمامُ أحمدُ (٣) ﵀ لغاسلٍ وحفَّارٍ أَخْذَ أجرةٍ على عمله (٤)، إلّا أن يَكون محتاجًا، فيُعطى مِنْ بيتِ المالِ، فإن تَعذَّر أُعطي بقَدْرِ عمله، قالَه في «المبدِع» (٥). والأفضلُ أن يُختار لتغسيله ثقةٌ، عارفٌ بأحكامه. (وَأَوْلَى النَّاسِ بِغَسْلِهِ) أي: بتغسيل الميت (٦): (وَصِيُّهُ) العدلُ؛ لأنَّ «أبا بكرٍ أَوصَى أن تُغسِّله امرأتُه أسماءُ» (٧)، و «أَوصَى أنسٌ أن يُغسِّله محمَّدُ بنُ سِيرين» (٨)، (ثُمَّ أَبُوهُ)؛ لاختِصاصه بالحُنوِّ والشَّفقةِ، (ثُمَّ جَدُّهُ) لأبيه وإن عَلَا؛

стр. 483

لمشارَكته الأبَ في المعنى، (ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ) مِنْ عَصَباته، فيُقدَّم الابنُ، ثمَّ ابنُه وإن نزَل، ثمَّ الأخُ لأبوَين، ثمَّ الأخُ (١) لأبٍ، على ترتيبِ الميراثِ بعدَ الأبِ والجدِّ (٢)، ثمَّ بعدَ عَصَباته (٣) ذَوُو أَرحامِه، ثمَّ الأجانبُ. (وَ) الأَولى (بِ) غَسلِ (أُنْثَى: وَصِيَّتُهَا) العدلُ، (ثُمَّ أُمُّهَا، ثُمَّ جَدَّتُهَا)؛ أمُّ أمِّها وإن علَتْ، (ثُمَّ القُرْبَى فَالقُرْبَى) مِنْ نسائها، فتُقدَّم بنتُها وإن نزَلَت، ثمَّ القُربى؛ كميراثٍ، وعمَّتُها وخالتُها سواءٌ، وكذا بنتُ أختِها وبنتُ أخيها (٤)؛ لاستِوائهما في القرب والمَحرميَّةِ. (وَلِكُلِّ) واحدٍ (مِنَ الزَّوْجَيْنِ) إن لم تَكُنْ الزَّوجةُ ذمِّيَّةً؛ (غَسْلُ صَاحِبِهِ)؛ لِما تَقدَّم عن أبي بكرٍ، ورَوى ابنُ المنذِرِ: «أنَّ عليًّا غسَّل فاطمةَ» (٥)، ولأنَّ آثارَ النِّكاحِ مِنْ عدَّةِ الوفاةِ والإرثِ باقيةٌ، فكذا الغسلُ. ويَشمل ما قبلَ الدخولِ، وأنَّها تُغسِّله وإن لم تكن في عدَّةٍ؛ كما لو ولَدَت

стр. 484

عَقِب موتِه، وكذا المطلَّقةُ (١) الرجعيَّةُ إذا أُبيحَت (٢). (وَكَذَا سَيِّدٌ مَعَ أَمَتِهِ) المباحةِ له، ولو أُمَّ ولدٍ. لكن أجنبيٌّ أَولى مِنْ زوجةٍ وأَمَةٍ في تغسيلِ رَجلٍ، وأجنبيَّةٌ أَولى مِنْ زوجٍ وسيِّدٍ في تغسيلِ امرأةٍ، وزوجٌ (٣) أَولى مِنْ سيِّدٍ (٤)، وزوجةٌ (٥) أَولى مِنْ أُمِّ ولدٍ. (وَلِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ غَسْلُ مَنْ) له (دُونَ سَبْعِ سِنِينَ)، ذكَرًا كان أو أُنثى؛ لأنَّه

стр. 485

لا عورةَ له؛ ولأنَّ «إبراهيمَ ابنَ النبيِّ ﷺ غسَّله النساءُ» (١)، قال ابنُ المنذِرِ: أَجمَع كلُّ مَنْ نَحفظ عنه أنَّ المرأةَ تُغسِّل الصَّبيَّ الصغيرَ مِنْ غيرِ سُترةٍ، وتَمسُّ عورتَه، وتَنظر إليها (٢). أمَّا مَنْ تمَّ له سبعُ سنينَ؛ فالمميِّزُ كرَجلٍ، والمميِّزةُ كامرأةٍ. (وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْهُ مَنْ) يُباح (لَهُ تَغْسِيلُهُ)؛ كما لو مات رَجلٌ بينَ نِسوةٍ ليس فيهنَّ زوجةٌ ولا أَمَةٌ مباحةٌ له، أو ماتَت امرأةٌ بينَ رجالٍ ليس فيهم زوجٌ ولا سيِّدٌ لها، أو مات خُنثى مشكِلٌ لم تَحضره أمةٌ له؛ (يُمِّمَ) الميتُ، أي: يَمَّمه الحاضرُ له في هذه الصُّور، ولا يُغسِّله؛ لأنَّه لا يَحصل بالغَسل مِنْ غيرِ مسٍّ تنظيفٌ ولا إزالةُ نجاسةٍ، بل ربَّما كَثُرَت. وحَرُم أن يُيمَّم بدونِ حائلٍ على غيرِ مَحرمٍ. ورَجلٌ أَولى بخُنثى. وعُلِمَ منه: أنَّه لا مَدخلَ للرِّجالِ في غَسل الأقاربِ مِنَ النِّساء، ولا بالعكس. وحَرُم أن يُغسِّل مسلمٌ كافرًا، أو يَحمله، أو يُكفِّنه، أو يَتَّبع جنازتَه، بل يُوارى لعدمٍ (٣).

стр. 486

ويُشترط لغسلِ الميتِ: طَهوريَّةُ ماءٍ، وإباحتُه، وإسلامُ غاسلٍ، إلّا نائبًا عن مسلمٍ نَواه، وعقلُه، ولو مميِّزًا أو حائضًا أو جُنُبًا. (وَإِذَا أَخَذَ) أي: شرَع (فِي غَسْلِهِ سَتَرَ عَوْرَتَهُ) وجوبًا، وهي ما بينَ سُرَّتِه ورُكبتِه فيمَن بلَغ عشرًا، ولعلَّ مثلَه: حرَّةٌ مميِّزةٌ (١)، وأمَّا ابنُ سبعٍ ولعلَّ مثلَه: أمةٌ مميِّزةٌ (٢) إلى عشرٍ؛ فالفَرجان (٣). ومَن دونَ ذلك لا عورةَ له، كما تَقدَّم. (وَجَرَّدَهُ) مِنْ ثيابه ندبًا؛ لأنَّه أَمكنُ في تغسيله، وأَبلغُ في تطهيره، وإنَّما غُسِّل (٤) ﷺ في قميصِه (٥)؛ لأنَّ فَضَلاتِه طاهرةٌ، فلَم يُخشَ تنجُّسُ قميصِه (٦). (وَسَتْرُهُ عَنِ العُيُونِ) تحتَ سِترٍ في خيمةٍ أو بيتٍ إن أَمكَن؛ لأنَّه أسترُ له. وكُرِه لغيرِ مُعينٍ في غسله حضورُه. (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) أي: رأسَ الميتِ، غيرَ أُنثى حاملٍ، ويَكون رفعُه (بِرِفْقٍ إِلَى قُرْبِ جُلُوسِهِ)، بحيثُ يَكون كالمحتضَنِ في صدرِ غيرِه.

стр. 487

(وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ بِرِفْقٍ)؛ ليَخرج ما هو مستعدٌّ للخروج، (وَيَكُونُ ثَمَّ)، بفتحِ الثاءِ المثلَّثةِ، أي: هناك (بَخُورٌ)، بوزنِ «رسول»؛ دفعًا للتأذِّي برائحةِ الخارجِ. (وَيُكْثِرُ صَبَّ المَاءِ إِذَنْ)؛ ليَدفعَ ما يَخرج بالعصرِ. (وَيَلُفُّ) الغاسلُ بعدَ ذلك (عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً، يُنَجِّيهِ) أي: يَمسح فرجَه (بِهَا، وَيَغْسِلُ) وجوبًا (مَا عَلَيْهِ) أي: ما على بَدنِ الميتِ (مِنْ نَجَاسَةٍ)؛ لأنَّ المقصودَ بغَسلِه (١) تطهيرُه حسَبَ الإمكانِ، وظاهرُه: ولو بالمَخرجِ، فلا يُجزِئ فيها الاستجمارُ. (ثُمَّ يَنْوِي) الغاسلُ (غُسْلَهُ)؛ لأنَّه طهارةٌ تعبديَّةٌ، أَشبه (٢) غسلَ الجنابةِ. (وَيُسَمِّي) وجوبًا، وتَسقط سهوًا؛ كغسلِ الحيِّ. (وَيَغْسِلُ كَفَّيْهِ) أي: الميتِ ثلاثًا، (وَيُوَضِّئُهُ نَدْبًا) وضوءًا (٣) كاملًا؛ لحديثِ أُمِّ عطيَّةَ مرفوعًا في غسلِ ابنتِه: «ابْدَأْنَ بمَيامِنِها ومَواضِعِ الوضوءِ منها» رَواه الجماعةُ (٤). (وَلَا يُدْخِلُ) غاسلٌ (مَاءً فَمَهُ، وَلَا أَنْفَهُ (٥)) أي: الميتِ (٦)؛ خَشيةَ تحريكِ النَّجاسةِ بدخولِ الماءِ إلى جوفِه، (بَلْ) يُدخِل غاسلٌ (إِصْبَعَيْهِ)؛ إبهامَه وسبَّابتَه (بِخِرْقَةٍ) عليهما، (خَشِنَةٍ، مَبْلُولَةٍ بِمَاءٍ بَيْنَ شَفَتَيْهِ) أي: الميتِ، (فَيَمْسَحُ) بها

стр. 488

(أَسْنَانَهُ، وَ) يُدخِلهما (فِي مَنْخِرَيْهِ، فَيُنَظِّفُهُمَا)، نصًّا (١)، فيَقوم ذلكَ (٢) مقامَ المضمضةِ والاستنشاقِ؛ لحديثِ: «إذا أَمرتُكم بأمرٍ فائْتُوا منه ما اسْتَطعتم» (٣). (وَيَغْسِلُ بِرَغْوَةِ السِّدْرِ) المضروبِ (رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ فَقَطْ)؛ لأنَّ الرأسَ أشرفُ الأعضاءِ، والرَّغوةُ لا تَتعلَّق بالشَّعرِ. (ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ، ثُمَّ) شِقَّه (الأَيْسَرَ)؛ للحديث السابقِ. (ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَيْهِ) أي: الميتِ، أي: على جميعِ بَدنِه؛ ليَعمَّه الغسلُ. يَفعل ما تَقدَّم (ثَلَاثًا)، إلّا الوضوءَ، ففي المرَّة الأُولى فقط. (يُمِرُّ يَدَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) مِنْ الثلاث (عَلَى (٤) بَطْنِهِ)؛ ليَخرُجَ ما تَخلَّف. (فَإِنْ لَمْ يَنْقَ المَيِّتُ بِثَلَاثِ) غَسلاتٍ؛ (زَادَ) في غسله (حَتَّى يَنْقَى)، إلى سبعٍ، فإن لم يَنقَ بسبعٍ؛ فالأَوْلى غسلُه حتى يَنقى، قاله في «الإقناع» (٥)، فقوله بعدَ ذلك: (ولا غُسل) أي (٦): ولا يُعاد غسلُه بعدَ السَّبعِ، مُرادُه: لا يَجب ذلك؛ لئلَّا يُخالِف ما قدَّمه، والله أعلم (٧).

стр. 489

وكُرِه اقتصارٌ في غسله على مرَّةٍ إن لم يَخرج منه شيءٌ، فيَحرم الاقتصارُ ما دام يَخرج (١) شيءٌ على ما دونَ السَّبعِ (٢). وسُنَّ (٣) قطعٌ على وترٍ؛ لحديثِ أُمِّ عطيَّةَ في غسلِ ابنتِه: «اغْسِلْنها وترًا، ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أكثرَ مِنْ ذلكِ إن رَأيتُنَّ» متَّفق عليه (٤)، والكافُ المكسورةُ في قوله: «من ذلكِ» خطابٌ لأُمِّ عطيَّةَ؛ لأنَّ غيرَها تبعٌ لها، أو خطابٌ للنِّسوةِ على لغةِ مَنْ لا يصرفُ الكافَ بتَثْنِيةٍ أو جَمعٍ (٥). ولا تَجب مباشرةُ الغسلِ، فلَو تُرك تحتَ مِيزابٍ ونحوِه، وحضَر مَنْ يَصلح لغسله، ونوَى وسَمَّى، وعَمَّه الماءُ؛ كفَى. (وَيَجْعَلُ فِي) الغسلة (الأَخِيرَةِ) ندبًا (كَافُورًا) وسِدرًا؛ لأنَّه (٦) يُصلِّب الجسدَ، ويَطرد عنه الهوامَّ برائحته. (وَيُكْرَهُ مَاءٌ حَارٌّ) إن (لَمْ يُحْتَجْ إِلَيْهِ) لشدَّةِ بَردٍ؛ لأنَّه يُرخي البَدنَ، فيُسرِع الفسادُ إليه، والباردُ يُصلِّبه ويُبعده عن الفسادِ. وكُرِه أيضًا خِلالٌ، وأُشنانٌ لم يُحتج إليه، فإن احتِيج إلى شيءٍ منها؛ لم يُكرَه.

стр. 490

ويَكون الخِلالُ إذَنْ (١) مِنْ شجرةٍ ليِّنةٍ كالصَّفصاف (٢). وكُرِه تسريحُ شَعرِ ميتٍ. وسُنَّ أن يُضفَر شَعرُ أُنثى ثلاثَة قُرونٍ، وسَدلُه (٣) وراءَها. وسُنَّ تَنشيفُ الميت (٤). قال في «الإقناع»: وإن خرَج منه شيءٌ بعدَ الثلاثِ؛ أُعِيد وُضوءُه (٥). قال في «شرحه»: قال في «المبدِع» و «شرحِ المنتهى»: وجوبًا، كالجُنُبِ إذا أَحدَث بعدَ غُسله؛ لتكونَ طهارتُه كاملةً (٦). قال المصنِّفُ في حاشيةِ «المنتهى»: وهذا إنَّما يَظهر على القولِ بوجوبِ الوضوءِ. انتهى (٧). ويُمكن أن يُجاب: بأنَّ الغَسلاتِ الثلاثِ لقوَّتِها لا يَجب معها الوضوءُ، بخلافِ ما بعدَها، فلِضَعفِها بعدمِ وجودِ نظيرِها في غُسلِ الحيِّ؛ جُبِرَت بالوضوءِ وجوبًا، فما ذكرَه في «المبدع» و «شرح المنتهى» متوجِّه، والله أعلم (٨). ثمَّ إن خرَج منه شيءٌ مِنْ السَّبيلَين أو غيرِهما بعدَ سبعٍ؛ حُشِي بقُطنٍ، فإن

стр. 491

لم يَستمسك فبِطِينٍ حُرٍّ (١)، ثمَّ يُغسل المَحلُّ، ويُوضَّأ وجوبًا. وإن خرَج بعدَ تَكفينه؛ لم يُعَد الغُسلُ (٢). (وَمُحْرِمٌ) بحجٍّ أو عمرةٍ (مَيِّتٌ: كَحَيٍّ، يُغَسَّلُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ)، لا كافورٍ. (وَيُجَنَّبُ) بالبناءِ للمفعولِ (٣) المُحرِمُ (الطِّيبَ) مطلقًا (٤)، (وَلَا يُلْبَسُ)، بالبناء للمفعول، ميِّتٌ (٥) (ذَكَرٌ مَخِيطًا)؛ مِنْ قميصٍ ونحوِه، (وَلَا يُغَطَّى رَأْسُهُ) أي: المُحرِمِ الذَّكرِ (٦)، (وَلَا) يُغطَّى (٧) (وَجْهُ أُنْثَى) مُحرِمةٍ، ولا يُؤخذ شيءٌ مِنْ شَعرِهما أو ظُفرِهما؛ لِما في الصَّحيحَين مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال في مُحرِمٍ ماتَ: «غَسِّلوه بماءٍ وسِدرٍ، وكَفِّنوه في ثَوبَيه، ولا تُحنِّطوه، ولا تُخمِّروا رأسَه؛ فإنَّه يُبعَث يومَ القيامةِ مُلبِّيًا» (٨). ولا تُمنع معتدَّةٌ مِنْ الطيبِ. وتُزال (٩) اللُّصوقُ لغُسلٍ واجبٍ إن لم يَسقط مِنْ جسده شيءٌ بإزالتِها، فيُمسح عليها؛ كجبيرةِ الحيِّ، ويُزال خاتمٌ ونحوُه ولو ببَرْدِه.

стр. 492

(وَلَا يُغَسَّلُ شَهِيدُ مَعْرَكَةٍ (١)، وَ) لَا (مَقْتُولٌ (٢) ظُلْمًا)، ولو أُنثَيَين أو غيرَ مُكلَّفَين، فيُكره؛ كما في «المنتهى» تبعًا ل «التَّنقيح» (٣). وفي «الإقناع»: يَحرم ذلك (٤)؛ والأصل فيه: «أنَّه (٥) ﷺ في شهداءِ أُحدٍ أمَر بدَفنهم بدِمائهم، ولم يُغسِّلهم» (٦). ورَوى أبو داودَ عن سعيدِ بنِ زيدٍ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقول: «مَنْ قُتل دونَ مالِه فهو شهيدٌ، ومَن قُتل دونَ أهلِه فهو شهيدٌ (٧)» وصحَّحه التِّرمذيُّ (٨). (إِلَّا) أن يَكون الشهيدُ والمقتولُ ظلمًا قد (٩) وجَب عليهما الغُسلُ قبلَ الموتِ (لِنَحْوِ جَنَابَةٍ) وحيضٍ ونفاسٍ وإسلامٍ، فيُغسَّلان وجوبًا. (وَيُدْفَنُ) وجوبًا مَنْ لا يُغسَّل منهما (فِي ثِيَابِهِ) التي قُتل فيها (بِدَمِهِ)، إلَّا أن يُخالطه (١٠) نجاسةٌ، فيَجب غَسلُهما (١١)، (بَعْدَ نَزْعِ سِلَاحٍ وَجِلْدٍ عَنْهُ)؛ لِما روَى

стр. 493

أبو داودَ وابنُ ماجَه عن ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمَر بقَتلى أُحدٍ أن يُنزع عنهم الحديدُ والجُلودُ، وأن يُدفَنوا في ثِيابِهم بدِمائِهم» (١). (فَإِنْ سُلِبَهَا)، بالبناء للمفعول؛ (كُفِّنَ بِغَيْرِهَا) وجوبًا، ولا يُصلَّى عليه (٢). (وَسقْطٌ) بتَثليثِ السِّينِ، مبتدأٌ، وسوَّغ الابتداءَ به وصفُه بقوله (٣): (لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فأكثرَ، والخبرُ قولُه (٤): (كَمَولُودٍ حَيًّا)، فيُغسَّل (٥) ويُصلَّى عليه وإن لم يَستهلَّ؛ لقولِه ﷺ : «والسّقطُ يُصلَّى عليه، ويُدعى لوالِدَيه بالمغفرةِ والرَّحمةِ» رَواه الإمام أحمدُ وأبو داودَ (٦). وتُستحبُّ تسميتُه، فإن جُهل أذكرٌ أم أُنثى؛ سُمِّي بصالحٍ لهما؛ كشجرةٍ (٧).

стр. 494

(وَمَنْ تَعَذَّرَ غَسْلُهُ) لعدمِ الماءِ أو غيرِه؛ كالحَرقِ والجُذامِ والتَّبضيعِ (١)؛ (يُمِّمَ)؛ كالجُنُبِ إذا تَعذَّر عليه الغُسلُ. وإن تَعذَّر غَسلُ (٢) بعضه؛ غُسل ما أَمكَن، ويُمِّم الباقي. (وَ) يَجب (عَلَى غَاسِلٍ سَتْرُ شَرٍّ) رآه مِنْ الميتِ (٣)؛ كسوادِ وجهٍ وعيبٍ ببدَنِه (٤)، لا إِظهَارُ خيرٍ (٥). ونَرجو للمحسِنِ، ونخافُ على المُسيءِ، ولا نَشهد إلّا لمَن شَهِد له النبيُّ ﷺ . ويَحرُم سوءُ الظَّنِّ بمسلمٍ ظاهرِ العدالةِ (٦)، ويُستحبُّ ظنُّ الخيرِ بالمسلم. (فصل) في الكَفَن (يَجِبُ كَفَنُهُ) أي: الميتِ (فِي مَالِهِ)؛ لقولِه ﷺ في المُحرِمِ: «كَفِّنوه في ثَوبَيه» (٧)، حالَ كونِ الكفنِ (٨) (مُقَدَّمًا عَلَى دَيْنٍ) على الميِّتِ (٩) ولو برَهنٍ،

стр. 495

(وَغَيْرِهِ) مِنْ وصيَّةٍ وميراثٍ؛ لأنَّ (١) المُفلِس يُقدَّم بالكِسوةِ على الدَّين، فكذا الميتُ. فيَجب لحقِّ اللهِ تَعالى وحقِّ الميتِ: ثوبٌ (٢) لا يَصِف البَشرةَ، يَستر جميعَه مِنْ ملبوسِ مِثلِه (٣)، ما لم يُوصِ بدونِه، والجديدُ أفضلُ. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) للميتِ مالٌ؛ (فَ) كَفنُه ومُؤْنَةُ تجهيزِه (عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ)؛ لأنَّ ذلك يَلزمه حالَ الحياةِ، فكذا بعدَ الموتِ. (غَيْرَ زَوْجٍ (٤))، فلا يَلزمه كفنُ زوجتِه ولو غنيًّا؛ لأنَّ الكِسوةَ وجبَتْ عليه بالزَّوجيَّة والتمكُّنِ مِنْ الاستمتاعِ، وقد انقَطَع ذلك بالموت. (ثُمَّ) إن عُدِم مالُ الميتِ ومَن تَلزمه نفقتُه؛ فكفنُه (مِنْ بَيْتِ المَالِ) إن كان مسلمًا. (ثُمَّ) إن تَعذَّر بيتُ المالِ؛ فكفنُه (عَلَى غَنِيٍّ) مسلمٍ (عَلِمَ بِهِ) أي: الميتِ، قال الشيخُ تقيُّ الدِّينِ: مَنْ ظنَّ أنَّ غيرَه لا يَقوم به؛ تَعيَّن عليه (٥). (وَسُنَّ تَكْفِينُ رَجُلٍ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ مِنْ قُطْنٍ)؛ لقولِ عائشةَ: «كُفِّن رسولُ اللهِ ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُوليَّة جُدُدٍ يَمانِيَةٍ (٦) ليس فيها قميصٌ ولا
следующие страницы →