← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

لم يَستمسك فبِطِينٍ حُرٍّ (١)، ثمَّ يُغسل المَحلُّ، ويُوضَّأ وجوبًا. وإن خرَج بعدَ تَكفينه؛ لم يُعَد الغُسلُ (٢). (وَمُحْرِمٌ) بحجٍّ أو عمرةٍ (مَيِّتٌ: كَحَيٍّ، يُغَسَّلُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ)، لا كافورٍ. (وَيُجَنَّبُ) بالبناءِ للمفعولِ (٣) المُحرِمُ (الطِّيبَ) مطلقًا (٤)، (وَلَا يُلْبَسُ)، بالبناء للمفعول، ميِّتٌ (٥) (ذَكَرٌ مَخِيطًا)؛ مِنْ قميصٍ ونحوِه، (وَلَا يُغَطَّى رَأْسُهُ) أي: المُحرِمِ الذَّكرِ (٦)، (وَلَا) يُغطَّى (٧) (وَجْهُ أُنْثَى) مُحرِمةٍ، ولا يُؤخذ شيءٌ مِنْ شَعرِهما أو ظُفرِهما؛ لِما في الصَّحيحَين مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال في مُحرِمٍ ماتَ: «غَسِّلوه بماءٍ وسِدرٍ، وكَفِّنوه في ثَوبَيه، ولا تُحنِّطوه، ولا تُخمِّروا رأسَه؛ فإنَّه يُبعَث يومَ القيامةِ مُلبِّيًا» (٨). ولا تُمنع معتدَّةٌ مِنْ الطيبِ. وتُزال (٩) اللُّصوقُ لغُسلٍ واجبٍ إن لم يَسقط مِنْ جسده شيءٌ بإزالتِها، فيُمسح عليها؛ كجبيرةِ الحيِّ، ويُزال خاتمٌ ونحوُه ولو ببَرْدِه.

стр. 492

(وَلَا يُغَسَّلُ شَهِيدُ مَعْرَكَةٍ (١)، وَ) لَا (مَقْتُولٌ (٢) ظُلْمًا)، ولو أُنثَيَين أو غيرَ مُكلَّفَين، فيُكره؛ كما في «المنتهى» تبعًا ل «التَّنقيح» (٣). وفي «الإقناع»: يَحرم ذلك (٤)؛ والأصل فيه: «أنَّه (٥) ﷺ في شهداءِ أُحدٍ أمَر بدَفنهم بدِمائهم، ولم يُغسِّلهم» (٦). ورَوى أبو داودَ عن سعيدِ بنِ زيدٍ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقول: «مَنْ قُتل دونَ مالِه فهو شهيدٌ، ومَن قُتل دونَ أهلِه فهو شهيدٌ (٧)» وصحَّحه التِّرمذيُّ (٨). (إِلَّا) أن يَكون الشهيدُ والمقتولُ ظلمًا قد (٩) وجَب عليهما الغُسلُ قبلَ الموتِ (لِنَحْوِ جَنَابَةٍ) وحيضٍ ونفاسٍ وإسلامٍ، فيُغسَّلان وجوبًا. (وَيُدْفَنُ) وجوبًا مَنْ لا يُغسَّل منهما (فِي ثِيَابِهِ) التي قُتل فيها (بِدَمِهِ)، إلَّا أن يُخالطه (١٠) نجاسةٌ، فيَجب غَسلُهما (١١)، (بَعْدَ نَزْعِ سِلَاحٍ وَجِلْدٍ عَنْهُ)؛ لِما روَى

стр. 493

أبو داودَ وابنُ ماجَه عن ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمَر بقَتلى أُحدٍ أن يُنزع عنهم الحديدُ والجُلودُ، وأن يُدفَنوا في ثِيابِهم بدِمائِهم» (١). (فَإِنْ سُلِبَهَا)، بالبناء للمفعول؛ (كُفِّنَ بِغَيْرِهَا) وجوبًا، ولا يُصلَّى عليه (٢). (وَسقْطٌ) بتَثليثِ السِّينِ، مبتدأٌ، وسوَّغ الابتداءَ به وصفُه بقوله (٣): (لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فأكثرَ، والخبرُ قولُه (٤): (كَمَولُودٍ حَيًّا)، فيُغسَّل (٥) ويُصلَّى عليه وإن لم يَستهلَّ؛ لقولِه ﷺ : «والسّقطُ يُصلَّى عليه، ويُدعى لوالِدَيه بالمغفرةِ والرَّحمةِ» رَواه الإمام أحمدُ وأبو داودَ (٦). وتُستحبُّ تسميتُه، فإن جُهل أذكرٌ أم أُنثى؛ سُمِّي بصالحٍ لهما؛ كشجرةٍ (٧).

стр. 494

(وَمَنْ تَعَذَّرَ غَسْلُهُ) لعدمِ الماءِ أو غيرِه؛ كالحَرقِ والجُذامِ والتَّبضيعِ (١)؛ (يُمِّمَ)؛ كالجُنُبِ إذا تَعذَّر عليه الغُسلُ. وإن تَعذَّر غَسلُ (٢) بعضه؛ غُسل ما أَمكَن، ويُمِّم الباقي. (وَ) يَجب (عَلَى غَاسِلٍ سَتْرُ شَرٍّ) رآه مِنْ الميتِ (٣)؛ كسوادِ وجهٍ وعيبٍ ببدَنِه (٤)، لا إِظهَارُ خيرٍ (٥). ونَرجو للمحسِنِ، ونخافُ على المُسيءِ، ولا نَشهد إلّا لمَن شَهِد له النبيُّ ﷺ . ويَحرُم سوءُ الظَّنِّ بمسلمٍ ظاهرِ العدالةِ (٦)، ويُستحبُّ ظنُّ الخيرِ بالمسلم. (فصل) في الكَفَن (يَجِبُ كَفَنُهُ) أي: الميتِ (فِي مَالِهِ)؛ لقولِه ﷺ في المُحرِمِ: «كَفِّنوه في ثَوبَيه» (٧)، حالَ كونِ الكفنِ (٨) (مُقَدَّمًا عَلَى دَيْنٍ) على الميِّتِ (٩) ولو برَهنٍ،

стр. 495

(وَغَيْرِهِ) مِنْ وصيَّةٍ وميراثٍ؛ لأنَّ (١) المُفلِس يُقدَّم بالكِسوةِ على الدَّين، فكذا الميتُ. فيَجب لحقِّ اللهِ تَعالى وحقِّ الميتِ: ثوبٌ (٢) لا يَصِف البَشرةَ، يَستر جميعَه مِنْ ملبوسِ مِثلِه (٣)، ما لم يُوصِ بدونِه، والجديدُ أفضلُ. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) للميتِ مالٌ؛ (فَ) كَفنُه ومُؤْنَةُ تجهيزِه (عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ)؛ لأنَّ ذلك يَلزمه حالَ الحياةِ، فكذا بعدَ الموتِ. (غَيْرَ زَوْجٍ (٤))، فلا يَلزمه كفنُ زوجتِه ولو غنيًّا؛ لأنَّ الكِسوةَ وجبَتْ عليه بالزَّوجيَّة والتمكُّنِ مِنْ الاستمتاعِ، وقد انقَطَع ذلك بالموت. (ثُمَّ) إن عُدِم مالُ الميتِ ومَن تَلزمه نفقتُه؛ فكفنُه (مِنْ بَيْتِ المَالِ) إن كان مسلمًا. (ثُمَّ) إن تَعذَّر بيتُ المالِ؛ فكفنُه (عَلَى غَنِيٍّ) مسلمٍ (عَلِمَ بِهِ) أي: الميتِ، قال الشيخُ تقيُّ الدِّينِ: مَنْ ظنَّ أنَّ غيرَه لا يَقوم به؛ تَعيَّن عليه (٥). (وَسُنَّ تَكْفِينُ رَجُلٍ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ مِنْ قُطْنٍ)؛ لقولِ عائشةَ: «كُفِّن رسولُ اللهِ ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُوليَّة جُدُدٍ يَمانِيَةٍ (٦) ليس فيها قميصٌ ولا

стр. 496

عمامةٌ، أُدرِج فيها دَرْجًا» متَّفق عليه (١). والسَّحوليَّة: نسبةً إلى سَحولَ؛ ك: «رَسول»، بلدةٍ باليمن، تُجلَب منها الثِّيابُ، وتُنسب (٢) إليها على لفظها، كما في «المصباح» (٣). ويُقدَّم بتكفينٍ مَنْ يُقدَّم (٤) بغسلٍ، ونائبُه كهُو، والأَولى تولِّيه بنفسه. (تُجَمَّرُ)، بضمِّ التاء المثنَّاةِ فوقُ (٥)، وفتحِ الميمِ (٦) المشدَّدةِ، أي: تُبخَّر اللَّفائفُ بعدَ رشِّها بماءِ وردٍ أو غيرِه؛ ليَعلَقَ بها البَخُورُ (٧). (وَيُبْسَطُ بَعْضُهَا) أي: اللَّفائفِ (عَلَى بَعْضٍ)، ويَكون أَوسعُها وأَحسنُها أَعلاها، وهي (٨) ما يَلِي الأرضَ حالَ بَسطِها؛ لأنَّ عادةَ الحيِّ جعلُ الظاهرِ أَفخَر ثيابِه. (وَ) يُجعل (الحَنُوطُ) وهو أخلاطٌ مِنْ طيبٍ، يُعَدُّ للميتِ خاصَّةً (٩) (فِيمَا بَيْنَهَا (١٠)) أي: اللفائفِ (١١)، لا فوقَ العُليا؛ لكراهةِ عمرَ (١٢)

стр. 497

وابنِه (١) وأَبي هريرةَ ﵃ (٢). (وَيُوضَعُ) الميتُ (عَلَيْهَا) أي: اللفائفِ حالَ كَونِه (مُسْتَلْقِيًا)؛ لأنَّه أَمكنُ لإدراجه فيها. (وَيُجْعَلُ قُطْنٌ مُحَنَّطٌ)، بتشديد النُّونِ المفتوحةِ (٣)، أي: فيه حنوطٌ (بَيْنَ أَلْيَتَيهِ) أي: الميتِ، (وَيُشَدُّ) أي: يُربطُ (٤) (عَلَيْهِ) أي: القطنِ (بِخِرْقَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفِ) كالتُّبَّانِ، وهو سراويلُ بلا أكمامٍ، (تَجْمَعُ) الخِرقةُ (أَلْيَتَيْهِ وَمَثَانَتَهُ) أي: الميتِ؛ لرَدِّ الخارجِ، وإخفاءِ ما ظهَر مِنْ الرَّوائحِ. (وَ) يُجعل الباقي مِنْ القطنِ المحنَّطِ (عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ)؛ عَينَيه، ومَنخِرَيه (٥)، وأُذنَيه، وفمِه؛ لِما في ذلك مِنْ منعِ دخولِ الهوامِّ. (وَ) على (مَوَاضِعِ سُجُودِهِ)؛ رُكبتَيه، ويدَيه، وجَبهتِه، وأنفِه، وأطرافِ قدمَيه؛ تشريفًا لها. وكذا مغابنُه؛ كطيِّ رُكبتَيه، وتحتَ إبطيَه، وسرَّتِه؛ «لأنَّ ابنَ عمرَ كان يَتتبَّع (٦) مَغابنَ الميتِ ومَرافِقَه بالمِسكِ» (٧). وإن طُيِّب كلُّه فحسنٌ.

стр. 498

(وَيُلَفُّ) الميتُ بعدَ ذلك (فِيهَا) أي: اللَّفائفِ، فيُردُّ طَرفُ (١) اللِّفافةِ العُليا وهي التي تَلِي جسدَ الميتِ مِنْ الجانب الأيسرِ على شِقِّه الأيمنِ، ثمَّ يُردُّ طرفُها الأيمنُ على الأيسر، ثمَّ الثانيةُ ثمَّ الثالثةُ كذلك. (وَيُجْعَلُ أَكْثَرُ فَاضِلِ كَفَنٍ) مِنْ لِفافةٍ فأكثرَ (عِنْدَ رَأْسِهِ)؛ لشرفِه، ويُعيد الفاضلَ على وجهِه ورجلَيه بعدَ جَمعِه؛ ليصيرَ الكفنُ كالكيس فلا يَنتشر، ثمَّ يَعقد اللَّفائفَ، وتُحَلُّ في القبر. (وَإِنْ كُفِّنَ) رجلٌ (فِي قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ وَلِفَافَةٍ؛ جَازَ) أي: لم يُكره؛ «لأنَّه ﵊ أَلبَس عبدَ اللهِ بنَ أُبيٍّ قميصَه لمَّا ماتَ» رَواه البخاريُّ (٢)، وعن عمرِو بنِ العاصِ: «أنَّ الميتَ يُؤزَّر ويُقمَّص، ويُلَفُّ بالثالثة (٣)» (٤). والسُّنَّةُ إذَنْ: أن يُجعل المِئزَرُ ممَّا يَلِي جسدَه، ثمَّ يُلبَس القميصَ، ثمَّ يُلَفُّ، كما يَفعل الحيُّ، وأن يَكون القميصُ بكُمَّين ودَخَارِيصَ (٥)؛ كقميصِ الحيِّ. ولا يُحَلُّ الإزارُ في القبر. ولا يُكره تكفينُ رَجلٍ في ثَوبَين؛ لِما تَقدَّم في المُحرِمِ مِنْ قولِه ﷺ : «وكفِّنوه في ثَوبَيه» (٦). (وَيُكْرَهُ) تكفينُه في أكثرَ مِنْ ثلاثِ لَفائفَ، و (تَعْمِيمُهُ) أي: الميتِ؛ لما

стр. 499

تقدَّم في حديثِ عائشةَ مِنْ قولِها: «ولا عمامة» (١). (وَ) يُكره تطييبُه بوَرْسٍ و (زَعْفَرَانٍ)؛ لأنَّ العادةَ غيرُ جاريةٍ بالتطيُّب به، وإنَّما يُستعمل لغذاءٍ أو زينةٍ. (وَتُكَفَّنُ امْرَأَةٌ) وخُنثى ندبًا (فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ) بِيضٍ مِنْ قُطنٍ، وهي (إِزَارٌ، وَخِمَارٌ، وَقَمِيصٌ، وَلِفَافَتَانِ)، قال ابنُ المنذِرِ: أكثرُ مَنْ نَحفظ عنه مِنْ أهلِ العلمِ يَرى أن تُكفَّن (٢) المرأةُ في خمسةِ أثوابٍ. انتهى (٣)، فتُؤزَّر بالمِئزَرِ، ثمَّ تُلبَس القميصَ، ثمَّ تُخمَّر بالمِقنَعةِ، ثمَّ تُلَفُّ باللِّفافتَين، كما في «المبدِع» (٤). ويُكفَّن صبيٌّ في ثوبٍ، ويُباح في ثلاثةٍ ما لم يَرِثه غيرُ مكلَّفٍ. وصغيرةٌ في قميصٍ ولِفافتَين. (وَالوَاجِبُ) للميتِ مطلقًا (ثَوْبٌ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ)؛ لأنَّ العورةَ المغلَّظةَ يُجزِئ في سَترها ثوبٌ واحدٌ، فكفنُ الميتِ أَولى. (وَيَحْرُمُ) تكفينُ الميتِ ولو امرأة (بِحَرِيرٍ) (٥). (وَلَا يُجْبَى)، بالبناء للمفعول، أي: لا يُجمع مِنْ النَّاس (كَفَنٌ لِعَدَمِ) ما يُكفَّن به ميتٌ (إِنْ أَمْكَنَ سَتْرُهُ) أي: الميتِ (بِحَشِيشٍ وَنَحْوِهِ)؛ كورقِ شجرٍ ونحوِه؛ لحصولِ المقصودِ بلا إهانةٍ.

стр. 500

(فصل) في الصَّلاة على الميت تَسقط بمكلَّفٍ (١)، وتُسنُّ جماعةً، وألَّا تَنقص الصُّفوفُ عن ثلاثةٍ. (وَيَقِفُ إِمَامٌ) ومنفردٌ (عِنْدَ (٢) صَدْرِ رَجُلٍ) أي: ذكرٍ، (وَ) عندَ (وَسَطِ)، بفتحِ السِّينِ المهمَلةِ (امْرَأَةٍ) أي: أُنثى، (نَدْبًا) فيهما (٣)، والخُنثى بينَ ذلك. والأَولى بالصلاةِ (٤) وصيُّه العدلُ، فسيِّدٌ برَقيقه، فالسُّلطانُ، فنائبُه الأميرُ، فالحاكمُ، فالأَولى بغَسلِ رَجلٍ، فزوجٌ بعدَ ذوي الأرحامِ. ومَن قدَّمه وليٌّ لا وصيٌّ: بمَنزلته. وإذا اجتَمعَت جنائزُ؛ قدِّم إلى الإمام أفَضلُهم كما تَقدَّم، فأَسنُّ، فأَسبقُ، ويُقرع مع التَّساوي. وجمعُهم بصلاةٍ أفضلُ. ويُجعل وسَطُ أُنثى حِذاءَ صَدرِ ذَكرٍ، وخُنثى بينَهما. (وَيُكبِّرُ أَرْبَعًا)؛ «لتكبيرِ النبيِّ ﷺ على النَّجاشيِّ أربعًا» متَّفق عليه (٥)، (يَقْرَأُ فِي الأُولَى) أي: بعدَ التَّكبيرةِ الأُولى، وهي تكبيرةُ الإحرامِ (بَعْدَ التَّعَوُّذِ) والبسملةِ؛ (الفَاتِحَةَ) سرًّا، ولو ليلًا؛ لِما روَى ابنُ ماجَه عن أُمِّ شَريكٍ الأنصاريَّةِ

стр. 501

قالت: «أَمرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أن نَقرأ على الجِنازةِ بفاتحةِ الكتابِ» (١)، ولا يَستفتح، ولا يَقرأ (٢) سورةً معها، (وَفِي) التكبيرةِ (الثَّانِيَةِ) أي: بعدَها (يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، كَ) ما يُصلِّي عليه (فِي تَشَهُّدٍ) أخيرٍ (٣)؛ «لأنَّه ﷺ لمَّا سُئِل كيفَ نُصلِّي عليك، علَّمهم ذلك» (٤). (وَيَدْعُو لِلمَيِّتِ فِي) التَّكبيرةِ (الثَّالِثَةِ) مخلِصًا؛ لحديثِ: «إذا صَلَّيتم على الميتِ فأَخلِصُوا له الدُّعاءَ» رَواه أبو داودَ وابنُ ماجَه، وصحَّحه ابنُ حِبَّانَ (٥)، (فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا؛ إِنَّكَ تَعْلَمُ مُنقَلَبَنَا (٦)) أي: مُنصرَفَنا، (وَمَثْوَانَا) أي: مَأوانا، (وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَيْهِمَا») رَواه الإمام أحمدُ والتِّرمذيُّ وابنُ ماجَه، مِنْ حديثِ أَبي هريرةَ (٧)، لكن زادَ فيه الموفَّقُ: «وأنتَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ».

стр. 502

ولفظُ السُّنَّةِ: («اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ)، بضمِّ النُّونِ والزاي، وقد تُسكن الزاي، أي: قِرَاه، وهو ما يُقدَّم للضيف، (وَأَوْسِعْ مَدْخَلَهُ)، بفتحِ الميم: موضعُ الدُّخولِ، وبضمِّها: الإدخالُ، (وَاغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ)، بالتَّحريك: المطرُ المنعقِدُ، (وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ») رَواه مسلمٌ مِنْ حديثِ عوفِ بنِ مالكٍ أنَّه سَمِع النبيَّ ﷺ يَقول ذلك على جِنازةٍ، حتى تَمنَّى أن يَكون ذلك الميتَ، وفيه: «وَأَبْدِلْهُ أَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ» (١)، وزاد (٢) الموفَّق لفظ: «مِنْ الذُّنوب»، (وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ)؛ لأنَّه لائقٌ بالحال. (وَيُؤَنِّثُ الضَّمِيرَ) في صلاةٍ (٣) (عَلَى أُنْثَى)، فيَقول: «اللَّهمَّ اغفرْ لها وارحَمها … » إلى آخرِه. ولا يَقول في ظاهرِ كلامِهم: «وأَبدلها زوجًا خيرًا مِنْ زوجها». ويُشير مُصلٍّ بما يَصلح لهُما على خُنثى، فيَقول: «اللَّهمَّ اغفرْ لهذا الميتِ» ونحوَه. (وَإِنْ كَانَ) الميتُ (صَغِيرًا)، أو بلَغ مجنونًا واستمرَّ؛ (قَالَ) مُصلٍّ (بَدَلَ الاسْتِغْفَارِ) أي: الدُّعاءِ (لَهُ) بأن يَقول بعدَ: «ومَن توفَّيته منَّا فتوفَّه عليهما»: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ وَفَرَطًا) أي: سابقًا مهيِّئًا لمصالحِ أبوَيه في الآخرة، سواءٌ ماتَ في حياتهما أو بعدَ موتِهما، (وَأَجْرًا وَشَفِيعًا مُجَابًا، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا، وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ المُؤْمِنِينَ، وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ،

стр. 503

وَقِهِ بِرَحْمَتِكِ عَذَابَ الجَحِيمِ)؛ لحديثِ المغيرةِ بنِ شعبةَ مرفوعًا: «السِّقْطُ يُصلَّى عليه، ويُدعى (١) لوالدَيه بالمغفرةِ والرَّحمةِ»، وفي لفظٍ: «بالعافية والرَّحمة» رَواهما أحمدُ (٢)، وإنَّما عُدِل عن الدُّعاء له بالمغفرة إلى الدُّعاء لوالدَيه بذلك؛ لأنَّه شافعٌ غيرُ مشفوعٍ فيه، ولم يَجرِ عليه قلمٌ. وإن لم يُعلم إسلامُ والدَيه؛ دعَا لمَوالِيه. (وَيَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَلِيلًا) ولا يَدعو، ولا يَتشهَّد، ولا يُسبِّح، (وَيُسَلِّمُ) تسليمةً (وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ)، نصًّا؛ لأنَّه أَشبهُ بالحال، وأكثرُ ما رُوي في التَّسليم (٣)، ويَجوز تِلقاءَ وجهِه، وثانيةٌ (٤). وسُنَّ وقوفُه حتى تُرفَع (٥).

стр. 504

(وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) ندبًا (مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ)؛ لِما تَقدَّم في صلاةِ العيدَين. (وَالوَاجِبُ) في صلاةِ الجنازةِ: (القِيامُ) في فرضها، (وَالتَّكْبِيرَاتُ) الأربعُ، (وَالفَاتِحَةُ)، ويَتحمَّلها إمامٌ عن مأمومٍ، (وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَدَعْوَةٌ لِلمَيِّتِ، وَالسَّلَامُ). وشُرِط لها: نيَّةٌ، فيَنوي الصَّلاةَ على هذا الميتِ، ولا يَضرُّ جهلُه بالذَّكَرِ وغيرِه، فإن جَهِله؛ نوَى على مَنْ يُصلِّي عليه الإمامُ. وإن نوَى أحدَ المَوتى؛ اعتُبر تَعيينُه (١). وإن نوَى على هذا الرَّجلِ، فبانَ امرأةً، أو بالعكس؛ أَجزأ؛ لقوَّةِ التَّعيينِ، قالَه أبو المَعالي. وإسلامُ ميتٍ، وطهارتُه مِنْ حدثٍ ونجسٍ مع القدرةِ، واستقبالٌ، وسترةٌ كمكتوبةٍ، وحضورُ ميتٍ بينَ يدَيه، فلا تصحُّ على جنازةٍ محمولةٍ، ولا مِنْ وراءِ جدارٍ. (وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ؛ قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ نَدْبًا)؛ لأنَّ القضاءَ يَحكي الأداءَ؛ كسائرِ الصَّلواتِ. والمَقضيُّ أوَّلُ صلاتِه، يأتي فيه بحسَبِ ذلك، وإن خَشِي رَفْعَها؛ تابعَ التَّكبيرَ، رُفِعَت أم لا، وإن سلَّم مع الإمام ولم يَقضه؛ صحَّت؛ لقولِه ﷺ لعائشةَ: «ما فاتكِ لا قضاءَ عليكِ» (٢). (وَإِنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ) أي: الميتِ؛ (صَلَّى عَلَى القَبْرِ إِلَى شَهْرٍ) مِنْ دَفنه؛

стр. 505

لِما في الصَّحيحَين مِنْ حديثِ أَبي هريرةَ وابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى على قبرٍ (١)، وعن سعيدِ بنِ المسيَّبِ: «أنَّ أُمَّ سعدٍ (٢) ماتت والنبيُّ ﷺ غائبٌ، فلمَّا قَدِم صلَّى عليها، وقد مضَى لذلك شهرٌ» رَواه التِّرمذيُّ، ورُواتُه ثقاتٌ (٣)، قال الإمامُ أحمدُ ﵀: أكثرُ ما سمعتُ هذا (٤) (٥). وتَحرُم بعدَه، ما لم تَكُنْ زيادةً يسيرةً. (وَكَذَا) يُصلِّي (عَلَى غَائِبٍ عَنِ البَلَدِ) ولو دونَ مسافةِ قصرٍ، أو في غيرِ قِبلتِه، فتَجوز صلاةُ الإمامِ والآحادِ عليه (بِالنِّيَّةِ) إلى شهرٍ مِنْ موته؛ «لصلاتِه ﷺ على النَّجاشيِّ»، كما في المتَّفق عليه عن جابرٍ (٦). وكذا غريقٌ وأسيرٌ ونحوُهما. وإن وُجد بعضُ ميتٍ لم يُصلَّ عليه؛ فككُلِّه، إلّا الشَّعرَ والظُّفرَ والسِّنَّ، فيُغسَّل ويُكفَّن ويُصلَّى عليه، ثمَّ إن وُجد الباقي؛ فكذلك، ويُدفن بجنبه. وإلّا، بأن كان صُلِّيَ على أكثرِ الميتِ؛ لم تَجِب الصَّلاةُ على بعضه الباقي، بل تُسنُّ، ووجَب تغسيلُه وتكفينُه.

стр. 506

ولا يُصلَّى على مأكولٍ ببطنِ آكلٍ، ولا مُستحيلٍ ونحوِه، ولا على بعضِ حيٍّ مدَّةَ حياته. ولا يُسنُّ للإمام الأعظمِ وإمامِ كلِّ قريةٍ وهو واليها في القضاء الصَّلاةُ على غالٍّ (١)، وقاتلِ نفسه عمدًا. (وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ) أي: الميتِ (فِي المَسْجِدِ) إن أُمِن تلويثُه؛ لقولِ عائشةَ: «صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ على سُهيلِ بنِ بيضاءَ في المسجدِ» رَواه مسلمٌ (٢)، و «صُلِّي على أَبي بكرٍ وعمرَ فيه» رَواه سعيد (٣). وللمُصلِّي قِيراطٌ، وهو أمرٌ معلومٌ عندَ اللهِ تَعالى، وله بتمامِ دَفنها آخرُ، بشرطِ أنْ لا يُفارقها مِنْ الصَّلاة حتى تُدفنَ.

стр. 507

(فصل) في حَملِ الميتِ ودَفنِه ويَسقطان بكافرٍ وغيرِه؛ كتكفينِه؛ لعدمِ اعتبارِ النِّيَّةِ فيه. (سُنَّ تَرْبِيعٌ فِي حَمْلِهِ)؛ لقولِ ابنِ مسعودٍ: «إذا اتَّبع (١) أَحدُكم جنازةً فليأخذْ بقوائمِ السَّريرِ الأربعِ، ثمَّ ليتطوَّعْ بعدُ أو ليَذَرْ» رواه سعيدٌ (٢)، فيُسنُّ أن يَحملها أربعةٌ. والتَّربيعُ: أن يَضع قائمةَ السَّريرِ المقدَّمةَ اليُسرى على كَتِفه الأيمنِ، ثمَّ يَنتقل إلى المؤخَّرةِ، ثمَّ يَضع قائمتَه (٣) اليُمنى المقدَّمةَ على كَتِفه الأيسرِ، ثمَّ يَنتقل إلى المؤخَّرةِ. (وَيُبَاحُ) أن يَحمل (بَيْنَ العَمُودَيْنِ) كلُّ واحدٍ على عاتقٍ؛ «لأنَّه ﷺ حمَل جنازةَ سعدِ بنِ معاذٍ بينَ العمودَين» (٤). وإن كان الميتُ طفلًا؛ فلا بأسَ بحَمله على الأيدي. ويُستحبُّ كَونُه (٥) على نَعشٍ، وتغطيةُ نعشِ امرأةٍ بمِكَبَّة (٦)، ويُجعل فوقَ

стр. 508

المِكَبَّةِ ثوبٌ، وكذا إن كان بالميِّت (١) حَدَبٌ ونحوُه، وكُرِه تغطيتُه (٢) بغيرِ أبيضَ. ولا بأسَ بحمله على دابَّةٍ لغرضٍ صحيحٍ؛ كبُعدِ قبرِه. (وَسُنَّ إِسْرَاعٌ بِهَا) أي: الجنازةِ، دونَ الخَبَبِ؛ لقولِه ﷺ : «أَسرِعوا بالجنازةِ، فإنْ تَكُ صالحةً فخيرٌ تُقدِّمونها إليه، وإن يَكُ سِوَى ذلكَ فشَرٌّ تَضعونه عن رقابِكم» متَّفق عليه (٣). (وَ) سُنَّ (كَوْنُ مَاشٍ أَمَامَهَا)، قال ابنُ المنذِرِ: ثبَت أنَّ النبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ كانوا يَمشون أمامَ الجنازةِ (٤). (وَ) كَونُ (رَاكِبٍ) ولو سفينةً (خَلْفَهَا (٥))؛ لِما روَى التِّرمذيُّ وصحَّحه عن المغيرةِ بنِ شعبةَ مرفوعًا: «الرَّاكبُ خلفَ الجنازةِ» (٦) أي: يكون خلفها (٧). وكُرِه ركوبٌ لغيرِ حاجةٍ وعَودٍ (٨).

стр. 509

(وَكُرِهَ أَنْ تَتْبَعَهَا) أي: الجنازةَ (امْرَأَةٌ). (وَ) كُرِه (رَفْعُ الصَّوْتِ) معها، ولو بقراءةٍ. (وَحَرُمَ أَنْ يَتْبَعَهَا) أي: الجنازةَ (مَعَ مُنْكَرٍ)؛ كنِياحةٍ، ولَطمِ خَدٍّ، شخصٌ (١) (عَاجِزٌ)، بالرفعِ، فاعل «يتبع» (٢)، (عَنْ إِزَالَتِهِ) أي: المنكرِ، ويَلزم القادرَ. (وَكُرِهَ جُلُوسُ مُتَّبِعِهَا) أي: الجنازةِ (حَتَّى تُوضَعَ) بالأرض (لِلدَّفْنِ)، إلّا لمَن بَعُد؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ تَبِع جنازةً فلا يَجلسْ حتى تُوضَع» متَّفق عليه عن أَبي سعيدٍ (٣). وكُرِه قيامٌ لها إن جاءَت أو مرَّت بهِ (٤) وهو جالسٌ. (وَيُسَجَّى)، بالبناء للمفعولِ (٥)، أي: يُغطَّى ندبًا، (قَبْرُ امْرَأَةٍ) وخُنثى (فَقَطْ) أي: دونَ رَجلٍ، فيُكرَه (٦) بلا عذرٍ؛ لقولِ عليٍّ وقد مرَّ بقومٍ دفَنوا ميتًا، وبسَطوا على قبره الثَّوبَ، فجذَبه وقال: «إنَّما يُصنع هذا بالنِّساء» رَواه سعيدٌ (٧). (وَاللَّحْدُ (٨) أَفْضَلُ) مِنْ الشَّقِّ؛ لقولِ سعيدٍ (٩): «الْحَدُوا لي لَحدًا، وانصِبوا

стр. 510

اللَّبِنَ عليَّ نصبًا، كما صُنع برسولِ اللهِ ﷺ » رَواه مسلمٌ (١). واللَّحدُ: هو أن يحفرَ إذا بلَغ قرارَ القبرِ في حائطِ القبرِ مكانًا يسَع الميتَ، وكونُه ممَّا يَلي القِبلةَ أفضلُ. والشَّقُّ: أن يُحفرَ في وسَطِ القبرِ كالنَّهر، أو يُبنى (٢) جانِباه، وهو مكروهٌ بلا عذرٍ؛ كإدخاله خشبًا وما مسَّتْه النارُ (٣)، ودفنٌ في تابوتٍ. وسُنَّ أن يُوسَّعَ ويُعمَّقَ قبرٌ بلا حدٍّ، ويَكفي ما يَمنع السِّباعَ والرائحةَ. ومَن ماتَ في السَّفينة، ولم يُمكن دفنُه في البرِّ (٤)؛ أُلقي في البحر كإدخاله القبرَ، بعدَ غَسلِه وتكفينِه، والصَّلاةِ عليه، وتثقيلِه بشيءٍ. (فَيُوضَعُ) الميِّتُ (فِيهِ) أي: اللَّحدِ (عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ) ندبًا؛ لأنَّه يُشبه النَّائمَ، وهذه سُنَّتُه (٥). ويُقدَّم بدفنِ رَجلٍ مَنْ يُقدَّم بغَسله، وبعدَ الأجانبِ مَحارمُه مِنْ النِّساء، ثمَّ (٦) الأجنبيَّاتُ. وبدفنِ (٧) امرأةٍ: مَحارمُها الرِّجالُ، فزوجٌ، فأجانبُ. ويَجب أن يَكون الميتُ في قبرِه (مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ)؛ لقولِه ﷺ في الكعبة:

стр. 511

«قِبلَتُكم أحياءً وأمواتًا» (١). ويَنبغي أن يُدنى مِنْ الحائط؛ لئلَّا يَنكبَّ على وجهه، وأن يُسنَد مِنْ ورائه بترابٍ؛ لئلَّا يَنقلبَ، ويُجعلَ تحتَ رأسه لَبِنَةٌ. (وَيُغَطَّى) اللَّحدُ (بِاللَّبِنِ)، ويُتعاهد خِلالُه بالمَدَر ونحوِه، ثمَّ بطينٍ فوقَ ذلك. وسُنَّ حَثوُ التُّرابِ عليه (٢) ثلاثًا باليد، ثمَّ يُهال. (وَيَقُولُ مُدْخِلُهُ) في اللَّحد: (بِاسْمِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ (٣))؛ «لأمره ﵊ بذلك» رَواه أحمدُ عن ابنِ عمرَ (٤). وسُنَّ تلقينُه (٥)، والدُّعاءُ له بعدَ الدَّفنِ عندَ القبرِ، ورشُّه بماءٍ، ووضعُ

стр. 512

حَصْباءَ عليه. (وَيُرْفَعُ قَبْرٌ عَنْ أَرْضٍ قَدْرَ شِبْرٍ) ندبًا؛ «لأنَّه ﷺ رُفع قبرُه عن الأرض قَدْرَ شِبرٍ» رَواه السَّاجيُّ مِنْ حديثِ جابرٍ (١)، وكُرِه فوقَ شِبرٍ. ويَكون القبرُ (مُسَنَّمًا (٢))؛ لِما روَى البخاريُّ عن سفيانَ التمَّارِ: «أنَّه رأى قبرَ النبيِّ ﷺ مسنَّمًا» (٣). لكنْ مَنْ دُفِن بدارِ حَربٍ لتعذُّرِ نقلِه؛ فالأَولى تسويتُه بالأرض، وإخفاؤُه. (وَيُبَاحُ تَطْيِينُهُ) أي: القبرِ، أي: طَلْيُه بالطِّين. (وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ) أي: القبرِ، وتَزويقُه، وتَحليتُه (٤)، (وَالبِنَاءُ) عليه،

стр. 513

سواءٌ (١) لاصَقَه أو لا؛ لقولِ جابرٍ: «نهَى النبيُّ ﷺ أن يُجصَّص القبرُ، وأن يُقعد عليه، وأن يُبنى عليه» رَواه مسلمٌ (٢). (وَ) تُكرَه (الكِتَابَةُ، وَالجُلُوسُ وَالوَطْءُ عَلَيْهِ (٣))؛ لِما روَى التِّرمذيُّ، وصحَّحه مِنْ حديثِ جابرٍ مرفوعًا: «نهَى أن تُجصَّص القبورُ، وأن يُكتبَ عليها، وأن تُوطأَ» (٤)، وروَى مسلمٌ عن أَبي هريرةَ مرفوعًا: «لَأَنْ يَجلسَ أَحدُكم على جمرةٍ، فتُحرِقَ ثيابه، فتَخلُصَ (٥) إلى جِلدِه، خيرٌ مِنْ أن يَجلسَ على قبرٍ (٦)» (٧). (وَ) يُكرَه (الاتِّكَاءُ إِلَيْهِ)؛ لِما روَى أحمدُ: أنَّ النبيَّ ﷺ رأى عمرَو بنَ حزمٍ مُتَّكئًا على قبرٍ، فقال: «لا تُؤذِه» (٨). (وَ) كُرِه (مَشْيٌ بِنَعْلٍ) لا خُفٍّ (فِي مَقْبَرَةٍ بِلَا حَاجَةٍ)؛ كنجاسةٍ، وشوكٍ (٩).

стр. 514

(وَيَحْرُمُ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ) معًا، أو واحدًا بعدَ واحدٍ قبلَ أن يَبلى السَّابقُ (فِي قَبْرٍ) واحدٍ؛ لأنَّه ﷺ كان يَدفن كلَّ ميتٍ في قبرٍ، وعلى هذا استمرَّ فعلُ أصحابِه ومَن بعدَهم. وإن حفَر فوجَد عظامَ ميتٍ؛ دفَنها وحفَر في مكانٍ آخرَ. (بِلَا ضَرُورَةٍ)؛ ككثرةِ المَوتى، وقلَّةِ مَنْ يَدفنهم، وخوفِ الفسادِ عليهم، فيَجوز دفنُ أكثرَ؛ لقولِه ﷺ يوم أُحدٍ: «ادْفِنُوا الاثنينِ والثلاثةَ في قبرٍ واحدٍ» رَواه النَّسائيُّ (١). ويُقدَّم الأفضلُ للقِبلةِ، وتَقدَّم (٢). (وَ) حيثُ دُفِن اثنان معًا للضَّرورة فإنَّه (يُجْعَلُ)، بالبناء للمفعول، (بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ)؛ ليصيرَ كلُّ واحدٍ كأنَّه في قبرٍ منفرِدٍ. وكُرِه دفنٌ عندَ طلوعِ الشمسِ (٣) وغروبِها، ويَجوز ليلًا. (وَتُسَنُّ القِرَاءَةُ عِنْدَهُ) أي: القبرِ؛ لِما روَى أنسٌ مرفوعًا قال: «مَنْ دخَل المقابرَ فقرأ فيها يَس؛ خُفِّف عنهم يومئذٍ، وكان له بعَدَدِهم حسناتٌ» (٤)، وصحَّ

стр. 515

عن ابنِ عمرَ: «أنَّه أَوصى إذا دُفِن أن يُقرأ عندَه بفاتحةِ البقرةِ وخاتمتِها» (١)، قاله في «المبدِع» (٢). (وَ) سُنَّ فعلُ ما يُخفِّف عنه، ولو ب (جَعْلِ) أي: وضعِ (نَحْوِ جَرِيدَةٍ خَضْرَاءَ) أي: رطبةٍ، على القبر. (وَأَيُّ قُرْبَةٍ) مِنْ دعاءٍ، واستغفارٍ، وصلاةٍ، وصومٍ، وحجٍّ، وقراءةٍ، وغيرِ ذلك، (فَعَلَهَا) مسلمٌ (وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِمُسْلِمٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ؛ نَفَعَهَ) ذلك، قال الإمامُ أحمدُ: (الميتُ يَصل إليه كلُّ شيءٍ مِنْ الخير) (٣)؛ للنُّصوص الواردةِ فيه، ذكَره المجدُ وغيرُه، حتَّى لو أَهداها للنبيِّ ﷺ ؛ جازَ، ووصَل إليه ثوابُها (٤). (وَنُدِبَ إِصْلَاحُ طَعَامٍ لِأَهْلِ مَيِّتٍ يُبْعَثُ بِهِ إِلَيْهِمِ ثَلَاثًا) أي: ثلاثةَ أيامٍ؛ لقولِه ﷺ : «اصْنَعُوا لآلِ جعفرٍ طعامًا، فقد جاءَهم ما يَشغَلُهم» رَواه الشافعيُّ، وأحمدُ، والتِّرمذيُّ وحسَّنه (٥).

стр. 516

(وَكُرِهَ لَهُمْ) أي: لأهلِ الميتِ (فِعْلُهُ) أي: الطعامِ (لِلنَّاسِ)؛ لِما روَى أحمدُ عن جريرٍ قال: «كنَّا نَعُدُّ الاجتماعَ إلى أهلِ الميتِ، وصُنعَ الطَّعامِ بعدَ دفنِه مِنْ النِّياحةِ»، وإسنادُه (١) ثِقاتٌ (٢). (وَتُسَنُّ زِيَارَةُ قُبُورٍ)، حكاه النَّوويُّ إجماعًا (٣)؛ لقولِه ﷺ : «كنتُ نَهَيتُكم عن زيارةِ القبورِ، فزُورُوها» رَواه مسلمٌ، والتِّرمذيُّ وزادَ: «فإنَّها تُذكِّر الآخرةَ» (٤). وسُنَّ أن يَقِف زائرٌ أمامَه قريبًا منه؛ كزيارته في حياته. (لِغَيْرِ نِسَاءٍ)، فتُكره لهنَّ زيارتُها (٥)، غيرَ قبرِه ﷺ ، وقبرَيْ (٦) صاحبَيه ﵄.

стр. 517

(وَ) يُسنُّ أن (يَقُولَ إِذَا) زارها أو (مَرَّ بِهَا: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، يَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ»)؛ للأخبار الواردةِ بذلك (١). وقولُه (٢): «إنْ شاءَ اللهُ» استثناءٌ للتبرُّك، أو راجعٌ للُّحوق لا للموت، أو إلى البِقاع. ويَسمع الميتُ الكلامَ، ويَعرف زائرَه يومَ الجمعةِ بعدَ الفجرِ قبلَ طلوعِ الشمسِ. وفي «الغُنْيةِ»: يَعرفه كلَّ وقتٍ، وهذا الوقتُ آكدُ. وتُباح زيارةُ قبرِ كافرٍ (٣). (وَ) تُسنُّ (تَعْزِيَةُ) مسلمٍ (مُصَابٍ) بميتٍ، ولو صغيرًا، قبلَ الدَّفنِ وبعدَه؛ لِما روَى ابنُ ماجَه وإسنادُه ثِقاتٌ عن عمرِو بنِ حزمٍ مرفوعًا: «ما مِنْ مؤمنٍ يُعزِّي أخاه بمصيبةٍ؛ إلَّا كَسَاه اللهُ مِنْ حُللِ الكرامةِ يومَ القيامةِ» (٤). فيُقال لمصابٍ بمسلمٍ: أَعظَمَ اللهُ أجركَ، وأحسنَ عزاكَ، وغفَر لميتكَ.

стр. 518

وبكافرٍ: أَعظمَ اللهُ أجركَ، وأحسنَ (١) عزاكَ. ويَردُّ مُعزًّى ب: استجابَ اللهُ دعاك، ورَحِمنا وإيَّاك. وإذا جاءَت (٢) التَّعزيةُ في كتابٍ؛ ردَّها على الرسول لفظًا. وكُرِه تَكرارُها، أو بعدَ ثلاثةِ أيامٍ. وتَحرُم تعزيةُ كافرٍ. (وَيَحْرُمُ نَدْبٌ) أي: تَعدادُ مَحاسنِ الميتِ؛ كقوله: واسيِّداهْ! واانقطاعِ ظَهراهْ! (وَنِيَاحَةٌ)، وهي (٣) رفعُ الصَّوتِ بالنَّدب. (وَ) حَرُم (لَطْمُ خَدٍّ، وَشَقُّ ثَوْبٍ، وَنَحْوُهُ)؛ كصُراخٍ، ونَتفِ شَعرٍ، ونَشرِه، وتسويدِ وجهٍ، وخَمشِه؛ لِما في الصَّحيحَين: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «ليس مِنَّا مَنْ لطَم الخُدودَ، وشقَّ الجُيوبَ، ودعَا بدَعوَى الجاهليَّةِ (٤)» (٥)، وفيهما: «أنَّ النبيَّ ﷺ بَرِئَ مِنْ الصَّالقةِ، والحالقةِ (٦)، والشَّاقَّةِ» (٧)، والصَّالقةُ: التي تَرفع صوتَها عندَ المصيبةِ، وفي «صحيحِ مسلمٍ»: «أنَّ النبيَّ ﷺ لعَن النَّائحةَ، والمستمِعةَ» (٨).

стр. 519

و (لَا) يَحرُم (بُكَاءٌ) على الميِّتِ (١)، بل لا يُكرَه؛ لقولِ أنسٍ: رأيتُ النبيَّ ﷺ وعَيناه تَدمَعان، وقال: «إنَّ اللهَ لا يُعذِّب بدَمعِ العينِ، ولا بحُزنِ القلبِ، ولكن يُعذِّب بهذا وأشارَ إلى لسانِه أو يَرحَمُ» متَّفق عليه (٢). ويُسنُّ الصَّبرُ والرِّضا (٣)، والاسترجاعُ، فيَقول: «إنَّا لله، وإنَّا إليه راجعون، اللَّهمَّ اؤْجُرْني في مُصيبتي، وأَخلِفْ لي خيرًا منها». ولا يَلزم الرِّضا بمرضٍ (٤) وفقرٍ وعاهةٍ، ويَحرُم بفعلِ المعصيةِ. وكُرِه لمصابٍ تغييرُ حالِه، وتعطيلُ مَعاشِه، لا جعلُ علامةٍ عليه ليُعرف فيُعزَّى، وهجرُه للزِّينة وحَسَنِ الثِّيابِ ثلاثةَ أيَّامٍ.

стр. 520

(كِتَابُ الزَّكَاةِ) لغةً (١): النَّماءُ والزِّيادةُ، يُقال: زكَا الزَّرعُ: إذا نمَا وزادَ. وتُطلَق على المَدح والتَّطهيرِ والصَّلاحِ (٢). وسُمِّي المُخرَجُ زكاةً؛ لأنَّه يَزيد في المُخرَج منه، ويَقيه الآفاتِ. وشرعًا: حقٌّ واجبٌ (٣) في مالٍ خاصٍّ، لطائفةٍ مخصوصةٍ، في وقتٍ مخصوصٍ. (تَجِبُ) الزَّكاةُ في سائمةِ بهيمةِ الأنعامِ، والخارجِ مِنْ الأرضِ، والأثمانِ، وعروضِ التِّجارةِ وسيأتي تفصيلُها بخمسةِ شروطٍ. أشارَ إلى أوَّلِها (٤) بقوله: (عَلَى مُسْلِمٍ)، فلا تَجب على كافرٍ أصليٍّ أو مرتدٍّ، فلا يَقضيها إذا أَسلَم. وأشارَ إلى الثاني بقوله: (حُرٍّ)، فلا تَجب على عبدٍ؛ لأنَّه لا مالَ له، ولا

стр. 521

على مكاتَبٍ؛ لأنَّه عبدٌ، ومِلكُه غيرُ تامٍّ، وتَجب (١) على مبعَّضٍ فيما ملَكَه بجُزئه الحرِّ بشرطِه (٢). وأشارَ إلى الثالث بقوله: (مَلَكَ نِصَابًا)، ولو كان المالكُ صغيرًا، أو مجنونًا؛ لعمومِ الأخبارِ وأقوالِ الصَّحابةِ (٣)، فإن نقَص عنه، فلا زكاةَ إلّا الرِّكازَ. وأشارَ إلى الرابع بقوله: (مِلْكًا مُسْتَقِرًّا) أي: تامًّا في الجملة، فلا زكاةَ في دَينِ الكتابةِ؛ لعدمِ استقرارِه؛ لأنَّه يَملك تعجيزَ نفسِه. وأشارَ إلى الخامس بقوله: (إِذَا مَضَى الحَوْلُ)؛ لقولِ عائشةَ عن النبيِّ ﷺ : «لا زكاةَ في مالٍ حتى يَحُولَ عليه الحَوْلُ» رَواه ابنُ ماجَه (٤)، ورِفقًا بالمالك؛ ليتكاملَ النَّماءُ فيُواسي منه. ويُعفى فيه عن نصفِ يومٍ. وإنَّما يُعتبر الحولُ (فِي غَيْرِ مُعَشَّرٍ)؛ كحبوبٍ وثمارٍ، فلا يُعتبر في المُعشَّرِ

стр. 522

حولٌ (١)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. وكذا مَعدِنٌ ورِكازٌ وعسلٌ، قياسًا عليهما. فإن استَفادَ مالًا بإرثٍ أو هِبَةٍ ونحوِهما؛ فلا زكاةَ فيه حتى يَحول عليه الحولُ. (وَيَتْبَعُ نِتَاجُ سَائِمَةٍ) أصلَه في الحول، (وَ) يَتبع (رِبْحُ تِجَارَةٍ أَصْلَهُ) في الحول (إِنْ بَلَغَ) أصلُ كلٍّ منهما (نِصَابًا)، فيَجب ضمُّهما (٢) إلى ما عندَه إذَنْ؛ لقولِ عمرَ: «اعتَدَّ عليهم بالسَّخْلةِ، ولا تأخذْها منهم» رَواه مالكٌ (٣)، ولقولِ عليٍّ: «عُدَّ عليهم الصِّغارَ والكبارَ» (٤). فلَو ماتَت واحدةٌ مِنْ الأمَّات (٥)، فنُتِجَت سَخلةٌ؛ انقَطَع، بخلافِ ما لو نُتِجَت ثمَّ ماتَت. (وَإِلَّا) يَكُنْ الأصلُ نصابًا؛ (فَ) ابتداءُ حولِ الجميعِ (مِنْ كَمَالِهِ) نصابًا، فلَو ملَك خمسًا وثلاثين شاةً، فنُتِجَت شيئًا فشيئًا؛ فحَولُها مِنْ حينِ تَبلغ أربعين. وكذا لو ملَك ثمانيةَ عشرَ مِثقالًا، ورَبِحَت شيئًا فشيئًا؛ فحَولُها منذُ بلَغَت عشرين.

стр. 523

ولا يَبني وارثٌ على حولِ مُورثِه (١). ويُضمُّ المستفادُ إلى نصابٍ بيَده مِنْ جنسه (٢)، أو في حُكمه في وجوبِ الزَّكاةِ (٣)، لا في الحولِ، فيُزكِّي كلَّ واحدٍ إذا تمَّ حولُه (٤). (وَيُزَكَّى) بالبناء للمفعول (دَيْنٌ)؛ كثَمنِ مَبيعٍ وقرضٍ على مَليءٍ أو غيرِه، (وَغَصْبٌ وَنَحْوُهِ)؛ كمسروقٍ، وموروثٍ مجهولٍ؛ (إِذَا قُبِضَ) ذلك، (أَوْ أُبْرِئَ (٥) مِنْهُ لِمَا مَضَى)، رُوي عن عليٍّ (٦)، فلا يلزَمُه إخراجُ زكاتِه قَبْلَ

стр. 524

ذلك (١)؛ لأنَّه لا يَقدر على قبضه والانتفاعِ به، سواءٌ (٢) قصَد ببقائه الفِرارَ مِنْ الزَّكاةِ أو لا. ولو قبَض دونَ نصابٍ؛ زكَّاه. وكذا لو كان بيَده دونَ نصابٍ، وباقيه دَينٌ أو غصبٌ أو ضالٌّ (٣). والحوالةُ عليه؛ كالقبض. (وَلَا زَكَاةَ) واجبةٌ (فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَنْقُصُ النِّصَابَ)، فالدَّينُ وإن لم يَكُنْ مِنْ جنسِ المالِ؛ مانعٌ مِنْ وجوبِ الزَّكاةِ في قَدْره، (وَلَوْ) كان المالُ ظاهرًا؛ كالمَواشي، أو كان الدَّينُ (كَفَّارَةً وَنَحْوَهَا)؛ كنذرٍ مطلَقٍ، وزكاةٍ، ودَينِ حجٍّ (٤) وغيرِه؛ لأنَّه يَجب قضاؤُه، أَشبَه دَينَ الآدميِّ؛ ولقولِه ﷺ : «دَينُ اللهِ أَحقُّ بالوفاء» (٥). ومتى بَرِئ؛ ابتَدَأ حولًا. (وَحَوْلُ صِغَارِ) سائمةٍ (مِنْ) وقتِ (مِلْكِهِ) لَهَا (٦)؛ (كَ) حولِ (كِبَارِ) ها؛ لعمومِ قولِه ﷺ : «في أربعينَ شاةً شاةٌ» (٧)، لأنَّها تقَع على الكبير والصَّغيرِ.

стр. 525

لكنْ لو تَغذَّت باللَّبن فقط؛ لم تَجب؛ لعدمِ (١) السَّومِ. (وَمَتَى نَقَصَ النِّصَابُ) في بعضِ الحولِ؛ انقَطَع، لكن يُعفى في أثمانٍ وقيمةِ عَرْضٍ عن نقصٍ يسيرٍ؛ كحبَّةٍ وحبَّتَين. (أَوْ بَاعَهُ) ولو مع خيارٍ (٢) (بِغَيْرِ جِنْسِهِ، لَا فِرَارًا مِنْهَا) أي: الزَّكاةِ؛ (انْقَطَعَ الحَوْلُ)؛ لعدمِ الشَّرطِ، ويَستأنف حولًا، لا (٣) في ذهبٍ بفضَّةٍ وبالعكس؛ لأنَّهما كالجنس الواحدِ، ويُخرِج ممَّا معه عندَ الوجوب (٤). وعُلم منه: أنَّه لو باعَه بجنسه؛ كأربعين شاةً بمِثلِها، أو أكثرَ؛ فإنَّه يَبني على حَوله (٥)، وأنَّه لو قصَد الفرارَ مِنْ الزَّكاة؛ لم تَسقط، ولو بغيرِ جنسه، فإنِ ادَّعى عدمَ الفرارِ وثَمَّ قرينةٌ؛ عُمل بها، وإلّا فقولُه. وتَجِب الزَّكاةُ في عينِ ما تُجزِئ منه، لا منه (٦).

стр. 526

(وَلَا يُعْتَبَرُ لِ) وُجوب (هَا) أي: الزَّكاةِ (بَقَاءُ مَالٍ)، فلا تَسقط بتَلفِه، فرَّط أو لم يُفرِّط؛ كدَينِ الآدميِّ، إلّا إذا تَلِف زرعٌ أو ثمرٌ بجائحةٍ قبلَ حصادٍ وجذاذٍ (١). (وَلَا) يُعتبر لوجوبها أيضًا (إِمْكَانُ أَدَاءٍ)؛ كسائرِ العباداتِ؛ فإنَّ الصَّومَ يَجب على المريض والحائضِ، والصَّلاةَ تَجِب على المُغمى عليه والنَّائمِ، فتَجِب في دَينٍ ومالٍ غائبٍ ونحوِه كما تَقدَّم، لكن لا يَلزمه الإخراجُ قبلَ حصولِه بيَده. (وَهِيَ) أي: الزَّكاةُ إذا ماتَ مَنْ وجبَت عليه؛ (كَالدَّيْنِ فِي التَّرِكَةِ)؛ لقولِه ﷺ : «فدَينُ اللهِ أَحقُّ بالوفاء» (٢). فإن وجبَت وعليه دَينٌ برَهنٍ، وضاقَ المالُ؛ قُدِّم، وإلّا تَحاصَّا؛ للتَّزاحم، كدُيونِ الآدميِّين. قال المصنِّفُ في «شرحِ المنتهى»: قلتُ: مُقتضى تعلُّقِها بعينِ المالِ: تقديمُها على دَينٍ بلا رهنٍ. انتهى (٣). قلتُ: كلٌّ مِنْ الزَّكاة ودَينِ الآدميِّ يَتعلَّق بالمال بعدَ الموتِ (٤)، ولذلك نصُّوا على أنَّ تعلُّقَ الزَّكاةِ بالنِّصابِ كتعلُّقِ الدَّينِ بالتَّرِكة، كما ذكَره المصنِّفُ

стр. 527

نفسُه في «شرحِ الإقناع» (١)، فلا فرقَ بينَ الزَّكاةِ والدَّينِ بعدَ الموتِ (٢) بلا رهنٍ، فلذلك يَتحاصَّان، كما مشَى عليه في «المنتهى» و «الإقناع» (٣)، أمَّا الدَّينُ بالرَّهن؛ فتعلُّقُه بالرَّهن أقوى منهما، فيقدَّم عليهما (٤)، فلا إشكالَ، واللهُ أعلمُ. ويُقدَّم على ذلك: نَذرٌ معيَّنٌ، وأُضحيَّةٌ معيَّنةٌ.

стр. 528

(بَابُ زَكَاةِ السَّائِمَةِ) مِنْ بهيمةِ الأنعامِ وهي الإبلُ والبقرُ والغنمُ. وسُمِّيَت (١) بهيمةً؛ لأنَّها لا تَتكلَّم. (تَجِبُ) الزَّكاةُ (فِيمَا أُعِدَّ) بالبناء للمفعول (٢)، يَعني: اقتُنِيَ منها (لِدَرٍّ) بفتحِ الدالِ المهمَلةِ، أي: لأجلِ (٣) لَبنٍ، (وَنَسْلٍ) وتسمينٍ، لا لعملٍ؛ كحرثٍ وحملٍ، (إِذَا سَامَتْ) أي: رَعَت المباحَ (أَكْثَرَ الحَوْلِ)؛ لحديثِ بَهْزِ بنِ حكيمٍ عن أبيه عن جدِّه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقول: «في كلِّ إبلٍ سائمةٍ، في كلِّ أربعين ابنةُ لَبُونٍ» رَواه أحمدُ (٤). فلا تَجِب في مَعلوفةٍ (٥)، ولا إذا (٦) اشتَرى لها ما تَأكله، أو جمَع لها مِنْ المباح ما تَأكله. (فَ) تجب (٧) (فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ إِبِلٍ: بِنْتُ مَخَاضٍ) إجماعًا (٨)، وهي

стр. 529

ما تَمَّ (لَهَا سَنَةٌ)، سُمِّيَت بذلك؛ لأنَّ أُمَّها قد حمَلَت، والماخضُ (١) الحاملُ، وليس كونُ أُمِّها ماخضًا (٢) شرطًا، وإنَّما ذُكر تعريفًا لها بغالبِ أحوالِها. (وَ) يَجب (فِيمَا دُونَهَا) أي: دونَ خمسٍ وعشرين (فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ) بصفةِ الإبلِ إن لم تَكُنْ مَعيبةً، ففي خمسٍ مِنْ الإبلِ كرامٍ سِمانٍ: شاةٌ كريمةٌ سَمينةٌ (٣). وإن كانت الإبلُ مَعيبةً؛ ففيها شاةٌ صحيحةٌ تَنقص قيمتُها بقَدْرِ نقصِ الإبلِ (٤). ولا يُجزِئ بعيرٌ، ولا بقرةٌ، ولا نِصفَا شاتَين. وفي العَشرِ: شاتان، وفي خَمسَ عشرةَ: ثلاثُ شِياهٍ، وفي عشرين: أربعُ شِياهٍ، إجماعًا في الكلِّ (٥) (٦). (وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ)، ما تمَّ (٧) (لَهَا سَنَتَانِ)؛ لأنَّ أُمَّها قد

стр. 530

وضَعَت غالبًا، فهي ذاتُ لبنٍ. (وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ: حِقَّةٌ)، ما تمَّ (لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ)؛ لأنَّها استحَقَّت أن يَطرقها الفحلُ، وأن يُحمل عليها وتُركب. (وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ) بالذال المعجَمةِ، ما تمَّ (لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ)؛ لأنَّها تُجذِع، أي: تَسقط سنُّها إذْ ذاك، وهذا أَعلى سنٍّ يَجب في الزَّكاة. (وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ: بِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ: حِقَّتَانِ) إجماعًا (١)، (وَفِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ: ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ)؛ لحديثِ الصَّدقاتِ الذي كتَبه رسولُ اللهِ ﷺ (٢)، وكان عندَ آلِ عمرَ بنِ الخطَّابِ، رَواه أبو داودَ، والتِّرمذيُّ وحسَّنه (٣). (ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ: حِقَّةٌ)، ففي مائةٍ وثلاثين: حِقَّةٌ وبِنتَا لَبُونٍ، وفي مائةٍ وأربعين: حِقَّتان وبنتُ لَبُونٍ، وفي مائةٍ وخمسين: ثلاثُ حِقاقٍ، وفي مائةٍ وستِّين: أربعُ بناتِ لَبُونٍ، وفي مائةٍ وسبعين: حِقَّةٌ وثلاثُ بناتِ لَبُونٍ، وفي مائةٍ وثمانين: حِقَّتان وبِنتَا لَبُونٍ، وفي مائةٍ وتسعين: ثلاثُ حِقاقٍ وبنتُ لَبُونٍ، فإذا بلَغَت مائتَين؛ خُيِّر بينَ أربعِ حِقاقٍ وخمسِ بناتِ لَبُونٍ. ومَن وجَبت (٤) عليه بنتُ لَبُونٍ مَثلًا وعَدِمَها، أو كانت مَعيبةً؛ فلَه أن
следующие страницы →