← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

(وَلَا يُعْتَبَرُ لِ) وُجوب (هَا) أي: الزَّكاةِ (بَقَاءُ مَالٍ)، فلا تَسقط بتَلفِه، فرَّط أو لم يُفرِّط؛ كدَينِ الآدميِّ، إلّا إذا تَلِف زرعٌ أو ثمرٌ بجائحةٍ قبلَ حصادٍ وجذاذٍ (١). (وَلَا) يُعتبر لوجوبها أيضًا (إِمْكَانُ أَدَاءٍ)؛ كسائرِ العباداتِ؛ فإنَّ الصَّومَ يَجب على المريض والحائضِ، والصَّلاةَ تَجِب على المُغمى عليه والنَّائمِ، فتَجِب في دَينٍ ومالٍ غائبٍ ونحوِه كما تَقدَّم، لكن لا يَلزمه الإخراجُ قبلَ حصولِه بيَده. (وَهِيَ) أي: الزَّكاةُ إذا ماتَ مَنْ وجبَت عليه؛ (كَالدَّيْنِ فِي التَّرِكَةِ)؛ لقولِه ﷺ : «فدَينُ اللهِ أَحقُّ بالوفاء» (٢). فإن وجبَت وعليه دَينٌ برَهنٍ، وضاقَ المالُ؛ قُدِّم، وإلّا تَحاصَّا؛ للتَّزاحم، كدُيونِ الآدميِّين. قال المصنِّفُ في «شرحِ المنتهى»: قلتُ: مُقتضى تعلُّقِها بعينِ المالِ: تقديمُها على دَينٍ بلا رهنٍ. انتهى (٣). قلتُ: كلٌّ مِنْ الزَّكاة ودَينِ الآدميِّ يَتعلَّق بالمال بعدَ الموتِ (٤)، ولذلك نصُّوا على أنَّ تعلُّقَ الزَّكاةِ بالنِّصابِ كتعلُّقِ الدَّينِ بالتَّرِكة، كما ذكَره المصنِّفُ

стр. 527

نفسُه في «شرحِ الإقناع» (١)، فلا فرقَ بينَ الزَّكاةِ والدَّينِ بعدَ الموتِ (٢) بلا رهنٍ، فلذلك يَتحاصَّان، كما مشَى عليه في «المنتهى» و «الإقناع» (٣)، أمَّا الدَّينُ بالرَّهن؛ فتعلُّقُه بالرَّهن أقوى منهما، فيقدَّم عليهما (٤)، فلا إشكالَ، واللهُ أعلمُ. ويُقدَّم على ذلك: نَذرٌ معيَّنٌ، وأُضحيَّةٌ معيَّنةٌ.

стр. 528

(بَابُ زَكَاةِ السَّائِمَةِ) مِنْ بهيمةِ الأنعامِ وهي الإبلُ والبقرُ والغنمُ. وسُمِّيَت (١) بهيمةً؛ لأنَّها لا تَتكلَّم. (تَجِبُ) الزَّكاةُ (فِيمَا أُعِدَّ) بالبناء للمفعول (٢)، يَعني: اقتُنِيَ منها (لِدَرٍّ) بفتحِ الدالِ المهمَلةِ، أي: لأجلِ (٣) لَبنٍ، (وَنَسْلٍ) وتسمينٍ، لا لعملٍ؛ كحرثٍ وحملٍ، (إِذَا سَامَتْ) أي: رَعَت المباحَ (أَكْثَرَ الحَوْلِ)؛ لحديثِ بَهْزِ بنِ حكيمٍ عن أبيه عن جدِّه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقول: «في كلِّ إبلٍ سائمةٍ، في كلِّ أربعين ابنةُ لَبُونٍ» رَواه أحمدُ (٤). فلا تَجِب في مَعلوفةٍ (٥)، ولا إذا (٦) اشتَرى لها ما تَأكله، أو جمَع لها مِنْ المباح ما تَأكله. (فَ) تجب (٧) (فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ إِبِلٍ: بِنْتُ مَخَاضٍ) إجماعًا (٨)، وهي

стр. 529

ما تَمَّ (لَهَا سَنَةٌ)، سُمِّيَت بذلك؛ لأنَّ أُمَّها قد حمَلَت، والماخضُ (١) الحاملُ، وليس كونُ أُمِّها ماخضًا (٢) شرطًا، وإنَّما ذُكر تعريفًا لها بغالبِ أحوالِها. (وَ) يَجب (فِيمَا دُونَهَا) أي: دونَ خمسٍ وعشرين (فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ) بصفةِ الإبلِ إن لم تَكُنْ مَعيبةً، ففي خمسٍ مِنْ الإبلِ كرامٍ سِمانٍ: شاةٌ كريمةٌ سَمينةٌ (٣). وإن كانت الإبلُ مَعيبةً؛ ففيها شاةٌ صحيحةٌ تَنقص قيمتُها بقَدْرِ نقصِ الإبلِ (٤). ولا يُجزِئ بعيرٌ، ولا بقرةٌ، ولا نِصفَا شاتَين. وفي العَشرِ: شاتان، وفي خَمسَ عشرةَ: ثلاثُ شِياهٍ، وفي عشرين: أربعُ شِياهٍ، إجماعًا في الكلِّ (٥) (٦). (وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ)، ما تمَّ (٧) (لَهَا سَنَتَانِ)؛ لأنَّ أُمَّها قد

стр. 530

وضَعَت غالبًا، فهي ذاتُ لبنٍ. (وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ: حِقَّةٌ)، ما تمَّ (لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ)؛ لأنَّها استحَقَّت أن يَطرقها الفحلُ، وأن يُحمل عليها وتُركب. (وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ) بالذال المعجَمةِ، ما تمَّ (لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ)؛ لأنَّها تُجذِع، أي: تَسقط سنُّها إذْ ذاك، وهذا أَعلى سنٍّ يَجب في الزَّكاة. (وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ: بِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ: حِقَّتَانِ) إجماعًا (١)، (وَفِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ: ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ)؛ لحديثِ الصَّدقاتِ الذي كتَبه رسولُ اللهِ ﷺ (٢)، وكان عندَ آلِ عمرَ بنِ الخطَّابِ، رَواه أبو داودَ، والتِّرمذيُّ وحسَّنه (٣). (ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ: حِقَّةٌ)، ففي مائةٍ وثلاثين: حِقَّةٌ وبِنتَا لَبُونٍ، وفي مائةٍ وأربعين: حِقَّتان وبنتُ لَبُونٍ، وفي مائةٍ وخمسين: ثلاثُ حِقاقٍ، وفي مائةٍ وستِّين: أربعُ بناتِ لَبُونٍ، وفي مائةٍ وسبعين: حِقَّةٌ وثلاثُ بناتِ لَبُونٍ، وفي مائةٍ وثمانين: حِقَّتان وبِنتَا لَبُونٍ، وفي مائةٍ وتسعين: ثلاثُ حِقاقٍ وبنتُ لَبُونٍ، فإذا بلَغَت مائتَين؛ خُيِّر بينَ أربعِ حِقاقٍ وخمسِ بناتِ لَبُونٍ. ومَن وجَبت (٤) عليه بنتُ لَبُونٍ مَثلًا وعَدِمَها، أو كانت مَعيبةً؛ فلَه أن

стр. 531

يَعدل إلى بنتِ مَخاضٍ، ويَدفع جُبرانًا، أو إلى حِقَّةٍ ويأخذه، وهو شاتان أو عشرون درهمًا، وتُجزِئ شاةٌ وعشرةُ دراهمَ. ويَتعيَّن على وليِّ محجورٍ عليه إخراجُ أَدوَنِ مُجزئٍ (١). ولا دخلَ لجُبرانٍ في غيرِ إبلٍ (٢). (فصل) في زكاةِ البقرِ (٣) وهي مشتقَّةٌ مِنْ بقَرتُ الشَّيءَ: إذا شققتَه؛ لأنَّها تَبقُر الأرضَ بالحَرث. (وَ) يَجب (فِي ثَلَاثِينَ مِنَ البَقَرِ)، أهليَّةً كانت أو وحشيَّةً، ومنها الجواميسُ: (تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ لِ) كلٍّ من (هُمَا سَنَةٌ)، ولا شيءَ فيما دونَ الثلاثين؛ لحديثِ معاذٍ حينَ بعَثه النبيُّ ﷺ إلى اليمن (٤). (وَ) يَجب (فِي أَرْبَعِينَ: مُسِنَّةٌ لَهَا سَنَتَانِ)، وتُجزئ أُنثى أَعلى منها سنًّا،

стр. 532

لا مسنٌّ، ولا تَبيعان. (وَفِي سِتِّينَ: تَبِيعَانِ). (ثُمَّ) إن زادَت؛ وجَب (فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ (١): تَبِيعٌ، وَ) في (كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ)، فإذا بلغَت ما يَتَّفق فيه الفَرضان؛ كمائةٍ وعشرين؛ خُيِّر، فإن شاء أَخرَج أربعةَ أَتبِعةٍ، أو ثلاثَ مسنَّاتٍ. (وَلَا يُجْزِئُ ذَكَرٌ) في زكاةٍ (إِلَّا هُنَا) أي: في زكاةِ البقرِ، فيُجزئ التَّبيعُ؛ لورودِ النَّصِّ فيه، والمُسنُّ (٢) عنه؛ لأنَّه خيرٌ منه. (وَ) إلّا (ابْنُ لَبُونٍ) وحِقٌّ وجذعٌ وما فوقَه (عِنْدَ عَدَمِ بِنْتِ مَخَاضٍ)، فيُجزئ عنها. (وَ) إلّا (إِذَا كَانَ النِّصَابُ) مِنْ إبلٍ أو بقرٍ أو غنمٍ (كُلُّهُ ذُكُورًا)؛ لأنَّ الزَّكاةَ مواساةٌ، فلا يُكلَّفها مِنْ غيرِ مالِه. (فصل) في زكاةِ الغَنمِ وهو اسمُ جنسٍ مؤنثٌ، يَقع على الذَّكر والأُنثى مِنْ ضأنٍ ومَعزٍ. (وَ) يَجب (فِي الغَنَمِ)، أهليَّةً كانت أو وحشيةً، (إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ) شَاةً بالنَّصب على التَّمييز؛ (شَاةٌ) بالرَّفع فاعلُ «يَجب»، أو مبتدأٌ وما قَبلَه خبرٌ (٣)،

стр. 533

إجماعًا في الأهليَّة (١)، فلا شيءَ فيما دون الأربعين (٢). (وَفِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ: شَاتَانِ) إجماعًا (٣). (وَفِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ: ثَلَاثُ شِيَاهٍ)، إلى أربعمائةِ شاةٍ، ففيها أربعُ شياهٍ. (ثُمَّ) تَستقرُّ الفريضةُ، (فِي كُلِّ مِائَةٍ) بالتنوين: (شَاةٌ) بالرَّفع، ففي خمسمائةٍ: خمسُ شياهٍ، وفي ستِّمائةٍ: ستُّ شياهٍ، وهكذا. (وَلَا تُؤْخَذُ) أي: لا تُجزئ في زكاةٍ: (هَرِمَةٌ): كبيرةٌ طاعنةٌ في السِّنِّ، (وَلَا مَعِيبَةٌ لَا تُجْزِئُ فِي أُضْحِيَّةٍ (٤))؛ كعمياءَ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، (إِلَّا إِذَا كَانَ النَّصَابُ كُلُّهُ كَذَلِكَ)، هَرِماتٍ أو مَعيباتٍ، فتُجزِئه (٥) منه؛ لأنَّ الزَّكاةَ مواساةٌ، فلا يُكلَّف إخراجَها مِنْ غيرِ مالِه. (وَلَا) تُؤخذ (أَكُولَةٌ)، وهي السَّمينةُ (٦)؛ لقولِ عمرَ ﵁: «ولا أكولةٌ» (٧)،

стр. 534

ومرادُه السَّمينةُ (١). (وَلَا) تُؤخذ (حَامِلٌ)؛ لقولِ عمرَ: «ولا الماخضُ» (٢)، (إِلَّا بِرِضَا رَبِّهَا) أي: الأكولةِ أو الحاملِ. (وَالخُلْطَةُ) بضمِّ الخاء، أي: الشَّركةُ، (فِي السَّائِمَةِ)، فلا أثرَ لها في غيرها، (تُصَيِّرُ) أي: تَجعل (المَالَيْنِ) المُختلطَيْن (٣) (كَالوَاحِدِ)، فتجبُ الزَّكاةُ فيهما إن بلغَا (٤) نصابًا، والخَليطان مِنْ أهلِ وجوبِها، سواءٌ كانت خُلطةَ أعيانٍ؛ بكَونِه (٥) مُشاعًا، بأن يَكون لكلٍّ نصفٌ أو نحوُه، أو خُلطةَ أوصافٍ، بأن تَميَّز مالُ كلٍّ، واشتَركَا في مُراحٍ، بضمِّ الميمِ، وهو المَبيتُ (٦) والمَأوى، ومَسرحٍ، وهو ما تَجتمع فيه لتَذهبَ للمَرعى، ومَحلَبٍ، وهو موضعُ الحَلبِ، وفَحلٍ، بأن لا يُختصَّ بطَرقٍ (٧) أَحدُ المالَين، ومَرعًى، وهو موضعُ الرَّعي ووقتُه، لقولِه ﷺ : «لا يُجمَع بينَ مُتفرِّقٍ (٨)، ولا يُفرَّق بينَ مُجتمعٍ خشيةَ الصَّدقةِ،

стр. 535

وما كان (١) مِنْ خَليطَينِ؛ فإنَّهما يَتراجعان (٢) بينَهما بالسَّويَّةِ» رَواه التِّرمذيُّ وغيرُه (٣). فلَو كان لإنسانٍ شاةٌ، ولآخرَ (٤) تسعةٌ وثلاثون، أو لأربعين رَجلًا أربعون شاةً، لكلِّ واحدٍ شاةٌ، واشتَركَا حولًا تامًّا؛ فعليهم شاةٌ على حسَبِ مالِهم. ولا أثرَ لخُلطةِ مَنْ لا زكاةَ عليه؛ كذِمِّيٍّ. (وَإِذَا تَفَرَّقَتِ السَّائِمَةُ)، فلا أثرَ لتفريقِ غيرِها، (بِبَلَدَيْنِ فَأَكْثَرَ، بَيْنَهُمَا) أي: البلدَين (مَسَافَةُ قَصْرٍ) فأكثرُ؛ (فَلِكُلِّ (٥) مَا) أي: سائمةٍ (فِي بَلَدٍ) مِنْ تلك البُلدانِ المُتباعدَةِ (٦) (حُكْمُهُ) أي: حكمُ نفسِه، فعَلى مَنْ له بمحالَّ متباعدةٍ أربعون شاةً في كلِّ مَحلٍّ: شياهٌ بعددِها (٧). ولا شيءَ على مَنْ لم يَجتمع له نصابٌ في واحدٍ منها (٨) غيرَ خليطٍ. ويَحرُم جمعٌ وتفريقٌ فرارًا؛ لِما تَقدَّم (٩).

стр. 536

(بَابُ زَكَاةِ الخَارِجِ مِنَ الأَرْضِ) مِنْ زرعٍ وثمرٍ ومعدِنٍ ورِكازٍ، وما يَتبع ذلك، وهو العسلُ الخارجُ مِنْ النَّحل (١). والأصلُ في وجوبها في ذلك: قولُه تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، قال ابنُ عبَّاسٍ: «حقُّه: الزَّكاةُ فيه، مرَّةً العُشرُ ومرَّةً نصفُ العُشرِ» (٢). (تَجِبُ) الزَّكاةُ (فِي كُلِّ مَا يُكَالُ وَيُدَّخَرُ)، نصًّا (٣). ويَدلُّ لاعتبارِ الكَيلِ حديثُ: «ليسَ فيما دونَ خَمسةِ أَوْسُقٍ صدقةٌ» متَّفق عليه (٤). ويَدلُّ لاعتبارِ الادِّخارِ: أنَّ غيرَ المدَّخرِ لا تَكمل فيه النِّعمةُ؛ لعدمِ النَّفعِ فيه مآلًا. ثمَّ بيَّن «ما» بقوله: (مِنْ حَبٍّ)؛ كقمحٍ وشَعيرٍ وباقِلَاءَ وأَرُزٍّ وحِمِّصٍ (٥) وذُرَةٍ ودُخْنٍ وعَدَسٍ، وسائرِ أنواع الحبِّ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ (٦) قُوتًا؛ كَ) حبِّ (القِرْطِمِ) (٧)

стр. 537

والرَّشادِ والفُجلِ، والأَبازيرِ كلِّها؛ ككُسْفُرَةٍ، وكَمُّونٍ، وبَذرِ كَتَّانٍ، وقِثَّاءٍ، وخِيارٍ؛ لعمومِ قولِه ﷺ : «فيما سَقَتِ السَّماءُ والعيونُ العُشرُ» رَواه البخاريُّ (١). (وَ) مِنْ (ثَمَرٍ؛ كَتَمْرٍ، وَزَبِيبٍ، وَلَوْزٍ)، وفُستُقٍ، وبُندُقٍ. ولا تَجِب في سائرِ الثِّمارِ، ولا في الخُضَرِ والبُقولِ والزُّهورِ ونحوِها، غيرَ (٢) صَعْترٍ (٣) وأُشْنانٍ وسُمَّاقٍ، ووَرقِ شجرٍ يُقصد (٤)؛ كسِدرٍ وخِطْمِيٍّ وآسٍ، فتَجِب فيها؛ لأنَّها مَكيلةٌ مدَّخَرةٌ. وإنَّما تَجِب الزَّكاةُ فيما ذُكِر (إِنْ بَلَغَ نِصَابًا، وَهُوَ) أي: النِّصابُ، أي: قَدْرُه بعدَ تصفيةِ حَبٍّ مِنْ قِشرِه، وجَفافِ غيرِه (٥): (خَمْسَةُ أَوْسُقٍ)؛ لحديثِ أَبي سعيدٍ الخُدريِّ يَرفعه: «ليس فيما دونَ خمسةِ أوْسُقٍ صدقةٌ» رَواه الجماعةُ (٦). والوَسْقُ: ستُّونَ صاعًا، وتَقدَّم (٧) أنَّه (٨) خمسةُ أَرطالٍ وثلثٌ عراقيٌّ، فهي به

стр. 538

ألفٌ وستُّمائةِ رِطلٍ، وبالإرْدَبِّ المِصريِّ: ستَّةُ أَرادِبَ ورُبعُ إردَبٍّ؛ لأنَّ الوَسْقَ إردَبٌّ وربعُ إردَبٍّ. والوسْقُ والمُدُّ والصَّاعُ: مَكاييلُ نُقِلَت إلى الوزنِ (١)؛ لتُحفظَ (٢) وتُنقلَ. وتُعتَبر بالبُرِّ الرَّزينِ، فمَن اتَّخذ مِكْيَلًا (٣) يسَع صاعًا منه (٤)؛ عرَف به ما بلَغ حدَّ الوجوبِ (٥) مِنْ غيره (٦).

стр. 539

(وَيُضَمُّ زَرْعُ العَامِ الوَاحِدِ وَثَمَرُهُ) أي: العامِ الواحدِ (بَعْضُهُ)، بالرَّفع (١) بدلٌ مِنْ «زرع» و «ثمر»، (إِلَى بَعْضٍ)، ولو ممَّا يَحمل في السَّنةِ حِملَين (٢)، (فِي تَكْمِيلِ نِصَابٍ) إذا كان (٣) مِنْ نوعٍ واحدٍ؛ كزرعِ بُرٍّ إلى مِثلِه، وتَمرِ (٤) نخلٍ إلى مِثلِه؛ لعمومِ الخبرِ، وكَما (٥) لو بدَا صلاحُ أَحدِهما قبلَ الآخرِ، سواءٌ اتَّفق (٦) وقتُ إطْلاعِهما وإدراكِهما أو اختَلَف، تَعدَّد البلدُ أو لا. (لَا جِنْسٌ إِلَى آخَرَ)، فلا يُضَمُّ بُرٌّ لشَعيرٍ، ولا تَمرٌ لزَبيبٍ في تكميلِ نصابٍ؛ كالمَواشي. ويُعتبر أيضًا لوجوبِ الزَّكاةِ فيما تَقدَّم: أن يَكون النِّصابُ مملوكًا وقتَ وجوبِ الزَّكاةِ، وإلى هذا أشارَ بقوله: (وَلَا تَجِبُ) زكاةٌ (فِيمَا مَلَكَهُ (٧) بَعْدَ وُجُوبِ) ها، وهو بُدُوُّ الصَّلاحِ، وذلك (كَمُكْتَسَبِ (٨) حَصَّادٍ)، بتشديدِ الصادِ، أي: ما يَكتسبه حصَّادٌ مِنْ الزَّرع أجرةً لحصادِه، (وَنَحْوِهِ)، كما يَكتسبه لَقَّاطٌ. (وَلَا) في (مَا اجْتَنَاهُ) أي: جمَعه (مِنْ مُبَاحٍ؛ كَبُطْمٍ (٩)، وَزَعْبَلٍ) بوَزنِ «جعفرٍ»، وهو شَعيرُ الجبلِ، (أَوْ) أي: ولا فيما (اشْتَرَاهُ) أو وَرِثَه ونحوِه (بَعْدَ

стр. 540

بُدُوِّ صَلَاحِهِ). (فصل) (وَ) يَجب (فِيمَا سُقِيَ (١) بِلَا كُلْفَةٍ) أي: مشقَّةٍ ومُؤنةٍ؛ كالغيثِ والسُّيوحِ (٢) والبَعلِ الشاربِ بعُروقه: (العُشْرُ)، وهو واحدٌ مِنْ عشرةٍ. (وَ) يَجب فِي (مَا سُقِيَ بِهَا) أي: بالكُلفةِ؛ كدُولابٍ تُدِيره البقرُ، ونَواضحَ يُستقى عليها: (نِصْفُهُ) أي: نصفُ العُشرِ؛ لقولِه ﷺ في حديثِ ابنِ عمرَ: «وما سُقي بالنَّضح نصفُ العُشرِ» رَواه البخاريُّ (٣). (وَ) يَجب فيما سُقِي (بِهِمَا) أي: بالكُلفةِ وبدونها (سَوَاءً) أي: نِصفَين نفعًا ونُموًّا: (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ (٤)) أي: أرباعِ العُشرِ، قال في «المبدِع»: (بغيرِ خلافٍ نَعلمه) (٥). فإن تَفاوت السَّقيُ بكُلفةٍ وغيرِها؛ فالاعتبارُ بأكثرهما نفعًا ونُموًّا (٦). ومع الجهلِ: العُشرُ (٧).

стр. 541

(وَإِذَا اشْتَدَّ حَبٌّ، أَوْ بَدَا صَلَاحُ ثَمَرٍ؛ وَجَبَتِ) الزَّكاةُ؛ لأنَّه إذَنْ يُقصد للأكلِ والاقتِياتِ؛ كاليابِس، فلَو باعَ الحبَّ أو الثمرةَ، أو تَلِفَا بتعدِّيه بعدُ؛ لم تَسقط، وإن قطَعهما أو باعَهما قبلَه؛ فلا زكاةَ إن لم يَقصد الفرارَ منها (١). (لَكِنْ لَا تَسْتَقِرُّ) الزَّكاةُ أي: وجوبُها (إِلَّا بِجَعْلِ) الحبِّ والثَّمرِ (بِبَيْدَرٍ وَنَحْوِهِ)، وهو موضعُ تَشميسِه وتَيبيسِه؛ لأنَّه قبلَ ذلك في حُكمِ ما لم تَثبت اليدُ عليه. (فَإِنْ تَلِفَ) الحبُّ أو الثَّمرُ (قَبْلَهُ) أي: قبلَ جعلِه في نحوِ البَيْدرِ (بِلَا تَفْرِيطٍ) منه ولا تعدٍّ؛ (سَقَطَتْ)؛ لأنَّها لم تَستقرّ. وإن تَلِف البعضُ؛ فإن كان قبلَ الوجوبِ؛ زكَّى الباقيَ إن بلَغ نصابًا، وإلّا فلا. وإن كان بعدَه؛ زكَّى الباقيَ مطلقًا (٢) حيثُ بلَغ مع التالفِ نصابًا (٣).

стр. 542

ويَلزم: إخراجُ حبٍّ مصفًّى، وثمرٍ (١) يابسًا. ويَحرُم شراءُ زكاتِه أو صدقتِه (٢)، ولا يصحُّ (٣). (وَالزَّكَاةُ) في زرعِ أرضٍ مستأجَرةٍ أو مستعارةٍ تَجِب (عَلَى مُسْتَأْجِرٍ وَمُسْتَعِيرٍ) للأرض، (دُونَ مَالِكِ) هَا؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. (وَيَجْتَمِعُ عُشْرٌ) أي: زكاةٌ (وَخَرَاجٌ فِي) أرضٍ (خَرَاجِيَّةٍ)، فالزَّكاةُ في الخارج مِنْ الأرض، والخراجُ أجرةٌ للأرض، لكن لا زكاةَ في قَدْرِ الخراجِ إن لم يَكُنْ له مالٌ آخرُ (٤). (وَ) يَجب (فِي العَسَلِ إِذَا كَانَ عَشَرَةَ أَفْرَاقٍ)، جمعُ فَرَقٍ بفتحِ الراءِ وهو ستَّةَ عشرَ رِطلًا عراقيًّا: (عُشْرُهُ) أي: عُشرُ العسلِ، قال الإمامُ أحمدُ (٥): (أذهبُ إلى أنَّ في العسلِ زكاةً، العُشرَ، قد أخَذ عمرُ منهم الزَّكاةَ) (٦).

стр. 543

فتَجِب زكاةُ العسلِ إذا بلَغ مائةً وستِّين رِطلًا عراقيًّا فأكثرَ، وهي ثلاثون صاعًا، سواءٌ (أَخَذَهُ مِنْ مِلْكِهِ، أَوْ مَوَاتٍ (١))؛ كرؤوسِ الجبالِ. (وَ) يَجب (فِي المَعْدِنِ إِنْ بَلَغَ نِصَابًا) بعدَ سَبكٍ وتصفيةٍ: (رُبُعُ العُشْرِ) مِنْ عينِ نقدٍ، وقيمةِ غيرِه، إن كان المخرِجُ له مِنْ أهلِ وجوبِ الزَّكاةِ. (وَ) يَجب (فِي الرِّكَازِ) وهو (مَا وُجِدَ مِنْ دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ) بكسرِ الدالِ، أي: مدفونِهم، أو مَنْ تَقدَّم مِنْ كفَّارٍ، عليه أو على بعضه علامةُ كفرٍ فقط: (الخُمُسُ)، سواءٌ (قَلَّ) الرِّكازُ (أَوْ كَثُرَ)، ولو عرْضًا؛ لقولِه ﷺ : «وفي الرِّكاز الخُمسُ» متَّفق عليه عن أَبي هريرةَ (٢). ويُصرف مَصرِفَ الفَيءِ المطلَقِ للمَصالحِ كلِّها، وباقيه لواجدِه، ولو أجيرًا لغيرِ طلبِه (٣). وإن كان على شيءٍ منه علامةُ المسلِمين؛ فلُقَطَةٌ. وكذا إن لم تَكُنْ عليه علامةٌ.

стр. 544

(بَابُ زَكَاةِ النَّقْدَيْنِ) أي: الذَّهبِ والفضَّةِ. (يَجِبُ فِي الذَّهَبِ إِذَا بَلَغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، وَفِي الفِضَّةِ إِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ (١) خَالِصَةٍ (٢)) مِنْ الغِشِّ، وفاعل يجبُ قولُه (٣): (رُبُعُ عُشْرِهِمَا) أي: الذَّهبِ والفضَّةِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ وعائشةَ مرفوعًا: «أنَّه كان يَأخذ مِنْ كلِّ عشرين مِثقالًا نصفَ مِثقالٍ» رَواه ابنُ ماجَه (٤)، وعن عليٍّ نحوُه (٥)، وحديثِ أنسٍ مرفوعًا: «في الرِّقَةِ رُبعُ العُشرِ» متَّفق عليه (٦). والاعتبارُ بالدَّرهم الإسلاميِّ الذي وزنُه ستَّةُ دَوَانِقَ، والدَّانقُ: حَبَّتَا خَرُّوبٍ، فالدِّرهمُ ثِنتَا عشرةَ حبَّة (٧) خرُّوبٍ، وهو، أي: الدرهم (٨) نصفُ مِثقالٍ وخُمسُه، فالمِثقالُ: درهمٌ وثلاثةُ أسباعِ درهمٍ، فالعشرون مِثقالًا: ثمانيةٌ وعشرون درهمًا وأربعةُ أسباعِ درهمٍ.

стр. 545

وبدينارِ الوقتِ الآنَ الذي زِنَتُه درهمٌ وثُمنٌ: خمسةٌ وعشرون دينارًا وسُبعَا دينارٍ وتُسعُه. وبيانُ ذلك: أنَّ الخمسةَ والعشرين دينارًا فيها مِنْ الدَّراهمِ خمسةٌ وعشرون درهمًا صحيحةً، وفيها خمسةٌ وعشرون ثمنُ درهمٍ، وهي ثلاثةُ دراهمَ وثُمُن درهم (١)، فمجموعُها ثمانيةٌ وعشرون درهمًا وثُمنُ درهمٍ، وذلك يَنقص عن دراهمِ (٢) النِّصاب التي ذكرناها (٣): أربعةَ أسباعِ درهمٍ إلّا ثُمنَ درهمٍ، فتَبسط الدِّرهمَ مِنْ مَخرجِ سُبعِ الثُّمنِ وهو ستَّةٌ وخمسون، فتَأخذ أربعةَ أسباعِها اثنَين وثلاثين، وتُسقط منها ثُمنَ الدِّرهمِ وهو سبعةٌ، فيَبقى خمسةٌ وعشرون جزءًا مِنْ ستَّةٍ وخمسين جزءًا مِنْ الدِّرهم، وهي قَدْرُ نَقصِ الخمسةِ والعشرين دينارًا بدينارِ الوَقتِ عن دراهمِ (٤) النِّصاب. فإذا أردتَ نسبةَ قَدْرِ هذا النَّقصِ مِنْ الدِّينار؛ فزِد على بسطِ الدِّرهم ثُمنَه؛ لأنَّ دينارَ الوقتِ وزنُه كما تقدَّم (٥): درهمٌ وثُمنٌ، فتَزيد على السِّتَّة والخمسين ثُمنَها: سبعةً، يَجتمع ثلاثةٌ وستُّون، ثمَّ انسُب الخمسةَ والعشرين جزءًا منها؛ تَجِدْها سُبعَين وتُسعًا، كما تَقدَّم، فتأمَّل. ويُزكَّى مغشوشٌ إذا بلَغ خالصُه نصابًا وَزْنًا (٦). (وَيُضَمُّ أَحَدُهُمَا) أي: الذَّهبِ والفضَّةِ (إِلَى الآخَرِ فِي تَكْمِيلِ نِصَابٍ)، بالأجزاء لا بالقيمة، فلَو ملَك عشرةَ مَثاقيلَ ومائةَ درهمٍ؛ فكلٌّ (٧) منهما نصفُ

стр. 546

نصابٍ، ومجموعُهما نصابٌ. (وَيُخْرَجُ (١)) كلٌّ منهما (عَنْهُ) أي: عن الآخَر (بِالقِيمَةِ)، فلَو كان عندَه أربعون دينارًا؛ فالواجبُ فيها دينارٌ، أو قيمتُه مِنْ الفضَّة، وكذا عكسُه. (وَ) تُضَمُّ (قِيمَةُ العُرُوضِ) أي: عروضِ التِّجارةِ (إِلَيْهِمَا)، فمَن له عشرةُ مَثاقيلَ، ومتاعٌ قيمتُه عشرةٌ أُخرى، أو له مائةُ درهمٍ، ومتاعٌ قيمتُه مِثلُها؛ ضمَّ كلًّا منهما إلى الآخَر، ولو كان له ذهبٌ وفضَّةٌ وعروضٌ؛ ضمَّ الجميعَ في تكميلِ النِّصابِ. ويُضمُّ جيِّدُ كلِّ جنسٍ ومضروبُه إلى رَديئه وتِبْرِه، ويُخرج مِنْ كلِّ نوعٍ بحِصَّته، والأفضلُ مِنْ الأَعلى، ويُجزِئ رديءٌ عن أَعلى مع الفضلِ (٢). (وَيُبَاحُ لِذَكَرٍ مِنْ فِضَّةٍ خَاتَمٌ)؛ «لأنَّه ﷺ اتَّخذ خاتمًا مِنْ وَرِقٍ (٣)» متَّفق عليه (٤). والأفضلُ جعلُ فَصِّه ممَّا يَلي كفَّه، وله جعلُ فَصِّه منه ومِن غيره (٥). والأَولى في يَساره، وكُرِه بسبَّابةٍ ووُسطى، وأن يُكتب عليه ذكرُ اللهِ تَعالى،

стр. 547

قرآنٌ أو غيرُه. ولو اتَّخذ لنفسِه عدَّةَ خواتيمَ؛ لم تَسقط الزَّكاةُ فيما خرَج عن العادة، إلّا أن يتَّخذ ذلك لولدِه أو عبدِه. (وَ) يُباح له (قَبِيعَةُ سَيْفٍ) وهي: ما يُجعل على طرفِ القبضةِ، قال أنسٌ: «كانت قَبيعةُ سيفِ رسولِ اللهِ ﷺ فضَّةً» (١). (وَ) يُباح له (حِلْيَةُ مِنْطَقَةٍ)، وهي ما يُشَدُّ به الوسَطُ، وتُسمِّيها العامَّةُ: حِياصةً، واتَّخذ الصَّحابة المناطق محلَّاةً بالفضَّة (٢). (وَ) يُباحُ (نَحْوُهَا (٣)) أي: المذكوراتِ؛ كحِليةِ جَوشَنٍ (٤) وخَوذةٍ (٥) وخُفٍّ

стр. 548

ورانٍ وحمائل (١) سيفٍ (٢). ولا يُباح غيرُ ذلك؛ كتَحليةِ الرِّكابِ، ولِباسِ الخيلِ كاللُّجُمِ، وتحليةِ دَواةٍ، ومِقلَمَةٍ، ومُشطٍ، ومُكحُلةٍ، ومِيلٍ، ومِرآةٍ، وقِنديلٍ. (وَ) يُباح لذَكرٍ (مِنْ ذَهَبٍ): (قَبِيعَةُ سَيْفٍ)؛ «لأنَّ عمرَ كان له سيفٌ فيه سَبائكُ مِنْ ذهبٍ» (٣). (وَمَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ؛ كَأَنْفٍ) ورَبطِ أسنانٍ؛ «لأنَّ عَرفَجةَ بنَ أسعد قُطع أنفُه يومَ الكُلَاب (٤)، فاتَّخذ أنفًا مِنْ فضَّةٍ، فأَنتَن عليه (٥)، فأمرَه النبيُّ ﷺ (٦)، فاتَّخذ (٧) أنفًا مِنْ ذهبٍ» رَواه أبو داودَ (٨). (وَ) يُباح (لِنِسَاءٍ مِنْهُمَا) أي: الذَّهبِ والفضَّةِ: (مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ، وَلَوْ كَثُرَ)؛ كطَوقٍ وخَلخالٍ ومَقالدَ وتاجٍ وما أَشبَه ذلك؛ لقولِه ﷺ : «أُحِلَّ الذَّهبُ

стр. 549

والحريرُ للإناث مِنْ أُمَّتي، وحُرِّم على ذُكُورها» (١). ويُباح لهُما تَحلٍّ بجَوهرٍ ونحوِه؛ كياقوتٍ (٢). وكُرِه تختُّمُهما بحديدٍ وصُفْرٍ (٣) ونُحاسٍ (٤) ورَصاصٍ. (وَلَا زَكَاةَ فِي حَلْيِ) ذكَرٍ أو أُنثى (مُبَاحٍ، مُعَدٍّ لِاسْتِعْمَالٍ أَوْ إِعَارَةٍ)؛ لقولِه ﷺ : «ليسَ في حُليٍّ زكاةٌ» رَواه الطَّبرانيُّ (٥) عن جابرٍ (٦)، حتى ولو اتَّخذ الرَّجلُ حَلْيَ النِّساء لإعارتهنَّ، أو بالعكس، إن لم يَكُنْ فرارًا. (وَتَجِبُ) زكاةٌ (فِي) حَلْيٍ (مُحَرَّمٍ)؛ كسَرجٍ ولِجامٍ وآنيةٍ، (وَ) في (مَا أُعِدَّ لِكِرَاءٍ أَوْ نَفَقَةٍ (٧)) إذا بلَغ نصابًا وَزنًا؛ لأنَّها إنَّما سقَطَت فيما أُعِدَّ للاستعمال بصَرفه عن جهةِ النَّماءِ، فيَبقى ما عَدَاه على مُقتضى الأصلِ. فإن كان مُعَدًّا لتجارةٍ؛ وجَبَت الزَّكاة (٨) في قيمته؛ كعَرْضٍ (٩).

стр. 550

ومباحُ صناعةٍ إذا لم يَكُنْ لتجارةٍ؛ يُعتبر في نصابٍ بوَزنه، وفي إخراجٍ بقِيمته.

стр. 551

(بَابُ زَكَاةِ العُرُوضِ) جمعُ «عَرْضٍ» بسكون الراءِ وهو ما أُعِدَّ لبيعٍ وشراءٍ لأجلِ ربحٍ، سُمِّي بذلك؛ لأنَّه يُعرض ليُباع ويُشترى، أو لأنَّه يَعرِض ثمَّ يَزول. (إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا) أي: العروضِ (نِصَابَ نَقْدٍ) عشرين مِثقالًا، أو مِائتَي درهمٍ، (وَمَلَكَهَا بِفِعْلِهِ)؛ كبيعٍ، ونكاحٍ، وخُلعٍ، وقَبولِ هبةٍ ووصيَّةٍ، واستردادِ مَبيعٍ، (بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ) عندَ التملُّكِ، أو استصحابِ حُكمِها فيما تَعوَّض عن عَرضِها؛ (زَكَّى قِيمَتَهَا)؛ لأنَّها مَحلُّ الوجوبِ؛ لاعتبارِ النِّصابِ بها (١). و (لَا) تُجزِئ الزَّكاةُ (مِنْهَا) أي: العروضِ. (فَإِنْ مَلَكَهَا بِ) غيرِ فعلِه؛ ك (إِرْثٍ، أَوْ) ملَكها بفعله (بِغَيْرِ نِيَّةِ التِّجَارَةِ، ثُمَّ نَوَاهَا لَهَا؛ لَمْ تَصِرْ لَهَا) أي: للتِّجارة؛ لأنَّها خلافُ الأصلِ في العروضِ، فلا تَصير لها بمجرَّدِ النِّيَّةِ، إلَّا حَلْيَ لُبسٍ إذا نَواه لقُنيةٍ، ثمَّ نَواه لتجارةٍ؛ فيُزكِّيه. (وَتُقَوَّمُ) عروضٌ (عِنْدَ (٢)) تمامِ (الحَوْلِ بِالأَحَظِّ لِلفُقَرَاءِ) أي: أهلِ الزَّكاةِ، لا خصوصِ الفقراءِ، وإنَّما ذكَرهم جَريًا على الغالب، (مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ)، فإن بلَغَت قيمتُها نصابًا بأَحدِ النَّقدَين دونَ الآخرِ؛ اعتُبر ما تَبلغ به نصابًا، ولا يُعتبر ما اشتُرِيَت به. (وَمَنِ اشْتَرَى عَرْضًا بِنِصَابِ أَثْمَانٍ أَوْ) نصابِ (٣) (عُرُوضٍ)؛ بنَى على حولِه.

стр. 552

(أَوْ بَاعَهَا) أي: العروضَ (بِهِ) أي: بنصابٍ مِنْ أثمانٍ؛ (بَنَى عَلَى حَوْلِهِ (١))؛ لأنَّ وَضْعَ التِّجارةِ على التَّقلُّبِ والاستبدالِ بالعروض والأثمانِ، فلَو انقَطَع الحولُ؛ لبطَلَت زكاةُ التِّجارةِ. و (لَا) يَبني على الحول إن باعَ العروضَ أو اشتَراها (بِ) نصابِ (سَائِمَةٍ)؛ لاختلافِهما في النِّصاب والواجبِ، إلّا أن يَشتري نصابَ سائمةٍ لتجارةٍ بمِثلِه لقُنيةٍ (٢)؛ لأنَّ السَّومَ سببٌ للزَّكاة، قُدِّم عليه زكاةُ التِّجارةِ (٣)؛ لقوَّتِها، فبزوالِ المُعارِضِ يَثبت حُكمُ السَّومِ؛ لظهورِه (٤).

стр. 553

(بَابُ زَكَاةِ الفِطْرِ) وهو اسمُ مصدرٍ مِنْ: أَفطَر الصَّائمُ إفطارًا. والمرادُ بها: الصَّدقةُ عن البَدنِ، وإضافتُها إلى «الفطرِ» مِنْ إضافةِ الشَّيءِ إلى سببه (١). (تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) مِنْ أهلِ البَوادي (٢) وغيرِهم، وتَجِب في مالِ يتيمٍ؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «فرَض رسولُ اللهِ ﷺ زكاةَ الفطرِ صاعًا مِنْ بُرٍّ، أو صاعًا مِنْ شعيرٍ، على العبدِ والحرِّ، والذَّكرِ والأُنثى، والصَّغيرِ والكبيرِ مِنْ المسلِمين، وأمَر (٣) بها أن تُؤتى قبلَ خروجِ النَّاسِ إلى الصَّلاة» متَّفق عليه، ولفظُه للبخاريِّ (٤). (فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ، وَمَا يَحْتَاجُهُ) لنفسِه، أو لمَن تَلزمه مُؤْنَتُه مِنْ مَسكنٍ (٥)، وعبدٍ، ودابَّةٍ، وثيابِ بِذلةٍ (٦)، ونحوِ ذلك (٧)، (يَوْمَ العِيدِ وَلَيْلَتَهُ)،

стр. 554

وقولُه: (مَا يُخْرِجُهُ) فاعلُ «فضَل»، أي: زادَ على ما ذُكِر ما يَجب إخراجُه، وهو صاعٌ (١) كما سيأتي عن نفسه أو غيرِه. وإنَّما اعتُبر أن يَكون فاضلًا عن حَوائجه الأصليَّةِ؛ لأنَّها أهمُّ، فيَجب تقديمُها؛ لقولِه ﷺ : «ابْدَأْ بنَفسِك، ثُمَّ بِمَنْ تَعولُ (٢)» (٣). ولا يُعتبر لوجوبِها مِلكُ نصابٍ (٤). وإن فضَل بعضُ صاعٍ؛ أَخرَجه.

стр. 555

(وَلَا يَمْنَعُ) وجوبَ (هَا دَيْنٌ (١))؛ لأنَّها ليسَت واجبةً في المال، (إِلَّا مَعَ طَلَبِ) الدَّينِ، فيُقدَّم عليها؛ لأنَّه أهمُّ (٢). (فَيُخْرِجُ) زكاةَ الفطرِ (عَنْ نَفْسِهِ)؛ لِما تَقدَّم، (وَعَمَّنْ) أي: عن مسلمٍ (يَمُونُهُ) أي: يَقوم بمُؤنَتِه؛ أي: نَفقتِه، مِنْ زوجةٍ، وقريبٍ، وخادمِ زوجةٍ إن لَزِمَته مُؤنتُه (٣)، وزوجةِ عبدِه (٤)، وقريبِه الذي يَلزمه إعفافُه (٥)؛ لعمومِ قولِه ﷺ : «أَدُّوا الفِطرةَ عَمَّن تَمُونُون» (٦)، فتَلزمه عن كلِّ مَنْ يَمونه. (حَتَّى) فطرةَ (مَنْ) أي: شخصٍ (تَبَرَّعَ بِمُؤْنَتِهِ) جميعَ (رَمَضَانَ)، فتَلزم المتبرِّعَ (٧)؛ لعمومِ الحديثِ السابقِ، بخلافِ ما لو تَبرَّع بها بعضَ الشَّهرِ.

стр. 556

ولا تَلزمه فطرةُ كافرٍ يَمونه، ولو عبدًا، ولا أجيرٍ وظِئرٍ استأجرَهما بطعامِهما، ولا مَنْ وجَبَت نفقتُه في بيتِ المالِ؛ كلَقيطٍ. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مُخرِجُ فطرةٍ (لِجَمِيعِهِمْ) أي: لجميعِ مَنْ تَلزمه فطرتُه؛ (بَدَأَ بِنَفْسِهِ)؛ لأنَّ نفقةَ نفسِه مقدَّمةٌ، فكذا فطرتُها. (فَزَوْجَتِهِ)؛ لوجوبِ نفقتِها مطلقًا (١)، ولتأكُّدِها؛ لأنَّها معاوضةٌ. (فَرَقِيقِهِ)؛ لوجوبِ نفقتِه مع الإعسارِ، ولو مرهونًا، أو مغصوبًا، أو غائبًا (٢)، أو لتجارةٍ. (فَأُمِّهِ)؛ لتقديمِها في البِرِّ، (فَأَبِيهِ)؛ لحديثِ: «مَنْ أَبَرُّ يا رسولَ اللهِ؟» (٣). (فَوَلَدِهِ)؛ لوجوبِ نفقتِه في الجملةِ. (فَأَقْرَبَ فِي مِيرَاثٍ)؛ لأنَّه أَولى مِنْ غيره. فإن استَوى اثنان فأكثرُ ولم يَفضل إلّا صاعٌ؛ أُقرِع (٤). (وَعَبْدٌ بَيْنَ شُرَكَاءَ: عَلَيْهِمْ صَاعٌ) بحسَبِ مِلكِهم فيه؛ كنفقتِه. وكذا مَنْ وجَبَت فطرتُه على اثنين فأكثرَ: يُوزَّع الصَّاعُ بينَهم بحسَبِ النَّفقةِ (٥).

стр. 557

(وَتُسْتَحَبُّ) فطرةٌ (عَنْ جَنِينٍ (١))؛ لفعلِ عثمانَ ﵁ (٢). ولا تَجِب عنه، كما لا تَجِب الزَّكاةُ في أَجنَّةِ السَّوائمِ. (وَلَا تَجِبُ) فطرةٌ (لِزَوْجَةٍ نَاشِزٍ)؛ لأنَّه لا تَجِب نفقتُها، وكذا مَنْ لم تَجِب نفقتُها لصغرٍ (٣) ونحوِه؛ لأنَّها كأجنبيَّةٍ (٤)، ولو حاملًا. ولا لأَمةٍ (٥) تَسلَّمَها ليلًا فقط، وتَجِب على سيِّدِها (٦). (وَمَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ)، بالنَّصب على المفعوليَّةِ، وقولُه: (فِطْرَتُهُ) فاعلٌ؛ كزوجةٍ وقريبٍ معسِرٍ، (فَأَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ) بلا إذنِ مَنْ تَلزمه؛ (أَجْزَأَ) (٧)؛ لأنَّه المخاطَبُ بها ابتداءً، والغيرُ متحمِّلٌ. ومَن أَخرَج عمَّن لا تَلزمه فطرتُه بإذنه؛ أَجزأ، وإلَّا فلا. (وَتَجِبُ) فطرةٌ (بِغُرُوبِ شَمْسِ لَيْلَةِ) عيدِ (الفِطْرِ)؛ لإضافتِها إلى الفطرِ،

стр. 558

والإضافةُ تَقتضي الاختصاصَ والسَّببيَّةَ، وأوَّلُ زمنٍ يُقصد فيه الفطرُ مِنْ جميعِ رمضانَ: مَغيبُ الشَّمسِ مِنْ ليلةِ الفطرِ. (فَمَنْ أَسْلَمَ) بعدَ الغروبِ، (أَوْ مَلَكَ عَبْدًا) بعدَه، (أَوْ) تَزوَّج (زَوْجَةً) (١) ودخَل بها بعدَ الغروبِ، (أَوْ وُلِدَ) بالبناء للمفعول له ولدٌ (بَعْدَهُ) (٢) أي: بعدَ الغروبِ؛ (لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ) في جميعِ ذلك؛ لعدمِ وجودِ سببِ الوجوبِ. (وَ) إن (٣) وُجِدَت هذه الأشياءُ (قَبْلَهُ) أي: قبلَ الغروبِ؛ (تَلْزَمُ) الفطرةُ لمَن ذُكِر؛ لوجودِ السَّببِ. (وَتَجُوزُ) فطرةٌ، أي: يَجوز إخراجُها معجَّلةً (قَبْلَ العِيدِ بِيَوْمَيْنِ فَقَطْ)؛ لِما روَى البخاريُّ بإسناده عن عمرَ (٤): «فرَض رسولُ اللهِ ﷺ صدقةَ الفطرِ مِنْ رمضانَ»، وقال في آخره: «وكانوا يُعطُون قبلَ الفطرِ بيومٍ أو يومَين» (٥).

стр. 559

وعُلم مِنْ قوله: «فقط»: أنَّها لا تُجزِئ قبلَهما؛ لقولِه ﷺ : «أَغْنُوهم عن الطَّلب في هذا اليومِ» (١)، ومتى قدَّمها بالزَّمن الكثيرِ فاتَ الإغناءُ المذكورُ. (وَ) إخراجُها (يَوْمَ العِيدِ قَبْلَ) مُضيِّه إلى (الصَّلَاةِ أَفْضَلُ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ السابقِ أوَّلَ البابِ. (وَتُكْرَهُ فِي بَاقِيهِ) أي: باقي يومِ العيدِ بعدَ الصَّلاةِ. (وَيَأْثَمُ مُؤَخِّرُ) ها (عَنْهُ) أي: عن يومِ العيدِ؛ لمخالَفةِ (٢) أمرِه ﷺ بقوله: «أَغنُوهم في هذا اليومِ» رَواه الدارَقُطنيُّ. (وَيَقْضِي) ها مؤخِّرُها بعدَ يومِ العيدِ؛ لبقائِها في ذمَّتِه. (وَالوَاجِبُ) في الفطرةِ عن كلِّ شخصٍ: (صَاعٌ (٣))، أربعةُ أمدادٍ، وتَقدَّم في الغسلِ (٤)، مِنْ (بُرٍّ، أَوْ شَعِيرٍ)، أو دَقيقِهما (٥)، أو سَوِيقِهما، (أَوْ) صاعٌ مِنْ (تَمْرٍ، أَوْ زَبِيبٍ (٦)، أَوْ أَقِطٍ) يُعمل مِنْ اللَّبنِ المَخِيضِ (٧)؛ لقولِ أَبي سعيدٍ الخُدريِّ: «كنَّا نُخرِج زكاةَ الفطرِ إذْ كان فِينا رسولُ اللهِ ﷺ صاعًا مِنْ طعامٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ، أو صاعًا مِنْ تمرٍ، أو صاعًا مِنْ

стр. 560

زبيبٍ، أو صاعًا مِنْ أَقِطٍ» متَّفق عليه (١). والأفضلُ: تمرٌ، فزَبيبٌ، فبُرٌّ، فأنفعُ، فشَعيرٌ، فدَقيقُهما، فسَوِيقُهما، فأَقِطٌ (٢). (فَإِنْ عُدِمَتِ) الخمسةُ المذكورةُ؛ (أَجْزَأَ مَا يُقْتَاتُ مِنْ حَبٍّ وَثَمَرٍ)؛ كذُرَةٍ، ودُخنٍ، وأَرُزٍّ، وعَدَسٍ، وتِينٍ يابسٍ. و (لَا) يُجزِئ (خُبْزٌ)؛ لخروجِه عن الكَيلِ والادِّخارِ. (وَلَا) يُجزِئ (مَعِيبٌ)؛ كمسوِّسٍ، ومَبلولٍ (٣)، وقديمٍ تَغيَّر طعمُه. وكذا مختلِطٌ بكثيرٍ ممَّا لا يُجزِئ، فإن قلَّ؛ زادَ بقَدْرِ ما يَكون المصفَّى صاعًا، وكان ابنُ سِيرينَ يُحبُّ أن يُنقَّى الطعامُ، قال أحمدُ: وهو أَحبُّ إليَّ (٤). (وَلَا) يُجزِئ إخراجُ (القِيمَةِ)؛ كالزَّكاة. (وَيَجُوزُ إِعْطَاءُ وَاحِدٍ) مِنْ أهلِ الزَّكاةِ (مَا) أي: فطرةً واجبةً (عَلَى جَمَاعَةٍ، كَعَكْسِهِ)، بأن يُعطى الجماعةُ ما على واحدٍ، والأفضلُ أنْ لا يَنقص مُعطًى عن مُدِّ بُرٍّ، أو نصفِ صاعٍ مِنْ غيره. وإذا دفَعها إلى مستحقِّها، فأَخرَجها آخذُها إلى دافعِها؛ جازَ، ما (٥) لم يَكُنْ حيلةً (٦).

стр. 561

(بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ) (يَجِبُ) على مَنْ وجَبَت عليه الزَّكاةُ (١): إخراجُها (فَوْرًا)؛ كنذرٍ مطلَقٍ وكفَّارةٍ؛ لأنَّ الأمرَ المطلَقَ يَقتضي الفوريَّةَ، ولأنَّ حاجةَ الفقيرِ ناجزةٌ، والتأخيرُ يُخلُّ بالمقصود، وربَّما أدَّى إلى الفَوَات. ومَحلُّ وجوبِ الفوريَّةِ: (إِنْ أَمْكَنَهُ) الإخراجُ (بِلَا ضَرَرٍ)؛ كخوفِ رجوعِ ساعٍ، أو على نفسه أو مالِه أو نحوِه، وله تأخيرُها لأشدَّ (٢) حاجةً، وقريبٍ، وجارٍ، ولتعذُّرِ إخراجِها مِنْ المال لغيبةٍ ونحوِها. (وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا) أي: الزَّكاةِ؛ (كَفَرَ إِنْ عَلِمَ) وجوبَها، (أَوْ) (٣) كان جاهلًا و (عُرِّفَ، فَ) عرف و (أَصَرَّ، فَيُسْتَتَابُ ثَلَاثًا، ثُمَّ يُقْتَلُ) كفرًا؛ لردَّتِه بتكذيبه للهِ ورسولِه، ولو لم يَمتنع مِنْ أدائِها. (وَتُؤْخَذُ) الزَّكاةُ ممَّن ذُكِر؛ لوجوبِها عليه قبلَ الرِّدَّةِ. (وَ) مَنْ منَعها (بُخْلًا) مِنْ غيرِ جحدٍ؛ (تُؤْخَذُ مِنْهُ) فقط قهرًا؛ كدَينِ الآدميِّ، ولم يَكفر، (وَيُعَزَّرُ) إن عَلِم تحريمَ ذلك، ويُقاتَل إن احتيجَ إليه ووضَعها الإمامُ في مَواضعها. ولا يَكفر بقتاله للإمامِ. ومَن ادَّعى أداءَها، أو بقاءَ الحولِ، أو نَقْصَ النِّصابِ، أو أنَّ ما بيَده لغيرِه

стр. 562

ونحوَه؛ صُدِّق بلا يمينٍ (١). (وَتَجِبُ) زكاةٌ (فِي مَالِ (٢) صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ)؛ لِما تَقدَّم، (وَيُخْرِجُ) ها (وَلِيُّهُمَا) في (٣) مالهما (٤) (عَنْهُمَا)؛ كصرفِ نفقةٍ واجبةٍ عليهما؛ لأنَّ ذلك حقٌّ تَدخله النِّيابةُ، ولذلك صحَّ التوكيلُ فيه. (وَالأَفْضَلُ جَعْلُ زَكَاةِ كُلِّ مَالٍ فِي فُقَرَاءِ بَلَدِهِ (٥))، ويَجوز نقلُها إلى دونِ مسافةِ قصرٍ مِنْ (٦) بلدِ المالِ؛ لأنَّه في حُكمِ بلدٍ واحدٍ. (وَيَحْرُمُ نَقْلُهَا) أي: الزَّكاةِ إلى مَحلٍّ بينَه وبينَ بلدِ المالِ (مَسَافَةُ قَصْرٍ (٧))؛ لقولِه ﷺ لمعاذٍ لمَّا بعَثه لليمن: «أَعْلِمْهُم أنَّ اللهَ قد افترَضَ عليهم صدقةً تُؤخذُ مِنْ أَغنيائِهم، فتُرَدُّ على فُقرائِهم» (٨). بخلافِ نَذرٍ، وكفَّارةٍ، ووصيَّةٍ مطلَقةٍ. فإن فعَل؛ أَجزأَت ويَأثم. (إِلَّا لِضَرُورَةٍ)؛ كأنْ يَكون في مَحلٍّ لا فقراءَ فيه، فيُفرِّقها في أقربِ بلدٍ

стр. 563

إليه، ولو مسافةَ قصرٍ (١)، وكخائفٍ على نفسه أو مالِه إن فرَّقها في بلده، فيُفرِّقها بمَحلٍّ لا يَتضرَّر به. (وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا) أي: الزَّكاةِ، أي: إخراجُها قبلَ وجوبِها، (لِحَوْلَيْنِ فَأَقَلَّ)؛ لِما روَى أبو عبيدٍ في «الأموال» بإسناده عن عليٍّ: «أنَّ النبيَّ ﷺ تَعجَّل مِنْ العبَّاسِ صدقةَ سنتَين» (٢)، ويَعضُده روايةُ مسلمٍ: «فهي عليَّ ومِثلُها» (٣). وإنَّما يَجوز تعجيلُها إذا كَمُل النِّصابُ، لا عمَّا يَستفيده. وإذا تمَّ الحولُ والنِّصابُ ناقصٌ قَدْرَ ما عجَّله؛ صحَّ، وأَجزأه. ولا يُستحبُّ التعجيلُ. (وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ) مِنْ مكلَّفٍ (لِإِخْرَاجِهَا (٤)) أي: الزَّكاةِ؛ لحديثِ «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» (٥). والأَولى قَرنُ النِّيَّةِ بدفعٍ، وله تقديمُها بزمنٍ يسيرٍ؛ كصلاةٍ، فيَنوي الزَّكاةَ، أو الصَّدقةَ الواجبةَ، ونحوَ ذلك. وإن أُخِذَت منه قهرًا؛ أَجزأَت ظاهرًا.

стр. 564

وإن تَعذَّر وصولٌ إلى مالكٍ؛ لنحوِ حبسٍ، فأَخذها الإمامُ أو نائبُه؛ أَجزأَت ظاهرًا وباطنًا. والأفضلُ أن يُفرِّقها بنفسه. ويَقولُ عندَ دَفعِها: اللَّهمَّ اجعَلها مَغنمًا، ولا تَجعلها مَغرمًا، ويَقولَ آخذٌ: آجَرَك اللهُ فيما أَعطيتَ، وبارك لك فيما أَبقيتَ، وجعَله لك طهورًا. (وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ) مسلمٍ ثقةٍ مكلَّفٍ، كما في «شرحِ المنتهى» (١)، وفي «الإقناع»: يصحُّ توكيلُ مميِّزٍ (٢)، (فِيهِ) أي: في إخراجها. وتُجزِئ نيَّةُ موكِّلٍ مع قربِ دفعٍ لنحوِ فقيرٍ، وإلّا نوَى موكِّلٌ عندَ دفعٍ لوكيله (٣)، ووكيلٌ عند دفعٍ لفقيرٍ. ومَن عَلِم أو ظنَّ أهليَّةَ آخذٍ؛ كُرِه (٤) إعلامُه بها، ومع عدمِ عادتِه بأخذٍ؛ لم يُجزِئه الدَّفع إلّا إن أَعلَمَه (٥).

стр. 565

(بَابُ أَهْلِ الزَّكَاةِ) الذين (١) لا يَجوز دفعُها إلى غيرهم (٢). (وَهُمْ ثَمَانِيَةُ) أصنافٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآيةَ (٣). أَحدُهم: (فَقِيرٌ)، أشدُّ حاجةً مِنْ المسكين؛ لأنَّ اللهَ تَعالى بدَأ به، وإنَّما يُبدأ بالأهمِّ فالأهمِّ، وهو (مَنْ لَمْ يَجِدْ نِصْفَ كِفَايَتِهِ) مع عائلتِه سَنةً، بأن لم يَجِد شيئًا أصلًا، أو وجَد دونَ النِّصفِ. وإن تَفرَّغ قادرٌ على التكسُّب للعلمِ (٤) لا للعبادةِ، وتَعذَّر الجمعُ؛ أُعطي. (وَ) الثاني: (مِسْكِينٌ)، الذي (يَجِدُ نِصْفَهَا) أي: نصفَ كفايتِه، (أَوْ) يَجِد (أَكْثَرَهَا). (وَيُعْطَيَانِ (٥)) بالبناء للمفعول، أي: يُعطى الفقيرُ والمسكينُ (تَمَامَ كِفَايَتِهِمَا مَعَ عَائِلَتِهِمَا سَنَةً)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِنْ عائلته مقصودٌ دفعُ حاجتِه (٦).
следующие страницы →