← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

(بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ) (يَجِبُ) على مَنْ وجَبَت عليه الزَّكاةُ (١): إخراجُها (فَوْرًا)؛ كنذرٍ مطلَقٍ وكفَّارةٍ؛ لأنَّ الأمرَ المطلَقَ يَقتضي الفوريَّةَ، ولأنَّ حاجةَ الفقيرِ ناجزةٌ، والتأخيرُ يُخلُّ بالمقصود، وربَّما أدَّى إلى الفَوَات. ومَحلُّ وجوبِ الفوريَّةِ: (إِنْ أَمْكَنَهُ) الإخراجُ (بِلَا ضَرَرٍ)؛ كخوفِ رجوعِ ساعٍ، أو على نفسه أو مالِه أو نحوِه، وله تأخيرُها لأشدَّ (٢) حاجةً، وقريبٍ، وجارٍ، ولتعذُّرِ إخراجِها مِنْ المال لغيبةٍ ونحوِها. (وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا) أي: الزَّكاةِ؛ (كَفَرَ إِنْ عَلِمَ) وجوبَها، (أَوْ) (٣) كان جاهلًا و (عُرِّفَ، فَ) عرف و (أَصَرَّ، فَيُسْتَتَابُ ثَلَاثًا، ثُمَّ يُقْتَلُ) كفرًا؛ لردَّتِه بتكذيبه للهِ ورسولِه، ولو لم يَمتنع مِنْ أدائِها. (وَتُؤْخَذُ) الزَّكاةُ ممَّن ذُكِر؛ لوجوبِها عليه قبلَ الرِّدَّةِ. (وَ) مَنْ منَعها (بُخْلًا) مِنْ غيرِ جحدٍ؛ (تُؤْخَذُ مِنْهُ) فقط قهرًا؛ كدَينِ الآدميِّ، ولم يَكفر، (وَيُعَزَّرُ) إن عَلِم تحريمَ ذلك، ويُقاتَل إن احتيجَ إليه ووضَعها الإمامُ في مَواضعها. ولا يَكفر بقتاله للإمامِ. ومَن ادَّعى أداءَها، أو بقاءَ الحولِ، أو نَقْصَ النِّصابِ، أو أنَّ ما بيَده لغيرِه

стр. 562

ونحوَه؛ صُدِّق بلا يمينٍ (١). (وَتَجِبُ) زكاةٌ (فِي مَالِ (٢) صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ)؛ لِما تَقدَّم، (وَيُخْرِجُ) ها (وَلِيُّهُمَا) في (٣) مالهما (٤) (عَنْهُمَا)؛ كصرفِ نفقةٍ واجبةٍ عليهما؛ لأنَّ ذلك حقٌّ تَدخله النِّيابةُ، ولذلك صحَّ التوكيلُ فيه. (وَالأَفْضَلُ جَعْلُ زَكَاةِ كُلِّ مَالٍ فِي فُقَرَاءِ بَلَدِهِ (٥))، ويَجوز نقلُها إلى دونِ مسافةِ قصرٍ مِنْ (٦) بلدِ المالِ؛ لأنَّه في حُكمِ بلدٍ واحدٍ. (وَيَحْرُمُ نَقْلُهَا) أي: الزَّكاةِ إلى مَحلٍّ بينَه وبينَ بلدِ المالِ (مَسَافَةُ قَصْرٍ (٧))؛ لقولِه ﷺ لمعاذٍ لمَّا بعَثه لليمن: «أَعْلِمْهُم أنَّ اللهَ قد افترَضَ عليهم صدقةً تُؤخذُ مِنْ أَغنيائِهم، فتُرَدُّ على فُقرائِهم» (٨). بخلافِ نَذرٍ، وكفَّارةٍ، ووصيَّةٍ مطلَقةٍ. فإن فعَل؛ أَجزأَت ويَأثم. (إِلَّا لِضَرُورَةٍ)؛ كأنْ يَكون في مَحلٍّ لا فقراءَ فيه، فيُفرِّقها في أقربِ بلدٍ

стр. 563

إليه، ولو مسافةَ قصرٍ (١)، وكخائفٍ على نفسه أو مالِه إن فرَّقها في بلده، فيُفرِّقها بمَحلٍّ لا يَتضرَّر به. (وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا) أي: الزَّكاةِ، أي: إخراجُها قبلَ وجوبِها، (لِحَوْلَيْنِ فَأَقَلَّ)؛ لِما روَى أبو عبيدٍ في «الأموال» بإسناده عن عليٍّ: «أنَّ النبيَّ ﷺ تَعجَّل مِنْ العبَّاسِ صدقةَ سنتَين» (٢)، ويَعضُده روايةُ مسلمٍ: «فهي عليَّ ومِثلُها» (٣). وإنَّما يَجوز تعجيلُها إذا كَمُل النِّصابُ، لا عمَّا يَستفيده. وإذا تمَّ الحولُ والنِّصابُ ناقصٌ قَدْرَ ما عجَّله؛ صحَّ، وأَجزأه. ولا يُستحبُّ التعجيلُ. (وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ) مِنْ مكلَّفٍ (لِإِخْرَاجِهَا (٤)) أي: الزَّكاةِ؛ لحديثِ «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» (٥). والأَولى قَرنُ النِّيَّةِ بدفعٍ، وله تقديمُها بزمنٍ يسيرٍ؛ كصلاةٍ، فيَنوي الزَّكاةَ، أو الصَّدقةَ الواجبةَ، ونحوَ ذلك. وإن أُخِذَت منه قهرًا؛ أَجزأَت ظاهرًا.

стр. 564

وإن تَعذَّر وصولٌ إلى مالكٍ؛ لنحوِ حبسٍ، فأَخذها الإمامُ أو نائبُه؛ أَجزأَت ظاهرًا وباطنًا. والأفضلُ أن يُفرِّقها بنفسه. ويَقولُ عندَ دَفعِها: اللَّهمَّ اجعَلها مَغنمًا، ولا تَجعلها مَغرمًا، ويَقولَ آخذٌ: آجَرَك اللهُ فيما أَعطيتَ، وبارك لك فيما أَبقيتَ، وجعَله لك طهورًا. (وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ) مسلمٍ ثقةٍ مكلَّفٍ، كما في «شرحِ المنتهى» (١)، وفي «الإقناع»: يصحُّ توكيلُ مميِّزٍ (٢)، (فِيهِ) أي: في إخراجها. وتُجزِئ نيَّةُ موكِّلٍ مع قربِ دفعٍ لنحوِ فقيرٍ، وإلّا نوَى موكِّلٌ عندَ دفعٍ لوكيله (٣)، ووكيلٌ عند دفعٍ لفقيرٍ. ومَن عَلِم أو ظنَّ أهليَّةَ آخذٍ؛ كُرِه (٤) إعلامُه بها، ومع عدمِ عادتِه بأخذٍ؛ لم يُجزِئه الدَّفع إلّا إن أَعلَمَه (٥).

стр. 565

(بَابُ أَهْلِ الزَّكَاةِ) الذين (١) لا يَجوز دفعُها إلى غيرهم (٢). (وَهُمْ ثَمَانِيَةُ) أصنافٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآيةَ (٣). أَحدُهم: (فَقِيرٌ)، أشدُّ حاجةً مِنْ المسكين؛ لأنَّ اللهَ تَعالى بدَأ به، وإنَّما يُبدأ بالأهمِّ فالأهمِّ، وهو (مَنْ لَمْ يَجِدْ نِصْفَ كِفَايَتِهِ) مع عائلتِه سَنةً، بأن لم يَجِد شيئًا أصلًا، أو وجَد دونَ النِّصفِ. وإن تَفرَّغ قادرٌ على التكسُّب للعلمِ (٤) لا للعبادةِ، وتَعذَّر الجمعُ؛ أُعطي. (وَ) الثاني: (مِسْكِينٌ)، الذي (يَجِدُ نِصْفَهَا) أي: نصفَ كفايتِه، (أَوْ) يَجِد (أَكْثَرَهَا). (وَيُعْطَيَانِ (٥)) بالبناء للمفعول، أي: يُعطى الفقيرُ والمسكينُ (تَمَامَ كِفَايَتِهِمَا مَعَ عَائِلَتِهِمَا سَنَةً)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِنْ عائلته مقصودٌ دفعُ حاجتِه (٦).

стр. 566

ويُقلَّد (١) مَنْ ادَّعى عيالًا أو فقرًا ولم يُعرف بغنًى. ومَن ملَك ولو مِنْ أثمانٍ ما لا يَقوم بكفايته؛ فلَيس بغنيٍّ (٢). (وَ) الثالثُ: (عَامِلٌ عَلَيْهَا؛ كَجَابٍ) أي: ساعٍ يَبعثه الإمامُ لأخذِ زكاةٍ مِنْ أَربابها، (وَ) ك (حَافِظِ) ها وكاتبِها وقاسمِها. وشُرِط كَونُه: مسلمًا، مكلَّفًا، أمينًا كافيًا (٣)، مِنْ غيرِ ذَوِي (٤) القُربى (٥). (فَيُعْطَى) كلٌّ ممَّن ذُكِر (قَدْرَ أُجْرَتِهِ) منها (٦)، ولو غنيًّا. ويَجوز كَونُ حاملِها وراعِيها ممَّن مُنِعَها. (وَ) الرابعُ: (مُؤَلَّفٌ)، وهو (السَّيِّدُ المُطَاعُ فِي عَشِيرَتِهِ (٧) مِمَّنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ، أَوْ) يُرجى أن (يُكَفَّ شَرُّهُ) بإعطائه مِنْ الزَّكاة (٨)، (أَوْ يُرْجَى بِإِعْطَائِهِ قُوَّةُ إِيمَانِهِ،

стр. 567

أَوْ إِسْلَامُ نَظِيرِهِ)، أو جِبايتُها ممَّن لا يُعطيها، أو دفعٌ عن المسلمين، (فَيُعْطَى) مؤلَّفٌ (مَا يَحْصُلُ بِهِ تَأْلِيفُهُ عِنْدَ الحَاجَةِ إِلَيْهِ) أي: إلى إعطائه، فتَركُ عمرَ وعثمانَ وعليٍّ إعطاءَهم (١)؛ لعدمِ الحاجةِ إليه في خلافتِهم، لا لسقوطِ سَهمِهم. (وَ) الخامسُ: (مُكَاتَبٌ)، فيُعطى وفاءَ دَينِه؛ لعجزِه عنه، ولو قبلَ حلولِ نَجمٍ (٢)، أو مع قُدرتِه على كسبٍ. (وَ) يَجوز أن (يُفَكَّ)، بالبناء للمفعول، أي: يُخلَّص (مِنْهَا) أي: مِنْ الزَّكاة (أَسِيرٌ مُسْلِمٌ). (وَيَجُوزُ شِرَاءُ عَبْدٍ) لا يَعتق عليه (بِزَكَاتِهِ فَيُعْتِقَهُ)، لا أن يُعتِق قِنَّه أو مكاتَبَه عنها (٣). (وَ) السادسُ: (غَارِمٌ) وهو نوعان: أَحدُهما: غارمٌ (لِإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنٍ) أي: وصْلٍ، بأن يقَع بينَ جماعةٍ عظيمةٍ كقَبيلتَين أو أهلِ قَريتَين تشاجرٌ في دماءٍ وأموالٍ، ويَحدثَ بسببها الشَّحناءُ

стр. 568

والعداوةُ، فيَتوسَّطَ الرَّجلُ بالصُّلح بينَهما، ويَلتزمَ في ذمَّته مالًا عِوَضًا عمَّا بينَهم؛ ليُطفئ النَّائرةَ، فهذا قد أتى معروفًا عظيمًا، فكان مِنْ المعروف حَملُه عنه مِنْ الصَّدقةِ؛ لئلَّا يُجحِف ذلك بساداتِ القومِ المصلِحين، أو يُوهن عزائمَهم، فجاء الشَّرعُ بإباحة المسألةِ فيها، وجعَل لهم نصيبًا مِنْ الصَّدقة، (وَلَوْ مَعَ غِنًى (١)) إن لم يَدفع مِنْ ماله. النوعُ الثاني: ما أُشير إليه بقوله: (أَوْ) تَديَّن (لِنَفْسِهِ) في شراءٍ مِنْ كفَّارٍ (٢)، أو مباحٍ، أو محرَّمٍ وتاب، (مَعَ فَقْرِ) هِ، (وَيُعْطَى مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ) ولو للهِ تَعالى، (كَمُكَاتَبٍ) أي: كما يُعطى مكاتَبٌ وفاءَ دَينِ كتابتِه، كما تَقدَّم. ولا يجوزُ لمن دُفع له لقضاءِ دَينِه صرفُه في غيره، ولو فقيرًا، وإن دُفع إلى غارمٍ لفقره؛ جاز أن يَقضِيَ منه دينَه. (وَ) السابعُ: (غَازٍ) في سبيلِ اللهِ تَعالى إذا كان (لَا دِيوَانَ لَهُ يَكْفِيهِ) أي: ليس له فرضٌ في بيتِ المال أصلًا، أو له دونَ ما يَكفيه، (فَيُعْطَى مَا يَحْتَاجُهُ فِي غَزْوِهِ) ذهابًا وإيابًا، ولو غنيًّا. (وَيَجُوزُ) صرفُ زكاةٍ (فِي حَجِّ فَرْضِ فَقِيرٍ وَعُمْرَتِهِ)؛ لأنَّهما مِنْ السَّبيل. (وَ) الثامنُ: (ابْنُ سَبِيلٍ) أي: مسافرٌ (مُنْقَطِعٌ بِغَيْرِ بَلَدِهِ) بسفرٍ (٣) مباحٍ، أو محرَّمٍ وتابَ، دونَ مُنشئٍ لسفرٍ مِنْ بلدِه إلى غيرها، (فَيُعْطَى) ابنُ السَّبيلِ (مَا يُوصِلُهُ لِبَلَدِهِ)، ولو وجَد مُقرِضًا.

стр. 569

وإن قصَد بلدًا، أو احتاج قبلَ وصولِها؛ أُعطِي ما يَصِل به إلى البلد الذي قصدَه، وما يَرجع به إلى بلدِه. وإن فضَل مع ابنِ سبيلٍ (١) أو غازٍ أو غارمٍ أو مكاتَبٍ شيءٌ؛ ردَّه، وغيرُهم يَتصرَّف بما شاء؛ لمِلكِه له مِلكًا مستقِرًّا (٢). (وَتُجْزِئُ) الزَّكاةُ (لِشَخْصٍ وَاحِدٍ)، ولو غريمَه أو مكاتَبَه إن لم يَكُنْ حيلةً؛ «لأنَّه ﷺ أمَر بَنِي زُرَيقٍ بدفعِ صدقتِهم إلى سلمةَ بنِ صخرٍ» (٣)، وقال لقَبيصةَ: «أَقِمْ يا قَبيصةُ حتى تأتيَنا الصَّدقةُ، فنأمرَ لكَ بها» (٤). (وَ) تُجزِئ ل (قَرِيبِ) مُزكٍّ إن كان (مِنْ غَيْرِ عَمُودَيْ نَسَبِهِ)، وهُما أصلُه وفرعُه، وكان أيضًا (لَا تَلْزَمُهُ) أي: المزكِّي (مُؤْنَتُهُ) أي: نفقةُ القريبِ الذي يُريد دفعَ الزَّكاةِ له، وذلك كخاله وخالتِه، بل يُسنُّ تفريقُها (٥) في نحوِ هؤلاءِ على قَدْرِ حاجتِهم، الأقربَ فالأقربَ؛ لقولِه ﷺ : «صَدقتُكَ على ذِي القرابةِ

стр. 570

صدقةٌ وصِلةٌ» (١). وعُلِم منه: أنَّها لا تُجزِئ إلى أصله؛ كأَبيه وأمِّه، وجدِّه وجدَّته مِنْ قِبَلِهما وإن علَوَا، ولا إلى فَرعه؛ كولده وإن سفَلَ، مِنْ ولدِ الابنِ أو البنتِ، إلّا أن يَكونوا عُمَّالًا، أو مؤلَّفِين، أو غزاةً، أو غارمِين لذاتِ بَينٍ. وأنَّها لا تُجزِئ أيضًا إلى سائرِ مَنْ تَلزمه نفقتُه، ما لم يَكُنْ عاملًا، أو غازيًا، أو مؤلَّفًا، أو مكاتَبًا، أو ابنَ سبيلٍ، أو غارمًا لإصلاحِ ذاتِ بَينٍ. وتُجزِئ إلى مَنْ تَبرَّع بنفقته بضمِّه إلى عِياله (٢)، أو تَعذَّرَت نفقتُه مِنْ زوجٍ أو قريبٍ بنحوِ غَيبةٍ أو امتناعٍ. و (لَا) يُجزِئ دفعُها إلى (هَاشِمِيٍّ) أي: مَنْ يُنسب إلى هاشمٍ (٣)، بأن يَكون مِنْ سُلالتِه، فدخَل: آلُ عبَّاسِ بنِ عبدِ المطَّلبِ، وآلُ عليٍّ وآلُ جعفرٍ (٤) وآلُ عَقيلٍ أولادِ أَبي طالبِ بنِ عبدِ المطَّلبِ، وآلُ الحارثِ وآلُ أَبي لهبٍ ابنَي عبدِ المطَّلبِ؛ لقولِه ﷺ : «إنَّ الصَّدقةَ لا تَنبغي لآلِ محمَّدٍ، إنمَّا هي أوساخُ النَّاسِ» أَخرَجه مسلمٌ (٥).

стр. 571

لكن تُجزِئ إليه إن كان غازيًا، أو غارمًا لإصلاحِ ذاتِ بَينٍ، أو مؤلَّفًا. (وَ) لا إلى (مَوَالِيهِ) أي: الهاشميِّ؛ لقولِه ﷺ : «مَولَى القومِ منهم» رَواه أبو داودَ والنَّسائيُّ (١). وعُلِم منه: أنَّها تُجزِئ إلى بَنِي المطَّلبِ ومَواليهِم، كما هو الأصحُّ. ولكلٍّ أخذُ صدقةِ تطوُّعٍ، ووصيَّةٍ أو نذرٍ لفقيرٍ، لا كفَّارةٍ. (وَ) لا إلى (فَقِيرةٍ تَحْتَ غَنِيٍّ مُنْفِقٍ)، ولا إلى فقيرٍ يُنفِق عليه مَنْ وجَبَت عليه نفقتُه مِنْ أقاربِه؛ لاستغنائِهما بذلك. (وَلَا) تُجزِئ إلى (٢) (عَبْدٍ) كاملِ رِقٍّ لِمُزكٍّ أو غيرِه، (غَيْرِ عَامِلٍ) أو مكاتَبٍ. (وَلَا) إلى (زَوْجٍ)، فلا يُجزِئها دفعُ زكاتِها إليه، ولا بالعكس. (وَإِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ أَهْلًا فَبَانَ خِلَافُهُ)؛ كما لو دفَعها لمَن ظنَّه مسلمًا فبانَ كافرًا؛ (لم تَجْزِ) عنه؛ لأنَّه لا يَخفى غالبًا، وكدَينِ الآدميِّ (٣). (إِلَّا) إذا أعطاها (غَنِيًّا ظَنَّهُ فَقِيرًا) فتُجزِئه (٤)؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أَعطى الرَّجلَين

стр. 572

الجَلْدَين (١)، وقال: «إن شِئتُما أَعطيتُكما منها، ولا حظَّ فيها (٢) لغنيٍّ، ولا قويٍّ مُكتسِبٍ» (٣). وإن أعطاها لمَن ظنَّه غيرَ أهلٍ، فبانَ أهلًا؛ لم تُجزِئه؛ لعدمِ جَزمِه بالنِّيَّة حالَ الدَّفعِ (٤). (وَتُسْتَحَبُّ صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ)؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قد حثَّ عليها في كتابه العزيزِ في آياتٍ كثيرةٍ، وقال ﷺ : «إنَّ الصَّدقةَ لتُطفئُ غضبَ الرَّبِّ، وتَدفع مِيتةَ السُّوءِ» رَواه التِّرمذيُّ، وحسَّنه (٥). وتَكون (بِفَاضِلٍ) عن كفايته وكفايةِ مَنْ يَمُونه؛ لقولِه ﷺ : «اليدُ العُليا (٦)

стр. 573

خيرٌ مِنْ اليَد السُّفلى، وابْدَأ بمَن تَعُول، وخيرُ الصَّدقةِ عن ظَهرِ (١) غِنًى (٢)» متَّفق عليه (٣). (وَ) هي (فِي رَمَضَانَ)، وكلِّ زمانٍ ومكانٍ فاضلٍ؛ كالعَشرِ، والحَرمَين: آكدُ؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ: «كان رسولُ اللهِ ﷺ أجودَ النَّاسِ، وكان أجودَ ما يَكون في رمضانَ حينَ يَلقاه جبريلُ» الحديثَ. متَّفق عليه (٤). (وَ) في (وَقْتِ حَاجَةٍ: آكَدُ) أي: أفضلُ. (وَيَأْثَمُ) مَنْ تَصدَّق (بِمَا يَنْقُصُ مُؤْنَةً تَلْزَمُهُ، أَوْ) بما (يَضُرُّ بِغَرِيمِهِ (٥)) أو كفيلِه أو نفسِه؛ لقولِه ﷺ : «كفَى بالمرءِ إثمًا أنْ يُضَيِّع مَنْ يَقوتُ» (٦).

стр. 574

(كِتَابُ الصِّيَامِ (١)) هو لغةً: مجرَّدُ الإمساكِ، يُقال للسَّاكت: صائمٌ؛ لإمساكِه عن الكلام، ومنه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (٢). وشرعًا: إمساكٌ بنيَّةٍ عن أشياءَ مخصوصةٍ، في زمنٍ معيَّنٍ، مِنْ شخصٍ مخصوصٍ (٣). وفُرِض صومُ رمضانَ في السَّنة الثانيةِ مِنْ الهجرة، قال ابنُ حَجرٍ: (في شعبانَ) انتهى (٤)، فَصامَ رسولُ اللهِ ﷺ تسعَ رمضاناتٍ إجماعًا (٥).

стр. 575

(يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ (١))؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وقولِه ﷺ : «صُوموا لِرُؤيَتِه، وأَفطِرُوا لِرُؤيَتِه» (٢). والمستحبُّ قولُ: «شهر رمضانَ»، كما قال اللهُ تَعالى، ولا يُكره قولُ: «رمضان» (٣). (فَإِنْ لَمْ يُرَ) الهلالُ، بالبناء للمفعول، (مَعْ صَحْوِ) السَّماءِ مِنْ نحوِ غَيمٍ (لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ) مِنْ شعبانَ؛ (أَفْطَرُوا)، وكُرِه الصَّومُ؛ لأنَّه يومُ الشَّكِّ المنهيُّ عنه (٤). (وَإِنْ حَالَ دُونَهُ) أي: دونَ هلالِ رمضانَ؛ بأن كان في مَطلعِه ليلةَ الثلاثينَ مِنْ شعبانَ (غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ) بالتَّحريك، أي: غَبَرةٌ (٥)، (أَوْ نَحْوُهُ)

стр. 576

كدُخَانٍ (١)؛ (وَجَبَ صَوْمُهُ) أي: صومُ يومِ تِلك اللَّيلةِ، حُكمًا ظنِّيًّا، (بِنِيَّةِ رَمَضَانَ احْتِيَاطًا)، وهذا قولُ عمرَ (٢)، وابنِه (٣)، وعمرِو بنِ العاصِ (٤)، وأَبي هريرةَ (٥)، وأنسٍ (٦)، ومعاويةَ (٧)، وعائشةَ (٨) وأسماءَ ابنتَي

стр. 577

أَبي بكرٍ الصِّدِّيقِ (١) ﵃؛ لقولِه ﷺ : «إنَّما الشَّهرُ تسعٌ وعشرون يومًا، فلا تَصوموا حتى تَرَوا الهلالَ، ولا تُفطِروا حتى تَرَوه، فإن غُمَّ عليكم؛ فَاقْدِرُوا له» (٢)، قال نافعٌ: كان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ إذا مضَى مِنْ الشَّهرِ تسعةٌ وعشرون يومًا؛ يَبعث مَنْ يَنظر له الهلالَ، فإن رُئي فذاك، وإن لم يُرَ، ولم يَحُل دونَ مَنظرِه سحابٌ ولا قَتَرٌ؛ أَصبح مفطرًا، وإن حالَ دونَ مَنظرِه سحابٌ أو قَتَرٌ؛ أَصبح صائمًا (٣). ومعنى «اقدِروا له»: ضَيِّقوا، بأن يُجعل شعبانُ تسعةً وعشرين، وقد فسَّره ابنُ عمرَ بفعله، وهو راويه وأعلمُ بمعناه، فيَجب الرُّجوعُ إلى تفسيره. (وَيُجْزِئُ) صومُ ذلك اليومِ (إِنْ ظَهَرَ مِنْهُ)، وتُصلَّى التَّراويحُ تِلك الليلةَ، وتَثبت بقيَّةُ توابعِ الصَّومِ، مِنْ وجوبِ كفَّارةٍ بوطءٍ فيه، ونحوِه، ما لم يُتحقَّق أنَّه مِنْ شعبانَ، لا عتقٌ أو طلاقٌ معلَّقٌ برمضانَ. والظاهرُ أنَّ مِنْ توابعِ الصَّومِ (٤): وجوبَ القضاءِ على مَنْ لم يُبيِّت النِّيَّةَ (٥). (وَإِذَا (٦) رُئِيَ) الهلالُ، أي: ثبَتَت رؤيتُه (فِي بَلَدٍ؛ لَزِمَ الصَّوْمُ جَمِيعَ

стр. 578

النَّاسِ (١))؛ لقولِه ﷺ : «صُوموا لرُؤيتِه، وأَفطِرُوا لرُؤيتِه» (٢)، وهو خطابٌ للأمَّةِ كافَّةً، فإن رآه جماعةٌ ببلدٍ، ثمَّ سافَروا لبلدٍ بعيدٍ، فلَم يُرَ الهلالُ به في آخرِ الشهرِ؛ أَفطَروا. (وَيُصَامُ) وجوبًا (بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ) مكلَّفٍ (٣)، ويَكفي خبرُه بذلك؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «تَراءى النَّاسُ الهلالَ، فأَخبرتُ رسولَ اللهِ ﷺ أنِّي رأيتُه، فصامَ، وأمَر النَّاسَ بصيامه» رَواه أبو داودَ (٤). (وَلَوْ) كان (عَبْدًا أَوْ أُنْثَى)، أو بدونِ لفظِ الشَّهادةِ. ولا يَختصُّ بحاكمٍ (٥). ولا يَكفي مستورٌ، ولعلَّ المرادَ به: مجهولُ الحالِ (٦)، فيَلزم الصَّومُ مَنْ سَمِع عدلًا يُخبِر برُؤيته، وتَثبت بقيَّةُ الأحكامِ. ولا يُقبل في شوَّالٍ وسائرِ الشُّهورِ إلّا ذَكَران، بلفظِ الشَّهادةِ (٧)، ولو صاموا

стр. 579

ثمانيةً وعشرين يومًا، ثمَّ رأَوه؛ قضَوا يومًا فقط (١). (وَإِنْ صَامُوا بِرُؤْيَةِ وَاحِدٍ) ثلاثين يومًا، ولم يُرَ الهلالُ؛ لم يُفطروا؛ لقولِه ﷺ : «وإنْ شَهِد اثنانِ فصُومُوا وأَفطِروا» (٢). (أَوْ) صاموا (لِغَيْمٍ (٣)) ونحوِه (ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَمْ يُرَ الهِلَالُ؛ لَمْ يُفْطِرُوا)؛ لأنَّ الصَّومَ إنَّما كان احتياطًا، والأصلُ بقاءُ رمضانَ. وعُلِم منه: أنَّهم لو صاموا بشهادةِ اثنين ثلاثين يومًا ولم يَرَوه؛ أَفطروا، صحوًا كان أو غَيمًا؛ لِما تَقدَّم. (وَمَنْ رَآهُ) أي: هلالَ رمضانَ (وَحْدَهُ)، فأَخبَر به، (فَرُدَّ) خبرُه لنحوِ فسقٍ؛ لَزِمه الصَّومُ وجميعُ أحكامِ الشَّهرِ مِنْ طلاقٍ وغيرِه معلَّقٍ به؛ لعِلمِه أنَّه مِنْ رمضانَ. (أَوْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ)، ولو عدلًا؛ (صَامَ) ولم يُفطر؛ لقولِه ﷺ : «الفِطرُ يومَ يُفطِر النَّاسُ، والأضحى يومَ يُضحِّي النَّاسُ» رَواه التِّرمذيُّ، وصحَّحه (٤).

стр. 580

وإن اشتَبهَت الأشهرُ على نحوِ مأسورٍ؛ تَحرَّى، وأَجزأه إن لم يَعلم تقدُّمَه، أو يُصادفْ رمضانَ القابلَ، فلا يُجزِئ عن واحدٍ منهما (١)، ويَقضي ما وافقَ عيدًا أو أيَّامَ تشريقٍ. (وَإِنْ ثَبَتَتْ) رؤيةُ الهلالِ (نَهَارًا)؛ بأن قامَت البيِّنةُ في أثناءِ النَّهارِ برؤيةِ الهلالِ تلك اللَّيلةَ؛ (أَمْسَكُوا (٢)) وجوبًا بقيَّةَ اليومِ، (وَقَضَوْا) أي: وجَب قضاءُ ذلك اليومِ على مَنْ لم يُبيِّت النِّيَّةَ لمستنَدٍ شرعيٍّ؛ (كَمَنْ بَلَغَ) نهارًا مفطِرًا، (أَوْ أَسْلَمَ) نهارًا، (أَوْ طَهَرَتِ) امرأةٌ (مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ (٣))، بأن انقَطَع دَمُها نهارًا، (أَوْ قَدِمَ) مسافرٌ (مِنْ سَفَرٍ) حالَ كَونِه (مُفْطِرًا)، فيَلزم كلَّ هؤلاءِ الإمساكُ والقضاءُ. وكذا لو بَرِئ مريضٌ مفطِرًا. فإن كان صغيرٌ ومسافرٌ ومريضٌ صائمِين؛ أَجزأهم (٤). وإن عَلِم مسافرٌ أنَّه يَقدَم غدًا؛ لَزِمه الصَّومُ، لا صغيرٌ عَلِم أنَّه يَبلغ غدًا؛

стр. 581

لعدمِ تكليفِه. ويَلزم الصَّومُ كلَّ مسلمٍ، مكلَّفٍ، قادرٍ (١). (وَيُؤْمَرُ)، بالبناء للمفعول، (بِهِ) أي: الصَّومِ (صَغِيرٌ يُطِيقُهُ) أي: يَقدِر عليه، أي: يَجب على وليِّ الصَّغيرِ المُطيقِ للصَّومِ أمرُه به، وضربُه عليه؛ (لِيَعْتَادَهُ) أي: الصَّومَ. (وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُ) أي: عن الصَّوم (لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ؛ أَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) ما يُجزِئ في كفَّارةٍ، مُدَّ بُرٍّ، أو نصفَ صاعٍ مِنْ غيره؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ في قوله تَعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾: «ليست بمنسوخةٍ، هي للكبيرِ الذي لا يَستطيع الصَّومَ» رَواه البخاريُّ (٢)، والمريضُ الذي لا يُرجى بُرؤُه في حُكمِ الكبيرِ. لكنْ إن كان الكبيرُ أو المريضُ الذي لا يُرجى بُرؤُه مسافرًا؛ فلا فديةَ؛ لفِطرِه بعذرٍ معتادٍ، ولا قضاءَ؛ لعجزِه عنه (٣). (وَسُنَّ) فطرٌ (لِمَرِيضٍ يَضُرُّهُ) الصَّومُ، (وَ) سُنَّ لِ (مُسَافِرٍ يَقْصُرُ فِطْرٌ)، ولو بلا مشقَّةٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وكُرِه صومُهما.

стр. 582

وجازَ وطءٌ لمَن به مرضٌ يَنتفع به فيه، أو به شَبَقٌ ولم تَندفع شهوتُه بدونِ الوطءِ، ويَخاف تشقُّقَ أُنْثَيَيه، ولا كفَّارةَ، ويَقضي ما لم يَتعذَّر لشَبَقٍ، فيُطعم ككبيرٍ. وإن سافرَ ليُفطر؛ حَرُمَا. (وَإِنْ نَوَى حَاضِرٌ صَوْمَ يَوْمٍ، ثُمَّ سَافَرَ فِيهِ) أي: في أثناء ذلك اليومِ؛ (فَلَهُ الفِطْرُ) إذا فارقَ بيوتَ قريتِه ونحوَها؛ لظاهرِ الآيةِ والأخبارِ الصَّحيحةِ (١)، والأفضلُ عدمُه. (وَإِنْ أَفْطَرَتْ حَامِلٌ، أَوْ) أَفطرَت (مُرْضِعٌ خَوْفًا عَلَى وَلَدِهِمَا (٢)) فقط؛ (قَضَتَا) ما أفَطرَتاه، (وَأَطْعَمَ وَلِيُّهُ) أي: وجَب على مَنْ يَمُون الولدَ أن يُطعِم عنهما لكلِّ يومٍ مسكينًا ما يُجزِئ في كفَّارةٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قال ابنُ عبَّاسٍ: «كانت رخصةً للشَّيخِ الكبيرِ والمرأةِ الكبيرةِ وهُما يُطيقان الصِّيامَ أن يُفطرا، ويُطعِما مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا، والحُبلَى والمُرضِعُ إذا خافتَا على أَولادهما أَفطَرتا وأَطعَمتا» رَواه أبو داودَ (٣)،

стр. 583

ورُوي (١) عن ابنِ عمرَ (٢). وتُجزئ هذه الكفَّارةُ إلى مسكينٍ واحدٍ جملةً (٣). (وَ) إن أَفطرَت حاملٌ أو مرضعٌ خوفًا (عَلَى أَنْفُسِهِمَا) فقط، أو مع الولدِ؛ (قَضَتَا) عددَ الأيَّامِ (فَقَطْ) أي: بلا فديةٍ؛ لأنَّهما بمنزلةِ المريضِ الخائفِ على نفسه. ومتى قَبِلَ رضيعٌ ثَديَ غيرِها، وقَدَرَ أن يَستأجر له؛ لم تُفطر. وظِئرٌ: كأمٍّ (٤). ويَجب الفطرُ على مَنْ احتاجَه لإنقاذِ معصومٍ مِنْ هلَكةٍ؛ كغَرقٍ. وليس (٥) لمَن أُبيح له فطرٌ برمضانَ صومُ غيرِه فيه. (وَمَنْ نَوَى صَوْمًا، ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ نَهَارِهِ)، بأن لم يُفِق جزءًا

стр. 584

منه؛ (لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ)؛ لأنَّ الصَّومَ الشَّرعيَّ الإمساكُ مع النِّيَّةِ، فلا يُضاف للمجنونِ، ولا للمُغمى عليه. و (لَا) يَفسد صومُ مَنْ جُنَّ أو أُغمي عليه بعدَ النِّيَّةِ (إِنْ أَفَاقَ جُزْءًا مِنْهُ) أي: مِنْ النَّهار، سواءٌ كان مِنْ أوَّلَ النَّهارِ أو آخرَه. (أَوْ) أي: ولا يَفسد صومُ مَنْ (نَامَ جَمِيعَهُ) أي: جميعَ النَّهار؛ لأنَّ النَّومَ عادةٌ، ولا يَزول به الإحساسُ بالكلِّيَّة. (وَيَقْضِي) وجوبًا (مُغْمًى عَلَيْهِ) ما وجَب زمنَ الإغماءِ حيثُ لم يصحَّ صومُه؛ لأنَّ مدَّتَه لا تَطول غالبًا، فلَم يَزُل (١) به التَّكليفُ. وعُلم منه: أنَّه لا قضاءَ على مجنونٍ؛ لزوالِ تكليفِه. قال المصنِّفُ: (ويَنبغي تقييدُه: بما إذا لم يَتَّصل جنونُه بشربِ محرَّمٍ، كما مرَّ في الصَّلاة) (٢). (وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ)، بأن يَعتقد أنَّه يَصوم مِنْ رمضانَ، أو قضائِه، أو نذرٍ، أو كفَّارةٍ؛ لقولِه ﷺ : «وإنَّما لكلِّ امْرِئٍ ما نوَى» (٣). (مِنَ اللَّيْلِ)؛ لِما روَى الدارَقُطنيُّ بإسناده عن عائشةَ مرفوعًا: «مَنْ لم يُبيِّت الصِّيامَ قبلَ طلوعِ الفجرِ؛ فلا صيامَ له»، وقال: إسنادُه كلُّهم ثقاتٌ (٤).

стр. 585

ولا فرقَ بينَ أوَّلِ اللَّيلِ أو وسَطِه أو آخرِه، ولو أتى بعدَها ليلًا بمُنافٍ للصَّومِ مِنْ نحوِ أكلٍ ووطءٍ (١). (لِصَوْمِ كُلِّ يَوْمٍ وَاجِبٍ)؛ لأنَّ كلَّ يومٍ عبادةٌ مفردَةٌ، لا يَفسد صومُه بفساد صومِ غيرِه. (لَا نِيَّةُ الفَرْضِيَّةِ) أي: لا يُشترط أن يَنوي كَونَ الصَّومِ فرضًا؛ لأنَّ التَّعيينَ يُجزئ عنه. ومَن قال: أنا صائمٌ غدًا إن شاء اللهُ تَعالى، متردِّدًا؛ فسَدَت نيَّتُه، لا متبرِّكًا، كما لا يَفسد إيمانُه بقولِه: أنا مؤمنٌ إن شاء اللهُ، غيرَ متردِّدٍ في الحال (٢). ويَكفي في النِّيَّةِ الأكلُ والشُّربُ بنيَّةِ الصَّومِ. (وَيَصِحُّ) صومُ (نَفْلٍ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ، وَلَوْ) كانت النِّيَّةُ (بَعْدَ الزَّوَالِ)؛ لقولِ معاذٍ (٣) وابنِ مسعودٍ (٤)

стр. 586

وحذيفةَ (١)، وحديثِ عائشةَ: دخَل عليَّ النبيُّ ﷺ ذاتَ يومٍ، فقال: «هل عندَكُم مِنْ شيءٍ؟» فقلنا (٢): لا، قال: «فإنِّي إذَنْ صائمٌ» رَواه الجماعةُ إلّا البخاريَّ (٣)، وأمَر بصومِ عاشوراءَ في أثنائه (٤). ويُحكم بالصَّوم الشَّرعيِّ المُثابِ عليه مِنْ وقتِ النِّيَّةِ. (وَإِنْ نَوَى الإِفْطَارَ؛ أَفْطَرَ) أي: صار كمَن لم يَنوِ؛ لقطعِه النِّيَّةَ، وليس (٥) كمَن أكلَ أو شرب، فيَصحُّ أن يَنويه نفلًا بغيرِ رمضانَ. (وَمَنْ قَالَ) في أوَّله: (إِنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَ) هو (فَرْضِي؛ لَمْ يَصِحَّ)؛ لعدمِ جَزمِه بالنِّيَّة، (إِلَّا) إن قال ذلك (لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ)، وقال: وإلّا فأنا مفطرٌ، فبانَ مِنْ رمضانَ؛ فيَصحُّ؛ لأنَّه بنَى على أصلٍ لم يَثبت زوالُه.

стр. 587

(بَابٌ) بالتنوين لفظًا، والمعنى على الإضافة، أي: هذا بابُ ما يُفسد الصَّومَ، ويُوجِب الكفَّارةَ. (يَفْسُدُ صَوْمُ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوِ اسْتَعَطَ)، بدُهنٍ (١) أو غيرِه، فوصَل إلى حَلقِه أو دِماغِه، (أَوِ احْتَقَنَ، أَوِ اكْتَحَلَ بِمَا وَصَلَ) أي: بما عَلِم وصولَه (إِلَى حَلْقِهِ) لرُطوبتِه أو حِدَّتِه، مِنْ كُحلٍ، أو صَبِرٍ، أو قَطُورٍ، أو ذَرُورٍ (٢)، أو إِثْمِدٍ كثيرٍ، أو يسيرٍ مطيَّبٍ؛ لأنَّ العينَ مَنفذٌ، وإن لم يَكُنْ معتادًا. (أَوْ أَدْخَلَ جَوْفَهُ شَيْئًا مِنْ أَيِّ مَحَلٍّ كَانَ) غيرَ إحْلِيلِه؛ فسَد صومُه. (أَوِ اسْتَقَاءَ) أي: استَدعَى القَيءَ (فَقَاءَ)؛ فسَد صومُه؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ اسْتَقاءَ عَمْدًا فَلْيَقضِ» حسَّنه التِّرمذيُّ (٣). (أَوْ اسْتَمْنَى) فأَمنَى أو أَمذَى؛ فسَد صومُه.

стр. 588

(أَوْ بَاشَرَ) دونَ فَرجٍ، أو قبَّل أو لمَس (فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَىَ)؛ فسَد صومُه. (أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَمْنَى)؛ فسَد صومُه، لا إن أَمذَى. (أَوْ حَجَمَ أَوِ احْتَجَمَ، وَظَهَرَ دَمٌ)؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «أَفطَر الحاجمُ والمَحجُومُ» رَواه أحمدُ والتِّرمذيُّ (١)، قال ابنُ خُزيمةَ: ثَبتَت الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بذلك (٢). ولا يُفطر بفَصدٍ، ولا شَرطٍ، ولا رُعافٍ. ومَحلُّ فسادِ الصَّومِ بما ذُكر: إذا كان الصَّائمُ فعَل شيئًا مِنْ ذلك حالَ كَونِه (عَامِدًا) أي: قاصدًا الفعلَ، ولو جَهِل التَّحريمَ، (ذَاكِرًا) في الكلِّ (لِصَوْمِهِ، فَلَا) يَفسد صومُه إن فعَل ذلك (نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا (٣))، ولو بوَجُورِ مُغمًى عليه معالَجةً (٤)، فلا يَفسد صومُه، وأَجزأه؛ لقولِه ﷺ : «عُفي لأمَّتي عن الخطأِ والنِّسيانِ، وما استُكرِهُوا عليه» (٥)، ولحديثِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «مَنْ نَسِي وهو

стр. 589

صائمٌ فأكلَ أو شربَ؛ فَلْيُتمَّ صومَه، فإنَّما أَطعَمَه اللهُ وسَقَاه» متَّفق عليه (١). (وَلَا إِنْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ، أَوْ غُبَارٌ)، مِنْ طريقٍ أو دقيقٌ، أو دخانٌ، فلا يَفسد صومُه؛ لعدمِ إمكانِ التحرُّزِ مِنْ ذلك، أَشبَه النَّائمَ. (أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ)؛ لم يُفطر؛ لقولِه ﷺ : «عُفِيَ لأُمَّتي ما حدَّثَت به أَنفُسَها ما لم تَعمَلْ به أو تَتكلَّمْ» (٢)، وقياسُه على تَكرارِ النَّظرِ غيرُ مسلَّمٍ؛ لأنَّه دُونَه. (أَوِ احْتَلَمَ)؛ لم يُفطر؛ لأنَّ ذلك ليس بسببٍ مِنْ جِهَتِه. وكذا لو ذَرَعه أي: غلبَه القَيءُ. (أَوْ قَطَرَ فِي إِحْلِيلِهِ)، أو غيَّبَ فيه (شَيْئًا) فوصَل إلى المَثانةِ؛ لم يُفطر. (أَوْ أَصْبَحَ وَفِي فَمِهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ) أي: طرَحه؛ لم يَفسد صومُه. وكذا لو شقَّ عليه لفظُه، فجرَى مع رِيقِه بلا قصدٍ؛ لِما تَقدَّم، وإن تميَّز عن رِيقه، وبَلِعَه (٣) اختيارًا؛ أَفطَر. ولا يُفطر إن لطَخ باطنَ قدمِه بشيءٍ فوجَد طعمَه بحَلقه. (وَلَا إِنِ اغْتَسَلَ أَوْ تَمَضْمَضَ أَوِ اسْتَنْشَقَ، فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ)، فلا يُفطر؛ لعدمِ القصدِ، حتى (وَلَوْ بَالَغَ) في مضمضمةٍ أو استنشاقٍ، (أَوْ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ) فيهما؛ فلا يُفطر. لكنْ تُكره مبالغةٌ في مضمضةٍ واستنشاقٍ لصائمٍ، وتَقدَّم، وكُرِها (٤) له عبثًا

стр. 590

أو سَرفًا، أو لحرٍّ أو عطشٍ؛ كغَوصِه في ماءٍ عبثًا (١) أو سَرفًا، لا لغُسلٍ مشروعٍ أو تبرُّدٍ، ولا يَفسد صومُه بما دخَل حَلقَه بلا قصدٍ. (وَإِنْ أَكَلَ وَنَحْوَهُ)؛ كما لو شَرِب أو جامَع حالَ كَونِه (شَاكًّا فِي طُلُوعِ فَجْرٍ)، ولم يَتبيَّن له طلوعُه؛ (صَحَّ صَوْمُهُ)، ولا قضاءَ عليه، ولو (٢) تَردَّد؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ اللَّيلِ. (لَا) إن أكَل ونحوُه شاكًّا (فِي غُرُوبِ شَمْسٍ (٣)) مِنْ يومٍ هو صائمٌ فيه، ولم يَتبيَّن بعدَ ذلك أنَّها غرَبَت؛ فعلَيه قضاءُ صومٍ واجبٍ؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ النَّهارِ. (وَإِنْ) أكَل ونحوُه (٤) في وقتٍ (اعْتَقَدَهُ لَيْلًا، فَبَانَ نَهَارًا) أي: ظهَر طلوعُ فجرٍ، أو عدمُ غروبِ شمسٍ؛ (قَضَى) الواجبَ؛ لأنَّه لم يُتمَّ. وكذا يَقضي إن أكَل ونحوُه يَعتقده نهارًا فبانَ ليلًا، ولم يُجدِّد نيَّتَه لواجبٍ (٥). لا مَنْ أكَل ونحوُه ظانًّا غروبَ شمسٍ ولم يَتبيَّن له الخطأُ. (فصل) (وَمَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ (٦))، فغيَّبَ حشَفَةَ ذَكرِه الأصليِّ في فَرجٍ

стр. 591

أصليٍّ، (وَلَوْ) كان جِماعُه (فِي يَوْمٍ لَزِمَهُ إِمْسَاكُهُ)؛ كما لو كان مسافرًا فقَدِم، أو مريضًا فبَرِئ، وكانَا (١) مُفطرَين، أو رَأى الهلالَ لَيلتَه ورُدَّت شهادتُه، أو ثبَتَت رؤيةُ الهلالِ نهارًا، حتى ولو كان جِماعُه قبلَ الثُّبوتِ، كما بحَثه المصنِّفُ (٢). (أَوْ) أي: ولو كان جِماعُه في (دُبُرٍ)، أو كان ناسيًا أو مكرَهًا، (فَعَلَيْهِ القَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ)، أَنزَل أو لا. ولو أَولَج خُنثى مشكِلٌ ذكَرَه في قُبُلِ خُنثى مشكِلٍ أو قُبُلِ (٣) امرأةٍ، أو أَولَج رَجلٌ ذكَرَه في قُبُلِ خُنثى مشكِلٍ (٤)؛ لم يَفسد صومُ واحدٍ منهما، إلّا أن يُنزِل (٥)، كالغُسلِ (٦). (وَإِنْ كَانَ) جِماعُه (دُونَ الفَرْجِ) ولو عمدًا، (فَأَنْزَلَ) مَنيًّا أو مَذْيًا، (أَوْ عُذِرَتْ)، بالبناء للمفعول، (المَرْأَةُ) المجامَعةُ، أي: كانت معذورةً بجهلٍ أو نسيانٍ أو إكراهٍ؛ (فَالقَضَاءُ) واجبٌ (فَقَطْ) أي: دونَ الكفَّارةِ؛ (كَمُسَافِرٍ جَامَعَ فِي صَوْمِهِ) في سفره المباحِ فيه القصرُ، أو في مرضٍ يُبيح الفطرَ، فعلَيه القضاءُ دونَ الكفَّارةِ؛ لأنَّه لا يَلزمه المُضيُّ فيه، أَشبَه التَّطوُّعَ، ولأنَّه يُفطر بنيَّةِ الفطرِ، فيَقع الجماعُ بعدَه.

стр. 592

وإن طاوَعَتِ المرأةُ عامدةً عالمةً؛ فالكفَّارةُ أيضًا. (وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ) متفرِّقَين أو مُتوالِيَين؛ (فَكَفَّارَتَانِ)؛ لأنَّ كلَّ يومٍ عبادةٌ مفرَدةٌ. (وَإِنْ أَعَادَهُ (١)) أي: الوطءَ (فِي يَوْمِهِ) الذي وَطِئ فيه؛ (فَ) كفَّارةٌ (وَاحِدَةٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَفَّرَ لِ) لوَطءِ (الأَوَّلِ)، فإن فعَل؛ بأن جامَع ثمَّ كفَّر ثمَّ جامَع في يومِه؛ لَزِمه كفَّارةٌ ثانيةٌ؛ لأنَّه وطءٌ محرَّمٌ، وقد تَكرَّر، فتُكَرَّر (٢) هي، كالحجِّ. (وَمَنْ جَامَعَ) وهو معافًى (ثُمَّ مَرِضَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ سَافَرَ وَنَحْوُهُ)؛ كما لو مات في يومِه الذي جامَع فيه؛ (لَمْ تَسْقُطِ) الكفَّارةُ عنه؛ لاستقرارِها. (وَلَا كَفَّارَةَ) واجبةٌ (بِغَيْرِ الجِمَاعِ (٣) فِي) صيامِ (نَهَارِ رَمَضَانَ)؛ لأنَّه لم يَرِد فيه نصٌّ، وغيرُه لا يُساويه. والنَّزعُ جماعٌ. والإنزالُ بالمساحَقةِ مِنْ مَجبوبٍ أو امرأتَين: كالجماعِ، كما في «المنتهى» (٤).

стр. 593

(وَهِيَ) أي: كفَّارةُ الوطءِ في نهارِ رمضانَ: (عِتْقُ رَقَبَةٍ) مؤمنةٍ، سليمةٍ مِنْ العيوبِ الضَّارةِ بالعمل، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) رقبةً؛ (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ) الصَّومَ (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)، لكلِّ مسكينٍ مُدُّ بُرٍّ، أو نصفُ صاعِ تمرٍ أو زَبيبٍ أو شَعيرٍ أو أَقِطٍ. (فَإِنْ عَجَزَ) عمَّا يُطعمه للمساكين؛ (سَقَطَتِ) الكفَّارةُ؛ لأنَّ الأعرابيَّ لمَّا دفَع إليه النبيُّ ﷺ التَّمرَ ليُطعمه للمساكين، فأَخبَره بحاجته، قال: «أَطعِمْهُ أَهلكَ» (١)، ولم يأمره بكفَّارةٍ أُخرى، ولم يَذكر له بقاءَها في ذمَّتِه، بخلافِ كفَّارةِ حجٍّ وظِهارٍ ويَمينٍ ونحوِها. ويَسقط الجميعُ بتكفيرِ غيرِه عنه بإذنه. (فصل) فيما يُكرَه ويُستحب (٢) في الصَّوم، وحُكمِ القضاءِ (كُرِهَ لِصَائِمٍ جَمْعُ رِيقِهِ فَيَبْلَعَهُ)، بالنَّصب ب «أنْ» مضمرةً، عطفًا على (٣) المصدر المتقدِّمِ؛ للخروجِ مِنْ خلافِ مَنْ قال بفِطره. (وَ) كُرِه له (ذَوْقُ طَعَامٍ) ولو لحاجةٍ (٤)، (وَ) مَضغُ (عِلْكٍ قَوِيٍّ)، وهو

стр. 594

الذي كلَّما مَضغَه (١) صَلُب وقَوِيَ؛ لأنَّه يَجلب الغمَّ (٢)، ويَجمع الرِّيقَ، ويُورث العطشَ. (فَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُمَا) أي: الطَّعامِ والعِلْكِ (بِحَلْقِهِ؛ أَفْطَرَ)؛ لأنَّه أَوصَله إلى جوفِه. (وَحَرُمَ) على صائمٍ (مَضْغُ عِلْكٍ يَتَحَلَّلُ مُطْلَقًا) أي: سواءٌ بلِع رِيقَه أو لا. (وَ) حَرُم (بَلْعُ نُخَامَةٍ (٣))، سواءٌ كانت مِنْ جوفِه، أو صدرِه، أو دماغِه، (وَيُفْطِرُ بِهَا) أي: بالنُّخامة إن وصَلَت إلى فمِه؛ لأنَّها مِنْ غيرِ الفمِ. وكذا إن (٤) تَنجَّس فمُه بدمٍ أو قيءٍ ونحوِه، فبلِعه وإن قلَّ؛ لإمكانِ التَّحرُّزِ منه (٥). (وَتُكْرَهُ قُبْلَةٌ وَدَوَاعِي وَطْءٍ)؛ كلَمسٍ وتَكرارِ نَظرٍ، (لِمَنْ) أي: لصائمٍ (تُحَرِّكُ) القُبلةُ والدَّواعي (شَهْوَتَهُ)؛ «لأنَّه ﷺ نهَى عنها شابًّا ورخَّص لشيخٍ»

стр. 595

رَواه أبو داودَ مِنْ حديثِ أَبي هريرةَ (١). وتَحرُم (٢) إن ظنَّ إنزالًا. (وَيَجِبُ) مطلقًا (٣) (اجْتِنَابُ كَذِبٍ، وَغِيبَةٍ (٤))، ونَمِيمةٍ، (وَشَتْمٍ)؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ به؛ فلَيس لله حاجةٌ في أن يَدعَ طعامَه وشَرابَه» رَواه أحمدُ والبخاريُّ (٥)، ومعنى قولِه: «حاجةٌ» أي: رضًا ومحبَّةٌ. قال أحمدُ: يَنبغي للصَّائم أن يَتعاهد صومَه مِنْ لسانه، ولا يُماري، ويَصون صومَه، كانوا (٦) إذا صامُوا قعدُوا في المساجد، وقالوا: نَحفظ صومَنا، ولا نَغتاب

стр. 596

أحدًا، ولا نَعمل عملًا نجرحُ به صومَنا (١). (وسُنَّ) لصائمٍ كثرةُ قراءةٍ وذِكرٍ وصدقةٍ، وكفُّ لسانه عمَّا يُكرَه (٢). وسُنَّ (لِمَنْ شُتِمَ قَوْلُ: «إِنِّي صَائِمٌ»)، جهرًا (٣)؛ لقولِه ﷺ : «فإنْ شاتَمَه أَحدٌ أو قاتَلَه فَلْيَقُلْ: إنِّي صائمٌ» (٤). (وَ) سُنَّ (تَأْخِيرُ سُحُورٍ (٥)) إن لم يَخشَ طلوعَ فجرٍ ثانٍ؛ لقولِ زيدِ بنِ ثابتٍ: «تَسحَّرْنا مع النبيِّ ﷺ ، ثمَّ قُمنا إلى الصَّلاة»، قلتُ: كم كان بينَهما؟ قال: «قَدْرُ خمسين آيةً» متَّفق عليه (٦). وتَحصل (٧) فضيلتُه (٨) بشربٍ، وكمالُها بأكلٍ. وكُرِه جماعٌ مع شكٍّ في طلوعِ فجرٍ ثانٍ (٩)، لا سُحورٌ (١٠).

стр. 597

(وَ) سُنَّ (تَعْجِيلُ فِطْرٍ)؛ لقولِه ﷺ : «لا يَزال النَّاسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطرَ» متَّفق عليه (١)، والمرادُ: إذا تَحقَّق غروبَ الشمسِ، وله الفطرُ بغلبةِ الظَّنِّ (٢). (وَ) سُنَّ (كَوْنُهُ عَلَى رُطَبٍ)؛ لحديثِ أنسٍ: «كان رسولُ اللهِ ﷺ يُفطر على رُطَبَاتٍ قبلَ أن يُصلِّي، فإن لم تَكُنْ (٣) فعَلى تمراتٍ، فإن لم تَكُنْ تمراتٌ حثا (٤) حثوات مِنْ ماءٍ» رَواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ غريبٌ (٥). (فَإِنْ لَمْ يَكُنِ) الرُّطبُ؛ (فَتَمْرٌ) إن وُجد (٦)، (وَإِلَّا) يُوجَدْ؛ (فَ) يُفطر على (ماءٍ)؛ لِما تَقدَّم. (وَقَوْلُهُ عِنْدَهُ) أي: الفطرِ (٧)، ما ورَد، ومنه: («اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى

стр. 598

رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ» (١)) (٢). (وَمَنْ فَاتَهُ رَمَضَانُ؛ قَضَى عَدَدَ أَيَّامِهِ)، تامًّا كان أو ناقصًا (٣). (وَسُنَّ) قضاءُ رمضانَ (فَوْرًا، مُتَتَابِعًا)؛ لأنَّ القضاءَ يَحكي الأداءَ، سواءٌ أَفطَر بسببٍ محرَّمٍ أو لا. وإن لم يَقضِ على الفورِ؛ وجَب العزمُ عليه. (وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهُ) أي: القضاءِ (إِلَى رَمَضَانَ آخَرَ بِلَا عُذْرٍ)؛ لقولِ عائشةَ: «كان يَكون عليَّ الصَّومُ مِنْ رمضانٍ (٤)، فما أَستطيع أن أَقضيه إلّا في شعبانَ؛ لِمكان (٥) رسولِ اللهِ ﷺ » متَّفق عليه (٦).

стр. 599

فلا يَجوز التطوُّعُ قبلَه، ولا يصحُّ. (فَإِنْ فَعَلَ) أي: أَخَّره بلا عذرٍ؛ حَرُم عليه، و (أَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) ما يُجزئ (١) في كفَّارةٍ، رَواه سعيدٌ بإسنادِ جيِّدٍ عن ابنِ عبَّاسٍ (٢)، والدارَقُطنيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن أَبي هريرةَ (٣)، وذلك واجبٌ (مَعَ القَضَاءِ) (٤). وإن كان لعذرٍ؛ فلا إطعامَ عليه (٥). (وَإِنْ مَاتَ) بعدَ أن أَخَّره لعذرٍ؛ فلا شيءَ عليه (٦)، ولغيرِ عذرٍ؛ (أُطْعِمَ)، بالبناء للمفعول، (عَنْهُ) لكلِّ يومٍ مسكينٌ، كما (٧) تَقدَّم. (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرُ صَلَاةٍ، أَوْ) نذرُ (صَوْمٍ، أَوْ) نذرُ (حَجٍّ، وَنَحْوِهِ)؛ كنذرِ اعتكافٍ؛ (فُعِلَ) ذلك وجوبًا (مِنْ تَرِكَتِهِ)، فيَفعله الوليُّ، أو يَدفع إلى مَنْ

стр. 600

يَفعل عنه، ويَدفع في صومٍ عن كلِّ يومٍ طعامَ مسكينٍ. (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) له تَرِكةٌ؛ (سُنَّ لِوَلِيِّهِ) فِعلُ ذلك؛ لِما في الصَّحيحَين: أنَّ امرأةً جاءَت إلى النبيِّ ﷺ ، فقالت: أمِّي ماتَت وعليها صومُ نذرٍ، أفأصوم عنها؟ قال «نَعَم» (١)، ولأنَّ النِّيابةَ تَدخل في العبادة بحسَبِ خفَّتِها، وهي أخفُّ (٢) حُكمًا مِنْ الواجب بأصلِ الشَّرعِ. والوليُّ: هو الوارثُ، فإن صامَ غيرُه؛ جازَ مطلقًا (٣)؛ لأنَّه تبرُّعٌ (٤). وهذا كلُّه فيمَن أَمكَنه (٥) صومُ ما نذَره فلَم يَصمه، فلَو أَمكَنه بعضُه؛ قُضي ذلك البعضُ فقط. والعمرةُ في ذلك (٦) كالحجِّ، ولا يُعتبر إمكانُهما فقط (٧).
следующие страницы →