← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

أحدًا، ولا نَعمل عملًا نجرحُ به صومَنا (١). (وسُنَّ) لصائمٍ كثرةُ قراءةٍ وذِكرٍ وصدقةٍ، وكفُّ لسانه عمَّا يُكرَه (٢). وسُنَّ (لِمَنْ شُتِمَ قَوْلُ: «إِنِّي صَائِمٌ»)، جهرًا (٣)؛ لقولِه ﷺ : «فإنْ شاتَمَه أَحدٌ أو قاتَلَه فَلْيَقُلْ: إنِّي صائمٌ» (٤). (وَ) سُنَّ (تَأْخِيرُ سُحُورٍ (٥)) إن لم يَخشَ طلوعَ فجرٍ ثانٍ؛ لقولِ زيدِ بنِ ثابتٍ: «تَسحَّرْنا مع النبيِّ ﷺ ، ثمَّ قُمنا إلى الصَّلاة»، قلتُ: كم كان بينَهما؟ قال: «قَدْرُ خمسين آيةً» متَّفق عليه (٦). وتَحصل (٧) فضيلتُه (٨) بشربٍ، وكمالُها بأكلٍ. وكُرِه جماعٌ مع شكٍّ في طلوعِ فجرٍ ثانٍ (٩)، لا سُحورٌ (١٠).

стр. 597

(وَ) سُنَّ (تَعْجِيلُ فِطْرٍ)؛ لقولِه ﷺ : «لا يَزال النَّاسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطرَ» متَّفق عليه (١)، والمرادُ: إذا تَحقَّق غروبَ الشمسِ، وله الفطرُ بغلبةِ الظَّنِّ (٢). (وَ) سُنَّ (كَوْنُهُ عَلَى رُطَبٍ)؛ لحديثِ أنسٍ: «كان رسولُ اللهِ ﷺ يُفطر على رُطَبَاتٍ قبلَ أن يُصلِّي، فإن لم تَكُنْ (٣) فعَلى تمراتٍ، فإن لم تَكُنْ تمراتٌ حثا (٤) حثوات مِنْ ماءٍ» رَواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ غريبٌ (٥). (فَإِنْ لَمْ يَكُنِ) الرُّطبُ؛ (فَتَمْرٌ) إن وُجد (٦)، (وَإِلَّا) يُوجَدْ؛ (فَ) يُفطر على (ماءٍ)؛ لِما تَقدَّم. (وَقَوْلُهُ عِنْدَهُ) أي: الفطرِ (٧)، ما ورَد، ومنه: («اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى

стр. 598

رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ» (١)) (٢). (وَمَنْ فَاتَهُ رَمَضَانُ؛ قَضَى عَدَدَ أَيَّامِهِ)، تامًّا كان أو ناقصًا (٣). (وَسُنَّ) قضاءُ رمضانَ (فَوْرًا، مُتَتَابِعًا)؛ لأنَّ القضاءَ يَحكي الأداءَ، سواءٌ أَفطَر بسببٍ محرَّمٍ أو لا. وإن لم يَقضِ على الفورِ؛ وجَب العزمُ عليه. (وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهُ) أي: القضاءِ (إِلَى رَمَضَانَ آخَرَ بِلَا عُذْرٍ)؛ لقولِ عائشةَ: «كان يَكون عليَّ الصَّومُ مِنْ رمضانٍ (٤)، فما أَستطيع أن أَقضيه إلّا في شعبانَ؛ لِمكان (٥) رسولِ اللهِ ﷺ » متَّفق عليه (٦).

стр. 599

فلا يَجوز التطوُّعُ قبلَه، ولا يصحُّ. (فَإِنْ فَعَلَ) أي: أَخَّره بلا عذرٍ؛ حَرُم عليه، و (أَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) ما يُجزئ (١) في كفَّارةٍ، رَواه سعيدٌ بإسنادِ جيِّدٍ عن ابنِ عبَّاسٍ (٢)، والدارَقُطنيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن أَبي هريرةَ (٣)، وذلك واجبٌ (مَعَ القَضَاءِ) (٤). وإن كان لعذرٍ؛ فلا إطعامَ عليه (٥). (وَإِنْ مَاتَ) بعدَ أن أَخَّره لعذرٍ؛ فلا شيءَ عليه (٦)، ولغيرِ عذرٍ؛ (أُطْعِمَ)، بالبناء للمفعول، (عَنْهُ) لكلِّ يومٍ مسكينٌ، كما (٧) تَقدَّم. (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرُ صَلَاةٍ، أَوْ) نذرُ (صَوْمٍ، أَوْ) نذرُ (حَجٍّ، وَنَحْوِهِ)؛ كنذرِ اعتكافٍ؛ (فُعِلَ) ذلك وجوبًا (مِنْ تَرِكَتِهِ)، فيَفعله الوليُّ، أو يَدفع إلى مَنْ

стр. 600

يَفعل عنه، ويَدفع في صومٍ عن كلِّ يومٍ طعامَ مسكينٍ. (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) له تَرِكةٌ؛ (سُنَّ لِوَلِيِّهِ) فِعلُ ذلك؛ لِما في الصَّحيحَين: أنَّ امرأةً جاءَت إلى النبيِّ ﷺ ، فقالت: أمِّي ماتَت وعليها صومُ نذرٍ، أفأصوم عنها؟ قال «نَعَم» (١)، ولأنَّ النِّيابةَ تَدخل في العبادة بحسَبِ خفَّتِها، وهي أخفُّ (٢) حُكمًا مِنْ الواجب بأصلِ الشَّرعِ. والوليُّ: هو الوارثُ، فإن صامَ غيرُه؛ جازَ مطلقًا (٣)؛ لأنَّه تبرُّعٌ (٤). وهذا كلُّه فيمَن أَمكَنه (٥) صومُ ما نذَره فلَم يَصمه، فلَو أَمكَنه بعضُه؛ قُضي ذلك البعضُ فقط. والعمرةُ في ذلك (٦) كالحجِّ، ولا يُعتبر إمكانُهما فقط (٧).

стр. 601

(فصل) في صومِ التطوُّعِ وفيه فضلٌ عظيمٌ؛ لحديثِ: «كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له، الحسنةُ بعَشرِ أمثالِها إلى سبعمائةِ ضِعفٍ، فيَقول اللهُ تَعالى: إلّا الصَّومَ؛ فإنَّه لي، وأنا أَجزي به» (١)، وهذه الإضافةُ للتَّشريفِ والتَّعظيمِ (٢). (أَفْضَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ): صومُ (يَوْمٍ وَ) فِطرُ (يَوْمٍ)؛ لأمرِه ﷺ عبدَ اللهِ بنَ عمرو بذلك، قال: «وهو أفضلُ الصِّيامِ» متَّفق عليه (٣). وشرطُه: ألَّا يُضعف البَدنَ حتى يَعجِزَ عمَّا هو أفضلُ، مِنْ القيامِ بحقوقِ اللهِ تَعالى، وحقوقِ عبادِه اللَّازمةِ، وإلّا فتَركُه أفضلُ. (وَيُسَنُّ) صومُ (ثَلَاثَةِ) أيَّامٍ (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَ) يُسنُّ (كَوْنُهَا) أي: الثلاثةِ أيَّامَ اللَّيالي (البِيضِ)؛ لِما روَى أبو ذرٍّ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: «إذا صُمتَ مِنْ كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ فصُمْ ثلاثَ عشرةَ وأربعَ عشرةَ وخمسَ عشرةَ» رَواه التِّرمذيُّ وحسَّنه (٤) (٥)، وسُمِّيَت بِيضًا؛ لابْيِضاضِ ليلِها كلِّه بالقمر (٦).

стр. 602

(وَ) يُسنُّ (١) صومُ (الاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ)؛ لقولِه ﷺ : «هُما يَومان تُعرَض فيهما الأعمالُ على ربِّ العالَمين، وأُحبُّ أن يُعرَض عملي وأنا صائمٌ» رَواه أحمدُ والنَّسائيُّ (٢). (وَ) يُسنُّ صومُ (سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ (٣))؛ لحديثِ: «مَنْ صامَ رمضانَ، وأَتبَعه بستٍّ (٤) مِنْ شوَّالٍ؛ فكأنَّما صامَ الدَّهرَ» أَخرجه مسلمٌ (٥)، (وَالأَفْضَلُ) صومُها (٦) (عَقِبَ العِيدِ مُتَوَالِيَةً (٧)). (وَ) يُسنُّ صومُ (شَهْرِ (٨) اللهِ المُحَرَّمِ)؛ لحديثِ: «أفضلُ الصِّيامِ بعدَ رمضانَ شهرُ اللهِ المحرَّمُ» رَواه مسلمٌ (٩). (وَآكَدُهُ عَاشُورَاءُ، ثُمَّ تَاسُوعَاءُ (١٠))؛ لقولِه ﷺ : «لَئِنْ بَقِيتُ إلى قابلٍ لَأَصومنَّ التاسعَ والعاشرَ» احتجَّ به أحمدُ (١١)، وقال: إن اشتَبَه أوَّلُ الشَّهرِ؛ صامَ

стр. 603

ثلاثةَ أيَّامٍ؛ ليَتيقَّن صومَهما (١). وصومُ عاشوراءَ كفَّارةُ سَنةٍ، ويُسنُّ فيه التَّوسعةُ على العِيال (٢). (وَ) يُسنُّ صومُ (تِسْعِ ذِي الحِجَّةِ (٣))؛ لقولِه ﷺ : «ما مِنْ أيَّامٍ العملُ الصالحُ فيهنَّ أَحبُّ إلى الله مِنْ هذه الأيَّامِ العشرِ»، قالوا: يا رسولَ اللهِ، ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ قال: «ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ، إلَّا رَجلًا خرَج بنفسه ومالِه، فلَم يَرجِعْ مِنْ ذلك بشيءٍ» رَواه البخاريُّ (٤). (وَأَفْضَلُهُ يَوْمُ عَرَفَةَ (٥) لِغَيْرِ حَاجٍّ بِهَا)، وهو كفَّارةُ سَنتَين؛ لحديثِ: «صيامُ يومِ (٦) عرفةَ أَحتسبُ على الله أن يُكفِّر السَّنةَ التي قبلَه والسَّنةَ التي بعدَه» (٧). وقال في صيامِ عاشوراءَ: «إنِّي أَحتسبُ على الله أن يُكفِّر السَّنةَ التي قبلَه»

стр. 604

رَواه مسلمٌ (١). (ثُمَّ) يَلي يومَ عرفةَ في الآكديَّةِ: (يَوْمُ التَّرْوِيَةِ)، وهو الثامنُ. (وَكُرِهَ إِفْرَادُ رَجَبٍ) بصومٍ؛ لأنَّ فيه إحياءً لشعائرِ الجاهليَّةِ، فإن أَفطَر منه، أو صامَ معه شهرًا مِنْ السَّنةِ؛ زالَت الكراهةُ (٢). (وَ) كُرِه إفرادُ يومِ (السَّبْتِ)؛ لحديثِ: «لا تَصوموا يومَ السَّبتِ إلّا فيما افتُرِض عليكم» رَواه أحمدُ (٣). (وَ) كُرِه إفرادُ يومِ (الجُمُعَةِ (٤))؛ لقولِه ﷺ : «لا تَصوموا يومَ الجمعةِ إلّا وقبلَه يومٌ أو بعدَه (٥) يومٌ» متَّفق عليه (٦).

стр. 605

(وَ) كُرِه إفرادُ يومِ (عِيدٍ لِكُفَّارٍ بِصَوْمٍ)، وصومُ النَّيرُوزِ والمِهْرَجانِ (١)، وكلِّ يومٍ يُفردونه بالتَّعظيم. (وَ) كُرِه صومُ (يَوْمِ شَكٍّ (٢))، وهو يومُ الثلاثين مِنْ شعبانَ (إِنْ كَانَ لَيْلَتَهُ صَحْوٌ)، بأن لا يَكون دونَ مَطلعِ الهلالِ تلك الليلةَ غَيمٌ ولا قَتَرٌ، كما تَقدَّم؛ لقولِ عمارٍ: «مَنْ صامَ اليومَ الذي يُشكُّ فيه فقد عصَى أبا القاسمِ ﷺ » رَواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ، وصحَّحه، والبخاريُّ تعليقًا (٣).

стр. 606

(وَيَحْرُمُ صَوْمُ يَوْمِ عِيدِ (١)) فطرٍ أو أَضحى إجماعًا (٢)؛ للنَّهيِ المتَّفق عليه (٣)، (مُطْلَقًا) أي: سواءٌ صامَهما عن فرضٍ أو لا (٤). (وَ) يَحرُم صومُ (أَيَّامِ تَشْرِيقٍ)؛ لقولِه ﷺ : «أيَّامُ التَّشريقِ أيَّامُ أكلٍ وشُربٍ، وذكرِ الله » رَواه مسلمٌ (٥). (إِلَّا عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ)، فيصحُّ صومُ أيَّامِ التَّشريقِ لمَن عَدِمَ الهَديَ؛ لقولِ ابنِ عمرَ وعائشةَ: «لم يُرَخَّص في أيَّامِ التَّشريقِ أن يُصَمن إلّا لمَن لم يَجِد الهَديَ» رَواه البخاريُّ (٦). (وَمَنْ دَخَلَ فِي فَرْضٍ) موسَّعٍ مِنْ صومٍ أو غيرِه؛ (حَرُمَ قَطْعُهُ)، كالمضيَّق، فيَحرُم خروجُه مِنْ فرضٍ بلا عذرٍ؛ لأنَّ الخروجَ مِنْ عُهدةِ الواجبِ متعيِّنٌ (٧)، ودخلَت التَّوسعةُ في وقته رِفقًا ومَظِنَّةً للحاجةِ، فإذا شرَع تَعيَّنتِ (٨) المصلحةُ في إتمامه (٩).

стр. 607

(وَلَا يَلْزَمُ إِتْمَامُ نَفْلٍ) مِنْ صومٍ وصلاةٍ ووضوءٍ وغيرِها؛ لقولِ عائشةَ: يا رسولَ اللهِ، أُهدي لنا حَيْسٌ، فقال: «أَرِنِيه، فلَقَد أصبحتُ صائمًا»، فأكَل. رَواه مسلمٌ وغيرُه (١)، زاد (٢) النَّسائيُّ بإسنادٍ جيدٍ: «إنَّما مَثلُ صومِ التطوُّعِ مَثلُ الرَّجلِ يُخرج مِنْ مالِه الصَّدقةَ، فإن شاء أَمضَاها، وإن شاء حَبَسها» (٣). وكُرِه خروجُه منه بلا عذرٍ. (وَلَا) يَلزم (قَضَاءُ فَاسِدِهِ) أي: النَّفلِ، (غَيْرَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ) فيَجب إتمامُهما؛ لانعقادِ الإحرامِ لازمًا، فمتى أَفسَدهما أو فسَدَا؛ لَزِمه القضاءُ. (وَتُرْجَى لَيْلَةُ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ (٤))؛ لقولِه ﷺ : «تَحرَّوا ليلةَ القَدْرِ في العَشرِ الأَواخرِ مِنْ رمضانَ» متَّفق عليه (٥)، وفي الصَّحيحَين: «مَنْ قامَ ليلةَ القَدْرِ إيمانًا واحتسابًا؛ غُفر له ما تَقدَّم مِنْ ذنبِه» (٦)، زاد أحمدُ: «وما تأخَّرَ» (٧)، وسُمِّيَت بذلك؛ لأنَّه يُقدَّر فيها ما يَكون في تلك السَّنةِ، أو لِعِظَمِ قَدْرِها

стр. 608

عندَ اللهِ، أو لأنَّ للطَّاعةِ فيها قَدْرًا عظيمًا. وهي أفضلُ اللَّيالي، وهي باقيةٌ لم تُرفع؛ للأخبارِ. (وَأَوْتَارُهُ آكَدُ)؛ لقولِه ﷺ : «اطْلُبُوها في العَشرِ الأواخرِ في ثلاثٍ بَقِينَ، أو سَبعٍ بَقِينَ، أو تِسعٍ بَقِينَ» (١). (وَأَبْلَغُهَا) أي: أبلغُ الأوتارِ في الآكديَّة: (لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ (٢))؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ (٣) وأُبيِّ بنِ كَعبٍ (٤) وغيرِهما (٥).

стр. 609

وحكمةُ إخفائِها: ليَجتهدوا في طلبها. ويُكثِر فيها مِنْ الدُّعاء؛ لأنَّه مستجابٌ. (وَيَكُونُ مِنْ دُعَائِهِ فِيهَا) ما ورَد عن عائشةَ قالت: يا رسولَ اللهِ، إنْ وافقتُها فبِمَ أَدعو؟ قال: «قُولي: (اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي») رَواه أحمدُ وابنُ ماجَه، وللتِّرمذيِّ معناه، وصحَّحه (١)، ومعنى «العَفوِ»: التَّركُ (٢).

стр. 610

(بَابُ الاعْتِكَافِ) لغةً: لُزومُ الشَّيءِ، ومنه: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾. واصطلاحًا: لُزومُ مسلمٍ لا غُسلَ عليه، عاقلٍ ولو مميِّزًا، مسجدًا ولو ساعةً، لطاعةِ اللهِ تَعالى. ولا يَبطل بإغماءٍ (١). وهو (مَسْنُونٌ كُلَّ وَقْتٍ) إجماعًا (٢)؛ لفعلِه ﷺ ، ومُداومتِه عليه، واعتَكَف أزواجُه بعدَه ومعه (٣). (وَ) هو (فِي رَمَضَانَ آكَدُ، خُصُوصًا عَشْرَهُ الأَخِيرَ)، بالنَّصب. (وَيَصِحُّ) اعتكافٌ (بِلَا صَوْمٍ)؛ لقولِ عمرَ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي نَذرتُ في الجاهليَّةِ أن أَعتكف ليلةً بالمسجد الحرامِ، فقال النبيُّ ﷺ : «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» رَواه البخاريُّ (٤)، ولو كان الصَّومُ شرطًا؛ لَما صحَّ اعتكافُ اللَّيلِ. و (لَا) يصحُّ اعتكافٌ (بِلَا نِيَّةٍ)؛ لحديثِ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوَى» (٥). (وَيَلْزَمُ) اعتكافٌ (بِنَذْرٍ (٦))؛ لِما تَقدَّم (٧).

стр. 611

ومَن نذَر أن يَعتكف صائمًا، أو بصومٍ، أو يَصومَ معتكِفًا، أو باعتكافٍ؛ لَزِمه (١) الجمعُ، وكذا لو نذَر أن يُصلِّي معتكِفًا ونحوَه. (وَلَا يَصِحُّ) اعتكافٌ (إِلَّا فِي مَسْجِدٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. (وَلَا) يصحُّ (مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الجَمَاعَةُ)، وهو الرَّجلُ الحرُّ القادرُ، (إِلَّا حَيْثُ تُقَامُ) أي: إلّا في مسجدٍ تُقام فيه الجماعةُ إن أَتى عليه فعلُ صلاةٍ؛ لأنَّ الاعتكافَ إذَنْ في غيرِه يُفضي إمَّا إلى تركِ الجماعةِ، أو تَكرار الخروجِ إليها كثيرًا مع إمكانِ التَّحرُّزِ منه، وهو مُنافٍ للاعتكافِ. وعُلِم منه: صحَّةُ اعتكافِ نحوِ امرأةٍ وعبدٍ ومعذورٍ في كلِّ مسجدٍ. (وَأَفْضَلُ المَسَاجِدِ): المسجدُ (الحَرَامُ) بمكَّةَ المعظَّمةِ (٢)، (فَ) يَليه (مَسْجِدُ المَدِينَةِ) أي: مدينةِ النبيِّ ﷺ ، (فَ) يَليه المسجدُ (٣) (الأَقْصَى) بالأرض المقدَّسةِ؛ لقولِه ﷺ : «صلاةٌ في مسجِدي هذا خيرٌ مِنْ ألفِ صلاةٍ فيما سِواه، إلّا المسجدَ الحرامَ» رَواه الجماعةُ إلّا أبا داودَ (٤). (فَإِنْ عَيَّنَ) لاعتكافِه أو صلاتِه (أَحَدَهَا) أي: أحدَ المساجدِ الثلاثةِ؛ كالمسجد الحرامِ؛ (لَمْ يَجْزِ) فعلُ ما نذَره في (مَا دُونَهُ)؛ كمسجدِ المدينةِ والأَقصى، أو عيَّن مسجدَ المدينةِ؛ لم يَجزِ في الأَقصى. (وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ)، فمَن نذَر اعتكافًا أو صلاةً بمسجدِ المدينةِ أو الأَقصى؛

стр. 612

أَجزأه بالمسجد الحرامِ، أو عيَّن الأَقصى؛ أَجزأه بكلٍّ مِنْ الثلاثة (١). (وَإِنْ عَيَّنَ مَسْجِدًا غَيْرَ) المساجدِ (الثَّلَاثَةِ) المذكورةِ؛ (لَمْ يَتَعَيَّنْ (٢)) أي: لم يَلزمه الاعتكافُ أو الصَّلاةُ فيما عيَّنه مِنْ غيرِ الثلاثةِ (٣)؛ لقولِه ﷺ : «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرامِ، ومَسجِدي هذا، والمسجدِ الأَقصى» (٤)، فلَو تَعيَّن غيرُها بتعيينِه؛ لَزِمه المُضيُّ إليه، واحتاجَ لشَدِّ الرِّحالِ إليه. لكنْ إن نذَر اعتكافًا في جامعٍ؛ لم يُجزِئه في مسجدٍ لا تُقام فيه الجمعةُ (٥). (وَمَنْ نَذَرَ) اعتكافًا (زَمَنًا مُعَيَّنًا (٦))؛ كعشرِ ذي الحجَّةِ؛ (دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ

стр. 613

قَبْلَهُ) أي: الزَّمنِ المعيَّنِ (بِيَسِيرٍ)، فيَدخل في المِثال: قبلَ الغروبِ مِنْ اليوم الذي قبلَ العشرِ، (وَخَرَجَ) مِنْ مُعتكَفِه (بَعْدَ آخِرِهِ)، فيَخرج في المِثال: بعدَ غروبِ الشمسِ آخِرَ (١) يومٍ مِنْ العَشرِ. وإن نذَر يومًا؛ دخَل قبلَ فجرِه، وتأخَّر حتى تَغرب شمسُه. وإن نذَر زمنًا معيَّنًا؛ تابَعَه ولو أَطلَق، وعددًا؛ فلَه تفريقُه (٢). ولا تَدخل ليلةُ يومٍ نُذِرَ؛ كيومِ ليلةٍ نُذِرَت. (وَلَا يَخْرُجُ مُعْتَكِفٌ) مِنْ مُعتكَفِه (إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ)؛ كإتيانه بمأكلٍ ومَشربٍ لعدمِ مَنْ يأتيه بهما، وكقَيءٍ بَغتَه (٣)، وبولٍ وغائطٍ، وطهارةٍ واجبةٍ، وغَسلِ متنجِّسٍ يَحتاجه، وإلى جمعةٍ وشهادةٍ لَزِمَتاه. والأَولى ألَّا يُبكِّر لجمعةٍ، ولا يُطيلَ الجلوسَ بعدَها. وله المَشيُ على عادته (٤)، وقصدُ بيتِه لحاجةٍ (٥) إن لم يَجِد مكانًا يَليق به بلا ضررٍ ولا مِنَّةٍ، وغسلُ يدِه بمسجدٍ في إناءٍ مِنْ وسخٍ ونحوِه، لا بولٌ وفَصدٌ

стр. 614

وحِجامةٌ بإناءٍ، فيه أو في هوائه. (وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً) حيثُ وجَب عليه الاعتكافُ متتابعًا، ما لم يَتعيَّن عليه ذلك لعدمِ مَنْ يَقوم به. (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ) أي: يَشترطَ في ابتداءِ اعتكافِه (١) الخروجَ إلى عيادةِ مريضٍ، أو شهودِ جنازةٍ، وكذا كلُّ قُرْبةٍ لم تَتعيَّن عليه، وما له منه بُدٌّ؛ كعَشاءٍ، ومَبيتٍ ببيته، لا الخروجِ للتِّجارةِ، ولا التكسُّبِ بالصَّنعة في المسجد، ولا الخروجِ لِما شاءَ. وإن قال: متى مَرضتُ أو عرَض لي عارضٌ خَرجتُ؛ فلَه شرطُه (٢). وإذا زالَ العذرُ؛ وجَب الرُّجوعُ إلى اعتكافٍ واجبٍ (٣). (وَيَفْسُدُ اعْتِكَافٌ بِوَطْءِ) مُعتكِفٍ (فِي فَرْجٍ)، أو إنزالٍ بمباشرةٍ دونَه، ويُكفِّر كفَّارةَ يمينٍ إن كان الاعتكافُ منذورًا؛ لإفسادِ نذرِه، لا لوطئِه. (وَ) يَفسد اعتكافٌ أيضًا بِ (سُكْرٍ، وَخُرُوجٍ بِلَا حَاجَةٍ) ولو قلَّ. (وَيُسَنُّ) لمُعتكِفٍ (اشْتِغَالُهُ بِالقُرَبِ)، مِنْ صلاةٍ وقراءةٍ (٤) وذِكرٍ ونحوِها (٥).

стр. 615

(وَاجْتِنَابُ مَا لَا يَعْنِيهِ)، بفتحِ الياءِ، أي: يُهمُّه؛ لقولِه ﷺ : «مِنْ حُسنِ إسلامِ المرءِ تَركُه ما لا يَعنيه» (١). ويَنبغي لمَن قصَد المسجدَ أن يَنوي الاعتكافَ مدَّةَ لُبثِه، لا سِيَّما إن كان صائمًا. ولا يَجوز بيعٌ ولا شراءٌ فيه لمُعتكِفٍ وغيرِه، ولا يصحُّ.

стр. 616

(كِتَابُ المنَاسِكِ (١)) جمعُ «مَنْسَكٍ» بفتحِ السِّينِ وكسرِها، وهو التعبُّدُ، يُقال: تَنسَّكَ، إذا تَعبَّدَ. وغلَب إطلاقُها على متعبَّداتِ الحجِّ. والمَنسكُ في الأصل مِنْ النَّسيكةِ، وهي الذَّبيحةُ. (يَجِبُ الحَجُّ)، بفتحِ الحاءِ في الأَشهَرِ، عكسُ شهرِ ذي الحِجَّةِ، وهو لغةً: القصدُ. وشرعًا: قصدُ مكَّةَ لعملٍ مخصوصٍ، في زمنٍ مخصوصٍ. (وَالعُمْرَةُ (٢)) وهي لغةً: الزِّيارةُ. وشرعًا: زيارةُ البيتِ على وجهٍ مخصوصٍ. ووجوبُهما؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ولحديثِ عائشةَ:

стр. 617

يا رسولَ اللهِ، هل على النِّساء مِنْ جهادٍ؟ قال: «نعَم، عليهنَّ جهادٌ لا قتالَ فيه: الحجُّ والعمرةُ» رَواه أحمدُ وابنُ ماجَه بإسنادٍ صحيحٍ (١)، وإذا ثبَت ذلك في النِّساء، فالرِّجالُ أَولى. والحجُّ أَحدُ مَباني الإسلامِ الخمسِ، وفرضُه سنةَ تسعٍ مِنْ الهجرةِ. وهو فرضُ كفايةٍ كلَّ عامٍ على مَنْ لا يَجب (٢) عليه عَينًا، نقلَه في «الآداب الكُبرى» عن «الرِّعاية»، وقال: هو خلافُ ظاهرِ قولِ الأصحابِ. انتهى (٣). ويُمكن أن يُقال: مَنْ لا يَجب عليه الحجُّ عَينًا، بأن يَكون أدَّى حجَّةَ الإسلامِ، فالحجُّ في حقِّه بعدَ ذلك فرضُ كفايةٍ باعتبارِ اندِراجِه في عمومِ المخاطَبِين بفرضِ الكفايةِ، فيَعزم كلَّ عامٍ على الحجِّ مع القدرةِ لو لم يَحُجَّ غيرُه، وهو نفلٌ في حقِّه أيضًا باعتبارِ خُصوصِه، فيُسنُّ له العزمُ على الحجِّ كلَّ عامٍ مع القدرةِ. فزَيدٌ مَثلًا؛ إذا كان أدَّى حجَّةَ الإسلامِ، ثمَّ رَأى النَّاسَ تَهيَّؤوا للخروجِ إلى الحجِّ فعزَم على الخروج معهم؛ كان عزمُه وأخذُه في الأسباب على سبيلِ النَّفليَّةِ ظاهرًا، ثمَّ إذا حجَّ الجميعُ، فمَن كان منهم حجَّتُه حجَّةُ الإسلامِ؛ فثوابُه ثوابُ فرضِ العينِ، وغيرُه إن كان ممَّن دخَل في عمومِ المخاطَبِين بفرضِ الكفايةِ؛ أُثِيب كلُّ فردٍ منهم ثوابَ فرضِ الكفايةِ؛ لاستوائِهم في مطلَقِ أداءِ فرضِ الكفايةِ. وملخَّصُ هذا (٤): أنَّ الحجَّ في حقِّ هذا القسمِ عندَ التوجُّهِ

стр. 618

إليه (١) فرضُ كفايةٍ على العموم، نفلٌ على الخصوص، وبعدَ فعلِ الحجِّ يَتبيَّن أنَّهم قاموا بفرضِ الكفاية، فيُثابون على الخصوص ثوابَ فرضِ الكفايةِ، ومِثلُ هذا يأتي في الصَّلاة على الميِّت ونحوِها، فلا مُنافاةَ بينَ كلامِ «الرِّعايةِ» وغيرِها؛ لِما علمتَ مِنْ ثبوتِ الاعتبارَين المذكورَين. وبهذا أيضًا يَندفع ما أَورَده الشيخُ خالدٌ (٢). والظاهرُ أيضًا: سقوطُ فرضِ الكفايةِ بفرضِ العينِ؛ لحصولِ المقصودِ، مع كَونِه أَعلى، هذا ما ظهَر لي، ولم أَرَه مسطورًا. وإذا تَقرَّر ذلك: فيَجب الحجُّ والعمرةُ (مَرَّةً) واحدةً (فِي العُمْرِ)؛ لقولِه ﷺ : «الحجُّ مرَّةً، فمَن زادَ فهو متطوِّعٌ» رَواه أحمدُ وغيرُه (٣). (عَلَى مُسْلِمٍ، حُرٍّ، مُكَلَّفٍ، مُسْتَطِيعٍ)، فالإسلامُ والعقلُ شَرْطان للوجوبِ والصِّحَّةِ (٤)، والبلوغُ وكمالُ الحرِّيَّةِ شَرْطان للوجوبِ والإجزاءِ دونَ الصِّحَّةِ،

стр. 619

والاستطاعةُ شرطٌ للوجوبِ دونَ الإجزاءِ، فهذه خمسةُ شروطٍ للحجِّ والعمرةِ، قد جَمعتُها ببَيتَين فقلتُ: الحجُّ والعمرةُ واجبانِ … في العُمرِ مرَّةً بلا تَوَانِي بِشَرطِ إسلامٍ كذا حُرِّيَّهْ … عَقلٌ بُلوغٌ قُدرةٌ جَليَّهْ وقولُه: «بلا تَواني»؛ إشارةٌ إلى أنَّ وجوبَهما بالشُّروط المذكورةِ على الفَورِ، فيَأثم إن أخَّره بلا عذرٍ؛ لقولِه ﷺ : «تَعجَّلوا إلى الحجِّ يَعني: الفريضةَ فإنَّ أَحدَكم لا يَدري ما يَعرِض له» رَواه أحمدُ (١). وقولُه: «قُدرةٌ جَليَّة»؛ إشارةٌ إلى الاستطاعة التي بَيَّنها المصنِّفُ بقولِه: (بِأَنْ وَجَدَ زَادًا وَمَرْكُوبًا) بآلتِهما، (صَالِحَيْنِ لِمِثْلِهِ)؛ لِما روَى الدارَقُطنيُّ بإسناده عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ في قوله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال: قيلَ: يا رسولَ اللهِ، ما السَّبيلُ؟ قال: «الزَّادُ والرَّاحلةُ» (٢). وكذا لو وجَد ما يُحصِّل به ذلك. (بَعْدَ مَا يَحْتَاجُهُ (٣) لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ)، مِنْ النَّفقاتِ الشَّرعيَّةِ، والحوائجِ

стр. 620

الأصليَّةِ؛ مِنْ كُتبٍ، ومَسكنٍ، وخادمٍ، ولباسِ مِثلِه، وغِطاءٍ، ووِطاءٍ ونحوِها، ولا يَصير مستطيعًا ببَذلِ غيرِه له. (وَ) بعدَ (قَضَاءِ دَيْنِهِ) الحالِّ والمؤجَّلِ، للهِ تَعالى أو لآدميٍّ (١). ويُعتبر أَمنُ طريقٍ بلا خِفارةٍ (٢)، يُوجَد فيه (٣) الماءُ والعَلَفُ على المعتاد، وسَعَةُ وقتٍ يُمكن السَّيرُ فيه على العادة. (وَيَصِحُّ) فعلُ حجٍّ وعمرةٍ (مِنْ صَغِيرٍ) نفلًا؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ امرأةً رفَعَت إلى النبيِّ ﷺ صبيًّا، فقالت: أَلِهذا حجٌّ؟ قال: «نعَم، ولكِ أجرٌ» رَواه مسلمٌ (٤)، (وَلَوْ) كان الصَّغيرُ (دُونَ) سنِّ (التَّمْيِيزِ)، بأن لم يَتمَّ له سبعُ سِنين. (وَيُحْرِمُ) بالحجِّ أو العمرةِ (عَنْهُ (٥)) أي: عمَّن لم يُميِّز، (وَلِيُّهُ) في مالِه (٦)، ولو مُحرِمًا أو لم يَحجَّ. (وَ) يُحرِم (مُمَيِّزٌ بِإِذْنِهِ (٧))

стр. 621

أي: الوليِّ (١). (وَيَفْعَلُ وَلِيُّ (٢)) صغيرٍ (٣) (مَا يُعْجِزُهُ)، مِنْ رَميٍ وغيرِه، لكن يَبدأ الوليُّ في رَميٍ بنفسه (٤)، ولا يُعتدُّ برَميِ حلالٍ. ويُطاف به لعجزٍ (٥)، راكبًا أو محمولًا، وتُعتبر نيَّةُ طائفٍ به (٦)، لا كَونُه طافَ عن نفسه، ولا مُحرِمًا. (وَ) يصحُّ حجٌّ وعمرةٌ (مِنْ رَقِيقٍ) نفلًا؛ لعدمِ المانعِ، ويَلزمانه بنَذره. ولا يُحرِم بنفلٍ أو نذرٍ لم يُؤذَن له فيه، ولا زوجةٌ بنفلٍ، إلّا بإذنِ سيِّدٍ وزوجٍ، فإن عقَدَاه؛ فلَهُما تحليلُهما، ولا يَمنعها (٧) مِنْ حجِّ فرضٍ كَمَلَت شروطُه. ولكلٍّ مِنْ أَبوَي حرٍّ بالغٍ منعُه مِنْ إحرامٍ بنفلٍ؛ كنفلِ جهادٍ، ولا يُحلِّلانه إن أَحرَم. (وَإِنْ بَلَغَ) صغيرٌ (أَوْ عَتَقَ) رقيقٌ، وهُما مُحرِمان بحجٍّ (بِعَرَفَةَ) أي: وهُما

стр. 622

فيها قبلَ الدَّفعِ، أو بعدَه إن عادَ مَنْ ذُكِرَ فوقَف في وقته، (وَلَمْ يَكُنْ سَعَى لِلحَجِّ) بعدَ طوافِ القُدومِ؛ (أَجْزَأَ) الحجُّ مَنْ ذُكِر (فَرْضًا). وكذا لو وُجِدَ ذلك في إحرامِ العمرةِ قبلَ طوافِها. فيُجزئ عن حجَّةِ الإسلامِ وعمرتِه. ويُعتدُّ بإحرامٍ ووقوفٍ موجودَين إذَنْ. وما قبلَه تطوُّعٌ لم يَنقلب فرضًا. وقال بعضُهم: يَنعقد موقوفًا، فإذا زالَ الرِّقُّ انقَلَب فرضًا (١). فإن كان الصَّغيرُ أو القِنُّ سعَى بعدَ طوافِ القُدومِ قبلَ الوقوفِ؛ لم يُجزئه الحجُّ (٢) ولو أعادَ السَّعيَ؛ لأنَّه لا تُشرع مجاوَزةُ عددِه، ولا تَكرارُه، بخلافِ الوقوفِ، فإنَّه لا قَدْرَ له محدودٌ، وتُشرع استدامتُه. وكذا إن بلَغ أو عتَق في أثناءِ طوافِ العمرةِ؛ لم يُجزئه (٣)، ولو أَعاده. (وَمَنْ عَجَزَ) عن السَّعيِ إلى الحجِّ مع توفُّرِ الشُّروطِ المتقدِّمةِ؛ (لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَنَحْوِهِ)؛ كثِقَلٍ لا يَقدِر معه على ركوبٍ إلّا بمشقَّةٍ شديدةٍ، أو كان نِضْوَ الخِلقةِ (٤) لا يَقدِر ثبوتًا على راحلةٍ إلّا بمشقَّةٍ غيرِ محتمَلةٍ؛ (لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ عَنْهُ) فورًا، (مِنْ بَلَدِهِ) الذي وجَبَا عليه فيه، (وَقُرْبِهِ) أي: أو مِنْ مكانٍ قريبٍ مِنْ بلده؛ بأن يَكون بينَه وبينَه دونَ المسافة؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ: إنَّ امرأةً مِنْ خَثْعَمَ قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أَبي أَدرَكَته فريضةُ اللهِ تَعالى في الحجِّ

стр. 623

شيخًا كبيرًا لا يَستطيع أن يَستوي على الرَّاحلة، أَفأَحجُّ عنه؟ قال: «حُجِّي عنه» متَّفق عليه (١). (وَيُجْزِئُ) الحجُّ والعمرةُ (٢) عن المَنُوبِ عنه إذَنْ، (وَلَو عُوفِيَ بَعْدَ إِحْرَامِ نَائِبِهِ)، قبلَ فراغِه مِنْ النُّسك أو بعدَه؛ لأنَّه أَتى بما أُمِر به فخرَج مِنْ العُهدة (٣). ويَسقطان عمَّن لم يَجِد نائبًا. (وَشُرِطَ لِوُجُوبِهِ) أي: الحجِّ، وكذا العمرةُ، (عَلَى أُنْثَى): وجودُ (مَحْرَمٍ) لها، مسلمٍ مكلَّفٍ، ولو عبدًا، (مِنْ زَوْجٍ أَوْ أَبٍ أَوْ خَالٍ) لها، ونحوِه ممَّن تَحرُم عليه أبدًا، بنَسبٍ أو سببٍ مباحٍ، (وَلَوْ) كان المَحرَمُ (مِنْ رَضَاعٍ وَنَحْوِهِ)؛ كمصاهَرةٍ، بخلافِ مَنْ تَحرُم عليه بسببٍ محرَّمٍ، كأمِّ المَزنيِّ بها وبنتِها، وكذا أمُّ الموطُوءةِ (٤) بشُبهةٍ وبنتُها. والمُلاعِنُ ليس مَحرمًا للملاعَنَةِ (٥)؛ لأنَّ تحريمَها عليه أبدًا عقوبةٌ وتغليظٌ عليه، لا لحُرمتِها. ونفقةُ المَحرَمِ عليها، فيُشترط لها مِلكُ زادٍ وراحلةٍ لهُما، ولا يَلزمه مع بَذلِها ذلك سفرٌ معها (٦).

стр. 624

(وَحَرُمَ سَفَرُهَا بِدُونِهِ) أي: المَحرمِ؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ: «لا تُسافرُ امرأةٌ إلّا مع مَحرمٍ، ولا يَدخلُ عليها رَجلٌ إلّا ومعها مَحرمٌ» رَواه أحمدُ بإسنادٍ صحيحٍ (١). ولا فرقَ بينَ الشابَّةِ والعجوزِ، وقصيرِ السَّفرِ وطويلِه. فإن فعَلَت؛ بأن حجَّت بدونِ مَحرمٍ؛ أَجزأ مع الحُرمةِ. ومَن أَيِسَت مِنْ المَحرمِ استَنابَت (٢). (وَإِنْ مَاتَ مَنْ لَزِمَهُ) حجٌّ أو عمرةٌ؛ (اسْتُنِيبَ عَنْهُ) وجوبًا (مِنْ تَرِكَتِهِ) مِنْ رأسِ المالِ، أَوصَى به أو لا، ويَحجُّ النَّائبُ مِنْ حيثُ وجَبَا على الميتِ؛ لأنَّ القضاءَ يَحكي الأداءَ، وذلك لِما روَى البخاريُّ عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ امرأةً قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أمِّي نذَرَت أن تَحجَّ، فلم تَحجَّ حتَّى ماتَت، أَفأَحجُّ عنها؟ قال: «نعَم، حُجِّي عنها، أَرأَيتِ لو كان على أمِّكِ دَينٌ، أَكُنتِ قاضِيَتَه؟ اقْضُوا اللهَ (٣)، فاللهُ أَحقُّ بالوفاء» (٤). ويَسقط بحجِّ أجنبيٍّ عنه (٥)، لا عن حيٍّ بلا إذنه (٦). وإن ضاقَ مالُه؛ حُجَّ عنه مِنْ حيثُ بلَغ. وإن ماتَ في الطَّريق؛ حُجَّ عنه مِنْ حيثُ مات.

стр. 625

(بَابٌ) بالتَّنوين، أي: هذا بابُ المَواقيتِ، جمعُ «مِيقاتٍ»، وهو لغةً: الحدُّ. واصطلاحًا: موضعُ العبادةِ وزمنُها. (مِيقَاتُ أَهْلِ المَدِينَةِ (١): ذُو الحُلَيْفَةِ)، بضمِّ الحاء وفتحِ اللَّامِ، بينَها وبينَ المدينةِ ستَّةُ أميالٍ أو سبعةٌ (٢)، وهي أبعدُ المواقيتِ مِنْ مكَّةَ، بينَها وبينَ مكَّةَ عشرةُ أيَّامٍ. (وَ) ميقاتُ (أَهْلِ) الشامِ و (مِصْرَ وَالمَغْرِبِ: الجُحْفَةُ (٣))، بضمِّ الجيمِ وسكونِ الحاءِ المهمَلةِ، (قُرْبَ رَابِغٍ)، بينَها وبينَ مكَّةَ ثلاثُ مراحلَ. (وَ) ميقاتُ (أَهْلِ اليَمَنِ: يَلَمْلَمُ)، بينَه وبينَ مكَّةَ لَيلتان. (وَ) ميقاتُ (أَهْلِ نَجْدٍ) والطَّائفِ: (قَرْنٌ)، بسكون الرَّاءِ، ويُقال له: قَرنُ المَنازلِ، وقرنُ الثَّعالبِ، على يومٍ وليلةٍ مِنْ مكَّةَ. (وَ) ميقاتُ (أَهْلِ المَشْرِقِ) أي: العراقِ وخُراسانَ: (ذَاتُ عِرْقٍ)، مَنزلٌ معروفٌ، سُمِّي به لأنَّ فيه عِرقًا، وهو الجبلُ الصَّغيرُ، وبينَه وبينَ مكَّةَ نحوُ مَرحلتَين.

стр. 626

(وَهِيَ) أي: هذه المواقيتُ (لِأَهْلِهَا) المذكورِين، (وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ) أي: مِنْ غيرِ أهلِها. ومَن مَنزلُه دونَها: يُحرِم منه لحجٍّ وعمرةٍ (١). (وَلَا يَحِلُّ لِمُكَلَّفٍ) حرٍّ مسلمٍ (تَجَاوُزُ (٢) المِيقَاتِ بِلَا إِحْرَامٍ، إِذَا أَرَادَ) دخولَ (مَكَّةَ، أَوْ) أرادَ (نُسُكًا، أَوْ كَانَ) النُّسكُ الذي أَراده (فَرْضَهُ)، بأنْ كان عليه حجَّةُ الإسلامِ أو عمرتُه، إلّا لقتالٍ مباحٍ، أو خوفٍ، أو حاجةٍ تَتكرَّر؛ كحطَّابٍ ونحوِه، فإن تَجاوزه لغيرِ ذلك؛ لَزِمه أن يَرجع ليُحرِم منه، إن لم يَخف فَوتَ حجٍّ أو على نفسه. وإن أَحرَم مِنْ مَوضعِه؛ فعليه دمٌ، رجَع بعدَ إحرامِه إلى الميقاتِ أو لا. وإن جاوزَه (٣) غيرُ مكلَّفٍ، ثمَّ كُلِّف؛ أَحرَم مِنْ مَوضعِه. (وَمَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ) أي: أرادَ الإحرامَ بالحجِّ وهو بمكَّةَ (٤)، سواءٌ كان مِنْ أهلِ مكَّةَ أو لا؛ (أَحْرَمَ) بالحجِّ (مِنْهَا)، مِنْ أيِّ موضعٍ شاءَ مِنْ الحرمِ، ويصحُّ مِنْ الحِلِّ، ولا دمَ عليه. (وَعُمْرَتُهُ) أي: إذا أرادَ من بمكَّةَ (٥) العمرةَ؛ وجَب عليه أن يُحرم بها (مِنْ الحِلِّ)، ويصحُّ مِنْ مكَّةَ، وعليه دمٌ.

стр. 627

(وَأَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الحِجَّةِ)، منها يومُ النَّحرِ، وهو يومُ الحجِّ الأكبرِ (١). (وَيُكْرَهُ إِحْرَامٌ) بنُسكٍ (قَبْلَ مِيقَاتٍ)، ويَنعقد. (وَ) يُكره إحرامٌ (بِحَجٍّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ) المذكورةِ، (وَيَنْعَقِدُ) الإحرامُ.

стр. 628

(بابٌ) بالتَّنوين (الإِحْرَامُ) لغةً: نيَّةُ الدُّخولِ (١) في التَّحريم؛ لأنَّه يُحرِّم على نفسه بنيَّته (٢) ما كان مباحًا له (٣) قبلَ الإحرامِ مِنْ نكاحٍ وطِيبٍ ونحوِهما. وشرعًا: (نِيَّةُ النُّسُكِ) أي: نيَّةُ الدُّخولِ فيه، لا نيَّةُ (٤) أن يَحجَّ أو يَعتمر (٥). (سُنَّ لِمُرِيدِهِ) أي: مريدِ (٦) الدُّخولِ في النُّسك مِنْ ذكَرٍ وأُنثى: (غُسْلٌ)، ولو حائضًا ونفساءَ؛ «لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَر أسماءَ بنتَ عُميسٍ وهي نُفَساءُ أن تَغتسل» رَواه مسلمٌ (٧)، «وأمَر عائشةَ أن تَغتسل لإهلالِ الحجِّ وهي حائضٌ» (٨). (أَوْ تَيَمُّمٌ لِعُذْرٍ)؛ كعدمِ الماءِ، أو تعذُّرِ استعمالِه لنحوِ مرضٍ. (وَ) سُنَّ له أيضًا (تَنَظُّفٌ)، بأخذِ شَعرٍ وظُفرٍ، وقطعِ رائحةٍ كريهةٍ؛ لئلَّا يَحتاج إليه في إحرامه فلا يَتمكَّن منه. (وَ) سُنَّ له أيضًا (تَطَيُّبٌ) في بَدنِه، بمِسكٍ أو بَخورٍ أو ماءِ وَردٍ ونحوِها (٩)؛

стр. 629

لقولِ عائشةَ ﵂: «كنتُ أُطيِّب رسولَ اللهِ ﷺ لإحرامِه قبلَ أن يُحرِم، ولحِلِّه قبلَ أن يَطوف بالبيت» (١)، وقالت: «كأنِّي أَنظُر إلى وَبِيصِ (٢) المِسكِ في مَفارقِ رسولِ اللهِ ﷺ وهو مُحرِمٌ» متَّفق عليه (٣). وكُرِه أن يَتطيَّب في ثوبِه، وله استدامةُ لُبسِه ما لم يَنزِعه، فإن نزَعه فليس له أن يَلبَسه قبلَ غَسلِ الطِّيبِ منه. ومتى تَعمَّد مسَّ ما على بَدنِه مِنْ الطِّيبِ، أو نَحَّاه عن موضعِه؛ أَثِم وفَدَى (٤)، لا إن سالَ بعَرَقٍ أو نحوِ شمسٍ. (وَ) سُنَّ له أيضًا (تَجَرُّدُ) ذكَرٍ (مِنْ مَخِيطٍ)، وهو كلُّ ما يُخاط على قَدْرِ الملبوسِ عليه؛ كالقَميص والسَّراويلِ، قال المصنِّفُ: (وكذا الدِّرعُ ونحوُه ممَّا يُصنع مِنْ لِبْدٍ ونحوِه على قَدْرِ الملبوسِ عليه، وإن لم يَكُنْ فيه خياطةٌ) انتهى (٥)، «لأنَّه ﵊ تَجرَّد لإهلالِه» رَواه التِّرمذيُّ (٦). وسُنَّ له أيضًا أن يُحرم (فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ نَظِيفَيْنِ)، ونَعلَين؛

стр. 630

لقولِه ﵊: «وَلْيُحرِمْ أَحدُكم في إزارٍ ورِداءٍ ونَعلَين» رَواه أحمدُ (١)، والمرادُ ب «النَّعلَين»: التَّاسُومةُ (٢). ولا يَجوز له لُبسُ السَّرمُوزةِ والجُمجُمِ. قاله في «الفروع» (٣). وفي «القاموس» (٤): الجُمجُمُ: المَداسُ، معرَّبٌ (٥). (وَ) سُنَّ (إِحْرَامٌ عَقِبَ صَلَاةِ) فرضٍ أو نفلٍ؛ «لأنَّه ﵊ أَهلَّ دُبُرَ صلاةٍ» رَواه النَّسائيُّ (٦). (وَنِيَّتُهُ (٧) شَرْطٌ)، فلا يَصير مُحرِمًا بمجرَّدِ التَّجرُّدِ، أو التَّلبيةِ مِنْ غيرِ نيَّةِ الدُّخولِ في النُّسك؛ لحديثِ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» (٨). (وَيُسْتَحَبُّ قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ نُسُكَ كَذَا) أي: يُسنُّ أن يُعيِّن ما يُحرم به ويَلفِظَ به، وأن يَقول: (فَيَسِّرْهُ لِي، وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي)، وأن يَشترط فيَقول: (وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ) أي: منَعني مانعٌ مِنْ مرضٍ أو عدوٍّ أو ذهابِ نفقةٍ ونحوِه، (فَمَحِلِّي) بكسرِ

стр. 631

الحاءِ المهمَلةِ؛ أي: مكانُ حُلولِي وخُروجي مِنْ الإحرامِ، (حَيْثُ حَبَسْتَنِي) أي: مكانَ حصولِ ذلك المانعِ؛ لقولِه ﷺ لضُباعةَ بنتِ الزُّبيرِ حينَ (١) قالت له: إنِّي أُريد الحجَّ، وأَجِدُني وَجِعَةً، فقال: «حُجِّي واشتَرِطي، وقُولي: اللَّهمَّ مَحِلِّي حيثُ حبَستَني» متَّفق عليه (٢)، زادَ النَّسائيُّ في روايةٍ إسنادُها (٣) جيِّدٌ: «فإنَّ لكِ على ربِّكِ ما استَثنَيتِ» (٤). فمتى حُبِسَ بشيءٍ ممَّا ذُكِر؛ حلَّ (٥) ولا شيءَ عليه. ولو شرَط أن يَحِلَّ متى شاء، أو إن أَفسَده لم يَقضِه؛ لم يصحَّ الشَّرطُ. ولا يَبطل إحرامٌ بجنونٍ أو إغماءٍ أو سُكرٍ؛ كموتٍ، ولا يَنعقد مع وجودِ أَحدِها. والأنساكُ: تمتُّعٌ، وإفرادٌ، وقِرانٌ. (وَأَفْضَلُ الأَنْسَاكِ: التَّمَتُّعُ)، فالإفرادُ، فالقِرانُ (٦)، قال الإمامُ أحمدُ: (لا أَشكُّ أنَّه ﷺ كان قارِنًا، والمتعةُ أَحبُّ إليَّ؛ لأنَّه آخرُ ما أمَر به ﷺ (٧)، ففي الصَّحيحَين: أنَّه ﷺ أمَر أصحابَه لَمَّا طافُوا وسعَوا أن يَجعلوها عمرةً، إلَّا مَنْ

стр. 632

ساقَ هَديًا، وثبَت على إحرامه لسَوقِه الهَديَ، وتَأسَّف بقوله: «لو استَقبلتُ مِنْ أَمري ما استَدبرتُ (١) ما سُقتُ الهديَ، ولأَحْلَلتُ معكم» (٢). والتمتُّعُ: (بِأَنْ يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَيَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالحَجِّ فِي عَامِهِ)، مِنْ مكَّةَ أو قُربِها أو بعيدٍ منها، خلافًا لِما يُوهمه تقييدُ «الإقناع» بالقُرب منها (٣). والإفرادُ: أن يُحرم بحجٍّ، ثمَّ بعمرةٍ بعدَ فراغِه منه. والقِرانُ: أن يُحرم بهما معًا، أو بها ثمَّ يُدخله عليها قبلَ شروعٍ في طوافها. ومَن أَحرَم به ثمَّ أَدخَلها عليه؛ لم يصحَّ إحرامُه بها. (وَ) يَجب (عَلَيْهِ) أي: المتمتِّعِ (دَمُ) نُسكٍ، لا دمُ جُبرانٍ، (إِنْ كَانَ أُفُقِيًّا)، وهو مَنْ كان مِنْ (٤) مسافةِ قَصرٍ فأكثرَ مِنْ الحرمِ، بخلافِ أهلِ الحرمِ، ومَن منه دونَ المسافةِ فلا شيءَ عليه؛ لقولِه تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وكمتمتِّعٍ في وجوبِ الدَّمِ: قارِنٌ.

стр. 633

وشُرِطَ في دمِ متمتِّعٍ وحدَه (١): أن يُحرم بالعمرة مِنْ ميقاتٍ أو مسافةِ قَصرٍ فأكثرَ مِنْ مكَّةَ، وألَّا يُسافر بينَهما، فإن سافرَ مسافةَ قصرٍ فأَحرَم؛ فلا دمَ عليه. (وَإِنْ حَاضَتِ) امرأةٌ (مُتَمَتِّعَةٌ) قبلَ طوافِ العمرةِ، (وَخَافَتْ فَوْتَ حَجٍّ (٢)؛ أَحْرَمَتْ بِهِ) وجوبًا، (وَصَارَتْ قَارِنَةً)؛ لِما روَى مسلمٌ: أنَّ عائشةَ كانت متمتِّعةً، فحاضَت، فقال لها النبيُّ ﷺ : «أَهِلِّي بالحجِّ» (٣). وكذا لو خَشِيه غيرُها (٤). ومَن أَحرَم وأَطلَق؛ صحَّ، وصرَفه لِما شاء. وبمِثلِ ما أَحرَم فلانٌ؛ انعَقَد بمِثلِه، وإن جَهِله (٥)؛ جعَله عمرةً؛ لأنَّها اليقينُ. وصحَّ: أَحرمتُ يومًا، أو بنصفِ نسكٍ، لا: إن أَحرَم فلانٌ فأنا مُحرمٌ؛ لعدمِ جزمِه. (وَسُنَّ عَقِبَ إِحْرَامِهِ تَلْبِيَةٌ، وَهِيَ) أي: التَّلبيةُ (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ) أي: أنا مقيمٌ على طاعتكَ وإجابةِ أَمرِكَ، (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ)، روَى ذلكَ ابنُ عمرَ عن رسولِ اللهِ ﷺ في حديثٍ متَّفقٍ عليه (٦).

стр. 634

(يَجْهَرُ بِهَا) أي: بالتَّلبية (١) (الرَّجُلُ)؛ لخبرِ السَّائبِ بنِ خَلَّادٍ مرفوعًا: «أَتاني جبريلُ، فأَمرَني أن آمُرَ أصحابي أن يَرفعوا أصواتَهم بالإهلالِ والتَّلبيةِ» صحَّحه التِّرمذيُّ (٢). وإنَّما يُسنُّ الجهرُ بها في غيرِ مساجدِ الحِلِّ وأَمصارِه، وغيرِ طوافِ القُدومِ والسَّعيِ بعدَه. (وَتُسِرُّهَا) أي: تُخفيها (المَرْأَةُ) بقَدْرِ ما تُسمِع رَفيقتَها، ويُكره جهرُها فوقَ ذلك؛ مخافةَ الفتنةِ. وسُنَّ ذِكرُ نُسُكِه فيها، وبدءُ قارنٍ بذِكرِ العمرةِ، وإكثارُ تَلبيتِه (٣). (وَتَتَأَكَّدُ إِذَا عَلَا نَشَزًا) أي: مكانًا مرتفِعًا، (أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، أَوِ الْتَقَتِ الرِّفَاقُ، أَوْ أَقْبَلَ لَيْلٌ أَوْ نَهَارٌ، أَوْ سَمِعَ مُلَبِّيًا، أَوْ صَلَّى فَرِيضَةً، أَوْ رَأَى البَيْتَ)، أو رَكِب أو نزَل، أو فعَل محظورًا ناسيًا. وتُشرع بالعربيَّة لقادرٍ (٤)، وإلّا فبِلُغتِه. ويُسنُّ بعدَها دعاءٌ، وصلاةٌ على النبيِّ ﷺ ، لا تَكرارُها في حالةٍ واحدةٍ (٥). ولا تُكره لحلالٍ.

стр. 635

(فصل) في مَحظوراتِ الإحرامِ أي: المحرَّماتِ بسببه. (يَحْرُمُ بِإِحْرَامٍ) تسعةُ أشياءَ: أَحدُها: (حَلْقُ شَعَرٍ)، مِنْ جميعِ بَدنِه، بلا عذرٍ، يَعني إزالتَه بحَلقٍ أو نَتفٍ أو قَلعٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. (وَ) الثاني: (تَقْلِيمُ ظُفُرٍ) أو قصُّه، مِنْ يدٍ أو رِجلٍ، (بِلَا عُذْرٍ). فإن خرَج بعَينه شَعرٌ، أو كُسِر ظُفرُه فأزالَهما، أو زالَا مع غيرِهما؛ فلا فديةَ. وإن حصَل الأَذى بقَرحٍ أو قَملٍ، فأزالَ شَعرَه لذلك (١)؛ فدَى. فمَن حلَق شعرةً أو بعضَها، أو قلَّمَ ظفرًا أو بعضَه؛ فعَليه طعامُ مسكينٍ، وشَعرتَين أو بعضَهما، أو ظُفرَين أو بعضَهما؛ فطعامَا مسكينَين (٢)، وثلاثَ شعراتٍ أو بعضَها (٣)، أو ثلاثةَ أظفارٍ أو بعضَها (٤)؛ فعليه دمٌ. (وَ) الثالثُ: (تَغْطِيَةُ رَأْسِ) ذكَرٍ، فمتى غطَّاه بملاصقٍ أوْ لا، (وَلَوْ) بقِرطاسٍ وطِينٍ ونُورةٍ، أو (بِتَظْلِيلٍ) أي: استظلالٍ في (مَحْمِلٍ) ونحوِه؛ كهَوْدَجٍ وعَمَّاريَّةٍ، راكبًا أو لا، ولو لم يُلاصِقه؛ حَرُم بلا عذرٍ، وفدَى، لا إن حمَلَ عليه، أو استظلَّ بخَيمةٍ أو شجرةٍ. (وَ) الرابعُ: (لُبْسُ مَخِيطٍ) على ذكَرٍ (بِلَا حَاجَةٍ)، ومعها كبَردٍ يَجوز،
следующие страницы →