← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الحاءِ المهمَلةِ؛ أي: مكانُ حُلولِي وخُروجي مِنْ الإحرامِ، (حَيْثُ حَبَسْتَنِي) أي: مكانَ حصولِ ذلك المانعِ؛ لقولِه ﷺ لضُباعةَ بنتِ الزُّبيرِ حينَ (١) قالت له: إنِّي أُريد الحجَّ، وأَجِدُني وَجِعَةً، فقال: «حُجِّي واشتَرِطي، وقُولي: اللَّهمَّ مَحِلِّي حيثُ حبَستَني» متَّفق عليه (٢)، زادَ النَّسائيُّ في روايةٍ إسنادُها (٣) جيِّدٌ: «فإنَّ لكِ على ربِّكِ ما استَثنَيتِ» (٤). فمتى حُبِسَ بشيءٍ ممَّا ذُكِر؛ حلَّ (٥) ولا شيءَ عليه. ولو شرَط أن يَحِلَّ متى شاء، أو إن أَفسَده لم يَقضِه؛ لم يصحَّ الشَّرطُ. ولا يَبطل إحرامٌ بجنونٍ أو إغماءٍ أو سُكرٍ؛ كموتٍ، ولا يَنعقد مع وجودِ أَحدِها. والأنساكُ: تمتُّعٌ، وإفرادٌ، وقِرانٌ. (وَأَفْضَلُ الأَنْسَاكِ: التَّمَتُّعُ)، فالإفرادُ، فالقِرانُ (٦)، قال الإمامُ أحمدُ: (لا أَشكُّ أنَّه ﷺ كان قارِنًا، والمتعةُ أَحبُّ إليَّ؛ لأنَّه آخرُ ما أمَر به ﷺ (٧)، ففي الصَّحيحَين: أنَّه ﷺ أمَر أصحابَه لَمَّا طافُوا وسعَوا أن يَجعلوها عمرةً، إلَّا مَنْ

стр. 632

ساقَ هَديًا، وثبَت على إحرامه لسَوقِه الهَديَ، وتَأسَّف بقوله: «لو استَقبلتُ مِنْ أَمري ما استَدبرتُ (١) ما سُقتُ الهديَ، ولأَحْلَلتُ معكم» (٢). والتمتُّعُ: (بِأَنْ يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَيَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالحَجِّ فِي عَامِهِ)، مِنْ مكَّةَ أو قُربِها أو بعيدٍ منها، خلافًا لِما يُوهمه تقييدُ «الإقناع» بالقُرب منها (٣). والإفرادُ: أن يُحرم بحجٍّ، ثمَّ بعمرةٍ بعدَ فراغِه منه. والقِرانُ: أن يُحرم بهما معًا، أو بها ثمَّ يُدخله عليها قبلَ شروعٍ في طوافها. ومَن أَحرَم به ثمَّ أَدخَلها عليه؛ لم يصحَّ إحرامُه بها. (وَ) يَجب (عَلَيْهِ) أي: المتمتِّعِ (دَمُ) نُسكٍ، لا دمُ جُبرانٍ، (إِنْ كَانَ أُفُقِيًّا)، وهو مَنْ كان مِنْ (٤) مسافةِ قَصرٍ فأكثرَ مِنْ الحرمِ، بخلافِ أهلِ الحرمِ، ومَن منه دونَ المسافةِ فلا شيءَ عليه؛ لقولِه تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وكمتمتِّعٍ في وجوبِ الدَّمِ: قارِنٌ.

стр. 633

وشُرِطَ في دمِ متمتِّعٍ وحدَه (١): أن يُحرم بالعمرة مِنْ ميقاتٍ أو مسافةِ قَصرٍ فأكثرَ مِنْ مكَّةَ، وألَّا يُسافر بينَهما، فإن سافرَ مسافةَ قصرٍ فأَحرَم؛ فلا دمَ عليه. (وَإِنْ حَاضَتِ) امرأةٌ (مُتَمَتِّعَةٌ) قبلَ طوافِ العمرةِ، (وَخَافَتْ فَوْتَ حَجٍّ (٢)؛ أَحْرَمَتْ بِهِ) وجوبًا، (وَصَارَتْ قَارِنَةً)؛ لِما روَى مسلمٌ: أنَّ عائشةَ كانت متمتِّعةً، فحاضَت، فقال لها النبيُّ ﷺ : «أَهِلِّي بالحجِّ» (٣). وكذا لو خَشِيه غيرُها (٤). ومَن أَحرَم وأَطلَق؛ صحَّ، وصرَفه لِما شاء. وبمِثلِ ما أَحرَم فلانٌ؛ انعَقَد بمِثلِه، وإن جَهِله (٥)؛ جعَله عمرةً؛ لأنَّها اليقينُ. وصحَّ: أَحرمتُ يومًا، أو بنصفِ نسكٍ، لا: إن أَحرَم فلانٌ فأنا مُحرمٌ؛ لعدمِ جزمِه. (وَسُنَّ عَقِبَ إِحْرَامِهِ تَلْبِيَةٌ، وَهِيَ) أي: التَّلبيةُ (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ) أي: أنا مقيمٌ على طاعتكَ وإجابةِ أَمرِكَ، (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ)، روَى ذلكَ ابنُ عمرَ عن رسولِ اللهِ ﷺ في حديثٍ متَّفقٍ عليه (٦).

стр. 634

(يَجْهَرُ بِهَا) أي: بالتَّلبية (١) (الرَّجُلُ)؛ لخبرِ السَّائبِ بنِ خَلَّادٍ مرفوعًا: «أَتاني جبريلُ، فأَمرَني أن آمُرَ أصحابي أن يَرفعوا أصواتَهم بالإهلالِ والتَّلبيةِ» صحَّحه التِّرمذيُّ (٢). وإنَّما يُسنُّ الجهرُ بها في غيرِ مساجدِ الحِلِّ وأَمصارِه، وغيرِ طوافِ القُدومِ والسَّعيِ بعدَه. (وَتُسِرُّهَا) أي: تُخفيها (المَرْأَةُ) بقَدْرِ ما تُسمِع رَفيقتَها، ويُكره جهرُها فوقَ ذلك؛ مخافةَ الفتنةِ. وسُنَّ ذِكرُ نُسُكِه فيها، وبدءُ قارنٍ بذِكرِ العمرةِ، وإكثارُ تَلبيتِه (٣). (وَتَتَأَكَّدُ إِذَا عَلَا نَشَزًا) أي: مكانًا مرتفِعًا، (أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، أَوِ الْتَقَتِ الرِّفَاقُ، أَوْ أَقْبَلَ لَيْلٌ أَوْ نَهَارٌ، أَوْ سَمِعَ مُلَبِّيًا، أَوْ صَلَّى فَرِيضَةً، أَوْ رَأَى البَيْتَ)، أو رَكِب أو نزَل، أو فعَل محظورًا ناسيًا. وتُشرع بالعربيَّة لقادرٍ (٤)، وإلّا فبِلُغتِه. ويُسنُّ بعدَها دعاءٌ، وصلاةٌ على النبيِّ ﷺ ، لا تَكرارُها في حالةٍ واحدةٍ (٥). ولا تُكره لحلالٍ.

стр. 635

(فصل) في مَحظوراتِ الإحرامِ أي: المحرَّماتِ بسببه. (يَحْرُمُ بِإِحْرَامٍ) تسعةُ أشياءَ: أَحدُها: (حَلْقُ شَعَرٍ)، مِنْ جميعِ بَدنِه، بلا عذرٍ، يَعني إزالتَه بحَلقٍ أو نَتفٍ أو قَلعٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. (وَ) الثاني: (تَقْلِيمُ ظُفُرٍ) أو قصُّه، مِنْ يدٍ أو رِجلٍ، (بِلَا عُذْرٍ). فإن خرَج بعَينه شَعرٌ، أو كُسِر ظُفرُه فأزالَهما، أو زالَا مع غيرِهما؛ فلا فديةَ. وإن حصَل الأَذى بقَرحٍ أو قَملٍ، فأزالَ شَعرَه لذلك (١)؛ فدَى. فمَن حلَق شعرةً أو بعضَها، أو قلَّمَ ظفرًا أو بعضَه؛ فعَليه طعامُ مسكينٍ، وشَعرتَين أو بعضَهما، أو ظُفرَين أو بعضَهما؛ فطعامَا مسكينَين (٢)، وثلاثَ شعراتٍ أو بعضَها (٣)، أو ثلاثةَ أظفارٍ أو بعضَها (٤)؛ فعليه دمٌ. (وَ) الثالثُ: (تَغْطِيَةُ رَأْسِ) ذكَرٍ، فمتى غطَّاه بملاصقٍ أوْ لا، (وَلَوْ) بقِرطاسٍ وطِينٍ ونُورةٍ، أو (بِتَظْلِيلٍ) أي: استظلالٍ في (مَحْمِلٍ) ونحوِه؛ كهَوْدَجٍ وعَمَّاريَّةٍ، راكبًا أو لا، ولو لم يُلاصِقه؛ حَرُم بلا عذرٍ، وفدَى، لا إن حمَلَ عليه، أو استظلَّ بخَيمةٍ أو شجرةٍ. (وَ) الرابعُ: (لُبْسُ مَخِيطٍ) على ذكَرٍ (بِلَا حَاجَةٍ)، ومعها كبَردٍ يَجوز،

стр. 636

(وَيَفْدِي (١)). ولا يَعقد عليه رِداءً ولا غيرَه، إلّا إزارَه ومِنطقتَه وهِميانًا فيهما نفقةٌ مع حاجةٍ فيهما لعَقدٍ (٢). وليس له أن يَجعل لرِدائِه أو مِنطقتِه التي ليس فيها نفقةٌ زِرًّا وعُروةً، ولا أن يَخُلَّه بنحوِ شوكةٍ، ولا غَرزُ أطرافِه في إزاره، فإن فعَل؛ أَثِم وفدَى. وله شدُّ وسَطِه بمِنديلٍ أو حَبلٍ بلا عَقدٍ، بل يُدخِل (٣) بعضَه في بعضٍ. (وَ) الخامسُ: (تَطَيُّبٌ فِي بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ، فَإِنْ فَعَلَ) أي: تَطيَّب مُحرِمٌ، (أَوِ ادَّهَنَ (٤)) أو اكتَحَل أو استَعَط (بِمُطَيَّبٍ، أَوْ شَمَّ) قصدًا (طِيبًا، أَوِ اسْتَعْمَلَهُ) أي: الطِّيبَ (فِي أَكْلٍ وَنَحْوِهِ)؛ كشُربٍ مع ظُهورِ طعمِه أو ريحِه، لا لونِه فقط، (أَوْ تَبَخَّرَ بِعُودٍ وَنَحْوِهِ)؛ أَثِم و (فَدَى). ومِن الطِّيبِ: مِسكٌ، وكافورٌ، وعَنبرٌ، وزَعفَرانٌ، ووَرْسٌ، ووَردٌ، وبَنَفْسَجٌ، ولَيْنَوفَرٌ (٥)، وياسَمينٌ، وبانٌ، وماءُ وردٍ. وإن شمَّها بلا قصدٍ، أو مسَّ ما لا يَعلَق؛ كقِطَعِ كافورٍ، أو شمَّ فواكهَ، أو عُودًا، أو شِيحًا؛ فلا فديةَ. والسادسُ: قتلُ صيدِ البرِّ واصطيادُه، وقد أشارَ إليه بقوله: (وَيَحْرُمُ أَيْضًا

стр. 637

قَتْلُ صَيْدٍ بَرِّيٍّ) أصلًا (١)؛ كحَمامٍ وبَطٍّ، ولو استَأنسَ، بخلافِ إبلٍ وبقرٍ أهليَّةٍ، ولو تَوحَّش، (مَأْكُولٍ وَمُتَوَلِّدٍ مِنْهُ) أي: مِنْ المأكول أو (٢) الوحشيِّ (وَمِنْ غَيْرِهِ)؛ تَغليبًا للحظرِ. (وَ) يَحرم (اصْطِيَادُهُ وَأَذَاهُ، وَمَنْ أَتْلَفَهُ) أي: الصَّيدَ المذكورَ، (أَوْ تَلِفَ بِيَدِهِ) بمباشرةٍ أو سببٍ؛ كإشارةٍ ودَلالةٍ، ولو بجنايةِ دابَّةِ متصرِّفٍ فيها، (أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ)، ولو بمُناولَته آلَتَه؛ (فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ). وإن دلَّ مُحرِمٌ ونحوُه (٣) مُحرمًا (٤)؛ فالجزاءُ بينَهما. ويَحرم على المُحرمِ أكلُه ممَّا صادَه أو كان له أثرٌ في صيده، أو ذُبِحَ أو صِيدَ لأجلِه. وما حَرُم عليه لنحوِ دَلالةٍ أو صِيدَ له؛ لا يَحرم على مُحرِمٍ غيرِه. ويَضمن بيضَ صيدٍ ولبنَه إذا حلَبه بقِيمته. ولا يَملك مُحرمٌ ابتداءً صيدًا بغيرِ إرثٍ (٥).

стр. 638

وإن أَحرَم وبِمِلكِه (١) صيدٌ لم يَزُل، ولا يدُه الحُكميَّةُ (٢)، بل تُزال يدُه المشاهَدَة بإرساله (٣). (وَ) يَحرم بإحرامٍ (قَتْلُ قَمْلٍ وَصِئْبَانِهِ (٤))، ولو برَميِه (٥)، (وَلَا شَيْءَ) أي: لا جزاءَ (فِيهِ)، لا بَراغيثَ وقُرادٍ ونحوِهما. و (لَا) يَحرم بإحرامٍ أو حرمٍ حيوانٌ (إِنْسِيٌّ؛ كَغَنَمٍ وَدَجَاجٍ)؛ لأنَّه ليس بصيدٍ، وقد كان النبيُّ ﷺ تُذبح له البُدْنُ في إحرامه بالحرم (٦). (وَلَا) يَحرم بإحرامٍ (صَيْدُ بَحْرٍ) ونهرٍ وبئرٍ وعينٍ، ولو ممَّا يَعيش في برٍّ وبحرٍ (٧) كسُلَحْفاةٍ، إن لم يَكُنْ بالحَرَم (٨)؛ لقولِه تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. (وَلَا) يَحرم (٩) بحرمٍ ولا إحرامٍ قتلُ

стр. 639

(مُحَرَّمِ (١) الأَكْلِ)؛ كأَسدٍ ونَمِرٍ وكلبٍ، إلّا المتولِّدَ، كما تَقدَّم. (وَ) لا يَحرم قتلُ صيدٍ (صَائِلٍ)؛ دفعًا عن نفسه (٢) أو مالِه، سواءٌ خَشِي تلفًا أو ضررًا. وَيُسنُّ مطلقًا (٣) قتلُ كلِّ مُؤذٍ غيرَ آدميٍّ. ولمُحرمٍ احتاجَ لفعلِ محظورٍ فعلُه، ويَفدي (٤). وكذا لو اضطُرَّ إلى أكلِ صيدٍ، فلَه ذبحُه وأكلُه؛ كمَن بالحرم (٥)، ولا يُباح إلّا لمَن له أكلُ الميتةِ. قال المصنِّفُ في «شرحِ الإقناع»: (وكلامُ المصنِّفِ ك «المنتهى» يَقتضي أنَّه ميتةٌ في حقِّ غيرِ المضطَرِّ، ومُذَكًّى في حقِّ المضطَرِّ، فيَكون نجسًا طاهرًا بالنِّسبة إليهما، وفيه نظرٌ). انتهى (٦). ويُمكن الجوابُ: بأنَّا لا نُسلِّم أنَّ كلامَ «الإقناع» و «المنتهى» (٧) يَقتضي ذلك؛ إذِ الظَّاهرُ أنَّ معنى قولِهما: «إنَّه ميتةٌ»؛ أي: كالميتة في الحِلِّ والحرمةِ، لا مِنْ كلِّ وجهٍ حتى في النَّجاسةِ؛ إذِ المشبَّه لا يُعطى حُكمَ المشبَّه به مِنْ كلِّ

стр. 640

وجهٍ، ويَدلُّ على ما ذكَرْنا تفريعُهم على ذلك: أنَّه لا يُباح إلّا لمَن يُباح له أكلُها، واللهُ أعلمُ. والسابعُ: عقدُ النِّكاحِ، وقد ذكَره بقوله: (وَيَحْرُمُ أَيْضًا مَعَهُ (١)) أي: حالَ الإحرامِ (عَقْدُ نِكَاحٍ (٢))، فلَو تَزوَّج مُحرِمٌ، أو زوَّجَ مُحرِمةً، أو كان وليًّا أو وكيلًا في النِّكاح؛ حَرُم، (وَلَا يَصِحُّ)؛ لِما روَى مسلمٌ عن عثمانَ مرفوعًا: «لا يَنْكِحُ المُحْرِم، ولا يُنكِحُ» (٣). (وَلَا فِدْيَةَ) في عقدِ النِّكاح؛ كشراءِ الصَّيدِ، ولا فرقَ بينَ الإحرامِ الصَّحيحِ والفاسدِ. وكُرِه لمُحرمٍ أن يَخطب امرأةً؛ كخُطبةِ عقدِه (٤)، أو حضورِه، أو شهادتِه فيه. (وَتَصِحُّ الرَّجْعَةُ) أي: لو راجعَ المُحرِمُ امرأتَه؛ صحَّت بلا كراهةٍ؛ لأنَّه إمساكٌ، وكذا شراءُ أَمةٍ لوطءٍ. والثامنُ: الوطءُ، وإليه الإشارةُ بقوله: (وَيَحْرُمُ أَيْضًا جِمَاعٌ)، فإن فعَل، بأنْ غيَّبَ المُحرِمُ الحَشفةَ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ مِنْ آدميٍّ أو غيرِه؛ حَرُم؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ (٥)﴾، قال ابنُ عبَّاسٍ: «هو الجماعُ» (٦).

стр. 641

(وَيَفْسُدُ نُسُكُهُمَا) أي: الواطئِ والمَوطوءةِ، إن كان الوطءُ (قَبْلَ تَحَلُّلٍ أَوَّلَ) ولو بعدَ الوقوفِ بعرفةَ، ولا فرقَ بينَ العامدِ والسَّاهي؛ لقضاءِ بعضِ الصَّحابةِ بفسادِ الحجِّ، ولم يَستفصل (١). و (لَا) يَفسد نُسكُهما إن كان الوطءُ (بَعْدَهُ) أي: بعدَ التَّحلُّل الأوَّلِ، لكنْ عليه شاةٌ، والمُضيُّ للحِلِّ؛ لفسادِ إحرامِه، كما في «الإقناع» (٢)، فيُحرِم منه لطوافِ الزِّيارةِ (٣). (وَيَمْضِيَانِ فِي فَاسِدِهِ) أي: يَجب على الواطئِ والمَوطوءةِ المُضيُّ في النُّسك الفاسدِ، ولا يَخرجان منه بالوطء، رُوي عن عمرَ (٤) وعليٍّ (٥) وأَبي هريرةَ (٦) وابنِ عبَّاسٍ (٧)، فحُكمُه كالإحرام الصَّحيحِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ

стр. 642

وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. (وَيَقْضِيَانِهِ) وجوبًا (فَوْرًا) أي: ثانيَ عامِه، رُوي عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ (١). وغيرُ المكلَّفِ يَقضي بعدَ تكليفِه وحجَّةِ الإسلامِ فورًا، مِنْ حيثُ أَحرَم أوَّلًا إن كان قبلَ ميقاتٍ، وإلّا فمِنه. ويُسنُّ (٢) تَفرُّقُهما (٣) في قضاءٍ مِنْ موضعِ وطءٍ إلى أن يَحِلَّا. ونفقةُ مُكرَهةٍ على مُكرِهٍ (٤)، وإلّا فعليها.

стр. 643

وعمرةٌ كحجٍّ، فيُفسدها قبلَ تمامِ سعيٍ، لا بعدَه وقبلَ حلقٍ، وعليه شاةٌ (١). والتاسعُ: المباشرةُ دونَ الفرجِ، وذكَرَها بقوله: (وَتَحْرُمُ المُبَاشَرَةُ) أي: مباشرةُ الرَّجلِ المرأةَ (٢) (دُونَ الفَرْجِ). (وَلَا تُفْسِدُ) المباشرةُ النُّسكَ، (وَلَوْ أَنْزَلَ). وعليه بَدنةٌ إن أَنزَل بمباشرةٍ، أو قُبلةٍ، أو تَكرارِ نظرٍ (٣)، أو لمسٍ لشهوةٍ، أو أَمنَى باستمناءٍ؛ قياسًا على بَدنةِ الوطءِ، وإن لم يُنزل؛ فشاةٌ؛ كفديةِ أذًى (٤). وخطأٌ في ذلك كعَمدٍ. (وَالمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ) فيما تَقدَّم، (إِلَّا فِي اللِّبَاسِ) أي: لباسِ المَخيطِ، (وَ) إلّا في (تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَتَظْلِيلِ مَحْمِلٍ)، فلا يَحرم ذلك عليها. (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا) أي: على الرَّجل والمرأةِ: (القُفَّازَانِ (٥))، وهُما شيءٌ يُعمل لليَدَين، يُدخلان فيه يَسترهما مِنْ الحرِّ، كما يُعمل للبُزَاةِ (٦)، ويَفديان بلُبسِهما.

стр. 644

ويَحرم على المرأةِ أيضًا البُرقُعُ؛ لقولِه ﷺ : «لا تَنْتَقِبُ المرأةُ، ولا تَلْبَسُ القُفَّازَينِ» رَواه البخاريُّ وغيرُه (١). (وَإِحْرَامُهَا) أي: المرأةِ (فِي وَجْهِهَا، فَلَا تُغَطِّيهِ)؛ لقولِه ﷺ : «إحرامُ الرَّجلِ في رأسِه، وإحرامُ المرأةِ في وَجهِها» (٢). فتضَع الثَّوبَ فوقَ رأسِها، (وَتَسْدُلُ) على وَجهها (لِحَاجَةٍ)؛ كمُرورِ الرِّجالِ قريبًا منها. ويُباح لها التَّحلِّي بنحوِ خَلْخالٍ وسِوارٍ ودُملُجٍ. ويُسنُّ لها خِضابٌ (٣) عندَ إحرامٍ، وكُرِه بعدَه. وكُرِه لهُما اكتحالٌ بإثمدٍ لزينةٍ. ولهُما لُبسُ مُعصفَرٍ وكُحليٍّ (٤)، وقطعُ رائحةٍ كريهةٍ بغيرِ طِيبٍ، وله لُبسُ خاتمٍ. ويَجتنبان الرَّفثَ (٥) والفسوقَ والجدالَ. وتُسنُّ قلَّةُ كلامِهما إلّا فيما يَنفع.

стр. 645

(فصل) في أقسامِ الفِديةِ، وقَدْرِ ما يَجب، والمستحِقِّ لأخذِها (يُخَيَّرُ فِي فِدْيَةِ حَلْقِ) فوقَ شَعرتَين، (وَتَقْلِيمِ) فوقَ ظُفرَين، (وَتَغْطِيَةِ رَأْسٍ، وَطِيبٍ)، ولُبسِ مَخيطٍ: (بَيْنَ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ)، يُعطي (كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفَ صَاعِ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ (١)، أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ)؛ لقولِه ﷺ لكَعبِ بنِ عُجْرةَ: «لَعلَّك آذاكَ هَوامُّ رأسِكَ؟» قال: نعَم يا رسولَ اللهِ، فقال: «احْلِقْ رأسَكَ، وصُم ثلاثةً، أو أَطعِمْ ستَّةَ مساكينَ، أو انْسُك شاةً» متَّفق عليه (٢)، و «أو» للتَّخييرِ، وأُلحِق الباقي بالحَلق. (وَ) يُخيَّر (فِي جَزَاءِ صَيْدٍ: بَيْنَ ذَبْحِ مِثْلِ) الصَّيدِ (إِنْ كَانَ) له مِثلٌ مِنْ النَّعَم، (وَإِطْلَاقِهِ) أي: المِثلِ، أي: إعطائِه ودَفعِه (لِمَسَاكِينِ الحَرَمِ)، وهو المُقيمُ به والمُجتازُ ممَّن له أخذُ زكاةٍ لحاجةٍ، (أَوْ تَقْوِيمِهِ) أي: المِثلِ بمَحلِّ التَّلفِ أو قُربِه، (بِدَرَاهِمَ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ)، أو يُخرِج بقَدْرِه مِنْ طعامِه، (فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ)؛ كتَمرٍ وشَعيرٍ، (أَوْ يَصُومُ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا)؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآيةَ.

стр. 646

وإن بَقِي دونَ مُدِّ بُرٍّ؛ صامَ يومًا. ويُخيَّر فيما لا مِثلَ له بينَ إطعامٍ وصيامٍ. (وَأَمَّا دَمُ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ؛ فَ) يَجب (هَدْيٌ) بشرطِه السابقِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، والقارنُ بالقياسِ على المتمتِّع. (فَإِنْ عَدِمَهُ) أي: الهَدْيَ، أو عَدِم ثَمنَه ولو وَجَدَ مَنْ يُقرضه؛ (صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ، وَالأَفْضَلُ كَوْنِ آخِرِهَا يَوْمَ عَرَفَةَ). وإن أَخَّرها عن أيَّامِ منًى (١)؛ صامها بعدُ، وعليه دمٌ مطلقًا (٢). (وَ) صامَ (سَبْعَةَ) أيَّامٍ (إِذَا فَرَغَ مِنْ أَفْعَالِ الحَجِّ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. وعُلِم مِنْ كلامه: أنَّ له صومَها بعدَ أيَّامِ منًى وفراغِه مِنْ أفعالِ الحجِّ. ولا يَجب تتابعٌ ولا تفريقٌ في الثَّلاثة ولا السَّبعةِ. (وَيَجِبُ بِوَطْءٍ فِي فَرْجٍ، وَبِمُبَاشَرَةٍ (٣)) دونَه (مَعَ إِنْزَالٍ، فِي الحَجِّ قَبْلَ تَحَلُّلٍ أوَّلَ: بَدَنَةٌ)، فإن لم يَجِدها؛ صامَ عشرةَ أيَّامٍ؛ ثلاثةً في الحجِّ، وسبعةً إذا رجَع؛ لقضاءِ الصَّحابةِ (٤).

стр. 647

(وَ) يَجب إن فعَل ذلك في الحجِّ (بَعْدَهُ) أي: بعدَ التَّحلُّلِ الأوَّلِ: شاةٌ. (وَ) كذا إن فعَله (فِي العُمْرَةِ)؛ وجَب عليه (شَاةٌ). (وَكَذَا هِيَ) أي: المرأةُ (إِنْ طَاوَعَتْهُ) فيَلزمها ما ذُكِر مِنْ الفديةِ في الحجِّ والعمرةِ. وعُلِم منه: أنَّه لا فديةَ على مُكرَهةٍ. (وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسٍ) واحدٍ، بأنْ حلَق، أو قلَّم، أو لَبِس مَخيطًا، أو تَطيَّب، أو وَطِئ، ثمَّ أعادَه (قَبْلَ فِدْيَةٍ) لِما سبَق؛ (فَ) عَليه فديةٌ (وَاحِدَةٌ)، سواءٌ فعَله متتابعًا أو متفرِّقًا؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أَوجَب في حلقِ الرَّأسِ فديةً واحدةً، ولم يُفرِّق بين ما وقَع في دَفعةٍ أو دَفَعاتٍ. وإن كفَّر عن السَّابق، ثمَّ أعادَه؛ لَزِمَته الفديةُ ثانيًا. (إِلَّا فِي صَيْدٍ)، ففيه بعَدَده ولو في دَفعةٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. (وَ) مَنْ فعَل محظورًا (مِنْ أَجْنَاسٍ)، بأنْ حلَق وقلَّم أظفارَه ولَبِس المَخيطَ؛ فعَليه (لِكُلِّ جِنْسٍ فِدَاؤُ) هـ الواجبُ فيه، سواءٌ (رَفَضَ) أي: قطَع (إِحْرَامَهُ أَوْ لَا)؛ إذِ التَّحلُّلُ مِنْ الحجِّ لا يَحصل إلّا بأحدِ ثلاثةِ أشياءَ: كمالِ أفعالِه، أو التَّحلُّلِ عندَ الحَصرِ، أو بالعذر إذا شرَطه في ابتدائه، وما عدَا هذه لا يَتحلَّل به. ولو نوَى التَّحلُّلَ بِه (١)؛ لم يَحِلَّ.

стр. 648

ولا يَفسد إحرامُه برَفضه، بل هو باقٍ يَلزمه أحكامُه، وليس عليه لرفضِ الإحرامِ شيءٌ. (وَيَسْقُطُ بنِسْيَانٍ (١) وَجَهْلٍ وَإِكْرَاهٍ: فِدْيَةُ لُبْسٍ وَطِيبٍ وَتَغْطِيَةِ رَأْسٍ)؛ لحديثِ: «عُفِيَ لأُمَّتي عن الخطأِ والنِّسيانِ، وما استُكرِهُوا عليه» (٢). ومتى زالَ عذرُه؛ أزالَه في الحال (٣). (دُونَ) فديةِ (وَطْءٍ وَصَيْدٍ وَحَلْقٍ وَتَقْلِيمٍ)، فتَجِب مطلقًا (٤)؛ لأنَّ ذلك إتلافٌ، فاستَوى عمدُه وسهوُه؛ كمالِ الآدميِّ (٥). فإن استَدامَ لُبسَ مَخيطٍ أَحرَم فيه ولو لحظةً فوقَ المعتادِ مِنْ خَلعه؛ فدَى، ولا يَشقُّه. (وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ) يَتعلَّق بحرمٍ أو إحرامٍ؛ كجزاءِ صيدٍ، ودَمِ مُتعةٍ وقِرانٍ، ومنذورٍ (٦)، وما وجَب لتركِ واجبٍ أو فعلِ محظورٍ في الحرم؛ (فَ) إنَّه يَلزمه ذبحُه بالحرم. قال أحمدُ: مكَّةُ ومنًى واحدٌ (٧). والأفضلُ نحرُ ما بحجٍّ بمنًى، وما بعمرةٍ بالمَروة.

стр. 649

ويَلزم تَفرِقَةُ لَحمِه، أو إطلاقُه (لِمَسَاكِينِ الحَرَمِ)؛ لأنَّ القصدَ التَّوسعةُ عليهم، وتَقدَّم أنَّهم المقيمُ به (١)، والمجتازُ مِنْ حاجٍّ وغيرِه ممَّن له أخذُ زكاةٍ لحاجةٍ. وإن سلَّمه لهم حيًّا فذبحوه؛ أَجزأ، وإلا ردَّه وذبَحه. (إِلَّا دَمَ أَذًى) أي: حلقٍ، (وَ) دَمَ (لُبْسٍ، وَنَحْوِهِمَا)؛ كطِيبٍ وتغطيةِ رأسٍ (٢)، (فَ) لا يَتعيَّن بالحرم، بل يُجزئ (بِهِ) أي: بالحرم، (وَ) يُجزئ (حَيْثُ فَعَلَهُ) مِنْ حِلٍّ أو حرمٍ، وكذا كلُّ محظورٍ فعَله خارجَ الحرمِ. (وَدَمُ إِحْصَارٍ حَيْثُ أُحْصِرَ)؛ لأنَّه ﵊ نحَر هَدْيَه في موضعه بالحُدَيْبِيَةِ (٣)، وهي مِنْ الحِلِّ. (وَيُجْزِئُ صَوْمٌ وَحَلْقٌ بِكُلِّ مَكَانٍ)؛ لأنَّه لا يَتعدَّى نفعُه لأحدٍ، فلا فائدةَ لتخصيصِه. (وَالدَّمُ) المطلقُ؛ كأُضحيَّةٍ (٤): (شَاةٌ)، جَذَعُ ضَأنٍ، أو ثَنِيُّ مَعزٍ، (أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ، أَوْ بَقَرَةٍ)، فإن ذبَحها فأفضلُ، وتَجِب كلُّها. وتُجزئ بقرةٌ عن بَدنةٍ، ولو في جزاءِ صيدٍ، كعكسِه (٥)، وعن سَبعِ شِياهٍ بَدنةٌ أو بقرةٌ مطلقًا (٦).

стр. 650

(فصل) في جزاءِ الصَّيدِ وهو: مِثلُه في الجملةِ إن كان، وإلّا فقيمتُه. فيَجب المِثلُ مِنْ النَّعَمِ (١) فيما له مِثلٌ؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، وجعَل النبيُّ ﷺ في الضَّبُعِ كَبْشًا (٢). ويُرجع فيما قضَت فيه الصَّحابةُ إلى ما قضَوا به، فلا يُحتاج أن يُحكَم عليه مرَّةً أُخرى؛ لأنَّهم أَعرَفُ، وقولُهم أَقربُ إلى الصَّواب، ولقولِه ﷺ : «أَصحابي كالنُّجوم، بِأَيِّهم اقْتَدَيتُم اهْتَدَيتُم» (٣).

стр. 651

ومنه (١): (فِي النَّعَامَةِ بَدَنةٌ)، رُوي عن عمرَ وعثمانَ وعليٍّ وزيدٍ وابنِ عبَّاسٍ ومعاويةَ (٢)؛ لأنَّها تُشبِهها. (وَفِي حِمَارِ الوَحْشِ): بقرةٌ، رُوي عن عمرَ (٣). (وَ) في (بَقَرِهِ) أي: الوحشِ، أي: في الواحدةِ مِنه: بقرةٌ، رُوي عن ابنِ مسعودٍ (٤). (وَ) في (الوَعْلِ: بَقَرَةٌ)، رُوي عن ابنِ عمرَ أنَّه قال: «في الأَرْوَى (٥) بقرةٌ» (٦). قال في «الصّحاحِ»: الوَعلُ هي الأَرْوَى (٧)، وفي «القاموس»: الوعل بفتحِ

стр. 652

الواوِ مع العينِ (١)، وكسرِها وسكونِها: تَيسُ الجبلِ (٢). (وَفِي الضَّبُعِ: كَبْشٌ)، قال الإمامُ: حكَم فيها رسولُ اللهِ ﷺ بكَبشٍ (٣). (وَفِي الغَزَالِ: عَنْزٌ)، رُوي عن جابرٍ عنه ﷺ أنَّه قال: «في الظَّبيِ شاةٌ» (٤). (وَفِي وَبْرٍ)، وهو دُوَيبَّةٌ كَحْلاءُ دونَ السِّنَّورِ (٥)، لا ذنَبَ لها: جَدْيٌ. (وَ) في (ضَبٍّ: جَدْيٌ)، قضَى به عمرُ وأَرْبَدُ (٦)، والجَدْيُ: الذَّكرُ مِنْ أولادِ المَعزِ، له ستَّةُ أشهرٍ. (وَفِي يَرْبُوعٍ: جَفْرَةٌ (٧)) لها أربعةُ أشهرٍ،

стр. 653

رُوي عن عمرَ (١)، وابنِ مسعودٍ (٢). (وَفِي أَرْنَبٍ: عَنَاقٌ)، رُوي عن عمرَ (٣)، والعَناقُ: الأُنثى مِنْ أولادِ المَعزِ، أصغرُ مِنْ الجَفْرة. (وَفِي حَمَامَةٍ: شَاةٌ (٤))، حكَم به عمرُ، وعثمانُ (٥)، وابنُ عمرَ (٦)، وابنُ

стр. 654

عبَّاسٍ (١)، ونافعُ بنُ عبدِ الحارثِ (٢)، في حَمامِ الحرمِ، وقِيس عليه حمامُ الإحرامِ (٣). والحَمامُ: كلُّ ما عَبَّ (٤) الماءَ وهَدَرَ، فيَدخل فيه الفَواختُ، والوَراشِينُ، والقَطَا، والقُمْرِيُّ، والدُّبسِيُّ (٥). وما لم تقضِ فيه الصَّحابةُ: يُرجع فيه إلى قولِ عَدلَين خَبيرَين (٦). (وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ)؛ كباقي الطَّيرِ، ولو أكبرَ مِنْ الحَمامِ: (فِيهِ قِيمَتُهُ (٧)). وعلى جماعةٍ اشتَرَكوا في قتلِ صيدٍ: جزاءٌ واحدٌ.

стр. 655

(فصل) في صيدِ الحَرمَين (١) (يَحْرُمُ صَيْدُ حَرَمِ مَكَّةَ عَلَى مُحِلٍّ وَمُحْرِمٍ) إجماعًا (٢)؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ يومَ فتحِ مكَّةَ: «إنَّ هذا البلدَ حرَّمَه اللهُ يومَ خلقَ السَّمواتِ والأرضَ، فهو حرامٌ بحُرمةِ اللهِ إلى يومِ القيامةِ» (٣). (وَحُكْمُهُ) أي: حُكمُ صيدِ الحرمِ؛ (كَصَيْدِ مُحْرِمٍ) في وجوبِ الجزاءِ، حتَّى على الصَّغيرِ والكافرِ، لكنْ بَحريُّه لا جزاءَ فيه. (وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِهِ) أي: شجرِ الحرمِ، (وَحَشِيشِهِ) اللَّذَين لم يَزرَعهما آدميٌّ؛ لحديثِ: «ولا يُعضَدُ (٤) شَجرُها، ولا يُحَشُّ حَشِيشُها» (٥). (إِلَّا اليَابِسَ وَالإِذْخِرَ)، فيَجوز قطعُهما، والإذخِرُ: حَشيشٌ طيِّبُ الرِّيحِ. ويُباح انتفاعٌ بما زالَ أو انكسَر بغيرِ فعلِ آدميٍّ، ولو لم يَنفصل (٦). وتُضمَن شجرةٌ صغيرةٌ عرفًا بشاةٍ (٧)، وما فوقَها ببقرةٍ، رُوي عن ابنِ عبَّاسٍ (٨)، ويُفعل فيهما كجزاءِ صيدٍ.

стр. 656

ويُضمَن حَشيشٌ ووَرقٌ بقِيمته، وغُصنٌ بما نقَص، فإن استَخلَف شيءٌ منها؛ سقَط ضمانُه، كردِّ شجرةٍ فتنْبتُ (١)، لكن يُضمَن نقصُها. (وَيَحْرُمُ صَيْدُ حَرَمِ المَدِينَةِ)؛ لحديثِ عليٍّ: «المدينةُ حرامٌ ما بينَ عَيْرٍ إلى ثورٍ، لا يُختَلى خَلاها (٢)، ولا يُنفَّر صَيدُها، ولا يَصلح أن تُقطع منها شجرةٌ، إلّا أنْ يَعلِف رَجلٌ بَعِيرَه» رَواه أبو داودَ (٣). (وَهُوَ) أي: حرمُ المدينةِ: بَرِيدٌ (٤) في بَرِيدٍ، وهو ما بينَ عَيْرٍ إلى ثورٍ (٥)، كما تَقدَّم، وذلك (٦) (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا)، تَثنيةُ «لابةٍ»، وهي الحَرَّةُ، أي: أَرضٌ تَركَبها حجارةٌ سُودٌ.

стр. 657

(وَلَا جَزَاءَ فِيهِ) أي: فيما حَرُم مِنْ صَيدها وشَجرِها وحَشيشِها. قال الإمامُ أحمدُ في روايةِ بكرِ بنِ محمدٍ: (لم يَبلغنا أنَّ النبيَّ ﷺ ولا أحدًا مِنْ الصحابةِ حكَموا فيه بجزاءٍ) (١). (وَيُبَاحُ) أخذُ (الحَشِيشِ) مِنْ حَرمِ المدينةِ (لِلعَلَفِ)؛ لِما تَقدَّم. (وَ) يُباح اتِّخاذُ (آلَةِ حَرْثٍ وَنَحْوِهِ)؛ كمَسانِدَ، وآلةِ رَحْلٍ، (مِنْ شَجَرِهِ) أي: شَجرِ حَرمِ المدينةِ؛ لِما روَى أحمدُ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ: أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا حرَّم المدينةَ (٢) قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّا أصحابُ عملٍ وأصحابُ نَضحٍ، وإنَّا لا نَستطيع أرضًا غيرَ أَرضِنا، فرخِّصْ لنا، فقال: «القائِمَتانِ والوِسادةُ والعارضَةُ والمِسْنَدُ، فأمَّا غيرُ ذلك فلا يُعضَد (٣) ولا يُخبَط (٤) منها شيءٌ» (٥)، والمِسندُ: عُودُ البَكَرةِ. ومَن أَدخَلها صيدًا؛ فلَه إمساكُه وذبحُه (٦).

стр. 658

(بَابٌ) بالتَّنوين، أي: هذا بابُ دخولِ مكَّةَ، وما يَتعلَّق به مِنْ طوافٍ وسعيٍ. (يُسَنُّ دُخُولُ مَكَّةَ نَهَارًا)؛ للخبرِ (١)، ولا بأسَ به ليلًا. (مِنْ أَعْلَاهَا) مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءَ، بالفتح والمدِّ، مصروفًا وغيرَ مصروفٍ، وخروجٌ مِنْ أسفلِها، مِنْ ثَنيَّةِ كُدًى، بالضمِّ والتَّنوينِ. (وَ) يُسنُّ دخولُ (المَسْجِدِ) الحرامِ (مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ (٢))؛ لِما روَى مسلمٌ وغيرُه عن جابرٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ دخَل مكَّةَ ارتفاعَ الضُّحى، وأَناخَ راحلتَه عندَ بابِ بَنِي شَيبةَ، ثمَّ دخَل» (٣). ويُسنُّ أن يَقول عندَ دخولِه: «باسمِ اللهِ، وباللهِ، ومِن اللهِ، وإلى اللهِ، اللَّهمَّ افْتَحْ لي أبوابَ فَضلِكَ»، ذكَره في «أسبابِ الهدايةِ». (وَإِذَا رَأَى البَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ)؛ لفعلِه ﷺ ، رَواه الشافعيُّ عن ابنِ جُريجٍ (٤).

стр. 659

(وَقَالَ) بعدَ رفعِ يدَيه: (اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ)، روَى الشافعيُّ أنَّ ابنَ عمرَ كان يَقوله (١). و «السَّلامُ» الأوَّلُ: اسمُه تَعالى، والثاني: مأخوذٌ مِنْ قولهم: «أَكرمتُه بالسَّلام» أي: التَّحيَّةِ، والثالثُ: السَّلامةُ مِنْ جميعِ الآفاتِ، أي: سلِّمنا منها بتحيَّتك إيَّانا. (اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا البَيْتَ تَعْظِيمًا) أي: تبجيلًا، (وَتَشْرِيفًا) أي: رفعةً وإعلاءً (٢)، (وَتَكْرِيمًا): تفضيلًا، (وَمَهَابَةً): توقيرًا وإجلالًا، (وَبِرًّا): بكسرِ الباءِ، هو اسمٌ جامعٌ للخيرِ، (وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا). رَواه الشافعيُّ بإسناده عن ابنِ جُريحٍ مرفوعًا (٣).

стр. 660

(الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ) كثيرًا (كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ، وَالحَمْدُ للهِ الذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ، وَرَآنِي (١) لِذَلِكَ أَهْلًا، وَالحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إِلَى حَجِّ (٢) بَيْتِكَ الحَرَامِ)، سُمِّي به لانتشارِ حُرمتِه، وأُريدَ بتحريمه سائرُ الحرمِ، (وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي، وَاعْفُ عَنِّي، وَأَصْلِحْ)، بقطعِ الهمزةِ، (لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ)، ذكَره الأثرمُ وإبراهيمُ الحربيُّ (٣). (يَرْفَعُ بِذَلِكَ) الدُّعاءِ (صَوْتَهُ)؛ لأنَّه ذِكرٌ مشروعٌ، أَشبَه التَّلبيةَ. (ثُمَّ يَطُوفُ) حالةَ (٤) كَونِه (مُضْطَبِعًا) ندبًا، في كلِّ أُسبوعِه، إن لم يَكُنْ حامِلَ معذورٍ (٥). والاضْطِباعُ: أن يَجعل وسَطَ رِدائِه تحتَ عاتقِه الأيمنِ، وطَرفَيه على عاتقِه الأيسرِ. وإذا فرَغ مِنْ الطَّوافِ؛ أَزالَ الاضطباعَ. (يَبْتَدِئُ مُتَمَتِّعٌ بِطَوَافِ العُمْرَةِ) ندبًا (٦)؛ لأنَّ الطَّوافَ تحيَّةُ الكعبةِ، وتحيَّةُ المسجدِ الصَّلاةُ، ويُجزئ عنها ركعتَا الطَّوافِ. (وَ) يَبتدئ (غَيْرُهُ) أي: غيرُ المتمتِّعِ، وهو القارنُ والمُفْرِدُ (بِطَوَافِ القُدُومِ).

стр. 661

(وَيَبْتَدِئُ) طائفٌ (مِنَ الحَجَرِ الأَسْوَدِ)؛ لفعلِه ﷺ (١)، (فَيُحَاذِيهِ) أي: الحجرَ كلَّه أو بعضَه، طائفٌ (بِكُلِّ بَدَنِهِ)، ويَستقبله بوَجهه، (وَيَسْتَلِمُهُ) أي: يَمسح الحجرَ بيَدِه اليُمنى، وفي الحديثِ: «إنَّه نزَل مِنْ الجنَّةِ أَشدَّ بياضًا مِنْ اللَّبنِ، فسوَّدَته خَطايَا بَنِي آدمَ» رَواه التِّرمذيُّ، وصحَّحه (٢). (وَيُقَبِّلُهُ) بلا صوتٍ (٣) يَظهر للقُبلةِ؛ لحديثِ عمرَ: أنَّ النبيَّ ﷺ استَقبَل الحجرَ، ووضَع شفَتَيه عليه يَبكي (٤) طويلًا، ثمَّ الْتَفتَ فإذا هو بعُمرَ يَبكي، فقال: «يا عمرُ، ههُنا تُسكَبُ العَبَراتُ» رَواه ابنُ ماجَه (٥). ويَسجد عليه (٦)، فعَله ابنُ عمرَ وابنُ عبَّاسٍ (٧).

стр. 662

(فَإِنْ شَقَّ) تقبيلُه لنحوِ زحامٍ؛ (فَ) يَستلمه (بِيَدِهِ، وَقَبَّلَهَا) بلا مزاحمةٍ؛ لِما روَى مسلمٌ عن ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ استَلَمه وقبَّل يدَه» (١). (فَإِنْ شَقَّ) استِلامُه بيَدِه؛ استَلَمه بشيءٍ وقَبَّله، فإن شَقَّ أيضًا؛ (أَشَارَ إِلَيْهِ) أي: إلى الحجرِ بيَدِه، أو بشيءٍ، ولا يُقبِّله؛ لما روَى البخاريُّ عن ابنِ عبَّاسٍ قال: «طافَ النبيُّ ﷺ على بعيرٍ، فلمَّا أَتى الحجرَ أشارَ إليه بشيءٍ في يدِه وكبَّر» (٢). (وَيَقُولُ) مُستقبِلَ الحجرِ بوَجهه (كُلَّمَا اسْتَلَمَهُ: «بِاسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ »)؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ السَّائبِ: «أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَقول ذلك عندَ استِلامِه» (٣). (ثُمَّ يَجْعَلُ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ (٤))؛ لأنَّه ﷺ طافَ كذلك، (وَيَطُوفُ سَبْعًا، يَرْمُلُ الأُفُقِيُّ)، المُحرِمُ مِنْ بعيدٍ عن مكَّةَ، (فِي هَذَا الطَّوَافِ) فقط إن طافَ ماشيًا، فيُسرع المَشيَ، ويُقارب الخُطَى، (ثَلَاثًا) أي: في ثلاثةِ أشواطٍ، (ثُمَّ)

стр. 663

بعدَها (يَمْشِي أَرْبَعًا) مِنْ غيرِ رَمَلٍ؛ لفعلِه ﷺ (١). ولا يُسنُّ رَمَلٌ لحاملِ معذورٍ، ونساءٍ، ومُحرِمٍ مِنْ مكَّةَ أو قُربِها. ولا يُقضى فيها (٢) رَمَلٌ فاتَ. والرَّمَلُ أَولى مِنْ الدُّنوِّ مِنْ البيت. ولا يُسنُّ رَمَلٌ ولا اضطباعٌ في غيرِ هذا الطَّوافِ. ويُسنُّ أَنْ (يَسْتَلِمَ الحَجَرَ وَالرُّكْنَ اليَمَانِيَ فَقَطْ، كُلَّ مَرَّةٍ) عندَ مُحاذاتِهما؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كان رسولُ اللهِ ﷺ لا يَدَعُ أن يَستلم الرُّكنَ اليَمانيَ والحجرَ في طَوافه»، قال نافعٌ: كان ابنُ عمرَ يَفعله. رَواه أبو داودَ (٣). (وَلَا يُقَبِّلُهُ) أي: الرُّكنَ اليَمانيَ؛ لأنَّه لم يُنقل. فإن شَقَّ استِلامُهما؛ أشارَ إليهما. وعُلِم مِنْ قوله: «فقط» أنَّه لا يُسنُّ استلامُ الشاميِّ، وهو أوَّلُ ركنٍ يَمرُّ به، ولا الغربيِّ، وهو ما يَليه. (وَيَقُولُ) طائفٌ كلَّما حاذَى الحجرَ: اللهُ أكبرُ. ويَقول (بَيْنَ الرُّكْنِ اليَمَانِي وَالحَجَرِ: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»).

стр. 664

(وَ) يَقول (فِي بَقِيَّةِ طَوَافِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاهْدِنِي السَّبِيلَ الأَقْوَمَ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ»، وَيَذْكُرُ وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ)، ويُصلِّي على النبيِّ ﷺ . ويَدَع الحديثَ إلّا ذِكرًا أو قراءةً، أو أمرًا بمعروفٍ، أو نهيًا عن منكرٍ، أو ما (١) لا بُدَّ منه؛ لحديثِ: «الطَّوافُ بالبيت صلاةٌ، فمَن تَكلَّم فلا يَتكلَّمْ إلّا بخيرٍ (٢)» (٣). وكان عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ يَقول: «ربِّ قِنِي شُحَّ نَفْسي» (٤). وعن عُروةَ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يَقولون: لا إلهَ إلّا أنتَ … وأنتَ تُحيي بعدَما أَمَتَّ (٥) وتُسنُّ القراءةُ فيه. (وَمَنْ لَمْ يُكْمِلِ السَّبْعَ)، بأنْ ترَك ولو يسيرًا مِنْ شوطٍ مِنْ السَّبعة؛ لم يصحَّ؛ لأنَّه ﷺ طافَ كاملًا، وقال: «خُذُوا عنِّي مَناسِكَكُم» (٦). (أَوْ لَمْ يَنْوِهِ) أي: الطَّوافَ؛ لم يصحَّ؛ لأنَّه عبادةٌ أَشبَه الصَّلاةَ، ولحديثِ:

стр. 665

«إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» (١). (أَوْ نَكَّسَهُ) أي: الطَّوافَ، بأنْ جعَل البيتَ عن يَمينه وطافَ؛ لم يصحَّ؛ لأنَّه ﷺ جعَله عن يسارِه في طوافِه، وقال: «خُذُوا عنِّي مَناسِكَكُم» (٢). (أَوْ طَافَ عَلَى الشَّاذَرْوَانِ (٣))، بفتح الذالِ المعجَمةِ، وهو ما فضَل عن جدارِ الكعبةِ؛ لم يصحَّ؛ لأنَّه مِنْ البيتِ، فإذا لم يَطُف به لم يَطُف بالبيت جَميعِه. (أَوْ) طافَ على (جِدَارِ الحِجْرِ (٤))، بكسرِ الحاءِ المهمَلةِ؛ لم يصحَّ؛ لأنَّه ﷺ طافَ مِنْ وراءِ الحِجْرِ والشَّاذَرْوانِ، وقال: «خُذُوا عنِّي مَناسِكَكُم» (٥). (أَوْ) طافَ حالةَ (٦) كَونِه (عُرْيَانًا (٧)، أَوْ مُحْدِثًا، أَوْ نَجِسًا؛ لَمْ يَصِحَّ)

стр. 666

طوافُه؛ لقولِه ﷺ : «الطَّوافُ بالبيت صلاةٌ، إلّا أنَّكم تَتكلَّمون فيه» رَواه التِّرمذيُّ والأثرمُ عن ابنِ عبَّاسٍ (١). ويُسنُّ فعلُ باقي المَناسكِ كلِّها على طهارةٍ (٢). وإن طافَ المُحرِمُ لابسَ مَخيطٍ؛ صحَّ وفدَى. (ثُمَّ) إذا تمَّ طوافُه (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ (٣)) نفلًا، وتُجزئ مكتوبةٌ عنهما. وحيثُ ركَعَهما جازَ، والأفضلُ كَونُهما (خَلْفَ المَقَامِ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، يَقرأ فيهما (بِ «الكَافِرينَ» وَ «الْإِخْلَاصِ») بعدَ الفاتحةِ. (فصل) (ثُمَّ) بعدَ الصَّلاةِ يَعود و (يَسْتَلِمُ الحَجَرَ)؛ لفعلِه ﷺ (٤). ويُسنُّ الإكثارُ مِنْ الطَّواف كلَّ وقتٍ. (ثُمَّ يَخْرُجُ لِلسَّعْيِ مِنْ بَابِ الصَّفَا، فَيَرْقَاهُ) أي: الصَّفا (٥) (حَتَّى يَرَى

стр. 667

البَيْتَ)، فيَستقبله (وَيُكبِّرُ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ ثَلَاثًا: «الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ (١) وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ»)؛ لحديثِ جابرٍ في صفةِ حجِّه ﵊ (٢). (وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ)؛ لحديثِ (٣) أَبي هريرةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا فرَغ مِنْ طوافه؛ أَتى الصَّفا، فعَلَا عليه حتى نظَر إلى البيت، ورفَع يدَيه، فجعَل يَدعو يَحمَد اللهَ، ويَدعو بما شاء أن يَدعو» رَواه مسلمٌ (٤). ولا يُلبِّي؛ لعدمِ نقلِه. (ثُمَّ يَنْزِلُ) مِنْ الصَّفا (يَمْشِي إِلَى قُرْبِ العَلَمِ الأَوَّلِ): مِيلٌ أَخضرُ فِي رُكنِ المسجدِ، (بِسِتَّةِ أَذْرُعٍ) أي: يَمشي مِنْ الصَّفا حتى يَبقى بينَه وبينَ العَلمِ الأوَّلِ نحوُ ستَّةِ أَذرعٍ، (فَيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا (٥) إِلَى العَلَمِ الآخَرِ): مِيلٌ أَخضرُ بفِناءِ المسجدِ، حِذاءَ دارِ العباسِ، (ثُمَّ يَمْشِي، وَ) يَستمرُّ حتى (يَرْقَى المَرْوَةَ)، مكانٌ

стр. 668

معروفٌ، وأصلُها الحجارةُ البرَّاقةُ التي يُقدَح منها النَّارُ، (وَيَقُولُ) عليها مستقبِلَ القِبلةِ (مَا قَالَهُ عَلَى الصَّفَا)؛ مِنْ تكبيرٍ وتهليلٍ ودعاءٍ. ويَجب استيعابُ ما بينَ الصَّفا والمروةِ، فيُلصِق عَقِبَه بأصلِهما في الابتداء بكلٍّ منهما، ويُلصق أصابعَه بما يَصِل إليه مِنْ كلٍّ منهما، والراكبُ يَفعل ذلك بدابَّته، فمَن ترَك شيئًا ممَّا بينَهما ولو دونَ ذراعٍ؛ لم يُجزئه سَعيُه. (ثُمَّ يَنْزِلُ) مِنْ المروةِ، (فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ إِلَى الصَّفَا، يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعًا، ذَهَابُهُ سَعْيَةٌ، وَرُجُوعُهُ) سَعيةٌ (أُخْرَى، وَيَقُولُ فِيهِ) أي: السَّعيِ ما رَواه الإمامُ أحمدُ عن ابنِ مسعودٍ: أنَّه كان إذا سعَى بينَ الصَّفا والمروةِ قال: («رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ» (١)). يَفتتح بالصَّفا، ويَختم بالمَروة؛ للخبرِ (٢). (وَإِنْ بَدَأَ بِالمَرْوَةِ؛ سَقَطَ الشَّوْطُ الأَوَّلُ)، فلا يَحتسب به. (وَتُسَنُّ فِيهِ الطَّهَارَةُ) مِنْ الحَدَث والنَّجَسِ، (وَالسُّتْرَةُ) أي: سَترُ العورةِ، فلَو سعَى مُحدِثًا أو نجسًا أو عُريانًا؛ أَجزأه. (وَتُشْتَرَطُ نِيَّتُهُ) أي: السَّعيِ؛ لحديثِ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» (٣). (وَمُوَالَاتُهُ)؛ قياسًا على الطَّواف. (وَ) يُشترط (كَوْنُهُ بَعْدَ طَوَافِ نُسُكٍ)، ولو مسنونًا؛ كطوافِ القُدومِ.

стр. 669

(ثُمَّ إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا؛ قَصَّرَ مِنْ شَعَرِهِ كُلِّهِ) ولو لَبَّده (١)، ولا يَحلِقه ندبًا؛ لِيُوفِّره (٢) للحجِّ، (وَتَحَلَّلَ)؛ لأنَّه تمَّت عمرتُه، هذا (إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَإِلَّا)، بأنْ كان مع المتمتِّعِ هَدْيٌ؛ لم يُقصِّر، و (حَلَّ إِذَا فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ)، فيُدخِل الحجَّ على العمرة، ولا يُحلُّ حتى يَفرغَ منهما جميعًا (٣). والمعتمِرُ غيرُ المتمتِّعِ يَحِلُّ، سواءٌ كان معه هَدْيٌ أو لا، في أَشهُرِ الحجِّ أو غيرِها (٤). (وَإِذَا شَرَعَ المُتَمَتِّعُ فِي الطَّوَافِ؛ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ)؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ يَرفعه: «كان يُمسِك عن التَّلبيةِ في العمرة إذا اسْتَلم الحجرَ»، قال التِّرمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٥). (وَلَا بَأْسَ بِهَا) أي: بالتَّلبيةِ (فِي طَوَافِ القُدُومِ)، نصًّا (٦)، (سِرًّا)؛ لئلَّا يُخلِّط على الطائفِين، وكذا السَّعيُ بعدَه، وتَقدَّم.

стр. 670

(بَابُ صِفَةِ الحَجِّ) والعُمرةِ وما يَتعلَّق بذلك (سُنَّ لِمُحِلٍّ بِمَكَّةَ، وَ) ب (قُرْبِهَا)، ولمتمتِّعٍ حَلَّ (١) مِنْ عُمرته؛ (إِحْرَامٌ بِحَجٍّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ)، وهو ثامنُ ذي الحِجَّةِ، سُمِّي بذلك؛ لأنَّ النَّاسَ كانوا يَتروَّون فيه الماءَ لِما بعدَه. (قَبْلَ الزَّوَالِ)، فيُصلِّي بمنًى الظُّهرَ مع الإمام. والأفضلُ أن يُحرِم مِنْ تحتِ المِيزابِ، (وَيُجْزِئُ) إحرامُه (مِنْ حَيْثُ شَاءَ)، مِنْ بقيَّةِ الحرمِ ومِن خارِجه، ولا دمَ عليه. والمتمتِّعُ إذا عَدِم الهَدْيَ وأرادَ الصَّومَ؛ سُنَّ له أن يُحرم يومَ السَّابعِ؛ ليصومَ الثَّلاثةَ مُحرِمًا. (ثُمَّ يَبِيتُ بِمِنى)، بكسرِ الميمِ مع الصَّرفِ وعدمِه، ويُصلِّي مع الإمامِ (نَدْبًا). (فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ) مِنْ يومِ عرفةَ؛ (سَارَ) مِنْ منًى (إِلَى نَمِرَةَ)، موضعٍ (٢) بعرفةَ، وهو جبلٌ عليه أَنصابُ الحرمِ، على يَمينِك إذا خَرجتَ مِنْ مَأزِمَي (٣) عرفةَ تُريد الموقفَ، فيُقيم بنَمِرةَ إلى الزَّوال، يَخطب بها الإمامُ أو
следующие страницы →