← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

طوافُه؛ لقولِه ﷺ : «الطَّوافُ بالبيت صلاةٌ، إلّا أنَّكم تَتكلَّمون فيه» رَواه التِّرمذيُّ والأثرمُ عن ابنِ عبَّاسٍ (١). ويُسنُّ فعلُ باقي المَناسكِ كلِّها على طهارةٍ (٢). وإن طافَ المُحرِمُ لابسَ مَخيطٍ؛ صحَّ وفدَى. (ثُمَّ) إذا تمَّ طوافُه (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ (٣)) نفلًا، وتُجزئ مكتوبةٌ عنهما. وحيثُ ركَعَهما جازَ، والأفضلُ كَونُهما (خَلْفَ المَقَامِ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، يَقرأ فيهما (بِ «الكَافِرينَ» وَ «الْإِخْلَاصِ») بعدَ الفاتحةِ. (فصل) (ثُمَّ) بعدَ الصَّلاةِ يَعود و (يَسْتَلِمُ الحَجَرَ)؛ لفعلِه ﷺ (٤). ويُسنُّ الإكثارُ مِنْ الطَّواف كلَّ وقتٍ. (ثُمَّ يَخْرُجُ لِلسَّعْيِ مِنْ بَابِ الصَّفَا، فَيَرْقَاهُ) أي: الصَّفا (٥) (حَتَّى يَرَى

стр. 667

البَيْتَ)، فيَستقبله (وَيُكبِّرُ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ ثَلَاثًا: «الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ (١) وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ»)؛ لحديثِ جابرٍ في صفةِ حجِّه ﵊ (٢). (وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ)؛ لحديثِ (٣) أَبي هريرةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا فرَغ مِنْ طوافه؛ أَتى الصَّفا، فعَلَا عليه حتى نظَر إلى البيت، ورفَع يدَيه، فجعَل يَدعو يَحمَد اللهَ، ويَدعو بما شاء أن يَدعو» رَواه مسلمٌ (٤). ولا يُلبِّي؛ لعدمِ نقلِه. (ثُمَّ يَنْزِلُ) مِنْ الصَّفا (يَمْشِي إِلَى قُرْبِ العَلَمِ الأَوَّلِ): مِيلٌ أَخضرُ فِي رُكنِ المسجدِ، (بِسِتَّةِ أَذْرُعٍ) أي: يَمشي مِنْ الصَّفا حتى يَبقى بينَه وبينَ العَلمِ الأوَّلِ نحوُ ستَّةِ أَذرعٍ، (فَيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا (٥) إِلَى العَلَمِ الآخَرِ): مِيلٌ أَخضرُ بفِناءِ المسجدِ، حِذاءَ دارِ العباسِ، (ثُمَّ يَمْشِي، وَ) يَستمرُّ حتى (يَرْقَى المَرْوَةَ)، مكانٌ

стр. 668

معروفٌ، وأصلُها الحجارةُ البرَّاقةُ التي يُقدَح منها النَّارُ، (وَيَقُولُ) عليها مستقبِلَ القِبلةِ (مَا قَالَهُ عَلَى الصَّفَا)؛ مِنْ تكبيرٍ وتهليلٍ ودعاءٍ. ويَجب استيعابُ ما بينَ الصَّفا والمروةِ، فيُلصِق عَقِبَه بأصلِهما في الابتداء بكلٍّ منهما، ويُلصق أصابعَه بما يَصِل إليه مِنْ كلٍّ منهما، والراكبُ يَفعل ذلك بدابَّته، فمَن ترَك شيئًا ممَّا بينَهما ولو دونَ ذراعٍ؛ لم يُجزئه سَعيُه. (ثُمَّ يَنْزِلُ) مِنْ المروةِ، (فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ إِلَى الصَّفَا، يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعًا، ذَهَابُهُ سَعْيَةٌ، وَرُجُوعُهُ) سَعيةٌ (أُخْرَى، وَيَقُولُ فِيهِ) أي: السَّعيِ ما رَواه الإمامُ أحمدُ عن ابنِ مسعودٍ: أنَّه كان إذا سعَى بينَ الصَّفا والمروةِ قال: («رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ» (١)). يَفتتح بالصَّفا، ويَختم بالمَروة؛ للخبرِ (٢). (وَإِنْ بَدَأَ بِالمَرْوَةِ؛ سَقَطَ الشَّوْطُ الأَوَّلُ)، فلا يَحتسب به. (وَتُسَنُّ فِيهِ الطَّهَارَةُ) مِنْ الحَدَث والنَّجَسِ، (وَالسُّتْرَةُ) أي: سَترُ العورةِ، فلَو سعَى مُحدِثًا أو نجسًا أو عُريانًا؛ أَجزأه. (وَتُشْتَرَطُ نِيَّتُهُ) أي: السَّعيِ؛ لحديثِ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» (٣). (وَمُوَالَاتُهُ)؛ قياسًا على الطَّواف. (وَ) يُشترط (كَوْنُهُ بَعْدَ طَوَافِ نُسُكٍ)، ولو مسنونًا؛ كطوافِ القُدومِ.

стр. 669

(ثُمَّ إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا؛ قَصَّرَ مِنْ شَعَرِهِ كُلِّهِ) ولو لَبَّده (١)، ولا يَحلِقه ندبًا؛ لِيُوفِّره (٢) للحجِّ، (وَتَحَلَّلَ)؛ لأنَّه تمَّت عمرتُه، هذا (إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَإِلَّا)، بأنْ كان مع المتمتِّعِ هَدْيٌ؛ لم يُقصِّر، و (حَلَّ إِذَا فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ)، فيُدخِل الحجَّ على العمرة، ولا يُحلُّ حتى يَفرغَ منهما جميعًا (٣). والمعتمِرُ غيرُ المتمتِّعِ يَحِلُّ، سواءٌ كان معه هَدْيٌ أو لا، في أَشهُرِ الحجِّ أو غيرِها (٤). (وَإِذَا شَرَعَ المُتَمَتِّعُ فِي الطَّوَافِ؛ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ)؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ يَرفعه: «كان يُمسِك عن التَّلبيةِ في العمرة إذا اسْتَلم الحجرَ»، قال التِّرمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٥). (وَلَا بَأْسَ بِهَا) أي: بالتَّلبيةِ (فِي طَوَافِ القُدُومِ)، نصًّا (٦)، (سِرًّا)؛ لئلَّا يُخلِّط على الطائفِين، وكذا السَّعيُ بعدَه، وتَقدَّم.

стр. 670

(بَابُ صِفَةِ الحَجِّ) والعُمرةِ وما يَتعلَّق بذلك (سُنَّ لِمُحِلٍّ بِمَكَّةَ، وَ) ب (قُرْبِهَا)، ولمتمتِّعٍ حَلَّ (١) مِنْ عُمرته؛ (إِحْرَامٌ بِحَجٍّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ)، وهو ثامنُ ذي الحِجَّةِ، سُمِّي بذلك؛ لأنَّ النَّاسَ كانوا يَتروَّون فيه الماءَ لِما بعدَه. (قَبْلَ الزَّوَالِ)، فيُصلِّي بمنًى الظُّهرَ مع الإمام. والأفضلُ أن يُحرِم مِنْ تحتِ المِيزابِ، (وَيُجْزِئُ) إحرامُه (مِنْ حَيْثُ شَاءَ)، مِنْ بقيَّةِ الحرمِ ومِن خارِجه، ولا دمَ عليه. والمتمتِّعُ إذا عَدِم الهَدْيَ وأرادَ الصَّومَ؛ سُنَّ له أن يُحرم يومَ السَّابعِ؛ ليصومَ الثَّلاثةَ مُحرِمًا. (ثُمَّ يَبِيتُ بِمِنى)، بكسرِ الميمِ مع الصَّرفِ وعدمِه، ويُصلِّي مع الإمامِ (نَدْبًا). (فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ) مِنْ يومِ عرفةَ؛ (سَارَ) مِنْ منًى (إِلَى نَمِرَةَ)، موضعٍ (٢) بعرفةَ، وهو جبلٌ عليه أَنصابُ الحرمِ، على يَمينِك إذا خَرجتَ مِنْ مَأزِمَي (٣) عرفةَ تُريد الموقفَ، فيُقيم بنَمِرةَ إلى الزَّوال، يَخطب بها الإمامُ أو

стр. 671

نائبُه خُطبةً قصيرةً، مُفتَتحةً بالتَّكبير، يُعلِّمهم فيها الوقوفَ، ووقتَه، والدَّفعَ منه، والمَبيتَ بمُزدلفةَ. (وَيَجْمَعُ بِهَا) أي: بنَمِرةَ مَنْ يَجوز له الجمعُ (١)، حتى المنفردُ، (بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ تَقْدِيمًا). (ثُمَّ يَأْتِي عَرَفَةَ، وَكُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ)؛ لقولِه ﷺ : «كلُّ عرَفةَ مَوقفٌ، وارْفَعُوا عن بَطنِ عُرَنةَ» رَواه ابنُ ماجَه (٢). وعرفةُ مِنْ الجبل المُشرِفِ على عُرَنةَ، إلى الجبال المقابِلةِ له، إلى ما يَلي حوائطَ بَنِي عامرٍ. (وَسُنَّ وُقُوفُهُ) أي: الحاجِّ بعرفةَ (رَاكِبًا)، مستقبِلَ القِبلةِ، (عِنْدَ الصَّخَرَاتِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ)؛ لقولِ جابرٍ: «إنَّ النبيَّ ﷺ جعَل بطنَ ناقتِه القَصواءِ (٣) إلى

стр. 672

الصَّخراتِ، وجعَل حَبلَ (١) المُشاةِ بينَ يدَيه، واستَقبَل القِبلةَ» (٢)، وقولُه: «جعَل (٣) حبلَ (٤) المُشاةِ» أي: طريقَهم الذي يَسلكونه في الرَّملِ، وقيل: أرادَ صَفَّهم ومُجتَمعَهم في مَشيِهم، تشبيهًا بحبلِ الرَّملِ. و (لَا) يُشرع (صُعُودُهُ) أي: جبلِ الرَّحمةِ. (وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ، وَمِنْ قَوْلِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي»)؛ لحديثِ: «أفضلُ الدُّعاءِ يومَ عرفةَ، وأفضلُ ما قلتُ أنا والنَّبيُّونَ مِنْ قَبلي: لا إلهَ إلّا اللهُ، وحدَه لا شريكَ له» رَواه مالكٌ في «الموطَّأ» (٥)، وما في المتنِ مأثورٌ عن عليٍّ (٦).

стр. 673

(وَوَقْتُهُ) أي: الوقوفِ بعرفةَ: (مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِلَى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ)؛ لقولِ جابرٍ: «لا يَفوت الحجُّ حتى يَطلع الفجرُ مِنْ ليلةِ جَمْعٍ (١)»، قال أبو الزُّبيرِ: فقلتُ له: أقالَ رسولُ اللهِ ﷺ ذلك؟ قال: «نعَم» (٢). (فَمَنْ وَقَفَ بِهِ) أي: بوقتِ الوقوفِ بعرفةَ، (وَلَوْ لَحْظَةً) مختارًا (٣)، (وَهُوَ) أي: الواقفُ بعرفةَ لحظةً، (أَهْلٌ لَهُ) أي: للحجِّ؛ بأن كان مسلمًا عاقلًا، مُحرِمًا به؛ (صَحَّ حَجُّهُ، وَلَوْ نَائِمًا، أَوْ جَاهِلًا أَنَّهَا عَرَفَةُ)، أو مارًّا بها، راجلًا أو راكبًا؛ لأنَّه حصَل بعرفةَ في زمنِ الوقوفِ. (وَمَنْ وَقَفَ) بعرفةَ (نَهَارًا، وَدَفَعَ قَبْلَ الغُرُوبِ، وَلَمْ يَعُدْ (٤)) بعدَ الغروبِ مِنْ ليلةِ النَّحرِ إلى عرفةَ، أو عادَ إليها (قَبْلَهُ) ولم يقَع الغروبُ وهو بها؛ (فَعَلَيْهِ دَمٌ)؛ لتَركِه واجبًا، كالإحرام مِنْ الميقاتِ. فإن عادَ إليها ليلةَ النَّحرِ؛ فلا دمَ عليه. (بِخِلَافِ وَاقِفٍ لَيْلًا فَقَطْ)، فلا دمَ عليه؛ لحديثِ: «مَنْ أَدرَك عرفاتٍ بِلَيلٍ فقد أَدرَك الحجَّ» (٥).

стр. 674

(ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ الغُرُوبِ) مِنْ عرفةَ مع الأميرِ، على طريقِ المأزِمَين، (إِلَى مُزْدَلِفَةَ)، وهي ما بينَ المأزِمَين ووادي مُحَسِّرٍ. وسُنَّ كَونُ دفعِه (بِسَكِينَةٍ)؛ لقولِه ﷺ : «أيُّها النَّاسُ، السَّكينةَ السَّكينةَ» (١). (وَيُسْرِعُ فِي الفَجْوَةِ) أي: الفُرجةِ؛ لقولِ أسامةَ: «كان رسولُ اللهِ ﷺ يَسيرُ العَنَقَ، فإذا وجَد فَجوةً نَصَّ» (٢) أي: أَسرَعَ؛ لأنَّ العَنَقَ انبساطُ السَّيرِ، والنَّصُّ فوقَ العَنَقِ. (وَيَجْمَعُ بِهَا) أي: بمزدلفةَ، بينَ (العِشَاءَيْنِ تَأْخِيرًا) أي: جَمْعَ تأخيرٍ، أي: يُسنُّ لمن دفَع مِنْ عرفةَ ألَّا يُصلِّيَ المغربَ حتَّى يَصِلَ إلى مزدلفةَ، فيَجمع بينَ المغربِ والعشاءِ مَنْ يَجوز له الجمعُ، قبلَ حطِّ رَحْلِه. وإن صلَّى المغربَ بالطَّريق؛ ترَك السُّنَّةَ، وأَجزأه. (وَيَبِيتُ بِهَا) أي: بمزدلفةَ وجوبًا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ باتَ بها وقال: «خُذوا عنِّي مَناسِكَكُم» (٣). (وَلَهُ الدَّفْعُ) مِنْ مزدلفةَ قبلَ الإمامِ (بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَ) يَجب (فِيهِ) أي: في (٤) الدَّفعِ مِنْ مزدلفةَ (قَبْلَهُ) أي: قبلَ نصفِ اللَّيلِ؛ (دَمٌ)، على غيرِ رُعاةِ حجٍّ، وسُقاةِ زمزمَ، سواءٌ كان عالمًا بالحُكم أو جاهلًا، عامدًا أو ناسيًا، هذا

стр. 675

إن (١) وصَلها قبلَ نصفِ اللَّيلِ ولم يَعُد إليها قبلَ الفجرِ، فإن لم يَصِلها إلّا بعدَ نصفِ اللَّيلِ، أو وصَلها ودفَع منها قبلَه، ثمَّ عادَ إليها قبلَ الفجرِ؛ فلا دمَ عليه. (فَإِذَا) أَصبَح بمزدلفةَ؛ (صَلَّى الصُّبْحَ) بغَلَسٍ، ثمَّ (أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ)، وهو جبلٌ صغيرٌ بالمزدلفةِ، سُمِّي بذلك لأنَّه مِنْ علاماتِ الحجِّ. (فَرَقَاهُ) إن سَهُل عليه، (أَوْ وَقَفَ عِنْدَهُ، وَيَحْمَدُ اللهَ، وَيُكَبِّرُهُ (٢))، ويُهلِّله، (وَيَقْرَأُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيَتَيْنِ) أي: إلى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، (وَيَدْعُو حَتَّى يُسْفِرَ جِدًّا)؛ لأنَّ في حديثِ جابرٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ لم يَزَل واقفًا عندَ المَشعرِ الحرامِ حتى أَسفَر جدًّا» (٣). (ثُمَّ) بعدَ الإسفارِ (يَسِيرُ) قبلَ طلوعِ الشَّمسِ بسكينةٍ، (فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا)، وهو وادٍ بينَ مزدلفةَ ومِنًى، سُمِّي بذلك؛ لأنَّه يُحسِّر سالكَه، (أَسْرَعَ) قَدْرَ (رَمْيَةِ حَجَرٍ) إن كان ماشيًا، وإلّا حرَّك دابَّتَه؛ «لأنَّه ﷺ لمَّا أَتى بطنَ مُحسِّرٍ حرَّك قليلًا» كما ذكره جابرٌ (٤). (وَيَأْخُذُ حَصَى الجِمَارِ، سَبْعِينَ حَصَاةً)، مِنْ حيثُ شاءَ، وكان ابنُ عمرَ يَأخذه مِنْ جَمعٍ (٥)، وفعَله سعيدُ بنُ جُبيرٍ وقال: «كانوا يَتزوَّدون الحصَى مِنْ جَمعٍ» (٦). وتَكون الحَصاةُ (بَيْنَ الحِمَّصِ وَالبُنْدُقِ)؛ كحصَى الخَذْفِ، فلا تُجزئ

стр. 676

صغيرةٌ جدًّا، ولا كبيرةٌ. ولا يُسنُّ غَسلُه. (فَإِذَا وَصَلَ مِنًى)، وهي مِنْ وادي مُحسِّرٍ إلى جَمرةِ العَقبةِ؛ (رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ)، راكبًا إن كان كذلك، وقال الأكثرُ: ماشيًا. ونُدِب أن يَستقبل القِبلةَ، وأن يَرمي على جانبه الأيمنِ (١). ويَكون الرَّميُ (مِنْ بَطْنِ الوَادِي، بِسَبْعِ) حصَياتٍ مُتعاقِباتٍ، (وَاحِدَةٍ بَعْدَ أُخْرَى)، فلَو رمَى دَفعةً واحدةً؛ فواحدةٌ (٢)، ولا يُجزئ الوضعُ. (يَرْفَعُ يَدَهُ) اليُمنى حالَ الرَّميِ، (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ)؛ لأنَّه أَعوَنُ على الرَّميِ. (وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَعَمَلًا مَشْكُورًا»). (وَلَا يَقِفُ) عندَ جَمرةِ العَقبةِ بعدَ رَميِها؛ لضيقِ المكانِ. (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَهَا)؛ لقولِ الفضلِ بنِ عباسٍ: «إنَّ النبيَّ ﷺ لم يَزَل يُلبِّي حتى رمَى جَمرةَ العَقبةِ» أَخرَجاه في الصَّحيحَين (٣). (وَيَرْمِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ نَدْبًا)؛ لقولِ جابرٍ: «رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَرمي الجمرةَ (٤) ضُحَى يومِ النَّحرِ وحدَه» أَخرَجه مسلمٌ (٥).

стр. 677

(وَيُجْزِئُ) رَميُها (بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ) مِنْ ليلةِ النَّحرِ؛ لِما روَى أبو داودَ عن عائشةَ: «أنَّ النبيَّ ﷺ أمَر أُمَّ سلمةَ ليلةَ النَّحرِ، فرَمَت جَمرةَ العَقبةِ قبلَ الفجرِ، ثمَّ مضَت فأَفاضَت» (١). فإن غرَبَت شمسُ يومِ الأَضحى قبلَ رَميِه؛ رمَى مِنْ غدٍ بعدَ الزَّوالِ. (وَلَا يُجْزِئُ الرَّمْيُ بِغَيْرِ الحَصَى)؛ كجوهرٍ وذهبٍ. (وَلَا) يُجزئ الرَّميُ (بِمَا رُمِيَ بِهِ)؛ لأنَّه استُعمِل في عبادةٍ، فلا يُستعمَل ثانيًا؛ كماءِ الوضوءِ. (ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ)، واجبًا كان أو تطوُّعًا، فإن لم يَكُنْ معه هَدْيٌ، وعليه واجبٌ؛ اشتَراه، وإلّا سُنَّ له أن يَتطوَّع به. وإذا نحَر الهَدْيَ؛ فرَّقَه على مساكينِ الحرمِ. (وَيَحْلِقُ) مستقبِلًا، مبتدِئًا بشِقِّه الأيمنِ ندبًا، (أَوْ يُقَصِّرُ (٢) مِنْ جَمِيعِ شَعَرِهِ)، لا مِنْ كلِّ شَعرةٍ بعَينِها. (وَالمَرْأَةُ تُقَصِّرُ) مِنْ شَعرِها (أَنْمَلَةً فَأَقَلَّ)؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ: «ليسَ على النِّساء حَلقٌ، إنَّما على النِّساء التَّقصيرُ» رَواه أبو داودَ (٣).

стр. 678

فتُقصِّر مِنْ كلِّ قَرنٍ قَدْرَ أَنمَلةٍ أو أقلَّ، وكذا العبدُ، ولا يَحلق إلّا بإذنِ سيِّدِه. وسُنَّ لمَن حلَق أو قصَّر؛ أَخذُ ظُفرِه وشاربِه وعانةٍ وإبطٍ. (ثُمَّ) إذا رمَى وحلَق أو قصَّر؛ ف (قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءِ) كان محظورًا بالإحرام، (إِلَّا النِّسَاءَ)، وَطئًا، ومباشرةً، وقُبلةً، ولَمسًا لشهوةٍ، وعقدَ نكاحٍ؛ لِما روَى سعيدٌ عن عائشةَ مرفوعًا: «إذا رَمَيتُم وحَلَقتُم فقد حَلَّ لكم الطِّيبُ والثِّيابُ وكلُّ شيءٍ إلّا النِّساءَ» (١). (وَلَا) يَجب (دَمٌ بِتَأْخِيرِ حَلْقٍ) أو تقصيرٍ عن أيَّامِ منًى، (أَوْ تَقْدِيمِهِ) أي: الحلقِ أو التَّقصيرِ (عَلَى رَمْيٍ أَوْ نَحْرٍ) أو عليهما، ولا إن نحَر أو طافَ قبلَ رَميِه ولو عالمًا؛ لِما روَى سعيدٌ، عن عطاءٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ قَدَّم شيئًا قبلَ شيءٍ فلا حرجَ» (٢). ويَحصل التَّحلُّلُ الأوَّلُ: باثنَينِ مِنْ رميٍ وحلقٍ وطوافٍ، والثاني: بما بَقِي مع سعيٍ.

стр. 679

ثمَّ يَخطب الإمامُ بمنًى يومَ النَّحرِ خُطبةً يَفتتحها بالتَّكبير، يُعلِّمهم فيها النَّحرَ والإفاضةَ والرَّميَ. (فصل) (ثُمَّ يُفِيضُ إِلَى مَكَّةَ، وَيَطُوفُ طَوَافَ الإِفَاضَةِ)، ويُقال: طوافُ الزِّيارةِ، ويُعيِّن كَونَه طوافَ الإفاضةِ (بِالنِّيَّةِ) وجوبًا، وهو ركنٌ لا يَتمُّ حجُّه إلّا به. وظاهرُه (١): أنَّ المفرِدَ والقارنَ لا يَطوفان للقُدومِ، ولو لم يَكونا دخَلَا مكَّةَ قبلَ ذلك، وكذا المتمتِّعُ يَطوف للإفاضةِ فقط؛ كمَن دخَل المسجدَ وأُقيمَت الصَّلاةُ، فإنَّه يَكتفي بها عن تحيَّةِ المسجدِ، واختارَه الموفَّقُ والشيخُ تقيُّ الدِّينِ وابنُ رجبٍ (٢). ونصُّ الإمامِ (٣) واختارَه الأكثرُ: أنَّ القارنَ والمفرِدَ إن لم يَكونَا دخَلاها قبلُ؛ يَطوفان للقُدومِ برَمَلٍ واضطباعٍ، ثمَّ للإفاضةِ، وأنَّ المتمتِّعَ يَطوف للقُدومِ بلا رَمَلٍ ولا اضطباعٍ، ثمَّ للإفاضةِ. (وَأَوَّلُ وَقْتِهِ) أي: وقتِ طوافِ الإفاضةِ: (مِنْ نِصْفِ لَيْلةِ (٤) النَّحْرِ) لمَن وقَف قبلَ ذلك بعرفاتٍ، وإلّا فبَعدَ الوقوفِ. (وَسُنَّ) فعلُه (فِي يَوْمِهِ، وَلَهُ تَأْخِيرُهُ) أي: الطَّوافِ عن أيَّامِ منًى؛ لأنَّ آخرَ وقتِه غيرُ محدودٍ؛ كالسَّعيِ.

стр. 680

(ثُمَّ يَسْعَى مُتَمَتِّعٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) لحجِّه؛ لأنَّ سَعيَه (١) الأوَّلَ كان لعُمرتِه. (وَ) يَسعى (مَنْ لَمْ يَسْعَ مَعَ طَوَافِ القُدُومِ)، مِنْ مفرِدٍ وقارنٍ، ومَن سعى (٢) منهما لم يُعِدْه؛ لأنَّه لا يُستحبُّ التطوُّعُ به كسائرِ الأنساكِ، إلّا الطَّوافَ؛ لأنَّه صلاةٌ. (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ) حتى النِّساءُ، وهذا هو التَّحلُّلُ الثاني. (وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ لِمَا أَحَبَّ، وَيَتَضَلَّعُ مِنْهُ)، ويَرشُّ على بَدنِه وثوبِه، ويَستقبل القِبلةَ، ويَتنفَّس ثلاثًا، (وَيَقُولُ: «بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا (٣) عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي، وَامْلَأْهُ مِنْ خَشْيَتِكَ») زادَ بعضُهم: «وحِكمَتِكَ»؛ لحديثِ جابرٍ: «ماءُ زمزمَ لِما شُرِبَ له» رَواه ابنُ ماجَه (٤)، وهذا الدعاءُ شاملٌ لخَيرَي (٥) الدُّنيا والآخرةِ.

стр. 681

فصل (ثُمَّ يَرْجِعُ) مِنْ مكَّةَ بعدَ الطَّوافِ والسَّعيِ، ويُصلِّي (١) ظُهرَ يومِ النَّحرِ بمنًى، (فَيَبِيتُ (٢) بِمِنًى ثَلَاثَ لَيَالٍ) إن لم يَتعجَّل، ولَيلتَين إن تعجَّل في يومَين. (وَيَرْمِي الجَمَرَاتِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَيَبْدَأُ بِ) رَميِ الجمرةِ (الأُولَى، وَتَلِي مَسْجِدَ الخَيْفِ)، فيَرميها (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) متعاقِباتٍ، يَفعل كما تَقدَّم في جمرةِ العَقبةِ، (وَيَجْعَلُهَا) أي: الجمرةَ (عَنْ يَسَارِهِ، وَيَتَأَخَّرُ قَلِيلًا) بحيثُ لا يُصيبه الحصَى، (وَيَدْعُو طَوِيلًا) رافعًا يدَيه. (ثُمَّ) يأتي الجمرةَ (الوُسْطَى، وَيَجْعَلُهَا) أي: الوُسْطى (عَنْ يَمِينِهِ، فَيَرْمِيهَا بِ) الحصَياتِ (السَّبْعِ، وَيَتَأَخَّرُ قَلِيلًا، وَيَدْعُو) طويلًا. (ثُمَّ) يَرمي (جَمْرَةَ العَقَبَةِ) بسَبعٍ كذلك، (وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَسْتَبْطِنُ الوَادِيَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا). (وَكَذَا يَفْعَلُ) ما تَقدَّم مِنْ رَميِ الجِمارِ الثلاثِ على التَّرتيبِ والكَيفيَّةِ المذكورةِ (٣) (فِي اليَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ) مِنْ أيَّامِ التَّشريقِ. ولا يُجزئ الرَّميُ في الأيَّام الثلاثةِ إِلَّا (بَعْدَ الزَّوَالِ)، فلا يُجزئ قبلَه، ولا ليلًا لغيرِ سُقاةٍ ورُعاةٍ. والأفضلُ الرَّميُ قبلَ صلاةِ الظُّهرِ. (وَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ) في الكلِّ.

стр. 682

(وَإِنْ رَمَاهُ) أي: الحصَى السَّبعين كلَّه (فِي) اليومِ (الثَّالِثِ) مِنْ أيَّامِ التَّشريقِ؛ (أَجْزَأَهُ) الرَّميُ، ويَكون (أَدَاءً)؛ لأنَّ أيَّامَ التَّشريقِ كلَّها وقتُ الرَّميِ (١). (وَيُرَتِّبُهُ) وجوبًا (بِالنِّيَّةِ)، فيَرمي لليومِ الأوَّلِ بنِيَّته، ثمَّ للثاني، وهكذا؛ كفَوائتِ (٢) الصَّلاةِ (٣). (وَإِنْ أَخَّرَهُ) أي: الرَّميَ (عَنْهَا) أي: عن أيَّامِ التَّشريقِ؛ فعَليه دمٌ. (أَوْ لَمْ يَبِتْ بِهَا) أي: بمنًى، أي: فيها؛ (فَ) عَليه (دَمٌ)؛ لأنَّه ترَك نُسكًا واجبًا. ولا مَبيتَ على سُقاةٍ ورُعاةٍ (٤). ويَخطب الإمامُ ثانيَ أيَّامِ التَّشريقِ خُطبةً يُعلِّمهم فيها حُكمَ التَّعجيلِ والتَّأخيرِ والتَّوديعِ. (وَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ)، بأنْ أرادَ النَّفْرَ مِنْ منًى في ثاني أيَّامِ التَّشريقِ؛

стр. 683

(خَرَجَ قَبْلَ الغُرُوبِ)، ولا إثمَ عليه، (وَسَقَطَ عَنْهُ رَمْيُ اليَوْمِ الثَّالِثِ، وَيَدْفِنُ حَصَاهُ) أي: حصَى الثالثِ (نَدْبًا). وفُهِم منه: أنَّه إن لم يَخرج قبلَ الغروبِ؛ لَزِمَه المَبيتُ والرَّميُ مِنْ الغدِ بعدَ الزَّوالِ؛ لقولِ عمرَ ﵁: «مَنْ أَدرَكه المساءُ في اليوم الثاني؛ فليُقِمْ إلى الغدِ حتى يَنفِرَ مع النَّاسِ» (١). (وَإِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ) بعدَ عَودِه إليها؛ (وَدَّعَ البَيْتَ بِالطَّوَافِ) وجوبًا، إذا فرَغ مِنْ جميعِ أُمورِه؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ: «أُمِرَ النَّاسُ أن يَكون آخرُ عَهدِهم بالبيت، إلّا أنَّه خُفِّف عن المرأة الحائضِ» متَّفق عليه (٢)، ويُسمَّى طوافَ الصَّدَرِ. (وَيَسْقُطُ) طوافُ الوداعِ (عَنْ حَائِضٍ) ونُفَساءَ؛ لِما تَقدَّم. (وَإِنْ أَقَامَ) بعدَ طوافِ الوداعِ، (أَوِ اتَّجَرَ بَعْدَهُ؛ أَعَادَهُ) إذا عزَم على الخروج وفرَغ مِنْ جميعِ أُمورِه؛ ليَكونَ آخرَ عهدِه بالبيت، كما جرَت العادةُ في توديعِ المسافرِ أهلَه وإخوانَه. (وَمَنْ تَرَكَهُ) أي: طوافَ الوداعِ، غيرَ حائضٍ ونُفَساءَ؛ (رَجَعَ إِلَيْهِ إِنْ لَمْ يَشُقَّ) عليه الرُّجوعُ، بلا إحرامٍ إن لم يَبعُد مِنْ مكَّةَ، وإلّا أَحرَم بعمرةٍ، فيَطوف ويَسعى للعمرةِ، ثمَّ يَطوف للوداعِ. (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أي: لم يَرجع، أو شَقَّ (٣) الرُّجوعُ على مَنْ بعُد عن مكَّةَ دونَ

стр. 684

مسافةِ قَصرٍ، أو بعُد عنها مسافةَ قَصرٍ، ولا يَلزمه الرُّجوعُ إذَنْ (١)؛ (فَعَلَيْهِ دَمٌ)؛ لتَركِه نُسكًا واجبًا. (وَيَقِفُ) غيرُ حائضٍ ونُفَساءَ بعدَ الوداعِ (بِالمُلْتَزَمِ)، وهو مِقدارُ أربعةِ أَذرُعٍ، (بَيْنَ الرُّكْنِ) الذي به الحجرُ الأسودُ (وَالبَابِ)، حالَ كَونِه (مُلْصِقًا) به (جَمِيعَهُ)، وجهَه وصدرَه وذِراعَيه وكفَّيه مبسوطتَين. (وَيَدْعُو) بما ورَد، (فَيَقُولُ) وهو على هذه الحالِ: (اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِي فِي بِلَادِكَ حَتَّى بَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ إِلَى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وَإِلَّا فَمُنَّ الآنَ)، بضمِّ الميمِ وتشديدِ النونِ، فعلُ أمرٍ مِنْ: مَنَّ يَمُنُّ، للدُّعاء (٢)، ويَجوز كسرُ الميمِ على أنَّها حرفُ جرٍّ لابتداءِ الغايةِ، والآن: الوقتُ، (قَبْلَ أَنْ تَنْأَى) أي: تَبعُد (عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، وَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنْتَ لِي، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلَا بِبَيْتِكَ، وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي) بقطعِ الهمزةِ (العَافِيَةَ فِي بَدَنِي، وَالصِّحَّةَ فِي جِسْمِي، وَالعِصْمَةَ) أي: المنعَ مِنْ المَعاصي (فِي دِينِي، وَحَسِّنْ (٣) مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي، وَاجْمَعْ لِي بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). (وَيَدْعُو) بعدَ ذلك (بِمَا أَحَبَّ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 685

ويأتي الحَطِيمَ أيضًا وهو تحتَ المِيزابِ (١)؛ فيَدعو، ثمَّ يَشرب مِنْ ماءِ زمزمَ، ويَستلم الحَجرَ، ثمَّ يَخرج. (وَيَقُولُ فِي انْصِرَافِهِ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ العَهْدِ»). (وَتَدْعُو حَائِضٌ) ونُفَساءُ (بِبَابِ المَسْجِدِ) بالدُّعاء السَّابقِ. (وَتُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ (٢)، وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ) أَبي بكرٍ وعمرَ ﵄، (حَتَّى لِنِسَاءٍ)؛ فتُسنُّ لهنَّ الزيارةُ؛ لحديثِ: «مَنْ حجَّ فزارَ قَبرِي بعدَ وَفاتي؛

стр. 686

فكأنَّما زارَني في حياتي» رَواه الدارَقُطنيُّ (١). فيُسلِّم عليه مستقبِلًا له ثمَّ يَستقبل القِبلةَ (٢)، ويَجعل الحُجرةَ عن يسارِه، ويَدعو بما أَحبَّ. ويَحرُم الطَّوافُ بها، وكُرِه التَّمسُّحُ بها، ورفعُ الصَّوتِ عندَها.

стр. 687

وإذا أَدارَ وجهَه إلى بلده قال: لا إلهَ إلا اللهُ، آيِبُون تائِبُون عابِدُون، لربِّنا حامِدُون، صدَق اللهُ وَعْدَه، ونصَر عَبْدَه، وهزَم الأحزابَ وحدَه (١). (فصل) (صِفَةُ العُمْرَةِ: أَنْ يُحْرِمَ بِهَا) مِنْ المِيقات إذا كان مارًّا به، أو (مِنَ الحِلِّ) إذا كان بمكَّة. وأيُّ موضعٍ مِنْ الحِلِّ أَحرَم منه بها جازَ، (وَالأَفْضَلُ) أن يُحرِم بها (مِنَ التَّنْعِيمِ)؛ لأمرِه ﷺ عبدَ الرَّحمنِ بنَ أَبي بكرٍ أن يُعْمِر عائشةَ مِنْ التَّنعيم (٢). ويَحرم مِنْ الحَرم، ويَنعقد، وعليه دمٌ. (ثُمَّ) بعدَ إحرامِه بالعمرة (يَطُوفُ، وَيَسْعَى، وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ) فيَحِلُّ؛ لإتيانِه بأفعالها. (وَتَصِحُّ) العمرةُ (كُلَّ وَقْتٍ)، فلا تُكره بأشهُرِ الحجِّ، ولا يومَ النَّحرِ أو عرفةَ. ويُكره الإكثارُ والمُوالاةُ بينَها باتِّفاقِ السَّلفِ، قاله في «المبدِع» (٣). ويُستحبُّ تَكرارها في رمضانَ؛ لأنَّها تَعدِل حجَّةً. (وَتُجْزِئُ) العمرةُ مِنْ التَّنعيم، وعمرةُ القارنِ (عَنْ عُمْرَةِ الإِسْلَامِ) التي هي الفرضُ. (وَأَرْكَانُ الحَجِّ) أربعةٌ:

стр. 688

(إِحْرَامٌ)، وتَقدَّم أنَّه نيَّةُ الدخولِ في النُّسكِ؛ لحديثِ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» (١). (وَوُقُوفٌ بِعَرَفَةَ)؛ لحديثِ: «الحجُّ عرفةَ» (٢). (وَطَوَافُ إِفَاضَةٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. (وَسَعْيٌ)؛ لحديثِ: «اسْعَوا؛ فإنَّ اللهَ كتَب عليكم السَّعيَ» رَواه الإمامُ أحمدُ (٣). (وَوَاجِبَاتُهُ) سبعةٌ: (إِحْرَامٌ مِنْ مِيقَاتٍ) معتبَرٍ له، وتَقدَّم. (وَوُقُوفُ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَهَارًا إِلَى الغُرُوبِ)؛ ليَجمعَ واقفُ النَّهارِ (٤) بينَ جزءٍ مِنْ النَّهار وجزءٍ مِنْ اللَّيل. ولو قال: ووقوفُ مَنْ وقَف نهارًا جزءًا (٥) مِنْ اللَّيل؛ لَكان أَظهَر. وأمَّا مَنْ وقَف ليلًا (٦) فقط؛ فلا واجبَ عليه.

стр. 689

(وَالمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ)، على غيرِ سُقاةٍ ورُعاةٍ، (إِلَى) بعدَ (نِصْفِ اللَّيْلِ). (وَ) المَبيتُ (بِمِنًى لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) على ما مَرَّ (١)، (عَلَى غَيْرِ سُقَاةٍ وَرُعَاةٍ). (وَالرَّمْيُ مُرَتَّبًا، وَحَلْقٌ أَوْ تَقْصِيرٌ)، والوداعُ. (وَالبَاقِي) مِنْ أفعالِ حجٍّ وأقوالِه السَّابقةِ: (سُنَنٌ)؛ كطوافِ القُدومِ، والمَبيتِ بمِنًى ليلةَ عرفةَ، والاضطباعِ والرَّمَلِ في موضِعهما، وتقبيلِ الحَجرِ، واستلامِ اليَمانِي (٢) مِنْ غيرِ تقبيلٍ، والأدعيةِ ونحوِ ذلك. (وَأَرْكَانُ عُمْرَةٍ) ثلاثةٌ: (إِحْرَامٌ، وَطَوَافٌ، وَسَعْيٌ)؛ كالحجِّ (٣). (وَوَاجِبُهَا (٤): حَلْقٌ أَوْ تَقْصِيرٌ، وَإِحْرَامٌ مِنْ) المِيقات أو (الحِلِّ)، على ما تَقدَّم. (فَمَنْ تَرَكَ الإِحْرَامَ؛ لَمْ يَنْعَقِدْ نُسُكُهُ)، حجًّا كان أو عمرةً؛ كالصَّلاةِ لا تَنعقد إلّا بالنِّيَّة. (وَ) مَنْ ترَك (رُكْنًا غَيْرَهُ) أي: غيرَ (٥) الإحرامِ، أو ترَك نيَّتَه (٦) حيثُ

стр. 690

اعتُبرَت؛ (لَمْ يَتِمَّ) نُسكُه (إِلَّا بِهِ). (وَ) مَنْ ترَك (وَاجِبًا وَلَوْ عَمْدًا؛ فَ) عَليه (دَمٌ، وَنُسُكُهُ صَحِيحٌ). فإن عَدِم الدَّمَ؛ فكصَوم المتعةِ (١). (و) مَنْ ترَك (سُنَّةً؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ كالصَّلاة وأَولى. (فصل) في الفَوات والإحصارِ الفواتُ: سبقٌ لا يُدرَك. والإحصارُ: الحَبسُ. (وَ) قد أشارَ إلى الأوَّل بقوله: (مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ؛ فَاتَهُ الحَجُّ)؛ لقولِ جابرٍ: «لا يَفوت الحجُّ حتى يَطلُعَ الفجرُ مِنْ ليلةِ جَمْعٍ»، قال أبو الزُّبيرِ: فقلتُ له: أقالَ رسولُ اللهِ ﷺ ذلك؟ قال: «نعَم» رَواه الأثرمُ، وتَقدَّم (٢). (وَتَحَلَّلَ (٣) بِعُمْرَةٍ)، فيَطوفُ ويَسعى، ويَحلق أو يُقصِّر (إِنْ شَاءَ)، بأنْ لم يَختر البقاءَ على إحرامه ليَحجَّ مِنْ قابلٍ. (وَيَقْضِي) الحجَّ الفائتَ، (وَيُهْدِي) هَديًا يَذبحه في قَضائه (إِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ) في ابتداءِ إحرامه؛ لقولِ عمرَ ﵁ لأَبي أيُّوبَ لمَّا فاتَه الحجُّ: «اصنَع ما يَصنع المعتمرُ، ثمَّ قد حَللتَ، فإذا (٤) أَدركتَ الحجَّ قابلًا فحُجَّ، وأَهدِ ما استَيسَر مِنْ

стр. 691

الهَدْيِ» رَواه الشافعيُّ ﵁ (١). والقارِنُ وغيرُه سواءٌ. فإن اشتَرَط، بأن قال في ابتداءِ إحرامه: «وإن حَبسَني حابسٌ فمَحِلِّي حيثُ حبَستَني»؛ فلا هَدْيَ عليه، ولا قضاءَ، إلّا أن يَكون الحجُّ واجبًا، فيُؤدِّيه. وإن أخطأَ النَّاسُ فوَقَفُوا الثامنَ أو العاشرَ؛ أَجزأهم (٢)، وإن أخطأَ بعضُهم (٣) فاتَه الحجُّ. وأشارَ إلى (٤) الثاني بقوله: (وَمَنْ صَدَّهُ) أي: منَعه (عَدُوٌّ عَنِ البَيْتِ (٥))، ولم يَكُنْ له طريقٌ إلى الحجِّ؛ (أَهْدَى) أي: نحَر هديًا في موضعه. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) هديًا؛ (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِالنِّيَّةِ) أي: نيَّةِ التَّحلُّلِ، (ثُمَّ حَلَّ). ولا إطعامَ في الإحصار.

стр. 692

وظاهرُ كلامِه كالخِرَقيِّ وغيرِه: عدمُ وجوبِ الحَلقِ أو التَّقصيرِ، وقدَّمَه في «المحرَّر» (١). وإن صُدَّ عن عرفةَ دونَ البيتِ؛ تَحلَّل بعمرةٍ. وإن أُحصِر عن طوافِ الإفاضةِ فقط؛ لم يَتحلَّل حتى يَطوفَ. وإن أُحصِر عن واجبٍ؛ لم يَتحلَّل، وعليه دمٌ. (وَإِنْ أَحْصَرَهُ (٢) مَرَضٌ، أَوْ ذَهَابُ نَفَقَةٍ)، أو ضلَّ الطريقَ؛ (بَقِيَ مُحْرِمًا) حتى يَقدِرَ على البيت؛ لأنَّه لا يَستفيد بالإحلالِ (٣) التَّخلُّصَ مِنْ أَذاه، بخلافِ حَصرِ العدوِّ. فإن قدَر على البيت بعدَ فواتِ الحجِّ؛ تَحلَّل بعمرةٍ، ولا يَنحر هديًا معه إلّا بالحرم. هذا (إِنْ لَمْ يَكُنِ اشْتَرَطَ) في ابتداءِ إحرامه: أنَّ مَحِلِّي حيثُ حبَستَني، فإن اشترط؛ فلَه التَّحلُّلُ مجَّانًا في الجميعِ.

стр. 693

(بَابُ الهَدْيِ وَالأُضْحِيَّةِ) والعَقِيقةِ الهَدْيُ (١): ما يُهدى للحرمِ مِنْ نَعَمٍ وغيرِها (٢)، سُمِّي بذلك؛ لأنَّه يُهدى إلى الله تَعالى. والأضحيَّةُ: بضمِّ الهمزةِ وكسرِها، واحدةُ «الأَضاحيِّ»، ما يُذبح مِنْ إبلٍ وبقرٍ وغنمٍ أهليَّةٍ أيَّامَ النَّحرِ بسببِ (٣) العيدِ؛ تقرُّبًا إلى الله تَعالى. وأَجمَع المسلمون على مشروعيَّتهما (٤). (أَفْضَلُهَا إِبِلٌ ثُمَّ بَقَرٌ) إن أُخرج كاملًا؛ لكثرةِ الثَّمنِ، ونفعِ الفقراءِ، (ثُمَّ غَنَمٌ). وأفضلُ كلِّ جنسٍ: أَسمَنُ، فأَغلَى (٥) ثمنًا؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، فأَشهَبُ، وهو الأَملحُ، أي: الأبيضُ، أو ما بَياضُه أكثرُ مِنْ سَواده، فأصفرُ، فأسودُ. (وَلَا يُجْزِئُ) في هَدْيٍ واجبٍ ولا أضحيَّةٍ (٦) (دُونَ جَذَعِ ضَأْنٍ)، وهو (مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، أَوْ ثَنِيِّ غَيْرِهِ) أي: غيرِ الضَّأنِ، مِنْ إبلٍ وبقرٍ ومعزٍ. (فَ) الثَّنيُّ (مِنْ مَعْزٍ: مَا لَهُ سَنَةٌ (٧)، وَ) الثَّنيُّ (مِنْ بَقَرٍ: مَا لَهُ سَنَتَانِ، وَ) الثَّنيُّ

стр. 694

(مِنْ إِبِلٍ: مَا لَهُ خَمْسُ) سِنين. (وَتُجْزِئُ شَاةٌ عَنْ رَجُلٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ) وعيالِه؛ لحديثِ أَبي أيُّوبَ: «كان الرَّجلُ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ يُضَحِّي بالشاة عنه وعن أهلِ بيتِه، فيَأكلون، ويُطعِمون» (١)، قال في «شرحِ المُقنِعِ»: حديثٌ صحيحٌ (٢). (وَ) تُجزئ (بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ عَنْ سَبْعَةٍ)؛ لقولِ جابرٍ: «أَمرَنا (٣) رسولُ اللهِ ﷺ أن نَشترك في الإبلِ والبقرِ، كلُّ سبعةٍ في واحدٍ منها» رَواه مسلمٌ (٤). وشاةٌ أفضلُ مِنْ سُبعِ بَدنةٍ أو بقرةٍ. (وَلَا تُجْزِئُ) في هَدْيٍ واجبٍ أو أضحيَّةٍ: (عَوْرَاءُ، وَلَا عَرْجَاءُ بَيِّنَتُهُمَا (٥)) أي: ظاهرةُ العوَرِ، بأنِ انخسَفَت عينُها، بخلافِ قائمةِ إحدى العَينَين مع بَياضِها، والأُخرى صحيحةٌ، فتُجزئ، وظاهرةُ العَرجِ، بأنْ لا تُطيق مشيًا مع صحيحةٍ. (وَلَا عَجْفَاءُ)، وهي الهزيلةُ التي لا مُخَّ (٦) فيها. (وَلَا هَتْمَاءُ)، وهي التي ذهَبَت ثَناياها مِنْ أصلها. (وَلَا جَدَّاءُ)، بتَشديد الدالِ المهمَلِة، وهي ما شابَ ونَشِف ضَرعُها. (وَلَا مَرِيضَةٌ مَرَضًا يَضُرُّ بِلَحْمٍ)؛ لحديثِ البراءِ بنِ عازبٍ: قامَ فينا

стр. 695

رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال: «أَربعٌ لا تَجوز في الأَضاحيِّ: العَوراءُ البيِّنُ عَوَرُها، والمريضةُ البيِّنُ مَرضُها، والعَرجاءُ البيِّنُ ظَلَعُها، والعَجفاءُ التي لا تُنقِي (١)» رَواه أبو داودَ والنَّسائيُّ (٢). (وَلَا عَضْبَاءُ)، وهي التي ذهَب أكثرُ أُذنِها أو قَرنِها. (وَتُجْزِئُ بَتْرَاءُ) لا ذنَبَ لها خِلقةً أو مقطوعًا. (وَ) تُجزئ (جَمَّاءُ) لا قرنَ لها (٣) أو لا أُذنَ لها خِلقةً. (وَ) يُجزئ (خَصِيٌّ غَيْرُ مَجْبُوبٍ)، بأنْ قُطِعَت خُصْيتاه فقط. وفُهِم منه: أنَّه لا يُجزئ مجبوبٌ، وهو ما قُطِع ذكَرُه مع أُنثَيَيه. وكذا يُجزئ ما ذهَب نصفُ أَليَتِه فأقلُّ، لكنْ مع الكراهةِ، كما ذكَره المصنِّفُ (٤). (وَ) يُجزئ مع الكراهةِ (مَا قُطِعَ)، أو خُرِق، أو شُقَّ (نِصْفُ أُذُنِهِ)، أو قَرنِه (فَأَقَلُّ) مِنْ النِّصفِ. (وَتُنْحَرُ الإِبِلُ) قائمةً، معقولةً يَدُها اليُسرى ندبًا، بأنْ يَطعُنَها بحربةٍ أو

стр. 696

نحوِها في الوَهْدةِ التي بينَ أصلِ العُنقِ والصَّدرِ؛ لفعله ﷺ ، وفعلِ أصحابِه، كما رَواه أبو داودَ (١). (وَيُذْبَحُ (٢)) ندبًا (غَيْرُهَا) أي: غيرُ الإبلِ (عَلَى جَنْبِهِ الأَيْسَرِ) موجَّهًا إلى القِبلةِ. (وَيَقُولُ) حينَ يُحرِّك يدَه بالنَّحر أو الذَّبحِ: (بِاسْمِ اللهِ)، وجوبًا، (وَاللهُ أَكْبَرُ)، ندبًا، (اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ)، ولا بأسَ بقوله: اللَّهمَّ تَقبَّل مِنْ فلانٍ (٣). ويَذبح واجبًا قبلَ نفلٍ. (وَيَتَوَلَّاهَا) أي: الأضحيَّةَ (صَاحِبُهَا) إن قدَر، (أَوْ يُوَكِّلُ) مسلمًا ندبًا، (وَيَحْضُرُهَا) وقتَ الذَّبحِ. وإن استَنابَ ذِمِّيًّا في ذبحها؛ أَجزأَت مع الكراهةِ. (وَوَقْتُ ذَبْحِ) أضحيَّةٍ أو هَدْيِ نذرٍ أو تطوُّعٍ أو متعةٍ أو قِرانٍ: (بَعْدَ صَلَاةِ عِيدٍ) بالبلد، فإن تَعدَّدَت فبِأَسبقَ، (أَوْ) بعدَ (قَدْرِهَا) أي: الصَّلاةِ لمَن لم يُصلِّ،

стр. 697

فإن فاتَت بالزَّوال؛ ذبَح بقيَّةَ يومِ العيدِ، (مَعَ يَوْمَيْنِ بَعْدَهُ) أي: بعدَ يومِ العيدِ، قال الإمامُ أحمدُ ﵁: (أيَّامُ النَّحرِ ثلاثةٌ عن غيرِ واحدٍ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ (١). والذَّبحُ في اليوم الأوَّلِ عَقِب الصَّلاةِ والخُطبةِ وذبحِ الإمامِ؛ أفضلُ (٢)، ثمَّ ما يَليه (٣)، ويُكره في لَيلَتهما (٤). (فَإِنْ فَاتَ) وقتُ الذَّبحِ؛ (قَضَى الوَاجِبَ)، وفعَل به كالأداء، وسقَط التَّطوُّعُ؛ لفواتِ وقتِه. ووقتُ ذبحِ واجبٍ بفعلِ محظورٍ: مِنْ حينِه، فإن أرادَ فعلَه لعذرٍ؛ فلَه ذبحُه قبلَه، وكذا ما وجَب لتركِ واجبٍ: يَدخل وقتُه مِنْ تَركِه (٥).

стр. 698

(فصل) (وَيَتَعَيَّنَانِ) أي: الهَدْيُ والأضحيَّةُ (بِقَوْلِهِ: هَذَا هَدْيٌ، أَوْ أُضْحِيَّةٌ، أَوْ) هذا (لِلَّهِ)؛ لأنَّه لفظٌ يَقتضي الإيجابَ، فتَرتَّب عليه مُقتضاه. وكذا يَتعيَّن بإشعارِه أو تقليدِه بنيَّتِه (١)، لا بمجرَّدِ نيَّتِه حالَ الشِّراءِ، ولا بسَوْقِه مع نيَّتِه. (وَ) يَتعيَّن كلٌّ منهما (بِنَذْرِهِ). وإذا تعيَّنتِ الأضحيَّةُ أو الهَدْيُ؛ (فَلَا تُبَاعُ، وَلَا)، هكذا بخطِّه، والظاهر أنَّه أراد: «ولا تُوهَب»، فسقطَ مِنْ القلم لفظُ: «تُوهَب»، وإنَّما امتَنَع ذلك؛ لتعلُّقِ حقِّ اللهِ بها؛ كالمنذورِ عِتقُه نَذْرَ تَبرُّرٍ. (بَلْ) يَجوز أن (تُبْدَلَ بِخَيْرٍ مِنْهَا (٢))، وكذا يَجوز بيعُها وشراءُ خيرٍ منها؛ لأنَّ المقصودَ نفعُ الفقراءِ، وهو حاصلٌ بالبدل. ويُركب لحاجةٍ فقط بلا ضررٍ (٣). (وَيُجَزُّ صُوفُهَا وَنَحْوُهُ)؛ كشَعرِها ووَبَرِها (لِنَفْعِهَا، وَيُتَصَدَّقُ بِهِ) ندبًا، وله الانتفاعُ به كجِلدِها. فإن كان بقاؤُه أَنفعَ لها لحَرٍّ أو بردٍ؛ حَرُم جَزُّه؛ كأخذِ بعضِ أعضائها.

стр. 699

(وَلَا يُعْطَى جَازِرُهَا بِأُجْرَتِهِ) أي: عَنْ أُجرتِه (١) شيئًا (٢) (مِنْهَا)؛ لأنَّه مُعاوضةٌ، بل يُعطى هدَّيةً أو صدقةً. (وَلَا يُبَاعُ جِلْدُهَا، وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا)، سواءٌ كانت واجبةً أو تطوُّعًا؛ لتعيُّنِها بالذَّبح، (بَلْ يُنْتَفَعُ بِهِ) أي: بجِلدِها، أو يُتصدَّق به ندبًا؛ لقولِه ﷺ : «لا تَبيعوا لحومَ الأضاحيِّ والهَدْيِ، وتَصدَّقوا واستَمتعوا (٣) بجُلودِها» (٤). وكذا حُكمُ جُلِّها (٥). وإن تَعيَّبَتْ (٦)؛ ذبَحها وأَجزأَته؛ إلّا أن تَكون واجبةً في ذمَّته قبلَ التَّعيينِ. (وَالأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ) مؤكَّدةٌ على المسلم، وتَجِب بنذرٍ. (وَذَبْحُهَا أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةٍ بِثَمَنِهَا)؛ كهَدْيٍ وعَقيقةٍ؛ لحديثِ: «ما عَمِل ابنُ آدمَ يومَ النَّحرِ عملًا أَحبَّ إلى اللهِ مِنْ إراقةِ دَمٍ» (٧).

стр. 700

(وَيَأْكُلُ مِنْهَا) أي: مِنْ الأضحيَّة، (وَيُهْدِي، وَيَتَصَدَّقُ، أَثْلَاثًا) ندبًا، فيأكل هو وأهلُ بيتِه الثُّلثَ، ويُهدي الثُّلثَ، ويَتصدَّق بالثُّلث (١)، حتى مِنْ واجبةٍ بنذرٍ أو تعيينٍ. وهَدْيُ تطوُّعٍ ومتعةٍ وقِرانٍ؛ كأضحيَّةٍ. ولا يَأكل مِنْ هَدْيٍ واجبٍ غيرَ ما تَقدَّم، ولا يُهدي. ولا هديَّةَ ولا صدقةَ ممَّا ذُبح ليتيمٍ أو مكاتَبٍ. (وَيُجْزِئُ الصَّدَقَةُ بِنَحْوِ) أي: بقَدْرِ (أُوقِيَّةٍ مِنْهَا) أي: مِنْ الأضحيَّة؛ لأنَّ الأمرَ بالأكل والإطعامِ مطلَقٌ. (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أي: لم يَتصدَّق منها (٢) بنحوِ أوقيَّةٍ، بأنْ أكَلها كلَّها؛ (ضَمِنَهُ) أي: نحوَ الأوقيَّةِ بمِثلِه لحمًا؛ لأنَّه حقٌّ يَجب عليه أداؤُه مع بقائِه، فلَزِمه غُرمُه إذا أَتلَفه؛ كوديعةٍ. (وَإِذَا دَخَلَ العَشْرُ) أي: عشرُ ذي الحجَّةِ؛ (حَرُمَ (٣) عَلَى مُضَحٍّ وَمُضَحًّى عَنْهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ، أَوْ ظُفُرِهِ)، أو بَشَرتِه (إِلَى ذَبْحِ) الأضحيَّةِ (٤)؛ لحديثِ مسلمٍ عن أُمِّ سَلمةَ مرفوعًا: «إذا دخَل العَشرُ، وأرادَ أحدُكم أن يُضحِّيَ؛ فلا يَأخُذْ

стр. 701

مِنْ شَعرِه ولا مِنْ أَظفارِه شيئًا حتى يُضحِّيَ» (١). وسُنَّ حلقٌ بعدَه (٢). (فصل) (تُسَنُّ العَقِيقَةُ) أي: الذَّبيحةُ عن المَولود في حقِّ أبٍ، ولو معسِرًا، ويَقترض، قال الإمامُ أحمدُ ﵁: (العَقيقةُ سُنَّةٌ عن رسولِ اللهِ ﷺ (٣)، قد عَقَّ عن الحسنِ والحسينِ (٤)، وفعَله (٥) أصحابُه (٦). (عَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ) مُتقارِبتان سِنًّا وشَبَهًا، فإن عَدِم فواحدةٌ، (وَعَنِ الأُنْثَى شَاةٌ)؛ لحديثِ أمِّ كُرْزٍ الكَعبيَّةِ قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقول: «عن الغُلامِ شاتان مُتكافِئتان، وعن الجاريةِ شاةٌ (٧)» (٨).

стр. 702

(تُذْبَحُ) العقيقةُ (فِي) اليوم (السَّابِعِ (١)) مِنْ الولادة، ويُحلق فيه رأسُ ذكَرٍ، ويُتصدَّق بوَزنه فضَّةً. (وَيُسَمَّى فِيهِ) أي: في السابعِ (بِاسْمٍ حَسَنٍ)، وأَحبُّها: عبدُ اللهِ، وعبدُ الرَّحمنِ. وحَرُم بنحوِ: عبدِ الكعبةِ، وعبدِ النبيِّ (٢). وكُرِه بنحوِ: حَرْبٍ ويَسارٍ. (فَإِنْ فَاتَ) الذَّبحُ يومَ السابعِ؛ (فَ) في (رَابِعَ (٣) عَشَرَ، فَإِنْ فَاتَ؛ فَفِي إحدَى (٤) وَعِشْرِينَ) مِنْ ولادته، يُروى عن عائشةَ (٥). ولا تُعتبر الأسابيعُ بعدَ ذلك. (وَتُنْزَعُ جُدُولًا)، جمعُ «جَدْلٍ» بالدال المهمَلةِ، أي: أعضاءً، (بِلَا كَسْرِ)

стр. 703

عَظمٍ؛ تفاؤلًا بالسَّلامة، كذلك قالت عائشةُ ﵂ (١). وطبخُها أفضلُ، (وَيَكُونُ مِنْهُ) أي: مِنْ الطَّبيخ (٢) شيءٌ (بِحُلْوٍ)؛ تفاؤلًا بحلاوةِ أخلاقِه. (وَهِيَ) أي: العقيقةُ؛ (كَأُضْحِيَّةٍ) فيما يُجزئ ويُستحبُّ ويُكره، وفي أكلٍ وهديَّةٍ وصدقةٍ، (لَكِنْ) يُباع جِلدٌ ورأسٌ وسَواقطُ، ويُتصدَّق بثَمنه. و (لَا يُجْزِئُ فِيهَا) أي: في العقيقة (شِرْكٌ) في دمٍ، فلا تُجزئ بَدنةٌ ولا بقرةٌ إلّا كاملةً. قال في «النِّهاية» (٣): وأَفضلُه شاةٌ (٤). ولا تُسنُّ فَرَعةٌ (٥) نَحرُ أوَّلِ ولدِ ناقةٍ، ولا عَتِيرةٌ ذبيحةُ رجبٍ، ولا يُكرهان.

стр. 704

(كِتَابُ الجِهَادِ (١)) مصدرُ «جاهدَ»، أي: بالَغ في قتلِ عدوِّه. وشرعًا: قتالُ كفَّارٍ. وهو (فَرْضُ كِفَايَةٍ (٢))، إذا قام به مَنْ يَكفي؛ سقَط عن سائرِ النَّاسِ (٣)، وإلّا أَثِم الكلُّ، وسُنَّ بتأكُّدٍ مع قيامِ مَنْ يَكفي به. وهو أفضلُ متطوَّعٍ به، ثمَّ نفقةٌ فيه. (وَيَجِبُ) الجهادُ: (إِذَا حَضَرَهُ) أي: حضَر صفَّ القتالِ. (أَوْ حُصِرَ) بالبناء للمفعول (بَلَدُهُ) أي: حصره عدوٌّ، أو احتيجَ إليه. (أَوِ اسْتَنْفَرَهُ) أي: طلَب خروجَه للقتالِ (مَنْ لَهُ اسْتِنْفَارُهُ)، مِنْ إمامٍ أو نائبِه، حيثُ لا عذرَ له (٤).

стр. 705

(وَسُنَّ رِبَاطٌ) في سبيلِ اللهِ؛ لحديثِ سلمانَ مرفوعًا: «رِباطُ ليلةٍ في سبيلِ اللهِ خيرٌ مِنْ صيامِ شهرٍ وقيامِه، فإنْ ماتَ جرَى عليه عملُه الذي كان يَعمل، وأُجْرِيَ عليه رِزقُه، وأَمِنَ (١) الفَتَّانَ (٢)» رَواه مسلمٌ (٣). وهو: لُزومُ ثَغْرٍ لجهادٍ، ولو ساعةً (٤). (وَتَمَامُهُ) أي: الرِّباطِ (أَرْبَعُونَ يَوْمًا (٥))، رَواه أبو الشَّيخِ في كتابِ الثَّوابِ مرفوعًا (٦). وأَفضلُه بأشدِّ الثُّغورِ خوفًا، وكُرِه نقلُ أهلِه إلى مَخُوفٍ (٧). (وَمَنْ أَبَوَاهُ مُسْلِمَانِ (٨)) حُرَّان؛ (لَا يَتَطَوَّعُ بِجِهَادٍ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا)، وكذا لو كان أحدُهما كذلك؛ لقولِه ﷺ : «ففِيهِما فجاهِدْ» صحَّحه التِّرمذيُّ (٩).
следующие страницы →