← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وإن تَفرَّقا قبلَ قبضِ البعضِ؛ بطَل فيه فقط؛ لقولِه ﷺ : «بِيعُوا الذَّهبَ بالفضَّةِ كيفَ شِئتُم يَدًا بِيَدٍ» (١). ولا يَضرُّ طولُ مجلسٍ مع تَلازُمِهما، فلو مَشيَا إلى منزلِ أحدِهما مُصطَحِبَين؛ صحَّ. وقبضُ وكيلٍ قبلَ مفارقةِ موكِّلِه المجلسَ؛ كقبضِ موكِّلِه. ولو مات أحدُهما قبلَ قبضٍ؛ بطَل (٢). (وَيَجُوزُ النَّسَاءُ فِي بَيْعِ مَكِيلٍ بِمَوْزُونٍ)؛ كبُرٍّ بحديدٍ؛ لأنَّهما لم يَجتمعا في أحدِ وَصفَي علَّةِ رِبا الفضلِ، أعني: الكيلَ والوزنَ، أَشبَه الثِّيابَ والحيوانَ.

стр. 772

(وَ) يَجوز النَّساءُ في بيعِ (مَا لَا كَيْلَ فِيهِ وَلَا وَزْنَ؛ كَالجَوْزِ وَالبَيْضِ)؛ «لأمرِ النبيِّ ﷺ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ (١) أن يَأخذ على قَلائصِ الصَّدقةِ، فكان يَأخذ البعيرَ بالبعيرَين إلى إبلِ الصَّدقةِ» رَواه أحمدُ، والدارَقُطنيُّ وصحَّحه (٢). وإذا (٣) جازَ في الجنسِ الواحدِ؛ ففي الجنسَين أَولى. و (لَا) يَجوز (بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ)، حكَاه ابنُ المنذِرِ إجماعًا (٤)؛ لحديثِ: «نهَى النبيُّ ﷺ عن بيعِ الكالِئِ بالكالِئِ» (٥)، وهو بيعُ ما في الذِّمَّة بثَمنٍ مؤجَّلٍ لمَن هو عليه، وكذا بحالٍّ لم يُقبَض قبلَ تفرُّقٍ (٦)، وجَعْلُه رأسَ مالِ سَلَمٍ. (وَتَتَعَيَّنُ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ بِتَعْيِينٍ فِي العَقْدِ)؛ لأنَّها عِوَضٌ مُشارٌ إليه في العقد، فوجَب أن تَتعيَّن كسائرِ الأعواضِ (٧)، (فَلَا تُبَدَّلُ)، بل يَلزم تسليمُها إذا

стр. 773

طُولبَ بها؛ لوقوعِ العقدِ على عينِها. (وَإِنْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً)؛ بطَل العقدُ، كالمَبيعِ إذا ظهَر مستحَقًّا. (أَوْ) كانت (مَعِيبَةً مِنْ غَيْرِ الجِنْسِ)؛ كما لو وجَد الدَّراهمَ نُحاسًا؛ (بَطَلَ) العقدُ؛ لأنَّه باعه غيرَ ما سمَّى له (١). (وَ) إن كانت (مَعِيبَةً مِنَ الجِنْسِ)؛ كالوضوح في الذَّهب، والسَّواد في الفضَّة؛ (أَمْسَكَ) مع العيبِ، (أَوْ رَدَّ) به، (وَلَا أَرْشَ) مع الإمساكِ (إِنِ اتَّحَدَ الجِنْسُ)، بأنْ تَعاقَدَا على مِثلَين؛ كدِرهمِ فضَّةٍ بمِثلِه، فإن اختَلَف الجِنسُ؛ كدراهمَ بدنانيرَ؛ فلَه أخذُ الأرشِ بالمجلس لا مِنْ جنسِ السَّليمِ (٢)، وكذا بعدَه مِنْ غيرِ جنسِهما (٣). ويَحرم الرِّبا بينَ مسلِمٍ وحربيٍّ، وبدارِ حربٍ، لا بينَ سيِّدٍ ورقيقِه.

стр. 774

(بَابُ بَيْعِ (١) الأُصُولِ وَالثِّمَارِ) الأصولُ: جمعُ «أصلٍ»، وهو ما يَتفرَّع عليه غيرُه. والمرادُ به هنا: دُورٌ، وأرضٌ (٢)، وشجرٌ. والثِّمارُ: جمعُ «ثَمَرٍ»، كجَبَلٍ وجبالٍ، وواحدُ الثَّمرِ: ثَمَرةٌ. (مَنْ بَاعَ دَارًا)، أو وهَبَها، أو وقَفَها، أو أَقرَّ أو أَوصى بها؛ (شَمِلَ) العقدُ (أَرْضَهَا) التي يصحُّ بيعُها، بخلافِ نحوِ سوادِ العراقِ فلا، قاله في «المبدِع» و «شرحِ المنتهى» (٣). قال المصنِّفُ: وظاهرُ (٤) ما تَقدَّم مِنْ صحَّةِ بيعِ المَساكنِ خلافُه. انتهى (٥). وقد يُقال: تصريحُهم هنا بالقيد قرينةٌ على أنَّ المرادَ بالمَساكن فيما تَقدَّم مجرَّدُ البناءِ دونَ الأرضِ، فلا مخالفةَ. (وَ) شَمِل (بِنَاءَهَا) وسَقفَها؛ لأنَّهما داخِلان في مُسمَّى الدَّارِ. (وَ) شَمِل (بَابَهَا المَنْصُوبَ) وحَلْقَتَه، (وَ) شَمِل (سُلَّمًا وَرَفًّا مَنْصُوبَيْنِ، وَخَابِيَةً مَدْفُونَةً)، ورَحًى منصوبةً؛ لأنَّه متَّصلٌ بها لمصلحتِها، أَشبَه الحِيطانَ. وكذا معدِنٌ جامدٌ، وما فيها مِنْ شجرٍ وعُرُشٍ (٦).

стр. 775

(دُونَ) ما هو منفصلٌ منها؛ ك (حَبْلٍ، وَدَلْوٍ، وَبَكْرَةٍ، وَمِفْتَاحٍ، وَ) دونَ ما هو مُودَعٌ (١) فيها مِنْ (كَنْزٍ) أي: مالٍ مدفونٍ، (وَنَحْوِهَا) أي: المذكوراتِ؛ كحَجرٍ مدفونٍ، وقُفلٍ، وفرشٍ. (وَ) مَنْ باع (أَرْضًا)، أو وهَبَها، أو وقَفَها، أو رَهَنها، أو أقرَّ أو أَوصى بها؛ (شَمِلَ) العقدُ (غِرَاسَهَا وَبِنَاءَهَا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: بِحُقُوقِهَا)؛ لاتِّصالِهما (٢) بها، وكونِهما مِنْ حقوقِها، (دُونَ) ما فيها مِنْ (زَرْعٍ) لا يُحصد إلّا مرَّةً، (نَحْوِ بُرٍّ وَشَعِيرٍ) وأَرُزٍّ، فلا يَدخل في نحوِ بيعِ أرضٍ؛ لأنَّه مَودَعٌ (٣) فيها يُراد للنَّقلِ، (وَيُبَقَّى لِبَائِعٍ) ونحوِه إلى أوَّلِ وقتِ أَخذِه بلا أجرةٍ، ما لم يَشترطه نحوُ مشترٍ، فلَه. (وَإِنْ كَانَ) الزَّرعُ (يُجَزُّ) مِرارًا؛ كرَطبةٍ (٤) وبُقولٍ، (أَوْ يُلْقَطُ مِرَارًا) كقِثَّاءٍ وباذِنجانٍ؛ (فَأُصُولُهُ) أي: ما ذُكِر (لِمُشْتَرٍ) ونحوِه؛ لأنَّها تُراد للبقاءِ، (وَجَزَّةٌ وَلَقْطَةٌ ظَاهِرَتَانِ عِنْدَ بَيْعٍ) ونحوِه (لِبَائِعٍ) ونحوِه (٥). وعلى بائعٍ ونحوِه قَطعُه في الحالِ (إِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ) أي: ما ذُكِر أنَّه لبائعٍ (مُشْتَرٍ) ونحوُه، فإن اشتَرَطه مشترٍ ونحوُه؛ كان له. ويَثبت خيارٌ لمشترٍ ظنَّ دخولَ ما ليس له؛ كما لو جَهِل وجودَه.

стр. 776

(وَ) مَنْ باع أو رهنَ (١) (نَخْلًا تَشَقَّقَ طَلْعُهُ (٢))، ولو لم يُؤبَّر؛ (فَ) ثَمرٌ (٣) (لِبَائِعٍ مُبَقَّى (٤) إِلَى جَذَاذِهِ (٥)، مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ مُشْتَرٍ)، فلَه؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ ابْتاعَ نخلًا بعدَ أن تُؤبَّر؛ فثمرتُها للذي باعَها، إلّا أن يَشترطَ المُبتاعُ» متَّفق عليه (٦). والتَّأبيرُ: التَّلقيحُ، وإنَّما نُصَّ عليه والحكمُ مَنُوطٌ بالتَّشقُّقِ؛ لملازمتِه له غالبًا. وكذا لو وهَب النَّخلَ، أو رهَنَه، أو صالحَ به، أو جعَله أجرةً، أو صَداقًا، أو عِوَضَ خُلعٍ، بخلافِ وقفٍ ووصيَّةٍ، فإنَّ الثَّمرةَ تَدخل فيهما، أُبِّرَت أو لم تُؤبَّر؛ كفسخٍ لعيبٍ ونحوِه، قاله في «المنتهى» تبعًا ل «المغني» (٧). قال في «الإقناع» (٨): وهو مبنيٌّ على أنَّ الطَّلْعَ بعدَ التَّشقُّقِ زيادةٌ متَّصلةٌ. وصرَّح القاضي وابنُ عقيلٍ في التَّفليس والرَّدِّ بالعيب: أنَّه زيادةٌ منفصلةٌ، وذكرَه منصوصَ أحمدَ (٩)، فلا تَدخل الثَّمرةُ في الفَسخ ورجوعِ

стр. 777

الأبِ (١) وغيرِ ذلك، وهو المذهبُ على ما ذكَروه في هذه المسائل. قال الشَّيخُ منصورٌ: وجزَم به المصنِّفُ يَعني الحجَّاويَّ فيما تَقدَّم في خيارِ العيبِ (٢). (وَكَذَا) أي: كالنَّخل: (شَجَرُ عِنَبٍ (٣))، بكسرِ العينِ وفتحِ النونِ، (وَتُوتٍ وَرُمَّانٍ وَنَحْوِهِ)؛ كجُمَّيزٍ (٤)، مِنْ كلِّ شجرٍ لا قِشرَ على ثمرتِه، فإذا بِيعَ (٥) ونحوُه بعدَ ظهورِ ثمرتِه؛ كانت لبائعٍ ونحوِه.

стр. 778

(وَ) كذا (مَا خَرَجَ مِنْ نَوْرِهِ (١)؛ كَمِشْمِشٍ) وتفَّاحٍ، (أَوْ) خرَج مِنْ (أَكْمَامِهِ)، جمعُ «كِمٍّ» بكسرِ الكافِ، وهو الغِلافُ، (كَوَرْدٍ) وبَنَفْسَجٍ (وَقُطْنٍ) يَحمل في كلِّ سنةٍ؛ لأنَّ ذلك كلَّه بمَثابةِ تشقُّقِ الطَّلعِ. (وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ) أي: التشقُّقِ في طَلعٍ، والظُّهورِ في نحوِ عنبٍ، والخروجِ مِنْ النَّوْرِ في نحوِ مِشمِشٍ، والخروجِ مِنْ الأكمامِ في نحوِ وَردٍ: (فَ) هو (لِمُشْتَرٍ) ونحوِه؛ لأنَّه (كَوَرَقٍ)؛ لمفهومِ الحديثِ السَّابقِ في النَّخل، وما عَدَاه فبالقياس عليه. وإن تَشقَّق أو ظهَر بعضُ ثمرِه، ولو مِنْ واحدٍ؛ فهو لبائعٍ، وغيرُه لمشترٍ (٢)، إلّا في شجرةٍ، فالكلُّ لبائعٍ ونحوِه (٣). ولكلٍّ السَّقيُ لمصلحةٍ، ولو تَضرَّر الآخرُ. (وَلَا يُبَاعُ ثَمَرٌ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ)؛ «لأنَّه ﷺ نهَى عن بيعِ الثِّمارِ حتى يَبدُوَ

стр. 779

صَلاحُها، نهَى البائعَ والمُبتاعَ» متَّفق عليه (١)، والنَّهيُ يَقتضي الفسادَ. (وَلَا) يُباع (زَرْعٌ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ)؛ لِما روَى مسلمٌ عن ابنِ عمرَ ﵄: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نهَى عن بيعِ النَّخلِ حتَّى تَزهُوَ (٢)، وعن بيعِ السُّنبلِ حتَّى يَبيضَّ ويَأمنَ العاهةَ، نهَى البائعَ والمشتريَ» (٣). (وَلَا) يُباع (بَقْلٌ وَقِثَّاءٌ وَنَحْوُهُ) كباذِنجانٍ (دُونَ أَصْلِهِ) أي: منفردًا عنه؛ لأنَّ ما في الأرض مستورٌ مغيَّبٌ، وما يَحدث منه معدومٌ، فلَم يَجُز بيعُه (٤). فإن بِيع ثمرٌ قبلَ بدوِّ صلاحِه مع أصلِه، أو الزَّرعُ الأخضرُ مع أرضِه (٥)، أو أُبيعَا (٦) لمالكِ أصلِهما، أو بِيع قثَّاءٌ ونحوُه مع أصلِه، أي: عُروقِه؛ صحَّ البيعُ؛ لأنَّه إذا بِيع مع أصلِه دخَل تبعًا، فلَم يَضرَّ احتمالُ الغَررِ، وإذا بِيع لمالكِ الأصلِ فقَد حصَل التَّسليمُ للمشتري على الكمالِ. (إِلَّا) إذا باع الثَّمرةَ قبلَ بدوِّ صلاحِها، أو الزَّرعَ (٧) قبلَ اشتدادِ حبِّه، (بِشَرْطِ قَطْعِهِ فِي الحَالِ)، فيصحُّ إن انتُفِع بهما وليسَا مُشاعَين (٨)؛ لأنَّ المنعَ مِنْ

стр. 780

البيع لخوفِ التَّلفِ وخوفِ العاهةِ، وهو مأمونٌ فيما يُقطع. (أَوْ) إلَّا (١) إذا باع نحوَ بَقلٍ (٢) (جَزَّةً جَزَّةً) موجودةً، (أَوْ) إلّا إذا باع نحوَ قِثَّاءٍ (لَقْطَةً لَقْطَةً) موجودةً، فيصحُّ؛ لأنَّه معلومٌ، ولا (٣) جهالةَ فيه ولا غَررَ. وما لم يُخلق؛ لم يَجُز بيعُه. (وَحَصَادُ) زرعٍ، وجَذاذُ ثمرٍ، وجَزُّ نحوِ بَقلٍ، (وَلَقَاطُ) نحوِ قِثَّاءٍ: (عَلَى مُشْتَرٍ)؛ لأنَّه نقلٌ لمِلكِه، وتفريغٌ لمِلكِ البائعِ عنه، فهو كنقلِ الطعامِ. (وَإِنِ اشْتَرَى ثَمَرًا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ)، أو زرعًا قبلَ اشتدادِ حبِّه، أو قِثَّاءً ونحوَه مطلقًا، أي: مِنْ غيرِ ذِكرِ قطعٍ ولا تَبقِيَةٍ؛ لم يصحَّ؛ لِما تَقدَّم. أو اشتَرى ذلك (بِشَرْطِ القَطْعِ، ثُمَّ تَرَكَهُ) مشترٍ (حَتَّى زَادَ)؛ بطَل البيعُ بزيادتِه (٤)؛ لئلَّا يتَّخذَ ذلك ذريعةً إلى شراءِ الثَّمرةِ قبلَ بدوِّ صلاحِها وتَركِها حتى يَبدو.

стр. 781

(أَوِ) اشتَرى (رُطَبًا عَرِيَّةً)، وتَقدَّمَت صورتُها في الرِّبا، (وَتَرَكَهُ) أي: الرُّطَبَ (حَتَّى أَتْمَرَ (١)) أي: صار تمرًا؛ (بَطَلَ البَيْعُ)؛ لأنَّه إنَّما جاز للحاجةِ إلى أكلِ الرُّطَبِ، فإذا أَتمَر تَبيَّنَّا عدمَ الحاجةِ، سواءٌ كان التَّركُ لعذرٍ أو لا. و (لَا) يَبطل البيعُ (إِنْ حَدَثَ مَعَ) ثمرةٍ (مُشْتَرَاةٍ بَعْدَ) بدوِّ (صَلَاحِهَا ثَمَرَةٌ)، فاعلُ «حدَثَ»، (أُخْرَى) غيرُ الأُولى، (وَلَوِ اشْتَبَهَتْ) فلَم تَتميَّز الحادثةُ، (وَيَصْطَلِحَانِ) أي: المشتري المالكُ للثَّمرةِ المُشتراةِ والبائعُ المالكُ للحادثةِ، أَشبَه ما لو اشتَرى صُبرةً، واختَلطَت بغيرِها، ولم يُعرف قَدْرُ كلٍّ منهما، والفرقُ بينَ هذه وما قبلَها أنَّ ذاك (٢) قد يُتَّخذ حيلةً على المحرَّم. (وَمَا بَدَا) أي: ظهَر (صَلَاحُهُ) مِنْ ثمرٍ، أو اشتدَّ حبُّه مِنْ زرعٍ: (جَازَ بَيْعُهُ مُطْلَقًا) أي: مِنْ غيرِ شرطٍ، (وَ) جاز بيعُه (بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ) أي: تبقيةِ الثَّمرِ إلى الجَذاذ، والزَّرعِ إلى الحصاد؛ لأَمنِ العاهةِ ببُدوِّ الصَّلاحِ والاشتدادِ. (وَعَلَى بَائِعٍ سَقْيُهُ) أي: الثَّمرِ بسَقيِ شجرِه (إِنِ احْتَاجَهُ) أي: السَّقيَ، وكذا لو لم يَحتج إليه (٣)، فلا مفهومَ للقيدِ؛ لأنَّه يَجب عليه تسليمُه كاملًا، فلَزِمه سَقيُه

стр. 782

(وَلَوْ تَضَرَّرَ أَصْلُهُ) بالسَّقيِ، ويُجبَر إن أَبى، بخلافِ ما إذا باع الأصلَ وعليه ثمرٌ للبائعِ، فإنَّه لا يَلزم المشتريَ سَقيُها؛ لأنَّ البائعَ لم يَملكها مِنْ جِهتِه. (وَإِنْ تَلِفَ) ثمرٌ بِيع بعدَ بدوِّ صلاحِه دونَ أصلِه قبلَ أَوانِ جَذاذِه (بِآفَةٍ) سَماويَّةٍ، وهي ما لا صُنعَ لآدميٍّ فيها، كريحٍ وحرٍّ وعطشٍ؛ (فَ) ضَمانُه (عَلَى بَائِعٍ) ولو بعدَ قبضٍ؛ لحديثِ جابرٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ أمَر بوضعِ الجوائحِ» رَواه مسلمٌ (١)، ولأنَّ التَّخليةَ في ذلك ليسَت بقبضٍ تامٍّ. وإن كان التالفُ يسيرًا لا يَنضبط؛ فات على المشتري. وكذا لو بِيعَت مع أصلِها، أو لمالكِ الأصلِ؛ فمِن ضمانِ مشترٍ (٢). (وَ) إن تَلِف الثَّمرُ المذكورُ (بِفِعْلِ آدَمِيٍّ) ولو البائعَ؛ (يُخَيَّرُ مُشْتَرٍ) بينَ فسخٍ وأخذِ ثمنٍ، وبينَ إمضاءٍ ومطالبةِ مُتلِفٍ ببدلٍ. قال المصنِّفُ: وعُلِم ممَّا تَقدَّم أنَّ زرعَ بُرٍّ ونحوِه تَلِف بجائحةٍ: مِنْ ضمانِ

стр. 783

مشترٍ (١)، وليس كالثَّمرة. (وَصَلَاحُ بَعْضِ) ثمرةِ (شَجَرَةٍ: صَلَاحٌ لِجَمِيعِ نَوْعِهَا) الذي (بِالبُسْتَانِ)؛ لأنَّ اعتبارَ الصَّلاحِ في الجميع يَشقُّ. (وَصَلَاحُ) ما يَظهر مِنْ ثمرةٍ فمًا واحدًا، (نَحْوِ بَلَحٍ وَعِنَبٍ: طِيبُ أَكْلِهِ، وَظُهُورُ نُضْجِهِ)؛ لحديثِ: «نهَى عن بيعِ الثَّمرِ حتى يَطيبَ (٢)» متَّفق عليه (٣). ففي البَلَحِ: أن يَحمرَّ أو يَصفرَّ، وفي العنبِ: أن يَتموَّه حُلوًا. (وَ) صلاحُ ما يَظهر فمًا بعدَ فمٍ (نَحْوِ قِثَّاءٍ: أَنْ يُؤْكَلَ عَادَةً). (وَ) صلاحُ (حَبٍّ: أَنْ يَشْتَدَّ أَوْ يَبْيَضَّ)؛ لأنَّه ﷺ جعَل اشتدادَه غايةً لصحَّةِ بيعِه، كبُدوِّ صلاحِ ثمرٍ (٤). (وَيَشْمَلُ بَيْعُ دَابَّةٍ) كفَرسٍ: (عِذَارًا) أي: لِجامًا، (وَمِقْوَدًا) بكسرِ الميمِ، أي: رَسَنًا، كنعلٍ. (وَ) يَشمل بيعُ (قِنٍّ) ذكَرًا أو أُنثى: (لِبَاسًا مُعْتَادًا) عليه؛ لأنَّه ممَّا تَتعلَّق (٥) به حاجةُ المَبيعِ أو مَصلحتُه، وجرَت العادةُ ببَيعه معه. و (لَا) يَشمل البيعُ (مَا لِجَمَالٍ) مِنْ لباسٍ وحَلْيٍ، (وَلَا) يَشمل (مَالًا مَعَهُ) أي: القِنِّ، (إِلَّا بِشَرْطٍ)، بأنْ شرَطَه أو بعضَه المعلومَ مشترٍ، فلَه، ثمَّ إن قُصِد اشتُرط له شروطُ البيعِ، وإلّا فلا.

стр. 784

(بَابُ السَّلَمِ) هو (١) لغةُ أهلِ الحجازِ، والسَّلفُ لغةُ أهلِ العراقِ (٢). وسُمِّي سَلَمًا؛ لتسليمِ رأسِ المالِ في المجلس، وسلفًا لتقديمِه. والسَّلَمُ شرعًا: عقدٌ على موصوفٍ في ذمَّةٍ (٣)، مؤجَّلٍ، بثمنٍ مقبوضٍ، بمجلسِ عقدٍ. وهو جائزٌ بالإجماع (٤)؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ أَسلَف في شيءٍ فَلْيُسلِفْ في كَيلٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ» متَّفق عليه (٥). و (يَصِحُّ) السَّلمُ (بِلَفْظِهِ)، ك: أَسْلَمتُكَ هذا الدِّينارَ في كذا مِنْ القمح. (وَ) يصحُّ ب (لَفْظِ سَلَفٍ)، ك: أَسْلَفتُكَ كذا في كذا؛ لأنَّهما حقيقةٌ فيه؛ إذْ هُما اسمٌ لبيعٍ عُجِّل ثَمنُه، وأُجِّل مُثمَنُه. (وَ) يصحُّ بلفظِ (بَيْعٍ)، وكلِّ ما يَنعقد به البيعُ؛ لأنَّ السَّلمَ نوعٌ منه. (وَشُرُوطُهُ) أي: السَّلمِ الزَّائدةُ على شروطِ البيعِ سَبعةٌ: أحدُها: كَونُ (٦) مسلمٍ فيه ممَّا يُمكن (انْضِبَاطُ صِفَاتِهِ) التي يَختلف الثَّمنُ

стр. 785

باختلافها كثيرًا؛ لأنَّ ما لا يُمكن ضبطُ صفاتِه يَختلف كثيرًا، فيُفضي إلى المنازَعة. فالمنضبِطُ (١): (كَمَكِيلٍ) مِنْ حبوبٍ وثمارٍ، وخَلٍّ ودُهنٍ ولبنٍ ونحوِها، (وَ) ك (مَوْزُونٍ) مِنْ قُطنٍ وحَريرٍ وصُوفٍ ونُحاسٍ ونحوِها، (وَ) ك (مَذْرُوعٍ) مِنْ ثيابٍ وخيوطٍ (٢). (فَلَا يَصِحُّ) السَّلمُ (فِي مَعْدُودٍ مُخْتَلِفٍ؛ كَفَوَاكِهَ)؛ كرُمَّانٍ وخَوخٍ؛ لأنَّها تَختلف (٣) بالكِبَر والصِّغَر، (وَ) ك (بُقُولٍ)؛ لأنَّها تَختلف ولا يُمكن تقديرُها بالحِزمِ (٤)، (وَ) ك (جُلُودٍ)؛ لأنَّها تَختلف ولا يُمكن ذَرْعُها؛ لاختلافِ الأطرافِ، (وَ) ك (رُؤُوسٍ) وأَكارِعَ، (وَ) كأواني (٥) مختلفةٍ رُؤوسًا وأوساطًا، (نَحْوِ قَمَاقِمَ) جمعُ «قُمقُمٍ» بضمَّتَين، (وَأَسْطَالٍ ضَيِّقَةِ الرُّؤُوسِ)؛ لاختلافِها، فإن (٦) لم تَختلف رؤوسها (٧) وأَوساطُها؛ صحَّ السَّلمُ فيها.

стр. 786

(وَلَا) يصحُّ السَّلمُ (فِيمَا يَجْمَعُ أَخْلَاطًا) مقصودةً (غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ؛ كَ) غاليةٍ (١) و (مَعَاجِينَ) يُتداوى بها. (وَيَصِحُّ) السَّلمُ (فِي حَيَوَانٍ) ولو آدميًّا؛ لحديثِ أَبي رافعٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا» رَواه مسلمٌ (٢). ويصحُّ فيما فيه لمَصلحتِه شيءٌ غيرُ مقصودٍ؛ كجُبنٍ وخبزٍ وخلِّ تمرٍ (٣). (وَ) فيما يَجمع أخلاطًا متميِّزةً؛ ك (ثَوْبٍ مَنْسُوجٍ مِنْ نَوْعَيْنِ)، كقُطنٍ وكَتَّانٍ. الشَّرطُ (الثَّانِي: ذِكْرُ جِنْسِهِ) أي: المُسلَمِ فيه، (وَ) ذِكرُ (نَوْعِهِ، وَ) ذِكرُ (وَصْفٍ يَخْتَلِفُ بِهِ ثَمَنُهُ) اختلافًا (ظَاهِرًا؛ كَحَدَاثَةِ) مُسلَمٍ فيه وقِدَمِه، (وَجَوْدَتِ) هـ، ورَداءَتِه، وَلَونِه، وقَدْرِه، وبَلدِه، ولا يَجب استقصاءُ كلِّ الصِّفاتِ؛ لأنَّه يَتعذَّر، ولا ما لا يَختلف به الثَّمنُ؛ لعدمِ الاحتياجِ إليه (٤). (وَلَا يَصِحُّ شَرْطُهُ) أي: المُسلَمِ فيه (أَجْوَدَ أَوْ أَرْدَأَ)؛ لأنَّه لا يَنحصر؛ إذْ ما مِنْ رَديءٍ أو جيِّدٍ إلّا يحتمل وجود أَردَأَ أو أَجودَ منه، (بَلْ) يصحُّ شرطُ (جَيِّدٍ أَوْ رَدِيءٍ)، ويُجزئ ما يَصدق عليه أنَّه جيِّدٌ أو رَديءٌ، فيُنزَّل الوصفُ على أقلِّ درجةٍ. الشَّرطُ (الثَّالِثُ: ذِكْرُ قَدْرِ كَيْلٍ فِي مَكِيلٍ، أَوْ) قَدْرِ (وَزْنٍ فِي مَوْزُونٍ)،

стр. 787

وذرعٍ في مَذروعٍ، بمِكيالٍ ورِطلٍ وذراعٍ متعارَفٍ عندَ العامَّةِ؛ لأنَّه إذا كان مجهولًا تَعذَّر الاستيفاءُ به عندَ التَّلفِ، فيَفوت العلمُ بالمُسلَم فيه (١). (فَإِنْ أَسْلَمَ فِي مَكِيلٍ)؛ كلَبنٍ وزيتٍ (وَزْنًا، أَوْ عَكْسِهِ)؛ بأنْ أَسلَم في موزونٍ؛ كحريرٍ وقُطنٍ كَيلًا؛ (لَمْ يَصِحَّ) السَّلمُ؛ لأنَّه قدَّره بغيرِ ما هو مقدَّرٌ به، فلَم يَجُز؛ كما لو أَسلَم في المذروعِ وزنًا. الشَّرطُ (الرَّابِعُ: ذِكْرُ أَجَلٍ مَعْلُومٍ (٢))؛ للحديثِ السَّابقِ، ولأنَّ الحُلولَ يُخرجه عن اسمه ومعناه. ويُعتبر أن يَكون الأجلُ (لَهُ وَقْعٌ) أي: تأثيرٌ (فِي) نقصِ (الثَّمَنِ عَادَةً)؛ كشهرٍ، (فَلَا يَصِحُّ) السَّلمُ إن أَسلَم (حَالًّا)؛ لِما سبَق. (وَلَا) يصحُّ السَّلمُ (إِلَى) أجلٍ مجهولٍ، (نَحْوِ الحَصَادِ) والجَذاذِ، وقُدومِ الحاجِّ. (وَلَا) يصحُّ السَّلمُ (إِلَى) أجلٍ قريبٍ لا تأثيرَ له؛ ك (يَوْمٍ) ونحوِه. (وَيَصِحُّ) السَّلمُ (فِي نَحْوِ خُبْزٍ وَلَحْمٍ) وعسلٍ (٣) (يَأْخُذُهُ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا) أي (٤): يَأخذ منه كلَّ يومٍ جزءًا (٥) معلومًا؛ لدعاءِ الحاجةِ إلى ذلك، فإن قبَض

стр. 788

البعضَ، وتَعذَّر الباقي؛ رجَع بقِسطه مِنْ الثَّمن، ولا يَجعل للباقي فضلًا عن (١) المقبوض؛ لتماثُلِ أجزائه، بل يُقسِّط الثَّمنَ عليها بالسَّويَّة. (وَإِنْ جَاءَهُ) أي: جاء المُسلَمَ إليه للمُسلِمِ، (بِهِ) أي: بالمُسلَمِ فيه، (قَبْلَ مَحِلِّهِ) بكسرِ الحاءِ، أي: حُلولِه، (وَلَا ضَرَرَ) عليه في قبضه؛ كخوفٍ، وتحمُّلِ مُؤنةٍ، أو اختلافِ قديمِه وحديثِه؛ (لَزِمَ) المُسلِمَ (أَخْذُهُ)؛ لحصولِ غرضِه، (كَ) ما يَلزمه أخذُ (أَجْوَدَ مِنْهُ) أي: مِنْ (٢) المُسلَمِ فيه، (مِنْ نَوْعِهِ)؛ لأنَّه زادَه (٣) خيرًا. فإن كان في قبضه قبلَ مَحِلِّه ضررٌ، أو جاءَه بغيرِ نوعِه مِنْ جنسِه ولو أجودَ، أو بدونِ ما وُصِف؛ لم يَلزمه أخذُه. وإن جاءَه بجنسٍ آخرَ؛ لم يَجُز له قَبولُه (٤). وإن قبَض المُسلَمَ فيه، فوجَده مَعيبًا؛ فلَه رَدُّه أو أَرشُه. الشَّرطُ (الخَامِسُ: وُجُودُهُ) أي (٥): المُسلَمِ فيه (غَالِبًا فِي مَحِلِّهِ) أي: وقتَ حُلولِه؛ لوجوبِ تسليمِه إذَنْ، فإن كان لا يُوجد فيه، أو يُوجد نادرًا، كما لو أَسلَم في عِنبٍ أو رُطَبٍ إلى الشِّتاء؛ لم يصحَّ. و (لَا) يُشترط وجودُه (وَقْتَ عَقْدٍ)؛ لأنَّه ليس وقتَ وجوبِ التَّسليمِ.

стр. 789

ويُعتبر أيضًا: وجودُ مُسلَمٍ فيه غالبًا في مكانِ الوفاءِ (١)، فلا يصحُّ إن أَسلَم في ثمرةِ بستانٍ صغير معيَّنٍ، أو قريةٍ صغيرةٍ، أو في نِتاجٍ مِنْ فحلِ بَنِي فلانٍ أو غَنَمِه، أو مِثلِ هذا الثَّوبِ؛ لأنَّه لا يُؤمَن تَلفُه وانقطاعُه. (فَإِنْ) أَسلَم إلى مَحلٍّ يُوجد فيه غالبًا، ف (تَعَذَّرَ (٢)) المُسلَمُ فيه، كأنْ لم تَحمل الثِّمارُ تلك السَّنةَ، أو تَعذَّر بعضُه؛ (فَلَهُ) أي: لربِّ السَّلمِ (٣) (الصَّبْرُ) إلى أن يُوجد فيُطالِبَ به، (وَ) له (الفَسْخُ) فيما تَعذَّر (٤)، ويَأخذ الثَّمنَ الموجودَ، أو عِوَضَه إن كان تالفًا، فيَأخذ مِثلَ المِثليِّ وقيمةَ المُتقوَّمِ، وإن فسَخ في بعضٍ؛ فبقِسطه. الشَّرطُ (السَّادِسُ: قَبْضُ ثَمَنِهِ) تامًّا (قَبْلَ تَفَرُّقٍ) مِنْ مجلسِ عقدٍ تفرُّقًا يُبطل خيارَ مجلسٍ؛ لئلَّا يَصيرَ بيعَ دَينٍ بدَينٍ، واستَنبَطه الشافعيُّ ﵁ مِنْ قوله ﷺ : «فَلْيُسْلِفْ»، أي: فَليُعطِ، قال: (لأنَّه لا يقَع اسمُ السَّلفِ فيه حتى يُعطيَه ما أَسلَفه قبلَ أن يُفارق مَنْ أَسلَفه) (٥). فكلُّ مالَين حَرُم النَّساءُ فيهما؛ لا يَجوز إسلامُ أحدِهما في الآخَر. (وَشُرِطَ عِلْمُ قَدْرِهِ) أي: الثَّمنِ، (وَ) عِلمُ (وَصْفِهِ)؛ كالمُسلَم فيه، فلا يصحُّ بصُبْرَةٍ لا يَعلمان قَدْرَها، ولا بجَوهرٍ ونحوِه ممَّا لا يَنضبط.

стр. 790

(فَإِنْ تَأَخَّرَ) قبضٌ (فِي بَعْضِهِ) أي: الثَّمنِ؛ (بَطَلَ) العقدُ (فِيهِ) أي: في البعض الذي لم يُقبَض (فَقَطْ)، وصحَّ فيما قُبض بقِسطه؛ (كَصَرْفٍ) أي: كما يَبطل صرفٌ بتفرقةٍ (١) قبلَ قبضٍ. (وَإِنْ أَسْلَمَ) ثَمنًا واحدًا (فِي جِنْسٍ) كبُرٍّ (إِلَى أَجَلَيْنِ) كرجبٍ وشعبانَ، (أَوْ عَكْسِهِ)؛ بأنْ أَسلَم في جِنسَين كبُرٍّ وشَعيرٍ إلى أجلٍ كرجبٍ مَثلًا؛ صحَّ السَّلمُ إن (بَيَّنَ كُلَّ قِسْطٍ) أي: بيَّن قَدْرَ كلِّ أجلٍ في الأُولى، وكلِّ جنسٍ (وَثَمَنِهِ) في الثانية، بأنْ يَقول في الأُولى: أَسلمتُك دينارَين، أحدُهما في إردَبِّ قمحٍ إلى رجبٍ، والآخرُ في إردَبٍّ وربعٍ مَثلًا إلى شعبانَ، وفي الثانيةِ: أَسلمتُك دينارَين، أحدُهما في إردبِّ قمحٍ صِفتُه كذا وأجلُه كذا، والثاني (٢) في إردَبَّي شَعيرٍ صِفتُه كذا وأجلُه كذا (٣)، فإن لم يُبيِّن ما ذُكِر في المسألتَين؛ لم يصحَّ. الشَّرطُ (السَّابِعُ: أَنْ يُسْلِمَ فِي ذِمَّةٍ (٤))، ف (لَا) يَصحُّ سَلمٌ في (عَيْنٍ)؛ كدارٍ وشجرةٍ؛ لأنَّها (٥) ربَّما تَلِفَت قبلَ أَوانِ تسليمِها. (وَيُعَيِّنُ) أي: يُشترط لصحَّة السَّلمِ ذِكرُ (مَكَانِ الوَفَاءِ إِنْ عَقَدَ) السَّلمَ (بِنَحْوِ بَرِّيَّةٍ) كبحرٍ؛ لتعذُّرِ الوفاءِ موضعَ العقدِ، وليس بعضُ الأماكنِ سِواه أَولى مِنْ بعضٍ، فاشتُرط تعيينُه. ويُقبَل قولُ المُسلَمِ إليه في تعيينِه بيمينِه (٦).

стр. 791

(وَإِلَّا) يَعقِدْ بنحوِ برِّيَّةٍ؛ لم يُشترط ذِكرُ مكانِ الوفاءِ؛ لأنَّه ﵇ لم يَذكره. و (وَجَبَ) الوفاءُ (مَوْضِعَ (١) عَقْدٍ)؛ لأنَّ العقدَ يَقتضي التسليمَ في مكانه (إِنْ لَمْ يَشْتَرِطِ) العاقدان (٢) الوفاءَ (فِي غَيْرِهِ) أي: في غيرِ موضعِ العقدِ، فإن شَرَطاه صحَّ (٣)، وله أخذُه في غيره إن رَضِيَاه (٤). ولو قال: خُذه وأُجرةَ حَملِه إلى موضعِ الوفاءِ؛ لم يَجُز (٥). (وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ) المُسلِمِ (فِي مُسْلَمٍ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ) ببيعٍ، ولو لمَن هو عليه؛ «لنهيِه ﷺ عن بيعِ الطَّعامِ قبلَ قبضِه» (٦)، وكذا لا تصحُّ هِبَتُه لغيرِ مَنْ هو عليه، (وَلَا أَخْذُ عِوَضِهِ)؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» (٧)، سواءٌ كان المُسلَمُ فيه موجودًا أو معدومًا، وسواءٌ كان العِوَضُ مِثلَه في

стр. 792

القيمةِ، أو أقلَّ، أو أكثرَ. وتصحُّ الإقالةُ في السَّلمِ (١). (وَلَا) يصحُّ أخذُ (رَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ بِهِ) أي: بدَينِ السَّلمِ (٢)؛ لأنَّ وَضْعَ الرَّهنِ للاستيفاءِ مِنْ ثَمنِه عندَ تعذُّرِ الاستيفاءِ مِنْ الغريمِ، ولا يُمكن استيفاءُ المُسلَمِ فيه مِنْ الرَّهنِ (٣)، ولا مِنْ ذمَّةِ الضَّامنِ؛ حذرًا (٤) مِنْ أن يَصرفه إلى غيره. ويصحُّ بيعُ دَينٍ مستقرٍّ؛ كقرضٍ، وثَمنِ مَبيعٍ، لمَن هو عليه، بشرطِ قبضِ عِوَضِه في المجلس. وتصحُّ هبةُ كلِّ دَينٍ لمَن هو عليه، لا لغيرِه. وتصحُّ استِنابةُ مَنْ عليه الحقُّ في القبضِ مِنْ نفسِه للمستحِقِّ.

стр. 793

(بَابُ القَرْضِ) بفتحِ القافِ، وحُكي كسرُها، وهو لغةً: القطعُ. وشرعًا: دفعُ مالٍ لمَن يَنتفع به ويَردُّ بَدلَه. وهو جائزٌ بالإجماع (١)، مندوبٌ (٢)؛ لقولِه ﷺ في حديثِ ابنِ مسعودٍ: «ما مِنْ مسلمٍ يُقرِض مسلمًا مرَّتَين إلّا كانَ كصَدَقةٍ مرَّةً» (٣). ويُباح للمقترِضِ، وليس مِنْ المسألة المكروهةِ؛ لفعلِه ﷺ (٤). (وَيَصِحُّ) القرضُ (فِي كُلِّ مَا صَحَّ بَيْعُهُ) مِنْ نقدٍ أو عَرْضٍ (غَيْرَ الرَّقِيقِ)، ذكَرًا كان أو أُنثى، فلا يصحُّ قرضُه؛ لأنَّه لم يُنقل، ويُفضي إلى أن يَقترض جاريةً

стр. 794

يَطؤُها ثمَّ يَردُّها. ويُشترط: معرفةُ قَدْرِ قرضٍ، ووصفِه، وكَونُ مُقرِضٍ يصحُّ تبرُّعُه، فلا يصحُّ مِنْ نحوِ صغيرٍ وسفيهٍ (١). ويصحُّ مِنْ وليٍّ لمَصلحةٍ (٢)، كما صرَّح به في «المنتهى» (٣) وغيرِه في الحَجْرِ، وكلامُ المصنِّفِ هنا في «شرحِ المنتهى» غيرُ محرَّرٍ (٤). ولا بدَّ أن يُصادِف ذمَّةً، فلا يصحُّ قرضُ جهةٍ؛ كمسجدٍ. ويصحُّ لناظرٍ، ويَتعلَّق بذمَّته وبرَيعِ الوقفِ؛ كأَرشِ جِنايةٍ، كما استَظهَره المصنِّفُ (٥). ويَظهر لي: أنَّ الأَولى تشبيهُ الناظرِ بالوكيل، لا بسيِّدِ (٦) الجاني؛ لأنَّ سيِّدَ الجاني قد يَسقط عنه الدَّينُ بموتِ الجاني، فلا يَنبغي أن يُقاس عليه الناظرُ، بل هو فيما اقتَرَضه لجهةِ الوقفِ كوكيلٍ اشتَرى بثَمنٍ في ذمَّته، وقد صرَّحوا بضمانِ الوكيلِ، فكذا يَنبغي ضمانُ الناظرِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 795

ويصحُّ بلفظه، ولفظِ «سَلفٍ»، وكلِّ ما أدَّى معناهما. وإن قال: ملَّكتُك، ولا قرينةَ على ردِّ بدلٍ؛ فهِبَةٌ. (وَيُمْلَكُ) القرضُ بقَبولٍ، ويَلزم (بِقَبْضِهِ)؛ كهِبَةٍ. وإنَّما أَخرجتُ الكلامَ عن ظاهره لقولِهم: ويَتِمُّ بقَبولٍ؛ كسائرِ العقودِ (١). وله الشِّراءُ به مِنْ مُقرِضه. (وَيَثْبُتُ البَدَلُ) أي: بدلُ القرضِ (حَالًّا فِي الذِّمَّةِ) أي: ذمَّةِ (٢) المقترِضِ، (وَلَوْ أَجَّلَهُ) المقرِضُ؛ لأنَّه عقدٌ مُنِع فيه مِنْ التَّفاضُل، فمُنِع الأجلُ فيه، قال الإمامُ أحمدُ ﵀: القرضُ حالٌّ، ويَنبغي أن يَفِيَ بوَعدِه (٣). (وَإِنْ رَدَّهُ) أي: القرضَ بعَينه (مُقْتَرِضٌ؛ لَزِمَ) المقرِضَ (قَبُولُهُ إِنْ كَانَ) القرضُ (مِثْلِيًّا، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ) أي: يَتعيَّب؛ لأنَّه ردَّه على صفةِ حقِّه، سواءٌ تَغيَّر سعرُه أم لا، فإن تعيَّبَ (٤)؛ كحِنطةٍ ابتلَّت؛ لم يَلزمه قَبولُه.

стр. 796

(إِلَّا) إن كان القرضُ (فُلُوسًا أَوْ) دراهمَ (مُكَسَّرةً حَرَّمَهَا السُّلْطَانُ) أي: منَع المعاملةَ بها؛ (فَ) الواجبُ (قِيمَتُهَا) أي: قيمةُ الفُلوسِ والمكسَّرةِ (وَقْتَ عَقْدِ) القرضِ؛ لأنَّه كالعيبِ، فلا يَلزم قَبولُها، وتَكون القيمةُ مِنْ غيرِ جنسِ الدَّراهمِ (١). (وَيَرُدُّ) المقترضُ (مِثْلَ مِثْلِيٍّ) اقتَرضه، وهو كلُّ مَكيلٍ أو موزونٍ لا صناعةَ فيه مباحةٌ، فيَردُّ مِثلَ المَكيلِ في المَكيلاتِ، ومِثلَ الموزونِ في الموزوناتِ؛ لأنَّه أقربُ شبهًا مِنْ القيمة. ويَجب ردُّ مِثلِ فُلوسٍ غَلَت أو رَخُصَت أو كَسَدَت. (وَ) يردُّ (قِيمَةَ غَيْرِهِ) أي: غيرِ المِثليِّ مِنْ المُتقوِّمات. وتَكون القيمةُ في نحوِ جوهرٍ: يومَ قبضِه (٢)، وفيما يصحُّ سَلمٌ فيه: يومَ قرضِه. (فَإِنْ أَعْوَزَ) أي: تَعذَّر (المِثْلُ (٣)؛ فَ) يردُّ (قِيمَتَهُ) أي: قيمةَ المِثليِّ (٤) (إِذَنْ)

стр. 797

أي: وقتَ إعوازِه؛ لأنَّه وقتُ ثبوتِها في الذِّمَّة. (وَيَحْرُمُ) في القرض كلُّ (شَرْطٍ جَرَّ نَفْعًا)؛ كأنْ يُسكِنَه دارَه، أو يَقْضِيه خيرًا منه؛ لأنَّه عقدُ إرفاقٍ وقُربةٍ، فإذا شُرِط فيه ذلك؛ أَخرَجه عن موضوعه. و (لَا) يَحرم (فِعْلُهُ) أي: ما فيه نفعٌ؛ كسُكنَى الدَّارِ، (بِلَا شَرْطٍ، أَوْ) أي: ولا يَحرم (إِعْطَاءُ) خيرٍ مِنْ القرضِ؛ كصِحاحٍ عن مكسَّرةٍ، أو (أَجْوَدَ) منه نقدًا أو سِكَّةً، وكذا ردُّ نوعٍ أجودَ ممَّا أخَذه، (أَوْ هَدِيَّةٍ) لمقرِضٍ، (بَعْدَ الوَفَاءِ)؛ لأنَّه ﷺ اسْتَلَف (١) بَكرًا، فردَّ خيرًا منه، وقال: «خَيرُكم أَحسَنُكم قَضاءً» متَّفق عليه (٢). (وَإِنْ أَهْدَاهُ) أي: أَعطى مقترضٌ مقرِضًا هديَّةً، أو أَسكَنه دارَه، ونحوُه، (قَبْلَ الوَفَاءِ؛ حَرُمَ) على مقرِضٍ (٣) قَبولُ ذلك (إِنْ لَمْ يَنْوِ) المقرِضُ (احْتِسَابَهُ) مِنْ دَينِه، (أَوْ) يَنوِ (مُكَافَأَتَهُ) عليه، (أَوْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِهِ) أي: بإعطاءِ الهديَّةِ (مَعَهُ)، بأنْ جرَت عادةٌ بينَ المقرِضِ والمقترضِ بذلك الفعلِ (قَبْلَ) القرضِ، فلا يَحرم؛ لحديثِ أنسٍ مرفوعًا: «إذا أَقرَض أَحدُكم قرضًا، فأُهدي إليه، أو حمَله على الدَّابَّةِ؛ فلا يَركَبْها، ولا يَقبَلْه، إلّا أن يَكون جرَى بينَه وبينَه قبلَ ذلك» رَواه ابنُ ماجَه، وفي إسناده مَنْ تُكُلِّم فيه (٤).

стр. 798

(وَإِنْ طُولِبَ) مقترضٌ ونحوُه (بِبَدَلِ قَرْضٍ وَنَحْوِهِ)؛ كثَمنِ مَبيعٍ، وبدلِ غصبٍ، (بِبَلَدٍ آخَرَ) غيرِ بلدِ القرضِ ونحوِه؛ (لَزِمَ) المَدِينَ دفعُ ذلك (١)؛ لتمكُّنِه مِنْ أداءِ الحقِّ بلا ضررٍ، (إِلَّا مَا لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ)؛ كحديدٍ وقطنٍ، (فَ) الواجبُ (قِيمَتُهُ إِنْ كَانَتْ) قيمتُه (بِبَلَدِ قَرْضٍ) ونحوِه (أَنْقَصَ) منها ببلدِ الطَّلبِ؛ لأنَّه لا يَلزمه (٢) حَملُه إلى بلدِ الطَّلبِ، فيَصير كالمتعذِّر، وإذا تَعذَّر المِثلُ تَعيَّنَت القيمةُ، واعتُبِرَت ببلدِ قرضٍ ونحوِه؛ لأنَّه الذي يَجب فيه التَّسليمُ. فإن كانت قيمتُه ببلدِ قرضٍ ونحوِه مساويةً لبلدِ الطَّلبِ أو أكثرَ؛ لَزِمه دفعُ البدلِ ببلد (٣) الطَّلبِ؛ لِما سبَق (٤). ولو طُولب بعينِ غصبٍ بغيرِ بلده؛ لم يَلزمه، وكذا أمانةٌ وعاريَّةٌ؛ لأنَّه لا يَلزم حَملُها إليه.

стр. 799

(بَابُ الرَّهْنِ) هو (١) لغةً: الثُّبوتُ والدَّوامُ، يُقالُ: ماءٌ راهنٌ، أي: راكدٌ، ونعمةٌ راهنةٌ، أي: دائمةٌ. وشرعًا: تَوثِقَةُ دَينٍ بعينٍ، يُمكن استِيفاؤُه منها، أو مِنْ (٢) ثَمنِها. وهو جائزٌ بالإجماع (٣). ولا يصحُّ بدونِ إيجابٍ وقَبولٍ، أو ما يَدلُّ عليهما. ويُعتبر معرفةُ قَدْرِه وجنسِه وصفتِه، وكَونِ راهنٍ جائزَ التصرُّفِ، مالكًا (٤) لمرهونٍ، أو مأذونًا له فيه. و (يَصِحُّ) الرَّهنُ (فِي كُلِّ عَيْنٍ صَحَّ بَيْعُهَا)، إلّا المصحفَ؛ لأنَّ المقصودَ منه الاستِيثاقُ ليُتوصَّل إلى استِيفاءِ الدَّينِ مِنْ ثَمن الرَّهنِ عندَ تعذُّرِه مِنْ الراهنِ (٥)، (حَتَّى المُكَاتَبِ)؛ لأنَّه يَجوز بيعُه، ويُمكَّن مِنْ الكسبِ، فإن عجَز (٦) فهُو وكسبُه

стр. 800

رهنٌ؛ لأنَّه نَماؤُه، وإن عتَق، فما أدَّى بعدَ عقدِ الرَّهن: رهنٌ. والمعلَّقُ عتقُه بصفةٍ إن كانت تُوجد قبلَ حلولِ الدَّينِ؛ لم يصحَّ رهنُه، وإلّا صحَّ. ويصحُّ الرَّهنُ (مَعَ) وجوبِ (الحَقِّ)؛ كأنْ يَقول: بِعتُك هذا بعشرةٍ إلى شهرٍ تَرهنني بها عبدَك هذا، فيَقول: اشتريتُ ورهنتُ؛ لدعاءِ الحاجةِ إلى جوازه إذَنْ. (وَ) يصحُّ (بَعْدَهُ) أي: بعدَ الحقِّ بالإجماع (١)، ولا يَجوز قبلَه (٢)؛ لأنَّ الرَّهنَ تابعٌ للحقِّ فلا يَسبقه. (وَيَصِحُّ رَهْنُ مَبِيعٍ) قبلَ قبضِه، (غَيْرِ نَحْوِ مَكِيلٍ)؛ كموزونٍ ومعدودٍ ومذروعٍ، (عَلَى ثَمَنِهِ وَغَيْرِهِ)، عندَ بائعه وغيرِه؛ لأنَّه يصحُّ بيعُه، بخلافِ مَكيلٍ ونحوِه، لأنَّه لا يصحُّ بيعُه قبلَ قبضِه، فكذلك رهنُه. (وَيَلْزَمُ) رهنٌ (فِي حَقِّ رَاهِنٍ فَقَطْ) أي: دونَ مُرتهِنٍ، وإنَّما لَزِم في حقِّ راهنٍ؛ لأنَّ الحظَّ فيه لغيرِه، فلَزِم مِنْ جهته؛ كالضَّمان في حقِّ الضَّامنِ، لكن إنَّما يَلزم (بِقَبْضِ) مُرتهِنٍ، أو مَنْ يَتَّفقان عليه لرهنٍ؛ كقبضِ مَبيعٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. والرَّهنُ قبلَ قبضٍ (٣) صحيحٌ غيرُ لازمٍ، فلراهنٍ فَسخُه والتصرُّفُ فيه، فإن تصرَّف فيه (٤) بنحوِ بيعٍ أو عتقٍ؛ بطَل (٥)، وبنحوِ إجارةٍ أو تدبيرٍ؛ لا يَبطل؛ لأنَّه

стр. 801

لا يَمنع البيعَ. (وَاسْتِدَامَتُهُ) أي: القبضِ (شَرْطٌ لِلُزُومِهِ) أي: الرَّهنِ؛ للآيةِ، فإن أَخرَجه مُرتهِنٌ إلى راهنٍ باختياره؛ زالَ لُزومُه، فإن ردَّه راهنٌ إليه؛ عادَ لُزومُه. (وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ رَاهِنٍ فِيهِ) أي: في الرَّهن المقبوضِ (بِغَيْرِ إِذْنِ مُرْتَهِنٍ)؛ لأنَّه يُفوِّت على مرتهِنٍ حقَّه، (إِلَّا العِتْقَ) أي: عتقَ الرَّاهنِ المرهونَ، فيصحُّ مع الإثمِ (١)؛ لأنَّه مبنيٌّ على التَّغليب والسِّرايةِ، (وَتُؤْخَذُ قِيمَتُهُ) حالَ الإعتاقِ مِنْ الرَّاهن، وتَكون القيمةُ (رَهْنًا مَكَانَهُ)؛ لأنَّها بدلٌ عنه. وكذا لو قتَله، أو أَحبَل الأَمةَ بلا إذنِ مرتهِنٍ، أو أقرَّ بعتقٍ وكذَّبه (٢). (وَنَمَاؤُهُ) أي: الرَّهنِ المتَّصلِ والمنفصلِ؛ كسِمَن، وتعلُّمِ صَنعةٍ، وولدٍ، وثمرةٍ، وصُوفٍ، (وَكَسْبُهُ، وَأَرْشُ جِنَايَةٍ عَلَيْهِ: تَبَعٌ لَهُ) أي: للرَّهنِ، فيَكون رهنًا معه، ويُباع معه لوفاءِ الدَّينِ إذا بِيع. (وَمُؤْنَتُهُ) أي: نفقةُ الرَّهنِ: (عَلَى رَاهِنٍ)؛ لحديثِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن أَبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يَغْلَقُ الرَّهنُ مِنْ صاحبِه الذي رَهَنَه، له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه» رَواه الشافعيُّ والدارَقُطنيُّ، وقال: إسنادُه حسنٌ متَّصلٌ (٣). (كَكَفَنِهِ) إن مات، فعَلى مالكِه؛ لأنَّه تابعٌ لمُؤنتِه، (وَ) ك (أُجْرَةِ مَخْزَنِهِ) إن كان مخزونًا، وأجرةِ حفظِه.

стр. 802

(وَهُوَ) أي: الرَّهنُ (أَمَانَةٌ) في يدِ مرتهِنٍ؛ للخبرِ السَّابقِ، ولو قبلَ عقدِ الرَّهنِ، كبَعدِ وفاءٍ، إن تَلِف بلا تعدٍّ ولا تفريطٍ؛ فلا ضمانَ. (وَلَا يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ) أي: الرَّهنِ (شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ)؛ لأنَّه كان ثابتًا في ذمَّةِ الرَّاهنِ قبلَ التَّلفِ، ولم يُوجَد ما يُسقطه، فبَقي بحالِه، وكما لو دفَع له شيئًا ليَبيعَه ويَستوفيَ حقَّه مِنْ ثَمنه. (وَلَا يَنْفَكُّ بَعْضُهُ) أي: بعضُ الرَّهنِ (مَعَ بَقَاءِ بَعْضِ دَيْنِهِ)؛ كما لو رهَنه عبدًا على مائةٍ، فوفَّاه منها خمسين، فإنَّه لا يَنفكُّ نصفُ العبدِ مِنْ الرَّهن، بل يَبقى العبدُ بتَمامه رهنًا في الباقي؛ لأنَّ الدَّينَ كلَّه متعلِّقٌ بجميعِ أجزاءِ الرَّهنِ، سواءٌ كان ممَّا تُمكن قِسمتُه أو لا. (وَتَصِحُّ زِيَادَةُ رَهْنٍ)؛ كما لو رهَنه عبدًا على مائةٍ، ثمَّ رهَنه عليها أيضًا ثوبًا؛ لأنَّه زيادةُ استِيثاقٍ. و (لَا) تصحُّ (١) زيادةُ (دَيْنِهِ)، فإذا رهَنه عبدًا على مائةٍ؛ لم يصحَّ جعلُه رهنًا على خمسين مع المائةِ، ولو كان يُساوي ذلك؛ لأنَّ الرَّهنَ اشتَغل بالمائةِ الأُولى، والمشغولُ لا يُشغَل. وإن رهَن عندَ اثنَين شيئًا، فوفَّى أحدَهما، أو رهَناه شيئًا، فاستَوفَى مِنْ أحدِهما؛ انْفكَّ في نَصيبه؛ لتعدُّدِ العقدِ إذَنْ (٢). (وَإِذَا (٣) حَلَّ الدَّيْنُ)؛ لَزِم الرَّاهنَ الإيفاءُ، (وَ) إن (امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ) أي:

стр. 803

الدَّينِ؛ (بِيعَ رَهْنُهُ) أي: الدَّينِ، أي: باعه المرتهِنُ أو العدلُ الذي تحتَ يدِه الرَّهنُ، (بِإِذْنِهِ) أي: الرَّاهنِ، وإن كان الرَّاهنُ قد أَذِن في البيع عندَ الرَّهنِ؛ لم يَحتج لتجديدِ الإذنِ عندَ الحلولِ، وإن كان البائعُ العدلَ؛ اعتُبر إذنُ المرتهِنِ أيضًا (١). ويُوفَّى الدَّينُ مِنْ ثَمنِ الرَّهنِ؛ لأنَّه المقصودُ بالبيع، وإن فضَل مِنْ ثَمنه شيءٌ؛ فلمالكِه، وإن بَقي مِنْ الدَّين شيءٌ؛ فعَلى الرَّاهن. (وَإِلَّا) يَأذنْ راهنٌ في البيع، ولم يُوفِ؛ (أَجْبَرَهُ حَاكِمٌ) على وَفائه أو بيعِ الرَّهنِ. (فَإِنْ أَصَرَّ) أي: أَقام على الامتناع، أو كان غائبًا، أو تَغيَّب؛ (بَاعَهُ) الحاكمُ (عَلَيْهِ) أي: على الراهن، (وَوَفَّى) الدَّينَ؛ لأنَّه حقٌّ تَعيَّن عليه، فقامَ الحاكمُ مقامَه فيه، وليس لمرتهِنٍ بيعُه إلّا بإذنِ ربِّه أو الحاكمِ.

стр. 804

(وَيُقْبَلُ قَوْلُ رَاهِنٍ فِي قَدْرِ رَهْنٍ)، فإذا قال المرتهِنُ: رَهنتَني هذا العبدَ والأَمةَ، وقال الرَّاهنُ: بل العبدَ وحدَه؛ فقولُه؛ لأنَّه منكرٌ. (وَ) يُقبل قولُه أيضًا في قَدْرِ (دَيْنٍ)، بأنْ قال المرتهِنُ: هو رهنٌ بألفٍ، فقال الراهنُ: بل بمائةٍ فقط (١)؛ فقولُه؛ لِما تَقدَّم. (وَ) يُقبل قولُه أيضًا في (رَدِّهِ)، بأنْ قال المرتهِنُ: ردَدتُه إليك، وأَنكَر الرَّاهنُ؛ فقولُه؛ لأنَّ الأصلَ معه، والمرتهِنُ قبَض العينَ لمنفعتِه، فلم يُقبل قولُه في الرَّدِّ؛ كالمستأجِر. و (لَا) يُقبل قولُ راهنٍ (أَنَّهُ) أي: الرَّهنَ (مِلْكُ غَيْرِهِ، أَوْ) أنَّ (٢) الرَّهنَ (جَنَى)، فلا يُقبل على مرتهِنٍ؛ لأنَّه متَّهمٌ في حقِّه، بل يُقبل قولُ راهنٍ على نفسه، (وَيُؤَاخَذُ) أي: يُطالَب الرَّاهنُ (بِهِ) أي: بإقراره (بَعْدَ فَكِّ) الرَّهنِ بوفاءِ الدَّينِ أو الإبراءِ منه، فيَلزمه دفعُه للمقَرِّ له إذا (٣) انْفكَّ الرَّهنُ، (مَا لَمْ يُصَدِّقْهُ) أي: الرَّاهنُ (مُرْتَهِنٌ) في إقراره، فيَبطل الرَّهنُ في الأُولى، ويُقدَّم به المَجنيُّ عليه في الثانية؛ لوجودِ المُقتضي السَّالمِ عن المُعارِض. (وَلِمُرْتَهِنٍ رُكُوبُ) ما يُركب مِنْ الرَّهن، (وَحَلَبُ) ما يُحلب، (بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ بِلَا إِذْنِ) راهنٍ، (مُتَحَرِّيًا لِلعَدْلِ)؛ لقولِه ﷺ : «الظَّهرُ (٤) يُركَب بنَفَقتِه إذا كان مرهونًا، ولَبنُ الدَّرِّ يُشرَب إذا كان مرهونًا، وعلى الَّذي يَركب ويَشرب النَّفقةُ»

стр. 805

رَواه البخاريُّ (١)، وتُسترضع (٢) الأَمةُ بقَدْرِ نفقتِها، وما عدا ذلك مِنْ الرَّهن لا يُنتفع به إلّا بإذنِ مالكِه. (وَإِنْ أَنْفَقَ) مرتهِنٌ (٣) (عَلَيْهِ) أي: على الحيوان المرهونِ بغيرِ إذنِ راهنٍ، (بِنِيَّةِ رُجُوعٍ) بما أَنفَقه على راهنٍ، (وَتَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُ مَالِكِ) الرَّهنِ؛ لتَوارِيه أو غَيبتِه؛ (رَجَعَ) مرتهِنٌ بالأقلِّ ممَّا أَنفَق أو نفقةِ المِثلِ، ولو لم يَستأذن حاكمًا أو يُشهِد، فإن أَمكَن استئذانُ مالكِ الرَّهنِ، ولم يَستأذنه مرتهِنٌ؛ لم يَرجع؛ (كَوَدِيعَةٍ وَعَارِيَّةٍ وَمُؤْجَرَةٍ)، فلمُنفِقٍ عليها الرُّجوعُ، كالرَّهن. (لَا إِنْ خَرِبَتِ) الدَّارُ المرهونةُ (فَعَمَرَهَا) مرتهِنٌ (بِلَا إِذْنِ) مالكِها، فمتبرِّعٌ لا يَرجع إلّا بآلتِه فقط؛ لأنَّها مِلكُه، دونَ ما تُحفَظ به ماليَّةُ الدَّارِ وأُجرةِ المعمِّرين؛ لأنَّ العمارةَ ليسَت واجبةً على الرَّاهن، فلم يَكُنْ لغيرِه أن يَنُوب عنه فيها (٤)، بخلافِ نفقةِ الحيوان؛ لحُرمتِه في نفسه.

стр. 806

(بَابُ الضَّمَانِ) هو مأخوذٌ مِنْ الضِّمْن، فذِمَّة الضَّامنِ في ضِمن ذِمَّةِ المضمونِ عنه. ومعناه شرعًا: الْتِزامُ ما وجَب على غيره (١) مع بقائِه، وما قد يَجب، غيرَ جِزيةٍ فيهما. و (يَصِحُّ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ)، وهو الحرُّ المكلَّفُ الرَّشيدُ. فلا يصحُّ مِنْ صغيرٍ وسفيهٍ، ولا مِنْ قِنٍّ ومكاتَبٍ إلّا بإذنِ سيِّدِهما، ويُؤخذ ممَّا بيدِ مكاتَبٍ وما ضَمِنه قِنٌّ مِنْ سيِّده. ويصحُّ مِنْ مُفلسٍ؛ لأنَّه تصرُّفٌ في ذِمَّته. (بِلَفْظِ: أَنَا ضَمِينٌ، أَوْ: كَفِيلٌ بِمَا عَلَيْهِ، وَنَحْوِهِ)؛ ك: أنا قَبيلٌ، أو حميلٌ، أو زعيمٌ بدَينِك، أو تحمَّلتُه، أو ضَمِنتُه، أو هو عندي، وبإشارةٍ مفهومةٍ مِنْ أَخرسَ. (وَلِرَبِّ الحَقِّ طَلَبُ أَيِّهِمَا شَاءَ) أي: مِنْ الضَّامن والمضمونِ في الحياة والموتِ؛ لأنَّ الحقَّ ثابتٌ في ذِمَّتهما، فمَلَك مطالبةَ مَنْ شاء منهما؛ لحديثِ: «الزَّعيمُ غارمٌ» رَواه أبو داودَ، والتِّرمذيُّ وحسَّنه (٢). (وَيَبْرَأُ ضَامِنٌ) مِنْ دَينٍ ضَمِنه (بِبَرَاءَةِ مَضْمُونٍ)، بإبراءٍ أو قضاءٍ أو حَوالةٍ أو نحوِها (٣)، كفسخٍ لعيبٍ؛ لأنَّه تبعٌ (٤) له، (لَا عَكْسُهُ)، فلا يَبرأ مضمونٌ ببراءةِ

стр. 807

ضامنٍ؛ لأنَّ الأصلَ لا يَبرأ ببراءةِ التَّبعِ. وإذا تَعدَّد الضَّامنُ؛ لم يَبرأ أحدُهم بإبراءِ الآخرِ، ويَبرَؤون بإبراءِ المضمونِ. (وَلَا تُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ) ضامنٍ (لِمَضْمُونٍ لَهُ أَوْ) مضمونٍ (عَنْهُ)؛ لأنَّه لا يُعتبر رِضاهما، فكذا مَعرفتُهما، (بَلْ) يُعتبر (رِضَا ضَامِنٍ)؛ لأنَّه متبرِّعٌ بالْتزامِ الحقِّ، فاعتُبر رِضاه؛ كالمتبرِّع بالأعيان. (وَيَصِحُّ ضَمَانُ المَجْهُولِ إِنْ آلَ) بمدِّ الهمزةِ، أي: صارَ (إِلَى العِلْمِ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، وهو غيرُ معلومٍ (١)؛ لأنَّه يَختلف. (وَ) يصحُّ أيضًا ضمانُ (مَا لَمْ يَجِبْ) مِنْ الدَّين (إِنْ آلَ إِلَيْهِ)، ك: ضَمِنتُ ما يُدايِنُه زيدٌ لعمرٍو. ولضامنٍ إبطالُه قبلَ وجوبِه. (وَ) يصحُّ أيضًا (ضَمَانُ نَحْوِ عَارِيَّةٍ)؛ كغصبٍ، ومقبوضٍ بسَومٍ إن ساوَمَه وقطَع ثَمنَه، أو ساوَمَه فقط ليُرِيَه أهلَه إن رَضُوه وإلَّا ردَّه. وإن أخَذه ليُرِيَه أهلَه بلا مساومةٍ ولا قطعِ ثَمنٍ؛ فغيرُ مضمونٍ. و (لَا) يصحُّ ضمانُ (أَمَانَةٍ)؛ كوديعةٍ، ومالِ شَركةٍ، وعينٍ مُؤْجَرةٍ؛ لأنَّها غيرُ مضمونةٍ على صاحبِ اليدِ، فكذا ضامنُه. (بَلْ) يصحُّ ضمانُ (التَّعَدِّي فِيهَا) أي: في الأمانة؛ لأنَّها حينئذٍ تَكون مضمونةً

стр. 808

على مَنْ هي بيَده؛ كمغصوبٍ. وإن قضَى ضامنُ الدَّينِ بنيَّةِ رجوعٍ؛ رجَع، وإلَّا فلا، وكذا كفيلٌ، وكلُّ مُؤدٍّ عن غيره دينًا واجبًا غيرَ نحوِ زكاةٍ. (وَتَصِحُّ كَفَالَةٌ)، وهي الْتزامُ رشيدٍ إحضارَ مَنْ عليه حقٌّ ماليٌّ لربِّه. وتَنعقد بما يَنعقد به ضمانٌ. وإنَّما تصحُّ (بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ مَاليٌّ)؛ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ. و (لَا) تصحُّ ببَدنِ مَنْ عليه (حَدٌّ) للهِ تَعالى؛ كالزِّنى، أو لآدميٍّ، كالقَذف؛ لحديثِ عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: «لا كفالةَ في حدٍّ» (١). (وَ) لا ببَدنِ مَنْ عليه (نَحْوُهُ) أي: نحوُ (٢) الحدِّ كالقصاصِ؛ لأنَّه لا يُمكن استِيفاؤُه مِنْ غيرِ الجاني، ولا بزوجةٍ (٣) وشاهدٍ، ولا بمجهولٍ أو إلى أجلٍ مجهولٍ. ويصحُّ: إذا قَدِم الحاجُّ فأنا كفيلٌ بزيدٍ شهرًا (٤).

стр. 809

(وَيُعْتَبَرُ رِضَا كَفِيلٍ)؛ لأنَّه لا يَلزمه الحقُّ ابتداءً إلّا برِضاه، (فَقَطْ) أي: لا رِضا مكفولٍ به، أو له؛ كالضَّمان. (وَإِنْ تَعَذَّرَ إِحْضَارُ مَكْفُولٍ بِهِ مَعَ حَيَاتِهِ) أي: حياة (١) المكفولِ به؛ (أُخِذَ) بالبناء للمفعول، أي: أُلزم (كَفِيلُهُ بِمَا عَلَيْهِ) أي: على المكفول به مِنْ الدَّين. (وَإِنْ ضَمِنَ) رشيدٌ (مَعْرِفَتَهُ) أي: لو جاءَه إنسانٌ ليَستدين (٢) منه، فقال: أنا لا أَعرفكَ فلا أُعطيك، فضَمِن الآخرُ معرفتَه لمَن يُدايِنُه، فدَاينَه، وغابَ مُستدينٌ؛ (أُخِذَ) بالبناء للمفعول، أي: أُلزم ضامنُ المعرفةِ (بِهِ) أي: بإحضاره، فإن عجَز عن إحضاره مع حياتِه؛ ضَمِن ما عليه، ولا يَكفي أن يَذكر اسمَه ومكانَه. (وَإِنْ مَاتَ) مكفولٌ؛ بَرِئ كفيلُه؛ لأنَّ الحضورَ سقَط عنه. (أَوْ سَلَّمَ) مكفولٌ به (نَفْسَهُ)؛ بَرِئ كفيلُه؛ لأنَّ الأصلَ أدَّى ما على كفيله، أَشبَه ما لو قضَى مضمونٌ عنه الدَّينَ. (أَوْ تَلِفَتِ العَيْنُ) المكفولةُ (بِفِعْلِ اللهِ تَعَالَى) قبلَ المطالَبةِ؛ (بَرِئَ كَفِيلُهُ)؛ لأنَّ تلَفها بمنزلةِ موتِ المكفولِ به (٣). فإن تَلِفَت بفعلِ آدميٍّ؛ فعَلى المُتلِف بدلُها، ولم يَبرأ الكفيلُ.

стр. 810

(بَابُ الحَوَالَةِ) مشتقَّةٌ مِنْ التحوُّل؛ لأنَّها تُحوِّل الحقَّ مِنْ ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ أُخرى. وتَنعقد ب: أَحَلتُك، و: أَتْبَعتُك بدَينك على فلانٍ، ونحوِه. و (لَا تَصِحُّ) الحوالةُ (إِلَّا عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ)؛ إذْ مُقتضاها إلزامُ المُحالِ عليه بالدَّين مطلقًا، وما ليس بمستقرٍّ عُرضةٌ للسُّقوطِ، فلا تصحُّ على مالِ كتابةٍ، أو دَينِ سَلَمٍ، أو صَداقٍ قبلَ دخولٍ، أو ثَمنٍ مدَّةَ خيارٍ، ونحوِها (١). ولا بدَّ أن تَكون على دَينٍ (مُمَاثِلٍ لِ) لدَّينِ (المُحَالِ بِهِ قَدْرًا)، فلا تصحُّ بخمسةٍ على ستَّةٍ؛ لأنَّها إرفاقٌ؛ كالقرض، فلو جازَت مع الاختلافِ؛ لصارَ المطلوبُ منها الفضلَ، فتَخرج عن موضوعها. (وَجِنْسًا)؛ كدنانيرَ بدنانيرَ، أو دراهمَ بدراهمَ، فلا تصح بذهبٍ على فضَّةٍ، أو عكسِه. (وَوَصْفًا)؛ كصِحاحٍ بصِحاحٍ، أو مضروبةٍ بمِثلها؛ فإن اختَلفَا؛ لم تصحَّ. (وَحُلُولًا أَوْ أَجَلًا (٢))، فلو كان أحدُهما حالًّا والآخرُ مؤجَّلًا، أو أحدُهما يَحلُّ بعدَ شهرٍ والآخرُ بعد شهرَين؛ لم تصحَّ (٣). (وَلَا يُؤَثِّرُ فَاضِلٌ) في بطلانِ الحوالةِ، فلَو أَحاله بخمسةٍ مِنْ عشرةٍ على
следующие страницы →