← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

(بَابُ الضَّمَانِ) هو مأخوذٌ مِنْ الضِّمْن، فذِمَّة الضَّامنِ في ضِمن ذِمَّةِ المضمونِ عنه. ومعناه شرعًا: الْتِزامُ ما وجَب على غيره (١) مع بقائِه، وما قد يَجب، غيرَ جِزيةٍ فيهما. و (يَصِحُّ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ)، وهو الحرُّ المكلَّفُ الرَّشيدُ. فلا يصحُّ مِنْ صغيرٍ وسفيهٍ، ولا مِنْ قِنٍّ ومكاتَبٍ إلّا بإذنِ سيِّدِهما، ويُؤخذ ممَّا بيدِ مكاتَبٍ وما ضَمِنه قِنٌّ مِنْ سيِّده. ويصحُّ مِنْ مُفلسٍ؛ لأنَّه تصرُّفٌ في ذِمَّته. (بِلَفْظِ: أَنَا ضَمِينٌ، أَوْ: كَفِيلٌ بِمَا عَلَيْهِ، وَنَحْوِهِ)؛ ك: أنا قَبيلٌ، أو حميلٌ، أو زعيمٌ بدَينِك، أو تحمَّلتُه، أو ضَمِنتُه، أو هو عندي، وبإشارةٍ مفهومةٍ مِنْ أَخرسَ. (وَلِرَبِّ الحَقِّ طَلَبُ أَيِّهِمَا شَاءَ) أي: مِنْ الضَّامن والمضمونِ في الحياة والموتِ؛ لأنَّ الحقَّ ثابتٌ في ذِمَّتهما، فمَلَك مطالبةَ مَنْ شاء منهما؛ لحديثِ: «الزَّعيمُ غارمٌ» رَواه أبو داودَ، والتِّرمذيُّ وحسَّنه (٢). (وَيَبْرَأُ ضَامِنٌ) مِنْ دَينٍ ضَمِنه (بِبَرَاءَةِ مَضْمُونٍ)، بإبراءٍ أو قضاءٍ أو حَوالةٍ أو نحوِها (٣)، كفسخٍ لعيبٍ؛ لأنَّه تبعٌ (٤) له، (لَا عَكْسُهُ)، فلا يَبرأ مضمونٌ ببراءةِ

стр. 807

ضامنٍ؛ لأنَّ الأصلَ لا يَبرأ ببراءةِ التَّبعِ. وإذا تَعدَّد الضَّامنُ؛ لم يَبرأ أحدُهم بإبراءِ الآخرِ، ويَبرَؤون بإبراءِ المضمونِ. (وَلَا تُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ) ضامنٍ (لِمَضْمُونٍ لَهُ أَوْ) مضمونٍ (عَنْهُ)؛ لأنَّه لا يُعتبر رِضاهما، فكذا مَعرفتُهما، (بَلْ) يُعتبر (رِضَا ضَامِنٍ)؛ لأنَّه متبرِّعٌ بالْتزامِ الحقِّ، فاعتُبر رِضاه؛ كالمتبرِّع بالأعيان. (وَيَصِحُّ ضَمَانُ المَجْهُولِ إِنْ آلَ) بمدِّ الهمزةِ، أي: صارَ (إِلَى العِلْمِ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، وهو غيرُ معلومٍ (١)؛ لأنَّه يَختلف. (وَ) يصحُّ أيضًا ضمانُ (مَا لَمْ يَجِبْ) مِنْ الدَّين (إِنْ آلَ إِلَيْهِ)، ك: ضَمِنتُ ما يُدايِنُه زيدٌ لعمرٍو. ولضامنٍ إبطالُه قبلَ وجوبِه. (وَ) يصحُّ أيضًا (ضَمَانُ نَحْوِ عَارِيَّةٍ)؛ كغصبٍ، ومقبوضٍ بسَومٍ إن ساوَمَه وقطَع ثَمنَه، أو ساوَمَه فقط ليُرِيَه أهلَه إن رَضُوه وإلَّا ردَّه. وإن أخَذه ليُرِيَه أهلَه بلا مساومةٍ ولا قطعِ ثَمنٍ؛ فغيرُ مضمونٍ. و (لَا) يصحُّ ضمانُ (أَمَانَةٍ)؛ كوديعةٍ، ومالِ شَركةٍ، وعينٍ مُؤْجَرةٍ؛ لأنَّها غيرُ مضمونةٍ على صاحبِ اليدِ، فكذا ضامنُه. (بَلْ) يصحُّ ضمانُ (التَّعَدِّي فِيهَا) أي: في الأمانة؛ لأنَّها حينئذٍ تَكون مضمونةً

стр. 808

على مَنْ هي بيَده؛ كمغصوبٍ. وإن قضَى ضامنُ الدَّينِ بنيَّةِ رجوعٍ؛ رجَع، وإلَّا فلا، وكذا كفيلٌ، وكلُّ مُؤدٍّ عن غيره دينًا واجبًا غيرَ نحوِ زكاةٍ. (وَتَصِحُّ كَفَالَةٌ)، وهي الْتزامُ رشيدٍ إحضارَ مَنْ عليه حقٌّ ماليٌّ لربِّه. وتَنعقد بما يَنعقد به ضمانٌ. وإنَّما تصحُّ (بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ مَاليٌّ)؛ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ. و (لَا) تصحُّ ببَدنِ مَنْ عليه (حَدٌّ) للهِ تَعالى؛ كالزِّنى، أو لآدميٍّ، كالقَذف؛ لحديثِ عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: «لا كفالةَ في حدٍّ» (١). (وَ) لا ببَدنِ مَنْ عليه (نَحْوُهُ) أي: نحوُ (٢) الحدِّ كالقصاصِ؛ لأنَّه لا يُمكن استِيفاؤُه مِنْ غيرِ الجاني، ولا بزوجةٍ (٣) وشاهدٍ، ولا بمجهولٍ أو إلى أجلٍ مجهولٍ. ويصحُّ: إذا قَدِم الحاجُّ فأنا كفيلٌ بزيدٍ شهرًا (٤).

стр. 809

(وَيُعْتَبَرُ رِضَا كَفِيلٍ)؛ لأنَّه لا يَلزمه الحقُّ ابتداءً إلّا برِضاه، (فَقَطْ) أي: لا رِضا مكفولٍ به، أو له؛ كالضَّمان. (وَإِنْ تَعَذَّرَ إِحْضَارُ مَكْفُولٍ بِهِ مَعَ حَيَاتِهِ) أي: حياة (١) المكفولِ به؛ (أُخِذَ) بالبناء للمفعول، أي: أُلزم (كَفِيلُهُ بِمَا عَلَيْهِ) أي: على المكفول به مِنْ الدَّين. (وَإِنْ ضَمِنَ) رشيدٌ (مَعْرِفَتَهُ) أي: لو جاءَه إنسانٌ ليَستدين (٢) منه، فقال: أنا لا أَعرفكَ فلا أُعطيك، فضَمِن الآخرُ معرفتَه لمَن يُدايِنُه، فدَاينَه، وغابَ مُستدينٌ؛ (أُخِذَ) بالبناء للمفعول، أي: أُلزم ضامنُ المعرفةِ (بِهِ) أي: بإحضاره، فإن عجَز عن إحضاره مع حياتِه؛ ضَمِن ما عليه، ولا يَكفي أن يَذكر اسمَه ومكانَه. (وَإِنْ مَاتَ) مكفولٌ؛ بَرِئ كفيلُه؛ لأنَّ الحضورَ سقَط عنه. (أَوْ سَلَّمَ) مكفولٌ به (نَفْسَهُ)؛ بَرِئ كفيلُه؛ لأنَّ الأصلَ أدَّى ما على كفيله، أَشبَه ما لو قضَى مضمونٌ عنه الدَّينَ. (أَوْ تَلِفَتِ العَيْنُ) المكفولةُ (بِفِعْلِ اللهِ تَعَالَى) قبلَ المطالَبةِ؛ (بَرِئَ كَفِيلُهُ)؛ لأنَّ تلَفها بمنزلةِ موتِ المكفولِ به (٣). فإن تَلِفَت بفعلِ آدميٍّ؛ فعَلى المُتلِف بدلُها، ولم يَبرأ الكفيلُ.

стр. 810

(بَابُ الحَوَالَةِ) مشتقَّةٌ مِنْ التحوُّل؛ لأنَّها تُحوِّل الحقَّ مِنْ ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ أُخرى. وتَنعقد ب: أَحَلتُك، و: أَتْبَعتُك بدَينك على فلانٍ، ونحوِه. و (لَا تَصِحُّ) الحوالةُ (إِلَّا عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ)؛ إذْ مُقتضاها إلزامُ المُحالِ عليه بالدَّين مطلقًا، وما ليس بمستقرٍّ عُرضةٌ للسُّقوطِ، فلا تصحُّ على مالِ كتابةٍ، أو دَينِ سَلَمٍ، أو صَداقٍ قبلَ دخولٍ، أو ثَمنٍ مدَّةَ خيارٍ، ونحوِها (١). ولا بدَّ أن تَكون على دَينٍ (مُمَاثِلٍ لِ) لدَّينِ (المُحَالِ بِهِ قَدْرًا)، فلا تصحُّ بخمسةٍ على ستَّةٍ؛ لأنَّها إرفاقٌ؛ كالقرض، فلو جازَت مع الاختلافِ؛ لصارَ المطلوبُ منها الفضلَ، فتَخرج عن موضوعها. (وَجِنْسًا)؛ كدنانيرَ بدنانيرَ، أو دراهمَ بدراهمَ، فلا تصح بذهبٍ على فضَّةٍ، أو عكسِه. (وَوَصْفًا)؛ كصِحاحٍ بصِحاحٍ، أو مضروبةٍ بمِثلها؛ فإن اختَلفَا؛ لم تصحَّ. (وَحُلُولًا أَوْ أَجَلًا (٢))، فلو كان أحدُهما حالًّا والآخرُ مؤجَّلًا، أو أحدُهما يَحلُّ بعدَ شهرٍ والآخرُ بعد شهرَين؛ لم تصحَّ (٣). (وَلَا يُؤَثِّرُ فَاضِلٌ) في بطلانِ الحوالةِ، فلَو أَحاله بخمسةٍ مِنْ عشرةٍ على

стр. 811

خمسةٍ، أو بخمسةٍ على خمسةٍ مِنْ عشرةٍ؛ صحَّت؛ لاتِّفاق ما وقعَت فيه الحوالةُ، والفاضلُ باقٍ بحالِه لربِّه. ولفظةُ «فاضلٌ» ساقطةٌ مِنْ خطِّ المصنِّفِ. (وَيُعْتَبَرُ) لصحَّةِ الحوالةِ: (رِضَا مُحِيلٍ)؛ لأنَّ الحقَّ عليه، فلا يَلزمه أداؤُه مِنْ جهةِ دَينِ المُحالِ عليه. ويُعتبر أيضًا: عِلمُ المالِ، وكَونُه ممَّا يَثبت مِثلُه في الذِّمَّة بالإتلاف، مِنْ الأثمان والحبوبِ ونحوِها (١). و (لَا) يُعتبر رِضا (مُحَالٍ عَلَيْهِ)؛ لأنَّ للمُحيلِ أن يَستوفي الحقَّ بنفسه وبوكيله، وقد أقامَ المُحتالَ مقامَ نفسه في الاستِيفاء، فلَزِم المُحالَ عليه الدَّفعُ إليه. (وَلَا) رِضا (مُحْتَالٍ إِنْ أُحِيلَ عَلَى قَادِرٍ) بمالِه وقولِه وبَدنِه (٢). فالقدرةُ بمالِه: القدرةُ على الوفاء، وبقوله: ألّا (٣) يَكونَ مماطِلًا، وببَدنه: إمكانُ حضورِه إلى مجلسِ الحُكمِ. وإن كان المُحالُ عليه مُفلِسًا، ولم يَرْضَ مُحتالٌ بالحوالة؛ رجَع بدَينه على مُحيلٍ؛ لأنَّ الفلَس عيبٌ، ولم يَرْضَ به، فإن رَضي بالحوالة عليه؛ فلا رجوعَ له

стр. 812

إن لم يَشترط المَلاءَةَ؛ لتفريطِه (١). وإذا صحَّت الحوالةُ باجتماعِ شروطِها؛ (فَ) إنَّها (تَنْقُلُ الحَقَّ) أي: الدَّينَ المُحالَ به مِنْ ذمَّةِ مُحيلٍ (إِلَى ذِمَّةِ مُحَالٍ عَلَيْهِ، وَيَبْرَأُ مُحِيلٌ) بمجرَّدِ الحوالةِ، فلا يَملك مُحتالٌ رجوعًا على مُحيلٍ بحالٍ، (وَلَوْ أَفْلَسَ مُحَالٌ عَلَيْهِ، أَوْ جَحَدَ) الحقَّ، (وَنَحْوُهُ)؛ كما لو تَعذَّر لمَطْلٍ، أو موتٍ (٢)، أو غيرِهما. وإن تَراضَى مُحتالٌ ومُحالٌ عليه على خيرٍ مِنْ الحقِّ، أو دونَه في الصِّفة، أو على تعجيله أو تأجيلِه، أو عِوَضِه؛ جاز. (وَمَنْ أُحِيلَ بِثَمَنِ مَبِيعٍ)؛ بأنْ أَحال مشترٍ بائعًا بالثَّمن على مَنْ له عليه دَينٌ، فبانَ البيعُ باطلًا؛ فلا حوالةَ. (أَوْ) أُحيل (عَلَيْهِ) أي: على الثَّمن، بأنْ أَحال بائعٌ رَجلًا بدَينه على مشترٍ بالثَّمن، (فَبَانَ البَيْعُ بَاطِلًا)؛ كأن ظهَر المَبيعُ مستحَقًّا أو حُرًّا أو خَمرًا؛ (فَلَا حَوَالَةَ)؛ لظهورِ أن لا (٣) ثمَن على المشتري؛ لبطلانِ البيعِ، والحوالةُ فرعٌ على لُزومِ الثَّمنِ، ويَبقى الحقُّ على ما كان عليه. (لَا إِنْ فُسِخَ) البيعُ بتَقايُلٍ أو خيارِ عيبٍ ونحوِه، فلا تَبطل الحوالةُ؛ لأنَّ عقدَ البيعِ لم يَرتفع، فلَم يَسقط الثَّمنُ، ولمشترٍ الرُّجوعُ على البائع؛ لأنَّه لمَّا ردَّ المعوَّضَ (٤) استَحقَّ الرُّجوعَ بالعِوَض.

стр. 813

ولبائعٍ أن يُحيل مشتريًا على مَنْ أَحالَه المشتري عليه في الصُّورة الأُولى (١)، ولمشترٍ أن يُحيل مُحالًا عليه على بائعٍ في الثانية (٢). وإذا اختَلفَا فقال: أَحَلتُك، قال: بل وكَّلتَني، أو بالعكس؛ فقولُ مدَّعي الوَكالةِ. وإذا (٣) اتَّفقَا على: أَحَلتُك، أو: أَحَلتُك بدَيني، وادَّعى أحدُهما إرادةَ الوَكالةِ؛ صُدِّقَ (٤). وإن اتَّفقَا على: أَحَلتُك بدَينك؛ فقول مدَّعي الحوالةِ. وإذا طالبَ (٥) دائنٌ مَدينًا، فقال: أَحلتُ فلانًا الغائبَ، وأَنكَر ربُّ المالِ؛ قُبِلَ قولُه مع يمينِه، ويُعمل بالبيِّنة.

стр. 814

(بَابُ الصُّلْحِ) هو لغةً: قطعُ المنازعةِ. وشرعًا: معاقدةٌ يُتوصَّل بها إلى إصلاحٍ بينَ متخاصمَين. ويَكون في الأموال وغيرِها، والأوَّلُ المقصودُ هنا قِسمان: صلحُ إقرارٍ، وصلحُ إنكارٍ (١)، فلهذا قال: (يَصِحُّ) الصلحُ (عَلَى إِقْرَارٍ وَإِنْكَارٍ)، ولكلٍّ أحكامٌ تخصُّه. فأشارَ إلى الأوَّل بقوله: (فَإِذَا أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ، فَأَسْقَطَ) عنه مِنْ الدَّين بعضَه، (أَوْ وَهَبَ البَعْضَ) مِنْ العين، (وَأَخَذَ البَاقِيَ) مِنْ الدَّين أو العينِ؛ (صَحَّ)؛ لأنَّ الإنسانَ لا يُمنع مِنْ إسقاطِ بعضِ حقِّه، كما لا يُمنع مِنْ استِيفائه؛ لأنَّه « ﷺ كلَّم غُرَماءَ جابرٍ ليَضعوا عنه» (٢). ومَحلُّ صحَّةِ ذلك: إن (٣) كان (بِلَا شَرْطٍ)، بأنْ يَقول المقِرُّ: بشرطِ (٤) أن تُعطيني كذا، أو: على أن تُعطيني كذا، ويَقبل الآخرُ على ذلك، فلا يصحُّ. (وَ) مَحلُّه أيضًا: إذا كان (بِلَا لَفْظِ صُلْحٍ)، فإن وقَع بلفظه؛ لم يصحَّ؛ لأنَّه صالحَ عن بعضِ مالِه ببعضٍ، فهو هضمٌ للحقِّ.

стр. 815

ومَحلُّه أيضًا: أن لا يَمنعه حقَّه بدونه، وإلّا بطَل؛ لأنَّه (١) أكلُ مالِ الغيرِ بالباطل. ومَحلُّه أيضًا: أن يَكون الإسقاطُ ممَّن يصحُّ تبرُّعه، فلا يصحُّ مِنْ مكاتَبٍ، وناظرِ وقفٍ، ووليِّ صغيرٍ ومجنونٍ؛ لأنَّه تبرُّعٌ، وهم لا يَملكونه، إلّا إن أَنكَر مَنْ عليه الحقُّ ولا بيِّنةَ؛ لأنَّ استِيفاءَ البعضِ عندَ العجزِ عن استِيفاء الكلِّ أَولى مِنْ تركِه. (وَإِنْ وَضَعَ) ربُّ دَينٍ (بَعْضَ) دَينٍ (حَالٍّ، وَأَجَّلَ بَاقِيَهُ؛ صَحَّ الوَضْعُ)؛ لأنَّه أَسقَط عن طِيبِ نفسِه، ولا مانعَ مِنْ صحَّته، و (لَا) يصحُّ (التَّأْجِيلُ)؛ لأنَّ الحالَّ لا يتأجَّلُ (٢). وكذا لو صالَحه عن مائةٍ صِحاحٍ بخمسين مكسَّرةٍ؛ فهو إبراءٌ مِنْ الخمسين، ووَعدٌ في الأُخرى، ما لم يقَع بلفظِ الصُّلح، فلا يصحُّ، كما تَقدَّم. (وَإِنْ صَالَحَ عَنْ مُؤَجَّلٍ بِبَعْضِهِ حَالًّا)؛ لم يصحَّ في غيرِ كتابةٍ؛ لأنَّه يَبذل القَدْرَ الذي يَحطُّه عِوَضًا عن تعجيلِ ما في ذمَّته، وهو لا يَجوز. (أَوْ عَكْسِهِ (٣))، بأنْ صالَح عن حالٍّ ببعضه مؤجَّلًا؛ لم يصحَّ إن كان بلفظِ الصُّلحِ (٤)، كما تقدَّم.

стр. 816

(أَوْ أَقَرَّ لَهُ (١) بِبَيْتٍ) ادَّعاه، (فَصَالَحَهُ عَلَى سُكْنَاهُ مُدَّةً) معيَّنةً، أو أبدًا، (أَوْ) صالَحه على (بِنَاءِ غُرْفَةٍ لَهُ فَوْقَهُ)، أو صالَحه على بعضه؛ لم يصحَّ؛ لأنَّه صالَحه عن مِلكِه بمِلكه أو مَنفعتِه (٢). وإن فعَل ذلك كان متبرِّعًا؛ متى شاء أَخرَجه. وإن فعَله على سبيلِ المصالحةِ معتقدًا وجوبَه عليه بالصُّلح؛ رجَع عليه بأجرةِ ما سكَن؛ لأنَّه أخَذه بعقدٍ فاسدٍ. (أَوْ صَالَحَ مُكَلَّفًا لِيُقِرَّ لَهُ بِعُبُودِيَّةٍ) أي: بأنَّه مَملوكُه؛ لم يصحَّ. (أَوْ) صالَح امرأةً لتُقِرَّ له (بِزَوْجِيَّةٍ) أي: بأنَّها زوجتُه (بِعِوَضٍ؛ لَمْ يَصِحَّ) الصُّلحُ؛ لأنَّ ذلك يُحِلُّ حرامًا. وإن بذَل المدَّعى رِقُّه أو زوجيَّتُه (٣) عِوَضًا لمدَّعٍ صلحًا عن دَعواه؛ جاز البذلُ دونَ الأخذِ. (وَ) إن قال: (أَقِرَّ لِي بِدَيْنِي وَأُعْطِيَكَ) منه (كَذَا)، ففعَل؛ (صَحَّ الإِقْرَارُ)؛ لأنَّه أَقرَّ بحقٍّ يَحرم عليه إنكارُه، (فَقَطْ) أي: دونَ الصُّلحِ، فلا يصحُّ؛ لأنَّه يَجب عليه الإقرارُ بما عليه مِنْ الحقِّ، فلَم يَحِلَّ له أخذُ العِوَضِ عليه، فإن (٤) أخَذ شيئًا؛ ردَّه.

стр. 817

وأشارَ إلى القِسمِ الثاني، وهو صلحُ الإنكارِ بقوله: (وَإِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ، فَسَكَتَ) المدَّعى عليه، (أَوْ أَنْكَرَ، وَهُوَ) أي: والحالُ أنَّ المدَّعى عليه (يَجْهَلُهُ) أي: يَجهل ما ادُّعي به عليه، (فَصَالَحَهُ) عنه بمالٍ حالٍّ أو مؤجَّلٍ؛ (صَحَّ) الصُّلحُ؛ لعمومِ قولِه ﷺ : «الصُّلحُ جائزٌ بينَ المسلمين، إلَّا صلحًا حرَّمَ حلالًا، أو أَحلَّ حرامًا» رَواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وصحَّحه الحاكمُ (١). ومَن ادُّعِيَ عليه بوديعةٍ، أو تفريطٍ فيها، أو قرضٍ، فأَنكَر، وصالَح على مالٍ؛ فهو جائزٌ (٢)، ذكَره في «الشَّرح» وغيرِه (٣). وصُلحُ الإنكارِ في حقِّ مدَّعٍ: بيعٌ، يُردُّ بعيبٍ فيما أخَذه، ويُفسخ الصُّلحُ، ويُؤخذ منه بشُفعةٍ (٤) إن كان العِوَضُ مشفوعًا (٥). وفي حقِّ منكِرٍ: إبراءٌ؛ لأنَّه افتَدَى بيَمينه (٦)، فلا ردَّ له ولا شُفعةَ (٧).

стр. 818

بخلافِ صلحِ الإقرار؛ فإنَّ الاعتياضَ عن المُقَرِّ به بيعٌ في حقِّهما. (وَمَنْ كَذَبَ مِنْهُمَا) في دَعواه أو إنكارِه، وعَلِم بكذبِ نفسِه؛ (لَمْ يَصِحَّ) الصُّلحُ (فِي حَقِّهِ بَاطِنًا (١))؛ لأنَّه عالمٌ بالحقِّ، قادرٌ على إيصالِه لمستحِقِّه، (وَمَا أَخَذَ) هُ (٢) مِنْ العِوَضِ (حَرَامٌ) عليه؛ لأنَّه أكلٌ للمالِ بالباطل. (وَلَا يَصِحُّ) الصُّلحُ (بِعِوَضٍ عَنْ حَدِّ) سرقةٍ وقذفٍ وغيرِهما؛ لأنَّه ليس بمالٍ، ولا يَؤُول إليه. (أَوْ) عن حقِّ (شُفْعَةٍ)؛ لأنَّها شُرِعَت إزالةً لضررِ الشَّركةِ، فلا يُعتاض عنها. (أَوْ) أي: ولا يصح الصلحُ (٣) عن (تَرْكِ شَهَادَةٍ) بحقٍّ أو باطلٍ. (أَوْ) عن حقِّ (خِيَارٍ)؛ لأنَّه شُرعَ للنَّظر (٤) في أَحظِّ الأمرَين، لا لاستفادةِ مالٍ.

стр. 819

ويَسقط حدٌّ وشُفعةٌ وخيارٌ صولِح (١) عنها. (وَإِنْ حَصَلَ غُصْنُ شَجَرَتِهِ فِي هَوَاءِ جَارِهِ) المختصِّ به أو المشترَكِ، (أَوْ) حصَل (عِرْقُهَا) أي: الشجرةِ (فِي أَرْضِهِ) أي: أرضِ جارِه؛ (أَزَالَهُ) مالكُه وجوبًا، إمَّا بقَطعه (٢)، أو لَيِّه إلى ناحيةٍ أُخرى. (فَإِنْ أَبَى) مالكُ الغُصنِ أو العِرقِ إزالتَه؛ (لَوَاهُ) أي: الغصنَ (الجَارُ) المالكُ للهواءِ (إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا) يُمكنْ لَيُّه؛ (قَطَعَهُ) الجارُ؛ لوجوبِ إخلاءِ مِلكِه، ولا يَفتقر إلى حاكمٍ. ولا يُجبَر المالكُ على الإزالةِ؛ لأنَّه ليس مِنْ فعلِه. وإن قطَعه مالكُ الهواءِ مع إمكانِ لَيِّه؛ ضَمِنَه. (وَيَجُوزُ فِي دَرْبٍ نَافِذٍ فَتْحُ بَابٍ لِاسْتِطْرَاقٍ)؛ لأنَّه لم يَتعيَّن له مالكٌ، ولا ضررَ فيه على المجتازِين. و (لَا) يَجوز فيه (إِخْرَاجُ نَحْوِ رَوْشَنٍ) على أطرافِ خشبٍ أو حجرٍ مدفونٍ في الحائط، ولا إخراجُ ساباطٍ، وهو المُستوفي للطريقِ كلِّه على جِدارَين، (وَ) لا إخراجُ (مِيزَابٍ) ولو لم يَضرَّ بالمارَّة، (بِلَا إِذْنِ إِمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ)، بلا ضررٍ؛ لأنَّه نائبُ المسلمين، فجرَى مَجرَى إذنِهم. (وَلَا) إخراجُ (دَكَّةٍ)، وهي بناءٌ يُجلس عليه في الطَّريق، (وَ) لا إخراجُ (دُكَّانٍ)، وهو الحانوتُ، بلا إذنِ إمامٍ أو نائبِه، بلا ضررٍ. (وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ) أي: ما ذُكِر (فِي مِلْكِ جَارِهِ، وَلَا) في (دَرْبٍ مُشْتَرَكٍ)

стр. 820

غيرِ نافذٍ، (بِلَا إِذْنِ أَهْلِهِ)، الجارِ أو أهلِ الدَّربِ؛ لأنَّ المنعَ لأجلِ المستحِقِّ، فإذا رَضي بذلك؛ جاز. (وَلَا) يَجوز لجارٍ (وَضْعُ خَشَبَةٍ عَلَى حَائِطِ جَارِهِ)، أو حائطٍ مشترَكٍ بلا إذنٍ، (إِلَّا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَسْقِيفٌ إِلَّا بِهِ) ولا ضررَ؛ (فَيَجُوزُ)؛ لحديثِ أَبي هريرةَ يَرفعه: «لا يَمنعنَّ جارٌ جارَه أن يَضعَ خَشَبَه على جِدارِه»، ثمَّ يَقول أبو هريرةَ: «ما لي أراكُم عنها (١) مُعرِضين؟! واللهِ لَأَرمِينَّ بها بينَ أكتافِكم» متَّفق عليه (٢). ويَجوز ما ذُكِر (وَلَوْ) كان الحائطُ (لِمَسْجِدٍ أَوْ يَتِيمٍ)، فلِجارِه وضعُ خَشبِه عليه إذا لم يُمكن تسقيفٌ إلّا به بلا ضررٍ. (وَإِذَا انْهَدَمَ) بناءٌ (مُشْتَرَكٌ، أَوْ خِيفَ ضَرَرُهُ) بسقوطه، (فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُعَمِّرَ) شريكُه (الآخَرُ مَعَهُ؛ أُجْبِرَ) عليه إن امتَنَع؛ دفعًا لضررِه؛ لحديثِ: «لا ضررَ ولا ضِرارَ» (٣). فإن أَبى؛ أخَذ حاكمٌ مِنْ مالِه، أو باعَ عَرْضَه، أو اقتَرَض عليه، وأَنفَق.

стр. 821

(بَابُ الحَجْرِ) وهو في اللُّغة: التَّضييقُ والمنعُ، ومنه سُمِّي الحرامُ حِجرًا. وشرعًا: منعُ إنسانٍ مِنْ تصرُّفه في مالِه. وهو ضَربان: حَجرٌ لحقِّ الغير؛ كعَلى مُفلِسٍ، ولحقِّ نفسِه؛ كعَلى صغيرٍ ونحوِه. (مَنْ عَجَزَ عَنْ وَفَاءِ شَيْءٍ مِنْ دَيْنِهِ (١))، بأنْ لم يَقدِر على شيءٍ أصلًا؛ (حَرُمَ طَلَبُهُ وَحَبْسُهُ) ومُلازَمتُه؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. فإن ادَّعى العُسرةَ، ودَينه عن عِوَضٍ؛ كثَمنٍ وقرضٍ، أو لا، وعُرف له مالٌ سابقٌ الغالبُ بقاؤُه، أو كان أَقرَّ أنَّه مَليءٌ؛ حُبِس إن لم يُقِم بيِّنةً تَخبُر (٢) باطنَ حالِه، وتُسمع قبلَ حبسٍ وبعدَه، وإلّا (٣) حلَف وخُلِّي سبيلُه. (وَمَنْ مَالُهُ قَدْرُ دَيْنِهِ، أَوْ) مالُه (أَكْثَرُ) مِنْ دَينه؛ (لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ)؛ لعدمِ الحاجةِ إلى الحجرِ عليه، (وَأُمِرَ) بالبناء للمفعول، أي: وجَب على الحاكم أَمرُه (بِوَفَائِهِ) بطلبِ غَريمِه؛ لحديثِ: «مَطْلُ الغَنيِّ ظُلمٌ» (٤).

стр. 822

ولا يَترخَّص مَنْ سافرَ قبلَه (١). ولغريمِ مَنْ أرادَ سفرًا منعُه مِنْ غيرِ جهادٍ متعيِّنٍ، حتى يُوثِّقَ برَهنٍ يُحرَز، أو كفيلٍ مَليءٍ (٢). (فَإِنْ أَبَى) قادرٌ وفاءَ (٣) دَينٍ حالٍّ؛ (حُبِسَ بِطَلَبِ رَبِّهِ) ذلك؛ لحديثِ: «لَيُّ الواجدِ ظلمٌ، يُحِلُّ عِرضَه وعُقوبتَه» رَواه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وغيرُهما، قال الإمامُ: قال وكيعٌ: عِرضُه: شَكواه، وعقوبتُه: حَبسُه (٤). فإن أَبى عَزَّره مرَّةً بعدَ أُخرى، (فَإِنْ أَصَرَّ) على الامتناعِ مِنْ قضاءِ دَينِه، وبَيعِ مالِه؛ (بَاعَهُ حَاكِمٌ وَقَضَاهُ)؛ لقيامِه مقامَه، ودفعًا لضررِ ربِّ الدَّينِ بالتأخير. (وَلَا يُطَالَبُ) مَدينٌ (بِ) دَينٍ (مُؤَجَّلٍ)؛ لأنَّه لا يَلزمه أداؤُه قبلَ حلولِه، ولا يُحجر عليه مِنْ أجله. (وَمَنْ) أي: أيُّ مَدينٍ (مَالُهُ لَا يَفِي بِحَالِّ دَيْنِهِ) أي: بدَينِه الحالِّ؛ (حُجِرَ) بالبناء للمفعول، أي: حجَر الحاكمُ وجوبًا (عَلَيْهِ بِسُؤَالِ) كلِّ أو (بَعْضِ غُرَمَائِهِ)؛

стр. 823

لحديثِ كعبِ بنِ مالكٍ: «أنَّ رسولَ الله ﷺ حجَر على معاذٍ، وباعَ مالَه» رَواه الخلَّالُ بإسناده (١). (وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ) أي: حَجْرِ الفَلَسِ، وكذا السَّفهُ؛ ليَعلمَ النَّاسُ بحالِه فلا يُعاملوه إلّا على بصيرةٍ. ثمَّ (٢) اعلَم أنَّه يَتعلَّق بحَجره أحكامٌ: أَحدُها: المنعُ مِنْ التصرُّف في مالِه، وإلى هذا أشارَ بقوله: (فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ) أي: المحجورِ عليه لفَلَسٍ (فِيهِ) أي: في مالِه الموجودِ والحادثِ بإرثٍ وغيرِه، (بَعْدَهُ) أي: بعدَ الحجرِ عليه بغيرِ وصيَّةٍ أو تدبيرٍ، (وَلَا إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ) أي: على مالِه؛ لأنَّه محجورٌ عليه. وأمَّا تصرُّفُه في مالِه قبلَ الحجرِ عليه فصحيحٌ؛ لأنَّه رشيدٌ غيرُ محجورٍ عليه (٣)، لكنْ يَحرم عليه الإضرارُ بغَريمه. (وَ) الثاني: أنَّ (مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَا بَاعَهُ) للمُفلِسِ (أَوْ أَقْرَضَهُ لَهُ، وَنَحْوِهِ)، كما لو وجَد عينَ ما أَعطاه له رأسَ مالِ سَلمٍ، (وَلَوْ) كان بيعُه أو قرضُه (٤) له ونحوُه (بَعْدَ حَجْرِهِ) حالَ كَونِ المعامِلِ للمُفلِسِ (جَاهِلًا بِهِ) أي: بالحجر عليه؛ (رَجَعَ بِهِ (٥)) أي: بعينِ مالِه حيثُ كان باقيًا بحالِه، ولم يَأخذ مِنْ ثَمنه شيئًا؛ لقولِه

стр. 824

ﷺ : «مَنْ أَدرَك مَتاعَه عندَ إنسانٍ أَفلَس؛ فهو أَحقُّ به» متَّفق عليه مِنْ حديثِ أَبي هريرةَ (١). ويصحُّ رجوعُه بقولٍ، ك: رَجعتُ في مَتاعي، أو أَخذتُه، ونحوِه، ولو متراخيًا بلا حاكمٍ. وعُلِم مِنْ كلامه: أنَّ مَنْ عامَله بعدَ الحجرِ عالمًا به؛ فلا رجوعَ له؛ لدخوله على بصيرةٍ، ويُتبع ببدلِها (٢) بعدَ فكِّ الحجرِ عنه. (وَإِنْ تَصَرَّفَ) محجورٌ عليه لفَلَسٍ (فِي ذِمَّتِهِ) كأنِ اشتَرى شيئًا بثمنٍ في الذِّمَّة، أو تَزوَّج امرأةً بصَداقٍ في الذِّمَّة، (أَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ)؛ صحَّ، و (طُولِبَ) المحجورُ عليه (بِهِ) أي: بما لَزِمه في ذمَّته بعدَ الحجرِ عليه، (بَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ)، فلا يُشارِك الغُرَماءَ. (وَ) الثالثُ: أنَّه (يَبِيعُ حَاكِمٌ مَالَهُ) أي: مالَ المفلِسِ الذي ليس مِنْ جنسِ الدَّينِ بثَمنِ مِثلِه أو أكثرَ، (وَيَقْسِمُهُ) أي: ثَمنَ ما باعَه بينَ الغُرَماءِ فورًا (بِالمُحَاصَّةِ) أي: بقَدْرِ الدُّيونِ. وطريقُ المحاصَّةِ: أن تَجمَع الدُّيونَ، وتَنسُب (٣) إليها مالَ المفلِسِ،

стр. 825

وتُعطيَ (١) كلَّ غريمٍ مِنْ دَينه بتلك النِّسبةِ. فلَو كان مالُ المفلِسِ ألفًا، وعليه لزيدٍ ألفٌ وأربعُمائةٍ، ولعمرٍو ستُّمائةٍ، فمجموعُ الدَّين ألفان، ونسبةُ مالِ المفلِسِ إليهما (٢) نصفٌ، فلزيدٍ نصفُ دَينِه سبعُمائةٍ، ولعمرٍو نصفُ دَينِه ثلاثُمائةٍ، وعلى هذا فقِس، فإنَّه ينفعك هنا وفي الوصيَّة وغيرِها. (وَلَا يَحِلُّ) دَينٌ (مُؤَجَّلٌ) على مفلِسٍ (بِحَجْرٍ) عليه؛ لأنَّ الأجلَ حقٌّ للمفلِسِ، فلا يَسقط بحَجره؛ كسائرِ حقوقِه. (وَلَا) يَحِلُّ مؤجَّلٌ أيضًا ب (مَوْتِ) مَدينٍ (إِنْ وُثِّقَ) بالبناء للمفعول، وتشديدِ الثاء المثلَّثةِ، أي: إن حَفِظ الورثةُ الدَّينَ (بِرَهْنٍ) يُحرَز (أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ)، بأقلِّ الأمرَين مِنْ قيمةِ التَّرِكَةِ أو الدَّينِ؛ لأنَّ الأجلَ حقٌّ للميتِ، فوُرِث عنه كسائرِ حقوقِه. فإن لم يُوثِّقوا؛ حَلَّ الدَّينُ؛ لغلبةِ الضَّررِ. (وَإِنْ ظَهَرَ غَرِيمٌ) للمفلِسِ (بَعْدَ قِسْمَةِ) الحاكمِ مالَ المفلِسِ؛ لم تُنقض القسمةُ، و (رَجَعَ عَلَى الغُرَمَاءِ بِقِسْطِهِ (٣))؛ لأنَّه لو كان حاضرًا؛ شارَكهم، فكذلك إذا ظهَر، ففي المثال: لو (٤) ظهَر غريمٌ ثالثٌ دَينُه خمسُمائةٍ، كانت نسبةُ مالِ المفلِسِ إلى جملةِ الدَّينِ: خُمُسَيْنِ، فلكلِّ غريمٍ خُمُسَا دَينِه، فلهذا الثالثِ مِائتان، وهُما خُمسُ الألفِ الذي هو مالُ المفلِسِ، فيَرجع على كلٍّ مِنْ الغَريمَين الأوَّلَين

стр. 826

بخُمسِ ما في يَده، فيَأخذ مِنْ زيدٍ مائةً وأربعين، ومِن عمرٍو ستِّين. (وَلَا يَنْفَكُّ حَجْرُهُ) أي: المفلِسِ (إِلَّا بِوَفَائِهِ) لدَينِه، فيَنفكُّ لزوالِ المعنى الذي شُرِع له الحَجرُ، والحكمُ يَدور مع علَّتِه (١). (أَوْ حُكْمِ حَاكِمٍ)، فيَنفكُّ بحُكمِه، ولو مع بقاءِ بعضِ الدَّينِ؛ لأنَّ حُكمَه بفكِّه مع بقاءِ بعضِ الدَّينِ لا يَكون إلّا بعدَ البحثِ عن فراغِ مالِه، والنَّظرِ في الأصلحِ مِنْ بقاءِ الحَجرِ وفكِّه (٢). (وَيُجْبَرُ) بالبناء للمفعول، أي: يَلزم الحاكمَ إجبارُ مفلِسٍ له كسبٌ (عَلَى تَكَسُّبٍ)، ولو بإيجارِ نفسِه فيما يَليق به؛ (لِوَفَاءِ بَقِيَّتِهِ) أي: باقي الدَّينِ بعدَ قسمةِ ما وُجد مِنْ مالِه. (فصل) في المحجور عليه لحظّه (مَنْ دَفَعَ مَالَهُ) بعقدٍ كبيعٍ، أو لا كعاريَّةٍ، (لِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِحَظِّهِ؛ كَصَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَسَفِيهٍ؛ رَجَعَ) الدافعُ (بِهِ) أي: بما دفَعه (إِنْ بَقِيَ) المدفوعُ؛ لبقاءِ مِلكِه عليه. (وَإِنْ أَتْلَفُوهُ) أي: أَتلَف الصَّغيرُ والمجنونُ والسَّفيهُ ما دُفِع إليهم؛ (فَلَا ضَمَانَ) عليهم، بل يَضيع على الدَّافع؛ لتسليطِه إيَّاهم عليه. (وَ) يَجب (عَلَيْهِمْ) أي: الصَّغيرِ والمجنونِ والسَّفيهِ (أَرْشُ مَا جَنَوْهُ) على نفسٍ أو طرَفٍ؛ لأنَّه لا تفريطَ مِنْ المَجنيِّ عليه.

стр. 827

(وَ) يَجب عليهم أيضًا (ضَمَانُ مَا) أي: شيءٍ (لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِمْ) مِنْ المال دفعًا معتبرًا، بأنْ أَخذوه مِنْ غيرِ دفعٍ، أو دفَعه لهم (١) نحوُ صغيرٍ، فيَكون مضمونًا، كما في «مُغني ذَوِي الأفهامِ» (٢)، وذلك لأنَّه إتلافٌ، فاستَوى فيه المكلَّفُ وغيرُه. (وَإِذَا تَمَّ لِصَغِيرٍ (٣)) ذكَرًا كان أو أُنثى أو خُنثى (٤) (خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً)؛ فقَد بلَغ، (أَوْ أَنْزَلَ) الصَّغيرُ، أي: أَمنَى؛ فقد بلَغ، (أَوْ نَبَتَ حَوْلَ قُبُلِهِ شَعَرٌ خَشِنٌ) أي: يَستحقُّ أَخْذَه بالمُوسى، لا زَغَبٌ ضعيفٌ؛ فقد بلَغ، (أَوْ (٥) حَاضَتْ أُنْثَى؛ فَقَدْ بَلَغَ) تْ، وكذا لو حاضَ خُنثى. (وَلَا يُعْطَى) بالبناء للمفعول، مَنْ بلَغ (مَالَهُ حَتَّى (٦) يُؤْنَسَ) أي: يُعلَم (رُشْدُهُ، وَهُوَ) أي: الرُّشدُ: (صَلَاحُ) أي: إصلاحُ (الْمَالِ)؛ لقولِ ابنِ عباسٍ ﵄ في قوله تَعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾: «أي (٧): إصلاحًا في أموالهم» (٨). فعَلى هذا: يُدفع مالُه إليه ولو مفسِدًا لدِينِه. ويُعلم رشدُه (بِأَنْ) يَتصرَّف مِرارًا، و (لَا (٩) يُغْبَنَ غَالِبًا) غَبنًا فاحشًا (فِي

стр. 828

تَصَرُّفِهِ، وَلَا يَبْذُلَ مَالَهُ فِي حَرَامٍ)؛ كخَمرٍ وآلاتِ لهوٍ، (أَوْ) في (مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ)؛ كحَرْقِ نَفطٍ يشترِيه للتفرُّجِ عليه (١)؛ لأنَّ مَنْ صرَف مالَه في ذلك عُدَّ سفيهًا. (وَيُخْتَبَرُ) الصَّغيرُ (قَبْلَ بُلُوغِهِ بِ) تَصرُّفٍ (لَائِقٍ بِهِ (٢))، ويَختلف ذلك باختلافِ النَّاسِ، فيُختبر ولدُ تاجرٍ ببيعٍ وشراءٍ، وولدُ رئيسٍ وكاتبٍ باستِيفاءٍ على وَكيلِه، ومحاسبةٍ (٣) له، وأُنثى باشتراءِ قُطنٍ واستِجادتِه، ودفعِ أُجرتِه للغزَّالاتِ، واستِيفاءٍ عليهنَّ. (فَإِذَا عُلِمَ رُشْدُهُ وَبُلُوغُهُ؛ دُفِعَ) بالبناء للمفعول، أي: وجَب على الوليِّ أن يَدفَعَ (٤) (إِلَيْهِ مَالَهُ بِلَا قَضَاءٍ) أي: بلا حُكمِ حاكمٍ بفكِّ الحَجرِ عنه؛ لأنَّ الحَجرَ على الصَّغير لا يَحتاج إلى حكمٍ، فيَزول بدُونه. و (لَا) يُدفع مالُ مَنْ بلَغ إليه (قَبْلَهُ) أي: قبلَ الرُّشدِ (بِحَالٍ)، ولو صارَ شيخًا. وكذا مجنونٌ أفاقَ بالغًا رشيدًا، فيَنفكُّ عنه الحَجرُ، ويُدفع إليه مالُه، وإلّا فلا. (وَوَلِيُّهُمْ) أي: الصَّغيرِ والمجنونِ، ومَن بلَغ سفيهًا واستمرَّ (حَالَ الحَجْرِ) عليهم: (أَبٌ) بالغٌ رشيدٌ؛ لكمالِ شفقتِه.

стр. 829

(ثُمَّ) وليُّهم بعدَ أبٍ: (وَصِيُّهُ)؛ لأنَّه نائبُه، أَشبَه وَكيلَه في الحياة (١)، ولو بجُعلٍ (٢) مع وجودِ (٣) متبرِّعٍ. (ثُمَّ) وليُّهم بعدَ أبٍ ووصيِّه: (حَاكِمٌ)؛ لأنَّه وليُّ مَنْ لا وليَّ له. فإن عُدِم حاكمٌ أهلٌ؛ فأمينٌ يَقوم مقامَه. قال الإمامُ ﵁: أمَّا حكَّامُنا اليومَ فلا أَرى أن يُتقدَّم إلى أحدٍ منهم، ولا يُدفعَ إليه شيءٌ (٤). ومَن فُكَّ عنه الحَجرُ فَسَفُهَ؛ أُعِيد الحَجرُ عليه (٥)، ولا يَنظر في ماله إلّا الحاكمُ؛ كمَن جُنَّ بعدَ بلوغٍ ورشدٍ. (وَلَا يَتَصَرَّفُ) الوليُّ (لَهُمْ إِلَّا بِالأَحَظِّ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، والمجنونُ والسَّفيهُ في معناه. ويَتَّجِر وليُّ المحجورِ عليه له (٦) مجَّانًا بلا أخذِ شيءٍ مِنْ الرِّبح. (وَلَهُ) أي: للوليِّ (دَفْعُ مَالِهِ) أي: المحجورِ عليه لمَن يَتَّجِر فيه (مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ) معلومٍ (مِنْ رِبْحِهِ (٧)) للعاملِ؛ لأنَّ «عائشةَ أَبضَعَت (٨) مالَ محمَّدِ بنِ

стр. 830

أَبي بكرٍ ﵃» (١). (وَيَأْكُلُ) وليٌّ (فَقِيرٌ مِنْ مَالِ مَوْلِيِّهِ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، (الأَقَلَّ مِنْ كِفَايَتِهِ أَوْ أُجْرَتِهِ) أي: أُجرةِ (٢) عملِه، فإذا كانت كفايتُه أربعةَ دراهمَ، وأُجرةُ عملِه ثلاثةً، أو بالعكس؛ لم يَأكل إلّا ثلاثةً؛ لأنَّه يَأكل بالحاجة والعملِ جميعًا، فلا يَأخذ إلّا ما وُجِدَا فيه (٣). (مَجَّانًا)، فلا يَلزمه عِوَضُه إذا أَيسَر؛ لأنَّه عِوَضٌ عن عمله، فهو فيه كالأَجيرِ والمضارِبِ. (وَمَعَ غِنَاهُ) أي: الوليِّ؛ يَأكل مِنْ مالِ مَولِيِّه (مَا فَرَضَهُ) أي: قدَّرَه له (حَاكِمٌ). وعُلِم منه: أنَّ للحاكمِ فَرْضَه، لكن لمَصلحةٍ، فإن لم يَفرض له شيئًا؛ لم (٤) يَأكل منه؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾. (وَيُقْبَلُ قَوْلُ وَلِيٍّ) بيَمينه، وحاكمٍ بلا يمينٍ، (بَعْدَ رُشْدِهِ) أي: المحجورِ عليه (فِي قَدْرِ نَفَقَةٍ (٥) بِلَائِقٍ) أي: بموافِقٍ للعادةِ والعرفِ؛ كأنْ قال الوليُّ: أَنفَقتُ عليكَ ألفًا في كلِّ سَنةٍ، فقال مَنْ انفَكَّ حَجرُه: بل خمسَمائةٍ، فقولُ وليٍّ ما لم (٦)

стр. 831

يُخالِف عادةً وعرفًا. ولا يُقبل قولُ وليٍّ في قَدْرِ زمنِ إنفاقٍ، بأنْ قال الوليُّ: أَنفقتُ عليكَ مُنذ سنتَين، فقال مَنْ انفَكَّ حَجرُه: بل مُنذ سنةٍ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ ما يَدَّعيه الوليُّ، فلا يُقبل إلّا ببيِّنةٍ (١). (وَ) يُقبل قولُ الوليِّ أيضًا في دَعوى (٢) (تَلَفِ) مالِ المحجورِ عليه، وعَدمِ تفريطٍ، (وَ) في وجود (٣) (غِبْطَةٍ) أي: مصلحةٍ (أَوْ) وجودِ (ضَرُورَةٍ لِبَيْعِ عَقَارٍ)؛ لأنَّه أمينٌ. (وَكَذَا) يُقبل قولُ وليٍّ أيضًا (فِي دَفْعِ) مالِ مَنْ انفَكَّ حَجرُه (إِلَيْهِ إِنْ تَبَرَّعَ) الوليُّ؛ لأنَّه قبَض المالَ لمَصلحةِ المحجورِ عليه فقط، أَشبَه الوديعَ. ويَحلف في ذلك كلِّه (٤) غيرُ حاكمٍ، كما تَقدَّم. فإن كان الوليُّ بجُعلٍ؛ لم يُقبل قولُه في دفعِ المالِ؛ لأنَّه قبَضه لنفعِه؛ كالمرتهِن والمُستعيرِ. (وَمَا اسْتَدَانَ) هـ (عَبْدٌ) مِنْ نحوِ اقتراضٍ وشراءٍ بثمنٍ في الذِّمَّة (بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ فَعَلَيْهِ) أي: على السَّيِّد أداؤُه. (وَإِلَّا) يَكُنْ استَدانَ بإذنِ سيِّدِه (٥)؛ (فَ) ما استَدانَه (فِي رَقَبَتِهِ)، يُخيَّر

стр. 832

السَّيِّدُ بينَ بيعِه وفِدائِه بالأقلِّ مِنْ قيمته أو دَينِه، ولو أَعتَقه، وإن كانت العينُ باقيةً؛ رُدَّت لربِّها؛ (كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ) أي: العبدِ، (وَقِيمَةِ مُتْلَفِهِ) بضمِّ الميمِ وفتحِ اللامِ، أي: ما أَتلَفه العبدُ، فيَتعلَّق ذلك برَقبتِه، ويُخيَّر فيه (١) سيِّدُه (٢) كما تَقدَّم. هذا إذا ثبَت ذلك ببيِّنةٍ أو إقرارِ السَّيِّدِ، فأمَّا إذا لم يَثبت إلّا باعترافِ العبدِ؛ فيَتعلَّق بذمَّةِ العبدِ، يُتبع به بعدَ عتقِه، فتَلخَّص أنَّ دَينَ العبدِ على ثلاثةِ أقسامٍ (٣). (وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) أي: العبدِ (بِلَا إِذْنِ سَيِّدِهِ)؛ لأنَّه محجورٌ عليه لحقِّ السَّيِّدِ، (فَإِنْ أَذِنَ) له السَّيِّدُ؛ (صَحَّ) تصرُّفُه (وَلَوْ) كان العبدُ (مُمَيِّزًا) كالكبير.

стр. 833

(بَابُ الوَكَالَةِ) بفتحِ الواوِ وكسرِها، وهي لغةً: التَّفويضُ، تَقول: وَكَلتُ أَمري إلى الله، أي: فوَّضتُه إليه. واصطلاحًا: استِنابةُ جائزِ التصرُّفِ مِثلَه فيما تَدخله النِّيابةُ. (تَصِحُّ (١)) الوكالةُ (بِكُلِّ قَوْلٍ دَلَّ عَلَى إِذْنٍ)، ك: افْعَل كذا، أو: أَذِنتُ (٢) لك في فعلِه. وتصحُّ مؤقَّتةً، ومعلَّقةً بشرطٍ؛ كوصيَّةٍ، وإباحةِ أكلٍ، وولايةِ قضاءٍ وإمارةٍ. (وَ) يصحُّ (قَبُولُ) وَكِيلٍ (بِ) كُلِّ (٣) (قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ دَالٍّ عَلَيْهِ) أي: على القَبولِ، (فَوْرًا وَمُتَرَاخِيًا)، كأنْ يُوكِّله في بيعِ شيءٍ، فيَقبلَ الوكالةَ في الحالِ، أو بعدَ سَنةٍ، أو يَبلُغَه أنَّه وكَّله بعدَ شهرٍ، فيَبيعَ مِنْ غيرِ قَبولٍ لفظيٍّ؛ (كَشَرِكَةٍ، وَمُسَاقَاةٍ)، ومُزارَعةٍ، فيصحُّ إيجابُها بكلِّ قولٍ دلَّ عليها، وقَبولُها بكلِّ قولٍ أو فعلٍ دلَّ عليه، فورًا ومتراخيًا (٤). (وَمَنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي شَيْءٍ) لنفسِه؛ (فَلَهُ التَّوْكِيلُ) فيه، (وَالتَّوَكُّلُ فِيهِ) أي: جاز له أن يَستنيب غيرَه، وأن يَنوب عن غيره؛ لانتفاءِ المَفسدةِ، والمرادُ فيما تَدخله النِّيابةُ (٥)، ويأتي.

стр. 834

ومَن لا يصحُّ تصرُّفُه بنفسه؛ فبِنائبه أَولى، فلَو وكَّله في بيعِ ما سيَملِكه، أو طلاقِ مَنْ يَتزوَّجها؛ لم يصحَّ. ويصحُّ توكيلُ امرأةٍ في طلاقِ نفسِها وغيرِها، وأن يَتوكَّل واجدُ الطَّولِ في قَبولِ نكاحِ أَمةٍ لمَن (١) تُباح له، وغنيٌّ (٢) لفقيرٍ في قَبولِ زكاةٍ، وفي قَبولِ نكاحِ أختِه ونحوِها لأجنبيٍّ. (وَتَصِحُّ) الوكالةُ (فِي كُلِّ حَقِّ آدَمِيٍّ مِنْ عَقْدِ) بيعٍ وغيرِه؛ «لأنَّه ﵊ وكَّل عُروةَ بنَ الجَعْدِ في الشِّراءِ» (٣)، وسائرُ العقودِ؛ كالإجارة والقرضِ والمضارَبةِ والإبراءِ؛ في معناه. (وَفَسْخٍ) كخُلعٍ، وإقالةٍ، (وَعِتْقٍ، وَطَلَاقٍ)؛ لأنَّه يَجوز التَّوكيلُ في الإنشاء، فجازَ في الإزالة بطريقِ الأَولى، (وَرَجْعَةٍ وَإِقْرَارٍ (٤) وَنَحْوِهِ)، كتملُّكِ مباحٍ، كصيدٍ وحشيشٍ. (دُونَ ظِهَارٍ) فلا تصحُّ الوكالةُ فيه؛ لأنَّه قولٌ منكَرٌ وزُورٌ، (وَلِعَانٍ، وَيَمِينٍ)، ونَذرٍ، وقَسامةٍ، وقَسْمٍ بينَ زوجاتٍ (٥)، وشهادةٍ، ورَضاعٍ، والْتِقاطٍ، واغتِنامٍ، وغصبٍ، وجنايةٍ، فلا تدخلها نيابةٌ. (وَتَصِحُّ) الوكالةُ (أَيْضًا فِي إِخْرَاجِ زَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ، وَ) إخراجِ (نَذْرٍ)؛

стр. 835

«لأنَّه ﷺ كان يَبعث عُمَّالَه لقبضِ الصَّدقاتِ وتفريقِها» (١). (وَ) تصحُّ في (إِقَامَةِ حَدٍّ وَإِثْبَاتِهِ)؛ لقولِه ﷺ : «واغْدُ يا أُنيسُ إلى امرأةِ هذا، فإن اعتَرَفَت فَارْجُمْها»، فاعتَرَفَت، فأمَر بها فرُجِمَت. متَّفق عليه (٢). (وَ) تصحُّ (فِي حَجٍّ وَعُمْرَةٍ (٣)) في فرضٍ (مَعَ عَجْزِ) مُستنيبٍ، وفي نفلٍ مطلقًا. لا في عبادةٍ بدنيَّةٍ مَحضةٍ (٤)؛ كصلاةٍ، وصومٍ، وطهارةِ حدثٍ. (وَلِوَكِيلٍ أَنْ يُوَكِّلَ) غيرَه (فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ مَعَ عَجْزِ) وكيلٍ (عَنْهُ) أي: عن فعلِ ما وُكِّل فيه. (وَ) لوكيلٍ أن يوكِّل (٥) (إِذَا لَمْ يَتَوَلَّهُ) أي: الشَّيءَ الذي وكِّل فيه (مِثْلُهُ) أي: مِثلُ الوكيلِ عادةً. (أَوْ) أي: ويَجوز أن يُوكِّل وكيلٌ مطلقًا (بِإِذْنِ مُوَكِّلٍ (٦)) له في التَّوكيلِ، أو يَقول له: اصنَع ما شئتَ، ونحوَه.

стр. 836

(فَقَطْ) أي: ليس للوكيلِ أن يُوكِّل في غيرِ الصُّورِ الثلاثِ. (وَ) الوكالةُ عقدٌ جائزٌ (تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) أي: الوكيلِ والموكِّلِ، (وَجُنُونِهِ) أي: جُنونِ أَحدِهما المطبِقِ، (وَ) تنفسخُ أيضًا (بِعَزْلِهِ) أي: بعزلِ الموكِّلِ الوكيلَ (١)، ولو قبلَ علمِه (٢). ولو باع أو تَصرَّف، فادَّعى أنَّه عزَله قبلَه؛ لم يُقبل إلّا ببيِّنةٍ. (وَمَنْ وُكِّلَ فِي بَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِ (٣))، كشراءٍ؛ (لَمْ يَبِعْ) وكيلٌ، ولم يَشتر (مِنْ نَفْسِهِ)؛ لأنَّ العرفَ في البيع بيعُه مِنْ غيره، فحُمِلَت الوكالةُ عليه، ولأنَّه تَلحقه تُهمةٌ. (وَلَا مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ) أي: ولدِه وإن سفَل، وأصلِه وإن علَا، (أَوْ) مِنْ (زَوْجَتِهِ)، ومكاتَبِه، وسائرِ مَنْ لا تُقبل شهادتُه له؛ لأنَّه متَّهم في حقِّهم (٤). وكذا حاكمٌ وأمينُه، وناظرُ وقفٍ (٥)، ووصيٌّ، ومضارِبٌ، وشريكُ عِنانٍ ووجوهٍ.

стр. 837

(وَلَا) يَبيع (١) وكيلٌ (بِغَيْرِ نَقْدِ البَلَدِ، وَلَا بِعَرْضٍ (٢) أَوْ نَسَاءٍ) بالمدِّ، أي: مؤجَّلٍ؛ لأنَّ عقدَ الوكالةِ لا يَقتضيه، فإن كان في البلد نَقدان؛ باع بأَغلبِهما رَواجًا، فإن تَساويَا؛ خُيِّر. (وَإِنْ بَاعَ) وكيلٌ (بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلٍ) إن لم يُقدَّر ثَمنٌ، (أَوْ) باعَ (٣) بدونِ (مَا قَدَّرَ لَهُ) موكِّلٌ؛ (صَحَّ) البيعُ، (وَضَمِنَ) وكيلٌ (النَّقْصَ) عن ثَمنِ مِثلٍ أو مقدَّرٍ. (وَكَذَا إِنِ اشْتَرَى) وكيلٌ (بِأَزْيَدَ) مِنْ ثَمنِ مِثلٍ، أو ما قُدِّر له؛ صحَّ، وضَمِن الزيادةَ. ومِثلُ وكيلٍ: ناظرُ وقفٍ. (وَإِنِ اشْتَرَى) وكيلٌ (مَعِيبًا عَلِمَهُ) أي: عَلِم الوكيلُ العيبَ؛ (لَزِمَهُ) أي: الوكيلَ الشراءُ، وصار ما اشتَراه مِلكًا له، فليس له ردُّه؛ لدخولِه على بصيرةٍ، (إِنْ لَمْ يَرْضَ) به (مُوَكِّلُهُ)، فإن رَضِيه؛ كان له إن لم يَشتر بعينِ المالِ، وإلّا ففُضوليٌّ، فلا يصحُّ، كما في «الإقناع» (٤). (وَإِنْ جَهِلَهُ) أي: جَهِل الوكيلُ (٥) العيبَ؛ (فَلَهُ رَدُّهُ)؛ لأنَّه قائمٌ مقامَ الموكِّلِ، ما لم يَرضَ به موكِّلٌ قبلَ الرَّدِّ؛ لأنَّ الحقَّ له. (وَوَكِيلٌ) في (البَيْعِ: يُسَلِّمُهُ) أي: المَبيعَ، (وَلَا يَقْبِضُ) وكيلُ البيعِ (الثَّمَنَ) بغيرِ قرينةٍ تَدلُّ على قبضه؛ كتوكيله في بيعِ شيءٍ في سوقٍ غائبٍ عن

стр. 838

الموكِّل، فيَقبضه، فإن ترَكه فضاعَ؛ ضَمِنه، هذا المذهبُ عندَ الشَّيخَين (١)، وجزَم به صاحبُ «الإقناع» (٢). وقدَّم في «التَّنقيح»، وتَبِعه في «المنتهى»: لا يَقبضه (٣) إلّا بإذنٍ (٤). (إِنْ لَمْ يُفْضِ) تركُ قبضِ الثَّمنِ (إِلَى رِبًا)، فإن أَفضَى؛ كبيعِ رِبويٍّ بجنسه؛ لَزِمه قبضُه. (وَيُسَلِّمُ وَكِيلُ مُشْتَرٍ ثَمَنًا) حالًّا (٥)؛ لأنَّه مِنْ تتمَّتِه وحُقوقِه؛ كتسليمِ المَبيعِ، (فَإِنْ أَخَّرَهُ) أي: تسليمَ الثَّمنِ (بِلَا عُذْرٍ) وتَلِف الثَّمنُ؛ (ضَمِنَه)؛ لتَعدِّيه بالتأخيرِ. وليس لوكيلٍ في بيعٍ تقليبُه على مشترٍ إلّا بحضرته، وإلّا ضَمِن. (وَإِنْ وَكَّلَهُ (٦) فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ)؛ لم يصحَّ؛ لأنَّه يَدخل فيه كلُّ شيءٍ، مِنْ هبةِ مالِه، وطلاقِ نسائِه، وعتقِ رقيقِه، فيَعظم الغَررُ والضَّررُ. (أَوْ) وكَّله في (شِرَاءِ مَا شَاءَ) مِنْ الأعيان، (أَوْ عَيْنًا) بالنَّصب، عطفًا على مَحلِّ «ما شاءَ»، أي: أو وكَّله في شرائه (٧) عينًا (بِمَا شَاءَ) مِنْ الأثمان؛ (لَمْ يَصِحَّ)؛ لأنَّه يَكثر فيه الغَررُ (مَا لَمْ يُعَيِّنْ) له موكِّلٌ (نَوْعًا) يَشتريه، أو يَشتري به، (وَ) يُعيِّنْ له (قَدْرَ ثَمَنٍ).

стр. 839

وإن وكَّله في بيعِ مالِه كلِّه، أو ما شاء منه؛ صحَّ. قال في «الفروع»: وظاهرُ كلامِهم في: «بِع مِنْ مالي ما شئتَ»؛ له بيعُ كلِّ مالِه (١). (وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ فِي خُصُومَةٍ قَبْضُ) ما أَثبَته؛ لأنَّ الإذنَ لا يَتناوله عرفًا؛ إذْ قد يَرضى للخُصومةِ مَنْ لا يَرضاه للقبضِ، (بِخِلَافِ عَكْسِهِ)، بأنْ وكَّله في القبض، فلَه الخُصومةُ؛ لأنَّه لا يُتوصَّل إليه إلّا بها، فهو إذنٌ فيها عرفًا. قال المصنِّفُ: قلتُ: ومِثلُه مَنْ وُكِّلَ (٢) في قَسمِ شيءٍ، أو بيعِه، أو طلبِ شُفعةٍ، فيَملك بذلك إثباتَ ما وُكِّلَ فيه (٣). (وَ) إن قال موكِّلٌ لوكيلِه: (اقْبِضْ حَقِّي مِنْ زَيْدٍ)؛ ملَكه مِنْ وكيلِه؛ للعرفِ، و (لَا يَقْبِضُهُ مِنْ وَرَثَتِهِ) أي: ورثةِ زيدٍ. و (لَا) يَمتنع على وكيلٍ قبضٌ مِنْ وارثٍ (إِنْ قَالَ) موكِّلٌ لوكيلِه: اقبِض حقِّي (الذِي) عليه، أو (قِبَلَهُ)، بكسرِ القافِ وفتحِ الموحَّدةِ، والنَّصبِ على الظرفيَّة، أي: جِهتَه؛ فلَه القبضُ مِنْ المَدينِ ومِن وارثه. وإن قال: اقبِضه اليومَ؛ لم يَملكه غدًا. (وَيَضْمَنُ وَكِيلٌ) ولو مُودَعًا (فِي قَضَاءِ دَيْنٍ) إذا قَضَاه، وأَنكَر غريمٌ القضاءَ، وكان (بِغَيْرِ حُضُورِ مُوَكِّلٍ إِنْ لَمْ يُشْهِدْ) وكيلٌ على القضاء؛ لتفريطِه.

стр. 840

قال في «الإقناع» نقلًا (١) عن القاضي وغيرِه: سواءٌ صدَّقه الموكِّلُ أو كذَّبه، إلّا أن يَأذن له في القضاء بغيرِ إشهادٍ. انتهى ملخَّصًا (٢). فإن أَشهَد؛ لم يَضمن. و (لَا) يَضمن وكيلٌ (فِي إِيدَاعِ) شيءٍ لغيرِه إذا أَودَع ولم يُشهِد وأَنكَر المودَعُ؛ لعدمِ الفائدةِ في الإشهاد؛ لأنَّ المودَعَ يُقبَل قولُه في الرَّدِّ والتَّلفِ. (وَالوَكِيلُ أَمِينٌ، يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ)، مِنْ صُدورِ بيعٍ ونحوِه، وقبضِ ما له (٣) قبضُه، وفي قَدْرِ ثَمنٍ، ودفعِ ما قبَضه إلى موكِّله إن كان بلا جُعلٍ. (وَلَا يَضْمَنُ) وكيلٌ مطلقًا (٤) (مَا تَلِفَ بِيَدِهِ بِلَا) تعدٍّ ولا (تَفْرِيطٍ)؛ لأنَّه نائبُ المالكِ، فالهلاكُ في يَده كالهلاك في يَد المالكِ، فإن فرَّط أو تَعدَّى، أو طلَب منه المالَ فامتَنَع مِنْ دفعه لغيرِ عذرٍ؛ ضَمِن. (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أي: الوكيلِ (فِيهِ) أي: في التَّلفِ، وكذا في نفيِ تعدٍّ وتفريطٍ (بِيَمِينِهِ)؛ لأنَّ الأصلَ براءةُ ذمَّتِه، لكنْ إنِ ادَّعى التَّلفَ بأمرٍ ظاهرٍ؛ كحريقٍ عامٍّ، ونَهبِ جيشٍ؛ كُلِّف أن يُقيم البيِّنةَ عليه، ثمَّ يُقبل قولُه فيه. (وَمَنِ ادَّعَى وَكَالَةَ زَيْدٍ فِي قَبْضِ حَقِّهِ مِنْ عَمْرٍو) بلا بيِّنةٍ؛ (لَمْ يَلْزَمْ) عَمرًا (دَفْعُهُ إِلَيْهِ مَعَ تَصْدِيقِ) عمرٍو لمدَّعي الوكالةِ؛ لأنَّه لا يَبرأ به؛ لجوازِ إنكارِ ربِّ الحقِّ، (وَلَا) يَلزم عَمرًا (يَمِينُهُ مَعَ تَكْذِيبِ) هـ للمدَّعي؛ لأنَّه لا يُقضى عليه بالنُّكول، فلا فائدةَ في لُزومِ تحليفِه.

стр. 841

(وَإِنْ دَفَعَ) عمرٌو (إِلَيْهِ) أي: إلى مدَّعي الوكالةِ، (وَأَنْكَرَ زَيْدٌ الوَكَالَةَ، وَحَلَفَ) زيدٌ على نفيِ الوكالةِ؛ (ضَمِنَهُ) أي: المدفوعَ (عَمْرٌو)، فيَرجع عليه زيدٌ؛ لبقاءِ حقِّه في ذمَّته، ويَرجع عمرٌو على الوكيل مع بقاءِ ما قبَضه أو تعدِّيه (١)، لا إن صدَّقه وتَلِف بيَده بلا تعدٍّ ولا تفريطٍ. (وَإِنْ كَانَ المَدْفُوعُ) لمدَّعي الوكالةِ بلا بيِّنةٍ (وَدِيعَةً؛ ضَمِنَهَا آخِذُهَا) أي: مدَّعي الوكالةِ، فإن كانت العينُ باقيةً؛ أخَذها مالكُها (٢)، (وَإِنْ (٣) تَلِفَتْ؛ ضَمَّنَ) بتشديدِ الميمِ مالكُها (أَيَّهُمَا (٤) شَاءَ) مِنْ الدافع والقابضِ، فإن ضمَّن الدافعَ؛ لم يَرجع على القابض إن صدَّقه، وإن ضمَّن القابضَ؛ لم يَرجع على الدافع. وكدَعوى الوكالةِ: دَعوى حَوالةٍ ووصيَّةٍ. وإن ادَّعى أنَّه مات وارثُه، وأنَّه لا وارثَ له غيرُه؛ لَزِم دفعُه مع تصديقٍ، ويمينُه على نفيِ العلمِ مع إنكارٍ.

стр. 842

(بَابُ الشَّركَةِ) بفتحِ الشِّينِ المعجَمةِ مع كسرِ الراءِ وسكونِها، وبكسرٍ فسكونٍ. وتَجوز (١) بالإجماع (٢)؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، وقولِه ﷺ : «يَقول اللهُ تَعالى: أنا ثالثُ الشَّريكَين (٣) ما لم يَخُن أحدُهما صاحبَه، فإذا خانَ أحدُهما صاحبَه؛ خَرجتُ مِنْ بينِهما» رَواه أبو داودَ (٤)، والمرادُ: بَركتُه تَعالى. (وَهِيَ) نوعان: اجتماعٌ في استحقاقٍ بنحوِ إرثٍ أو عقدٍ. أو اجتماعٌ (٥) في تصرُّفٍ، وهو المقصودُ هنا، وهو (أَنْوَاعٌ) خمسةٌ: أحدُها: (شَرِكَةُ عِنَانٍ)، بكسرِ العينِ المهمَلةِ، سُمِّيَت بذلك؛ لتَساوي الشَّريكَين في المال والتصرُّفِ، كالفارِسَين إذا سَوَّيَا (٦) بينَ فَرسَيهما وتَساويَا في السَّير.

стр. 843

وتَحصل (بِأَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ) مسلمانِ أو أحدُهما (فَأَكْثَرُ) مِنْ اثنَين، ولا تُكرَه مشاركةُ كتابيٍّ لا يَلي التصرُّفَ. (بِنَقْدٍ) ذهبٍ أو فضَّةٍ، (مَعْلُومٍ) لكلٍّ منهما، (يُحْضِرَاهُ (١)) أي: النَّقدَ المعلومَ مِنْ مالِهما، (وَلَوْ) كان النَّقدُ (مِنْ جِنْسَيْنِ)، بأنْ أَحضَر أحدُهما ذهبًا والآخرُ فضَّةً، (أَوْ) كان (مُتَفَاوِتًا)، بأنْ أَحضَر أحدُهما مائةً، والآخرُ مِائتَين، (لِيَعْمَلَا)، متعلِّقٌ ب «يُحضِراه (٢)»، أي: ليعملَ الشَّريكان (فِيهِ) أي: في (٣) المال جميعِه. (وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا بِحَسَبِ الشَّرْطِ) الذي يَتَّفقان عليه، سواءٌ جَعلَا (٤) لكلٍّ منهما من الرِّبح بنسبةِ مالِه أو أكثرَ. ويصحُّ أن يَعمل فيه أحدُهما، ويَكون له مِنْ الرِّبح أكثرَ مِنْ مالِه، فإن كان بدونه؛ لم يصحَّ، وبقَدْرِه؛ إبضاعٌ (٥). (فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ كُلٍّ) منهما في المالَين (بِحُكْمِ المِلْكِ فِي نَصِيبِهِ، وَ) بحُكمِ (الوَكَالَةِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ)، ويُغني لفظُ الشَّركةِ عن إذنٍ صريحٍ في التصرُّف. (فَإِنْ لَمْ يُذْكَرِ الرِّبْحُ)؛ لم تصحَّ؛ لأنَّه المقصودُ مِنْ الشَّركة، فلا يَجوز الإخلالُ به.

стр. 844

(أَوْ شُرِطَ) بالبناء للمجهولِ (١) (لِأَحَدِهِمَا جُزْءٌ مَجْهُولٌ)، كحصَّةٍ أو نصيبٍ مِنْ الرِّبح؛ لم تصحَّ (٢)؛ لأنَّ الجَهالةَ تَمنع تسليمَ الواجبِ. (أَوْ) شُرط لأحدِهما (دَرَاهِمُ مَعْلُومَةٌ)؛ لم تصحَّ؛ لاحتمالِ أن لا يَربحها (٣)، أو لا يَربحَ غيرَها. (أَوْ) شُرِط لأحدِهما (رِبْحُ سِلْعَةٍ)؛ كثوبٍ مجهولٍ أو معيَّنٍ، (أَوْ) ربحُ (سَفْرَةٍ) معيَّنةٍ أو مجهولةٍ، (وَنَحْوِهِ)؛ كربحِ تجارةٍ في شهرٍ أو عامٍ بعَينه؛ لم تصحَّ؛ لأنَّه قد يَربح في ذلك دونَ غيرِه، فيَختصُّ به مَنْ شُرِط له، وهو منافٍ لموضوعِ الشَّركةِ. (أَوْ كَانَ المَالُ) الذي أَحضَراه عندَ عقدِ الشَّركةِ (غَيْرَ نَقْدٍ)؛ كعَرْضٍ؛ لم تصحَّ نصًّا (٤)، (أَوْ) كان المالُ (نُقْرَةً (٥))، وهي الفضَّةُ التي لم تُضرَبْ؛ لم تصح؛ لأنَّها كالعرض (٦). (أَوْ) كان المالُ نقدًا (مَغْشُوشًا) غِشًّا (كَثِيرًا؛ لَمْ تَصِحَّ) الشَّركةُ؛ لعدمِ انضباطِ الغِشِّ؛ (كَمُضَارَبَةٍ) فإنَّها لا تصحُّ بعَرْضٍ (٧)، ولا نُقرةٍ (٨)، أو مغشوشٍ كثيرًا.

стр. 845

(وَالوَضِيعَةُ) أي: الخُسرانُ (بِقَدْرِ المَالِ)، سواءٌ كانت لتلفٍ، أو نقصانِ ثَمنٍ، أو غيرِ ذلك. (وَلَا يُشْتَرَطُ) لصحَّةِ الشَّركةِ (خَلْطُ المَالَيْنِ)؛ لأنَّ القصدَ الرِّبحُ، وهو لا يَتوقَّف على الخلط. النَّوعُ (الثَّانِي: المُضَارَبَةُ)، مِنْ الضَّربِ في الأرض، وهو السَّفرُ للتِّجارةِ، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾. وتُسمَّى قِراضًا، ومعامَلةً. وهي: دفعُ نقدٍ معلومٍ، لمَن يَتَّجر فيه بجزءٍ مشاعٍ معلومٍ مِنْ ربحِه. (كَ: اتَّجِرْ بِهَذَا) المالِ (وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا)، أو اتَّجِر به ولك نصفُ الرِّبحِ ولِي نصفُه، (فَيَتَنَاصَفَاهُ) أي: يَأخذ كلٌّ منهما نصفَ الرِّبحِ. (وَإِنْ سُمِّيَ لِأَحَدِهِمَا) جزءٌ مِنْ الرِّبح، وسُكِتَ عن الآخر، ك: اتَّجِر به، ولكَ أو لِي ثلثُ الرِّبحِ؛ (فَالبَاقِي) مِنْ الرِّبح (لِلآخَرِ) المسكوتِ عنه. (وَإِنِ اخْتَلَفَا لِمَنِ) الجزءُ (المَشْرُوطُ؛ فَ) هو (لِعَامِلٍ)، قليلًا كان أو كثيرًا؛ لأنَّه يَستحقُّه بالعمل، وهو يَقلُّ ويَكثُر، وإنَّما تَتقدَّر حصَّتُه بالشَّرط، بخلافِ ربِّ المالِ؛ فإنَّه يَستحقُّه بمالِه. ويَحلف مدَّعي المشروطِ. وإن اختَلفَا في قَدْرِ الجزءِ المشروطِ؛ فقولُ مالكٍ بيمينه؛ (كَمُسَاقَاةٍ وَمُزَارَعَةٍ) فيما إذا اختَلفَا في جزءٍ مشروطٍ، أو في قَدْرِه؛ لِما تَقدَّم. (وَلَا يُضَارِبُ) عاملٌ (لِآخَرَ) أي: لا يَأخذ العاملُ مالًا مضاربةً مِنْ غيرِ
следующие страницы →