← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

(وَإِنْ دَفَعَ) عمرٌو (إِلَيْهِ) أي: إلى مدَّعي الوكالةِ، (وَأَنْكَرَ زَيْدٌ الوَكَالَةَ، وَحَلَفَ) زيدٌ على نفيِ الوكالةِ؛ (ضَمِنَهُ) أي: المدفوعَ (عَمْرٌو)، فيَرجع عليه زيدٌ؛ لبقاءِ حقِّه في ذمَّته، ويَرجع عمرٌو على الوكيل مع بقاءِ ما قبَضه أو تعدِّيه (١)، لا إن صدَّقه وتَلِف بيَده بلا تعدٍّ ولا تفريطٍ. (وَإِنْ كَانَ المَدْفُوعُ) لمدَّعي الوكالةِ بلا بيِّنةٍ (وَدِيعَةً؛ ضَمِنَهَا آخِذُهَا) أي: مدَّعي الوكالةِ، فإن كانت العينُ باقيةً؛ أخَذها مالكُها (٢)، (وَإِنْ (٣) تَلِفَتْ؛ ضَمَّنَ) بتشديدِ الميمِ مالكُها (أَيَّهُمَا (٤) شَاءَ) مِنْ الدافع والقابضِ، فإن ضمَّن الدافعَ؛ لم يَرجع على القابض إن صدَّقه، وإن ضمَّن القابضَ؛ لم يَرجع على الدافع. وكدَعوى الوكالةِ: دَعوى حَوالةٍ ووصيَّةٍ. وإن ادَّعى أنَّه مات وارثُه، وأنَّه لا وارثَ له غيرُه؛ لَزِم دفعُه مع تصديقٍ، ويمينُه على نفيِ العلمِ مع إنكارٍ.

стр. 842

(بَابُ الشَّركَةِ) بفتحِ الشِّينِ المعجَمةِ مع كسرِ الراءِ وسكونِها، وبكسرٍ فسكونٍ. وتَجوز (١) بالإجماع (٢)؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، وقولِه ﷺ : «يَقول اللهُ تَعالى: أنا ثالثُ الشَّريكَين (٣) ما لم يَخُن أحدُهما صاحبَه، فإذا خانَ أحدُهما صاحبَه؛ خَرجتُ مِنْ بينِهما» رَواه أبو داودَ (٤)، والمرادُ: بَركتُه تَعالى. (وَهِيَ) نوعان: اجتماعٌ في استحقاقٍ بنحوِ إرثٍ أو عقدٍ. أو اجتماعٌ (٥) في تصرُّفٍ، وهو المقصودُ هنا، وهو (أَنْوَاعٌ) خمسةٌ: أحدُها: (شَرِكَةُ عِنَانٍ)، بكسرِ العينِ المهمَلةِ، سُمِّيَت بذلك؛ لتَساوي الشَّريكَين في المال والتصرُّفِ، كالفارِسَين إذا سَوَّيَا (٦) بينَ فَرسَيهما وتَساويَا في السَّير.

стр. 843

وتَحصل (بِأَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ) مسلمانِ أو أحدُهما (فَأَكْثَرُ) مِنْ اثنَين، ولا تُكرَه مشاركةُ كتابيٍّ لا يَلي التصرُّفَ. (بِنَقْدٍ) ذهبٍ أو فضَّةٍ، (مَعْلُومٍ) لكلٍّ منهما، (يُحْضِرَاهُ (١)) أي: النَّقدَ المعلومَ مِنْ مالِهما، (وَلَوْ) كان النَّقدُ (مِنْ جِنْسَيْنِ)، بأنْ أَحضَر أحدُهما ذهبًا والآخرُ فضَّةً، (أَوْ) كان (مُتَفَاوِتًا)، بأنْ أَحضَر أحدُهما مائةً، والآخرُ مِائتَين، (لِيَعْمَلَا)، متعلِّقٌ ب «يُحضِراه (٢)»، أي: ليعملَ الشَّريكان (فِيهِ) أي: في (٣) المال جميعِه. (وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا بِحَسَبِ الشَّرْطِ) الذي يَتَّفقان عليه، سواءٌ جَعلَا (٤) لكلٍّ منهما من الرِّبح بنسبةِ مالِه أو أكثرَ. ويصحُّ أن يَعمل فيه أحدُهما، ويَكون له مِنْ الرِّبح أكثرَ مِنْ مالِه، فإن كان بدونه؛ لم يصحَّ، وبقَدْرِه؛ إبضاعٌ (٥). (فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ كُلٍّ) منهما في المالَين (بِحُكْمِ المِلْكِ فِي نَصِيبِهِ، وَ) بحُكمِ (الوَكَالَةِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ)، ويُغني لفظُ الشَّركةِ عن إذنٍ صريحٍ في التصرُّف. (فَإِنْ لَمْ يُذْكَرِ الرِّبْحُ)؛ لم تصحَّ؛ لأنَّه المقصودُ مِنْ الشَّركة، فلا يَجوز الإخلالُ به.

стр. 844

(أَوْ شُرِطَ) بالبناء للمجهولِ (١) (لِأَحَدِهِمَا جُزْءٌ مَجْهُولٌ)، كحصَّةٍ أو نصيبٍ مِنْ الرِّبح؛ لم تصحَّ (٢)؛ لأنَّ الجَهالةَ تَمنع تسليمَ الواجبِ. (أَوْ) شُرط لأحدِهما (دَرَاهِمُ مَعْلُومَةٌ)؛ لم تصحَّ؛ لاحتمالِ أن لا يَربحها (٣)، أو لا يَربحَ غيرَها. (أَوْ) شُرِط لأحدِهما (رِبْحُ سِلْعَةٍ)؛ كثوبٍ مجهولٍ أو معيَّنٍ، (أَوْ) ربحُ (سَفْرَةٍ) معيَّنةٍ أو مجهولةٍ، (وَنَحْوِهِ)؛ كربحِ تجارةٍ في شهرٍ أو عامٍ بعَينه؛ لم تصحَّ؛ لأنَّه قد يَربح في ذلك دونَ غيرِه، فيَختصُّ به مَنْ شُرِط له، وهو منافٍ لموضوعِ الشَّركةِ. (أَوْ كَانَ المَالُ) الذي أَحضَراه عندَ عقدِ الشَّركةِ (غَيْرَ نَقْدٍ)؛ كعَرْضٍ؛ لم تصحَّ نصًّا (٤)، (أَوْ) كان المالُ (نُقْرَةً (٥))، وهي الفضَّةُ التي لم تُضرَبْ؛ لم تصح؛ لأنَّها كالعرض (٦). (أَوْ) كان المالُ نقدًا (مَغْشُوشًا) غِشًّا (كَثِيرًا؛ لَمْ تَصِحَّ) الشَّركةُ؛ لعدمِ انضباطِ الغِشِّ؛ (كَمُضَارَبَةٍ) فإنَّها لا تصحُّ بعَرْضٍ (٧)، ولا نُقرةٍ (٨)، أو مغشوشٍ كثيرًا.

стр. 845

(وَالوَضِيعَةُ) أي: الخُسرانُ (بِقَدْرِ المَالِ)، سواءٌ كانت لتلفٍ، أو نقصانِ ثَمنٍ، أو غيرِ ذلك. (وَلَا يُشْتَرَطُ) لصحَّةِ الشَّركةِ (خَلْطُ المَالَيْنِ)؛ لأنَّ القصدَ الرِّبحُ، وهو لا يَتوقَّف على الخلط. النَّوعُ (الثَّانِي: المُضَارَبَةُ)، مِنْ الضَّربِ في الأرض، وهو السَّفرُ للتِّجارةِ، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾. وتُسمَّى قِراضًا، ومعامَلةً. وهي: دفعُ نقدٍ معلومٍ، لمَن يَتَّجر فيه بجزءٍ مشاعٍ معلومٍ مِنْ ربحِه. (كَ: اتَّجِرْ بِهَذَا) المالِ (وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا)، أو اتَّجِر به ولك نصفُ الرِّبحِ ولِي نصفُه، (فَيَتَنَاصَفَاهُ) أي: يَأخذ كلٌّ منهما نصفَ الرِّبحِ. (وَإِنْ سُمِّيَ لِأَحَدِهِمَا) جزءٌ مِنْ الرِّبح، وسُكِتَ عن الآخر، ك: اتَّجِر به، ولكَ أو لِي ثلثُ الرِّبحِ؛ (فَالبَاقِي) مِنْ الرِّبح (لِلآخَرِ) المسكوتِ عنه. (وَإِنِ اخْتَلَفَا لِمَنِ) الجزءُ (المَشْرُوطُ؛ فَ) هو (لِعَامِلٍ)، قليلًا كان أو كثيرًا؛ لأنَّه يَستحقُّه بالعمل، وهو يَقلُّ ويَكثُر، وإنَّما تَتقدَّر حصَّتُه بالشَّرط، بخلافِ ربِّ المالِ؛ فإنَّه يَستحقُّه بمالِه. ويَحلف مدَّعي المشروطِ. وإن اختَلفَا في قَدْرِ الجزءِ المشروطِ؛ فقولُ مالكٍ بيمينه؛ (كَمُسَاقَاةٍ وَمُزَارَعَةٍ) فيما إذا اختَلفَا في جزءٍ مشروطٍ، أو في قَدْرِه؛ لِما تَقدَّم. (وَلَا يُضَارِبُ) عاملٌ (لِآخَرَ) أي: لا يَأخذ العاملُ مالًا مضاربةً مِنْ غيرِ

стр. 846

المالكِ (إِنْ ضَرَّ) عملُه للثاني (١) (بِالأَوَّلِ)، هكذا بخطِّه، والصوابُ (٢) حذفُ الباءِ مِنْ المفعول، أو زيادةُ الهمزةِ في الفعل؛ لأنَّه يُقال: ضَرَّه، وأَضرَّ به، يَتعدَّى بنفسه ثلاثيًّا، وبالباء رباعيًّا، كما في «المصباح» (٣)، (بِلَا إِذْنِهِ) أي: الأوَّلِ؛ لأنَّها انعقَدَت على الحظِّ والنَّماء، فلَم يَجُز له أن يَفعل ما يَمنعه، فإن لم يَكُنْ فيها ضررٌ على الأوَّلِ، أو أَذِن؛ جاز. (فَإِنْ فَعَلَ)، بأنْ ضاربَ لآخر مع ضررِ الأوَّلِ بلا إذنِه؛ (رَدَّ) عاملٌ (حِصَّتَهُ) مِنْ ربحِ الثانيةِ (فِي الشَّرِكَةِ) الأُولى؛ لأنَّه استَحقَّ ذلك بالمَنفعة التي استُحِقَّت بالعقد الأوَّلِ. (وَلَا يَشْتَرِي) عاملٌ (مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ المَالِ بِلَا إِذْنِهِ (٤))، وظاهرُه: لقرابةٍ (٥)، أو تعليقٍ، أو إقرارٍ بحُريَّته (٦)؛ لأنَّ (٧) عليه فيه ضررًا، (فَإِنْ فَعَلَ) أي: اشتَرى مَنْ يَعتِق على ربِّ المالِ؛ صحَّ الشِّراءُ (٨)، و (ضَمِنَ) عاملٌ (ثَمَنَهُ) الذي اشتَراه به؛ لمخالفتِه، (وَعَتَقَ) على ربِّ المالِ؛ لتعلُّقِ حقوقِ العقدِ به (٩). (وَلَا يُقْسَمُ رِبْحٌ مَعَ بَقَاءِ عَقْدِ) المضاربةِ (إِلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا)؛ لأنَّ الحقَّ لا

стр. 847

يَخرج عنهما، والرِّبحُ وِقايةٌ لرَأسِ المالِ. (وَإِنْ تَلِفَ رَأْسُ المَالِ، أَوْ) تَلِف (بَعْضُهُ) قبلَ تصرُّفٍ؛ انفَسَخَت فيه المضاربةُ. و (بَعْدَ تَصَرُّفٍ) ببيعٍ (١) ونحوِه (٢)، (أَوْ خَسِرَ) في إحدى سِلعتَين أو سَفرتَين؛ (حُسِبَ) أي: جُبِر ذلك التَّلفُ أو الخُسرانُ (مِنَ الرِّبْحِ)، ولم يَستحقَّ العاملُ شيئًا إلّا بعدَ كمالِ رأسِ المالِ. ومحلُّ ذلك: إذا وقَع (قَبْلَ قَسْمِهِ) أي: المالِ، حالَ كَونِه (نَاضًّا) أي: نقدًا، (أَوْ) قبلَ (تَنْضِيضِهِ) أي: تَصفِيَتِه مِنْ العُروضِ بجَعله كلِّه نقدًا، (مَعَ المُحَاسَبَةِ)، فإذا احتَسبَا وعَلِمَا ما لهُما؛ لم يُجبر خُسرانٌ بعدَ ذلك (٣) ممَّا قبلَه، تنزيلًا للتَّنضيضِ مع المحاسبةِ منزلةَ المقاسَمةِ. وإن انفَسَخ العقدُ، والمالُ عَرْضٌ أو دَينٌ، فطلَب ربُّ المالِ تنضيضَه؛ لَزِم العاملَ. النَّوعُ (الثَّالِثُ: شَرِكَةُ الوُجُوهِ)، سُمِّيَت بذلك؛ لأنَّهما يُعامِلان (٤) فيها (٥) بوجوهِهما، أي: جاهِهما، والجاهُ والوجهُ واحدٌ. (كَأَنْ يَشْتَرِكَا فِي رِبْحِ مَا يَشْتَرِيَانِ) مِنْ العُروضِ بثَمنٍ (فِي ذِمَمِهِمَا (٦)) مِنْ غيرِ أن يَكون لهُما مالٌ، بل يَشتريان (بِجَاهِهِمَا، فَمَا رَبِحَا) هُ؛ (فَ) هو (بَيْنَهُمَا)

стр. 848

على ما شرَطَاه (١)، (وَنَحْوُهُ)؛ كأنْ يَقول كلٌّ منهما لصاحبِه: ما اشَتريتُ مِنْ شيءٍ فهو بينَنا. فلا يُشترط أن يُعيِّن كلٌّ منهما لصاحبِه ما يَشتريه، أو جِنسَه، أو قَدْرَه. (وَكُلُّ) واحدٍ منهما (وَكِيلُ صَاحِبِهِ وَكَفِيلُهُ بِالثَّمَنِ)؛ لأنَّ مَبناها على الوكالةِ والكفالةِ. (وَالمِلْكُ) فيما يَشتريانه (وَالرِّبْحُ) فيه: (كَمَا شَرَطَا) مِنْ تَساوٍ أو تَفاضلٍ؛ لأنَّ أحدَهما قد يَكون أَوثقَ عندَ التجَّارِ، وأَبصرَ بالتِّجارة مِنْ الآخر. (وَالخُسْرَانُ بِحَسَبِ) أي: بقَدْرِ (٢) (مِلْكَيْهِمَا)، فمَن له فيه الثُّلثُ؛ فعَليه ثلثُ الوضيعةِ، ومَن له الثُّلثان؛ عليه ثُلثاها، سواءٌ كان الرِّبحُ بينَهما كذلك أو لا. النَّوعُ (الرَّابِعُ: شَرِكَةُ الأَبْدَانِ؛ كَأَنْ يَشْتَرِكَا فِيمَا يَكْتَسِبَانِ) بأَبدانِهما (مِنْ مُبَاحٍ؛ كَاحْتِشَاشٍ، وَاصْطِيَادٍ)، وتَلصُّصٍ على دارِ حربٍ، (أَوْ) يَشتركَا فيما (يَتَقَبَّلَانِ) أي: يَلتزمان في ذِممِهما (٣) (مِنْ عَمَلٍ؛ كَحَدَّادِينَ) يَتقبَّلون حِدادةً، (وَنَجَّارِينَ) يَتقبَّلون نِجارةً، وقَصَّارِين وخيَّاطِين. (وَيَلْزَمُهُمَا) أي: يَلزم كلًّا مِنْ الشَّريكَين (فِعْلُ مَا تَقَبَّلَهُ أَحَدُهُمَا) مِنْ عملٍ؛ لأنَّ مَبناها على الضَّمان، فكأنَّها تَضمَّنَت ضمانَ كلِّ واحدٍ منهما عن الآخر ما يَلزمه. وتصحُّ مع اختلافِ صَنائعَ (٤)؛ كقَصَّارٍ مع خيَّاطٍ.

стр. 849

ولكلِّ واحدٍ منهما طلَب أجرةٍ، ولمستأجرٍ دفعُها إلى أحدِهما. ومَن تَلِفَت بيَده بلا تفريطٍ؛ لم يَضمن. (وَمَنْ مَرِضَ) منهما، أو ترَك العملَ لعذرٍ أو لا؛ (أُقِيمَ) أي: لَزِمه أن يَستنيب مَنْ يَقوم (مَقَامَهُ) في العمل ليعملَ ما لَزِمه للمستأجرِ، (بِطَلَبِ شَرِيكِهِ). (وَالكَسْبُ (١)) الحاصلُ مِنْ العمل: (بَيْنَهُمَا). (وَلَا تَصِحُّ شَرِكَةُ دَلَّالِينَ)؛ لأنَّ الشَّركةَ الشَّرعيَّةَ إمَّا وكالةٌ أو ضمانٌ، ولا وكالةَ هنا؛ لأنَّه لا يُمكن توكيلُ أحدِهما على بيعِ مالِ الغيرِ، ولا ضمانَ؛ لأنَّه لا دَينَ بذلك يَصير في ذمَّةِ واحدٍ منهما، ولا تقبُّلَ عملٍ. النَّوعُ (الخَامِسُ: شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ؛ كَأَنْ يُفَوِّضَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلآخَرِ كُلَّ تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ وَبَدَنِيٍّ)، بيعًا وشراءً في الذِّمَّة، ومضاربةً، وتوكيلًا، ومسافرَةً بالمال، وارْتِهانًا، وضمانَ، أي: الْتزامَ ما يَرى مِنَ الأعمال، أو يَشتركَا في كلِّ ما يَثبت لهُما وعليهما، فتصحُّ. ورِبحٌ: على ما شَرطَا، والوضيعةُ: بقَدْرِ المالِ. (وَإِنْ أَدْخَلَا (٢)) فيها (كَسْبًا نَادِرًا)؛ كوِجدانِ لُقَطةٍ، أو رِكازٍ، أو ميراثٍ، (أَوْ) أَدخَلا فيها (غَرَامَةً)؛ كأَرشِ جنايةٍ، وما يَلزم أحدَهما مِنْ ضمانِ غصبٍ ونحوِه؛ (فَسَدَتِ) الشَّركةُ؛ لكثرةِ الغَررِ. (وَلِكُلٍّ) مِنْ الشَّريكَين عندَ فسادِها (كَسْبُهُ) مِنْ ربحٍ وغيرِه، (وَعَلَيْهِ ضَمَانُ غَصْبِهِ وَنَحْوِهِ)؛ كأَرشِ جنايتِه (٣)؛ لأنَّ لكلِّ نفسٍ ما كسَبَت، وعليها ما اكتَسبَت.

стр. 850

(بَابُ المسَاقَاةِ) مِنْ السَّقيِ؛ لأنَّه أهمُّ أمرِها بالحجاز. وهي: دفعُ شجرٍ له ثمرٌ مأكولٌ ولو غيرَ مغروسٍ إلى آخرَ؛ ليقومَ بسَقيِه وما يَحتاج إليه، بجزءٍ معلومٍ له مِنْ ثمرِه (١). (تَصِحُّ) المساقاةُ (عَلَى شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ يُؤْكَلُ)، مِنْ نخلٍ وغيرِه، (بِجُزْءٍ) مُشاعٍ معلومٍ (مِنْهُ) أي: مِنْ ثمره؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: «عامَلَ النبيُّ ﷺ أهلَ خَيبرَ بشَطرِ (٢) ما يَخرج منها (٣) مِنْ ثمرٍ أو زرعٍ» متَّفق عليه (٤). ولا تصحُّ على ما لا ثمرَ له كالحَوَر (٥)، أو له ثمرٌ غيرُ مأكولٍ كالقُطن، ولا إن جعَل للعامل جزءًا مِنْ الأصل، أو كلَّ الثمرةِ، أو جزءًا مبهَمًا، أو آصُعًا معلومةً، أو ثمرةَ شجرةٍ معيَّنةٍ أو مبهَمةٍ. (وَ) تصحُّ المُساقاةُ أيضًا (عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ) العاملُ في أرضِ ربِّ الشَّجرِ، (وَيَعْمَلُ فِيهِ) بسَقيٍ وغيرِه حتى يُثمر، (بِجُزْءٍ) مُشاعٍ معلومٍ (مِنْهُ) أي: مِنْ الشَّجر، (أَوْ مِنْ ثَمَرِهِ) فقط، احتجَّ الإمامُ بحديثِ خيبرَ (٦)، ولأنَّ العملَ والعِوَضَ مَعلومان. ويُسمَّى دفعُ الشَّجرِ لمَن يَغرسه: مُناصَبةً ومُغارَسةً.

стр. 851

والمساقاةُ والمغارَسةُ والمزارَعةُ: عقدٌ جائزٌ مِنْ الطَّرفَين، (فَإِنْ (١) فَسَخَ مَالِكُ) الأصلِ (قَبْلَ ظُهُورِ ثَمَرَةٍ؛ فِلِعَامِلٍ (٢) أَجْرُ (٣) مِثْلِهِ)؛ لأنَّه منَعه مِنْ إتمام عملِه الذي يَستحقُّ به العِوَضَ، (لَا إِنْ فَسَخَ هُوَ) أي: العاملُ قبلَ ظُهورِ الثَّمرةِ، فلا شيءَ له؛ لأنَّه رَضي بإسقاطِ حقِّه. وإن انفسَخَت بعدَ ظُهورِ ثمرةٍ؛ فهي بينَهما على ما شَرطَا، وعلى عاملٍ تمامُ العملِ؛ كالمضارَب. (وَ) يَجب (عَلَى عَامِلٍ): كلُّ (مَا فِيهِ صَلَاحُ) ثمرةٍ، (مِنْ حَرْثٍ، وَسَقْيٍ، وَزِبَارٍ) بكسرِ الزاي، وهو قطعُ الأغصانِ الرَّديئةِ مِنْ الكَرْم، (وَتَلْقِيحٍ) أي: وضعِ طَلْعِ الذَّكرِ في طَلْعِ الأُنثى، (وَتَشْمِيسِ) ثمرةٍ، (وَإِصْلَاحِ مَوْضِعِهِ) أي: التَّشميسِ بإزالةِ نحوِ شوكٍ وحَجرٍ، (وَ) إصلاحِ (طُرُقِ المَاءِ، وَحَصَادٍ وَنَحْوِهِ)؛ كآلةِ حرثٍ، وبقرةٍ (٤)، وتفريقِ زِبْلٍ، وقطعِ حَشيشٍ مُضرٍّ، وشجرٍ يابسٍ، وحفظِ ثمرٍ على شجرٍ إلى أن يُقسَم. (وَعَلَى رَبِّ مَالٍ: مَا يُصْلِحُهُ) أي: يَحفظ الأصلَ؛ (كَسَدِّ حَائِطٍ، وَإِجْرَاءِ نَهْرٍ)، وحفرِ بئرٍ، (وَدُولَابٍ وَنَحْوِهِ)؛ كآلتِه التي تُديره، ودَوابِّه، وشراءِ ما يُلقَّح به، وتحصيلِ ماءٍ وزِبلٍ. (وَعَلَيْهِمَا) أي: على (٥) العاملِ وربِّ المالِ: (جَذَاذُ) ثمرةٍ (بِقَدْرِ حَقَّيْهِمَا (٦)،

стр. 852

لَا إِنْ شُرِطَ) بالبناء للمفعول، أي: شرَطه (١) ربُّ المالِ (عَلَى عَامِلٍ)، فيَلزمه. (وَتَصِحُّ المُزَارَعَةُ)؛ لحديثِ خيبرَ السابقِ، وهي: دفعُ أرضٍ وحبٍّ لمَن يَزرعه ويَقوم عليه، أو: دفعُ حبٍّ مزروعٍ يَنمي (٢) بالعمل لمَن يَقوم عليه، (بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْ زَرْعٍ)؛ كنصفِ الزَّرعِ، أو ثُلثِه، (بِشَرْطِ عِلْمِ) عاملٍ وربِّ المالِ ل (بَذْرٍ، وَ) عِلمِ (قَدْرِهِ، وَ) بشرطِ (كَوْنِهِ) أي: البَذرِ (مِنْ رَبِّ أَرْضٍ، كَ) ما يُشترط كَونُ (غَرْسٍ (٣)) مِنْ ربِّ أرضٍ (فِي مُنَاصَبَةٍ)، قدَّمه في «التَّنقيح»، وتَبِعه في «الإقناع»، وقطَع به في «المنتهى» (٤). وقِيل: يَجوز كونُ بَذرٍ وغرسٍ مِنْ عاملٍ، وجزَم به الحجَّاويُّ في «المختصَر» (٥). (وَإِذَا آجَرَهُ أَرْضًا) بها شجرٌ، (وَسَاقَاهُ عَلَى شَجَرِهَا؛ صَحَّ)؛ لأنَّهما عَقدان يَجوز إفرادُ كلٍّ منهما، فجازَ الجمعُ بينَهما؛ كالبيع والإجارةِ، سواءٌ قلَّ بياضُ الأرضِ أو كثُر نصًّا (٦). ومَحلُّ ذلك: إذا كان (بِلَا حِيلَةٍ) على بيعِ الثَّمرةِ قبلَ وجودِها أو بدوِّ صلاحِها، فإن كان حيلةً؛ لم تصحَّ إجارةٌ ولا مساقاةٌ، سواءٌ جمَعهما في عقدٍ أو فرَّقهما، كما جعَله المنقِّحُ قياسَ المذهبِ (٧).

стр. 853

(بَابُ الإِجَارَةِ) مشتقَّةٌ مِنْ الأَجْر، وهو العِوَضُ، ومنه سُمِّي الثَّوابُ أجرًا. وهي عقدٌ على منفعةٍ مباحةٍ معلومةٍ، مِنْ عينٍ معيَّنةٍ أو موصوفةٍ في الذِّمَّة، مدَّةً معلومةً، أو عملٍ معلومٍ بعِوَضٍ معلومٍ. و (تَصِحُّ بِلَفْظِهَا) أي: الإجارةِ، (وَلَفْظِ كِرَاءٍ)، ك: أَجَرتُك، أو: أَكْرَيتُك الدَّارَ أو الدَّابَّةَ (١) مَثلًا، و: استأجَرتُ، واكتَرَيتُ؛ لأنَّ هذَين اللَّفظَين موضوعان لها. (وَ) تصحُّ بلفظِ (بَيْعٍ) حالَ كَونِه (مُضَافًا لِلمَنْفَعَةِ)، نحوُ: بِعتُك نفعَ داري شهرًا بكذا؛ لأنَّها نوعٌ مِنَ البيع، فإن أُضيفَت إلى العين؛ ك: بِعتُك داري شهرًا؛ لم يصحَّ. (وَشُرُوطُهَا) أي: الإجارةِ (ثَلَاثَةٌ): أحدُها: (مَعْرِفَةُ مَنْفَعَةٍ)؛ لأنَّها المعقودُ عليها، فاشتُرِط العلمُ بها، كالمَبيع (٢)، إمَّا (بِعُرْفٍ) أي: ما يَتعارفه النَّاسُ بينَهم؛ (كَسُكْنَى دَارٍ) شهرًا (٣)؛ لتعارُفِ النَّاسِ للسُّكنَى، والتفاوتُ فيها يسيرٌ، فلَم تَحتج إلى ضبطٍ،

стр. 854

(وَ) ك (خِدْمَةِ آدَمِيٍّ) سَنةً؛ لأنَّها معلومةٌ بالعرف، فيَخدمه نهارًا ومِن اللَّيل، ما يَكون مِنْ أوساطِ النَّاسِ، (أَوْ وَصْفٍ؛ كَحَمْلِ) زُبرةِ حديدٍ وزنُها كذا إلى مَحلِّ كذا، (وَحَرْثٍ) على دابَّةٍ صفتُها كذا. وأمَّا حرثُ الأرضِ فلا بدَّ مِنْ الاستئجار له مِنْ معرفتِها برؤيةٍ؛ لاختلافِها سهولةً وحُزونةً (١)، ولا تَنضبط (٢) بالصِّفة. (وَكِتَابَةِ) مصحفٍ أو غيرِه، (وَقَوْدِ أَعْمَى) أو دابَّةٍ، (وَنَحْوِهَا)؛ كبناء حائطٍ، يَذكر طولَه وعرضَه وسَمكَه وآلتَه. الشَّرطُ (الثَّانِي: مَعْرِفَةُ أُجْرَةٍ)؛ لأنَّه عِوَضٌ في عقدِ معاوَضةٍ، فاعتُبر عِلمُه؛ (كَثَمَنِ) مَبيعٍ، ولحديثِ (٣) أحمدَ عن أَبي سعيدٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن استِئجارِ الأَجيرِ حتى يُبيَّن له أَجرُه» (٤). (وَتَصِحُّ) أجرةٌ (فِي أَجِيرٍ وَظِئْرٍ) أي: يصحُّ استئجارُهما (بِطَعَامِهِمَا) وكِسوتِهما، رُوي عن أَبي بكرٍ وعمرَ وأَبي موسى ﵃ في الأَجير (٥)، وأمَّا الظِّئرُ

стр. 855

فلقولِه تَعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وشُرِطَ: علمُ مدَّةِ الرَّضاعِ، ومعرفةُ طفلٍ بمشاهدةٍ، وموضعِ رَضاعٍ، ومعرفةُ العِوَضِ. (وَمَنْ دَخَلَ حَمَّامًا (١) أَوْ سَفِينَةً) بلا عقدٍ، (أَوْ أَعْطَى ثَوْبَهُ لِقَصَّارٍ وَنَحْوِهِ)؛ كخياطٍ، ليَعملاه (بِلَا عَقْدٍ؛ فَ) الواجبُ في ذلك ونحوِه؛ (أُجْرَةُ مِثْلِهِ)؛ لأنَّ العرفَ جارٍ بذلك يَقوم مقامَ القولِ. وكذا لو دفَع متاعَه لمَن يَبيعه، أو استَعمل حمَّالًا ونحوَه؛ فلَه أجرةُ مِثلِه ولو لم يَكُنْ له عادةٌ بأخذِ (٢) الأجرةِ. الشَّرطُ (الثَّالِثُ: كَوْنُ نَفْعٍ) معقودٍ عليه (مُبَاحًا) بلا ضرورةٍ، بخلافِ جِلدِ ميتةٍ، وإناءِ ذهبٍ أو فضَّةٍ؛ لأنَّه لا يُباح إلّا عندَ الضَّرورةِ. (مُتَقَوِّمًا)، بخلافِ نحوِ تفَّاحٍ لشَمٍّ. (مَقْدُورًا عَلَيْهِ)، بخلافِ (٣) دِيكٍ ليُوقظَه لصلاةٍ ونحوِها (٤)، فلا يصحُّ. (يُسْتَوْفَى) النَّفعُ مِنْ عينٍ مُؤْجَرةٍ (دُونَ) استهلاكِ (الأَجْزَاءِ)، بخلافِ شمعٍ لشَعلٍ، وصابون لغَسلٍ. (فَ) عُلِم مِنْ اشتراطِ إباحةِ (٥) النَّفعِ: أنَّه (لَا تَصِحُّ) الإجارةُ (لِ) نفعٍ

стр. 856

(مُحَرَّمٍ، كَزِنًى، وَزَمْرٍ، وَغِنَاءٍ) بكسرِ الغينِ المعجَمةِ والمدِّ، (وَ) ك (جَعْلِ دَارِهِ كَنِيسَةً، أَوْ لِبَيْعِ خَمْرٍ (١))؛ لأنَّ النَّفعَ المحرَّمَ مطلوبُ الإزالةِ، والإجارةُ تُنافيها، سواءٌ شُرِط ذلك في العقد أو لا، إذا ظُنَّ الفعلُ. (وَ) عُلِم مِنْ اشتراطِ تقوُّمِ النَّفعِ: أنَّه (لَا) تصحُّ (عَلَى تُفَّاحَةٍ لِشَمٍّ)؛ لأنَّه لا يُقابَل بعِوَضٍ في العرف. (وَ) عُلِم مِنْ اشتراطِ كَونِه مقدورًا عليه: أنَّه (لَا) تصحُّ (إِجَارَةُ مُشَاعٍ)؛ كنصفِ دارٍ، أو دابَّةٍ بينَه وبينَ غيرِه، (لِغَيْرِ شَرِيكٍ) بالباقي (٢)؛ لأنَّه لا يَتمكَّن مِنْ تسليمِ (٣) حصَّتِه إلّا بتسليمِ جملةِ العينِ، وليسَت له. (وَ) عُلِم مِنْ اشتراطِ كَونِ نفعٍ يُستوفى دونَ الأجزاءِ: أنَّه (لَا) تصحُّ إجارةُ (صَابُونٍ لِغَسْلٍ) به، (وَ) لا (شَمْعٍ لِوُقُودٍ) به، (وَ) لا (حَيَوَانٍ لِأَخْذِ لَبَنِهِ)، غيرَ ظِئرٍ؛ لحاجةِ الآدميِّ. (وَتَصِحُّ فِي حَائِطٍ) يُؤْجِره (لِوَضْعِ) أطرافِ (خَشَبٍ) معلومٍ (عَلَيْهِ)؛ لإباحةِ ذلك. (وَلَا تُؤْجِرُ امْرَأَةٌ) نَفسَها بعدَ عقدِ النِّكاحِ عليها (بِلَا إِذْنِ زَوْجِهَا)؛ لتفويتِ حقِّ الزَّوجِ، ولا يُقبل قولُها إنَّها متزوِّجةٌ، أو مُؤْجَرةٌ قبلَ النكاحِ (٤)، بلا (٥) بيِّنةٍ.

стр. 857

(فصل) (وَشُرِطَ (١) فِي إِجَارَةِ عَيْنٍ) خمسةُ شروطٍ: أحدُها: (مَعْرِفَتُهَا) أي: العينِ، (بِرُؤْيَةٍ، أَوْ وَصْفِ) ما يُمكن وصفُه، (غَيْرَ نَحْوِ أَرْضٍ) ممَّا (٢) لا يصحُّ سلَمٌ فيه لعدمِ ضبطه بالصِّفة، فلَو استأجرَ حمَّامًا فلا بدَّ مِنْ رؤيته؛ لأنَّ الغرضَ يَختلف بالصِّغَر والكِبَرِ، ومعرفةِ مائِه، ومشاهدةِ الإيوانِ (٣)، ومَطرحِ الرَّمادِ، ومَصرِفِ الماءِ. وكَرِه الإمامُ أَحمد (٤) كِراءَ الحمَّامِ (٥)؛ لأنَّه لا يَخلو مَنْ كشفِ عورةٍ فيه. (وَ) الشَّرطُ الثاني: (اشْتِمَالُهَا (٦) عَلَى المَنْفَعَةِ، فَلَا تَصِحُّ فِي) أرضٍ (سَبِخَةٍ لِزَرْعٍ، وَلَا) في دابَّةٍ (زَمِنَةٍ) لا تَقدر على المَشي (لِحَمْلٍ)؛ لأنَّه لا يُمكن تسليمُ هذه المَنفعةِ. (وَ) الشَّرطُ الثالثُ: (قُدْرَةُ) مُؤْجِر عينٍ (عَلَى تَسْلِيمِهَا، بِخِلَافِ) عبدٍ (آبِقٍ وَنَحْوِهِ)؛ كجملٍ شاردٍ، وطيرٍ بهواءٍ (٧). والشَّرطُ الرابعُ: أن يَعقد على النَّفع دونَ الأجزاء، فلا تصحُّ إجارةُ طعامٍ لأكلٍ. والشَّرطُ الخامسُ: كَونُ مُؤْجِرٍ مالكًا للنَّفعِ، أو مأذونًا له فيه.

стр. 858

(وَتَصِحُّ) إجارةٌ (لِوَقْفٍ مِنْ نَاظِرِهِ)؛ لأنَّ مَنافعَه مملوكةٌ للموقوفِ عليه. (وَتَبْطُلُ) أي: تَنفسخ إجارةُ وقفٍ (بِمَوْتِهِ) أي: المُؤْجِرِ (إِنْ) كان قد (أَجَرَ لِكَوْنِ الوَقْفِ عَلَيْهِ فَقَطْ (١)) أي: مِنْ غيرِ أن يَشرط الواقفُ النَّظرَ لأحدٍ، فإنَّ النَّظر حينئذٍ للموقوفِ عليه إن كان الوقفُ على معيَّنٍ (٢)، ثمَّ إن كان مستأجرٌ عجَّل أُجرتَه؛ رجَع بحصَّةِ (٣) ما بقي على تَرِكةِ قابضٍ، فإن تَعذَّر أخذُها؛ فظاهرُ كلامِهم أنَّها تَسقط، قاله في «المبدِع» (٤). وعُلِم منه: أنَّه لو كان المُؤْجِرُ أجَر الوقفَ لكَونِه ناظرًا بشرطٍ فقط، أو لكَونِه ناظرًا بشرطٍ واستحقاقٍ (٥)؛ فإنَّ الإجارةَ لا تَنفسخ بموته، ولمَن انتَقل إليه الوقفُ حصَّتُه مِنْ أُجرةٍ مِنْ موتِ الأوَّلِ، يَأخذها مِنْ مستأجرٍ إن لم يَكُنْ الأوَّلُ قبَض الأُجرةَ كلَّها، فإن كان الأوَّلُ قبَضها؛ رجَع المستحقُّ الثاني في تَرِكَة الأوَّلِ (٦) بحصَّته، هكذا في «المنتهى» (٧).

стр. 859

فظاهرُه: أنَّ للموقوفِ عليه أن يَستسلف (١) الأُجرةَ، سواءٌ كانت مدَّةُ الإجارةِ طويلةً أو قصيرةً، وهو مشكلٌ، فإنَّه يُؤدِّي إلى ضَياعِ استحقاقِ الطَّبقةِ الثانيةِ حيثُ قبَض المُؤْجِرُ الأُجرةَ كلَّها ولم يُخلِّف تَرِكةً، وكانت المدَّةُ طويلةً لا تَعيش الطَّبقةُ الثانيةُ إلى انقضائها غالبًا، ولذلك قال في «الإقناع»: (والذي يَتوجَّه: أنَّه لا يَجوز للموقوفِ عليهم أن يَستسلفوا (٢) الأُجرةَ؛ لأنَّهم لم يَملكوا المَنفعةَ المستقبَلةَ، ولا الأُجرةَ عليها، فالتَّسلُّفُ لهم قبضُ ما لا يَستحقُّونه، بخلافِ المالكِ (٣). وعلى هذا فللبطنِ الثاني أن يُطالب بالأُجرة المستأجِرَ الذي سلَّف المستحِقِّين؛ لأنَّه لم يَكُنْ له التَّسليفُ، ولهم أن يُطالبوا النَّاظرَ إن كان هو المسلِّفَ (٤)). انتهى (٥). وهذا الذي (٦) جزَم به في «الإقناع» هو كلامُ الشَّيخِ تقيِّ الدِّينِ في «الاختياراتِ»، وأَقرَّه عليه المصنِّفُ في شرحه (٧)، وهو أَولى مِنْ ظاهر «المنتهى»، بل لا يَشكُّ لبيبٌ ديِّنٌ أن لو عُرِضَت هذه المسألةُ على الإمام أحمدَ ﵀ لوَرَعِه المشهورِ لم يَقُل فيها إلّا بما في «الإقناع»، واللهُ أعلمُ (٨).

стр. 860

وإذا بِيعَت الأرضُ المحتكَرةُ أو وُرِثَت؛ فالحَكَرُ على مَنْ انتَقلَت إليه في (١) الأصحِّ، قاله المصنِّفُ نقلًا عن الشَّيخ تقيِّ الدِّينِ (٢). (وَ) يَجوز (لِمُسْتَأْجِرِ) عينٍ أن يَستوفي نفعَها بنفسه، وله (٣) (أَنْ يُؤْجِرَ) ها أو يُعيرها (لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) في الانتفاع أو دونَه؛ لأنَّ المَنفعةَ لمَّا كانت مملوكةً له؛ جاز له أن يَستوفيها بنفسه أو نائبه، (لَا أَكْثَرَ ضَرَرًا مِنْهُ)؛ لأنَّه لا يَستحقُّه. فمَن اكتَرى أرضًا لزرعِ بُرٍّ؛ فلَه زرعُ شَعيرٍ ونحوِه، لا دُخْنٍ ونحوِه، ولا غَرسٌ أو بناءٌ. وكذا لا يَجوز مخالفٌ (٤)، فلغَرسٍ أو بناءٍ لا يَملك الآخرَ. (وَإِنِ اسْتَأْجَرَ) العينَ (مُدَّةً؛ اشْتُرِطَ عِلْمُهَا) أي: المدَّةِ، كشهرٍ أو سَنةٍ مِنْ الآنَ، أو مِنْ وقتِ كذا. وتُحمل السَّنةُ عندَ الإطلاقِ على الهلاليَّة، لا العدديَّةِ.

стр. 861

وإن استأجرَ سَنةً أو شهرًا وأَطلَق (١)؛ لم يصحَّ، كما في «المنتهى» (٢). وقِيل: يصحُّ، وابتداؤُه مِنْ عقدٍ، وجزَم به في «الإقناع» (٣). (وَ) شُرِطَ أيضًا لإجارةِ العين مدَّةً: (أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ العَيْنِ فِيهَا وَإِنْ طَالَتِ) المدَّةُ (٤)؛ لأنَّ المعتبَرَ كَونُ المستأجِرِ يُمكنه استيفاءُ المَنفعةِ منها (٥) غالبًا. (وَ) إن استأجرَ العينَ (لِعَمَلٍ؛ كَ) دابَّةٍ ل (رُكُوبٍ) إلى موضعٍ معيَّنٍ، (وَ) بقرٍ ل (حَرْثِ) أرضٍ معلومةٍ بالمشاهدة، (وَ) بقرٍ ل (دِيَاسِ) زرعٍ معيَّنٍ، (وَ) آدميٍّ ل (دَلَالَةٍ عَلَى طَرِيقٍ) معيَّنٍ؛ (اشْتُرِطَ) في جميعِ ذلك: (عِلْمُهُ) أي: العملِ، (وَضَبْطُهُ بِمَا لَا يَخْتَلِفُ) العملُ (مَعَهُ) أي: مع الضَّبطِ (٦)؛ لأنَّ العملَ هو المعقودُ عليه، فاشتُرط عِلمُه؛ كالمَبيع. (وَلَا تَصِحُّ) الإجارةُ (عَلَى عَمَلٍ يَخْتَصُّ) أي: يُشترطُ (أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مِنْ

стр. 862

أَهْلِ القُرْبَةِ) أي (١): أن يَكون فاعلُه (٢) مسلمًا؛ (كَأَذَانٍ، وَقَضَاءٍ)، وحجٍّ، وتعليمِ قرآنٍ؛ لأنَّ شرطَ هذه الأفعالِ كَونُها قُربةً إلى الله تَعالى، فلَم يَجُز أخذُ الأَجرةِ عليها، (بِخِلَافِ جَعَالَةٍ (٣)) على ذلك، وأخذِ رَزقٍ مِنْ بيتِ المالِ، فيَجوز، كأخذٍ بلا شرطٍ. (وَ) يَجب (عَلَى مُؤْجِرٍ) كلُّ (مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ مُسْتَأْجِرٌ مِنْ نَفْعٍ؛ كَزِمَامِ) جملٍ، وهو الذي يَقوده به، (وَرَحْلِ) هـ، (وَحِزَامِ) هـ، (وَرَفْعِ) الأحمالِ والمَحاملِ، (وَشَدِّ) ها (وَحَطِّ) ها، (وَلُزُومِ بَعِيرٍ لِحَاجَةِ) مستأجِرٍ ل (نُزُولٍ (٤)) لصلاةِ (٥) فرضٍ، وقضاءِ حاجةِ الإنسانِ، وطهارةٍ، ويدَع البعيرَ واقفًا حتى يَقضيَ ذلك. (وَ) على مُؤْجِرٍ أيضًا: (عِمَارَةُ دَارٍ وَمِفْتَاحُهَا)، وما يَتمُّ به الانتفاعُ. و (لَا) يَلزم مُؤْجِرًا (تَفْرِيغُ بَالُوعَةٍ أَوْ كَنِيفٍ (٦))، وما فيها من زِبلٍ أو قُمامةٍ ومَصارفِ حمَّامٍ، (إِنْ سَلَّمَهَا) مُؤْجِرٌ (فَارِغَةً) مِنْ ذلك؛ (فَعَلَى مُسْتَأْجِرٍ) تفريغُها مِنْ ذلك؛ لأنَّه حصَل بفعله. (فصل) (وَهِيَ) أي: الإجارةُ (عَقْدٌ لَازِمٌ) مِنْ الطَّرفَين؛ لأنَّها نوعٌ مِنْ البيع، فليس

стр. 863

لأحدِهما فسخُها مِنْ غيرِ عيبٍ ونحوِه. و (لَا تَبْطُلُ) أي: لا تَنفسخ (بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) أي: العاقدَين، مع سلامةِ المعقودِ عليه، (وَ) لا تبطل ب (فَسْخِهِ) أي: فسخِ أحدِ العاقدَين (١)؛ للزومِها. (وَإِنْ حَوَّلَهُ) أي: مستأجرَ دارٍ (مَالِكُ) ها المُؤْجِرُ قبلَ انقضاءِ المدَّةِ؛ فلا شيءَ له مِنْ الأُجرة. (أَوْ مَنَعَهُ) أي: منَع مُؤْجِرٌ مستأجِرًا الشَّيءَ المُؤْجَرَ، (وَلَوْ بَعْضَ المُدَّةِ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ) أي: للمُؤْجِرِ مِنْ الأُجرة؛ لأنَّه لم يُسلِّم له ما تَناوله عقدُ الإجارةِ. (وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْ مُسْتَأْجِرٌ) الدَّارَ المُؤْجَرَةَ؛ فعَليه (٢) جميعُ الأُجرةِ، (أَوْ) سكَنها بعضَ المدَّة، ثمَّ (تَحَوَّلَ) منها؛ (فَعَلَيْهِ) جميعُ (الأُجْرَةِ)؛ لأنَّ المُؤْجِرَ فعَل ما عليه، وهو تسليمُ العينِ جميعَ المدَّةِ. (وَتَنْفَسِخُ) الإجارةُ (بِتَلَفِ) عينٍ (مُؤْجَرَةٍ)؛ كدابَّةٍ وعبدٍ ماتَا؛ لأنَّ المَنفعةَ زالَت بالكلِّيَّة. وإن كان التَّلفُ بعدَ مُضيِّ مدَّةٍ لها أُجرةٌ؛ انفسَخَت فيما بقي، ووجَب للماضي القسطُ. (وَ) تَنفسخ أيضًا ب (مَوْتِ مُرْتَضِعٍ)؛ لتعذُّرِ استيفاءِ المعقودِ عليه؛ لأنَّ غيرَه لا يَقوم مقامَه؛ للاختلافِ في الرَّضاع. (وَ) تَنفسخ أيضًا ب (انْقِلَاعِ ضِرْسٍ اكْتُرِيَ لِقَلْعِهِ، أَوْ) بِ (بُرْئِهِ)؛ لتعذُّرِ

стр. 864

استيفاءِ المعقودِ عليه، فإن لم يَبرأ، وامتَنع المستأجِرُ مِنْ قَلعه؛ لم يُجبَر (١). و (لَا) تَنفسخ الإجارةُ ب (مَوْتِ رَاكِبٍ، أَوْ ضَيَاعِ نَفَقَتِهِ (٢))؛ لأنَّ المعقودَ عليه مَنفعةُ الدَّابَّةِ وهي باقيةٌ، (أَوِ احْتِرَاقِ مَتَاعِهِ) وقد اكتَرَى نحوَ دُكَّانٍ ليبيعَ فيه، فالإجارةُ بحالها. (وَإِنِ اكْتَرَى دَارًا، فَانْهَدَمَتْ، أَوِ) اكتَرَى (أَرْضًا) لزرعٍ، (فَانْقَطَعَ مَاؤُهَا أَوْ غَرِقَتْ؛ انْفَسَخَتِ) الإجارةُ (فِيمَا بَقِيَ) مِنْ المدَّة؛ لأنَّ المقصودَ قد فات. (وَإِنْ تَعَيَّبَتْ) عينٌ (مُؤْجَرَةٌ) أي: حدَث بها عندَ مستأجِرٍ عيبٌ (٣)، وهو ما يَظهر به تفاوُتُ الأُجرةِ؛ فلَه الفسخُ، (أَوْ كَانَتِ) العينُ (مَعِيبَةً) حالَ عقدٍ، ولم يَعلم به مستأجِرٌ؛ (فَلَهُ الفَسْخُ) إن لم يَزُل بلا ضررٍ يَلحقه، (وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا مَضَى) بقِسطه مِنْ المسمَّى؛ لاستيفاءِ (٤) المَنفعةِ فيه، وله الإمضاءُ بلا أَرشٍ، والخيارُ على التَّراخي. (وَلَا يَضْمَنُ أَجِيرٌ خَاصٌّ)، وهو مَنْ استُؤجِر مدَّةً معلومةً يَستحقُّ المستأجِرُ نَفْعَه في جميعِها سِوَى فعلِ الخمسِ بسُنَنِها في أوقاتها، وصلاةِ جمعةٍ وعيدٍ (٥)،

стр. 865

وسُمِّي خاصًّا؛ لاختصاصِ المستأجِرِ بنفعِه تلك المدَّةَ، (مَا جَنَتْ يَدُهُ) أي: الأجيرِ حالَ كَونِ الجنايةِ (خَطَأً) لا عمدًا؛ كغلطٍ في تفصيلٍ، فلا يَضمن؛ لأنَّه نائبُ المالكِ في صرفِ مَنافعِه فيما أُمِر به، فلَم يَضمن؛ كوكيلٍ. وإن تَعدَّى أو فرَّط؛ ضَمِن. (وَيَضْمَنُ) أجيرٌ (مُشْتَرَكٌ (١))، وهو مَنْ قُدِّر نفعُه بالعمل؛ كخياطةِ ثوبٍ، وبناءِ حائطٍ، سُمِّي مشتركًا؛ لأنَّه يَتقبَّل أعمالًا لجماعةٍ في وقتٍ واحدٍ يَعمل لهم، فيَشتركون في نفعه؛ كالحائك والقَصَّارِ والصَّبَّاغِ والجمَّالِ، فكلٌّ منهم ضامنٌ (مَا تَلِفَ بِفِعْلِهِ)؛ كتخريقِ ثوبٍ، وغلطٍ في تفصيلٍ؛ لأنَّ عملَه مضمونٌ عليه؛ لكونِه لا يَستحقُّ العوضَ إلّا بالعملِ. ولو تَلِف الثَّوبُ في حِرزِه بعدَ عملِه؛ لم يَكُنْ له أُجرةٌ فيما عَمِل، بخلافِ الخاصِّ. والمتولِّدُ مِنْ المضمون: مضمونٌ، سواءٌ عمل (٢) في بيتِه أو بيتِ المستأجِرِ. و (لَا) يَضمن المشترَكُ ما تَلِف مِنْ (حِرْزِهِ (٣)) أو بغيرِ فعلِه؛ لأنَّ العينَ في يدِه أمانةٌ، (وَلَا أُجْرَةَ لَهُ) فيما عَمِل فيه؛ لأنَّه لم يُسلِّم عملَه إلى المستأجِرِ، فلَم

стр. 866

يَستحقَّ عِوَضًا (١). وإن حبَس الثَّوبَ على أُجرتِه فتَلِف؛ ضَمِنه، لا إن ضرَب الدَّابَّةَ بقَدْرِ العادةِ. (وَلَا) يَضمن (حَجَّامٌ، وَبَيْطَارٌ)، وخَتَّانٌ (وَطَبِيبٌ، حَاذِقٌ) كلٌّ منهم، أي: عارفٌ صَنْعتَه، بشرطِ (٢) أن يَكون كلٌّ منهم (لَمْ تَجْنِ يَدُهُ، وَ) أن يَكون قد (أُذِنَ) بالبناء للمفعول (فِيهِ) أي: في ذلك الفعلِ، أي: أَذن فيه مكلَّفٌ رشيدٌ، أو وليُّ غيرِه. وإنَّما لم يَضمن مَنْ ذُكِر؛ لأنَّه فعَل مباحًا، فلَم يَضمن (٣) سِرايتَه. ولا فرقَ بينَ خاصِّهم ومشترَكِهم، فإن لم يَكُنْ لهُم حِذْقٌ في الصَّنعةِ؛ ضَمِنوا؛ لتحريمِ مباشرةِ القطعِ إذَنْ. وكذا لو (٤) كان حاذقًا وجَنَت يدُه؛ كأنْ تَجاوزَ بالخِتان إلى بعضِ الحَشَفةِ، أو بآلةٍ كالَّةٍ، أو تَجاوزَ بقطعِ السِّلعةِ موضعَها، فيَضمن؛ لأنَّه إتلافٌ لا يَختلف ضمانُه بالعمد والخطأِ (٥).

стр. 867

(وَلَا) يَضمن أيضًا (رَاعٍ لَمْ يَتَعَدَّ (١) أَوْ يُفَرِّطْ)؛ لأنَّه مؤتَمَنٌ على الحفظ؛ كمودَعٍ، فإن تَعدَّى؛ كضربِها في غيرِ موضعِ الضَّربِ، أو فرَّط؛ كنومِه عنها؛ ضَمِن (٢). (وَتَجِبُ أُجْرَةٌ لَمْ تُؤَجَّلْ بِعَقْدٍ)، متعلِّقٌ ب «تَجِب»، أي: تَكون حالَّةً؛ كثَمنٍ وصَداقٍ، فإن شُرِط تأجيلُها بأجلٍ معلومٍ؛ لم تَجِب حتى يَحلَّ. (وَتُسْتَحَقُّ) الأُجرةُ، أي: يَملك المُؤْجِرُ الطَّلبَ بها (بِتَسْليِمِ عَمَلٍ فِي ذِمَّةٍ)، ولا يَجب تسليمُها قبلَه وإن وجَبَت بعقدٍ؛ لأنَّها عِوَضٌ، فلا يُستحقُّ تسليمُه إلّا مع تسليمِ المعوَّضِ (٣)؛ كالصَّداقِ. (وَتَسْتَقِرُّ) كاملةً (بِفَرَاغِ مُدَّةِ) الإجارةِ مع تسليمِ العينِ وعدمِ المانعِ، (وَنَحْوِهِ) أي: الفراغِ؛ كاستيفاء المَنفعةِ، وفراغِ عملِ ما بيدِ مستأجِرٍ، ودفعِه إليه، وإن كانت لعملٍ؛ فبِبَذلِ (٤) تسليمِ عينٍ (٥)، ومُضيِّ مدَّةٍ يُمكن الاستيفاءُ فيها (٦). (وَإِنْ تَسَلَّمَ) عينًا (فِي) إجارةٍ (فَاسِدَةٍ) وفرَغَت المدَّةُ؛ (فَ) الواجبُ (أُجْرَةُ مِثْلٍ) لمدَّةِ (٧) بقائِها في يدِه (٨)، انتَفع بالعين أو لا؛ لتلفِ المَنفعةِ تحتَ يدِه

стр. 868

بعِوَضٍ لم يُسلَّم للمُؤْجِرِ، فرُجِع إلى قيمتها. (وَنَفَقَةُ) دابَّةٍ (مُؤْجَرَةٍ عَلَى مَالِكِهَا؛ كَ) ما يَجب عليه (مُؤْنَةُ رَدِّ) ها، فلا يَلزمان المستأجِرَ.

стр. 869

(بَابُ الجَعَالَةِ) ذكَرها المصنِّفُ عَقِب الإجارةِ؛ لأنَّ كلًّا منهما عقَد على مَنفعةٍ بعِوَضٍ، وإن اختَلفَا في بعضِ الشُّروطِ، فإنَّ الجَعالةَ (١) أَوسعُ مِنْ الإجارة. وهي كما قال ابنُ مالكٍ بتَثليثِ الجيمِ (٢)، قال ابنُ فارسٍ (٣): الجُعْلُ والجَعالةُ والجعلةُ (٤): ما يُعطاه الإنسانُ على أمرٍ يَفعله (٥). وهي شرعًا: أن يَجعل جائزُ التصرُّفِ مالًا معلومًا لمَن يَعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا، مدَّةً معلومةً أو مجهولةً، كما قال المصنِّفُ (٦). (يَصِحُّ جَعْلُ) أي: بذلُ جائزِ التصرُّفِ لمالٍ (مَعْلُومٍ لِمَنْ يَعْمَلُ لَهُ) أي: للجاعلِ (عَمَلًا، وَلَوْ) كان العملُ (غَيْرَ مَعْلُومٍ، أَوْ) لمَن يَعمل (مُدَّةً، وَلَوْ) كانت (مَجْهُولَةً؛ كَرَدِّ عَبْدِهِ) مِنْ مَحلِّ كذا، أو مِنْ حيثُ وجَده (٧)، (وَ) كردِّ (لُقَطَةٍ) أي: مالٍ ضائعٍ له، فإن كانت اللُّقَطةُ في يدِ المَقُولِ (٨) له؛ لم يُبَح له أخْذُ الجُعلِ

стр. 870

إذَنْ (١)، (وَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وَبِنَاءِ حَائِطٍ، وَتَأْذِينٍ بِمَسْجِدٍ شَهْرًا، وَنَحْوِهِ)؛ كإمامته (٢) فيه شهرًا، فيصحُّ ذلك كلُّه. ويَجوز الجمعُ هنا بينَ المدَّةِ والعملِ؛ كخياطةِ ثوبٍ في يومٍ، بخلافِ الإجارةِ (٣). ولا يُشترط تعيينُ العاملِ؛ للحاجةِ (٤)، ويَقوم الشُّروعُ في العمل مقامَ القَبولِ. ودليلُها قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، وحديثُ اللَّديغِ (٥). (فَمَنْ فَعَلَهُ) أي: شيئًا ممَّا ذُكِر، (بَعْدَهُ) أي: بعدَ (٦) عِلمِه بقولِ الجاعلِ: مَنْ فعَل كذا فلَه كذا؛ (اسْتَحَقَّهُ) أي: العِوَضَ، يَنفرد (٧) به العاملُ الواحدُ،

стр. 871

(وَتَقْتَسِمُهُ) أي: العِوَضَ (الجَمَاعَةُ) العاملون. وإن عَلِم بالجُعل في أثناءِ العملِ؛ أخَذ بقِسطِ تمامه إن أَتمَّه بنيَّةِ الجُعلِ. (وَ) هي عقدٌ جائزٌ، لكلٍّ فسخُها؛ كالمضارَبة. ف (إِنْ فَسَخَ) هَا (عاملٌ) قبلَ تمامِ عملٍ؛ (لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا) مِنْ العِوَض؛ لأنَّه لم يأتِ بما شُرِط عليه. (وَ) إن فسَخها (جَاعِلٌ بَعْدَ شُرُوعِ عَامِلٍ) في العمل؛ (فِ) لعاملٍ على جاعلٍ (أُجْرَةُ عَمَلِهِ (١))؛ لأنَّه عَمِله بعِوَضٍ لم يُسلَّم له. وإن فسَخها قبلَ شروعٍ في عملٍ؛ فلا شيءَ لعاملٍ (٢). (وَإِنِ اخْتَلَفَا) أي: المالكُ والعاملُ (٣) (فِي) أصلِ (جُعْلٍ)، بأنْ قال العاملُ: جَعلتَ لي على هذا العمل كذا، وأَنكَر مالكٌ؛ فقولُه. (أَوِ) اختَلفَا في (قَدْرِهِ) أي: الجُعلِ؛ كأنْ قال العاملُ: جَعلتَ لي عشرةَ دراهمَ؛ (فَقَوْلُ جَاعِلٍ) أنَّه خمسةٌ مَثلًا؛ لأنَّه منكِرٌ، والأصلُ براءةُ ذمَّتِه.

стр. 872

(وَمَنْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا (١) بِلَا إِذْنٍ (٢) وَلَا جُعْلٍ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ (٣)) أي: للعاملِ (٤)؛ لأنَّه بذَل مَنفعتَه مِنْ غيرِ عِوَضٍ، فلَم يَستحقَّه، ولئلَّا يَلزمَ الإنسانَ ما لم يَلتزمه. (إِلَّا مَنْ رَدَّ آبِقًا) مِنْ المِصرِ أو خارجِه؛ (فَ) لَه (دِينَارٌ أَوِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا)، رُوي عن عمرَ (٥) وعليٍّ (٦) وابنِ مسعودٍ ﵃ (٧). (وَ) لمَن ردَّ الآبقَ أيضًا (مَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ) أي: على الآبق، فيَرجع به؛ لأنَّه مأذونٌ فيه شرعًا؛ لحُرمةِ النَّفسِ، ومَحلُّه: إن نوَى الرُّجوعَ.

стр. 873

(وَمَنْ خَلَّصَ مَتَاعَ غَيْرِهِ) مِنْ مهلكةٍ (١)، (أَوْ) خلَّص (قِنَّهُ) أي: قنَّ غيرِه (مِنْ مَهْلَكَةٍ (٢)؛ فَ) لَه (أُجْرَةُ (٣) مِثْلِهِ) إن نوَى الرُّجوعَ (٤)؛ لأنَّه مأذونٌ فيه عرفًا.

стр. 874

(بَابُ السَّبقِ) هو بتحريكِ الباءِ: العِوَضُ الذي يُسابَق عليه، وبسكونِها: المسابقةُ، أي: المجاراةُ بينَ حيوانٍ وغيرِه (١). (يَصِحُّ (٢)) أي: يَجوز السَّبْقُ (عَلَى الأَقْدَامِ، وَسَائِرِ الحَيَوَانَاتِ، وَالسُّفُنِ، وَنَحْوِهَا)؛ كالمَزاريق، ورَميِ الأحجارِ؛ «لأنَّه ﵊ سابَق عائشةَ»، رَواه أحمدُ وأبو داودَ (٣)، و «صارَع رُكَانةَ فصَرَعه» رَواه أبو داودَ (٤).

стр. 875

و (لَا) يَجوز سبْقٌ (بِعِوَضٍ إِلَّا فِي) سبقِ (إِبِلٍ وَخَيْلٍ وَسِهَامٍ)؛ لقولِه ﷺ : «لا سَبَقَ إِلّا فِي نَصْلٍ (١)، أو خُفٍّ، أو حافرٍ» رَواه الخمسةُ عن أَبي هريرةَ، ولم يَذكر ابنُ ماجَه: «أو نصلٍ (٢)»، وإسنادُه حسنٌ (٣)، قاله (٤) في «المبدِع» (٥). (وَلَا بُدَّ) لصحَّةِ السَّبقِ مِنْ (تَعْيِينِ (٦) المَرْكُوبَيْنِ)، لا الرَّاكبَين؛ لأنَّ القصدَ معرفةُ سرعةِ عَدْوِ الحيوانِ الذي يُسابَق (٧) عليه. (وَ) لا بدَّ مِنْ (اتِّحَادِهِمَا) أي: المركوبَين (نَوْعًا)، فلا يصحُّ بينَ عربيٍّ وهَجينٍ. (وَ) لا بدَّ في المناضَلة مِنْ تعيينِ (الرُّمَاةِ)، بضمِّ الراءِ، جمعُ «رامٍ»؛ لأنَّ القصدَ معرفةُ حِذقِهم، ولا يَحصل إلّا بالتَّعيين بالرُّؤية. (وَ) لا بدَّ أيضًا مِنْ تحديدِ (المَسَافَةِ)؛ بأنْ يَكون لابتداءِ عَدْوِهما وآخرِه غايةٌ لا يَختلفان فيها. (و) يُعتبر في المناضَلة تحديدُ مدَى الرَّميِ (بِقَدْرٍ مُعْتادٍ) فيه، فلَو جعلَا مسافةً بعيدةً تَتعذَّر الإصابةُ في مِثلها غالبًا، وهو ما زادَ على ثلاثِمائةِ ذراعٍ؛ لم

стр. 876

تصحَّ؛ لأنَّ الغرضَ يَفوت بذلك. (وَ) يُعتبر في المناضَلةِ أيضًا (اتِّحَادُ نَوْعِ القَوْسَيْنِ)، فلا تصحُّ بينَ قوسٍ عربيَّةٍ وفارسيَّةٍ. (وَ) يُعتبر (١) في المسابَقة والمناضَلةِ (خُرُوجُ) العِوَضِ (عَنْ شِبْهِ قِمَارٍ)، بكسرِ القافِ، يُقال: قامَرَه قِمارًا ومُقامَرةً، فقَمَره: إذا راهَنَه فغلَبه، وذلك بأنْ لا يُخرِج جميعُهم؛ لأنَّه إذا أخرَج (٢) جمعُيهم لم يَخلُ كلٌّ (٣) مِنْ أن يَغنم أو يَغرمَ (٤)، وهو شِبهُ القِمارِ (٥). (وَلِكُلِّ) واحدٍ منهما (فَسْخُهَا)؛ لأنَّها عقدٌ جائزٌ، إلّا أن يَظهر الفضلُ لأحدِهما (٦)؛ فلَه الفسخُ دونَ صاحبِه. (وَلَا تَصِحُّ مُنَاضَلَةٌ) أي: مسابقةٌ بالرَّمي، مِنَ «النَّضْلِ»، وهو السَّهمُ التَّامُّ،

стр. 877

(إِلَّا عَلَى مُعَيَّنٍ)، اثنَين أو جماعتَين؛ لأنَّ القصدَ معرفةُ الحِذقِ كما تَقدَّم، (يُحْسِنُ الرَّمْيَ)؛ لأنَّ مَنْ لا يُحسنه وجودُه كعَدمه. ويُشترط أيضًا تعيينُ عدد (١) الرَّميِ والإصابةِ، ومعرفةُ قَدْرِ الغرضِ؛ كطوله وعرضِه وسَمكِه وارتفاعِه مِنْ الأرضِ. والسُّنَّةُ أن يَكون لهُما غرَضان، إذا بدَأ أحدُهما بغرضٍ؛ بدَأ الآخرُ بالثاني؛ لفعلِ الصَّحابةِ ﵃ (٢).

стр. 878

(بَابُ العَارِيَةِ (١)) بتخفيفِ الياءِ وتشديدِها، مِنْ العُرْيِ، وهو التَّجرُّدُ. سُمِّيَت عاريةً؛ لتجرُّدِها مِنْ العِوَض. وهي: العينُ المأخوذةُ للانتفاعِ بها بلا عوضٍ (٢). والإعارةُ: إباحةُ نفعِها بلا عِوَضٍ. وتَنعقد بكلِّ لفظٍ أو فعلٍ دلَّ عليها. وشُرِط (٣): أهليَّةُ مُعيرٍ للتبرُّعِ شرعًا، وأهليَّةُ مستعيرٍ للتبرُّعِ له (٤). وهي مستحبَّةٌ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. و (تَصِحُّ إِعَارَةُ كُلِّ ذِي نَفْعٍ مُبَاحٍ)؛ كدارٍ، وعبدٍ، ودابَّةٍ، وثوبٍ (٥). (غَيْرَ البُضْعِ)؛ لأنَّ الوطءَ لا يَجوز إلّا في نكاحٍ أو مِلكِ يمينٍ، وكلاهُما مُنتفٍ هنا. (وَ) غيرَ (عَبْدٍ مُسْلِمٍ)، فلا تصحُّ إعارتُه (لِكَافِرٍ يَخْدُمُهُ)؛ لأنَّه لا يَجوز له

стр. 879

استخدامُه (١). (وَ) غيرَ (صَيْدٍ) ونحوِه (لِمُحْرِمٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. (وَلَا تُعَارُ أَمَةٌ شَابَّةٌ (٢) لِغَيْرِ) رجلٍ (مَحْرَمٍ، أَوِ امْرَأَةٍ (٣))؛ لأنَّه لا يُؤمَن عليها، ولا بأسَ بشَوهاءَ وكبيرةٍ لا تُشتهى. ولمُعيرٍ رجوعٌ متى شاء، ما لم يَأذَن في شَغلِه بشيءٍ يَستضرُّ مستعيرٌ (٤) برجوعه فيه؛ كسفينةٍ لحملِ مَتاعِه، فلا رجوعَ له (٥) حتى تُرسَى (٦). (وَمَنْ أَعَارَ حَائِطًا لِوَضْعِ خَشَبٍ) أو بناءٍ عليه، فوضَع مستعيرٌ أو بنَى؛ (لَمْ يَرْجِعْ) مُعيرٌ (حَتَّى يَسْقُطَ) الخشبُ أو البناءُ؛ لأنَّه يُراد للبقاءِ، وفيه ضررٌ على المستعيرِ بقَلعِه (٧).

стр. 880

(وَلَا أُجْرَةَ) لمُعيرٍ في الحالة المذكورةِ؛ لأنَّ بقاءَه بحُكمِ العاريَةِ، فوجَب كَونُه بلا أُجرةٍ، بخلافِ مَنْ أعارَ أرضًا لزرعٍ ثمَّ رجَع، فيَبقى الزَّرعُ بأُجرةِ مِثلٍ (١) لحصادِه؛ جمعًا بينَ الحقَّيَن. (فَإِنْ سَقَطَ) خشبٌ (٢) أو بناءٌ لهدمٍ أو غيرِه؛ (لَمْ يُرَدَّ (٣)) أي: لم يُعَد الخشبُ (بِلَا إِذْنِهِ) أي: المُعيرِ؛ لأنَّ الإذنَ تَناول الأوَّلَ، فلا يَتعدَّاه لغيرِه بلا إذنٍ جديدٍ، أو عندَ الضَّرورةِ إلى وضعِه إذا لم يَتضرَّر الحائطُ، كما تَقدَّم في الصُّلح. واستَظهَر ابنُ نصرِ اللهِ: أنَّ مَحلَّه إذا كان صاحبُ الحائطِ طالَب برفعِ ما عليه، وإلّا فيُعيده؛ استصحابًا للإذنِ الأوَّلِ. (وَتُضْمَنُ (٤) العَارِيَةُ) المقبوضةُ إذا تَلِفَت في غيرِ ما استُعيرَت له؛ لقولِه ﷺ : «وعلى اليدِ ما أَخذَت حتى تُؤدِّيَه» رَواه الخمسةُ (٥)، وصحَّحه الحاكمُ (٦).
следующие страницы →