← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

تصحَّ؛ لأنَّ الغرضَ يَفوت بذلك. (وَ) يُعتبر في المناضَلةِ أيضًا (اتِّحَادُ نَوْعِ القَوْسَيْنِ)، فلا تصحُّ بينَ قوسٍ عربيَّةٍ وفارسيَّةٍ. (وَ) يُعتبر (١) في المسابَقة والمناضَلةِ (خُرُوجُ) العِوَضِ (عَنْ شِبْهِ قِمَارٍ)، بكسرِ القافِ، يُقال: قامَرَه قِمارًا ومُقامَرةً، فقَمَره: إذا راهَنَه فغلَبه، وذلك بأنْ لا يُخرِج جميعُهم؛ لأنَّه إذا أخرَج (٢) جمعُيهم لم يَخلُ كلٌّ (٣) مِنْ أن يَغنم أو يَغرمَ (٤)، وهو شِبهُ القِمارِ (٥). (وَلِكُلِّ) واحدٍ منهما (فَسْخُهَا)؛ لأنَّها عقدٌ جائزٌ، إلّا أن يَظهر الفضلُ لأحدِهما (٦)؛ فلَه الفسخُ دونَ صاحبِه. (وَلَا تَصِحُّ مُنَاضَلَةٌ) أي: مسابقةٌ بالرَّمي، مِنَ «النَّضْلِ»، وهو السَّهمُ التَّامُّ،

стр. 877

(إِلَّا عَلَى مُعَيَّنٍ)، اثنَين أو جماعتَين؛ لأنَّ القصدَ معرفةُ الحِذقِ كما تَقدَّم، (يُحْسِنُ الرَّمْيَ)؛ لأنَّ مَنْ لا يُحسنه وجودُه كعَدمه. ويُشترط أيضًا تعيينُ عدد (١) الرَّميِ والإصابةِ، ومعرفةُ قَدْرِ الغرضِ؛ كطوله وعرضِه وسَمكِه وارتفاعِه مِنْ الأرضِ. والسُّنَّةُ أن يَكون لهُما غرَضان، إذا بدَأ أحدُهما بغرضٍ؛ بدَأ الآخرُ بالثاني؛ لفعلِ الصَّحابةِ ﵃ (٢).

стр. 878

(بَابُ العَارِيَةِ (١)) بتخفيفِ الياءِ وتشديدِها، مِنْ العُرْيِ، وهو التَّجرُّدُ. سُمِّيَت عاريةً؛ لتجرُّدِها مِنْ العِوَض. وهي: العينُ المأخوذةُ للانتفاعِ بها بلا عوضٍ (٢). والإعارةُ: إباحةُ نفعِها بلا عِوَضٍ. وتَنعقد بكلِّ لفظٍ أو فعلٍ دلَّ عليها. وشُرِط (٣): أهليَّةُ مُعيرٍ للتبرُّعِ شرعًا، وأهليَّةُ مستعيرٍ للتبرُّعِ له (٤). وهي مستحبَّةٌ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. و (تَصِحُّ إِعَارَةُ كُلِّ ذِي نَفْعٍ مُبَاحٍ)؛ كدارٍ، وعبدٍ، ودابَّةٍ، وثوبٍ (٥). (غَيْرَ البُضْعِ)؛ لأنَّ الوطءَ لا يَجوز إلّا في نكاحٍ أو مِلكِ يمينٍ، وكلاهُما مُنتفٍ هنا. (وَ) غيرَ (عَبْدٍ مُسْلِمٍ)، فلا تصحُّ إعارتُه (لِكَافِرٍ يَخْدُمُهُ)؛ لأنَّه لا يَجوز له

стр. 879

استخدامُه (١). (وَ) غيرَ (صَيْدٍ) ونحوِه (لِمُحْرِمٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. (وَلَا تُعَارُ أَمَةٌ شَابَّةٌ (٢) لِغَيْرِ) رجلٍ (مَحْرَمٍ، أَوِ امْرَأَةٍ (٣))؛ لأنَّه لا يُؤمَن عليها، ولا بأسَ بشَوهاءَ وكبيرةٍ لا تُشتهى. ولمُعيرٍ رجوعٌ متى شاء، ما لم يَأذَن في شَغلِه بشيءٍ يَستضرُّ مستعيرٌ (٤) برجوعه فيه؛ كسفينةٍ لحملِ مَتاعِه، فلا رجوعَ له (٥) حتى تُرسَى (٦). (وَمَنْ أَعَارَ حَائِطًا لِوَضْعِ خَشَبٍ) أو بناءٍ عليه، فوضَع مستعيرٌ أو بنَى؛ (لَمْ يَرْجِعْ) مُعيرٌ (حَتَّى يَسْقُطَ) الخشبُ أو البناءُ؛ لأنَّه يُراد للبقاءِ، وفيه ضررٌ على المستعيرِ بقَلعِه (٧).

стр. 880

(وَلَا أُجْرَةَ) لمُعيرٍ في الحالة المذكورةِ؛ لأنَّ بقاءَه بحُكمِ العاريَةِ، فوجَب كَونُه بلا أُجرةٍ، بخلافِ مَنْ أعارَ أرضًا لزرعٍ ثمَّ رجَع، فيَبقى الزَّرعُ بأُجرةِ مِثلٍ (١) لحصادِه؛ جمعًا بينَ الحقَّيَن. (فَإِنْ سَقَطَ) خشبٌ (٢) أو بناءٌ لهدمٍ أو غيرِه؛ (لَمْ يُرَدَّ (٣)) أي: لم يُعَد الخشبُ (بِلَا إِذْنِهِ) أي: المُعيرِ؛ لأنَّ الإذنَ تَناول الأوَّلَ، فلا يَتعدَّاه لغيرِه بلا إذنٍ جديدٍ، أو عندَ الضَّرورةِ إلى وضعِه إذا لم يَتضرَّر الحائطُ، كما تَقدَّم في الصُّلح. واستَظهَر ابنُ نصرِ اللهِ: أنَّ مَحلَّه إذا كان صاحبُ الحائطِ طالَب برفعِ ما عليه، وإلّا فيُعيده؛ استصحابًا للإذنِ الأوَّلِ. (وَتُضْمَنُ (٤) العَارِيَةُ) المقبوضةُ إذا تَلِفَت في غيرِ ما استُعيرَت له؛ لقولِه ﷺ : «وعلى اليدِ ما أَخذَت حتى تُؤدِّيَه» رَواه الخمسةُ (٥)، وصحَّحه الحاكمُ (٦).

стр. 881

فيَضمنها (١) مستعيرٌ (وَلَوْ لَمْ يُفَرِّطْ) في حفظها (٢)، (أَوْ شَرَطَ نَفْيَ) أي: عدمَ (ضَمَانِهَا)، فيَلغُو الشَّرطُ؛ لأنَّ كلَّ عقدٍ اقتَضى الضَّمانَ لم يُغيِّره الشَّرطُ. وإن تَلِفَت هي أو جُزؤُها في انتفاعٍ بمعروفٍ؛ لم تُضمن؛ لأنَّ الإذنَ في الاستعمالِ تَضمَّن الإذنَ في الإتلاف، وما أُذِن في إتلافه غيرُ مضمونٍ. (غَيْرَ كُتُبِ) علمٍ (وَقْفٍ، وَنَحْوِهَا)؛ كدُروعٍ موقوفةٍ على غُزاةٍ، فلا تُضمن بلا تفريطٍ؛ كسرقةٍ مِنْ حِرزِ مِثلِها؛ لأنَّ قابضَها قبَضها باستحقاقه، فليسَت عاريةً مَحضةً، وأمَّا الوقفُ على معيَّنٍ فكالطِّلقِ (٣). (وَعَلَيْهِ) أي: على مستعيرٍ (مُؤْنَةُ (٤) رَدِّهَا) أي: العاريةِ؛ لِما تَقدَّم مِنْ حديثِ: «على اليدِ ما أَخذَت حتى تُؤدِّيَه»، وإذا كانت واجبةَ الرَّدِّ على مستعيرٍ

стр. 882

فمُؤنتُه عليه (١)، بخلافِ مُؤْجَرةٍ، كما تَقدَّم. (وَلَا يُعِيرُ مُسْتَعِيرٌ) العاريةَ، (وَلَا يُؤْجِرُ) هَا؛ لأنَّها إباحةُ مَنفعةٍ، فلَم يَجُز أن يُبيحها غيرَه، كإباحةِ طعامٍ (٢). (فَإِنْ) أَعارها و (تَلِفَتْ عِنْدَ) مستعيرٍ أو مستأجِرٍ (ثَانٍ؛ ضَمَّنَ) بتشديد الميمِ مالكُ العينِ قيمتَها وأُجرتَها (٣) (أَيَّهُمَا) أيْ: الشَّخصَين المستعيرَ والآخذَ منه (شَاءَ)، أمَّا الأوَّلُ؛ فلأنَّه سلَّط غيرَه على أخذِ مالِ غيرِه بغيرِ إذنِه، وأمَّا الثاني؛ فلِفَواتِ العينِ والمَنفعةِ تحتَ يدِه، والقرارُ على الثاني إن عَلِم، وإلّا ضَمِن العينَ في عاريةٍ، ويَستقرُّ ضمانُ المَنفعةِ على الأوَّل (٤). (وَلَا يَضْمَنُ) شخصٌ (مُنْقَطِعٌ) دابَّةً (أُرْكِبَ) بالبناء للمفعول، أي: أَركَبه إيَّاها مالكُها (لِلثَّوَابِ)، فتَلِفَت تحتَ المنقطِعِ، (وَلَا) يَضمن (ضَيْفٌ) غُطِّي بلحافٍ فسُرِق، (وَلَا رَدِيفُ رَبِّهَا) أي: الدَّابَّةِ، بأنْ أَركَب ربُّ الدَّابَّةِ معه آخرَ فتَلِفَت تحتَهما، فلا ضمانَ (٥)؛ لأنَّها غيرُ مقبوضةٍ؛ لأنَّها بيدِ صاحبِها، والمستعيرُ لم يَنفرد بحفظِها. وفُهِم منه: أنَّه لو انفَرد الرَّاكبُ بحفظها عن مالكها، بحيثُ لم تَكُنْ تحتَ يدِ مالكِها فتَلِفَت؛ ضَمِنها.

стр. 883

وانظُر هل يُخالف هذا (١) قولَ ابنِ نصرِ اللهِ: لو ماتت بالانتفاع بالمعروف؛ فلا ضمان؟ (٢) (أَوْ وَكِيلُهُ) أي: ولا يَضمن وكيلُ ربِّ الدَّابَّةِ في حفظها إذا تَلِفَت تحتَ يدِه؛ لأنَّه لم يَثبت لها حُكمُ العاريةِ. (وَإِنْ قَالَ) ربُّ عينٍ لآخذِها: (أَعَرْتُكَ)، ف (قَالَ) قابضٌ: (بَلْ أَجَرْتَنِي، وَالعَيْنُ تَالِفَةٌ) عندَ الاختلافِ؛ (فَقَوْلُ مَالِكٍ) بيمينه؛ لأنَّ الأصلَ في القابضِ لمالِ غيرِه الضَّمانُ. (وَكَذَا) لو قال مالكٌ: (أَجَرْتُكَ، قَالَ) قابضٌ: (بَلْ أَعَرْتَنِي)، وكان ذلك الاختلافُ (عَقِبَ عَقْدٍ، فَإِنْ) لم يَمضِ ما له أُجرةٌ؛ فقول قابضٍ بيمينِه: إنَّه (٣) لم يَستأجرها؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الإجارةِ، وتُردُّ لمالكِها. وإن كان اختلافُهما بعدَ أن (مَضَى مَا) أي: زمنٌ (لَهُ أُجْرَةٌ؛ فَ) قولُ مالكٍ فيما مضَى بيمينِه، ويَجب له (أُجْرَةُ مِثْلٍ لِمَاضٍ). (وَ) إن قال قابضٌ لمالكٍ: (أَعَرْتَنِي، أَوْ) قال له: (أَجَرْتَنِي، أَوْ) قال له: (أَوْدَعْتَنِي، قَالَ) مالكٌ: (بَلْ غَصَبْتَنِي) والعينُ قائمةٌ؛ فقولُ مالكٍ بيمينِه في

стр. 884

وجوبِ الأُجرةِ ورفعِ اليدِ. (أَوِ اخْتَلَفَا) أي: المُعيرُ والمستعيرُ (فِي رَدِّ) العينِ؛ (فَقَوْلُ مَالِكٍ بِيَمِينِهِ)؛ لأنَّ المستعيرَ قبَض العينَ لحظِّ نفسِه، فلَم يُقبل قولُه في الرَّدِّ.

стр. 885

(بَابُ الغَصْبِ (١)) مصدرُ: غصَب يَغصِب، بكسرِ الصادِ. وهو لغةً: أخذُ الشَّيءِ ظلمًا. واصطلاحًا: استيلاءُ غيرِ حَربيٍّ عرفًا على حقِّ غيرِه قهرًا بغيرِ حقٍّ، ومنه: المأخوذُ مَكسًا، ونحوُه. (وَيُضْمَنُ بِهِ) أي: بسببِ الغصبِ (عَقَارٌ (٢))، بفتحِ العينِ؛ لحديثِ: «مَنْ ظلَم شبرًا مِنْ أرضٍ طُوِّقَه يومَ القيامةِ مِنْ سَبعِ أَرَضِينَ» متَّفق على معناه (٣). (كَ) ما تُضمن (أُمُّ وَلَدٍ) بغصبٍ؛ لأنَّ حُكمَها كالقِنِّ في الضَّمان بقيمتِها لو قُتِلَت (٤)، دونَ دِيَتِها، فهو دليلُ (٥) مالِيَّتِها. و (لَا) يُضمن (كَلْبٌ يُقْتَنَى)؛ ككلبِ صيدٍ وماشيةٍ وزرعٍ، (وَلَا) تُضمن (٦) (خَمْرُ ذِمِّيٍّ) مستورةٌ، (وَيُرَدَّانِ) أي: الكلبُ المقتَنى، وخمرُ الذِّمِّيِّ المستورةُ (٧) إن بَقِيَا؛ لأنَّ الكلبَ يَجوز الانتفاعُ به واقتناؤُه، وخمرَ الذِّمِّيِّ يُقَرُّ على شُربها،

стр. 886

وهي مالٌ عندَه. (وَلَا) يُضمن (جِلْدُ مَيْتَةٍ) غُصِب قبلَ الدَّبغِ، ولا يَجب ردُّه ولو بعدَ دَبغِ الغاصبِ له؛ لأنَّه لا يَطهر بدبغٍ، قاله في «المنتهى» و «الإقناع»، تبعًا ل «التنقيح» و «الإنصاف» (١). وفيه وجهٌ: يُرَدُّ، وصحَّحه الحارثيُّ، و «تصحيحُ الفروع» و «التَّوضيح» (٢)، قال المصنف: و «تصحيح الفروع» متأخر، فيقدم ما فيه على «الإنصاف» (٣). (وَلَا) يُضمن (حُرٌّ) كبيرٌ أو صغيرٌ باستيلاءٍ عليه؛ لأنَّه ليس بمالٍ، (فَإِنْ حَبَسَهُ) مدَّةً لمِثلِها أُجرةٌ؛ فعَليه أُجرتُه، (أَوْ اسْتَعْمَلَهُ كُرْهًا؛ فَأُجْرَتُهُ) عليه؛ لأنَّه فوَّت مَنفعتَه، وهي مالٌ يَجوز أخذُ العِوَضِ عنها (٤). وإن منَعه العملَ بلا غصبٍ ولا حبسٍ (٥)؛ لم يَضمن مَنافعَه. (وَيَجِبُ) على غاصبٍ (رَدُّ مَغْصُوبٍ) إن كان باقيًا وقدَر عليه، وإن زادَ؛ لَزِم ردُّه (بِزِيَادَتِهِ) المتَّصلةِ والمنفصلةِ، (وَلَوْ تَكَلَّفَ) على ردِّ المغصوبِ (أَضْعَافَ قِيمَتِهِ)؛ لكَونِه بُنِي عليه أو بُعِّدَ (٦) ونحوِه.

стр. 887

(وَإِنْ نَقَصَ) مغصوبٌ؛ (فَعَلَيْهِ) أي: وجَب على الغاصب ضمانُ (نَقْصِ قِيمَتِهِ) أي: المغصوبِ، ولو بنَباتِ لحيةِ أَمرَدَ، فيَغرم ما نقَص مِنْ قيمته، وأَرشَ جِنايتِه (١). (وَإِنْ بَنَى) غاصبٌ (أَوْ غَرَسَ) أرضًا (مَغْصُوبَةً؛ لَزِمَهُ قَلْعُهُ) إذا طالَبَه (٢) المالكُ بقَلعِ (٣) ما بَناه أو غرَسَه؛ لقولِه ﷺ : «ليس لعِرقٍ ظالمٍ حقٌّ» (٤). (وَ) لَزِمه (أَرْشُ نَقْصِهَا) أي: الأرضِ، (وَتَسْوِيَتُهَا)؛ لأنَّه ضررٌ حصَل بفعلِه، (وَأُجْرَتُهَا) أي: أُجرةُ مِثلِها إلى وقتِ التَّسليمِ. وإن بذَل ربُّها قيمةَ الغِراسِ والبناءِ ليَملِكَه؛ لم يَلزم غاصبًا قَبولُه. (وَإِنْ زَرَعَهَا) أي: الأرضَ غاصبٌ؛ (فَلِرَبِّهَا قَبْلَ حَصْدِهِ) أي: الزَّرعِ (تَمَلُّكُهُ بِمِثْلِ بَذْرِهِ، وَعِوَضِ لَوَاحِقِهِ)، مِنْ حَرثٍ وسَقيٍ ونحوِهما، (وَلَا أُجْرَةَ) لربِّها (إِذَنْ) أي: حيثُ اختارَ التملُّكَ. فإن لم يَتملَّك ربُّ الأرضِ، بل اختارَ تَبقِيَتَه إلى حصادٍ بأُجرةِ مِثلِه؛ كان له ذلك.

стр. 888

وأمَّا إن طالَب بالأرض بعدَ حصدِ الزَّرعِ؛ فليس له إلّا الأُجرةُ. (وَإِنْ غَصَبَ جَارِحًا، أَوْ عَبْدًا، أَوْ فَرَسًا، فَصَادَ) الغاصبُ أو غيرُه (بِهِ) أي: بالجارح (أَوِ) العبدِ أو الفرسِ صيدًا (١)، أو غَزَا على الفرسِ و (غَنِمَ؛ فَ) الصَّيدُ وسهمُ الفرسِ مِنْ الغنيمةِ (لِمَالِكِهِ) أي: الجارحِ أو العبدِ أو الفرسِ؛ لأنَّه بسببِ (٢) مِلكِه، فكان له، (بِلَا أُجْرَةٍ) لجارحٍ ونحوِه (٣)، (زَمَنَهُ) أي: زمنَ الاصطيادِ ونحوِه؛ لعَودِ المَنافعِ إلى المالك في هذه المدَّةِ. وهذا بخلافِ ما لو غصَب مِنجَلًا وقطَع به شجرًا أو حشيشًا؛ فهو للغاصبِ؛ لأنَّه آلةٌ، كالحبلِ يُربط به. (وَإِنْ ضَرَبَ الغَصْبَ) مِنْ نحوِ فضَّةٍ (٤) (دَرَاهِمَ، أَوْ صَاغَهُ) نحوَ خَلخالٍ، (أَوْ نَسَجَ الغَزْلَ، أَوْ قَصَرَ الثَّوْبَ) أو صبَغه، (أَوْ نَجَرَ الْخَشَبَ) بابًا، (أَوْ صَارَ الحَبُّ) بيدِ الغاصبِ (زَرْعًا، أَوْ) صارت (البَيْضَةُ فَرْخًا، أَوْ) صار (النَّوَى غَرْسًا؛ رَدَّهُ) الغاصبُ (وَ) ردَّ (أَرْشَ نَقْصِهِ) إن نقَص. (وَلَا شَيْءَ لِغَاصِبٍ إِنْ زَادَ) بذلك، (وَلَا) أُجرةَ (لِعَمَلِهِ) أي: الغاصبِ بنحوِ نسجٍ؛ لأنَّه تبرُّعٌ في مِلكِ غيرِه، ولمالكٍ إجبارُه على إعادةِ ما أَمكَن ردُّه إلى الحالة الأُولى؛ كحَليٍ ودراهمَ.

стр. 889

(وَإِنْ خَصَى) غاصبٌ (رَقِيقًا) مغصوبًا؛ (رَدَّهُ مَعَ قِيمَتِهِ (١)) ولو زادَ بخِصاءٍ؛ لأنَّ الخُصيَتَين يَجب فيهما كمالُ القيمةِ، كما يَجب فيهما كمالُ الدِّيةِ مِنْ الحُرِّ. وكذا لو قطَع منه ما فيه دِيةٌ (٢)، كذكَره وأنفِه. (وَإِنْ قَطَعَ) مِنْ رقيقٍ ما فيه مقدَّرٌ دونَ الدِّيةِ؛ كما لو قطَع (يَدَهُ) أو جَفنَه؛ (رَدَّهُ، وَ) ردَّ معه (أَكْثَرَ الأَمْرَيْنِ مِمَّا نَقَصَ) بالقطع (وَأَرْشِ) أي: دِيةِ (الجِنَايَةِ)؛ لوجودِ (٣) سببِ كلٍّ منهما، فوجَب أكثرُهما، ودخَل فيه الآخرُ. فلَو غصَب عبدًا قيمتُه ألفٌ، فزادَت (٤) قيمتُه إلى ألفَين، ثمَّ قطَع يدَه، فصارَ (٥) يُساوي ألفًا وخمسَمائةٍ؛ ردَّه وألفًا، وإن صارَ يُساوي خمسَمائةٍ؛ ردَّه وألفًا وخمسَمائةٍ. فإن كان الجاني غيرَ الغاصبِ؛ فعَليه أَرشُ الجِنايةِ (٦) فقط، وما زادَ يَستقرُّ على الغاصب، ولمالكٍ تضمينُ غاصبٍ الكلَّ. (وَلَا يَضْمَنُ) غاصبٌ (نَقْصَ سِعْرٍ (٧))؛ لأنَّه ردَّ العينَ بحالِها، لم يَنقص

стр. 890

منها عينٌ ولا صفةٌ، فلَم يَلزمه شيءٌ. (وَإِنْ خُلِطَ) بالبناء للمفعول، مغصوبٌ بما يَتميَّز؛ كحِنطةٍ بشَعيرٍ؛ فعَلى غاصبٍ تخليصُه، وردُّه، وأُجرةُ ذلك عليه. وإن خُلِط (١) (بِمِثْلِهِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ؛ كَزَيْتٍ) بزيتٍ أو شَيرَجٍ، (وَحِنْطَةٍ) بحنطةٍ؛ (فَ) المالِكان (شَرِيكَانِ) في المختلِطِ بقَدْرِ قِيمتَيهما، كاختلاطِهما بلا غصبٍ. (وَكَذَا) يَشترك المالِكان (لَوْ صَبَغَ) غاصبٌ (ثَوْبًا)، أو لَتَّ سَوِيقًا بدُهنٍ، أو عكسُه، ولم تَزِد القيمةُ (٢) ولم تَنقص. (وَيَضْمَنُ) الغاصبُ (نَقْصَ القِيمَةِ) إن نقَصَت؛ لتعدِّيه. (وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا)؛ كأنْ كانت قيمةُ الثَّوبِ عشرةً والصِّبغِ خمسةً، وصارَ مصبوغًا يُساوي عشرين بسببِ غُلوِّ الثَّوبِ أو الصِّبغِ؛ (فَ) الزيادةُ (لِصَاحِبِهِ) أي: لصاحبِ (٣) المِلكِ الذي زادَت قيمتُه؛ لأنَّه تبعٌ للأصلِ. (وَلَا جَبْرَ عَلَى قَلْعِ صِبْغِ) الثَّوبِ، بكسرِ الصادِ المهمَلةِ، يَعني أنَّه (٤) لو طلَب مالكُ الصِّبغِ أو الثَّوبِ قَلْعَ الصِّبغِ مِنْ الثَّوبِ؛ لم تَلزمه (٥) إجابتُه؛ لأنَّ فيه إتلافًا لمِلكِ الآخرِ، حتى ولو (٦) ضَمِن الطالبُ النَّقصَ.

стр. 891

وإن وهَب الصِّبغَ لمالكِ الثَّوبِ؛ لَزِم (١) قَبولُه. (وَإِنِ اسْتُحِقَّتْ) بالبناء للمفعول، (أَرْضٌ (٢)) أي: ظهَر أنَّها لغيرِ بائِعها، وقد غرَسها مشترٍ أو بَناها، (فَقُلِعَ غَرْسُ مُشْتَرٍ وَبِنَاؤُهُ؛ رَجَعَ) مشترٍ لم يَعلم الحالَ (٣) (بِمَا غَرِمَهُ عَلَى بَائِعِهِ (٤))، مِنْ ثمنٍ أَقبَضه،

стр. 892

وأُجرةِ غارسٍ (١) وبانٍ، وثَمنِ مُؤَنٍ مستهلَكةٍ (٢)، وأَرشِ نقصٍ بقلعٍ، وأُجرةٍ، ونحوِه؛ لأنَّه غَرَّه ببَيعِه، وأَوهَمه أنَّها مِلكُه. (وَتَصَرُّفُ غَاصِبٍ فِيهِ) أي: في الغصبِ بنحوِ بيعٍ وإجارةٍ وحجٍّ: (بَاطِلٌ)؛ لعدمِ إذنِ المالكِ (٣)، والأيدي المترتِّبةُ على يدِ (٤) الغاصبِ كلُّها أَيدِي ضمانٍ. (وَلِمَالِكِهِ (٥)) أي: الغصبِ (تَضْمِينُهُ) أي: الغاصبِ، (وَ) له (تَضْمِينُ مَنْ صَارَ إِلَيْهِ) الغصبُ، فإن عَلِم الثَّاني؛ فقرارُ الضَّمانِ عليه، وإلّا فعَلى الأوَّل، إلّا ما دخَل الثاني على أنَّه مضمونٌ عليه، فيَستقرُّ عليه (٦) ضمانُه (٧).

стр. 893

(وَيُضْمَنُ) بالبناء للمفعول، مغصوبٌ (مِثْلِيٌّ)، وهو كلُّ مَكيلٍ أو موزونٍ لا صناعةَ فيه مباحةٌ، يصحُّ السَّلمُ فيه، إذا (تَلِفَ) أو أُتلف (بِمِثْلِهِ)؛ لأنَّه لمَّا تَعذَّر ردُّ العينِ؛ لَزِمه ردُّ (١) ما يَقوم مقامَها، والمِثلُ أقربُ إليه مِنْ القيمة. ويَنبغي أن يُستثنى منه: الماءُ في المَفازة؛ فإنَّه يُضمن بقيمته في مكانه، ذكَره في «المبدِع» (٢). فإن أَعوَز المِثلُ لعدمٍ أو بُعدٍ أو غَلاءٍ؛ فقيمتُه يومَ إعوازِه. (وَ) يُضمن (مَتَقَوِّمٌ (٣))، وهو غيرُ المِثليِّ، إذا تَلِف أو أُتلف (بِقِيمَتِهِ) يومَ تلفِه (٤) في بلده مِنْ نقده أو غالبِه. (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أي: الغاصبِ (فِيهَا) أي: في قيمةِ التَّالفِ؛ لأنَّه غارمٌ. (وَ) يُقبل قولُ الغاصبِ أيضًا (فِي قَدْرِهِ) أي: قَدْرِ المغصوبِ؛ كأنْ قال: غصبتَ منِّي عَبدَين، فقال: بل عبدًا، (وَ) في (صِفَتِهِ)؛ كأنْ قال: غصَبتني عبدًا كاتبًا، وقال الغاصبُ: ليس كاتبًا. و (لَا) يُقبل قولُ غاصبٍ في (عَيْبِهِ وَرَدِّهِ)؛ بأنْ قال الغاصبُ: كان فيه إصبعٌ زائدةٌ، أو نحوُه، أو رَدَدتُه عليك؛ فقولُ مالكٍ في عدمِ ذلك؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ

стр. 894

العيبِ والرَّدِّ. وإن شَهِدَت البيِّنةُ بعيبِ المغصوبِ، وقال غاصبٌ: كان معيبًا وقتَ غَصبِه، وقال مالكٌ: تَعيَّب عندَك؛ فقولُ غاصبٍ؛ لأنَّه غارمٌ. (وَإِنْ جَهِلَ) غاصبٌ (رَبَّهُ) أي: مالكَ المغصوبِ؛ سلَّمه إلى حاكمٍ أمينٍ، فيَبرأ مِنْ عُهدته، ويَلزمه ذلك. أو (تَصَدَّقَ) غاصبٌ (بِهِ عَنْهُ) أي: عن مالكِه (مَضْمُونًا) أي: بنيَّةِ ضمانِه إن (١) جاء ربُّه، فإذا (٢) تَصدَّق به كان ثوابُه لربِّه، وسقَط عنه إثمُ الغصبِ. وكذا حُكمُ رهنٍ ووَديعةٍ ونحوِها إذا جَهِل ربَّها. وليس لمَن هي عندَه أخذُ شيءٍ منها ولو فقيرًا (٣). (وَمَنْ فَتَحَ قَفَصًا) عن طائرٍ فطار؛ ضَمِنه، (أَوْ) فتَح (بَابًا) فضاع ما كان مغلَقًا عليه بسببه؛ ضَمِنه، (أَوْ) حَلَّ (وِكَاءَ) زِقِّ مائعٍ، أو جامدٍ فأَذابَته الشَّمسُ، أو أَلقَته ريحٌ، فاندَفَق؛ ضَمِنه، (أَوْ) حَلَّ (رِبَاطًا) عن نحوِ فرسٍ، (أَوْ) حَلَّ (قَيْدًا) عن مقيَّدٍ (فَذَهَبَ مَا فِيهِ، أَوْ أَتْلَفَ) ما فيه (شَيْئًا (٤)، وَنَحْوُهُ) أي:

стр. 895

نحوُ (١) ما ذُكِر؛ (ضَمِنَهُ)؛ لأنَّه تَلِف بسببِ فعلِه؛ (كَرَبْطِ دَابَّةٍ بِطَرِيقٍ ضَيِّقٍ)، أو طرحِ نحوِ حجرٍ بها، فيَضمن ما تَلِف بذلك. وكذا لو ربَط دابَّةً، أو أَوقَفها بطريقٍ واسعٍ ويدُه عليها، فأَتلفَت شيئًا، أو جنَت بيدٍ أو رِجلٍ أو فمٍ (٢)؛ ضَمِن، كما في «الإقناع» (٣). (وَ) ك (اقْتِنَاءِ كَلْبٍ عَقُورٍ)، فيَضمن إذا عقَر أو خرَق ثوبَ داخلٍ (إِنْ دَخَلَ بِإِذْنِهِ) ولم يُنبِّهه (٤) على الكلبِ، (أَوْ عَقَرَهُ) أو خرَق ثوبَه (خَارِجَ مَنْزِلِهِ)، فيَضمن مُقتَنيه، بخلافِ بولِه ووُلوغِه في إناءِ الغيرِ. وكذا لا يَضمن مَنْ دخَل بغيرِ إذنِه؛ لتعدِّيه بدخوله. وكذا اقتناءُ نحوِ أسدٍ أو نَمِرٍ أو ذئبٍ، أو هرٍّ يَأكل الطُّيورَ ويَقلِب القدورَ (٥) عادةً، مع علمِه بذلك. (وَيَضْمَنُ رَبُّ بَهِيمَةٍ مَا أَتْلَفَتْ) هُ (مِنْ زَرْعٍ وَغَيْرِهِ)؛ كشجرٍ، (لَيْلًا لَا نَهَارًا)؛ لِما روَى مالكٌ عن الزُّهريِّ عن حزامِ (٦) بنِ سعد: «أنَّ ناقةً للبراءِ دخَلَت

стр. 896

حائطَ قومٍ فأَفسدَت، فقضَى رسولُ الله ﷺ أنَّ على أهلِ الأموالِ حفظَها بالنَّهار، وما أَفسدَت باللَّيل فهو مضمونٌ عليهم»، وفي لفظٍ (١): «أنَّ على أهلِ المَواشي ما أَفسدَت مَواشيهم باللَّيل، وقضَى على أهلِ الحوائطِ بحفظِ حوائطِهم بالنَّهار» (٢). (إِنْ لَمْ تُرْسَلِ) البهيمةُ نهارًا (بِقُرْبِهِ) أي: بقربِ ما تُتلفه عادةً، فيَضمن مُرسِلُها؛ لتفريطِه (٣). وإذا طرَد دابَّةً مِنْ زرعِه؛ لم يَضمن، إلّا أن يُدخلها مزرعةَ غيرِه، فإن اتَّصلَت المزارعُ؛ صبَر ليَرجع على ربِّها، ولو قدَر أن يُخرجها، وله مُنصرَفٌ (٤) غيرُ المزارعِ، فترَكها (٥)؛ فهَدْرٌ.

стр. 897

(وَيَضْمَنُ رَاكِبُ) بهيمةٍ متصرِّفٌ فيها، (وَ) كذا (سَائِقٌ وَقَائِدٌ جِنَايَةَ يَدِهَا وَفَمِهَا، وَوَطْئِهَا بِرِجْلِهَا). و (لَا) يَضمن (مَا نَفَحَتْ بِهَا) أي: برِجلها (أَوْ بِذَنَبِهَا)؛ لحديث أبي هريرة: «رِجلُ العَجماءِ (١) جُبَارٌ» (٢). ويُضمن مع سببٍ؛ كنَخْسٍ وتَنفيرٍ: فاعلُه. ولو تَعدَّد راكبٌ؛ ضَمِن متصرِّفٌ. (وَلَا يُضْمَنُ) بالبناء للمفعول (قَتْلُ صَائِلٍ) آدميٍّ أو غيرِه، إذا صالَ على نفسِ القاتلِ أو ولدِه، أو نحوِ زوجتِه، كأختِه، ولم يَندفع إلّا بالقتل؛ لِما فيه مِنْ صيانةِ النَّفسِ. قال في «الإقناع»: لو قتَله دفعًا عن نفسه؛ لم يَضمنه، ولو دفَعه عن غيرِ ولدِه ونسائِه بالقتل؛ ضَمِنه (٣). وذكَر في حدِّ المحارِبين: أنَّ دَفْعَ الإنسانِ عن نسائه لازمٌ، وكذا عن نفسه

стр. 898

في غيرِ فتنةٍ، وأنَّ الدَّفعَ عن نفسِ غيرِه في غيرِ فتنةٍ، مع ظنِّ دافعٍ سلامةَ نفسِه لازمٌ أيضًا، لا عن مالِه، كمالِ غيرِه، انتهى (١). وجزَم في «المنتهى» (٢) باللُّزوم في مالِ الغيرِ مع سلامتِهما (٣)، فليُحرَّر (٤).

стр. 899

(وَلَا) يُضمن (كَسْرُ مِزْمَارٍ) أو غيرِه مِنْ آلاتِ اللَّهوِ، (أَوْ صَلِيبٍ). (وَلَا) يُضمن (كَسْرُ آنِيَةِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ (١)، وَآنِيَةِ (٢) خَمْرٍ غَيْرِ مُحْتَرَمَةٍ (٣))، أو كتبٍ فيها أحاديثُ رديَّةٌ (٤).

стр. 900

(بَابُ الشُّفْعَةِ) بإسكانِ الفاءِ، مِنْ «الشَّفْعِ»، وهو الزَّوجُ؛ لأنَّ الشَّفيعَ يَضمُّ بالشُّفعة المَبيعَ إلى مِلكه الذي كان منفردًا. وهي: استحقاقُ شريكٍ انتزاعَ شِقصِ شريكِه ممَّن انتَقَل إليه بعِوَضٍ ماليٍّ، بثَمنه الذي استَقرَّ عليه العقدُ. (يَحْرُمُ التَّحَيُّلُ لِإِسْقَاطِهَا)، قال الإمامُ أحمدُ ﵀: لا يَجوز شيءٌ مِنْ الحِيَلِ في إبطالها، ولا إبطال حقِّ مسلمٍ (١). (وَتَثْبُتُ) الشُّفعةُ (لِشَرِيكٍ فِي أَرْضٍ تُقْسَمُ إِجْبَارًا)؛ لِما روَى أحمدُ والبخاريُّ عن جابرٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ قضَى بالشُّفعة في كلِّ ما لم يُقسَم، فإذا وقَعَتِ الحدودُ، وصُرِّفَت الطُّرقُ؛ فلا شفعةَ» (٢)، (بِيعَتْ) أي: بِيعَ شِقصٌ منها، فيَثبت لشريكِ البائعِ أخذُ الشِّقصِ المَبيعِ (بِثَمَنِهِ الذِي اسْتَقَرَّ) أي: لَزِم (عَلَيْهِ العَقْدُ)؛ لحديثِ جابرٍ: «فهُو أَحقُّ به بالثَّمن» رَواه أبو إسحاقَ الجُوزَجانيُّ في «المترجم» (٣). (فَلَا شُفْعَةَ لِجَارٍ)؛ لحديثِ جابرٍ السَّابقِ، (وَلَا فِي) منقولٍ، كسَيفٍ، أو (بِنَاءٍ)، أو غِراسٍ (مُفْرَدٍ) كلٌّ منهما (٤)، بأنْ بِيعَا مُفردَين عن الأرض (٥).

стр. 901

(وَلَا فِي) ما لا تَجِب قِسمتُه، (نَحْوِ حَمَّامٍ) صغيرٍ، (وَدَارٍ صَغِيرَةٍ). (وَلَا فِيمَا أُخِذَ) بلا عِوَضٍ؛ كإرثٍ ووصيَّةٍ وهِبَةٍ بلا عِوَضٍ. أو كان عِوَضُه غيرَ ماليٍّ؛ بأن جُعِل (صَدَاقًا وَنَحْوَهُ)؛ كعِوَضِ خُلْعٍ، وصُلحٍ عن دمِ عمدٍ، فلا شفعةَ؛ لأنَّ الخبرَ ورَد في البيع، وهذه ليسَت في معناه. (وَيَدْخُلُ غِرَاسٌ وَبِنَاءٌ)، فتَثبت الشُّفعةُ فيهما (تَبَعًا لِأَرْضٍ) إذا بِيعَا معها. (لَا زَرْعٌ وَثَمَرٌ (١)) إذا بِيعَا مع الأرض، فلا يُؤخذان بالشُّفعة؛ لأنَّ ذلك لا يَدخل في البيع، فلا يَدخل في الشُّفعة؛ كقُماشِ (٢) الدَّارِ. (وَهِيَ) أي: الشُّفعةُ (عَلَى الفَوْرِ وَقْتَ عِلْمِهِ) أي: الشَّفيعِ، (فَإِنْ) عَلِم الشَّفيعُ بالبيع، ف (أَخَّرَ) طلبَها (بِلَا عُذْرٍ (٣))؛ بطَلَت؛ لقولِه ﷺ : «الشُّفعةُ لِمَنْ واثَبَها (٤)»، وفي روايةٍ: «الشُّفعةُ كحَلِّ العِقالِ» رَواه ابنُ ماجَه (٥). فإن لم يَعلم بالبيع؛ فهو على شُفعته ولو مضَى سِنون. وكذا لو أخَّر لعذرٍ؛ كأنْ عَلِم ليلًا، فأخَّره إلى الصَّباح، أو لحاجةِ أكلٍ أو شُربٍ أو طهارةٍ، أو إغلاقِ بابٍ، أو خروجٍ مِنْ حمَّامٍ، أو ليأتيَ بصلاةٍ وسُنَنِها (٦).

стр. 902

أو أَشهَد غائبٌ على الطَّلب (١) بها إن قدَر. (أَوْ كَذَّبَ) شفيعٌ (عَدْلًا (٢)) أَخبَره بالبيع؛ (بَطَلَتْ)؛ لتَراخيه بلا عذرٍ، لا إن كذَّب فاسقًا. (كَمَا (٣)) تَسقط الشُّفعةُ (لَوْ طَلَبَ) الشَّفيعُ (أَخْذَ البَعْضِ) أي: بعضِ الحصَّةِ المَبيعةِ؛ لأنَّ فيه إضرارًا بالمشتري بتبعيضِ الصَّفقةِ عليه، والضَّررُ لا يُزال بمِثله. (وَهِيَ) أي: الشُّفعةُ (بَيْنَ شُرَكَاءَ) اثنَين فأكثرَ (بِقَدْرِ مِلْكِهِمْ)؛ لأنَّها حقٌّ يُستفاد بسببِ المِلكِ، فكانت على قَدْرِ الأملاكِ. فدارٌ بينَ ثلاثةٍ: نصفٌ وثلثٌ وسدسٌ، فباع صاحبُ الثُّلثِ، فالمسألةُ مِنْ ستَّةٍ، والثُّلثُ يُقسم على أربعةٍ، فتَصير الدَّارُ بعدَ الأخذِ بالشُّفعة بينَ الشَّفيعَين أرباعًا: لصاحبِ النِّصفِ ثلاثةُ أرباعِها، ولصاحبِ السُّدسِ ربعُها. (فَإِنْ عَفَا البَعْضُ) مِنْ الشُّركاءِ؛ (أَخَذَ البَاقِي) منهم (الكُلَّ أَوْ تَرَكَ) الكلَّ؛ لأنَّ في أخذِ بعضِ المَبيعِ إضرارًا بالمشتري، ولو وهَبها لشريكِه أو غيرِه؛ لم يصحَّ. وإن كان أحدُهما غائبًا؛ فليس للحاضرِ أن يَأخذ إلّا الكلَّ أو يَترك، فإن أخَذ الكلَّ، ثمَّ حضَر الغائبُ؛ قاسَمَه.

стр. 903

(وَمَنْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا وَنَحْوَهُ)؛ كعبدٍ، في عقدٍ واحدٍ؛ (فَلِشَفِيعٍ أَخْذُ شِقْصٍ بِحِصَّتِهِ مِنْ ثَمَنٍ)؛ لأنَّ فيه الشُّفعةَ إذا بِيعَ منفردًا، فكذا إذا بِيعَ مع غيرِه. و (كَمَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ) أي: بعض المبيع؛ فلِشفيعٍ أخذُ ما بَقِي بحصَّته، فلَو اشتَرى حصَّةً مِنْ دارٍ بألفٍ تُساوي تلك الحصَّةُ ألفَين، فباع بابَها أو هدَمها، فبَقِيَت بألفٍ؛ أخَذها شفيعٌ بخمسِمائةٍ (١). (وَلَا شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ وَقْفٍ (٢))؛ لأنَّه لا يُؤخذ بالشُّفعة، فلا تَجِب به، ولأنَّ مستحِقَّه (٣) غيرُ تامِّ المِلكِ. (وَلَا) شُفعةَ أيضًا (فِي غَيْرِ مِلْكٍ) للرَّقبةِ (سَابِقٍ)، بأنْ كان شريكًا في المَنفعةِ، كالمُوصَى له بها، أو ملَك الشَّريكان دارًا صفقةً واحدةً، فلا شفعةَ لأحدِهما على الآخر. (وَلَا) شُفعةَ (لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ)؛ لأنَّ الإسلامَ يَعلو ولا يُعلى عليه (٤). (فصل) (وَإِنْ تَصَرَّفَ مُشْتَرٍ) لشِقصٍ تَثبت (٥) فيه الشُّفعةُ، (قَبْلَ طَلَبِ) شفيعٍ،

стр. 904

(بِهِبَةِ) الشِّقصِ (١)، (أَوْ وَقْفِ) هـ، (وَنَحْوِهِ)، كصدقةٍ به، (أَوْ) تَصرَّف فيه (بِرَهْنِ) هـ (٢)؛ (سَقَطَتِ) الشُّفعةُ (٣)؛ لِما فيه مِنْ الإضرار بالموقوف والموهوبِ (٤) له ونحوِه. ولا تَسقط الشُّفعةُ بمجرَّدِ الوصيَّةِ به قبلَ قَبولِ موصًى له بعدَ موتِ مُوصٍ؛ لعدمِ لزومِ الوصيَّةِ. (وَبَعْدَهُ) أي: بعدَ طلبِ شفيعٍ؛ (لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) أي: المشتري؛ لأنَّه مِلكُ الشَّفيعِ إذَنْ. (وَ) إن تَصرَّف مشتري الشِّقصِ قبلَ الطَّلبِ (بِبَيْعٍ؛ فَلَهُ) أي: للشَّفيعِ (أَخْذُ) الشِّقصِ (بِأَيِّ البَيْعَيْنِ شَاءَ)؛ لأنَّ سببَ الشُّفعةِ الشِّراءُ، وقد وُجِد في كلٍّ منهما، فإن أخَذ بالأول؛ رجَع الثاني على بائعه بما دفَع له؛ لأنَّ العِوَضَ لم يُسلَّم (٥) له. (وَإِنْ بَنَى) مشترٍ (أَوْ غَرَسَ) في حالٍ يُعذر فيه الشَّريكُ بالتأخير، بأن قاسمَ المشتري وكيلَ الشَّفيعِ (٦)، أو رفَع الأمرَ لحاكمٍ فقاسمَه، أو قاسمَ الشَّفيعَ

стр. 905

لإظهارِ (١) زيادةِ ثَمنٍ ونحوِه (٢)، ثمَّ بنَى أو غرَس؛ (فَإِنْ لَمْ يَقْلَعْهُ) أي: البناءَ والغِراسَ مشترٍ؛ (فَلِشَفِيعٍ تَمَلُّكُهُ) أي: البناءِ والغِراسِ (٣) (بِقِيمَتِهِ)؛ دفعًا للضررِ، فتُقوَّم الأرضُ مغروسةً أو مبنيَّةً، ثمَّ تُقوَّم خاليةً منهما، فما بينَهما فهو قيمةُ الغراسِ (٤) والبناءِ. (أَوْ) أي: وللشَّفيعِ (قَلْعُهُ، وَ) عليه (ضَمَانُ نَقْصِهِ) أي: ما نقَص مِنْ قيمته بقَلعٍ، فإن أَبى (٥)؛ فلا شُفعةَ، ولربِّ بناءٍ أو غراسٍ أخذُه (٦) ولو اختارَ شفيعٌ تملُّكَه، حتى (٧) مع ضررٍ يَلحق الأرضَ (٨)، كما في «المنتهى» (٩) وغيرِه.

стр. 906

(وَإِنْ مَاتَ شَفِيعٌ قَبْلَ طَلَبٍ) بشُفعةٍ؛ (سَقَطَتْ)؛ لأنَّه نوعُ خيارٍ. (وَ) إن مات (بَعْدَهُ) أي: بعدَ الطَّلبِ؛ ثبَتَت (لِوَارِثِهِ)؛ لأنَّ الحقَّ تَقرَّر بالطَّلب، ولذا لم تَسقط بتأخيرِ الأخذِ بعدَه. ويَأخذ شفيعٌ الشِّقصَ بكلِّ الثَّمنِ الذي استَقرَّ عليه العقدُ، كما تَقدَّم، (وَإِنْ عَجَزَ) شفيعٌ (عَنْ بَعْضِ الثَّمَنِ؛ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ (١))؛ لأنَّ في أخذِه بدونِ الثَّمنِ كلِّه إضرارًا بالمشتري، وإن أَحضَر هنا رهنًا أو كفيلًا؛ لم يَلزم مشتريًا قَبولُه. (فَإِنْ كَانَ) الثَّمنُ (مُؤَجَّلًا؛ أَخَذَهُ) أي: الشِّقصَ شفيعٌ (مَلِيءٌ بِهِ) أي: بالمؤجَّل؛ لأنَّ الشَّفيعَ يَستحقُّ أَخْذَه بقَدْرِ الثَّمنِ وصفتِه، والتَّأجيلُ مِنْ صفتِه. (وَإِلَّا) يَكُنْ الشَّفيعُ مَلِيئًا؛ (فَ) يَأخذ بالمؤجَّل (بِكَفِيلٍ) مَليءٍ؛ دفعًا للضَّرر. وإن لم يَعلم شفيعٌ حتى حَلَّ؛ فهو كالحالِّ. (وَإِنِ اخْتَلَفَا) أي: الشَّفيعُ والمشتري (فِي قَدْرِ ثَمَنٍ؛ فَقَوْلُ مُشْتَرٍ) بيمينه؛ لأنَّه العاقدُ، فهو أعلمُ، والشَّفيعُ ليس بغارمٍ؛ لأنَّه لا شيءَ عليه، وإنَّما يُريد تملُّكَ الشِّقصِ بثمنه، بخلافِ نحوِ غاصبٍ. (وَعُهْدَةُ شَفِيعٍ عَلَى مُشْتَرٍ)، فإذا (٢) ظهَر الشِّقصُ مستحَقًّا أو مَعيبًا؛ رجَع شفيعٌ على مشترٍ بثمنٍ أو أَرشِ (٣) عيبٍ، (وَ) يَرجع (مُشْتَرٍ عَلَى بَائِعٍ) بذلك.

стр. 907

(بَابُ الوَدِيعَةِ) مِنْ ودَع الشَّيءَ: إذا ترَكه؛ لأنَّها متروكةٌ عندَ المُودَعِ. والإيداعُ: توكيلٌ في الحفظ تبرُّعًا، والاستيداعُ: توكُّلٌ فيه كذلك (١). ويُعتبر لها ما يُعتبر في وكالةٍ (٢). و (تُسْتَحَبُّ) الوديعةُ أي: قبولها (٣)، (لِمَنْ قَوِيَ عَلَى الحِفْظِ)، وأَمِن نفسَه عليها. وتُكره لغيرِه إلّا برضَا ربِّها. (وَلَا يَضْمَنُهَا) أي: الوديعةَ (بِتَلَفِ) ها (بِلَا تَعَدٍّ) ولا تفريطٍ، (وَلَوْ) تَلِفَت (مِنْ بَيْنِ مَالِهِ (٤))؛ لحديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ قال: «مَنْ أُودِع وديعةً؛ فلا ضمانَ عليه» رَواه ابنُ ماجَه (٥).

стр. 908

(وَ) يَجب (عَلَيْهِ) أي: على الوديع (حِفْظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا) عرفًا كما يَحفظ مالَه؛ لأنَّه تَعالى أمَر بأدائها (١)، ولا يُمكن ذلك إلّا بالحفظ. قال في «الرِّعاية»: مَنْ استُودِع شيئًا حَفِظه في حِرْزِ مِثلِه عاجلًا مع القدرةِ، وإلّا ضَمِن. (وَإِنْ عَيَّنَهُ) أي: الحِرْزَ (رَبُّهَا، فَأَحْرَزَهَا بِدُونِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ؛ ضَمِنَ)، سواءٌ رَدَّها إليه أو لا؛ لمخالفتِه. وإن أَحرَزها بمِثله أو فوقَه؛ لم يَضمن، وكذا بدونه لضرورةٍ (٢). (وَإِنْ لَمْ يَعْلِفْ (٣)) وديعٌ (دَابَّةً)، بأنْ قطَع عنها العلفَ (بِلَا قَوْلِ رَبِّهَا)؛ ضَمِن؛ لأنَّ العلفَ مِنْ كمالِ الحفظِ، بل هو الحفظُ بعَينه؛ لأنَّ العرفَ يَقتضي عَلفَها وسَقيَها، فهو مأمورٌ به عرفًا. وإن نهاه مالكٌ عن عَلفها وسَقيِها؛ لم يَضمن، لكن يَأثم؛ لحرمةِ الحيوانِ. (أَوْ قَالَ) ربُّها: (اتْرُكْهَا) أي: احفَظها (فِي جَيْبِكَ، فَتَرَكَهَا فِي يَدِهِ أَوْ كُمِّهِ؛ ضَمِنَ)؛ لأنَّ الجَيبَ أَحرزُ، وربَّما نَسِي فسقَط ما في يَده أو كُمِّه.

стр. 909

(لَا عَكْسُهُ)، يَعني لو قال له: اترُكها في يَدك أو كُمِّك، فترَكها في جَيبه؛ لم يَضمن؛ لأنَّه أَحرزُ. وإن (١) قال: اترُكها في يَدك، فترَكها في كُمِّه، أو بالعكس، أو قال: اترُكها في بَيتك، فشدَّها في ثيابه وأَخرَجها؛ ضَمِن. (وَلَهُ) أي: للوديعِ (دَفْعُهَا لِمَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ) عادةً؛ كزوجته وعبده، (أَوْ) أي: وله ردُّها إلى مَنْ يَحفظ (مَالَ رَبِّهَا) عادةً. و (لَا) يَجوز لوديعٍ دفعُها إلى (حَاكِمٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ (٢))، فإن دفَعها فتَلِفَت؛ فلمالكٍ مطالبةُ مَنْ شاءَ منهما (٣). (وَقَرَارُ ضَمَانٍ عَلَى وَدِيعٍ إِنْ جَهِلَا) أي: جَهِلَ الحاكمُ والأجنبيُّ أنَّها وديعةٌ، وإن عَلِمَا؛ فقرارُ الضَّمانِ عليهما، كما يفهم من «الإقناع» (٤). (وَإِنْ حَدَثَ خَوْفٌ عَامٌّ؛ رَدَّهَا) وجوبًا (عَلَى رَبِّهَا) أو وكيلِه في حفظِها؛ لأنَّ في ذلك تخليصَها مِنْ التَّلفِ. (وَلَهُ السَّفَرُ بِهَا مَعَ حُضُورِهِ، نَصًّا (٥)) إذا لم يَخف عليها؛ لأنَّ القصدَ الحفظُ، وهو موجودٌ هنا، (مَا لَمْ يَنْهَهُ) ربُّها عن السَّفر بها.

стр. 910

(وَإِنْ خَافَ عَلَيْهَا) في السَّفر، أو كان نُهِيَ عنه؛ دفَعها إلى حاكمٍ أمينٍ، فإن أَودَعها مع قُدرتِه على الحاكمِ؛ ضَمِنها؛ لأنَّه لا ولايةَ له. فإن تَعذَّر حاكمٌ أهلٌ؛ (أَوْدَعَهَا ثِقَةً)؛ «لفعلِه ﷺ لمَّا أَراد أن يُهاجر أَودَع الودائعَ التي كانت عندَه لأُمِّ أيمنَ (١) ﵂» (٢)، ولأنَّه موضعُ حاجةٍ. وكذا حُكمُ مَنْ حضَره الموتُ. (وَإِنْ رَكِبَهَا) أي: الدَّابَّةَ المَودعةَ (٣) (مُودَعٌ) بفتحِ الدَّالِ (لِغَيْرِ نَفْعِهَا) أي: عَلفِها وسَقيِها؛ ضَمِن، (أَوْ لَبِسَهَا) أي: الوديعةَ إن كانت ممَّا يُلبس؛ ضَمِن. و (لَا) يَضمن إن لَبِسها (لِخَوْفِ عُثٍّ (٤)) ونحوِه. (أَوْ أَخْرَجَ نَحْوَ دَرَاهِمَ) مُودَعةً (مِنْ حِرْزِهَا)، ثمَّ ردَّها إلى حِرزها، (أَوْ فَكَّ خَتْمَهَا وَنَحْوَهُ عَنْهَا)، كأنْ كانت مشدودةً، فأَزال الشَّدَّ؛ ضَمِن، أَخرَج منها شيئًا أو لا؛ لهَتكِ الحِرْزِ. (أَوْ خَلَطَهَا بِغَيْرِ مُتَمَيِّزٍ)؛ كدراهمَ بدراهمَ، وزيتٍ بزيتٍ، (فَضَاعَتِ) الوديعةُ بضياعِ الكلِّ؛ (ضَمِنَ) الوديعةَ.

стр. 911

وإن ضاعَ البعضُ، ولم يَدرِ أيُّهما ضاعَ؛ ضَمِن أيضًا. (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أي: الوديعِ (فِي رَدِّهَا لِرَبِّهَا (١))، أو مَنْ يَحفظ مالَه، (أَوْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ)، بأنْ قال: دَفعتُها لفلانٍ بإذنك، فأَنكَر مالكُها الإذنَ أو الدَّفعَ؛ فقولُ وديعٍ. لا إن ادَّعى ردَّها لحاكمٍ أو ورثةِ (٢) مالكٍ (٣). (وَ) يُقبل قولُه أيضًا في (تَلَفِهَا، وَنَفْيِ تَفْرِيطٍ) بيمينه؛ لأنَّه أمينٌ، لكن إن ادَّعى التَّلفَ بظاهرٍ (٤)؛ كُلِّفَ به (٥) بيِّنةً، ثمَّ قُبل قولُه في التَّلف. (وَإِنْ قَالَ: لَمْ تُودِعْنِي، ثُمَّ ثَبَتَتِ) الوديعةُ ببيِّنةٍ أو إقرارٍ؛ (لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ) أي: الوديعِ (رَدًّا) للوديعةِ (أَوْ تَلَفًا) لها (سَابِقَيْنِ) أي: الرَّدَّ والتَّلفَ لجُحودِه، (وَلَوْ بِبَيِّنَةٍ)؛ لأنَّه مكذِّبٌ لها. وإن شَهِدَت بأحدهما، ولم تُبيِّن وقتًا؛ لم تُسمع؛ لتحقُّقِ وجوبِ الضَّمانِ، فلا يَسقط بمحتمِلٍ. وعُلِم منه: أنَّه لو ادَّعى ردًّا أو تلفًا بعدَ جُحودِه؛ قُبِل بالبيِّنة، لكن متى ثبَت التَّلفُ بعدَ الجُحودِ؛ لم يَسقط الضَّمانُ؛ كالغاصبِ.

стр. 912

(لَا إِنْ قَالَ) مدَّعًى عليه بوديعةٍ لمدَّعيها: (مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ، وَنَحْوَهُ)، ك: لا حقَّ لكَ قِبَلِي (١)، ثمَّ ثبَتَت، فادَّعى ردًّا أو تلفًا سابقَين لإنكارِه، فيُقبل منه بيمينه؛ لأنَّه ليس بمُنافٍ لجوابِه (٢). (وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى وَارِثِهِ) أي: الوديعِ (رَدًّا) منه أو مِنْ مُورِّثه (بِلَا بَيِّنَةٍ)؛ لأنَّ صاحبَها لم يَأتَمِنه عليها، بخلافِ وديعٍ. (وَلِوَدِيعٍ وَنَحْوِهِ)؛ كمضارِبٍ ومرتهِنٍ ومستأجِرٍ إذا غُصِبَت العينُ منهم، (طَلَبُ غَاصِبٍ بِهَا)؛ لأنَّهم مأمورون بحفظها، وذلك منه (٣). وإن صادرَه سلطانٌ، فأخَذها منه قهرًا؛ لم يَضمن، قاله أبو الخطَّاب.

стр. 913

(بَابُ إِحْيَاءِ الموَاتِ) بفتحِ الميمِ وضمِّها، مِنْ الموت، وهو عدمُ الحياةِ. واصطلاحًا: الأرضُ المنفكَّةُ عن الاختصاصاتِ ومِلكِ معصومٍ. (مَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَا مَالِكَ لَهَا)، بأنْ لم يَجرِ عليها مِلكٌ لأحدٍ، ولم يُوجد فيها أثرُ عِمارةٍ، أو تُرُدِّد في جَرَيان مِلكِ معصومٍ عليها، أو كان بها أثرُ مِلكٍ ولو غيرَ جاهليٍّ، كالخُرَب (١) التي ذهبَت أنهارُها، واندَرَسَت آثارُها، ولم يُعلم لها مالكٌ، (وَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِ العَامِرِ؛ مَلَكَهَا) بالإحياء (٢)؛ لحديثِ جابرٍ يَرفعه: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فهي له» رَواه أحمدُ والتِّرمذيُّ، وصحَّحه (٣). فإن تَعلَّقَت الأرضُ بمَصالحِ العامرِ؛ كمقبرتِه (٤)، ومَطرحِ كُناستِه (٥)، ونحوِه؛ لم تُملك بالإحياء. وكذا مواتُ الحرمِ وعرفاتٍ لا يُملك بالإحياء (٦). (مُسْلِمًا) كان المُحيي (أَوْ كَافِرًا)، مكلَّفًا أو غيرَه؛ لعمومِ ما تَقدَّم.

стр. 914

(بِإِذْنِ إِمَامٍ (١)) في الإحياء (٢) (أَوْ دُونَهُ)؛ لعمومِ الحديثِ، ولأنَّها عينٌ مباحةٌ، فلا يَفتقر مِلكُها إلى إذنٍ. وسواءٌ كان المواتُ (مِنْ عَنْوَةٍ)؛ كأرضِ مِصرَ والشامِ والعراقِ، (أَوْ غَيْرِهَا) ممَّا أَسلَم أهلُه عليه، أو صُولحوا عليه، إلّا ما أَحياه مسلمٌ مِنْ أرضِ كفَّارٍ صُولحوا على أنَّها لهم ولنا الخَراجُ عنها (٣). (وَعَلَى ذِمِّيٍّ خَرَاجُ مَا أَحْيَا مِنْ مَوَاتِ عَنْوَةٍ)؛ لأنَّها للمسلمين، فلا تُقَرُّ في يَدِ غيرِهم بدونِ خَراجٍ، بخلافِ أرضِ الصُّلحِ وما أَسلَم أهلُه عليه؛ فالذِّمِّيُّ فيه كالمسلم. (وَمَنْ أَحَاطَ مَوَاتًا بِ) حائطٍ (مَنِيعٍ) أَداره حَولَها بما جرَت العادةُ به؛ فقد أَحياه، سواءٌ أَرادها للبناءِ أو غيرِه؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ أَحاطَ حائطًا (٤) على أرضٍ فهي له» رَواه أحمدُ وأبو داودَ عن جابرٍ (٥). (أَوْ حَفَرَ فِيهِ بِئْرًا وَصَلَ مَاءَهُ) فقد أَحياه، (أَوْ أَجْرَاهُ) أي: الماءَ (إِلَيْهِ) أي: إلى الموات (مِنْ نَحْوِ عَيْنٍ)؛ كنَهرٍ، (أَوْ حَبَسَهُ) أي: الماءَ (عَنْهَا) أي: عن

стр. 915

أرضِ (١) المواتِ إذا كانت لا تُزرع معه (لِتُزْرَعَ؛ فَقَدْ أَحْيَاهُ)؛ لأنَّ نَفْعَ الأرضِ بذلك أكثرُ مِنْ الحائط. (وَحَرِيمُ البِئْرِ العَادِيَّةِ)، بتشديدِ الياءِ، أي: القديمةِ، منسوبةٌ إلى عادٍ، ولم يُرِد عادًا بعَينها، أي: حَريمُها الذي يَملكه المُحيِي بحَفرها: (خَمْسُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ) إذا كانت طُمَّت وذهَبَ ماؤُها، فجَدَّد حَفرَها وعِمارتَها، أو انقطَع ماؤُها فاستخرَجه. (وَ) حريمُ (البَدِيَّةِ) أي: المُحدَثةِ: (نِصْفُهَا)، خمسةٌ وعشرون ذراعًا. (وَ) حريمُ (الشَّجَرَةِ) المغروسةِ بمواتٍ: (قَدْرُ مَدِّ أَغْصَانِهَا (٢)) حوالَيها. وحريمُ دارٍ (٣) مِنْ مواتٍ حولَها: مَطرحُ تُرابٍ وكُناسةٍ وثلجٍ وماءِ ميزابٍ (٤). (وَلِإِمَامٍ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ)؛ «لأنَّه ﷺ أَقطَع بلالَ بنَ الحارثِ العقيقَ» (٥). ولا يَملكه بمجرَّدِ الإقطاعِ، بل هو أَحقُّ مِنْ غيرِه، فإذا أَحياه ملَكه.
следующие страницы →