← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1241

هداية الراغب لشرح عمدة الطالب - ط ركائز

ابن قائد

Полный текст (1 239 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وإن ضاعَ البعضُ، ولم يَدرِ أيُّهما ضاعَ؛ ضَمِن أيضًا. (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أي: الوديعِ (فِي رَدِّهَا لِرَبِّهَا (١))، أو مَنْ يَحفظ مالَه، (أَوْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ)، بأنْ قال: دَفعتُها لفلانٍ بإذنك، فأَنكَر مالكُها الإذنَ أو الدَّفعَ؛ فقولُ وديعٍ. لا إن ادَّعى ردَّها لحاكمٍ أو ورثةِ (٢) مالكٍ (٣). (وَ) يُقبل قولُه أيضًا في (تَلَفِهَا، وَنَفْيِ تَفْرِيطٍ) بيمينه؛ لأنَّه أمينٌ، لكن إن ادَّعى التَّلفَ بظاهرٍ (٤)؛ كُلِّفَ به (٥) بيِّنةً، ثمَّ قُبل قولُه في التَّلف. (وَإِنْ قَالَ: لَمْ تُودِعْنِي، ثُمَّ ثَبَتَتِ) الوديعةُ ببيِّنةٍ أو إقرارٍ؛ (لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ) أي: الوديعِ (رَدًّا) للوديعةِ (أَوْ تَلَفًا) لها (سَابِقَيْنِ) أي: الرَّدَّ والتَّلفَ لجُحودِه، (وَلَوْ بِبَيِّنَةٍ)؛ لأنَّه مكذِّبٌ لها. وإن شَهِدَت بأحدهما، ولم تُبيِّن وقتًا؛ لم تُسمع؛ لتحقُّقِ وجوبِ الضَّمانِ، فلا يَسقط بمحتمِلٍ. وعُلِم منه: أنَّه لو ادَّعى ردًّا أو تلفًا بعدَ جُحودِه؛ قُبِل بالبيِّنة، لكن متى ثبَت التَّلفُ بعدَ الجُحودِ؛ لم يَسقط الضَّمانُ؛ كالغاصبِ.

стр. 912

(لَا إِنْ قَالَ) مدَّعًى عليه بوديعةٍ لمدَّعيها: (مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ، وَنَحْوَهُ)، ك: لا حقَّ لكَ قِبَلِي (١)، ثمَّ ثبَتَت، فادَّعى ردًّا أو تلفًا سابقَين لإنكارِه، فيُقبل منه بيمينه؛ لأنَّه ليس بمُنافٍ لجوابِه (٢). (وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى وَارِثِهِ) أي: الوديعِ (رَدًّا) منه أو مِنْ مُورِّثه (بِلَا بَيِّنَةٍ)؛ لأنَّ صاحبَها لم يَأتَمِنه عليها، بخلافِ وديعٍ. (وَلِوَدِيعٍ وَنَحْوِهِ)؛ كمضارِبٍ ومرتهِنٍ ومستأجِرٍ إذا غُصِبَت العينُ منهم، (طَلَبُ غَاصِبٍ بِهَا)؛ لأنَّهم مأمورون بحفظها، وذلك منه (٣). وإن صادرَه سلطانٌ، فأخَذها منه قهرًا؛ لم يَضمن، قاله أبو الخطَّاب.

стр. 913

(بَابُ إِحْيَاءِ الموَاتِ) بفتحِ الميمِ وضمِّها، مِنْ الموت، وهو عدمُ الحياةِ. واصطلاحًا: الأرضُ المنفكَّةُ عن الاختصاصاتِ ومِلكِ معصومٍ. (مَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَا مَالِكَ لَهَا)، بأنْ لم يَجرِ عليها مِلكٌ لأحدٍ، ولم يُوجد فيها أثرُ عِمارةٍ، أو تُرُدِّد في جَرَيان مِلكِ معصومٍ عليها، أو كان بها أثرُ مِلكٍ ولو غيرَ جاهليٍّ، كالخُرَب (١) التي ذهبَت أنهارُها، واندَرَسَت آثارُها، ولم يُعلم لها مالكٌ، (وَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِ العَامِرِ؛ مَلَكَهَا) بالإحياء (٢)؛ لحديثِ جابرٍ يَرفعه: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فهي له» رَواه أحمدُ والتِّرمذيُّ، وصحَّحه (٣). فإن تَعلَّقَت الأرضُ بمَصالحِ العامرِ؛ كمقبرتِه (٤)، ومَطرحِ كُناستِه (٥)، ونحوِه؛ لم تُملك بالإحياء. وكذا مواتُ الحرمِ وعرفاتٍ لا يُملك بالإحياء (٦). (مُسْلِمًا) كان المُحيي (أَوْ كَافِرًا)، مكلَّفًا أو غيرَه؛ لعمومِ ما تَقدَّم.

стр. 914

(بِإِذْنِ إِمَامٍ (١)) في الإحياء (٢) (أَوْ دُونَهُ)؛ لعمومِ الحديثِ، ولأنَّها عينٌ مباحةٌ، فلا يَفتقر مِلكُها إلى إذنٍ. وسواءٌ كان المواتُ (مِنْ عَنْوَةٍ)؛ كأرضِ مِصرَ والشامِ والعراقِ، (أَوْ غَيْرِهَا) ممَّا أَسلَم أهلُه عليه، أو صُولحوا عليه، إلّا ما أَحياه مسلمٌ مِنْ أرضِ كفَّارٍ صُولحوا على أنَّها لهم ولنا الخَراجُ عنها (٣). (وَعَلَى ذِمِّيٍّ خَرَاجُ مَا أَحْيَا مِنْ مَوَاتِ عَنْوَةٍ)؛ لأنَّها للمسلمين، فلا تُقَرُّ في يَدِ غيرِهم بدونِ خَراجٍ، بخلافِ أرضِ الصُّلحِ وما أَسلَم أهلُه عليه؛ فالذِّمِّيُّ فيه كالمسلم. (وَمَنْ أَحَاطَ مَوَاتًا بِ) حائطٍ (مَنِيعٍ) أَداره حَولَها بما جرَت العادةُ به؛ فقد أَحياه، سواءٌ أَرادها للبناءِ أو غيرِه؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ أَحاطَ حائطًا (٤) على أرضٍ فهي له» رَواه أحمدُ وأبو داودَ عن جابرٍ (٥). (أَوْ حَفَرَ فِيهِ بِئْرًا وَصَلَ مَاءَهُ) فقد أَحياه، (أَوْ أَجْرَاهُ) أي: الماءَ (إِلَيْهِ) أي: إلى الموات (مِنْ نَحْوِ عَيْنٍ)؛ كنَهرٍ، (أَوْ حَبَسَهُ) أي: الماءَ (عَنْهَا) أي: عن

стр. 915

أرضِ (١) المواتِ إذا كانت لا تُزرع معه (لِتُزْرَعَ؛ فَقَدْ أَحْيَاهُ)؛ لأنَّ نَفْعَ الأرضِ بذلك أكثرُ مِنْ الحائط. (وَحَرِيمُ البِئْرِ العَادِيَّةِ)، بتشديدِ الياءِ، أي: القديمةِ، منسوبةٌ إلى عادٍ، ولم يُرِد عادًا بعَينها، أي: حَريمُها الذي يَملكه المُحيِي بحَفرها: (خَمْسُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ) إذا كانت طُمَّت وذهَبَ ماؤُها، فجَدَّد حَفرَها وعِمارتَها، أو انقطَع ماؤُها فاستخرَجه. (وَ) حريمُ (البَدِيَّةِ) أي: المُحدَثةِ: (نِصْفُهَا)، خمسةٌ وعشرون ذراعًا. (وَ) حريمُ (الشَّجَرَةِ) المغروسةِ بمواتٍ: (قَدْرُ مَدِّ أَغْصَانِهَا (٢)) حوالَيها. وحريمُ دارٍ (٣) مِنْ مواتٍ حولَها: مَطرحُ تُرابٍ وكُناسةٍ وثلجٍ وماءِ ميزابٍ (٤). (وَلِإِمَامٍ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ)؛ «لأنَّه ﷺ أَقطَع بلالَ بنَ الحارثِ العقيقَ» (٥). ولا يَملكه بمجرَّدِ الإقطاعِ، بل هو أَحقُّ مِنْ غيرِه، فإذا أَحياه ملَكه.

стр. 916

ولإمامٍ أيضًا إقطاعُ غيرِ مواتٍ (١) تمليكًا وانتفاعًا للمَصلحةِ (٢). (وَ) له إقطاعُ (جُلُوسٍ) لبيعٍ وشراءٍ (فِي طُرُقٍ (٣) وَاسِعَةٍ بِلَا ضَرَرٍ)؛ بأنْ لا يُضيِّق على النَّاس، (فَيَكُونُ) المُقطَعُ (أَحَقَّ بِهَا)، ولا يَزول اختصاصُه بنقلِ مَتاعِه منها، وله التَّظليلُ على نفسه بما ليس ببناءٍ بلا ضررٍ، ويُسمَّى هذا: إقطاعَ إرفاقٍ. (وَبِلَا إِقْطَاعٍ) لطريقٍ واسعةٍ، ورَحَبةِ مسجدٍ غيرِ مَحُوطةٍ: يَجوز (لِمَنْ سَبَقَ) غيرَه (الجُلُوسُ)، ويَكون أَحقَّ (مَا دَامَ قُمَاشُهُ) بضمِّ القاف (فِيهَا)، فإن أَطاله أُزِيل، وإن سبَق اثنان فأكثرُ؛ اقتَرعَا. (وَلِمَنْ فِي أَعْلَى مَاءٍ (٤) مُبَاحٍ (٥))؛ كالأمطار والأنهارِ الصِّغارِ: (سَقْيٌ، وَحَبْسُ مَاءٍ حَتَّى يَصِلَ إِلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ إِلَى مَنْ يَلِيهِ)، فيفعل كذلك، وهَلُمَّ

стр. 917

جَرًّا، فإن لم يَفضُل عن الأوَّل أو مَنْ بعدَه (١) شيءٌ؛ فلا شيءَ للآخرِ؛ لحديثِ عُبادةَ: «أنَّ النبيَّ ﷺ قضَى في شربِ النَّخلِ مِنْ السَّيل: أنَّ الأعلى يشرب قبلَ الأسفلِ، ويَترك الماءَ إلى الكعبَين، ثمَّ يُرسِل الماءَ إلى الأسفل الذي يَليه، وكذلك حتى تَنقضيَ الحوائطُ، أو يَفنى الماءُ» رَواه ابنُ ماجَه وعبدُ اللهِ بنُ أحمدَ (٢). (وَلِإِمَامٍ وَحْدَهُ) دونَ آحادِ النَّاسِ (حَمْيُ مَرْعًى) أي: أن يَمنع النَّاسَ مِنْ مرعًى (لِدَوَابِّ المُسْلِمِينَ) التي يَقوم (٣) بحفظها؛ كخيلِ الجهادِ والصَّدقةِ، (بِلَا ضَرَرٍ) بالتَّضييق على المسلمين؛ لِما روَى عمرُ: «أنَّ النبيَّ ﷺ حمَى البقيعَ (٤) لخيلِ المسلمين» رَواه أبو عُبيدٍ (٥). وما حَماه النبيُّ ﷺ ليس لأحدٍ نَقضُه، وما حَماه غيرُه مِنْ الأئمَّة يَجوز نَقضُه.

стр. 918

(بَابُ اللُّقَطَةِ) بضمِّ اللَّامِ مع فتحِ القافِ وسكونِها، وبفتحِهما، ولُقَاطَةٌ بضمِّ اللامِ (١). وهي: مالٌ أو مختصٌّ (٢)، ضائعٌ أو في معناه (٣)، لغيرِ حربيٍّ (٤). وهي ثلاثةُ أقسامٍ: الأوَّلُ: (الرَّغِيفُ وَالسَّوْطُ وَنَحْوُهُ)، كشِسعِ (٥) نَعلٍ، (مِمَّا لَا تَتْبَعُهُ هِمَّةُ الأَوْسَاطِ) مِنْ النَّاس، أي: لا يَهتمُّون في طلبه، فهذا (يُمْلَكُ بِلَا تَعْرِيفٍ (٦))، ويُباح الانتفاعُ به؛ لِما روَى جابرٌ قال: «رخَّص النبيُّ ﷺ في العَصا والسَّوطِ والحبلِ يَلتقطه الرَّجلُ (٧)

стр. 919

يَنتفع (١) به» رَواه أبو داودَ (٢). وكذا تمرةٌ وخِرقةٌ، وما لا خطرَ له. ولا يَلزمه دفعُ بدلِه. (وَ) الثاني: (مَا امْتَنَعَ مِنْ صَغِيرِ (٣) سِبَاعٍ)؛ كذئبٍ وأسدٍ صغيرٍ (٤)، (كَإِبِلٍ وَبَقَرٍ) وبغلٍ وحمارٍ وظِباءٍ وطيرٍ وفهدٍ (٥)، فهذا (يَحْرُمُ الْتِقَاطُهُ)؛ لقولِه ﷺ لمَّا سُئِل عن ضالَّةِ الإبلِ: «ما لكَ ولَهَا؟! معَها سِقاؤُها وحِذاؤُها، تَرِدُ الماءَ، وتَأكل الشَّجرَ حتى يَجِدها رَبُّها» متَّفق عليه (٦)، وفي مِثلِ هذا قال عمرُ ﵁: «مَنْ أخَذ الضالَّة فهو ضالٌّ» (٧) أي: مخطئٌ. فإن أخَذها ضَمِنها. (وَ) الثالثُ: (مَا عَدَا ذَلِكَ) المتقدِّمَ (مِنْ حَيَوَانٍ)؛ كغَنمٍ وفُصْلانٍ (٨) وعَجاجيلَ وأَفلاءٍ (٩)، (وَغَيْرِهِ)؛ كأثمانٍ ومتاعٍ، فهذا (يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ لِمَنْ أَمِنَ

стр. 920

نَفْسَهُ) عليه، (وَقَوِيَ عَلَى تَعْرِيفِهِ)؛ لحديثِ زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ قال: سُئِل النبيُّ ﷺ عن لُقَطةِ الذَّهبِ والوَرِقِ، فقال: «اعْرِفْ وِكَاءَها وعِفَاصَها، ثُمَّ عَرِّفْها سَنةً، فإن لم تُعرَف فاستَنْفِقْها، وَلْتَكُنْ وَديعةً عندَك، فإن جاء طالبُها يومًا مِنْ الدَّهر فادْفَعْها إليه»، وسألَه عن الشاةِ فقال: «خُذها، فإنَّما هي لكَ، أو لأخيكَ، أو للذِّئبِ» متَّفق عليه مختصرًا (١). والأفضلُ تركُها. (وَإِلَّا) يَأمنْ نفسَه على ما الْتقَطه، أو أَمِن نفسَه وعجَز عن تعريفه؛ (فَ) هو (كَغَاصِبٍ)، فليس له أخذُه، ويَضمنه إن تَلِف ولو بلا تفريطٍ، ولا يَملكه ولو عرَّفه. (وَ) مَنْ جاز له الْتقاطُ هذا النَّوعِ، فالْتقَطه؛ فإنَّه (يَمْلِكُهُ حُكْمًا) أي: مِنْ غيرِ اختيارٍ؛ كميراثٍ (٢)، غنيًّا كان أو فقيرًا. لكنْ إنَّما يَملكه (بِتَعْرِيفِهِ) وجوبًا (حَوْلًا) مِنْ الْتقاطِه، فورًا نهارًا (٣) أوَّلَ كلِّ يومٍ أسبوعًا، ثمَّ (عَادَةً) (٤)، بأنْ يُنادي (٥): مَنْ ضاع منه شيءٌ أو نفقةٌ، في مَجامعِ النَّاسِ غيرِ المساجدِ (٦).

стр. 921

(وَ) حيثُ ملَكه فإنَّه (لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَبْلَ مَعْرِفَةِ صِفَاتِهِ)، بأنْ يَعرف وِعاءَه، أي: ظَرفَه، ووِكاءَه، أي: الخيطَ الذي يُشَدُّ به، وعِفاصَه، وهو صفةُ الشَّدِّ. ويَعرِف جنسَ الملتَقطِ وصفتَه، وسُنَّ ذلك عندَ وِجدانها، وأن يُشهِد عَدلَين عليها. (وَمَتَى جَاءَ طَالِبُهَا (١) فَوَصَفَهَا؛ لَزِمَ دَفْعُهَا إِلَيْهِ (٢)) بلا بيِّنةٍ ولا يمينٍ، وإن لم يَغلب على ظنِّه صدقُه. (وَإِنْ تَلِفَتِ) اللُّقطةُ أو نَقصَت (فِي الحَوْلِ) بيَدِ ملتقِطٍ (بِلَا تَفْرِيطٍ) منه؛ (لَمْ يَضْمَنْهَا)؛ لأنَّها أمانةٌ بيَده؛ كوديعةٍ. وإن تَلِفَت أو نَقصَت بعدَ الحولِ؛ ضَمِنها، ولو بلا تفريطٍ، وتُعتبر القيمةُ يومَ عُرِفَ (٣) ربُّها (٤). (وَالسَّفِيهُ وَالصَّغِيرُ يُعَرِّفُ لُقَطَتَهُ وَلِيُّهُ)؛ لقيامِه مقامَه، ويَلزم الوليَّ أخذُها

стр. 922

منه، ويَضمن إن ترَكها (١)، فإن لم تُعرَف فهي لواجدِها. (وَمَنْ تَرَكَ حَيَوَانًا)، لا عبدًا أو متاعًا، (بِفَلَاةٍ لِانْقِطَاعِهِ) بعَجزه عن مشيٍ، (أَوْ عَجْزِ رَبِّهِ عَنْهُ) أي: عن عَلفه؛ (مَلَكَهُ آخِذُهُ)؛ لأنَّه ترَكه رغبةً عنه، وكذا ما يُلقى في البحر خوفًا مِنْ غرقٍ. وإنِ انكسَرَت سفينةٌ، فاستخرَجه قومٌ؛ فهو لربِّه، وعليه أُجرةُ مِثلِه. (وَمَنْ أُخِذَ) بالبناء للمفعول (نَعْلُهُ وَنَحْوُهُ) مِنْ مَتاعه، (وَوَجَدَ مَوْضِعَهُ غَيْرَهُ؛ فَلُقَطَةٌ، يُعَرِّفُهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْهُ، وَيَتَصَدَّقُ بِبَاقٍ) إن بقيَ شيءٌ، بلا رفعٍ لحاكمٍ.

стр. 923

(بَابُ اللَّقِيطِ (١)) بمعنى المَلقوطِ؛ كجريحٍ وذبيحٍ. (إِذَا نُبِذَ) بالبناء للمفعول، أي: طُرِح في شارعٍ أو غيرِه، (أَوْ ضَلَّ) الطَّريقَ (طِفْلٌ لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ وَلَا رِقُّهُ؛ فَ) هو اللَّقيطُ اصطلاحًا إلى سِنِّ التمييزِ، قال في «الإنصاف»: فقط (٢)، على الصَّحيح مِنْ المذهب. انتهى (٣). وعندَ الأكثرِ: إلى البلوغ (٤)، قاله في «التَّنقيح» (٥). و (أَخْذُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. وسُنَّ إشهادٌ عليه. (وَهُوَ حُرٌّ) في جميعِ الأحكامِ؛ لأنَّ الحرِّيَّةَ هي الأصلُ، والرِّقَّ عارضٌ. (مُسْلِمٌ) إن وُجِد بدارِ إسلامٍ (٦)، ولو كان فيها أهلُ ذمَّةٍ؛ تغليبًا للإسلامِ والدَّارِ، فإن كانت دارُ الإسلامِ كلُّ أهلها ذمَّةٌ؛ فكافرٌ، وإن كان فيها مسلمٌ يُمكن كَونُه منه؛ فمسلمٌ.

стр. 924

وإن وُجِد في بلدِ حربٍ لا مسلمَ فيها (١)، أو فيها مسلمٌ، كتاجرٍ وأسيرٍ؛ فكافرٌ رقيقٌ تبعًا للدَّارِ (٢)، وإن كَثُر فيها المسلمون؛ فمسلمٌ حرٌّ. (وَمَا وُجِدَ مَعَهُ) مِنْ فراشٍ تحتَه، أو ثيابٍ فوقَه، أو مالٍ في جَيبه، (أَوْ تَحْتَهُ) ظاهرًا (أَوْ مَدْفُونًا) دفنًا (طَرِيًّا، أَوْ مُتَّصِلًا بِهِ؛ كَحَيَوانٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ) وُجِد (قَرِيبًا مِنْهُ؛ فَ) هو (لَهُ)؛ عملًا بالظَّاهر، ولأنَّ له يدًا صحيحةً كالبالغ. (وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ وَاجِدُهُ مِنْهُ (٣)) بالمعروف، (بِلَا إِذْنِ حَاكِمٍ)؛ لولايتِه عليه. (وَإِلَّا) يَكُنْ معه شيءٌ؛ أنفق (٤) عليه (مِنْ بَيْتِ المَالِ)؛ لقولِ عمرَ ﵁: «اذْهَب، فهو حُرٌّ، ولكَ وَلاؤُه، وعلينا نَفقتُه»، وفي لفظٍ (٥): وعلينا رَضاعُه (٦). (فَإِنْ تَعَذَّرَ) الإنفاقُ عليه مِنْ بيتِ المالِ؛ (فَعَلَى مَنْ عَلِمَ بِهِ) مِنْ المسلمين، فإن تَركوه أَثِموا.

стр. 925

(وَحَضَانَتُهُ لَهُ) أي: لواجدِه إن كان أمينًا عدلًا، ولو ظاهرًا، حرًّا مكلَّفًا رشيدًا. (وَمِيرَاثُهُ) ودِيَتُه (لِبَيْتِ المَالِ) إن لم يُخلِّف وارثًا؛ كغيرِ اللَّقيطِ، ولا ولاءَ عليه؛ لحديثِ: «إنَّما الولاءُ لمَن أَعتَق» (١). (وَوَلِيُّهُ إِنْ قُتِلَ: الإِمَامُ)، فيُخيَّر (٢) في العمدِ العدوانِ بينَ القصاصِ والدِّيةِ. وإن قُطِع طرفُه؛ انتُظر بلوغُه ورُشدُه ليَقتصَّ أو يَعفوَ (٣). (وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ) أي: اللَّقيطَ (وَلَدُهُ؛ لَحِقَ بِهِ، وَلَوْ) كان المقِرُّ به (٤) (امْرَأَةً ذَاتَ زَوْجٍ، أَوْ) كان المقِرُّ (كَافِرًا)؛ لأنَّ الإقرارَ به محضُ مَصلحةٍ للطِّفلِ؛ لاتِّصالِ نسبِه، ولا مَضرَّةَ على غيره فيه. وشَرْطُه (٥): أن يَنفرد بدعوته، وأن يُمكن كَونُه منه، حرًّا كان أو عبدًا. (وَ) إذا كان المقِرُّ كافرًا؛ (لَا يَلْحَقُهُ (٦)) اللَّقيطُ (فِي دِينِهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) تَشهد

стр. 926

أنَّه وُلِد على فراشه، ولا يَلحق أيضًا زوجَ مقِرَّةٍ، كعكسه. (وَلَا يُقْبَلُ مِنْ لَقِيطٍ) إقرارُه (بِأَنَّهُ رَقِيقٌ أَوْ كَافِرٌ)؛ لأنَّه محكومٌ بحرِّيَّته وإسلامِه، ويُستتاب، فإن تاب، وإلّا قُتِل. (وَإِنِ ادَّعَاهُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ؛ قُدِّمَ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ)، مسلمًا أو كافرًا، (وَإِلَّا) يَكُنْ (١) بيِّنةٌ، أو تَعارضَت؛ (فَمَنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ القَافَةُ) لَحِقه (٢)؛ لقضاءِ عمرَ ﵁ به (٣) بحَضرةِ الصَّحابةِ ﵃ (٤). وإن أَلحقَته باثنَين فأكثرَ؛ لَحِق بهم (٥). وإن أَلحقَته بكافرٍ أو أَمَةٍ؛ لم يُحكم بكفره ولا رِقِّه. والقافةُ (٦): قومٌ يَعرفون الأنسابَ بالشَّبهِ، ولا يَختصُّ ذلك بقبيلةٍ معيَّنةٍ،

стр. 927

ويَكفي واحدٌ، وشرطُه (١): أن يَكون (٢) ذكرًا، عدلًا، مجرَّبًا في الإصابة (٣)، ويَكفي خبرُه.

стр. 928

(كِتَابُ الوَقْفِ) مصدرُ وقَف الشَّيءَ، بمعنى: حبَسه، وأَحبَسه، وحَبَّسه، وسَبَّله، وأَوقَفه (١) لغةٌ شاذَّةٌ. وهو ممَّا اختصَّ به المسلمون، ومِن القُرَب المندوبِ إليها. وهو شرعًا: تحبيسُ مالكٍ مطلقِ التصرُّفِ (٢) مالَه المنتفَعَ به مع بقاءِ عينِه، بقطعِ تصرُّفِه وغيرِه في رقبته (٣)، يُصرف رَيعُه إلى جهةِ بِرٍّ (٤)؛ تقرُّبًا إلى الله تَعالى (٥). (يَصِحُّ) الوَقفُ (بِفِعْلٍ دَالٍّ عَلَيْهِ) عُرْفًا؛ (كَجَعْلِ أَرْضِهِ مَسْجِدًا)، بأنْ يَبني بُنيانًا على هيئةِ المسجدِ، (وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ) إذنًا عامًّا (٦)، ولو بفتحِ

стр. 929

الأبوابِ، أو التَّأذينِ (١)، أو كتابتِه لوحًا بالإذن أو الوقفِ، قاله (٢) الحارثيُّ. وكذا لو أَدخَل بيتَه في المسجد وأَذِن فيه، ولو نوَى خلافَه، نقله أبو طالبٍ (٣). أي: لا أثرَ لنيَّتِه (٤) خلافَ ما دلَّ عليه الفعلُ. (أَوْ) جعلِ أرضِه (مَقْبَرَةً، وَيَأْذَنَ) للنَّاسِ (فِي الدَّفْنِ فِيهَا) إذنًا عامًّا، بخلافِ الخاصِّ، فقد يَقع على غيرِ الموقوفِ، فلا يُفيد دلالةَ الوقفِ، قاله الحارثيُّ. (وَ) يصحُّ ب (قَوْلٍ) وإشارةٍ مفهِمةٍ مِنْ أَخرسَ. (وَصَرِيحُهِ) أي: القولِ: (وَقَفْتُ، وَحَبَّسْتُ، وَسَبَّلْتُ (٥))، فمتى أَتى بصيغةٍ منها؛ صارَ وقفًا مِنْ غيرِ انضمامِ أمرٍ زائدٍ. (وكِنَايَتُهُ (٦): تَصَدَّقْتُ، وَحَرَّمْتُ، وَأَبَّدْتُ (٧))؛ لأنَّه لم يَثبت لها فيه عرفٌ لغويٌّ، ولا شرعيٌّ. ولا (يَنْعَقِدُ) الوقفُ (بِهَا (٨)) إلّا (مَعَ نِيَّةِ) الوقفِ، فمَتى (٩) أتى بكنايةٍ

стр. 930

واعتَرف أنَّه نوَى بها الوقفَ؛ لَزِمه حكمًا، وإن قال: ما أَردتُ الوقفَ؛ قُبِل قولُه. (أَوْ قَرْنِهَا) أي: الكنايةِ في اللَّفظِ (بِأَحَدِ الأَلْفَاظِ الخَمْسَةِ)، وهي الصَّرائحُ الثلاثُ، والكِناياتُ؛ ك: تَصدَّقتُ بكذا صدقةً موقوفةً (١)، أو: محبَّسةً، أو: مسبَّلةً، أو: محرَّمةً، أو: مؤبَّدةً؛ لأنَّ اللَّفظَ يَترجَّح بذلك لإرادةِ الوقفِ. (أَوْ) قَرْن الكنايةِ ب (حُكْمِ الوَقْفِ)؛ ك: تَصدَّقتُ به صدقةً لا تُباع، أو: لا تُوهَب، أو: لا تُورَث، أو: على قبيلةِ أو طائفةِ كذا؛ لأنَّ ذلك لا يُستعمل في غيرِ الوقفِ. وكذا: تَصدَّقت بداري على زيدٍ والنَّظر لي أيَّامَ حياتي، أو: ثُمَّ مِنْ بعدِ زيدٍ على عمرٍو، أو: على (٢) ولده، ونحوُه. (وَتُشْتَرَطُ (٣)) أربعةُ شروطٍ في الوقف: الأوَّلُ: (مُصَادَفَتُهُ عَيْنًا) يصحُّ بيعُها و (يُنْتَفَعُ بِهَا مَعَ بَقَائِهَا) أي: العينِ عرفًا، كإجارةٍ، أو مُشاعًا منها؛ (كَعَقَارٍ، وَحَيَوَانٍ، وَكُتُبٍ، وَنَحْوِهَا)، كسلاحٍ وأثاثٍ. (وَ) الشَّرطُ الثاني: (أَنْ يَكُونَ عَلَى بِرٍّ) إذا كان على جهةٍ عامَّةٍ؛ (كَمَسَاجِدَ، وَقَنَاطِرَ، وَفُقَرَاءَ، وَنَحْوِهِمْ)، كسقايةٍ، وكتبِ علمٍ. و (لَا) يصحُّ على (كَنِيسَةٍ)، وبيتِ نارٍ، (وَنَسْخِ تَوْرَاةٍ وَنَحْوِهَا) كإنجيلٍ،

стр. 931

ولو مِنْ (١) ذمِّيٍّ، بل على (٢) المارِّ بها مِنْ مسلمٍ وذمِّيٍّ (٣). (وَيَصِحُّ) الوقفُ ولو مِنْ مسلمٍ (عَلَى ذِمِّيٍّ مُعَيَّنٍ)؛ لِما رُوي: «أنَّ صفيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ زوجةَ (٤) النبيِّ ﷺ وقَفَت على أخٍ لها يَهوديٍّ» (٥)، ولأنَّه تَجوز الصَّدقةُ عليه، ولو أجنبيًّا، ويَستمرُّ له إذا أَسلَم، ويَلغُو شرطُه (٦) ما دامَ كذلك. (وَكَذَا) تصحُّ (الوَصِيَّةُ) لذمِّيٍّ معيَّنٍ، ولو مِنْ مسلمٍ. الشَّرطُ الثالثُ: كَونُه على معيَّنٍ مِنْ جهةٍ أو شخصٍ يَملك مِلكًا ثابتًا، فلا يصحُّ على مجهولٍ أو مبهَمٍ، و (لَا عَلَى) مَنْ لا يَملك؛ ك (مَلَكٍ (٧)) بفتحِ اللامِ، أَحدِ الملائكةِ (٨)، (أَوْ بَهِيمَةٍ، أَوْ حَمْلٍ) أصالةً؛ كوقفِ دارِه على ما في بطنِ هذه المرأةِ، أو على مَنْ سيُولَد لي أو لفلانٍ، بل تبعًا؛ كعَلى أولادي أو أولادِ فلانٍ، وفيهم حَمْلٌ، فيصحُّ، (وَيَدْخُلُ) الحَمْلُ فيهم كمَن لم يُخلق مِنْ الأولاد (تَبَعًا).

стр. 932

الشَّرطُ الرابعُ: أن يَقِف ناجزًا، فلا يصحُّ مؤقَّتًا، ولا معلَّقًا إلّا بموتٍ. وشَرطُ بيعِه أو هِبَتِه (١) متى شاء، أو خيارٍ فيه، أو تغييرِ شرطٍ، أو توقيتِه: مُبطِلٌ للوقفِ. (وَلَا يُشْتَرَطُ) للزومِ الوقفِ (قَبُولُهُ)، ولو على معيَّنٍ، (وَلَا إِخْرَاجُهُ عَنْ يَدِهِ)؛ لأنَّه إزالةُ مِلكٍ يَمنع البيعَ، فلَم يُعتبر فيه ذلك؛ كالعتق. (وَ) لا يصحُّ (الوَقْفُ) عندَ الأكثرِ (٢) (عَلَى نَفْسِهِ)؛ لأنَّ الوقفَ تمليكٌ، إمَّا للرقبةِ أو للمَنفعةِ، ولا يَجوز له أن يُملِّك نفسَه. و (يُصْرَفُ) الوقفُ على النَّفس (فِي الحَالِ لِمَنْ بَعْدَهُ)، فمَن وقَف على نفسه، ثمَّ أولادِه أو الفقراءِ؛ صُرِف في الحال إلى أولادِه أو الفقراءِ؛ لأنَّ وجودَ مَنْ لا يصحُّ الوقفُ عليه كعدمِه، فكأنَّه وقَفه ابتداءً على مَنْ بعدَه. فإن لم يَذكر غيرَ نفسِه؛ فمِلكُه بحالِه، ويُورَث عنه. (فصل) (يُرْجَعُ) بالبناء للمفعول، وجوبًا (لِشَرْطِ وَاقِفٍ)؛ لأنَّ عمرَ ﵁ شرَط في وقفِه شروطًا (٣)، فلَو لم يَجب اتِّباعُها (٤) لم يَكُنْ في اشتراطها فائدةٌ، (فِي قَسْمِهِ) أي: الوقفِ؛ كجَعله لواحدٍ النِّصفَ، ولآخرَ الثُّلثَ، ولآخرَ السُّدسَ (٥).

стр. 933

(وَ) في (تَقْدِيمِ) بعضِ أهلِه، ك: وقَفتُ (١) على زيدٍ وعمرٍو وبَكرٍ، ويُبدأ (٢) بالدَّفع إلى زيدٍ، والمرادُ: إذا كان للمقدَّمِ شيءٌ مقدَّرٌ، فحينئذٍ إن (٣) كانت الغَلَّةُ وافرةً؛ حصَل بعدَه فضلٌ، وإلّا فلا، قاله في «الإقناع» (٤). (وَ) في (نَظَرٍ)، بأنْ يَقول: النَّاظرُ على وَقفِي فلانٌ؛ لأنَّ عمرَ ﵁ جعَل وَقفَه إلى بنتِه حفصةَ تَلِيه ما عاشَت، ثمَّ يَليه ذو الرَّأيِ مِنْ أهلها (٥). (وَ) في (مُدَّةِ إِجَارَةِ) الوقفِ، فلَو شرَط أنْ لا يُؤْجَر أبدًا، أو إلَّا مدَّةَ كذا؛ عُمل به، إلّا عندَ الضَّرورةِ، فيُزاد بِحَسبِها (٦). (وَ) يُرجَع إلى شرطِ واقفٍ في (غَيْرِهَا) أي: غيرِ (٧) المذكوراتِ، كشرطِه: أنْ لا يَنزل (٨) فيه فاسقٌ، أو شرِّيرٌ (٩)، أو مُتجوِّهٌ (١٠)، ونحوُه (١١). (فَإِنْ أَطْلَقَ) في الموقوف عليه ولم يَشترط وصفًا؛ (سُوِّيَ (١٢) بَيْنَ المَوْقُوفِ

стр. 934

عَلَيْهِمْ)، الغنيِّ والفقيرِ، والذَّكرِ والأُنثى. (وَالنَّظَرُ) فيما إذا لم يَشترط الواقفُ ناظرًا، أو شرَط لإنسانٍ ومات: (لِمَوْقُوفٍ عَلَيْهِ) معيَّنٍ؛ لأنَّه مِلكُه، وغَلَّتُه له، فإن كان واحدًا؛ استقلَّ به مطلقًا (١)، وإن كانوا جماعةً؛ فهو بينَهم، يَنظر (كُلٌّ) منهم (عَلَى) قَدْرِ (حِصَّتِهِ)، ومَن كان منهم صغيرًا أو نحوَه؛ قام وليُّه مقامَه. وإن كان الوقفُ على مسجدٍ، أو مَنْ لا يُمكن حَصرُهم، كالمساكين؛ فلِلحاكمِ (٢). (وَمَنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ)، أو أولاده، أو ولدِ ولدِه، (ثُمَّ المَسَاكِينِ؛ شَمِلَ أَوْلَادَهُ) الموجودِين حينَ الوقفِ، وكذا يَدخل ولدٌ حدَث، بأن حمَلَت به أُمُّه بعدَ الوقفِ، كما اختارَه في «الإقناع»، خلافًا ل «المنتهى» (٣)، (الذُّكُورَ وَالإِنَاثَ) والخَناثَى؛ لأنَّ اللفظَ يَشملهم، (بِالسَّوِيَّةِ)؛ لأنَّه شَرَّك بينهم، وإطلاقُها يَقتضي التَّسويةَ، كما لو أَقرَّ لهم بشيءٍ. ولا يَدخل فيهم الولدُ المنفيُّ بلِعانٍ. (ثُمَّ) بعدَ أولادِه يَشمل (أَوْلَادَ بَنِيهِ وَإِنْ نَزَلُوا)؛ لأنَّهم أولادُه، ويَستحقُّونه مرتَّبًا (طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ)، فيَحجب أَعلاهم أَسفلَهم، (دُونَ أَوْلَادِ بَنَاتِهِ)، فلا

стр. 935

يَشملهم الوقفُ؛ لعدمِ دخولِهم في قوله تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. (وَكَذَا لَوْ وَقَفَ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ أَوْ نَسْلِهِ (١) وَعَقِبِهِ؛ فَلَا يَدْخُلُ) فيهم (وَلَدُ بَنَاتٍ إِلَّا بِنَصٍّ)؛ كقوله: على أولادي، ثمَّ أولادِهم الذُّكورِ والإناثِ، (أَوْ قَرِينَةٍ)؛ كقوله: وَقفتُ على أولادي فلانٍ وفلانٍ وفلانةَ، ثمَّ أولادِهم، أو: مَنْ مات منهم (٢) فنصيبُه لولدِه. والعطفُ ب «ثُمَّ» للتَّرتيب، فلا يَستحقُّ البطنُ الثاني شيئًا حتى يَنقرضَ الأوَّلُ، إلّا أن يَقول: مَنْ مات عن ولدٍ فنصيبُه لولده. والعطفُ بالواو للتَّشريكِ. (وَ) لو قال: (عَلَى بَنِيهِ، أَوْ بَنِي فُلَانٍ؛ فَ) الوقفُ (لِذُكُورِهِمْ) خاصَّةً؛ لأنَّ لفظَ «البَنينَ» وُضِع لذلك حقيقةً، (إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَبِيلَةً)؛ كبَني هاشمٍ وتميمٍ، فيَدخل فيه النِّساءُ؛ لأنَّ اسمَ القبيلةِ يَشمل ذكَرَها وأُنثاها. ولا تَشمل القبيلةُ أولادَ النِّساءِ مِنْ غيرهم. (وَ) لو قال: (عَلَى قَرَابَتِهِ)، أو قرابةِ زيدٍ، (أَوْ أَهْلِ بَيْتِهِ، أَوْ قَوْمِهِ؛ فَ) الوقفُ (لِذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَبِيهِ) وهم (٣) إخوته وأخواته، (وَ) أولادِ (جَدِّهِ)، وهُم أبوه وأَعمامه وعمَّاتُه، (وَ) أولادِ (٤) (جَدِّ أَبِيهِ)، وهُم جدُّه وأعمامُ (٥)

стр. 936

وعمَّاتُ أبيه فقط؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُجاوز بَنِي هاشمٍ بسَهمِ ذَوِي القُربى، فلَم يُعطِ مَنْ هو أَبعدُ، كبَنِي عبدِ شمسٍ وبَنِي نَوفلٍ شيئًا، وإنَّما أَعطى بَنِي المطَّلبِ (١)؛ لأنَّهم لم يُفارقوه في جاهليَّةٍ ولا إسلامٍ (٢)، ولم يُعطِ قرابتَه مِنْ جهةِ أُمِّه، وهُم بَنُو زُهرةَ شيئًا. ويَستوي فيه الذَّكرُ والأُنثى، والكبيرُ والصَّغيرُ، والقريبُ والبعيدُ، والغنيُّ والفقيرُ؛ لشمولِ اللفظِ لهم، ولا يَدخل فيهم مَنْ يُخالف دِينَه. وإن وقَف على ذَوِي رَحِمِه؛ شَمِل كلَّ قرابةٍ له مِنْ جهةِ الآباءِ والأمَّهاتِ والأولادِ. والمَوالي: يَتناول المَولَى مِنْ فوقُ وأسفلُ (٣). (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى مَنْ) أي: جماعةٍ (يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ)؛ كأولاده، وأولادِ زيدٍ، وليسوا قبيلةً؛ (وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ)؛ لأنَّ اللفظَ يَقتضي ذلك، وقد أَمكَن الوفاءُ به، فوجَب العملُ بمُقتضاه. فإن كان الوقفُ في ابتدائه على مَنْ يُمكن استيعابُه، فصار ممَّا لا يُمكن استيعابُه؛ كوقفِ عليٍّ ﵁ (٤)؛ وجَب تعميمُ مَنْ أَمكَن منهم، والتَّسويةُ بينهم.

стр. 937

(وَإِلَّا) يُمكنِ ابتداءً حَصرُهم؛ كبَنِي هاشمٍ وبني (١) تميمٍ؛ لم يَجب تعميمٌ؛ لأنَّه غيرُ ممكنٍ، و (جَازَ التَّفْضِيلُ) لبعضِهم على بعضٍ؛ لأنَّه إذا جازَ حِرمانُه جازَ تفضيلُ غيرِه عليه، و (الاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ) منهم؛ لأنَّ مقصودَ الواقفِ عدمُ مجاوزةِ الجنسِ، ويَحصل ذلك بالدَّفع لواحدٍ منهم، وكالزكاة (٢). (وَالوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ) بمجرَّدِ القولِ، وإن لم يَحكم به حاكمٌ؛ كالعتق؛ لقولِه ﷺ : «لا يُباع أَصلُها، ولا يُوهَبُ، ولا يُورَثُ» (٣)، قال التِّرمذيُّ: العملُ على هذا الحديثِ عندَ أهلِ العلمِ (٤). ف (لَا يُفْسَخُ (٥)) بإقالةٍ ولا غيرِها؛ لأنَّه مؤبَّدٌ، (وَلَا يُبَاعُ) ولا يُناقَل (٦) به، (إِلَّا أَنْ تَتَعَطَّلَ (٧) مَنَافِعُهُ المَقْصُودَةُ) منه (بِخَرَابٍ (٨))، ولم يُوجد في رَيعِ الوقفِ ما يُعمَر به، فيُباع (٩)، (أَوْ) تَتعطَّل مَنافعُه المقصودةُ ب (نَحْوِهِ) أي: نحوِ الخرابِ؛

стр. 938

كخشبٍ تَشعَّث وخِيفَ سقوطُه، نصًّا (١). (وَلَوْ (٢)) كان الوقفُ (مَسْجِدًا) وتَعطَّل نفعُه المقصودُ، بضِيقه على أهله، أو خرابِ مَحلَّتِه؛ فيُباع ولو شرَط واقفُه عدمَ بَيعِه، وشرطُه فاسدٌ. (وَ) حيثُ بِيعَ وقفٌ بشرطه، فإنَّه (يُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ) إن أَمكَن، وإلّا ففي بعضِ مِثلِه. والذي يَبيعه: حاكمٌ إن كان على سُبلِ (٣) الخيراتِ؛ كالمساكينِ والمساجدِ والقَناطرِ. وإن كان على معيَّنٍ واحدٍ أو أكثرَ، أو مَنْ يَؤمُّ مَثلًا بهذا المسجدِ؛ فيَبيعه ناظرٌ خاصٌّ، والأَحوطُ إذْنُ حاكمٍ له. وبمجرَّدِ شراءِ البدلِ يَصير وقفًا؛ كبدلِ أُضحيَّةٍ ورَهنٍ أُتلِفَا، والاحتياطُ وَقفُه. (وَمَا فَضَلَ مِنْ آلَتِهِ) الجديدةِ وأنقاضِه، (وَنَحْوِ حُصُرِهِ)؛ كزيتِه ومُغلِّه: (جَازَ صَرْفُهُ لِمَسْجِدٍ آخَرَ، وَ) جازَت (الصَّدَقَةُ بِهِ) أيضًا على فقيرٍ نصًّا (٤).

стр. 939

(بَابُ الهِبَةِ) أصلُها مِنْ هُبوبِ الرِّيحِ، أي: مُرورِه، يُقال: وَهبتُ له وَهْبًا، بإسكانِ الهاءِ وفتحِها، وهِبَةً. والاتِّهابُ: قَبولُ الهبةِ، والاستِيهابُ: سؤالُ الهبةِ. وهي شرعًا: تمليكُ جائزِ التصرُّفِ مالًا معلومًا (١)، أو مجهولًا تَعذَّر عِلمُه، موجودًا، مقدورًا على تسليمه، غيرَ واجبٍ في الحياة، بلا عِوَضٍ، بما (٢) يُعدُّ هِبَةً عرفًا. ف (لَا تَصِحُّ فِي مَجْهُولٍ)؛ كحَمْلٍ في بطنٍ، ولبنٍ في ضرع، (غَيْرَ مَا تَعَذَّرَ عِلْمُهُ)، كما لو اختَلط مالُ اثنَين على وجهٍ لا يَتميَّز، فوهَب أحدُهما لرفيقِه نصيبَه منه، فيصحُّ؛ للحاجة، كالصُّلح. (وَتَنْعَقِدُ) هِبةٌ (٣) (بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ)، بأنْ يَقول: وَهبتُك، أو أَهديتُك، أو أَعطيتُك مَثلًا، فيقول: قَبلتُ، أو رَضيتُ، ونحوَه. (وَ) تَنعقد (بِمُعَاطَاةٍ) دالَّةٍ عليها؛ لأنَّه ﷺ كان يُهدي، ويُهدَى إليه، ويُفرِّق الصَّدقاتِ، ويَأمر سُعاتَه بأخذها وتفريقِها، وكان أصحابُه يَفعلون ذلك، ولم يُنقل عنهم إيجابٌ ولا قبولٌ. فتجهيزُ نحوِ بِنتِه بجَهازٍ إلى بيتِ زوجٍ: تمليكٌ.

стр. 940

(وَتَلْزَمُ) هِبةٌ (بِقَبْضِ (١)) متَّهِبٍ أو وكيلِه (بِإِذْنِ وَاهِبٍ)، فلا يصحُّ (٢) بدونه. ولواهبٍ رجوعٌ في هِبةٍ وإذنٍ قبلَ قبضٍ. (وَيَقُومُ وَارِثُ وَاهِبٍ) مات قبلَ قبضٍ، أُذِن فيه أو لا، (مَقَامَهُ) في إذنٍ ورجوعٍ. (وَتَصِحُّ البَرَاءَةُ مِنَ الدَّيْنِ بِكُلِّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَيْهَا) أي: على البراءة؛ كلفظِ إحلالٍ (٣)، أو صدقةٍ، أو إسقاطٍ، أو تركٍ، أو عفوٍ (٤)، ونحوِه، (وَلَوْ) قبلَ حلولِ الدَّينِ، أو كان (مَجْهُولًا)، بأنْ جَهِل ربُّ الدَّينِ قَدْرَه وصفتَه، إلّا إن عَلِمه مَدينٌ فقط وكتَمه خوفًا مِنْ أنَّه إن أَعلَمه (٥) لم يُبرِئه. (أَوْ) أي: وتصحُّ البراءةُ مِنَ الدَّين ولو (لَمْ يَقْبَلِ) البراءةَ (مَدِينٌ)؛ لأنَّها لا تَفتقر إلى قَبولٍ؛ كعتقٍ وطلاقٍ، وكذا لو ردَّ مَدينٌ، بخلاف هبةِ العينِ؛ لأنَّه تمليكٌ. (وَمَا صَحَّ بَيْعُهُ) مِنْ الأعيان (صَحَّتْ هِبَتُهُ)؛ لأنَّها تمليكٌ في الحياة، فتصحُّ فيما يصحُّ فيه البيعُ. وما لا يصحُّ بيعُه لا تصحُّ هِبتُه؛ كأمِّ الولدِ. ويَجوز نقلُ اليدِ في كلبٍ ونحوِه ممَّا يُباح الانتفاعُ به، وليس هِبةً حقيقةً.

стр. 941

ولا تصحُّ معلَّقةً، ولا مؤقَّتةً، إلّا (١) نحوَ: جعلتُها لكَ عُمرَك، أو حياتَك، أو عُمري، أو ما بقيتُ؛ فتصحُّ، وتَكون لموهوبٍ له، ولورثتِه بعدَه. (وَيَجِبُ التَّعْدِيلُ فِي عَطِيَّةِ) شيءٍ غيرِ تافهٍ (بَيْنَ وُرَّاثِهِ (٢)) بقرابةٍ، مِنْ ولدٍ وغيرِه (بِقَدْرِ إِرْثِهِمْ)؛ اقتداءً بقِسمةِ اللهِ تَعالى، وقياسًا لحالِ الحياةِ على حالِ الموتِ. (فَإِنْ فَضَّلَ) بعضَهم، بأنْ أَعطاه فوقَ إرثِه، أو خصَّه؛ (سَوَّى) وجوبًا (بِرِجُوعٍ) حيثُ أَمكَن، (أَوْ زِيَادَةِ) مفضولٍ ليُساويَ الفاضلَ، أو إعطاءِ محرومٍ ليُساويَ مَنْ خُصِّص؛ لقولِه ﷺ : «اتَّقُوا اللهَ واعْدِلُوا بينَ أَولادِكم» متَّفق عليه (٣). وتَحرم شهادةٌ على تخصيصٍ أو تفضيلٍ تحمُّلًا وأداءً إن عَلِم، وكذا كلُّ عقدٍ فاسدٍ (٤) عندَه مختلَفٍ فيه. (فَإِنْ مَاتَ) واهبٌ (قَبْلَهُ) أي: قبلَ رجوعٍ أو زيادةٍ؛ (ثَبَتَتْ) عطيَّةٌ (لِآخِذٍ)، فليس لبقيَّةِ ورثةٍ رجوعٌ، إلّا أن تَكون بمرضِ موتٍ مَخوفٍ، فتَقِف على إجازةِ البقيَّةِ. (وَ) يَحرم و (لَا) يصحُّ (رُجُوعٌ لِوَاهِبٍ فِي هِبَةٍ لَازِمَةٍ (٥)) بقبضٍ، ولو نُقوطًا، أو حمولةً في نحوِ عُرسٍ، كما في «الإقناع» (٦)؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا: «العائدُ في هِبَتِه كالكلب يَقِيءُ، ثمَّ يَعود في قَيئِه» متَّفق عليه (٧).

стр. 942

(غَيْرَ أَبٍ)، فلَه الرُّجوعُ، قصَد التَّسويةَ أو لا، مسلمًا أو كافرًا؛ لقولِه ﷺ : «لا يَحلُّ للرَّجلِ أن يُعطيَ العطيَّة فيَرجعَ، إلّا الوالدَ فيما يُعطي ولدَه (١)» رَواه الخمسةُ، وصحَّحه التِّرمذيُّ مِنْ حديثِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ (٢). ولا يَمنع الرُّجوعَ نقصُ العينِ، أو تلَف بعضِها، أو زيادةٌ منفصلةٌ (٣). ويَمنعه زيادةٌ متَّصلةٌ، وبيعُه، وهِبتُه، ورَهنُه ما لم يَنفكَّ. (وَ) غيرَ (زَوْجَةٍ وَهَبَتْهُ) أي: زوجَها (بِسُؤَالِهِ) إيَّاها شيئًا (ثُمَّ ضَرَّهَا بِطَلَاقٍ وَنَحْوِهِ)؛ كتزوُّجٍ عليها، فلَها الرُّجوعُ فيما وَهبَته مِنْ صَداقٍ أو غيرِه، فإن لم يَكُنْ سأَلها؛ فلا رجوعَ. (وَلِأَبٍ) حرٍّ (تَمَلُّكٌ) أي: له أن يَأخذ ويَتملَّك (مِنْ مَالِ وَلَدِهِ (٤) مَا لَا يَحْتَاجُهُ) الولدُ؛ لحديثِ عائشةَ مرفوعًا: «إنَّ أَطيبَ ما أَكلتُم مِنْ كَسْبِكُم، وإنَّ أَولادَكم مِنْ كَسبِكم» رَواه سعيدٌ، والتِّرمذي وحسَّنه (٥).

стр. 943

وسواءٌ كان الأبُ محتاجًا أو لا، وسواءٌ كان الولدُ صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أُنثى (١). وليس له أن يَتملَّك (٢) ما تَعلَّقَت به حاجةُ الولدِ، ولا ما يُعطيه لولدٍ آخرَ، ولا في مرضِ موتِ أحدِهما المَخوفِ. (وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) أي: الأبِ (فِي مَالِهِ) أي: الابنِ (٣) قبلَ تملُّكِه (بِبَيْعٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ إِبْرَاءِ غَرِيمِ) ولدِه مِنْ دَينه، (وَنَحْوِهِ)؛ كهِبَةِ مالِ ولدِه؛ لأنَّ مِلكَ الولدِ على مالِ نفسِه تامٌّ. (وَيَمْلِكُهُ) أي: يَملك الأبُ مالَ ولدِه (بِقَبْضِهِ مَعَ قَوْلٍ)، ك: تملَّكتُه (٤)، (أَوْ) بقَبضه مع (نِيَّةِ) تملُّكٍ، فلا يَنفُذ تصرُّفُه فيه قبلَ ذلك. (وَلَيْسَ لِوَلَدٍ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنٍ وَنَحْوِهِ)؛ كقيمةِ مُتلَفٍ، وأَرشِ جنايةٍ؛ لِما روَى الخلَّالُ: أنَّ رجلًا جاء إلى النبيِّ ﷺ بأَبيه (٥) يَقتضيه دَينًا عليه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «أنتَ ومالُكَ لأَبيك» (٦).

стр. 944

(بَلْ) لولدٍ مطالبةُ أَبيه (بِعَيْنِ مَالِهِ) الباقيةِ بيَدِ أبيه، (أَوْ نَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ)، فلَه مطالبةُ أبيه بها، وحبسُه عليها؛ لضرورةِ حفظِ النَّفسِ. وإن مات الولدُ؛ فليس لورثتِه مطالبةُ الأبِ بدَينٍ ونحوِه لمورِّثِهم، وإن مات الأبُ؛ رجَع الولدُ بدَينه في تَرِكَته. (فصل) في تصرُّفِ المريضِ بنحوِ عطيَّةٍ (يَلْزَمُ تَصَرُّفُ مَرِيضٍ) مرضًا (غَيْرَ مَرَضِ مَوْتٍ مَخُوفٍ)؛ كوجعِ ضِرسٍ وعينٍ وصُداعٍ يسيرٍ، (كَ) تصرُّفِ (صَحِيحٍ، وَلَوْ) صار المرضُ مَخوفًا و (مَاتَ مِنْهُ)؛ اعتبارًا بحالِ العطيَّةِ. (وَإِنْ كَانَ) المرضُ الذي اتَّصل به الموتُ (مَخُوفًا؛ كَبِرْسَامٍ)، وهو بُخارٌ يَرتقي إلى الرَّأس، ويُؤثِّر في الدِّماغ، فيَختلُّ عقلُ صاحبِه (١)، (وَذَاتِ جَنْبٍ)؛ قروحٌ بباطنِ الجَنبِ، (وَدَوَامِ قِيَامٍ)، وهو المَبطونُ الذي أَصابه الإسهالُ ولا يُمكنه (٢) إمساكُه، (أَوْ رُعَافٍ) دائمٍ؛ لأنَّه (٣) يُصفِّي الدَّمَ فتَذهبَ القوَّةُ، (وَأَوَّلِ فَالِجٍ)، وهو داءٌ معروفٌ يُرخي بعضَ البدنِ، (وَآخِرِ سِلٍّ (٤)) بكسرِ السِّينِ، (وَحُمَّى مُطْبِقَةٍ)، وحُمَّى الرِّبعِ (٥)، (وَمَا قَالَ) مُسلِمان (عَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ:

стр. 945

إِنَّه مَخُوفٌ)؛ فعطيَّتُه (١) كوصيَّتِه (٢). (وَمَنْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدِهِ (٣))، أو كان بينَ الصَّفَّين عندَ الْتِحامِ حربٍ وكلٌّ مِنْ الطائفتَين مُكافئٌ للأُخرى، أو كان مِنْ المقهورةِ، أو كان في لُجَّةِ بحرٍ عندَ هَيَجانِه (٤)، أو قُدِّمَ لقتلٍ، أو حُبِس له، (وَمَنْ أَخَذَهَا الطَّلْقُ حَتَّى تَنْجُوَ (٥)؛ فَعَطِيَّتُهُ) أي: مَنْ ذُكِر: (كَوَصِيَّةٍ (٦))، لا يَلزم تبرُّعُه لوارثٍ بشيءٍ، ولا بما فوقَ الثُّلثِ لأجنبيٍّ، إلّا بإجازةِ الورثةِ، (إِنْ مَاتَ مِنْهُ (٧)). (وَإِلَّا) يَمُت، بأنْ عُوفي مِنْ ذلك؛ (فَكَصَحِيحٍ) في نفوذِ عَطاياه كلِّها؛ لعدمِ المانعِ. (وَيُعْتَبَرُ ثُلُثُهُ عِنْدَ مَوْتِهِ (٨))؛ لأنَّه وقتُ لزومِ الوَصايا، وثبوتِ ولايةِ قَبولِها وردِّها. (وَيَبْدَأُ فِي عَطَايَاهُ) أي: المريضِ مرضَ الموتِ المَخوفِ إن ضاق ثُلثُه عن

стр. 946

كلِّ العَطايا، (بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ) منها، (وَلَا رُجُوعَ) لمريضٍ (فِيهَا) أي: في عطيَّته (بَعْدَ لُزُومِهَا) بقبضٍ. (وَيُعتَبَرُ) في عطيَّةٍ؛ (قَبُولُهَا) مِنْ آخذٍ (عِنْدَهَا) أي: وقتَ عطيَّةٍ؛ لأنَّها تمليكٌ في الحياة، (وَيَثْبُتُ المِلْكُ فِيهَا إِذَنْ) أي: عندَ قَبولِها؛ كالهِبَة، لكن يَكون مراعًى؛ لأنَّا لا نَعلم هل هو مرضُ الموتِ أو لا، ولا نَعلم هل يَتلف شيءٌ مِنْ مالِه أو لا، فإذا خرَجَت مِنْ الثُّلث بموته؛ تَبيَّنَّا أنَّ المِلكَ كان ثابتًا مِنْ حِينه، وإلّا فبقَدْرِه. (بِخِلافِ وَصِيَّةٍ فِي الكُلِّ)، فيُسوَّى في الوَصايا بينَ متقدِّمِها ومتأخِّرِها، ويصحُّ الرجوعُ فيها، ولا يصحُّ قَبولُها ولا تُملَكُ إلّا بعدَ الموتِ؛ لأنَّها (١) تمليكٌ بعدَه، فلا تَتقدَّمه.

стр. 947

(كِتَابُ الوَصِيَّةِ) فَعِيلَةٌ، مِنْ وَصَيتُ الشَّيءَ: إذا وَصلتَه، فالمُوصي وصَل ما كان (١) في حياته بما بعدَ موتِه. وتصحُّ مِنْ بالغٍ رشيد، ومِن صبيٍّ عاقلٍ، ومِن سفيهٍ بمالٍ (٢)، ومِن أَخرسَ بإشارةٍ مفهومةٍ. وإن وُجِدَت وصيَّةُ إنسانٍ بخطِّه الثابتِ ببيِّنةٍ (٣) أو إقرارِ وَرثةٍ؛ صحَّت. ويُستحبُّ أن يَكتب وصيَّتَه ويُشهِدَ عليها. و (تُسَنُّ لِمَنْ تَرَكَ مَالًا كَثِيرًا)، فيُوصي (بِخُمُسِهِ) لقريبٍ محتاجٍ لا يَرِثه، وإلّا فلِمسكينٍ، وعالِمٍ، وديِّنٍ، ونحوِهم، قال أبو بكرٍ ﵁: «رَضيتُ بما رَضي اللهُ به لنفسِه» (٤)، قال السَّلفُ: يَعني في قولِه تَعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾.

стр. 948

(وَلَا تَجُوزُ) وصيَّةٌ (لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ) إلَّا مع إجازةِ بقيَّةِ الوَرثةِ، (وَلَا) تَجوز وصيَّةٌ ممَّن له وارثٌ (لِأَجْنَبِيٍّ بِزَائِدٍ عَنْ ثُلُثِ) مالِه، (إِلَّا مَعَ إِجَازَةِ) وارثٍ (بَعْدَ المَوْتِ)؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا وَصيَّةَ لوارثٍ» رَواه أحمدُ (١)، ولقولِه ﷺ حينَ قال سعدُ بن أبي وقاص: أُوصي بمالي كلِّه؟ قال: «لا»، قال: فالشَّطرُ (٢)؟ قال: «لا»، قال: الثُّلثُ (٣)؟ قال: «الثُّلثُ (٤)، والثُّلثُ كثيرٌ» متَّفق عليه (٥). وإن وصَّى (٦) لكلِّ وارثٍ بمعيَّنٍ بقَدْرِ إرثِه؛ جاز؛ لأنَّ حقَّ الوارثِ في القَدْرِ لا في العين. والوصيَّةُ بالثُّلث فما دونَه لأجنبيٍّ تَلزم بلا إجازةٍ. وإذا (٧) أَجاز وَرثةٌ ما زادَ على الثُّلث لأجنبيٍّ، أو أَجازوا لوارثٍ؛ (فَ) إنَّها (تَنْفُذُ) الوصيَّةُ. وتصحُّ بلفظِ: أَجزتُ، أو أَمضيتُ (٨)، أو نَفَّذتُ، ونحوِه. ولا يُعتبر لها أحكامُ هِبةٍ. (وَتُكْرَهُ وَصِيَّةُ فَقِيرٍ) عرفًا (وَارِثُهُ مُحْتَاجٌ)؛ لأنَّه عدولٌ عن أقاربه المَحاويجِ

стр. 949

إلى الأجانب. (وَتَجُوزُ) الوصيَّةُ (١) (بِالْكُلِّ مِمَّنْ لَا وَارِثَ لَهُ)؛ لأنَّ المنعَ فيما زادَ على الثُّلث لحقِّ الوارثِ، فإذا عُدِم زالَ المانعُ. (فَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِوَصَايَاهُ)، ولم يُجِز وارثٌ؛ (تَحَاصُّوا) أي: المُوصى لهم، فيَدخل النَّقصُ على الجميع بالقِسط، ولا فرقَ بينَ عتقٍ وغيرِه. فلو وصَّى لزيدٍ بتسعِمائةٍ، ولعمرٍو بستِّمائةٍ، ومالُه ثلاثةُ (٢) آلافٍ، ولم تُجِز الوَرثةُ ما زادَ على الثُّلث؛ فمجموعُ الوصيَّتَين: ألفٌ وخمسُمائةٍ، وثلثُ المالِ: ألفٌ، نسبتُه إلى الوصيَّتَين: ثُلثان، فلزيدٍ ثُلثَا وصيَّتِه: ستُّمائةٍ، ولعَمرٍو ثُلثَا وصيَّتِه: أربعُمائةٍ، وهكذا. (وَإِنْ وَصَّى لِوَارِثٍ، فَصَارَ عِنْدَ المَوْتِ غَيْرَ وَارِثٍ)؛ كأخٍ حُجِب بابنٍ؛ (نَفَذَتْ) وصيَّتُه (٣) اعتبارًا بحالِ الموتِ؛ لأنَّه الذي به يَحصل الانتقالُ للوارثِ والمُوصى له. (وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ)، فمَن أَوصى لأخيه مع وجودِ ابنِه، فمات ابنُه؛ لم تَنفذ الوصيَّةُ إن لم يُجِز باقي الوَرثةِ. (وَمَحَلُّ قَبُولِهَا) أي: الوصيَّةِ بقولٍ أو فعلٍ يَدلُّ عليه: (بَعْدَ مَوْتِ) مُوصٍ (٤)؛ لأنَّه وقتُ ثبوتِ حقِّ المُوصى له، فلا يصحُّ قبلَه (٥)، وهو على التَّراخي.

стр. 950

(وَيَثْبُتُ المِلْكُ بِهِ) أي: بالقَبول، أي: مِنْ حينِ القَبولِ بعدَ الموتِ، فلا يصحُّ تصرُّفُه قبلَه، وما حدَث مِنْ نماءٍ منفصلٍ قبلَ القَبولِ؛ فلِلوَرثةِ، ويَتبع متَّصلٌ. (وَلَا يَصِحُّ) مِنْ مُوصًى له (الرَّدُّ) للوصيَّةِ (بَعْدَهُ) أي: بعدَ القَبولِ، سواءٌ قبَضها أو لا؛ لاستقرارِ مِلكِه عليها بالقَبول. (وَيَصِحُّ) مِنْ موصٍ (الرُّجُوعُ فِي الوَصِيَّةِ)، بأنْ يَقول: رَجعتُ في وصيَّتي (١)، أو أَبطلتُها، أو رَدَدتُها، ونحوَه؛ لقولِ عمرَ: «يُغيِّر الرَّجلُ ما شاء مِنْ وصيَّته» (٢). والعتقُ كغيرِه (٣). (وَيُبْدَأُ) بالبناء للمفعول، (بِ) إخراجِ (وَاجِبٍ) على الميتِ، (مِنْ دَيْنٍ، وَنَذْرٍ (٤)، وَكَفَّارَةٍ، وَحَجٍّ)، وزكاةٍ، فيُخرِج ذلك مِنْ التَّرِكَةِ وصيٌّ، فوارثٌ، فحاكمٌ، مِنْ رأسِ المالِ، (وَإِنْ لَمْ يُوصِ) ميتٌ (بِهِ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، ولقولِ عليٍّ ﵁: «قضَى رسولُ اللهِ ﷺ بالدَّين قبلَ
следующие страницы →