Полный текст (366 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
المفعول: "مُذَّكَرٌ"، وقد قرأ بعض المتقدّمين (فهل من مُذَّكِر) وهذا الوجه قلب ضعيف.
فإن بنيت "افْتَعَلَ" من الزّجر فقياسه أن تقول: "ازْتَجَرَ" فثقل عليهم أن يخرجوا من الزّاي وجهرها إلى التّاء وهمسها فطلبوا حرفًا معدِّلاً فوجدوه الدّال، لأنّها توافق التّاء في مخرجها، والزّاي في جهرها فقلبوه منها فقالوا: "ازْدَجَرَ" "يَزْدَجِرُ" "ازْدِجارًا" وفي اسم الفاعل: "مُزْدَجِرٌ" وفي اسم المفعول: "مُزْدَجَرٌ"، وفي التّنزيل: (ما فيه مزدجر).
فإن أردت إدغام الزّاي في الدّال لم يجز، لأنّ الزّاي فيها صفير وإدغامها يذهب الصّفير الذي فيها، وكلّ حرف كان فيه فضل لم يجز إدغامه فيما ينقص الفضل الذي فيه.
فإن أردت ذلك قلبت من الدّال زايًا وأدغمت الزّاي الأولى في الثّانية فقلت: "ازَّجَرَ" "يَزَّجِرُ" "ازِّجارًا" وفي اسم الفاعل: "مُزَّجِرٌ" وفي اسم المفعول: "مُزَّجَرٌ".
стр. 177
على ما بيّنت لك تجرى هذه الحروف.
فأمّا: "تَوْلَج" فالتّاء فيه بدل من الواو، لأنّه فَوْعَلٌ من "وَلَجْتُ"، وأصله: "وَوْلَجَ" فقلبوا الواو الأولى تاء فصار: "تَوْلَجٌ".
ومنهم من يقلب من التّاء دالاً؛ لأنّ الدّال أقوى صوتًا من التّاء للجهر الّذي فيها فيقول: "دَوْلَجٌ".
فأمّا: "وَتِدٌ" فوزنه: "فَعِلٌ" على مثال: "فَخِذ"، فمن قال: "فَخْذٌ" فسكّن الخاء فقياسه أن يقول في "وَتَد": "وَتْدٌ" إلاّ أنّه يثقل الخروج من همس التّاء وضعفها إلى قوّة الدّال وجهرها فهؤلاء يقلبون من التّاء دالاً، ويدغمون الدّال الأولى في الثانية فيقولون "ودٌّ".
стр. 178
إبدال الجيم
اعلم أنّهم يبدلون الجيم من الياء وإنّما يقع هذا البدل في القول وأكثر ما يكون في الوقف، فإن اضطرّ شاعر جاز أن يحمل الوصل على الوقف فيثبت البدل في الوصل كما كان في الوقف، لأنّه ينوي الوقف.
وإنّما تبدل الجيم من الياء، لأنّ الياء حرف ضعيف في أصل وضعه، والجيم حرف مجهور قويّ، فأبدلوها من الياء لقوّتها وجهارتها وقوّة صوتها إلاّ أنّهم يبدلون من الياء الخفيفة جيمًا خفيفة، ومن الياء الثّقيلة جيمًا ثقيلة، فممّا أبدلوا من الياء الخفيفة قول الشّاعر:
يا ربّ إن كنت قبلت حِجَّتِجْ .. يريد حِجّتي
стр. 179
فلا يزال شاحِجٌ يأتيك بِجْ .. يريد بي
أقْمَرُ نَهّاتٌ يُنَزِّي وفْرَتِجْ .. يريد وفرتي
وإنّما يبدلون من الياء السّاكنة، لأنّها إذا سكنت ضعفت بسكونها فتطرّق عليها البدل وقوي.
فإن قيل فالياء مثقّلة لا بدّ أن يكون الأخير متحرّكًا، ليصحّ الإدغام.
قيل له إذا سكّنت الحرف أو نُوِي السّكوت عليه فقد صار ساكنًا فتطرّق عليه البدل قال الشاعر:
خالي عُوَيْفٌ وأبو عَلِجٌ ... يريد عليّ
المطعمان الشحم بالعَشِجِّ ... يريد بالعشيّ
وبالغداة فلق البَرْنِجّ .. يريد البرْنِيّ
يُقلَعُ بالودّ وبالصِّيصِجّ ... يريد بالصّيصيّ
стр. 180
و"الصّيصيّ" جمع صيصِيَةٍ، والصّيصِيَةُ إمّا قرنٌ أو ودّ حديد، سُمِّي بذلك لدقّة رأسه يقلع به التّمر.
ويجمع "صيصية" على "صِيصٍ" كما جمعوا "تَمْرَة" على "تَمْر" إلاّ أنّه إذا تحرّك ما قبل الحرف الموقوف عليه فقومٌ يزيدون حرفًا من جنس
стр. 181
حرف الإعراب فيدغمونه في حرف الإعراب في الوقف فيقولون في "عمرَ": "عُمَرّ"، وفي "جعفرٍ": "جعفرّ"، وفي "خالدٍ": "خالدّ"، وفي "أحمدَ": "أحمدّ"، وفي "زينب": "زينبّ"؛ وإنّما أدغموا في حرف الإعراب، لأنّ الوقف يذهب الإعراب فدلّوا بالإدغام فيه استحقاقه للحركة.
وكان ينبغي إذا وصل أن يبطل الإدغام لرجوع الحرف في الوصل، ولكنّه جمع بين الدّليل والمدلول عليه؛ ليدلّ على أنّه ينوي الوقف.
وكذلك فَعَل في "صيصِيّ" زاد ياء، وأدغمها في هذه الياء فقال: "صيصيٌّ".
ثم قلب منها جيما مثقّلة فقال: "صِيصِجٌ" ثم حمل الوصل على الوقف فقال: "صيصجّ".
وهذا البدل إنّما يكون من الياء السّاكنة الموقوف عليها على ما بيّنت.
فأمّا قول أبي النّجم:
стр. 182
كأنّ في أذنابهنّ الشُّوَّل ... من عبس الصّيف قرون الإجَّلِ
يريد "الإيَّلِ" فحرف الإعراب هو اللاّم، فلما جاورت الياء الطّرف سرى إليها التّغيير كما يكون في الأطراف، لأنّ الجار يؤخذ بذنب جاره، ولأنّ هذا المجاور لحرف الإعراب لو سقط حرف الإعراب لصار هو حرف الإعراب لمجاورته له، فلأجل هذا سرى إلى الياء ممّا يجاورها كثير من أحكامها.
فأمّا قول الآخر:
حتّى إذا ما أمسجت وأمسجا
стр. 183
وأصله: "أمْسَيَتْ" و"أمْسَيَ".
وكان ينبغي أن تنقلب الياء ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فلو انقلبت ألفًا في: "أمْسَيَتْ" لسقطت الألف لسكونها وسكون التّاء بعدها فيقول: "أمْسَتْ"، وكان تنقلب الياء الأخيرة ألفًا تقول: "أمْسَى" فيبطل حرف الرّوِيِّ، فقلب من الأولى جيمًا فقال: "أمْسَجَتْ"، وهذا يدلّ على أنّ ما سقط لالتقاء السّاكنين ثابتٌ في النّيّة، ألا تراه لمّا احتاج إلى الألف الّتي سقطت لالتقاء السّاكنين ردّها إلى الياء الّتي هي أصلها وقلب منها جيمًا؟ فقال: "أمْسَجَتْ"، وقلب من الياء الأخيرة جيمًا فقال: "أمْسَجَ"، وزاد ألف الإطلاق فقال: "أمْسَجا".
وهذا البدل الذي وضعته كلّه ليس بقياس.
الحذف
الحذف في كلام العرب على ضربين أحدهما يجب عن علّة والثّاني يحذف تخفيفًا. فأمّا الحذف الذي يجب عن علّة فإنّه ينقاس ويطّرد أين وجدت علّته أوجبت حذفه.
стр. 184
فمن الحذف الذي يجب عن علّة أنّ الفعل الماضي إذا كان على ثلاثة أحرف وانفتحت فاؤه، وعينه، ولامه. وفاؤه واو فإنّ الواو تسقط منه في المضارع نحو: "وَعَدَ يَعِدُ"، و"وَزنَ يَزِنُ" و"وَرَدَ يَرِدُ" و"وَجَدَ يَجِدُ"؛ وإنّما أسقطوها من "يَعِدُ" لأنّهم استثقلوا وقوعها بين ياء وكسرة فقال قوم ثقل عليهم الخروج من ياء إلى واو بعدها كسرة كما ثقل عليهم الخروج من كسر لازم إلى ضمّ لازم، فلأجل هذا أسقطوها فقالوا: "يَعِدُ"، و"يَزِنُ" و"يَرِدُ" و"يَجِدُ".
ولمّا أسقطوها مع الياء أسقطوها مع جميع حروف المضارعة قالوا: "تَعِدُ" و"نَعِدُ" و"أعِدُ"؛ وإنّما أسقطوها في جميع حروف المضارعة لأنّها مساوية للياء في كونها حرف مضارعة، والعلّة في إسقاطها هي وقوعها بين الياء والكسرة يدلّك على ذلك أنّها إذا زالت الكسرة بعدها صحّت ولم تسقط نحو قولهم: "وَجِلَ يوْجَلُ" و"وَحِلَ يَوْحَلُ" و"وَسِنَ
стр. 185
يَوْسَنُ" و"وَجِرَ يَوْجَرُ" و"وَضُأ يَوْضُؤُ".
ويضبط هذا كلّه قوله تعالى: (لم يلد ولم يولد) سقطت الواو من (يلد) لوقوعها بين ياء وكسرة، وثبتت في قوله تعالى (ولم يولد) لوقوعها بين ياء وفتحة، وكذلك لو قلت: "يُوعَدُ" و"يُوزَنُ" و"يُورَدُ" لثبتت الياء لوقوع الفتحة بعدها.
فإن قيل فقد قالوا: "وَجَدَ يَجُدُ" فقد سقطت الواو وبعدها ضمّة قيل له: هذه الضّمّة عارضة، وإنّما جاءت الضّمّة بعد أن سقطت الواو، والأصل فيه: "يَوْجِدُ" فسقطت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة، ثمّ ضمّ قومٌ على
стр. 186
طريق الشّذوذ فقالوا: "يَجُدُ"، والأكثر والأفصح هو الكسر.
ولو كانت الضمّة بعد الواو توجب إسقاطها إذا تقدّمتها الياء لوجب سقوطها في قولهم: "يَوْضَؤُ" وهذا لا يجيزه أحد.
فإن قيل: فلم استثقلوا وقوعها بين ياء وكسرة؟ ولم يستثقلوا وقوعها بين ياء وضمّة، والضّمّة أثقل؟
قيل له: الكسرة ياء صغيرة فكأنّ الواو وقعت بين ياءين فثقلت عليهم، وفي "يَوْضُؤُ" وقعت بين ياء وضمّة، والضّمّة من الواو فلم تستثقل الضّمّة بعدها كاستثقال الكسرة، فإن قيل فقد قالوا: "وَهَبَ يَهَبُ" و"وَطِئَ يَطَأُ" و"وَسِعَ يَسَعُ" فأسقطوها وبعدها فتحة.
стр. 187
قيل له: الأصل فيه "يَوْهِبُ" و"يَوْسِعُ" و"يَوْطِئُ" فسقطت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم انفتحت العين لأجل حروف الحلق وهي الهاء في "يَهَبُ" والهمزة في "يطأ" والعين في "يَسَعُ"، وكذلك قالوا: "وَضَعَ يَضَعُ" والأصل فيه "يَوْضِعُ" فسقطت الواو لما قلنا، ثمّ انفتحت العين لأجل الحلق، وكذلك قولهم "يَدَعُ" الأصل فيه: "يَوْدِعُ" فسقطت الواو لما قلنا ثمّ انفتحت العين لأجل حرف الحلق.
فأمّا قولهم: "يَذَرُ" فالأصل فيه "يَوْذِرُ" فسقطت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم فتحت إتباعًا لـ"يَدَعُ" ليزاوجوا يبن الكلمتين، ويُتْبِعوا الأولى الثانيةَ.
فأمّا مصدر هذا الفعل فإن خرج على أصله صحّت الواو، لكون الفتحة بعدها على: "فَعْلٍ" نحو: "وَعْدٍ" و"وَزْنٍ".
فأمّا إذا جاء المصدر على: "فِعْلَة" نحو: "عِدَة"، و"زِنَة" وأصله: "وِعْدَة" و"وِزْنَة" فإنّ هذا يُعَلُّ لأمرين:
стр. 188
أحدهما: استثقالاً للكسرة في الواو.
والثّاني: أنّ هذه الواو قد اعتلّت في الفعل، والفعل والمصدر كالشّيء الواحد، فإذا خرج المصدر على غير أصله جاز أن يسري إليه الإعلال من فعله، فأُعِلّت لهذا الوجه أيضًا حملاً للمصدر على الفعل.
ووجه الإعلال فيها أنّهم لمّا استثقلوا الكسرة في الواو نقلوها إلى ما بعدها، فلمّا انكسر ما بعدها سكنت هي، ثمّ أسقطت وهي ساكنة.
وإنّما استثقلوا الحركة فيها لأمرين:
أحدهما: لئلا يسقطوا حرفًا وحركة.
والثّاني: أنّهم لو أسقطوها متحرّكة لاحتاجوا إلى ألف الوصل، لأنّ الذي بعدها ساكن، والسّاكن لا يبدأ به.
ووجه ثالث: وهو أنّهم إذا أسقطوا حرفًا وجب أن يبقوا ما يدلّ عليه، فنقلوا الكسرة إلى ما بعد الواو لتكون الكسرة دالّة على الواو السّاقطة، ولمّا سقطت الواو عوّضوا منها تاء التأنيث في آخر الكلمة فقالوا: "عِدَة" و"زِنَة"، وعلى هذا قالوا: "وَجَهَ" "يَجِهُ" "جِهَةً"، والأصل فيه: "وِجْهَة" ففعلوا ما ذكرته.
стр. 189
فأمّا قوله تعالى: (ولكلّ وجهة) فقد طعنوا به في هذا الفصل وقالوا: خرج المصدر مصحَّحًا.
والجواب عن هذا من وجهين: أنّ العرب إذا أعلّت شيئًا جاز أن يخرج بعضه مصحّحًا ليكون منبِّهًا على الأصل الذي أعلّ.
والثّاني: أنّ هذا اسم للقبلة المتوجَّه إليها وليس بمصدر.
وقد جاءت حروف من "فَعِلَ" فاؤها واو بنوا مستقبله على: "يَفْعِلُ" لتسقط الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، فعلوا ذلك كلّه فرارًا من ثقل الواو فقالوا: "وَرِمَ يَرِمُ"، والأصل: "يَوْرِمُ"، و"وَلِيَ يَلِي" والأصل: "يَوْلِي" و"وَمِقَ يَمِقُ" والأصل: "يَوْمِقُ"، و"وَرِثَ يَرِثُ" والأصل: "يَوْرِثُ"، وهي حريفات معدودة وكلّ هذا ليس بمقيس.
وإذا كان الماضي على فَعَلَ وفاؤه ياء فإنّها تصحّ في المستقبل، لأنّ الكسرة التي بعدها من جنسها فلا تستثقل كما تستثقل الكسرة بعد الواو قالوا: "يَمَنَه يَيْمِنُهُ" و"يَسرَهُ يَيْسِرُهُ" و"يَعَرَ الجدي يَيْعِرُ" إذا صاح.
стр. 190
فإن كان الفعل على: "فَعِلَ يَفْعَلُ" وفاؤه ياء فإنّها تصحّ أيضًا قالوا: "يَئِسَ يَيْأسُ"، وقد جاء على طريق الشّذوذ: "يَئِسَ يَئِسُ" فأسقطوا الياء تشبيهًا بالواو، وهذا شاذٌّ لا يلتفت إليه.
وإذا كان الفعل على "أفْعَلَ" وأخبر المتكلّمُ عن نفسه بالمضارع فإنّه يجب أن يقول: "أكرمتُ فأنا أُأَكْرِمُ" و"أحسنتُ فأنا أُأَحْسِنُ"، لأنّ حرف المضارعة ينبغي أن يزيد على حرف الماضي.
وإن كان الماضي ثلاثة صار المضارع أربعة نحو: "ضرب يَضْرِبُ"، فإذا كان الماضي على أربعة صار المضارع على خمسة نحو: "دَحْرَجَ يُدَحْرِجُ" وأنا "أدَحْرِجُ" فكما تقول في "دَحْرَجَ" أنا "أُدَحْرِجُ" فكذلك ينبغي أن يقول: "أكْرَمْتُ" فأنا "أُأَكْرِمُ" إلاّ أنّه ثقل عليهم أن تجتمع همزتان في كلمة واحدة، ولم يجدوا بدًّا من إسقاط إحداهما، ولم يجز أن يسقطوا
стр. 191
الأولى، لأنّها حرف المضارعة وهي مضمومة، فأسقطوا الثانية وهي المفتوحة، لأنّها بإزاء الدّال من "أُدَحْرِجُ" فقال المتكلّم: "أنا أُكْرِمُ" فصار المضارع على أربعة أحرف لنقصان الهمزة التي كانت في ماضيه، و"أدحرج" على خمسة، لأنّه لم يسقط منه شيء.
ولمّا أسقطوا الهمزة في فعل المتكلّم أسقطوها في جميع الحروف المضارعة فقالوا: "نُكْرِمُ" و"تُكْرِمُ" و"يُكْرِمُ"، حتّى يتّفق لفظ الفعل ولا يختلف تصريفه، ولو خرج على أصله لقال: "يُؤَكْرِمُ" و"تُؤَكْرِمُ" و"نُؤَكْرِمُ".
ولمّا حذفوها في الفعل المضارع حذفوها في اسم الفاعل والمفعول، لأنّها مشتقّان منه فقالوا: "مُكْرِمٌ" والأصل "مُؤَكْرِمٌ" لأنّه على وزن "مُدَحْرِجٌ".
فأمّا المصدر فلم يسقطوا منه شيئًا قالوا: "إكْرامٌ" و"إحْسانٌ"، وهذا يدلّ على أنّ المصدر ليس بمشتقّ من الفعل، لأنّه لو كان مشتقًّا من الفعل لسقطت منه الهمزة كما سقطت من اسم الفاعل والمفعول نحو: "مُكْرِم" و"مُكْرَم" لمّا كانا مشتقَّيْن من الفعل.
وقد ردُّوا هذه الهمزة في بعض متصرّفات الفعل في ضرورة الشّعر ليدلّوا على الأصل قال الشّاعر:
стр. 192
فإنّه أهل لأن يُؤَكْرَما
وردّوها مع الياء في اسم المفعول قال الشاعر:
كراتُ غلام في كساء مُؤَرْنَب
وكان ينبغي أن يقول: "مُرْنَبِ" و"لأن يُكْرَما"؛ وإنّما استجازوا ردّها في هذه المواضع، لأنّها ليست الموضع الذي يجب إسقاطها فيه، لأنّ العلّة
стр. 193
التي أوجبت إسقاطها هو مجامعتها لهمزة المتكلّم، وأحد لا يردّها مع همزة المتكلّم.
فأمّا قولهم: "أوْعَدَ يُوعِدُ" فقد اعترضوا به فقالوا: لِمَ لَمْ تسقط الواو لوقوعها بين ياء وكسرة كما سقطت من "يَعِدُ" وبابه؟
قيل له عن هذا الاعتراض جوابان أحدهما: أنّ الواو لم تقع بين ياء وكسرة، لأنّ الأصل فيه: "يُؤَوْعِدُ" فالهمزة قد حالت بين الواو والياء وإن سقطت من اللّفظ فهي مراعاة في المعنى، يدلّك على مراعاتها أنّ الشاعر له أن يردّها كما ردّها في قوله: "يُؤَكْرما".
والوجه الثّاني: أنّه قد أسقط همزة، فلو أسقطوا الواو لأجحف بالكلمة، لأنّه يسقط حرفين متلاصقين.
فأمّا قولهم: "أسّس يُؤسِّسُ" فإنّ هذه الهمزة لا يجوز أن تسقط، لأنّ الحرف الذي بعدها قد أعلَّ بالإدغام فلا يجوز أن تسقط الهمزة لئلا يُعَلَّ حرفان متلاصقان، وإذا أخبر المتكلّم عن نفسه في هذا الفعل قال: "أنا أُؤَسِّسُ" فقلب الهمزة الثانية واوًا قلبًا خالصًا لانفتاحها وانضمام ما
стр. 194
قبلها كما قلبها في "جُؤَن" فقال: "جُوَنٌ" لأنّه لو ليّنها لجعلها بين الهمزة والألف، والألف لا يكون قبلها ضمّة فكذلك ما يقرب منها.
وأمّا ما حذف للجزم والوقف أو لالتقاء السّاكنين فالياء والواو والألف، فمثال حذفها للجزم: "لم يَرْمِ" و"لم يَغْزُ" و"لم يَسْعَ"، والجازم إنّما يحذف حركة الحرف الصّحيح ألا تراك تقول: "هو يضرب"؟ فالباء حرف الإعراب، والضّمّة فيها علامة الرّفع، فإذا دخل الجازم قلت: "لم يضربْ" فأسقط الضّمّة وبقيت الباء ساكنة.
فأمّا حرف العلّة في نحو: "يَرْمِي" و"يَغْزُو" و"يَسْعَى" فإنّ الضّمّة لا تظهر
стр. 195
في الألف، لأنّ الألف يستحيل حركتها، وتستثقل الضّمّة في الياء والواو، فصار المستثقل بمنزلة المستحيل، فلمّا لم تظهر الحركة التي يسقطها الجازم في هذه الحروف جعلوا هذه الحروف معاقبة للحركة فأسقطوها كما أسقطوا الحركة.
وإن كان الشّاعر يجوز له أن يردّ الضّمّة في الياء والواو فيقول: "يغزُوُ" و"يَرْمِيُ" لمّا دعته الضّرورة إلى الرّدّ إلى أصل مهمل ومثل هذا لا يقاس عليه، ولا يكسر به قياس.
ولمّا أسقطوا هذه الحروف بالجزم شبّهوا الوقف بالجزم فقالوا: "ارْمِ" و"اسْعَ" و"اغْزُ" فأسقطوا هذه الحروف في الوقف تشبيهًا بالجزم.
وكذلك أسقطوها لالتقاء السّاكنين في قولهم: "لم يَبِعْ" و"لم يقُلْ" و"لم يَخَفْ" فإن تحرّك السّاكنُ الأخير لساكن بعده لم ترجع هذه الحروف السّاكنة، لأنّ الحركة لالتقاء السّاكنين لا يعتدّ بها؛ وإنّما لم يعتدَّ بها لأنّ
стр. 196
السّاكن الأخير عارِضٌ تقول: "لم يبع الثّوبَ" و"لم يقل الحقَّ" و"لم يخف اللهَ"، ألا ترى أنّك تقول: "لم يبع ثوبًا" و"لم يخف زيدًا" و"لم يقل حقًّا" فلا يلقى السّاكن ساكنًا بعده؟ فعلمت أنّ دخوله عارضٌ.
فإن قيل: فما علامة الجزم في قوله: "لم يبع الثّوب"؟
قيل له سكون العين، لأنّ الحركة لا يعتدُّ بها، فلمّا لم يُعْتَدَّ بها صارت الكسرة في العين كالمعدومة، وكذلك لو قلت: "بِعِ الثّوب" فعلامة الوقف فيها سكون العين، لأنّ الحركة لالتقاء السّاكنين لا يعتدُّ بها، ولو اعتُدَّ بها لرجعت الحروف التي سقطت لالتقاء السّاكنين.
وكذلك قولهم: "هذا قاضٍ" و"مررت بقاضٍ" والأصل فيه: "قاضِيٌ" في الرّفع و: "قاضِيٍ" في الجرّ، فاستثقلوا الضّمّة والكسرة على الياء الخفيفة التي قبلها كسرة فأسقطوها، فبقيت الياء ساكنة، والتّنوين بعدها ساكن، فاجتمع ساكنان: الياء والتّنوين، فأسقطت الياء لالتقاء السّاكنين، وكانت أولى بالإسقاط، لأنّ قبلها كسرة تدلّ عليها وتغني عنها، ولم يجز أن يحرّكوها، لأنّهم قد فرّوا من حركتها، ولم يجز أن يحرّكوا التّنوين لالتقاء السّاكنين، لأنّ التنوين إنّما يحرَّك لساكن بعده لا لساكن قبله.
وقد شبّهوا بهذه الحروف النّون في خمسة أمثلة من الفعل وهي "تفْعَلين" و"تفعلان" و"يفعلان" و"يفعلون" و"تفعلون" فقد أسقطوا النّون في هذه للجزم كما أسقطوا حروف العلّة، وإنّما شبّهوها بحروف العلّة، لأنّ الحركة فيها إنّما هي لسكونها وسكون ما قبلها، فلم يعتدّ بحركتها لمّا كانت لالتقاء السّاكنين، فصارت كأنّها ساكنة، فأشبهت حروف العلّة لأجل الغنّة التي فيها، ولأنّها تكون ضميرًا في المؤنّث إذا قلت: "يَضْرِبْنَ"
стр. 197
كما تكون الواو والياء ضميرًا في "تضربينَ" للمؤنث، و"تضربون" للمذكر، وتكون إعرابًا في هذه الأمثلة الخمسة كما تكون الواو والياء والألف إعرابًا في قولك: "الزّيدان" و"الزّيدون" و"الزَّيْدَيْنِ"، وتكون علامة تدلّ على التّثنية والجمع إذا قلت: "يَقْمْنَ جواريك" كما تكون الألف والواو علامة للتثنية والجمع إذا قلت: "يقومان أخواك" و"يقومون إخوتك"، فلمّا أشبهت النّون لحروف العلّة من هذه الوجوه أسقطوها في الجزم والوقف، كما أسقطوا حروف العلّة فقالوا: "اضربي" و"اضربا" و"اضربوا"، وقالوا في الجزم: "لم تضربي" و"لم تضربا" و"لم تضربوا".
إذا كان الثّلاثيّ يتعدّى إلى مفعول فاسم الفاعل منه: "فاعِلٌ" واسم المفعول منه: "مَفْعُولٌ" نحو: "ضارِب" و"مَضْرُوب" و"راحِم" و"مَرْحُوم".
فإن كان فاء الفعل ياء أو واوًا صحّتا في اسم الفاعل واسم المفعول تقول: "يَمَنْتُ زيدًا" فأنا "يامِنٌ" وهو: "مَيْمُونٌ" و"وَعَدْتُهُ" فأنا: "واعِدٌ" وهو "مَوْعُودٌ".
وإن كان لام الثّلاثيّ معتلّة فلا يخلو أن تكون ياء أو واوًا، فإن كانت ياء فإنّك تقلب من الواو التي قبل الياء ياء في اسم المفعول وتدغمها في الياء الأخيرة، وتكسر لها ما قبلها لتتمكّن الياء تقول رَمَيْتُه فهو "مَرْمِيٌّ" وسَقَيْتُهُ فهو: "مَسْقِيٌّ"، والأصل فيه: "مَرْمُويٌ" و"مَسْقُويٌ" ليكون على وزن مضروب من الصّحيح، فلمّا اجتمعت الواو والياء وسبقت الأولى بالسّكون
стр. 198
قلبت الواو ياء وأدغمت الأولى في الثانية، وكسرت عين الكلمة، ليتمكّن القلب فقلت: "مَرْمِيٌّ" و"مَسْقِيٌّ".
فإن كانت اللّام واوًا أدغمت الأولى في الثانية فصارت واوًا مثقّلة فقلت غَزَوْتُهُ فهو "مَغْزُوٌّ"، ودَعَوْتُهُ فهو: "مَدْعُوٌّ"، وضممت ما قبل الواو لتصحَّ وتتمكّنَ. وهذا هو الأصل المقيس.
стр. 199
وقد قلبوا في بعض هذا الواو الأخيرة ياء، ثم قلبوا الواو الأولى ياء وأدغموها في الثّانية، وكسروا لها ما قبلها لتصحّ فقالوا: "سناها الغيثُ فهي مَسْنِيَّةٌ" ومكانٌ "مَسْنِيٌّ" وهو من "سَنا" "يَسْنُو" إذا سقى، والجيّد مكانٌ: "مَسْنُوٌّ"، وأرضٌ "مَسْنُوَّةٌ"، ويقال: رجل "مَعْدِيٌّ" عليه وهو من عدا يعدُو كما قال:
... ... أنا اللّيثُ مَعْدِيًّا عليّ وعاديا
والجيّد: مَعْدُوٌّ.
فإن كانت عين الثّلاثيّ ياء نحو: "باع" و"خاط" فإنّ اسم المفعول منه
стр. 200
يجيءُ على: "مَبْيُوع" و"مَخْيُوط" وقد قالوا: "طَعامٌ مزيوتٌ"، فبنو تميم يصحّحون الياء ولا يستثقلون الضّمّة فيها فيقولون: "مَخْيُوط" و"مَكْيُول" و"مَبْيُوع" و"مَزْيُوت" فيستمرّون على أصلهم.
فأمّا أهل الحجاز فيستثقلون الضّمّة في الياء ويقولون: قد أعللنا الفعل من هذا واسم الفاعل، فينبغي أن نعلّ اسم المفعول.
واختلف النّحويّون في كيفيّة الإعلال وفي الحرف السّاقط في اسم المفعول فكان الخليل وسيبويه ينقلان ضمّة الياء من: "مَبْيُوع" إلى الباء فتنضمّ الباء وتكسن الياء، وبعد الياء السّاكنة واو مفعول ساكنة فيجتمع ساكنان: الواو والياء ولا يجوز الجمع بينهما فيسقطان واوَ مفعول، ويقولان: الزّائد أحقّ بالإسقاط إذا كان لا بدّ من إسقاط، وتبقى الياء ساكنة وقبلها ضمّة وهي مجاورة للطّرف فيقلبان من الضّمّة قبلها كسرة لتصحّ ولا
стр. 201
تنقلب واوًا فيقولان: "مَبِيعٌ" و"مَخِيطٌ" فوزن الكلمة على مذهبهما: "مَفْعِل".
وكان أبو الحسن الأخفش يقول: الأصل: "مَكْيُول" فاستثقلوا الضّمّة في الياء فنقلوها إلى الكاف فسكنت الياء، وقبلها ضمّة، وبعدها واو مفعول ساكنة، فاجتمع ساكنان: الواو والياء، ولا يجوز الجمع بينهما فيقلب من ضمّة الكاف كسرة ثم يسقط الياء لالتقاء السّاكنين فتصادف الواو السّاكنة كسرة الكاف فتنقلب ياء فيصير: "مَخِيطٌ" و"مَبِيعٌ"، فوزن الكلمة على هذا: "مَفِيلٌ".
قال أبو الحسن: وإنّما أسقطت عين الكلمة وإن كانت أصلاً، لأنّها ليست لمعنى، وأقررت واو مفعول، لأنّها دخلت لمعنى، وما دخل لمعنى فهو أولى بالإقرار، ألا ترى أن الياء في: "قاضٍ" و"غازٍ" أسقطناها لمّا كانت لغير معنى، وأقررنا التّنوين لمّا كان لمعنى فكذلك حذفت عين الكلمة لمّا كانت لغير معنى، وأقررت الزّائد لمّا كان لمعنى.
стр. 202
وإن كان عين مفعول واوًا فقد اتّفق بنو تميم وأهل الحجاز على إعلاله، لأنّهم استثقلوا واوين وضمّة، لأنّ الضّمّة بمنزلة الواو فقالوا: صغت الخاتم فهو: "مَصُوغٌ"، وقلت الحقّ فهو: "مَقُولٌ"، والأصل: "مَصْوُوغٌ" و"مَقْوُولٌ" فنقلوا الضّمّة من الواو إلى الصّاد من: "مَصْوُوغ" وإلى القاف من "مَقْوُول" فانضمّت الصّاد والقاف فاجتمع واوان ساكنان، فأسقط الخليل وسيبويه الواو الثّانية، لأنّها الزّائدة، وأقرّا الأولى، لأنّها عين الكلمة فصار اللّفظ: "مَقُولاً" و"مَصُوغًا" فوزن الكلمة عندهما: "مَفُعْل".
وكان أبو الحسن يسقط الأولى وهي عين الكلمة ويبقي الثّانية فوزن الكلمة عنده: "مَفُول".
وربّما شذّ شيءٌ من هذا فخرج على الأصل تنبيهًا على الأصل الذي انتقلوا عنه قالوا: "مِسْكٌ مَدْوُوفٌ" و"ثوبٌ مَصْوُونٌ"، وهذا قليل لا يقاس عليه.
стр. 203
الثاني من الحذفين
ممّا لا ينقاس ولا يطّرد وإنّما يستعمل حيث استعملته العرب ويؤدَّى كما سمع. فمن ذلك حذف الهمزة ، والألف، والواو، والياء، والهاء، والباء، والحاء، والخاء، والفاء:
حذف الهمزة
اعلم أنّ الهمزة قد حذفت فاء وعينًا ولامًا.
فمثال حذفها فاء قولهم في الأمر: "خُذْ"، و"كُلْ" وهو من "أخَذَ" و"أكَلَ"، والأصل: "ااخُذْ"، و"ااكُلْ" فثقل عليهم اجتماع همزتين في كلمة واحدة مع كثرة استعمالها، فأسقطوا الهمزة الساكنة وهي الثّانية، فلمّا أسقطوها أسقطوا الهمزة الأولى، لأنّها وصل، وإنّما تدخل توصُّلاً إلى النّطق بالسّاكن، فإذا سقط السّاكن الذي لأجله دخلت استُغْنِيَ
стр. 204
عنها، وربّما أثبتوا هذه الهمزة في ضرورة شعر قال الشّاعر:
تحمَّلْ حاجتي وا أخذْ قُواها ... فقد نزلت بمنزلة الضّياع
فأمّا الأمر من: "أَمَرَ" يامُرُ فالعرب تختلف فيه فمنهم من يقول قد كَثُرَ ككثرة "خُذْ" و"كُلْ" فهؤلاء يسقطون من أوّله فيقولون "مُرْ" كما يقولون "خُذْ"، والأصل فيه "امُرْ" فلمّا أسقطوا الهمزة السّاكنة استغنوا عن الأولى، لأنّ الأولى همزة وصل، وإنّما تدخل توصُّلاً إلى النّطق بالسّاكن، وإذا سقط السّاكن الذي لأجله دخلت استغني عنها.
وقوم من العرب يقولون لم يكثر ككثرة: "خُذْ" و"كُلْ" فهؤلاء يدخلون
стр. 205
عليها همزة الوصل ويقلبون منها واوًا لسكونها وانضمام همزة الوصل قبلها حتّى لا يجمع بين همزتين في كلمة فيقولون: "اومُرْ"، فإذا سقطت همزة الوصل عادت الواو إلى الهمزة، لأنه لم يجتمع همزتان.
وكلّهم إذا جاء حرف العطف ردّ الهمزة كما قال تعالى: "وامُرْ أهلك بالصّلاة).
فأمّا إذا أمرت من "أتى يأتي" فالأصل فيه أن تقول: "ائْتِ" فتسقط الياء التي بعد التّاء للأمر كما أسقطتها في: "ارْمِ" لأنّها صارت بدلاً من الحركة في: "اضرب" ثم يبدلون الهمزة الثانية ياء لسكونها و [كسرة] همزة الوصل قبلها فيقولون: "ايتِ"، فإذا سقطت همزة الوصل عادت الياء إلى الهمزة فقالوا: "إِتِ" فإنّ هذا هو الأمر المقيس في هذا الفعل.
وقد شبّه قوم من العرب وهم قليل: "ايتِ" بـ"خذْ وكلْ". و"إتِ" لم تكن مثلها في الكثرة فأسقط الهمزة الثانية فلمّا أسقطها استغنى عن همزة الوصل فقالوا: "تِ زيدًا" كما قالوا: "لِهْ عملَك" من "وَلِيْتُ" و"قِ زيدًا" من "وَقَيْتُ" وأنشدوا:
стр. 206
تِ لي آلَ زيدٍ فاندُهُمْ لي جماعة ... وسل آل زيدٍ أيّ شيء يضيرُها
وهذا لا يقاس عليه.
وقد حذفوا الهمزة وهي فاء من قولهم: "يا بافلان"، وهذا في الشّعر قال أبو الأسود الدؤلي:
يابا المغيرة ربّ أمر فادح ... فرّجته بالمكر منّي والدّها
والأصل: "يا أبا المغيرة" فحذفوا الهمزة.
стр. 207
وممّا حذفوا الهمزة منه وهي فاء قولهم: "إلاهٌ" حكى سيبويه فيه لغتين "إلاهٌ" وزنه (فِعالٌ) على وزن كتابٍ، الهمزة فاء واللام عينٌ، والهاء لامٌ، والألف قبل الهاء زائدة.
الثّانية: "لاهٌ" وأصله: "لَيَهٌ" فتحرّكت الياء وقبلها فتحة فانقلبت ألفًا، فوزنه: "فَعَلَ" قبل القلب ووزنه بعد القلب: فَعْلٌ"، ولم يحذف من الاسم في هذه اللّغة شيء.
стр. 208
ولكنّهم قدّموا الهاء إلى موضع الألف فسكنت لمّا وقعت موقع السّاكن، وأخّروا الألف فرجعت إلى الياء لمّا سكن ما قبلها فقالوا: "لَهْيَ أبوكَ" فوزنه: "فَلْعَ"، وحرّكوا لسكونها وسكون الهاء قبلها، واختاروا لها الفتح لكثرة الفتحة وخفّتها كما اختاروا في أين وكيف.
وإنّما استحقّ هذا الاسم البناء لأنّ الأصل فيه "للهِ أبوك" فاللامُ الأولى للجرّ والثانية للتّعريف والثّالثة فاء الكلمة، وضمّنوا الاسم معنى لام التّعريف، واستحقّ البناء لتضمّنه معنى الحرف، وبني على سكون الياء، ثمّ حركت لسكونها وسكون ما قبلها، وبقي لامان: لام الجرّ، واللامُ الأصليّة: فمن النّحويّين من يقول أسقط اللام الأصليّة تخفيفًا وبقيت لام الجرّ ليَعلق الاسم بمعنى الاستقرار، وفتحت لام الجرّ لوقوع الألف بعدها إذا قلت: "لاهِ" وشبِّهت الهاء بالألف فبقيت اللام معها مفتوحة.
والمذهب الجيّد: أن يكونوا قد حذفوا لام الجرّ تخفيفًا، وبقيت اللام الأصليّة وهي وإن حذفت مقدّرة من طريق المعنى، لتعلّق الاسم بمعنى الفعل.
فأمّا من قال: "إلاهٌ" فإنّه حذف الهمزة تخفيفًا فبقي: "لاهٌ" ثمّ أدخل
стр. 209
الألف واللّام وجعلهما عوضًا من الهمزة المحذوفة، ولمّا كانت لام التّعريف ساكنة أدغمها في اللّام الأصليّة فقال: "الله".
فإذا كان قبل هذه اللام ضمّة أو فتحة فخّم اللام فقال: "قلتُ اللهَ" و"قال اللهُ" تعظيما لهذا الاسم وتمويها به، لأنّه صار كالاسم العلم.
فإن كان قبل هذه اللام كسرة أرقّوا اللام فصارت كالإمالة فيها فقالوا: "للهِ" و"باللهِ".
والذي يدلُّ على أنّ هذه الألف واللام قد صارتا عوضًا من الهمزة المحذوفة أنّهم يقطعون همزة الوصل في هذا الاسم فيقولون: "يا أللهُ اغفر لي"؛ وإنّما قطعوا همزة الوصل عن هذا ليدلُّوا على أنّها قد صارت عوضًا من همزة القطع.
وممّا حذفوا منه الهمزة وهي فاء قولهم: "ناسٌ" والأصل فيه: "أُناسٌ" على وزن "فُعال" فأسقط الهمزة وبقي: "ناسٌ" على وزن" عالٍ" وألزموه الألف واللام فقالوا: "النّاسُ"، إلاّ أنّ الألف واللام ليستا عوضًا من المحذوفة؛ يدلّك على أنّها ليست عوضًا أنّهم لم يقطعوا همزتها ووصلوها فقالوا: "بالنّاس" و"للنّاسِ"، ويدلّك أيضًا على أنّها ليست عوضًا من الهمزة أنّهم قد
стр. 210
جمعوا بينها وبين الهمزة قال الشاعر:
إنّ المنايا يطَّلعـ ... ن على الأُناسِ الآمنينا
وقد حذفت الهمزة عينًا قالوا: "رأى" وزنه "فَعَلَ" وفيه لغتان منهم من يقول "رأى" وهو الأكثر على وزن: "فَعَلَ".
ومنهم من يقدّم اللاّم فيقول: "راءَ" فوزنه "فَلَعَ" قال الشّاعر:
وكلّ خليل راءني فهو قائلٌ ... من أجلك هذا هامة ُاليوم أو غدِ
стр. 211
فإذا صاروا إلى المستقبل قالوا: "يرى"، والأصل "يَرْأَى" إلاّ أنّهم قلمّا يستعملون هذا إلاّ في ضرورة شعر قال الشاعر:
أري عينيَّ ما لم ترْأَياهُ ... كلانا عالِمٌ بالتُّرَّهات
والمذهب الجيّد: أن ينقل حركة الهمزة إلى الرّاء فتنفتح الرّاء وتسقط الهمزة فيقولون: "يَرَى" و"نرى" و"ترى" وأنا "أرى" فوزن: "يَرَى": "يَعَلُ" هذه اللغة الفصيحة.
стр. 212
وإنّما حذفوا عين الكلمة لأن جعلوا حرف المضارعة كالعوض منها.
وقد حذفوا الهمزة لامًا فقالوا: "سُؤْتُهُ سوائِيَةً" وزنها "فَعالِيَةً" على وزن "كراهِيَةٍ" و"رَفاهِيَةٍ".
ومنهم من يحذف هذه الهمزة فيقول: "سُؤْتُهُ سَوايَةً" فوزن الكلمة "فَعايَة".
وقال أبو الحسن جمعوا: "شيئًا" على: "أشيِئاء". وهذا شاذّ، لأنّ شيئًا وزنه فَعْلٌ، وفَعْلٌ لا يجمع على "أفْعِلاء" ولكنّهم جعلوا هذا شاذًّا، كما جمعوا "سَمْحًا" على: "سُمَحاء" وهو "فُعَلاء"، فوزن: "أشيِئاء": "أفْعِلاء" فاجتمع في آخر الكلمة همزتان بينهما ألف، والألف من مخرج الهمزة، فكأنّه قد اجتمع ثلاث ألفاتٍ أو ثلاث همزات، فحذفوا الهمزة الأولى وهي لام الكلمة فبقي: " أشياءُ " وزنها: "أفْعاءُ" فأمّا الخليل وسيبويه
стр. 213
فيقولان "أشْياءُ" اسم للجمع وليس بجمع، وأصلها: "شَيْئاءُ" كما قالوا: "طَرَفَةٌ" و"طَرْفاءُ"، و"شَجَرَةٌ" و"شَجْراءُ"، و"قَصَبَةٌ" و"قَصْباءُ" فوزن الكلمة "فَعْلاءُ"، إلاّ أنّه قد اجتمع في آخر الاسم ألف بين همزتين فكأنّه قد اجتمع ثلاث ألفات أو ثلاث همزات، فقدّموا الهمزة الأولى وهي لام الكلمة على الفاء، ليزول بعض الثّقل فقالوا: "أشْياءُ" فوزنها الآن: "لَفْعاءُ"
فأمّا بيت الحارث بن حلزّة وهو قوله:
ومن يَغْـ ... دِرْ فإنّا من غدرهم بُرآءُ
стр. 214
فوزن الكلمة "فُعَلاءُ"، وهي جمع "بَريء" كما قالوا: "ظريف" و"ظُرَفاء".
ورواه الفرّاء: "لَبُراءُ" حذف الهمزة الأولى وهي لام الكلمة فبقي وزن الكلمة: "فُعاء"، فعلى ما بيّنت لك يجري حذف الهمزة، وهو شاذّ.
وقال قوم: "بُراءٌ" اسم واحد وزنه "فُعال" فكأنّهم قالوا: "بريءٌ وبُراء" كما قالوا: "خَفيفٌ وخُفافٌ" و"ظَريفٌ وظُرافٌ" و"طَويلٌ وطُوالٌ".
стр. 215
وقال قوم: "بُراءٌ" جمع على غير قياس وزنه: "فُعالٌ" واحده: "بريءٌ" قالوا: "بريءٌ وبُراءٌ" كما قالوا: "رَخِلٌ ورُخالٌ" ومثل هذا الجمع: "فَريرٌ وفُرارٌ" لولد البقرة: وأجمعوا على أنّ فريرًا واحد، واختلفوا في: "فُرارٍ" فقال قوم: "فُرارٌ" واحد لغة في فَرير، كما قالوا: "طَويلٌ وطُوالٌ" في الواحد، وقال قوم: "فُرارٌ" جمع واحده: "فَريرٌ"، فإن صحَّ هذا فـ"بريءٌ وبُراءٌ" مثله.
حذف الألف
اعلم أنّ الألف حرف خفيف يخرج مع النَّفَس من غير كلفة على النَّفس حتّى قالوا ليس للألف مخرج من الحلق لخفاء مسلكها وغموضه، وقال الخليل مخرجها فُوَيْق الهمزة.
следующие страницы →