Полный текст (588 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
(ولقد حَفِظْتُ وَصَاةَ عَمِّي بالضُّحَى ... إِذْ تَقْلِصُ الشَّفَتانِ عنْ وضَحِ الفَمِ)
(الضُّحى) مؤنثة؛ والضَّحاء، بالمد والفتح مذكر، والضَّحاء للإبل بمنزلة الغداء. أنشدنا أبو العباس:
أعجَلَها أقدحي الضَّحاء ضُحىً ... وهي تُناصِي ذوائبَ السَّلَمِ
وقوله (تقلص) إذا فزع الرجل تقلصت شفتاه. (عن وضح) الفم، أي عن بياض الأسنان، كما قال
العجاج:
إذا العَوالي أخرجتْ أقصى الفمِ
والوضح: اللبن، سمى وضحا لبياضه. قال الهذلي وذكر قوما انهزموا:
عقَّوْا بسهم فلم يشعُر به أحد ... ثمَّ استفاءوا وقالوا حبَّذا الوضحُ
أي رجعوا وقالوا: حبذا اللبن نشرب منه. والتعقية: أن يرمى بسهم في السماء.
واللام في لقد لام اليمين، وإذ وقت لما مضى، والشفتان رفع بتقلص، وعن صلة تقلص، والوضح
مضاف إلى الفم.
(في حومِة الموتِ التي لا يتَّقِي ... غَمَراتِها الأَبطالُ غيرَ تَغمْغُمِ)
حومة كل شيء. معظمه. ويقال نعم حوم، أي كثير. و (غمراتها): شدائدها. قال الشاعر:
الغمراتُ ثمَّ ينجلينا
стр. 352
و (الأبطال): الأشداء. (والتغمغم): صوت تسمعه ولا تفهمه. وقال أبو جعفر: يقال نعم حوم، إذا كان
كثيرا لا يدرك عدده.
وفي حومة الموت من صلة تقلص. ويجوز أن يكون من صلة حفظت، والتي نعت للحومة،
والأبطال رفع بيتقي، والغمرات نصب بيتقي، واختفضت التاء لأنها غير أصلية، وغير نصب على
المصدر.
(إِذْ يتَّقُونَ بي الأَسِنّةَ لم أَخِمْ ... عَنْها ولكنِّى تَضَايقَ مُقدَمي)
قوله (يتقون بي الأسنة): معناه يجعلونني بينهم وبينها. يقال اتقاه بحقه، وتقاه بحقه، أي جعله بينه
وبينه. والأسنة: جمع سنان. وهو الذي يطعن به. والسنان والمسن هو الحجر الذي تحدد به
السكاكين. قال ذو الرمة:
وزُرقٍ كسَتهنَّ الأسنَّةُ هَبوةً ... أرقَّ من الماء الزُّلال كليلُها
وقوله (لم أخم)، معناه لم أنكل ولم أضعف. يقال خام يخيم، إذا ضعف وجبن. وقد أخام يخيم، إذا
أصاب رجله كسر أو علة فلم ينبسط في المشي. قال الشاعر:
رأوا وقرةً في عظْم ساقي فحاولوا ... جُبوريَ لمَّا أن رأوني أُخيمُها
قوله (ولكني ضايق مقدمي) معناه ضاق المكان الذي اقدم فيه، فصرت في مضيق من الأرض لا
أستطيع أن أقدم فرسي فيه. يقال: إنه لجريء المقدَم، أي عند الإقدام، كقولك: حلفت بجهد المقسم، أي
بجهد القسم. ولا يجوز جري المقدِم بكسر الدال، لأن المقدِم لا يكون مصدرا؛ إنما المقدِم الرجل الذي
يقدم، ولا معنى له هاهنا. ويقال: نحر فلان مقدمة إبله، وهي التي تبكر باللقاح. والعرب تقول للشيء
معناه فعل: قد تفاعل، كقولك: قد تباعد
стр. 353
ما بين القوم، تريد بعدما بينهم. وكقولك: تطاول الليل، أي طال؛ وتعالى النهار، أي علا.
وإذ وقت للماضي، وأخم جزم بلم، علامة الجزم فيه سكون الميم، والياء سقطت لسكونها وسكون
الميم، والياء اسم لكن، والخبر ما عاد من الياء في مقدمي، وموضع مقدمي رفع بتضايق، والمقدم
بمعنى الإقدام، كما تقول: الحمد لله ممسانا ومصبحنا، أي في إمسائنا وإصباحنا.
(لَمّا رأَيتُ القومَ أَقْبلَ جَمعهمْ ... يتَذامَرونَ كرَرتُ غيرَ مذَّممِ)
قوله (يتذامرون) معناه يحرض بعضهم بعضا ويزجر بعضهم بعضا. يقال: ذمره يذمره ذمرا، إذا
حضه. والذمر: الرجل الشجاع، وجمعه أذمار. والمذمر: الذي يدخل يده في حياء الناقة فيلمس ذفري
السليل وعنقه، فيعلم أذكر هو أم أنثى. والمذمر: الموضع الذي يلمسه المذمر.
ولما وقت فيها طرف من الجزاء، والجمع يرتفعون بأقبل، ويتذامرون موضعه رفع في اللفظ بالياء
وموضعه في التأويل نصب على الحال؛ والتقدير: أقبل جمعهم متذامرين. وكررت جواب لما، وغير
مذمم نصب على الحال من الباء، وأقبل جمعهم حال للقوم، معناه: قد اقبل جمعهم.
стр. 354
(يَدعُونَ عَنتَر والرَّماحُ كأَنَّها ... أَشطانُ بِئرٍ في لَبانِ الأَدهَمِ)
معناه: كأن الرماح حين أشرعت إليه في طولها حبال. و (اللبان): مجرى اللبب.
والرماح رفع بما عاد من الهاء، والهاء والألف اسم كأن، وخبرها أشطان، والواو في الرماح واو
الحال.
(ما زِلْتُ أَرميهِمْ بِغُرَّةِ وجهِهِ ... ولَبَانه حَتَّى تَسرْبَلَ بالدَّمِ)
قوله (تسربل) معناه صار له سربال من الدم. والسربال: القميص. قال امرؤ القيس:
ومثِلِك بيضاءِ العوارض طَفْلةٍ ... لعَوبٍ تُنَسِّيني إذا قمتُ سِربالي
أراد: قميصي.
والتاء اسم زلت، والخبر ما عاد من أرمى، والباء صلة أرمى. ورواه ثابت: (ما زلت أرميهم بثغرة
نحره)، قال: ثغرة النحر: الهزمة التي بين الترقوتين.
(ولقد شفَى نفسِي وأَبرأَ سُقْمها ... قِيلُ الفَوارس وَيْكَ عنترُ أَقدِمِ)
يقال سُقم وسَقم، وعُدم وعَدم، وبُخْل وبَخَل. وقال أبو جعفر: معنى البيت: كنت أكثرهم، فلذلك
خصوني بالدعاء. وقوله (ويكأنه) معناه ويلك، فأسقط اللام. ومعناه في غير هذا: ألم تر. قال الله عز
وجل: (وَيْكأنَّه لا يُفلِحُ الكافرون). قال الفراء: يجوز أن يكون المعنى ويلك اعلم أنه، فأسقط اللام
стр. 355
من ويلك وأضمر قبل إنه أعلم. ويجوز أن يكون ويك ألم تر. قال الشاعر:
سألتاني الطَّلاَقَ أن رَأتاني ... قَلَّ مالي قد جئتماني بهُجْرِ
ويك أن من يكن له نشبٌ يُح ... بَبُ ومن يفتقرْ يَعِشْ عيشَ ضُرِّ
قال يعقوب بن السكيت: أنشدني هذا البيت محمد بن سلام الجمحي عن يونس وقال: معناه ألم تر.
ومعنى (شفي نفسي) أي اشتفيت حيث قالوا لي أقدم فأقدمت. وقال أبو جعفر: أصل هذا الفرح إنه
أقر به أبوه، فلما قالوا (ويك عنتر أقدم)، والذي قال له أقدم أبوه، قال له: ويك عنتر أقدم فاذهب
بالحرم والمال! فقال: (العبد لا يحسن الكر، إلا الحلب والصر) فأعاد عليه مرارا، فلما تخوف أن
يذهب الحرم قال: أي بني أما ترى؟ قال: الآن نعم. فعندها قال: (وأبرأ سقمها).! فركب فرسه عريانا
وأخذ قناته فرد الظعن وقتل من قتل.
والقيل مرتفع بشفى. وأبرأ نسق على شفى. وعنتر فيه وجهان: فتح الراء وضمها. من فتحها قال:
أراد الترخيم يا عنترة ثم أسقط التاء وترك الراء على فتحها؛ لأنه يطالب التاء. ومن قال عنتر ضم
الراء لأنه منادى مفرد. وموضع اقدم جزم على الامر، والياء صلة لكسر الميم، كما قال امرؤ القيس:
ألاّ أيها الليل الطويلُ ألاَ انجلِي
(وازورَّ مِنْ وقْعِ القَنا بلَبانِهِ ... وشَكَا إِليَّ بَعَبْرةٍ وتَحَمحُمِ)
стр. 356
(العبرة): الدمعة، وجمعها عبر. أنشدنا أبو العباس:
ولا تنفَّستُ إلاّ ذاكراً لكُم ... ولا تبسَّمتُ إلاّ كاظماً عِبَرا
وقال أبو جعفر: العبرة تنزل الدمعة، وهي ارتفاع الغم من الصدر حتى يخنق فيكاد يقتل. فيقال:
خنقته العبرة. والدمعة لا تقتل. وانشد لذي الرمة:
أجَلْ عَبْرةً كادتْ لعِرفانِ منزلٍ ... لميَّة لو لم تُسهِلِ الماءَ تَذْبحُ
و (ازور)، معناه تمايل، وهو مأخوذ من الزور، والزور: الميل، يقال: ازور يزورّ، وتزاور يتزاور،
وازوار يزوار، وازَّاور يزَّاور. قال الله ﵎: (وتَرَى الشَّمسَ تزَّاور عن كهفهم)، معناه
تمايل، والأصل فيه تتزاور، فأدغمت الزاي الأولى في الثانية. وتقرأ (تزاور) بتخفيف الزاي،
والاصل فيه تتزاور، فحذفوا إحدى التاءين، وقرا قتادة: (تزورُّ) على مثال تحمر، وهذا مستقبل
تزورّ. وقرأ أبو رجاء: (تزْوارُّ) على مثال تحمارُّ وتصفارُّ، وهذا مستقبل ازوار. و (اللبان): الصدر
وموضع اللبب، وقد يستعار للناس. وقوله: (وشكا إليَّ بعبرة) مثل، معناه فعَل فعِل مستعبر، أي لو
كان ممن يتكلم لشكا بلسانه.
والتحمحمم نسق على العبرة.
(لو كانَ يَدْرِي ما المحاورةُ اشتكَى ... أَو كانَ لو عَلِمَ الكلامُ مُكلِّمي)
اسم كان مضمر فيها، والخبر ما عاد من يدري، والمحاورة رفع بما وما بها، واشتكى
стр. 357
جواب لو، واسم كان الثانية مضمر فيها، ومكلمي خبرها، والنصب لا يتبين فيه؛ لأن الياء لا يكون الذي قبلها
إلا مكسورا.
(والخَيلُ تَقتحِمُ الخَبَارَ عوابساً ... من بين شَيظمةٍ وأَجردَ شَيظَمِ)
الاقتحام: الدخول في الشيء بسرعة. و (الخبار): الارض اللينة ذات الجحرة والجرفة، والركض
يشتد فيها. و (العوابس): الكوالح من الجهد. و (الشيظم): الطويل. و (الأجرد): القصير الشعرة. أنشد
اللحياني في الخبار:
أمِن جَرَّى بني أسدٍ غضبتُم ... ولو شئتم لكان لكم جِوارُ
ومن جَرّائنا صرتمْ عَبيداً ... لقومٍ بعد ما وُطئ الخَبارُ
جرى معناه اجل، وهي مما يمد ويقصر.
والخيل ترتفع بما عاد من تقتحم، وعوابسا نصب على الحال، ومن معناها التفسير، والاجرد
موضعه خفض بالنسق على شيظمة، الا إنه نصب لأنه لا يجري. والشيظم نعت الاجرد.
(ذُلُلٌ رِكابي حيثُ شِئتُ مُشايِعِي ... لُبِّى وأَحفِزُهُ بأَمر مُبْرَمِ)
ويروى: (مشايعي همي واحفزه برأي مبرم).
الذلول من الإبل وغيرها: الذي هو ضد الصعب؛ والجمع ذلل. ويقال: ذلول بين الذل. ويقال رجل
ذليل وهو ضد العزيز، والجمع أذلاء، بين الذل والمذلة والذلة. و (الركاب): الإبل. يقول: هي معتادة
للرحيل قد فارقت الافها وأوطانها مرة بعد مرة، فاللفظ للركاب والمعنى له، أي لا أبالي فراق من
تعرض لفراقي. وقوله (مشايعي لبي). يقول: عقلي لا يعزب عني، و (أحفزه)
стр. 358
معناه أدفعه وأقويه.
والحفز: أن تدفع الشيء وتدنو منه. وقال أبو جعفر: أراد وأحفز الأمر المبرم بعقلي، أي أنفذ الأمر
المبرم بعقلي. وقال: معنى أحفزه أدفعه وأمضيه. وقوله (بأمر مبرم) أي برأي ليس بمتنقض
وضعيف. واصله من الفتل المبرم، وهو أن تفتل الطاقتين حتى تصيروا طاقة واحدة. ويروى:
(مصاحبي عقلي).
وركابي مرتفعة بذلل، وذلل بها، ولبى رفع بمشايعي. واحفزه فعل مستأنف، والباء صلة أحفزه.
(ولقدْ خَشِيتُ بأَنْ أَمُوتَ ولم تكُنْ ... للحربِ دائرةٌ على ابنَيْ ضَمضَمِ)
ابنا ضمضم: هرم وحصين ابنا ضمضم الذي قتله ورد بن حابس العبسي، وكان عنترة قتل أباهما
ضمضما، فكانا يتواعدانه، ويروى: (ولم تدر للحرب دائرة)، أي لم تدر عليهم دائرة السوء من القتل.
واللام في (لقد) لام اليمين، والباء موضعها نصب بخشيت، وهي مؤكدة للكلام؛ لأن سقوطها لا يخل
بالمعنى. ألا ترى إنك لو قلت: (ولقد خشيت أن أموت) كان سائغا حسنا. والدائرة رفع بتكن، واللام
خبر الكون، وعلى صلة دائرة، والواو في قوله: (ولم تكن) واو الحال.
стр. 359
(الشَّاتِمَيْ عِرضِي ولم أَشْتُمْهُما ... والنَّاذِرَينِ إذا لقِيتُهما دَمِي)
قوله (والناذرين إذا لقيتهما دمى) معناه والقائلين والله لئن لقيناه لنقتلنه. وإنما قال إذا لقيتهما ولم يقل
إذا لقياني، وهو أبين في الكلام، لأن ما لقيك فقد لقيته وما لقيته فقد لقيك. قال الله : (فتلقَّى
آدمَ من ربِّه كلماتٍ)، وقرأ ابن عباس ﵁: (فتلقَّى آدمَ من ربِّه كلماتٌ) فمعنى القراءتين
واحد لأن ما لقيك فقد لقيته وما لقيته فقد لقيك. وقال الله ﵎: (لا ينالُ عَهدي الظالمين)،
وفي قراءة عبد الله: (لا ينالُ عهدي الظَّالمون)، قال الفراء: معنى القراءتين واحد، لأن ما نلته فقد
نالك وما نالك فقد نلته.
وموضع الشاتمين والناذرين خفض على النعت لابني ضمضم، وموضع عرضي خفض بإضافة
الشاتم إليه. ويجوز أن يكون في موضع نصب بالشاتمي، ومعناه الشاتمين، إلا أن النون حذفت من
التثنية بناء على حذفها من الواحد، والاختيار الخفض؛ لأن النصب إذا أريد دخلت النون. يقال:
رأيت الضاربَي زيد، ورأيت الضاربِي زيد، فتختار خفض زيد على نصبه. ويجوز أن تقول: رأيت
الضاربَيْ زيداً، ورأيت الضاربِي زيداً على التفسير الذي مضى؛ فإذا أدخلت النون لم يجز إلا
النصب كقولك: رأيت الضاربين زيداً ورأيتُ الضاربِين زيدا. قال الله : (والمقيمي الصلاةِ)،
فقراءة العوام خفض الصلاة. وروى العباس بن الفضل عن أبي عمرو: (والمقيمي الصَّلاةَ)، بنصب
الصلاة على ما مضى من التفسير.
стр. 360
وقال الفرزدق:
أسَيِّدُ ذو خُرَيِّطة نهاراً ... من المتلقِّطي قَرَدَ القُمامِ
ويجوز أن يكون موضع الشاتمي والناذرين نصبا على الذم، ويجوز أن يكون رفعا على الذم،
بإضمار هما الشاتما.
(إِنْ يَفعَلاَ فلقَد تَركْتُ أَباهما ... جَزَرَ السِّباعِ وكُلِّ نَسْرٍ قَشْعَمِ)
قوله (جزر السباع) معناه هو مقتول لها تأكله. و (القشعم): الكبير من النسور. والفاء جواب إن،
والأب اسم تركت، وجزر السباع خبره، وكل نسق على السباع. وقال أبو محمد الرستمي: روى هذا
البيت الذي فسرناه الأصمعي ولم يروه أبو عمرو:
(إِنِّي عَدَاني أن أَزورَكِ فاعلمِي ... ما قد عَلمِتْ وبَعضُ ما لم تَعْلمي)
(عداني) معناه شغلني. وما مرتفعة بعداني، وبعض نسق على ما.
(حالتْ رِماحُ ابنَيْ بَغيضٍ دُونكمْ ... وزَوتْ جَوانِي الحربِ مَنْ لم يُجرِم)
(ابنا بغيض): عبس وذبيان، يعني قتالهم في حرب داحس والغبراء. وقوله (وزوت جواني الحرب)
يقول: من لا جرم له زوته جريرة من أجرم. ومعنى زوته: حازته إلى ناحية لا يقدر أن ينفرد من
قومه، مخافة أن يقتل، كقول رؤبة:
وأزمعَتْ بالشرِّ أن تَلفَعَّا ... حَربٌ تضمُّ الخاذلِينَ الشُّسَّعَا
وأصل الانزواء والتقبض والاجتماع، من ذلك قول النبي ﷺ : (زويت لي الأرض
فأريتُ مشارقها ومغاربها)، أي جُمعت. ويقال: انزوت
стр. 361
الجلدة في النار، إذا تقبَّضت واجتمعت. قال الأعشى:
يزيدُ يغضُّ الطَّرف دوني كأنَّما ... زَوَى بين عينَيه عليَّ المحاجمُ
فلا ينبسطْ من بين عينيَكِ ما انزوَى ... ولا تلقَني إلا وأنفُك راغمُ
والجواني رفع بزوت، ومن منصوبة به، والأصل في جوان جواني، فاستثقلت الضمة في الياء
فأسقطت، وأسقطت الياء لسكونها وسكون اللام. وقال الرستمي: قرئ هذا البيت والذي قبله على
الأصمعي. وقال أبو جعفر: لا أعرفهما ولم أقرأهما على أحد البتة.
تمت القصيدة وهي تسعة وسبعون بيتا
стр. 362
٥ - قصيدة عمرو بن كُلثوم
стр. 363
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن
غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصي ابن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار
بن معد بن عدنان.
وقال أبو عمرو الشيباني:
كانت بنو تغلب بن وائل من أشد الناس في الجاهلية. قال أبو عمرو: وقد ذكر لي بعض أهل العلم
أنهم شهدوا يوم خزاز. وخزاز: جبل كانت فيه وقعة. وهم من أظهر الناس عدة وسلاحا، وخيلا
ورجالا.
قال أبو عمرو: وسألت ابن الكلبي عن بني تغلب، فزعم إنه سمع أباه يقول: حدثني بعض أصحابي
قال: لو أبطأ الإسلام قليلا لأكلت بنو تغلب الناس.
وكان بينهم في الجاهلية حروب شديدة في كليب بن ربيعة أخي مهلهل، وهو كليب وائل، كادت تأتي
عليهم.
قال أبو عمرو: وأخبرني ابن الكلبي قال:
نافر عمرو بن كلثوم رجلا من بني تيم اللات بن ثعلبة، فذهبا إلى رجل من مضر يحتكمان إليه في
منافرتهما، وقد كانا خوَّفا ذلك الرجل، فقالا: يحكم بيننا أول من يعرض لنا. فعرض لهما رجل يقال
له أبو مليل، فاحتكما إليه فأخذهما فحبسهما سنة ثم افتديا منه.
стр. 364
ويقال: جاء ناس من بني تغلب إلى بكر بن وائل يستسقونهم، فطردتهم بكر للحقد الذي كان بينهم،
فرجعوا فمات منهم سبعون رجلا عطشا. ثم أن بني تغلب اجتمعوا لحرب بكر بن وائل، واستعدت
لهم بكر حتى إذا التقوا كره كل صاحبه، وخافوا أن تعود الحرب بينهم كما كانت، فدعا بعضهم بعضا
إلى الصلح فتحاكموا في ذلك إلى الملك عمرو بن هند، فقال عمرو: ما كنت لأحكم بينكم حتى تأتوني
بسبعين رجلا من بكر بن وائل فأجعلهم في وثاق عندي، فان كان الحق لبني تغلب دفعتهم إليهم، وإن
لم يكن لهم حق خليت سبيلهم. ففعلوا وتواعدوا ليوم يجتمعون فيه، فقال الملك لجلسائه: من ترون من
بني تغلب تأقي به لمقامها هذا؟ فقالوا: شاعرهم وسيدهم عمرو بن كلثوم. قال: فبكر بن وائل؟
فاختلفوا عليه وذكروا غير واحد من أشراف بكر بن وائل، قال: كلا والله لا تفرُج بكر بن وائل إلا
عن الشيخ الأصم يعثر في ريطته فيمنعه الكرم أن يرفعها حتى يرفعها قائده فيضعها على عاتقه. فلما
أصبحوا جاءت تغلب يقودها عمرو بن كلثوم حتى جلس إلى الملك. وقال الحارث بن حلزة: أني قد
قلت خطبة فمن قام بها ظفر بحجته وفلج على خصمه. فرواها ناسا منهم، فلما قاموا بين يديه لم
يرضهم، فحين علم إنه لا يقوم أحد مقامه قال لهم: والله لأكره أن آتي الملك فيكلمني من وراء سبعة
ستور وينضح أثري بالماء إذا انصرفت عنه - وذلك لبرص كان به - غير أني لا أرى أحدا يقوم
بها مقامي، وأنا محتمل ذلك لكم. فانطلق حتى أتى الملك، فلما نظر إليه عمرو بن كلثوم قال للملك:
أهذا يناطقني وهو لا يطيق صدر راحلته! فأجابه الملك حتى أفحمه. وأنشد الحارث قصيدته:
آذنتْنا ببينها أسماء
وهو من وراء سبعة ستور، وهند تسمع، فلما سمعتها قالت: تالله ما رأيت كاليوم قط أن رجلا يقول
مثل هذا القول يُكلم من وراء سبعة ستور! فقال الملك: ارفعوا سترا. فدنا فما زالت تقول ذلك ويرفع
ستر فستر حتى صار مع الملك على مجلسه، ثم أطعمه في جفنته وأمر ألا ينضح أثره بالماء، وجز
نواصي السبعين الذين كانوا في يديه من بكر ودفعها إلى الحارث. وأمره ألا ينشد قصيدته إلا
متوضئاً. فلم تزل تلك
стр. 365
النواصي في بني يشكر بعد الحارث، وهو من بني ثعلبة بن غنم، من بني
مالك بن ثعلبة. وأنشد عمرو بن كلثوم قصيدته، فلما فرغ منها ظن الناس إنها لا يعدلها شيء. وقال
حين أنشدها:
(أَلا هُبِّي بصَحْنِكِ فاصَبحِينا ... ولاَ تُبْقِي خُمورَ الأَندَرِينا)
قوله (هبي) معناه قومي. قال الشاعر:
ألا أيّها النوام ويحكمُ هُبُّوا ... أسائلْكمُ هل يقتلُ الرجلَ الحبُّ
و (الصحن): القدح الضخم الواسع، والتبن: أكبر الأقداح، والرفد: القدح الضخم. قال الأعشى يمدح
الأسود بن المنذر أخا النعمان بن المنذر:
رُبَّ رِفدٍ هرقته ذلك اليوْ ... مَ وأسَرى من مَعشرٍ أقتالِ
وقال أبو عمرو: الكتن: القدح الصغير. وقال أبو زيد: يقال للقدح الصغير الغمر، ثم العس أكبر
منه. وقال غيره: القرو: قدح صغير. وأنشد:
وأنت بين القَرْو والعاصرِ
والقعب: قدح صغير يروى الرجل الواحد.
وقوله (فاصبحينا) معناه فاسقينا صبوحا، وهو شرب الغداة. والأندرين: قرية بالشام كثيرة الخمر.
و (ألا) افتتاح للكلام، وهبي مجزوم على الأمر علامة الجزم سقوط النون،
стр. 366
والفاء جواب الجزاء المقدر، وتبقى جزم بلا على النهى، واصبحينا مجزوم على الأمر علامة الجزم فيه وفي تبقى سقوط
النون، وموضع الأندرين خفض بالإضافة، وفتحت النون لأنها مشبهة بنون الجمع، والألف صلة
لفتحة النون. ويقال في رفعها الأندرون.
(مٌشَعشَعَةً كأَنَّ الحُصَّ فيها ... إِذَا ما الماءُ خالطَها سَخِينا)
(المشعشعة): الخمر التي أرق مزجها، وما مزج فأرق مزجه فقد شعشع، ومنه قيل رجل شعشاع، إذا
كان طويلا خفيف اللحم. و (الحص): الورس. و (فيها) معناه في الخمر. وقوله (إذا ما الماء خالطها
سخينا) قال أبو عمرو: معناه إذا خالها الماء وشربناها كنا أسخياء، أي ازداد سخاؤنا على ما كان
عليه قبل شربناها. وقال غيره: إذا ما الماء خالطها سخينا معناه إنها تمزج بالماء الحار. يقال ماء
سخين، إذا كان مسخنا. ويروى: (إذا ما الماء خالطها شخينا) بالشين معجمة وبالحاء غير معجمة.
ومشعشعة نصب بقوله فاصبحينا. وإذا وقت، والماء رفع بما عاد من خالط، وما صلة وسخينا فعل
ماض من السخاء جواب لإذا. ومن قال سخينا حارا نصبه على الحال من الماء. ومن رواه شحينا
بالشين نصبه على الحال من الهاء، وأراد خالطها مشحونة أي مملوة؛ من قول الله ﵎:
(في الفلك المشحون) فصرف من مفعول إلى فعيل، فلم تدخلها الهاء، وكان بمنزلة قولهم: كف
خضيب، وعين كحيل، ولحية دهين؛ يراد به: مخضوبة، ومكحولة، ومدهونة.
стр. 367
(تَجُور بِذِي اللُّبَانَةِ عَنْ هَوَاهُ ... إِذَا مَا ذاقَها حتّى يَلِينا)
(اللبانة): الحاجة، يقال: لي إليه حاجة، ولبانة، وأشكلة، وشهلاء. أنشد أبو عمرو:
لم أقضِ حين ارتحلوا شهلائي ... من الكَعَاب الطَّفْلة الحسناء
ويقال: لي إليه مأربة، أي حاجة؛ وجمعها مآرب. قال الله ﵎: (وليَ فيها مآرب أخرى)،
أي حوائج. ويقال: لي في هذا الشيء أرب وإربة، أي حاجة. قد أربت إلى الشيء آرب أربا، إذا
احتجت إليه. ومنه قولهم: ما أربك إلى كذا وكذا. ويقال: ما بقيت في صدري حوجاء ولا لوجاء الا
قضيتها. ويقال: قضيت من الشيء وطرا، إذا قضيت حاجتي منه. قال الله ﵎: (فلمَّا قَضَى
زيدٌ منها وطراً). ومعنى البيت أن الخمر تميل بشاربها عن حاجته.
وفاعل تجور مضمر فيه من ذكر الخمر، وما صلة، وإذا نصب بتجور، ويلينا نصب بحتَّى، والألف
صلة لفتحة النون.
(تَرى اللَّحِزَ الشَّحِيحَ إذا أُمِرَّتْ ... عَلَيه لمالِهِ فيها مُهِينا)
(اللحز): الضيق البخيل؛ والعقص مثله. والحصر: الممسك. والحصر أيضا: الذي يكتم السر ولا
يبذله وهو مدح. قال جرير:
ولقد تسقَّطني الوشاةُ فصادفوا ... حصِراً بسرك يا أميم ضنينا
وقال أبو عمرو: اللحز: السيئ الخلق اللئيم. وقال غيره: يقال للسيئ الخلق:
стр. 368
الشرس، والشكس، واليلندد. والقاذورة: الفاحش السيئ الخلق. قال متمم بن نويرة اليربوعي:
وإنْ تَلقَه في الشَّرْب لا تَلَقَ فاحشاً ... على الكأس ذا قاذورة متزبعا
قاذورة: متباعد من الناس. ومتزبع: متكبر؛ ويقال: هو المعربد يلقى الشر بين القوم. ومعنى البيت:
أن الكأس إذا أديرت على القوم وشرب البخيل السيئ الخلق حسن خلقه وأهان ماله.
واللحز منصوب بترى، ومهينا خبر ترى، واللام وفي صلتان لمهين.
(وإِنا سَوفَ تُدْركُنا المنايا ... مُقَدَّرَةً لنا ومُقَدَّرِينا)
(المنايا): جمع منية، وهي الموت. ويقال: المنايا: الأقدار، من قول الله : (مِنْ نُطفة إذا
تُمْنَى)، معناه إذا تقدَّر. ويقال: مناه الله تعالى بما يسره، أي قدر الله له ما يسره. قال الشاعر:
لعمرُ أبي ليلى لقد ساقه المَنَى ... إلى جدث يُوزَى له بالأهاضب
وقال الآخر:
مَنَتْ لك أن تلاقيني المنايا ... أحَادَ أحادَ في الشَّهر الحلالِ
стр. 369
أراد: قدرت، وقال الآخر:
ولا تقولَنْ لشيء سوف أفعلُه ... حتَّى تَبيَّنَ ما يَمنِى لك الماني
أي ما يقدر لك القادر. وقال الآخر:
وعلمت أن النَّفسَ تلقى حتْفَها ... ما كان خالقُها المليكُ مَنَى لها
أي قدر لها. وقوله (مقدرة لنا ومقدرينا)، معناه قدرت علينا وقدرنا لها.
ونصب مقدرة على الحال من المنايا، ونصب مقدرين على الحال من النون والألف في تدركنا،
ونسق مقدرين على مقدرة، وأضمر بعد مقدرين نحن، أي ومقدرين لها نحن.
(قِفِي قبْلَ التفرُّقِ يا ظَعينا ... نخَبِّرْك اليقينَ وتُخْبرينا)
قوله (يا ظعينا) معناه يا ظعينة، فرخم فحذف الهاء ووصل فتحة النون بالألف. ونخبِّرك ينجزم لأنه
جواب الجزاء المقدّر. يريد: أن تقفي نخبرك. وتخبرينا نسق على نخبرك، علامة الجزم فيه سقوط
النون.
وخبَّر وأخبر لغتان معناهما واحد، كما تقول: مهَّل وأمهل، ووصّى وأوصى. قال الله تعالى: (ووصّى
بها إبراهيمُ بنيه). وقرأ أهل المدينة: (وأوصى) والمعنى واحد.
(بِيومِ كَريهةٍ ضَرباً وطَعناً ... أَقرَّ به مَوَاليكِ العُيونا)
الباء صلة نخبرك اليقين. بيوم كريهة، أي بيوم وقعة كريهة أي مكروهة.
стр. 370
وإنما ثبتت الهاء في كريهة وهي في تأويل مفعولة لأنها جعلت اسما بمنزلة النطيحة والذبيحة
و (الكريهة): اسم لشدة الناس في الحرب، قال الأشترالنخعي:
خيلاً كأمثال السَّعالي ضُمَّراً ... تَعدو بفتيان الكريهة شُوسِ
وقالت الخنساء:
نُهين النفوسَ وهُونُ النفو ... سِ يوم الكريهة أوقَى لها
و (الموالي): بنو العم في هذا الموضع. ومعنى قوله (أقربه مواليك العيونا) ظفروا فنامت عيونهم
وزال سهرهم. يقال: أقر الله عينك، أي أنام الله عينك. وقال الأصمعي: أقر
الله عينك، معناه أبرد الله جل وعلا دمعتك. وزعم أن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة. وأقر
عنده مشتق من القر والقرة، وهما البرد يقال للماء البارد القرور. وقال: أسخن الله تعالى عينه معناه
حزنه الله سبحانه حتى تسخن دمعته. وأنكر أبو العباس قول الأصمعي وقال: الدمع كله حار في فرح
كان أو حزن. وقال: معنى قولهم: أقر الله عينك: أعطاك الله تعالى أملك وبلغك مرادك حتى ترضي
نفسك به وتقر عينك عن الاستشراف إلى غيره. ويقال لكل شيء وقع في موضعه الذي ينبغي أن
يقع فيه: (صابت بقُر). أي أدرك قلبك ما كان متطلعا إليه فقرَّ. قال طرفة:
سادراً أحسِبُ غَيِّي رشَداً ... فتناهيت وقد صابت بِقُرّ
стр. 371
السادر: الذي كأن على بصره غشاوة. وقال غيره: لسادر: الراكب هواه لا يبالي ما صنع.
وضربا وطعنا منصوبان على المصدر، ومواليك رفع بأقر، والعيون نصب بأقر أيضا:
(قِفِي نسأَلْكِ هَلْ أَحدثْتِ وصلاً ... لوْ شْك البَينِ أَم خُنْتِ الأَمينا)
ويروى: (صرما). والصرم: القطيعة. و (وشك البين): سرعته. يقال منه: جعل الله ذلك فرجا عاجلا
وشيكا، أي سريعا. والبين: الفراق. والبيْن: الوصال. قال الله عز ذكره: (وجعَلنْا بينَهُمْ مَوْبقاً)، معناه
جعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكا لهم في الآخرة. وقال الشاعر:
لعمرك لولا البين لانقطَعَ الهوى ... ولولا الهوى ما حَنَّ للبيْن آلفُ
فالبين الأول والثاني بمعنى الوصال.
واللام صلة وصل، وخنت نسق على أحدثت، معناه: أم هل خُنت الأمين. و (الأمين): الوفيُّ العهد.
(تُرِيكَ إذا دَخَلْتَ على خَلاءٍ ... وقد أَمِنَتْ عُيونَ الكاشِحينا)
(الكاشحون): الأعداء، واحدهم كاشح، وإنما قيل له كاشح لأنه يعرض عنك ويوليك كشحه. والكشح،
والخصر، والقرب واحد، وهو ما يلي الخاصرة. قال الأعشى:
стр. 372
ومن كاشح ظاهرٍ غِمْرُه ... إذا ما انتسبتَ له أنكرَنْ
وقال آخرون: وإنما قيل للعدو كاشح لأنه يضمر العداوة في كشحه. واحتجوا بقول الكميت:
لمَّا رآه الكاشحو ... ن من العيونِ على الحنادر
الحنادر: نواظر العيون، واحدها حُنُدورة، وحِنْدَورة، وحِنديرة. والمعنى: رأوه كأنه على أبصارهم
من بغضهم له واستثقالهم إياه. وقال الآخر:
فأضمَر أضغاناً عليّ كشوحُها
وقال:
أأرضِى بليلى الكاشحينَ وأبتغي ... كرامةَ أعدائي بها وأهينُها
وقال أصحاب هذه المقالة: إنما خص الكشح لأن الكبد فيه. فيراد أن العداوة في الكبد. ولذلك يقال
عدو أسود الكبد، أي شديد العداوة قد أحرقت كبده. قال الشاعر:
فما أجشِمْتُ من إتيان قوم ... همُ الأعداء والأكبادُ سُودُ
ويقال: قد طوى فلان كشحه، إذا أعرض. قال الشاعر:
صرمتُ ولم أصرِمكمُ وكصارِم ... أخٌ قد طَوى كشحاً وأبّ ليذهبا
معنى أب تهيأ وتشمر، والاسم الإبابة. قال زهير:
стр. 373
وكان طوَى كشحاً على مستكنَّةِ ... فلا هُوَ أبداها ولم يتقدَّمِ
وقال النبي ﷺ : (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح). ويقال: قد كاشح فلان
فلانا، فهو مكاشح، إذا عاداه. وقال ابن هرمة:
ومكاشحٍ لولاك أصبحَ جانحاً ... للسِّلْم يَرقِى حَيَّتى وضِبابي
وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل للعدو كاشح لأنه أدبر بوده عنك. وقالوا: هو بمنزلة قولهم: قد كشح
عن الماء، إذا أدبر عنه. واحتجوا بقول الشاعر:
كشْحَ حمار كشَحَتْ عنه الحُمُرْ
أراد: أدبرت عنه. وقال امرؤ القيس:
فلم يَرَنا كالئٌ كاشح ... ولم يُفْشَ منا بدى البيت سِرّْ
و (الخلاء) من الخلوة ممدود. والخلا: ما اختليته بيدك من البقل مقصور، والواو في (وقد) واو
الحال.
(ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أَدْماءَ بِكرٍ ... تربَّعت الأَجارعَ والمُتونا)
قوله (ذراعي عيطل) معناه تريك إذا دخلت على خلاء ذراعي عيطل. والعيطل والعيطاء،
والعطبول، والعنطنطة: الطويلة. ويقال: العطبول، والعطبولة، والعيطاء والعنقاء: الطويلة العنق.
و (الأدماء): البيضاء. وقوله (تربعت الأرجاع) معناه أقامت أيام الربيع بالأجارع. وواحد الأجارع
أجرع، وهو من الرمل ما لم يبلغ أن يكون حبلا. قال: وأنشدنا أبو العباس لابن الدمينة:
стр. 374
سَلِي البانَة العَليا من الأجْرع الذي ... به البان هل كلَّمتُ أطلالَ دارك
ويقال: رمل أجرع، ورملة جرعاء. و (المتون): ما غلظ من الأرض، واحدها متن. ورواه أبو
عبيدة:
ذراعَيْ حُرَّة أدماءَ بِكرٍ ... هِجانِ اللَّونِ لم تقرأ جنينا
فالحرة تكون امرأة خالصة كريمة. و (هجان اللون) معناه بيضاء. والهجان أيضا: الكريم من كل
شيء، تمثل علي بن أبي طالب رضي الله سبحانه عنه:
هذا جَنايَ وخياره فيهْ ... إذْ كلُّ جانٍ يدْه إلى فيه
أراد: وخياره وكرائمه فيه. وكذلك قولهم: هذه هجائن النعملن. ويقال: بعير هجان وناقة هجان وإبا
هجان، وهي التي قارفت الكرم. قال الشاعر:
وإذا قيل مَن هِجانُ قريش ... كنتَ أنت الفتى وأنت الهِجانا
وقوله: (لم تقرأ جنينا) قال أبو عبيدة: معناه لم تضم في رحمها ولدا قط. ويقال للتي لم تحمل قط: ما
قرأت سلى قط. وقال: إنما سمى كتاب الله قرآنا لأنه يجمع السور ويضمها. واحتج بقوله
تعالى: (فإذا قرأناه فاتَّبعْ قرآنَه)، أي إذا ألفنا منه شيئا فضممناه إليك فخذ به واعمل به وضمه إليك.
وقال قطرب: يقال: ما قرأت الناقة سلى قط، أي لم ترم بولد. واحتج بقول حميد بن ثور:
أراها غُلاماها الخَلَى فتشذّرَتْ ... مِراحاً ولم تقرأ جنيناً ولا دما
فمعناه لم ترم بجنين ولا ولد. وقال: سمي كتاب الله الكريم قرآنا لأن القارئ يظهره، ويبينه، ويلقيه
من فيه. والجنين: الولد.
стр. 375
و (ذراعي عيطل) نصب بتريك. وأدماء نعت لعيطل، وفي تربعت كناية العيطل. وأراد: ذراعي
عيطل، يعني ظبية عيطلا.
(وثَدياً مِثلَ حُقِّ العاج رَخْصاً ... حَصَاناً من أَكُفِّ اللاَّمِسِينا)
أراد: تريك ذراعي عيطل وتريك ثديا في بياضه ونتوه مثل حق العاج. (حصانا): عفيفة في قول
أبي عمرو. وقال غيره: الحصان: التي قد تحصنت من الريب بزوج. (من أكف اللامسين)، يقول: لم
تمسها أكف الناس. ويقال امرأة حصان من نسوة حصائن، أي عفائف. قال حسان:
حَصان رَزَان لا تُزَنُّ بريبة ... وتُصبح غَرثَى من لُحوم الغوافل
وقال أبو عبيدة: يقال امرأة حاصن للعفيفة. وأنشد للعجاج:
وحاصنٌ من حاصات مُلْسِ ... من الأذى ومن قراف الوَقْسِ
الوقس: الجرب، والقراف: الدنو منه.
ويقال امرأة حصان بينة الحصانة والحصُن والحصْن. وقد أحصنت وحصُنت. قالت امرأة من
العرب وخرجت إلى الطريق فنظرت إلى شاب فغازلها، فلما رجعت إلى أمها قالت:
يا أمتَّي أبصَرَني راكبٌ ... يسير في مسحَنْفرٍ لاحبِ
ما زلتُ أحثِي التُّربَ في وجههِ ... عَمداً وأحمِي حَوزةَ الغائبِ
فأجابتها:
الحُصْنُ أدنَى لو تريدينَه ... مِن حَثْيكِ التربَ على الراكبِ
стр. 376
ويروى: (لو تأييته).
والثدي نسق على ذراعي عيطل، ومثل ورخصا وحصانا من نعت الثدي، ومن صلة حصان.
ويجوز أن ينتصب حصانا على الحال من الضمير الذي في تريك.
(ومَتْنَىْ لَدنةٍ طالتْ ولانتْ ... روادِفُها تَنُوءُ بما يَلينا)
ويروى: (بما ولينا). (اللدنة): اللينة، يقال من ذلك: قناة لدنة، أي لينة. و (روادفها): أعجازها.
(تنوء): تنهض. (بما يلينا)، أي بما يليهن، يعنى بما يقرب من أعجازهن. يقال نؤت بالحمل، إذا
نهضت به. قال حسان:
وقامت تُرائيك مغدودناً ... إذا ما تنوء به آدَها
أراد: تنهض به. و (المتنان): جانبا الفقار. (طالت ولانت)، معناه هي طويلة القامة لينتها.
والألف في يلينا صلة لفتحة النون، ومتنى لدنة نسق على ذراعي عيطل، والروادف مرتفعة بطالت،
وفي تنوء ضمير مرفوع من اللدنة.
(تَذَكَّرتُ الصِّبا واشتَقْت لمَّا ... رأَيتُ حُمولَها أُصُلاً حُدِينا)
و (الحمول) الإبل التي تحمل. و (أصلا): عشيا. وفي الأصل قولان، يقال هو اسم واحد بمنزلة
الحلم والعقب. قال الأعشى:
يوماً بأطيبَ منها نَشْرَ رائحة ... ولا بأحسَنَ منها إذْ دنا الأصُلُ
стр. 377
ويقال: هو جمع أصيل، كما يقال طريق وطرق. قال الله : (بُكْرةً وأصيلا)، وقال بعض
الأعراب:
يحنُّ إذا الجنائبُ هيَّجَتْه ... ضُحَيّاً أو هَبَبْنَ له أصيلا
ويقال في جمع الأصل آصال، كما قال تعالى: (بالغُدُوِّ والآصال). والأصائل: جمع الآصال. قال
الشاعر:
لعمري لأنت البيتُ أكرِمُ أهلَه ... وأقعُد في أفيائه بالأصائِلِ
وأنشد الفراء:
يا عَمرو أحسِنْ نَواكَ الله بالرَّشَد ... واقرأ سَلاماً على الانقاء والثَّمدَ
وابكِنَّ عيشاً تولَّى بعد جِدّته ... طابت أصائلُه في ذلك البلدِ
ويقال صبي بيَّن الصِّبا والصَّباء، وقد صبا إلى اللهو يصبو صبوا. (حدينا) معناه حدت الحداة الإبل.
ولما نصب بتذكرت. وأصلا نصب على الوقت، والحمول نصب برأيت، وحدين معناه قد حدين،
وتأويله الحال.
(وأَعرضَتِ اليمامةُ واشمَخَرَّتْ ... كأَسيافٍ بأَيدي مُصْلِتينا)
(أعرضت اليمامة) معناه ظهرت وبدت، أي لمع بها السراب. يقال: أعرض لط الظبي فارمه، أي
أمكنك من نفسه. ويقال أعرض: أمكنك من عرضه، أي من ناحيته. وبعضهم يقول: عرض لك
الشيء، والأكثر في كلامهم أعرض
стр. 378
بالألف. ويقال: عرضت الكتاب والجند عرضا، وأعرضت عن
الشيء إعراضا، وأعرض لك الشيء، إذا بدا. وعرضت الجارية على البيع عرضا، وعرض الرجل
عرضا. ويقال: ما يعرضك لهذا الأمر. والعرْض: خلال الطول. والعرَضَ: طمع الدنيا وما يعرض
منها، والعود معروض على الإناء، وكذلك السيف معروض على فخذيه. والعِرض: ريح الرجل
الطيبة أو الخبيثة. والعرض: موضح المدح والذم من الإنسان. يقال: إنه لنقي العِرض، أي بريء من
أن يُشتم أو يعاب. والعرض ناحية الوادي. وأنشد الفراء:
لَعِرضٌ من الأعراض يُمسِى حمامهُ ... ويُضحى على أفنانه الغِينِ يَهتفُ
و (اشمخرت) معناه ارتفعت وطالت. وقوله (كأسياف بأيدي مصلتينا) معناه بأيدي قوم مصلتين.
يقال: أصلت سيفه، إذا سله من غمده وشهره.
والكاف نصب بأعرضت، والباء صلة الأسياف، والألف في مصلتينا صلة لفتحة النون.
(فَما وَجَدَتْ كَوجدِي أَمُّ سَقْب ... أَضلَّتْهُ فرجَّعَتِ الحَنينا)
(أم سقب): ناقة. والسقب: الفصيل. قال الأصمعي: إذا وضعت الناقة فولدها ساعة تضعه سليل قبل
أن يعلم أذمر هو أم أنثى، فإذا عُلم فإن كان ذكرا فهو سقب وأمه مُسقب، وإن كان أنثى فهو حائل،
فإذا قوى ومشى فهو راشح وأمه مُرشح، فإذا ارتفع عن الراشح فهو جادل.
وقوله (أضلته)، معناه فقدته. ويقال: أضللت البعير، إذا ضيعته.
стр. 379
وضللت الشيء إذا خفي علي موضعه، كقولك: ضللت المسجد والدار. قال الله : (في كتابٍ
لا يَضِلُّ ربِّي ولا ينسَى)، فمعناه لا يخفي موضعه على ربي. وقال الجعدي:
أنشُدُ الناسَ ولا أُنشِدهمْ ... إنَّما ينشُدُ مَن كانَ أضَلِّ
معناه من كان ضيع شيئا. وقال الآخر:
وجدي بها وجدُ المضلِّ قَلُوصَه ... بمكَّة لم تعطفْ عليه العواطفُ
وقال الأخفش: ضللت أضل، على مثال علمت أعلم؛ وضللت أضل على مثال ضربت أضرب. قال
الشاعر:
ولَلصَّاحبُ المتروكُ أعظمُ حُرمةً ... على صاحبٍ من أن يضلَّ بعيرُ
ويقال: وجدت في الحزن وجدا، ووجدت على الرجل موجدة، ووجدت في المال وجدا وجِدَة،
ووجدت الضالة وجدانا. قال الراجز:
أنْشُدُ الباغِي يحبُّ الوِجْدانْ ... قلائصاً مختلفاتِ الألوانْ
منها ثلاثٌ قُلُصٌ وبُكرانْ
وما جحد، والكاف في موضع نصب بوجدت، وفي أضلت ورجعت ذكر من الأم.
(ولا شَمْطاءَ لم يَترُكْ شَقَاها ... لها مِن تسِعةِ إِلاّ جَنينا)
стр. 380
معناه ما وجدت كوجدي امرأة فقدت تسعة أولاد فما بقى من ولدها إلا جنين، أي أجنته الأرض.
يقال: جن عليه الليل وأجنه الليل، أي ستره. ومن العرب من يقول: جنه الليل. قال الشاعر:
يوصِّل حبلَيْه إذا الليلُ جَنَّه ... ليرقي إلى جاراته في السَّلالِمِ
ويقال: أجننت الشيء في نفسي، إذا سترته. والأصل في قوله (إلا جنينا). إلا مجنا، فصرف عم
مفعل إلى فعيل، كما قال تعالى جده: (تلك آياتُ الكتابِ الحَكِيم) أراد المحكم. وقال عمرو بن معد
يكرب:
أمِنْ رَيحانةَ الداعي السميعُ ... يؤرِّقُني وأصحابي هجوعُ
أراد المسمع، فصرف عن مفعل إلى فعيل. و (الشقاء) يمد ويقصر، قال امرؤ القيس:
صَبَّتْ عليه ولم تَنَصَبَّ عن أمَمٍ ... إن الشَّقاءَ على الأشقَينَ مصبوبُ
وقال الآخر في مده أيضا:
فإنْ يغلبْ شقاؤكُم عليكمْ ... فإنِّي في صلاحكمُ سعيتُ
والشمطاء منسوقة على أم سقب، وشقاها رفع بيترك، والجنين نصب بيترك أيضا:
(وإِنّ غداً وإِنَّ اليومَ رهنٌ ... وبَعدَ غدٍ بما لا تَعلمينا)
стр. 381
معناه يأتيك غد بما لا تعلمين من الحوادث وغيرها. وفي غد لغتان: غد، وغدو. قال لبيد:
وما الناسُ إلا كالدّيار وأهلها ... بها يومَ حَلُّوها وغَدْواً بلاقِعُ
وغدا اسم إن، واليوم نسق على غد، ورهن خبر إن، وإن الثانية لغو. وإن غداً واليوم. ويجوز أن
يكون رهن خبرا لإحداهما ويكون خبر الأخرى مضمرا، يريد: وان غدا رهن وان اليوم رهن. قال
الحطيئة:
قالت أمامَة لا تجزَعْ فقلت لها ... إنَّ العزاء وإنَّ الصَّبَر قد غلبا
أراد: أن العزاء والصبر قد غلبا، فإن الثانية لغو. ويجوز أن يكون أراد: أن العزاء قد غلب وإن
الصبر قد غلب، فجمع بين الخبرين لاتفاقهما. وقال الآخر:
إنّ قلبي وإنّ روحي جميعاً ... سايرَاها الغداةَ في الأظعان
فالجواب فيه كالجواب في البيت الأول، وإنما يوحد الرهن إذا ألغيت أن الثانية؛ لأن مصدر رهنت
رهنا، والمصدر يكون للواحد والاثنين والجميع والمؤنث بلفظ واحد، كقولك: الرجال عدلٌ والمرأة
رضاً. قال زهير:
متَى يَشتجِرْ قومٌ بَقْلُ سَرَواتُهمْ ... همُ بيننا فَهُمْ رضاً وهُمُ عَدلُ
والباء في قوله (بما لا تعلمين) صلة ما، والهاء المضمرة تعود على ما يريد بالذي لا تعلمينه.
(أَبَا هِنْدٍ فلاَ تعجَلْ عَلَينا ... وانظِرْنا نُخَبِّرْكَ اليَقِينا)
أبو هند: عمرو بن المنذر. و (أنظرنا) معناه انتظرنا. ويجوز أن يكون معناه
стр. 382
أخرنا. قال الله ﵎: (للذين آمنوا انظُرونا) فمعناه انتظرونا، إذا ذهبت ألفه للوصل. يقال نظرت الرجل انظره،
إذا انتظرته. وقال الشاعر:
فَخَرَت فانتمتْ فقلت انظُريني ... ليس جهل أتيتُه ببديعِ
معناه انتظريني. وقرأ حمزة وغيره: (للذين آمنوا أنظِرونا) فمعناه أخرونا. ويجوز أن يكون معناه
انتظرونا. ويروى: (أمهلنا).
ونصب أبا هند على النداء، والفاء تصل ما بعدها بما قبلها، ونخبِّرك جواب الجزاء المقدر، أي أن
تنظرنا نخبّرك.
(بأَنَّا نُورِدُ الرَّاياتِ بِيضاً ... ونُصْدِرُهنَّ حُمْراً قد رَوِينا)
(الرايات): الأعلام. يقول: نوردهن بيضا، ونصدرهن أي نردهن حمرا قد روين من الدم فصرن
حمرا.
وبيضا وحمرا منصوبان على الحال. وقد روينا معناه الحال أيضا، أي حمرا رواء. والألف صلة
لفتحة النون ليستوي وزن البيت.
(وأَيّامٍ لنا غُرٍّ طِوالٍ ... عَصَينَا المَلْكَ فيها أن نَدِينا)
معناه: ورب أيام لنا بيض مشهورة. وواحدة الغر أغر. قالت الخنساء ترثي أخاها:
أَغرُّ أبلجُ تأتمُّ الهُداةُ به ... كأنَّه علمٌ في رأسه نارُ
стр. 383
وقال أبو عبيدة: إنما سمى الأيام غر طوالا لعلوهم على الملك وامتناعهم منه، لعزهم، فأيامهم غر
لهم، وطوال على أعدائهم.
قال أبو بكر: ربما جعلت العرب الأيام نعما. قال الله ﵎: (وذكِّرهم بأيَّام الله)، قال مجاهد:
معناه بنعم الله . قال أبو عبيدة: هذه كلمة قلمَّا وجدنا لها شاهدا في كلامهم: أن يقال للنِّعم
أيام؛ إلا أن عمرو بن كلثوم قد قال: (وأيام لنا غر طوال)؛ فقد يكون جعلها غرا طوالا لإنعامهم على
الناس فيها. فهذا شاهد لمذهب مجاهد. وقوله (عصينا الملك فيها أن ندينا)، معناه عصينا الملك أن
نطيعه. يقال: دنت لفلان، أي دخلت في طاعته. و (الملك) يقال ملك ومليك. روى عبدو الوارث عن
أبي عمرو: (مَلْكِ يوم الدِّين) بتسكين اللام. وقال ابن الزبعري للنبي ﷺ :
يا رسولَ المليكِ أن لساني ... راتقٌ ما فتقْتُ إذْ أنا بُورُ
والأيام مخفوضة بمعنى رب، ولنا صلة الأيام، وأن ندينا نصب بإسقاط الخافض. ويروى: (وأيام لنا
ولهم طوال).
(وسَيِّدِ مَعْشَرٍ قد تَوَّجُوه ... بِتاجِ المُلْك يَحمِي المُحجرينا)
ويروى: (قد عصبوه بتاج الملك). و (يحمى) معناه يمنع. و (المحجرين) معناه الذين ألجئوا إلى
الضيق. والسيد مخفوض بإضمار رب، وقد توجوه صلة سيد، ويحمى موضعه خفض في التأويل
على النعت للسيد، أي حامي المحجرين.
(تَرَكْنَا الخَيلَ عاكِفةً عَليهِ ... مقلَّدةً أَعتَّتَها صُفُونا)
تركنا الخيل عاكفة عليه، معناه واقفة مقيمة عليه. وواحدة الصفون صافن،
стр. 384
قال الله : (الذي ظَلْتَ عليه عاكفاً) فمعناه مقيما. قال الشاعر:
باتت تَبيَّا حَوضَها عُكوفا ... مِثلَ الصُّفوف لاقت الصُّفوفا
وقال الفراء: الصافن القائم على ثلاث. قرأ ابن عباس رضي الله سبحانه عنه: (فاذكروا اسمَ الله
عليها صَوَافِنَ) أي قائمة على ثلاث. قال الشاعر:
ألِفَ الصُّفونَ فما يزال كأنه ... مما يقوم على الثَّلاث كسيرا
وقال الأعشى:
وكلّ كميتٍ كجذع السَّحوقِ ... يَزِين الفِناءَ إذا ما صَفَنْ
وعاكفة نصب بتركنا، ومقلدة تابع لعاكفة، وكذلك صفونا.
(وقد هرَّتْ كِلابُ الحَيّ منّا ... وشذَّبْنا قَتَادَة مَن يلينا)
وقد هرت كلاب الحي منا، معناه كرهتنا كلاب الحي. وكلابهم: الذين يهرون من سوء أخلاقهم.
وقوله (شذبنا قتادة من يلينا)، هذا مثل، وأراد: وكسرنا حد من يلينا ممن يفاخرنا. وشذبنا: فرقنا.
والقتادة: شجرة لها شوك لا تمس إذا هاجت لشدة شوكها. من ذلك قولهم: (دون ما تروم خرط القتاد).
وهي خفض
стр. 385
بإضافة القتادة إليها، ويلينا صلة من، وما فيه يعود على من، وشذبنا نسق على هرَّت.
(متَى نَنقُلْ إلى قَومٍ رَحانا ... يكونوا في اللِّقاءِ لها طحينا)
قوله: متى ننقل إلى قوم رحانا يكونوا كالطحين للرحى، أي كالحنطة. وهذا مثل، معناه متى حاربنا
قوم كانوا كذلك. قال مهلهل بن ربيعة:
كأنَّا غُدوةً وبنى أبينا ... بجنْبِ عُنيزة رحَيا مُديِرِ
وننقل جزم بمتى، ويكونوا جواب الجزاء، وطحينا خبر الكون وأصله مطحونا، فصرف عن مفعول
إلى فعيل:
(يكونُ ثِفالُها شَرقيَّ سَلْمى ... ولُهوتُها قُضَاعَة أَجمَعينا)
(الثفال): جلدة أو خرقة تجعل تحت الرحى، ليكون ما سقط من الطحين في الثفال. وهذا مثل
ضربه، أراد أن شرقي سلمى للحرب بمنزلة الثفال للرحى. قال زهير:
فتعرككمُ عركَ الرَّحى بثفِالها ... وتَلقَح كِشافاً ثم تُنْتَجْ فتُتْئمِ
و (اللهوة): القبضة من الطعام تلقيها في الرحى، وجمعها لهى. وهو مثل أيضا. أراد أن قضاعة
تطحنهم الحرب كما تطحن الرحى ما يلقى فيها من الطعام. ويروى: (يكون ثفالها شرقي نجد).
стр. 386
والثفال اسم يكون، وشرقي سلمى الخبر، واللهوة رفع بإضمار يكون، وقضاعة خبر الكون المضمر.
(وإِنَّ الضَّغن بعدَ الضِّغْنِ يبدُو ... عَليكَ ويُخْرج الدَّاءَ الدَّفينا)
(الضغن): الحقد. يقال: في قلبي عليه ضغن، وحقد، وتبل، وترة، ووغر، ووغم، وغمر، وحزاز،
وحزازة، ودمنة، وحسيفة، وحسيكة، وكتيفة، وذحل. قال ذو الرمة:
إذا ما امرؤ حاولْن أن يقتتلنه ... بلا إحنةٍ بينَ النُّفوسِ ولا ذَحْلِ
وقال الآخر:
فتىً لا يبيت على دمنةٍ ... ولا يشرب الماءَ إلا بدمْ
وأنشدنا أبو العباس:
أخوك الذي لا تملك الحسَّ نفسُه ... وترفضُّ عند المُحْفِظات الكتائفُ
وأنشدنا أبو العباس أيضا:
إذا كانَ أولادُ الرِّجال حزازةً ... فأنت الحلالُ الحُلْو والباردُ العذْبُ
قوله (ويخرج الداء الدفين) معناه المستتر في القلب، والأصل في الدفين المدفون، فصرف عن
مفعول إلى فعيل.
والضغن اسم إن، ويبدو الخبر، ويروى: (يفشو).
(وَرِثْنا المجدَ قد علمَتْ مَعَدٌّ ... نُطاعِنُ دونَه حتّى يَبينا)
стр. 387
(المجد): الشرف والرفعة. وقوله (حتى يبينا) معناه حتى يظهر ويستبين. ورواه بعض الناس: (حتى
يُبينا) بضم الياء، وقال: يقال أبان الشيء، إذا ظهر وتبين. ويروى: (حتى نُبينا) بضم النون، أي
حتى نبين مجدنا وفضلنا. ويروى: (حتى يلينا): حتى ينقاد لنا.
ونطاعن موضعه نصب في التأويل على الحال. تقديره: ورثنا المجد مطاعنين دونه نحن. ويجوز
أن يكون خبرا مستأنفا والعلم معترض لا اسم له ولا خبر.
وقال أبو جعفر أحمد بن عبيد: الرواية (حتى يَبينا) بفتح الياء، أي ينقطع منهم ويصير إلينا.
(ونَحْنُ إذا عِمادُ الحَيِّ خرَّتْ ... عَلَى الأَحفاضِ نَمنَعُ ما يَلينا)
ويروى: (عن الأحفاض). قوله (عماد الحي)، معناه الخشب الذي تقوم به أخبيتهم ويوضع عليها
المتاع. و (الأحفاض): الإبل التي تحمل المتاع، واحدها حفض. والأحفاض هاهنا: المتاع بعينه.
ويقال عماد الحي العمد. يقول: إذا فزع كل قوم فتساقطت أخبيتهم وهموا بالهرب نمنع نحن من يلينا.
ويروى: (ما يلينا). وقال أبو جعفر: من روى (على الأحفاض) أراد: من عجلتهم قوضوا بيوتهم على
متاعهم ونزعوا أعمدة البيوت من الفزع. ومن روى: (عن الأحفاض) أراد بالأحفاض الإبل التي
تحمل المتاع. يقول: إذا أدركتهم الغارة فظفروا ألقوا المتاع عن الإبل. وقال أبو جعفر في قوله:
(نمنع من يلينا): معناه لا ندعهم يرحلون، بل نقاتل عنهم. قال: وهذا مثل قول جرير:
وإنْ شُلَّ رَيعانُ الجميع مخافة ... نقول جهاراً ويْحَكم لا تنفِّروا
على رِسلكم إنكا سنعدى وراءكم ... فتمنعكم أرماحُنا أو سنعذر
وإن شُلَّ، الشَّلّ: الطرد. والريعان، ريعان كل شيء: أوله.
стр. 388
لا تنفروا إبلكم فأنا سنعدي خيلنا، أي نستحضرها في آثار العدو، أو سنعذر نصنع ما نعذر عليه.
ومثله قول الأخطل:
قوم إذا رِيعوا كأنَّ سَوامَهم ... على رُبَع وسط الدِّيار تعطَّفُ
الربع: الحوار الذي ينتج في النتاج الربعي، وهو أول النتاج. يقول: فإبلهم لا تطرد ولا تبرح، كأنها
قد عطفت على ولد فهي لا تبرحه. ومثله للأعشى:
نَعَمٌ تكون حِجارَه أرماحنا ... وإذا يُراعُ فإنه لن يُطردا
حجاره، حجار النعم وحجارُه: الذي يحجره ويمنعه. يقول: لأرماحنا تمنع إبلنا. يراع: يفزع.
ونحن رفع بما عاد من نمنع، وإذا وقت منصوب بنمنع.
(نُدافعُ عَنهمُ الأَعداءَ قِدْماً ... ونحمل عَنهمْ ما حمَّلونا)
ويروى:
نعمُّ أناسَنا ونَعِفّ عنهم ... ونَحمِلُ عنهمُ ما حمَّلونا
معناه نعمهم بالخير ونعف لا نسألهم شيئا. ومن روى: (ندافع) أراد ندافع عن من يلينا ونحمل ما
حمَّلونا من ديات أو دماء.
وقدما نصب بندافع، وما نصب بنحمل، وحملونا صلة ما، والهاء المضمرة تعود على ما.
(نُطاعِنُ ما تَرَاخَى النَّاسُ عَنَّا ... ونَضرِبُ بالسُّيوف إذا غُشِينا)
стр. 389
ويروى: (ما تراخى الصف عنا). وقوله (تراخى) معناه تباعد. يقال: تراخت داره، إذا بعدت.
ويقال: ما بيني وبينك متراخ، أي متباعد. وقوله (ونضرب بالسيوف إذا غشينا) معناه إذا دنا بعضنا
من بعض ونطعن إذا تباعدوا. وقال أبو جعفر: هذا مثل قول زهير:
يَطعنُهمْ ما ارتمَوْا إذا اطَّعَنُوا ... ضربَ حتَّى إذا ما ضاربوا اعتَنَقَا
أي يكون قريبا منهم، فإذا رموا طاعن، فإذا طاعنوا ضارب، وإذا ضاربوا اعتنق.
وما نصب بنطاعن، وتراخى الناس عنا صلة ما ولا عائد لما؛ لأنها في مذهب المصدر وأصلها
الجزاء.
(بسُمْرٍ من قَنا الخَطِّىِّ لُدْنٍ ... ذَوَابِلَ أو ببِيض يَعْتَلينا)
أراد: نطاعن بسمر من قنا الخطى. و (الخطى) منسوب إلى الخط، والخط مرفأ البحرين. قال
زهير:
وهل ينُبِتُ الخطِّىَّ إلاّ وشيجُه ... وتُغَرس إلاّ في منابتها النخلُ
يقول: لا ينبت القناة إلا القناة. و (الوشيج): القنا، واحدها وشيجة. والوشوج: دخول الشيء بعضه
في بعض. و (لدن): لينة. و (ذوابل): فيها بعض اليبس. يقول: لم تجف كل الجفوف فتنشق إذا طُعن
بها وتندق. قال الشاعر:
سائلْ بنا حُجر بن أمِّ قَطَامِ إذْ ... ظلَّت به السُّمْر الذوابلُ تلعبُ
أراد: تسرع فيه وتهلكه.
стр. 390
والباء صلة نطاعن، ولدن وذوابل نعتان للقنا، والبيض نسق على السمر، ويعتلينا صلة البيض.
ومعناه يعلون. والألف صلة الفتحة.
(نشُقُّ بها رُؤُوسَ القَومِ شَقًّا ... ونُخْلِيها الرِّقاب فيختَلينا)
نشق بها، معناه بالسيوف. و (نخليها الرقاب) معناه نجعل الرقاب لها كالخلي والخلى: الحشيش،
مقصور يكتب بالياء. قال الشاعر:
وبعضُ بيوت الشِّعر حُمْمٌ وبعضُها ... خَلىً لفّه في ظلمةِ الليل حاطبُه
(فيختلين) معناه يقطعن. يقال: اختليت الحشيش، أي قطعته. وقال أبو جعفر: معناه أن هذه السيوف
تقطع كل شيء تمر به.
والهاء والألف نصب بنخلي، والرقاب مفعول ثان، ويروى: (ويخلين الرقاب فيختلينا) فاسم ما لم
يسم فاعله مضمر في يخلين، والرقاب نصب بيخلين، ويقال هو خبر ما لم يسم فاعله.
(تَخالُ جماجِمَ الأَبطالِ فيها ... وسُوقاً بالأَماعِز يرتَمِينَا)
(الأبطال): الأشداء، يقال بطل الرجل يبطل بطولة، إذا كان بطلا. و (الأماعز): جمع أمعز،
والأمعز: مكان فيه حصى؛ وكذلك المعزاء. قال الشاعر:
خُدوداً جَفَت في السَّير حتَّى كأنما ... يُباشِرْن بالمَعْزاءِ مَسَّ الأرائكِ
ويرتمين معناه يسقطن.
والجماجم اسم تخال. وقوله (وسوقا) خبر تخال. والوسوق: جمع وسق؛ والوسق: الحمل.
следующие страницы →