← Адаб

Адаб · id 124335

شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات

ابن الأنباري

Полный текст (588 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

والثفال اسم يكون، وشرقي سلمى الخبر، واللهوة رفع بإضمار يكون، وقضاعة خبر الكون المضمر. (وإِنَّ الضَّغن بعدَ الضِّغْنِ يبدُو ... عَليكَ ويُخْرج الدَّاءَ الدَّفينا) (الضغن): الحقد. يقال: في قلبي عليه ضغن، وحقد، وتبل، وترة، ووغر، ووغم، وغمر، وحزاز، وحزازة، ودمنة، وحسيفة، وحسيكة، وكتيفة، وذحل. قال ذو الرمة: إذا ما امرؤ حاولْن أن يقتتلنه ... بلا إحنةٍ بينَ النُّفوسِ ولا ذَحْلِ وقال الآخر: فتىً لا يبيت على دمنةٍ ... ولا يشرب الماءَ إلا بدمْ وأنشدنا أبو العباس: أخوك الذي لا تملك الحسَّ نفسُه ... وترفضُّ عند المُحْفِظات الكتائفُ وأنشدنا أبو العباس أيضا: إذا كانَ أولادُ الرِّجال حزازةً ... فأنت الحلالُ الحُلْو والباردُ العذْبُ قوله (ويخرج الداء الدفين) معناه المستتر في القلب، والأصل في الدفين المدفون، فصرف عن مفعول إلى فعيل. والضغن اسم إن، ويبدو الخبر، ويروى: (يفشو). (وَرِثْنا المجدَ قد علمَتْ مَعَدٌّ ... نُطاعِنُ دونَه حتّى يَبينا)

стр. 387

(المجد): الشرف والرفعة. وقوله (حتى يبينا) معناه حتى يظهر ويستبين. ورواه بعض الناس: (حتى يُبينا) بضم الياء، وقال: يقال أبان الشيء، إذا ظهر وتبين. ويروى: (حتى نُبينا) بضم النون، أي حتى نبين مجدنا وفضلنا. ويروى: (حتى يلينا): حتى ينقاد لنا. ونطاعن موضعه نصب في التأويل على الحال. تقديره: ورثنا المجد مطاعنين دونه نحن. ويجوز أن يكون خبرا مستأنفا والعلم معترض لا اسم له ولا خبر. وقال أبو جعفر أحمد بن عبيد: الرواية (حتى يَبينا) بفتح الياء، أي ينقطع منهم ويصير إلينا. (ونَحْنُ إذا عِمادُ الحَيِّ خرَّتْ ... عَلَى الأَحفاضِ نَمنَعُ ما يَلينا) ويروى: (عن الأحفاض). قوله (عماد الحي)، معناه الخشب الذي تقوم به أخبيتهم ويوضع عليها المتاع. و (الأحفاض): الإبل التي تحمل المتاع، واحدها حفض. والأحفاض هاهنا: المتاع بعينه. ويقال عماد الحي العمد. يقول: إذا فزع كل قوم فتساقطت أخبيتهم وهموا بالهرب نمنع نحن من يلينا. ويروى: (ما يلينا). وقال أبو جعفر: من روى (على الأحفاض) أراد: من عجلتهم قوضوا بيوتهم على متاعهم ونزعوا أعمدة البيوت من الفزع. ومن روى: (عن الأحفاض) أراد بالأحفاض الإبل التي تحمل المتاع. يقول: إذا أدركتهم الغارة فظفروا ألقوا المتاع عن الإبل. وقال أبو جعفر في قوله: (نمنع من يلينا): معناه لا ندعهم يرحلون، بل نقاتل عنهم. قال: وهذا مثل قول جرير: وإنْ شُلَّ رَيعانُ الجميع مخافة ... نقول جهاراً ويْحَكم لا تنفِّروا على رِسلكم إنكا سنعدى وراءكم ... فتمنعكم أرماحُنا أو سنعذر وإن شُلَّ، الشَّلّ: الطرد. والريعان، ريعان كل شيء: أوله.

стр. 388

لا تنفروا إبلكم فأنا سنعدي خيلنا، أي نستحضرها في آثار العدو، أو سنعذر نصنع ما نعذر عليه. ومثله قول الأخطل: قوم إذا رِيعوا كأنَّ سَوامَهم ... على رُبَع وسط الدِّيار تعطَّفُ الربع: الحوار الذي ينتج في النتاج الربعي، وهو أول النتاج. يقول: فإبلهم لا تطرد ولا تبرح، كأنها قد عطفت على ولد فهي لا تبرحه. ومثله للأعشى: نَعَمٌ تكون حِجارَه أرماحنا ... وإذا يُراعُ فإنه لن يُطردا حجاره، حجار النعم وحجارُه: الذي يحجره ويمنعه. يقول: لأرماحنا تمنع إبلنا. يراع: يفزع. ونحن رفع بما عاد من نمنع، وإذا وقت منصوب بنمنع. (نُدافعُ عَنهمُ الأَعداءَ قِدْماً ... ونحمل عَنهمْ ما حمَّلونا) ويروى: نعمُّ أناسَنا ونَعِفّ عنهم ... ونَحمِلُ عنهمُ ما حمَّلونا معناه نعمهم بالخير ونعف لا نسألهم شيئا. ومن روى: (ندافع) أراد ندافع عن من يلينا ونحمل ما حمَّلونا من ديات أو دماء. وقدما نصب بندافع، وما نصب بنحمل، وحملونا صلة ما، والهاء المضمرة تعود على ما. (نُطاعِنُ ما تَرَاخَى النَّاسُ عَنَّا ... ونَضرِبُ بالسُّيوف إذا غُشِينا)

стр. 389

ويروى: (ما تراخى الصف عنا). وقوله (تراخى) معناه تباعد. يقال: تراخت داره، إذا بعدت. ويقال: ما بيني وبينك متراخ، أي متباعد. وقوله (ونضرب بالسيوف إذا غشينا) معناه إذا دنا بعضنا من بعض ونطعن إذا تباعدوا. وقال أبو جعفر: هذا مثل قول زهير: يَطعنُهمْ ما ارتمَوْا إذا اطَّعَنُوا ... ضربَ حتَّى إذا ما ضاربوا اعتَنَقَا أي يكون قريبا منهم، فإذا رموا طاعن، فإذا طاعنوا ضارب، وإذا ضاربوا اعتنق. وما نصب بنطاعن، وتراخى الناس عنا صلة ما ولا عائد لما؛ لأنها في مذهب المصدر وأصلها الجزاء. (بسُمْرٍ من قَنا الخَطِّىِّ لُدْنٍ ... ذَوَابِلَ أو ببِيض يَعْتَلينا) أراد: نطاعن بسمر من قنا الخطى. و (الخطى) منسوب إلى الخط، والخط مرفأ البحرين. قال زهير: وهل ينُبِتُ الخطِّىَّ إلاّ وشيجُه ... وتُغَرس إلاّ في منابتها النخلُ يقول: لا ينبت القناة إلا القناة. و (الوشيج): القنا، واحدها وشيجة. والوشوج: دخول الشيء بعضه في بعض. و (لدن): لينة. و (ذوابل): فيها بعض اليبس. يقول: لم تجف كل الجفوف فتنشق إذا طُعن بها وتندق. قال الشاعر: سائلْ بنا حُجر بن أمِّ قَطَامِ إذْ ... ظلَّت به السُّمْر الذوابلُ تلعبُ أراد: تسرع فيه وتهلكه.

стр. 390

والباء صلة نطاعن، ولدن وذوابل نعتان للقنا، والبيض نسق على السمر، ويعتلينا صلة البيض. ومعناه يعلون. والألف صلة الفتحة. (نشُقُّ بها رُؤُوسَ القَومِ شَقًّا ... ونُخْلِيها الرِّقاب فيختَلينا) نشق بها، معناه بالسيوف. و (نخليها الرقاب) معناه نجعل الرقاب لها كالخلي والخلى: الحشيش، مقصور يكتب بالياء. قال الشاعر: وبعضُ بيوت الشِّعر حُمْمٌ وبعضُها ... خَلىً لفّه في ظلمةِ الليل حاطبُه (فيختلين) معناه يقطعن. يقال: اختليت الحشيش، أي قطعته. وقال أبو جعفر: معناه أن هذه السيوف تقطع كل شيء تمر به. والهاء والألف نصب بنخلي، والرقاب مفعول ثان، ويروى: (ويخلين الرقاب فيختلينا) فاسم ما لم يسم فاعله مضمر في يخلين، والرقاب نصب بيخلين، ويقال هو خبر ما لم يسم فاعله. (تَخالُ جماجِمَ الأَبطالِ فيها ... وسُوقاً بالأَماعِز يرتَمِينَا) (الأبطال): الأشداء، يقال بطل الرجل يبطل بطولة، إذا كان بطلا. و (الأماعز): جمع أمعز، والأمعز: مكان فيه حصى؛ وكذلك المعزاء. قال الشاعر: خُدوداً جَفَت في السَّير حتَّى كأنما ... يُباشِرْن بالمَعْزاءِ مَسَّ الأرائكِ ويرتمين معناه يسقطن. والجماجم اسم تخال. وقوله (وسوقا) خبر تخال. والوسوق: جمع وسق؛ والوسق: الحمل.

стр. 391

والباء صلة وسوق. (نحُزُّ رُءُوسهم في غَيرِ بِرٍّ ... فما يدرونَ ماذا يتَّقُونا) قوله (في غير بر) معناه في غير بر منا بهم، ولا شفقة عليهم، فما يدرون كيف يردون عن أنفسهم. و (في) من صلة نحز، وهي حال معناه نحز رءوسهم غير بارين. وموضع ما رفع بذا، وذا بما، ويتقون صلة ذا، والهاء المضمرة تعود عليه، وتقديره: ما الذي يتقونه. ويجوز أن يكون ماذا حرفا واحدا منصوبا. بيتقون، يريد بأي شيء يتقون. ويروى: (نجذ رءوسهم) أي نقطعها. قال الله جل ذكره: (عَطاءً غيرَ مجذود) أراد غير مقطوع. ويقال: جذت الشيء أجذه جدا، أي قطعته. قال الشاعر: رضيتُ بها فارضَيْ كميعَكِ واسلمي ... فلو لم تخوني لم نجذَّ الحبائلا ويقال جددت الشيء بالدال غير معجمة، أي قطعته. ويروى: (نجذ رءوسهم في غير شيء). وقال أبو جعفر: قد دهشوا فما يدرون كيف يتقون ونحن نقتلهم كيف شئنا. قال: ويروى: (نحز رؤوسهم في غير بر)، أي تسقط في بحر من الدماء، يريد لا تسقط في صحراء. وهذا مثل، أي صارت الأرض كالبحر من الدم. ويروى (نجز رؤوسهم) بالجيم والزاي. (كأَن سُيوفنا فِينا وفيهمْ ... مخَاريقٌ بأَيدِي لاعِبِينا) معناه: كأن اختلاف سيوفنا فيما بيننا في كثرتها وسرعتها مخاريق بأيدي صبيان يلعبون. وواحد المخاريق مخراق، وهو ثوب يفتل. وقال أبو جعفر: معناه من حذقنا وخفتنا بالضرب كأن سيوفنا مخاريق بأيدي صبيان يلعبون.

стр. 392

والسيوف اسم كأن، ومخاريق خبر كأن، وفينا وفيهم معناهما الحال. ونوَّن مخاريق وهي لا تجري، لأن كل مالا يجرى تجريه الشعراء في شعرهم ليستوي بالتنوين وزن البيت، إلا أفعل إذا صحبته من، فإنه لا يحتمل لأحد إجراؤه في شعر ولا في كلام، كقولك: هو أعقل منك، لأن في أعقل معنى إضافة. ألا ترى أنك تقول: هو أعقل من زيد فتجد معناه هو أعقل الرجلين، فلا يجوز فيه التنوين، اذ كانوا لا يجمعون بين التنوين والإضافة. والباء صلة مخاريق. (كأَنَّ ثِيابنا مِنّا ومِنهم ... خُضِبن بأُرجُوانٍ أو طُلِينا) (الأرجوان): صبغ احمر. فشبه كثرة الدماء على الثياب بصبغ أحمر. وخبر كأن ما عاد من خضبن، وطلينا نسق على خضبن. (إِذَا ما عيَّ بالإِسناف حَيٌّ ... مِن الهَوْل المشبَّه أن يكونا) (الإسناف): التقدم في الحرب. و (عي) من العي في الحرب لهولها. يقال: عييت بالأمر، وأعييت في المشي. والأصل في عي عيي، فاستثقلوا الجمع بين حرفين متحركين من جنس واحد فأسكنوا الياء الأولى وأدغموها في الثانية التي بعدها. و (المشبه) إذا اشتبه الأمر عليهم فلم يعلموا كيف يتوجهون له. وما صلة، واسم الكون مضمر فيه، ولا خبر للكون لأنه بمعنى الحدوث والوقوع. يريد أن يقع ويحدث. (نصَبْنا مِثْل رَهْوةَ ذاتَ حدٍّ ... محافظَةً وكُنّا السَّابقينا) معناه إذا عي أهل الحرب بالحرب واشتبهت عليهم أمورهم فلم يتوجهوا لها نصبنا مثل رهوة. و (رهوة): جبل. أي أتينا بكتيبة مثل رهوة. (ذات حد): كتيبة

стр. 393

ذات شوكة. محافظة لأحسابنا. ويروى: (كنا المسنفينا)، معناه المتقدمين. ونصبنا جواب إذا، وإذا نصب بنصبنا، ومثل نصب بنصبنا، ورهوة خفض بإضافة مثل إليها، وانتصبت لأنها لا تجري، وذات حد نعت لمثل. معناه نصبنا كتيبة مثل رهوة ذات حد. ومحافظة نصب على المصدر. (بِفِتيانٍ يَرَوْنَ القَتلِ مَجْداً ... وشِيبٍ في الحروبِ مجرَّبينا) (المجد): الحظ الوافر الكافي من الشرف والسودد. (حُدَيَّا الناسِ كلِّهِمُ جميعاً ... مُقارَعةً بنيهِمْ عَنْ بَنينا) قوله (حديا الناس) قال بعض أهل اللغة: حُدياك معناه أغلبك، كما يقال: فلان واحد الناس. وقال آخرون: نحن أشراف الناس. يقال: أنا حدياك في الأمر، أي أنا أفوقك. والحديا: الغاية. والمقارعة: المخاطرة. وقال أبو جعفر: حديا الناس معناه أحدو الناس، أسوقهم وأدعوهم كلهم، لا أحاشي منهم أحدا، إلى المقارعة. وقال: حديا تصغير حدوى، كأنه قال: أحدو الناس كلهم بالمقارعة ولا أهاب أحدا فأستثنيه. مقارعة: مراهنة، بنيهم. عن بنينا، أي أقارعهم على الشرف والشدة ولا أستثني أحدا. قال أبو جعفر: ومثله قول المرار: وما خاللتُ منهم من خليلٍ ... ولكنِّي حَدوتهمُ جميعا وموضع حديا الناس رفع بإضمار نحن حديا الناس. ويجوز أن يكون منصوبا على المدح، يريد: أذكر حديا الناس. ويجوز أن يكون مخفوضا على معنى الباء، يريد بفتيان بحديا الناس. ويجوز أن يكون منصوبا على المصدر، يريد أحدو حديا الناس. وجميعا ومقارعة منصوبان على المصدر، وبنيهم نصب بفعل مشتق، معناه نقارع بنيهم.

стр. 394

(فأَمَّا يَومَ خَشْيتِنا عَلَيهمْ ... فنصْبِحُ غارةً مُتلبِّبينا) ويروى: (فتصبح خيلنا عصبا ثبينا). قال أبو جعفر: فسر معنى المقارعة بهذا الكلام. (عليهم) معناه على البنين والحرم. وقوله (فنصْبِحُ غارةً مُتلبِّبينا) معناه فنصبح متيقظين مستعدين. ويقال: أغرت على العدو إغارة وغارة. وغار الرجل على أهله يغار غيرة. قال جرير: مَن سَدَّ مُطَّلَعَ النِّفاق عليهم ... أم مَنْ يصول كصَولة الحجَّاجِ أم من يغَار على النساءِ حفيظةً ... إذْ لا يثقْنَ بغَيْرة الأزواجِ يقال: غار الرجل فهو غائر، إذا أتى الغور. وغار الماء يغور غورا، وغارت عينه غؤورا، وغار الرجل أهله يغيرهم غيارا وغيرا، إذا مارهم، وهي الغيرة والميرة. وأغار الحبل إغارة، إذا أحكم فتله. و (العصب): الجماعات. و (الثبون): المتفرقون، وواحدها ثبة. قال زهير: وقد أغدو على ثُبَةٍ كرامٍ ... نَشَاوَي واجشدينَ لما نشاءُ ويقال في جمع ثُبة ثُبات وثُبون. قال الله تعالى: (فانفِروا ثُبَاتٍ) وقال الشاعر: فقد خربت قبورُهمُ فأمستْ ... قبورهمُ جميعاً أو ثُبِينا واليوم نصب بنصبح، واسم نصبح مضمر فيه، وخبره غاؤة، ومتلببينا نعت لغارة. (وأَمَّا يومَ لا نَخْشى عليهمْ ... فنُصْبحُ في مجالسنا ثبينا) معناه وأما يوم لا نخشى أن يغار علينا فنصبح في مجالسنا على هذه الصف. وقال بعض أهل اللغة: أراد بقوله في البيت الأول متلبّبينا: لا بسين السلاح. ويروى:

стр. 395

وأَمَّا يومَ لا نَخْشى عليهمْ ... فنُصْبِحُ غارةً مُتلبِّينا التفسير في إعرابه كالتفسير في البيت الأول. (برأْسٍ مِن بني جُشَمَ بنِ بَكْرٍ ... ندُقُّ به السُّهولةَ والحُزونا) (الرأس): السيد. والرأس هاهنا: الحي. ويقال: حي رأس، إذا كان مستغنيا أن يجلبه أحد، أي يعينه. والسهولة: ما لأن من الأرض. و (الحزون): جمع حزن. والحزن: ما غلظ من الأرض. وقال أبو جعفر: معناه ندق به كل صعب، لا نبقي شيئا ولا أحدا إلا أغرنا عليه. قال: والرأس هاهنا: جيش. وأنشد للراعي: يَقُدْن ولا يُقَدْنَ لكلِّ غيثٍ ... وفي رأسِ يَسِرْنَ وينتوينا أي في جيش. والباء صلة فعل مضمر معناه نجيء برأس ونغير برأس، وندق خبر مستأنف. ويجوز أن يكون نعتا للرأس في التأويل، والهاء تعود على الرأس. (بأَيِّ مَشِيّئةٍ عمْرَو بنَ هِندٍ ... نكونُ لقَيْلكُمْ فيها قَطِينا) (القيل) جمعه أقيال. والأقيال: وزراء الملوك في قول بعض أهل اللغة. وقال أبو عبيد: ملوك باليمن دون الملك الأعظم، واحدهم قيل، يكون ملكا على قومه ومخلافه ومحجره. واحتج بالحديث الذي يروى عن النبي ﷺ إنه كتب لوائل بن حجر ولقومه: (من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة من أهل حضرموت). والأقيال قد مضى تفسيرهم. و (العباهلة): الذين أقروا على ملكهم لا يزالون عنه. وكل شيء أهملته فكان مبهما لا يمنع مما يريد ولا يضرب على يديه فهو معبهل. قال تأبط شرا: مَتى تَبغنِي ما دمتَ حيّاً مسلّما ... تجدني مع المسترعِلِ المتَعبْهلِ فالمسترعل: الذي يخرج في الرعيل، وهي الجماعة من الخيل وغيرها. والمتعبهل:

стр. 396

الذي لا يمنع من شيء. وقال الراجز يذكر الإبل أنها قد أرسلت على الماء ترده كيف شاءت: عبَاهلٌ عَبْهَلَها الوُرّادُ و (القطين): الخدم. قال جرير: هذا ابنُ عمي في دمشقَ خليفةً ... لو شئتُ ساقكمُ إلى قطينا والقطين في غير هذا: سكان المنزل. والباء صلة نكون، واسم الكون مضمر فيه، وخبره قطينا. (بأَيِّ مَشِيّئةٍ عمْرَو بنَ هِندٍ ... تُطيعُ بنا الوُشاةَ وتَزْدرينا) (المشيئة) من شئت. و (الوشاة): النمامون، واحدهم واش. و (تزدرينا) تستخف بنا. ويروى: (وتزدهينا)، أي تستخفنا. ويروى في البيت الأول: (نكون لخلفكم فيها قطينا) لخلفكم: لنسلكم. والخلف: من يجيء بعد. والخلف أيضا: الرديء. قال الله : (فخلَفَ من بعدهم خَلْفٌ). وقال لبيد: ذهَب الذين يُعاشُ في أكنافهم ... وبقِيتُ في خَلْفٍ كجلد الأجربِ والخلف أيضا: الخطأ من الكلام؛ يقال: (سكت ألفا ونطق خلفا). ويقال: هو خلف صدق من أبيه، وخلف سوء. والباء صلة تطيع، وتزدرينا نسق على تطيع، وأي معناها الاستفهام. (تهدَّدْنا وأَوْعِدْنا رُوَيداً ... مَتَى كُنَّا لأُمِّكَ مَقْتَوِينا)

стр. 397

يقال: وعدت الرجل خيرا وشرا، وأوعدته كذلك. فإذا لم تذكر الخير قلت: وعدته، وإذا لم تذكر الشر قلت: أوعدته. قال الله ﵎: (النَّار وعدَها اللهُ الذين كَفَروا)، وقال عز وعلا: (وعَدَ الله الذين آمنوا وعَملِوا الصَّالحاتِ منهم مغفرة). قال الشاعر: وإنِّي وإنْ أوعدتْه أو وعدتُه ... لأخلف إيعادي وأنجز مَوْعدِي وإذا دخلت الباء فهو من الإيعاد في الشر، كقولك: أوعدتك بالضرب والسب. وأنشد الفراء: أوعدَني بالسجن والأداهم ... رِجلي ورجلي شَثْنةُ المناسمِ و (المقتوون): الخدم، واحدهم مقتوي، وهو قول عمرو بن كلثوم: متى كنَّا لأمِّك مَقْتوينا والاسم منه القتو. قال: أنشدنا الأحمر: إني امرؤ من بني فزارة لا ... أحسِنُ قَتْوَ الملوكِ والخبَبَا قال أبو عبيد: وقال أبو عبيدة: قال رجل من بني الحرماز: هذا رجل مقتوين، ورجلان مقتوين، ورجال مقتوين. كله سواء، وكذلك المؤنث، وهم الذين يعملون للناس بطعام بطونهم. وتهددنا جزم على الأمر، ورويدا نصب على المصدر، وهو تصغير رود. أنشدنا أبو العباس: تكادُ لا تثلم البطحاءَ وطأته ... كأنه ثملٌ يمشي على رُودِ ويروى: (تهددنا وتوعدنا رويدا) بالرفع على معنى الخبر. وقال الفراء: الرواة والنحويون ينشدون بيت عمرو (مَقتوينا) بفتح الميم كأنه نسب إلى مقتي،

стр. 398

وهو مفعل من القتو - والقتو: الخدمة خدمة الملوك خاصة والتذلل لهم - ثم أن الشاعر اضطر إلى تخفيف الياء فقال مقتوين يريد مقتويين. فإذا قالوا للواحد رجل مقتوى رجعلوا إلى التشديد، ففي هذا دلالة على أن الشاعر اضطر. ووجد التخفيف في الكلام يأتي كثيرا في المشدد، مثل نيَّة ونِيَة، وطيَّة وطيَة، أشباه ذلك. (فإِنَّ قَناتَنا يا عَمرُو أَعْيَتْ ... على الأَعداءِ قَبلكَ أن تَلِينا) ويروى: (وإن قناتنا)، أي عودنا وأصلنا. وهذا مثل. يريد أن كل من نازعنا وأراد مغالبتنا خاب وفزنا بالظفر به. وموضع أن نصب على معنى بأن تلين، ولأن تلين. (إِذَا عَضَّ الثِّقافُ بها اشمأَزَّتْ ... وولَّتْهُمْ عَشَوزَنَةً زَبونا) (الثقاف): ما تقوم به الرماح، قال عبد الله بن مسعود رضي الله سبحانه عنه: (أعربوا القرآن فإنه عربي، فإنه سيجيء قوم يثقفونه وليسوا بخياركم). فمعنى يثقفونه يقوّمون حروفه كما يثقف المثقف الرمح. ومعنى الحديث أنهم يقومون ألفاظه ولا يعملون به. وقوله (اشمأزت) معناه نفرت. و (عشوزنة): شديدة صلبة. و (زبون) تضرب برجليها وتدفع. ويقال زبنه بزبنه، أي دفعه. والزبانية عند العرب: الأشداء؛ سموا زبانية لأنهم يعملون بأرجلهم كما يعملون بأيديهم. قال الله ﵎: (سَنَدْعُ الزَّبانية). وقال الشاعر: مَطاعيمُ في المَقْرَى مَطاعينُ في الوغَى ... زَبَانيَةٌ غُلْبٌ عظامٌ حلومُها والعشوزنة نصب بولت، والزبون نعت العشوزنة. (عَشَوزنةً إذا انقلبَتْ أَرنَّتْ ... تَدُقُّ قَفَا المثقِّف والجَبينا)

стр. 399

(إذا انقلبت) معناه إذا انقلبت أرنت في ثفافها، أي صوتت وشجت قفا من يثقفها، أي يقوّمها. وهذا مثل ضربه. أي قناتنا لا تستقيم لمن أراد أن يقومها. ويروى: (مثقفة إذا غمزت أرنت). ويروى في البيت الأول: (ولته عشوزنة) بالتوحيد؛ فمن جمع رد الهاء على الأعداء، ومن وحد ردها على واحد الأعداء. انشد الفراء: فإنْ تعهدي لامرئٍ لمَّة ... فإنَّ الحوادث أزرى بها ذهب بالحوادث إلى معنى الحدثان. والعشوزنة الثانية مردودة على الأولى، والجبين نسق على القفا. (فهل حُدِّثْتَ في جُشَمَ بنِ بكرٍ ... بنقْصٍ في خُطوب الأَوّلينا) ويروى: (عن جشم). وإنما يخاطب عمرو بن هند. معناه هل حدثت أن أحدا اضطهدنا في قديم الدهر. و (الخطوب): الأمور، واحدها خطب. قال الله : (ما خَطْبُك)، معناه ما أمرك. ونقص من النقصان. وفي الأولى صلة حدثت، والثانية صلة نقص. (وَرِثْنا مَجدَ عَلْقمةَ بنِ سَيفٍ ... أَباحَ لنا حُصون المَجْدِ دِينا) ويروى: حصون الحرب دينا. (المجد): الشرف والرفعة. وعلقمة: رجل منهم. وقوله (أباح لنا حصون الحرب) معناه إنه كان قاتل حتى غلب عليها ثم تركها مباحة لنا. و (دنيا) معناه خاضعا ذليلا. ويروى: (أباح لنا حصون المجد حينا). ودينا منصوب على الحال مما في أباح، وهو مجعول في موضع الحال.

стр. 400

(وَرِثْتُ مُهلهِلاً والخيرَ منهمْ ... زُهَيراً ذُخْرُ الذاخرينا) مهلهل: رجل من بني تغلب، وكذلك زهير. ويروى: (والخير عنهم)، ويروى: (والخير منه). والخير نسق على مهلهل، وزهير مترجم عن الخير، والذخر رفع بنعم. والمعنى: نعم ذخر الذاخرين هو، فحذف هو لدلالة المعنى عليه. (وعتَّاباً وكُلثوماً جميعاً ... بِهِمْ نِلنا تراثَ الأَكرمينا) وكلثوم أبو عمرو الشاعر، وعتَّاب جده. و (التراث): الميراث. قال الله (وتأكلون التُّراثَ أكلاً لَمًّا) فمعناه تأكلون الميراث. وأصله الوراث لأنه فعال من ورثت، فأبدلوا من الواو تاء لقربها منها في المخرج. ويروى: (بهم نلنا مساعي الأكرمينا). وجميعا نصب على الحال، ومساعي منصوبة بنلنا، والأصل فيه مساعي الأكرمينا، فأسكن الياء في النصب على لغة الذين يقولون: رأيت قاضيك وداعيك. قال الأعشى: فتًى لو يُنادى الشَّمسَ ألقَتْ قِناعَها ... أو القمرَ الساري لألْقَى المقالدا أراد: أو القمر الساري، فأسكن الياء. ومثله قول الآخر: كأنّ أيديهنّ بالقاع القَرِقْ ... أيديَ جَوارٍ يتعاطَينَ الوَرِقْ

стр. 401

معناه: كأن أيديهن، فأسكن الياء. (وذا البرَةِ الذي حُدِّثتَ عَنْهُ ... به نُحْمَى ونَحمِي الملجَئينا) ذا البرة: رجل من بني تغلب بن ربيعة. و (الملجئين): الذين قد التجئوا واحتاجوا إلى من ينصرهم. وقال أبو جعفر: ذو البرة يقال له (برة القُنفذ) لقب بذلك لشعر كان على أنفه يلتوي كأنه برة، مستديرا. وذا البرة نسق على مهلهل، والباء صلة. (ومِنّا قبلَه السَّاعِي كُلَيبٌ ... فأَيَُّ المجدِ إِلا قَد وَلينا) كليب الملك الساعي، سعى في المجد. (ولينا) من الولاية، أي صار إلينا فصرنا ولاة عليه. وقال هشام بن معاوية: أنشد الكسائي هذا البيت برفع أي بما عاد من الهاء المضمرة، أراد فأي المجد إلا قد وليناه. قال: وإنما أضمر الهاء لما لم يصل إلى نصب أي بولينا، وشبهه بقولهم: ما عبد الله إلا أضرب، معناه ما عبد الله إلا أضربه، ونصب عبد الله خطأ. والفراء يرفع أيا بما عاد من الهاء المضمرة، ويحتج بأن أيا لها صدر الكلام، إذ كانت لا يسبقها العامل فيها، فصار الذي بعدها كالصلة، وأضمرت الهاء فيه كما تضمر في الصلة. ولا يجيز الفراء ما عبد الله إلا أضرب، على إضمار الهاء، لأن عبد الله لا يضمر له في خبره الهاء، اذ كان يكون قبله وبعده. ونصب عبد الله خطأ في قول جماعة من النحويين، لأن إلا لا ينصب ما بعدها ما قبلها. وقال هشام: روى بيت عمرو أبو عمرو والأصمعي بالنصب: (فأي المجد إلا قد ولينا) بنصب أي. ولم يعرف هشام لروايتهما مذهبا. قال أبو بكر: والصواب عندي رواية الكسائي، لأن الا أداة مانعة تمنع ما بعدها من نصب من قبلها.

стр. 402

والساعي رفع بمن، وكليب مترجم عن الساعي، وقبله صلة منا، لأنه إذا اجتمعت صفتان فإحداهما صلة الرافعة. (مَتَى نَعقِدْ قَرِينَتَنَا بحَبلٍ ... نَجُذَُِّ الحبل أو نَقِص القَرينا) ويروى: (متى نعقد قريتنا بقوم نجز الحبل). ويروى: (تجذ الحبل) و (القرينة): التي تقرن إلى غيرها. يقول: متى نقرن إلى غيرنا، أي متى نسابق قوما نسبقهم، ومتى قارنا قوما في حرب صابرناهم حتى نقص من يقرن بنا، أي ندق عنقه. ومن قال (نجذ الحبل) جعله للمتكلم، ومن رواه بالتاء جعله للقرينة. ونعقد جزم بمتى، ونجذ جواب الجزاء وكسرت الذال لاجتماع الساكنين. ويروى (نجذُّ الحبل) بضم الذال، وضمها على الاتباع لضمة الجيم. ويجز (نجذَّ الحبل) بفتح الذال بناء على التثنية. ومثله قول الآخر: فإنْ يقدر عليك أبو قُبيَسٍ ... تُمَطّ بك المعيشةُ في هوانِ يجوز في (تمط) الضم والفتح والكسر على ما مضى من التفسير. ونقص نسق على نجد. والأصل في نقص نوقص، فحذفت الواو لوقوعها بين كسرة وياء. قال أبو جعفر: الرواية (نجذ الحبل) بالنون، وأنكر التاء، وقال: القرينة من غيرهم فلا معنى للتاء. (ونُوجَدُ نحنُ أَمنعَهُمْ ذِماراً ... وأَوفاهُم إذا عَقَدُوا يمينا) (الذمار): حريم الرجل وما يجب عليه أن يحميه. وقوله: (وأوفاهم إذا عقدوا يمينا)، معناه إذا عاهدوا أوفوا بعهدهم ولم ينقضوه. وقال الحطيئة:

стр. 403

قومٌ إذا عَقَدوا عقْداً لجارِهم ... شَدُّوا العِنَاجَ وشَدُّوا فوقه الكَرَبا فمعنى قوله عقدوا عقداً لجارهم: عاهدوه. وقال الله : (أوْفُوا بالعُقود) فمعناه بالعهود. وقال أبو العباس: العناج: خيط يشد من عراقي الدلو إلى أسفلها. والكرب: الحبل الذي يشد على تلك الثلاث العراقي. يقال أكربت الحبل على الدلو، إذا شددت عليها. ونحن يرتفع لأنه توكيد لما في نوجد، وأمنعهم منصوب على خبر نوجد، وأوفاهم ينتصب بالنسق على أمنعهم، وذمارا ويمينا منصوبان على التفسير. وقال أبو جعفر: الذمار: ما يذمر نفسه في التقصير فيه ويحث عليه. (ونَحنُ غَدَاةَ أُوقِدَ في خَزَازٍ ... رَفَدْنا فوق رِفْدِ الرَّافدِينا) خزاز: مكان. يقول: أوقدت نار الحرب في خزاز. وقوله (رفدنا) معناه أعنا. (فوق رفد الرافدين): فوق عون من أعان. أي أتينا بجيش فوق كل جيش. والرفد: العطية، وهو الاسم. والرفد، بفتح الهاء: مصدر رفدته رفدا. قال الله : (بئسَ الرِّفدُ المرفود)، فمعناه بئست العطية والحبوة. ونحن رفع بما عاد من النون والألف في رفدنا. والغداة نصب على الوقت. ويروى: (ونحن غداة أوقد في خزازي). (ونحْنُ الحبِسُونَ بذِي أُراطَي ... تَسَفُّ الجِلَّةُّ الخُورُ الدَّرينا) أراطي: مكان. والجلة: ذوات العظام من الإبل. والخور: الغزار الكثيرة الألبان. وتسف: تأكل. والدرين: حشيش يابس. قال الشاعر:

стр. 404

إذا زُرتَ يوماً قبرَه حال دونَه ... من الأرض تُربٌ حائل ودِرينُ فيقول: حبسنا في هذا المكان إذ لم يكن للإبل ما ترعى إلا الدرين. وأراطي: مخفوض بإضافة ذي إليه، وترك إجراؤها لما فيه من علامة التأنيث. وقال أبو جعفر: معناه أقمنا في الثغر وحبسنا ابلنا على الدرين. صبرا، حتى ظفرنا ولم يطمع فينا عدو. (ونَحنُ الحاكمونَ إذا أُطِعنا ... ونحنُ العازِمُون إذا عُصِينا) ونحن الحاكمون، معناه الذين الناس من كل ما لا ينبغي لهم الدخول فيه. اخبرنا أبو العباس عن ابن الأعرابي قال: يقال قد أحكمت الرجل، إذا رددته عن رأيه. ويقال: احكم بعضهم عن بعض، أي اردد بعضهم عن بعض. وقال: إنما سميت حكمة الفرس حكمة لأنها ترد من غربه، أي من حده. ويقال قد حكم الرجل يحكم، إذا تناهى وعقل. وإنما قيل للقاضي حكم وحاكم لعقله وكمال أمره. وأنشدنا أبو العباس عن ابن الأعرابي للمرقش: يأتي الشبابُ الأقَوْرِينَ ولا ... تغبط أخاكَ أن يُقالَ حَكَمْ معناه: لا تغبطه أن يطول عمره فإن الهرم كالموت. وقال حميد بن ثور: لا تغبطْ أخاك أن يقال له ... أمسى فلانٌ لعمره حَكَما إنْ سرَّه طولُ عمرِه فلقد ... أضحىَ على الوجه طُولُ ما سلما ويقال: أحكمت الفرس فهو محكم، وحكمته فهو محكوم، إذا جعلت له

стр. 405

حكمة، وهي الحديدة المستديرة في اللجام على حنك الفرس. وقوله (العازمون إذا عصينا)، معناه: إذا عزمنا على الأمر أنفذنا عزيمتنا ولم نهب أحدا. وإذا وقت منتصبة بالفعل. (ونحنُ التَّارِكونَ لِمَا سَخِطْنا ... ونَحنُ الآخِذُونَ لِمَا رَضِينا) ونحن التاركون لما سخطنا، معناه إذا كرهنا شيئا تركناه ولم يستطيع أحد إجبارنا عليه، وإذا رضينا أخذناه ولم يحل بيننا ولبنه أحذ؛ لعزنا وارتفاع شأننا. وما في معنى الذي، والهاء المضمرة تعود عليها، والتقدير للذي رضيناه. (وكنَّا الأَيْمَنِينَ إذا التقَيْنا ... وكانَ الأَيسرِينَ بَنوُ أَبينا) معناه: وكنا أصحاب اليمين وكان بنو أبينا أصحاب الشمال. قال الله ﵎: (وأصحاب الميَمَنَةِ ما أصحاب الميمَنة). قال المفسرون: أصحاب الميمنة: الذين يُعطَون كتبهم بأيمانهم، وأصحاب المشأمة: الذين يُعطَون كتبهم بشمائلهم. وقال أبو العباس: أصحاب الميمنة: أصحاب التقدم، وأصحاب المشأمة: أصحاب التأخر. يقال: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك، أي اجعلني في المقدمين عندك، ولا تجعلني في المؤخرين. أنشدنا أبو العباس لابن الدمينة: أبِيني ففي يمنَي يديك جعلتِني ... فأفرحَ أمْ صيَّرتِني في شِمالكِ فمعناه: أأنا من المقدمين عندك أم من المؤخرين. وبنو أبينا اسم كان، والأيسرين خبر كان. ويجوز في النحو: وكان الأيسرون بني أبينا، على أن تجعل الأيسرين الاسم وبني أبينا الخبر. قال الفراء: إذا قلت كان

стр. 406

القائم أخوك، كان الوجه رفع الأخ ونصب القائم؛ لأن القائم ينتقل إذ كان فعلا محدثا ينقطع، والأخوة لا تنقطع لأنها نسب متصل. قال: وقد يجوز أن يقول: كان القائم أخاك، فتجعل القائم اسم كان والأخ خبر كان. (فَصَالُوا صَولَةً فيمَنْ يَليِهمْ ... وصُلْنا صَولةً فيمن يَلينا) فصالوا صولة، معناه: فحملوا حملة فيمن يليهم وحملنا فيمن يلينا. ويروى: فصالوا صولة فيمن يليِهم ... وصُلْنا صولةً فيمن يلينا والصول منصوب على المصدر. والصولة منصوبة على التفسير عن عدد المرات. والاصل في قولهم: صال فلان عليَّ، أي ترفَّع عليّ. وأصل الصيال تخمط الفحل ووثوبه عليه. (فأبوا بالنِّهابِ وبالسَّبايا ... وأُبْنا=بالمُلُوكِ مُصَفَّدنيا) قوله (فآبوا) معناه فرجعوا. والأواب: الرجاع. قال عبيد: وكل ذي غيبةٍ يئوبُ ... وغائبُ الموت لا يئوب و (النهاب): الغنائم وما ينتهب. والصفاد والصفد: الغل. وجمع الصفد أصفاد. قال الله تعالى: (مُقَرَّنينَ في الأصفاد)، فمعناه في الأغلال. وقال الشاعر: ولقد علمتُ ليَغْلِبنَّ محمدٌ ... ولينَزِلنَّ بها إلى أصفادِ وقال أبو جعفر: معنى البيت ظفرنا بهم فلم نلتفت إلى أسلابهم ولا أموالهم، وعمدنا إلى ملوكهم فصفدناهم في الحديد. قال: وهذا أمدح وأشرف. وهو بمنزلة قول عنترة: يُخبرْك مَن شهِد الوَقيعة أنَّني ... أغشَى الوغَى وأعفُّ عند المغنَمِ أي لا أطلب المال، إنما أطلب الرجال. ومصفدين نصب على الحال من الملوك.

стр. 407

(إِليكمْ يا بني بَكرٍ إِليكمْ ... أَلَمَّا تعِرفوا مِنَّا اليَقِينا) قوله (إليكم يا بني بكر)، معناه ارجعوا. يقال: اذهب إليك. وقوله (ألما تعرفوا منَّا (اليقينا) معناه ألما تعرفوا منا الجد في الحرب. واليكم صلة لفعل مضمر، معناه: اذهبوا إليكم. (أَلمَّا تعِرفوا مِنَّا ومِنْكمْ ... كَتائبَ يَطَّعِنَّ ويرْتَمينا) (الكتائب): الجماعات، واحدتها كتيبة، وإنما سميت الكتيبة كتيبة لاجتماع بعضها إلى بعض. يقال: قد تكتب القوم، إذا اجتمعوا. قال الشاعر: أنبئتُ أن بني جديلة أوعَبُوا ... نُفَراء من سَلْمَى لنا وتكتَّبوا أي تجمعوا. ويقال: كتبت الكتاب أكتبه كتبا وكتابة ومكتبة. وإنما سمي الكاتب كاتبا لأنه يضم بعض الحروف إلى بعض، من قولهم: كتبت القربة، إذا ضممت منها خرزا إلى خرز. قال ذو الرمة: وفراءَ غَرْفيَّةٍ أثْأى خوارزَها ... مُشَلْشلٌ ضَيَّعتْه بينها الكُتَبُ الوفراء: المزادة. والغرفية: المدبوغة بالغرف، وهو شجر. وأثأى: أفسد. والمشلشل: الماء. والكتب: الخرز. يقال كتبت البغلة، إذا كتبت بين شفرتيها

стр. 408

بحلقة. قال الشاعر: لا تأمننَّ فَزَارياً خَلوتَ به ... على قلوصِك واكتُبْها بأسيار قوله (يطعن ويرتمينا) يطعن من السطعن، ويرتمين من الرمي بالنبل. ويطعن صلة الكتائب والأصل فيه يطتعن فأبدلوا من التاء طاء وأدغموها في الطاء التي بعدها. وقال أبو جعفر: معنى قوله في البيت الأول (ألما تعرفوا منا اليقينا): ألم تعرفونا فيما مضى وتعلموا أنَّا نقتل من لقينا. وقال: معنى قوله (إليكم يا بني بكر إليكم): ارجعوا فلستم من رجالنا وأريحوا أنفسكم. (عَلَيْنا البَيْضُ واليَلَبُ اليَمَانِي ... وأَسيافٌ يُقَمْنَ ويَنْحنينا) (اليلب): ترسة من جلود الإبل يعمل باليمن. وقال أبو عبيد: اليلب الدرق. قال: ويقال هي جلود تلبس بمنزلة الدروع، الواحدة يلبة. وقال الأصمعي: اليلب: جلود يخرز بعضها إلى بعض تلبس على الرءوس خاصة، وليست على الأجساد. وقال أبو عبيدة: هي جلود تعمل منها دروع، وليست بترسة. قال الشاعر: ترى الأبدنَ فيها مُسْبَغاتٍ ... على الأبطال واليلبَ الحصينا وقال بعض أهل اللغة: جلود تلبس تحت الدروع. وقوله (يقمن وينحنينا) يريد ترفع وتوضع إذا ضرب بها. ويروى: (يقمن وينحنينا) بفتح الياء وضم القاف. وقال بعضهم: هو أن يضرب بها حتى تنحني ثم تقوم فيضرب بها أيضا. قال أبو جعفر: المعنى تنصب عند الضرب بها، فإذا ضربوا بها انحنت. و (الأبدان): الدروع. قال الله عز ذكره: (فاليومَ نُنَجِّيكَ بَبدنك)، فمعناه نلقيك على نجوة من الأرض بدرعك. ويقمن صلة الأسياف، ومعنى يقمن ينتصبن.

стр. 409

(عَلينا كلُّ سابغةٍ دِلاص ... تَرى فوقَ النِّجادِ لها غُضُونا) ويروى: (فوق النطاق). والنطاق: المنطقة. و (الدلاص): المحكمة، ويقال هي السهلة اللينة. وإلى هذا كان يذهب أبو عبيد. و (النجاد): حمائل السيف. و (النطاق) هو ما شددت به وسطك. و (الغضون): فضول الدرع تفضل من الرجل فيشمرها. وإنما يفعل هذا الراجل. وربما شدت بالعرى. وقال أبو جعفر: قوله (ترى تحت النجاد لها غضونا) معناه تثنى الدرع، للينها وسهولتها تتثني على النجاد. يصف أنها قديمة عتيقة، ليست بمحدثة فتكون منتصبة. وأنشد لعمرو بن معد يكرب: ومن نسج داود موضونةٌ ... دِلاصٌ تَثَنَّى على الرَّاهشِ وأنشد أبو عبيد للبيد، يذكر كتيبة أو درعا: فَخمةٍ زفراءَ تُرتَى بالعُرَى ... قُردُمانيًّا وتَركَا كالبصَلْ يعني الدروع، أن لها عرى في أوساطها، فيضم ذيلها إلى تلك العرى وتشد لتشمر عن لابسها. قال: فذلك الشد هو الرتو. وهو معنى قول زهير: ومفاضة كالنِّهي تنِسُجُه الصَّبا ... بيْضاءَ كَفَّتْ فضلَها بمهنَّدِ يعني إنه علَّق الدرع بمعلاق في السيف. والتَّرك: البيض، واحدته تركة. والقردماني أصله فارسي، وهو قسي تعمل وتوضع في الخزائن، ويقال لها بالفارسية:

стр. 410

(كردمانذ) معناه عمل وبقى. والدلاص نعت للسابقة. (إِذَا وُضِعَتْ عَنِ الأَبْطَالِ يَوْماً ... رأَيْتَ لَها جُلودَ القَوْمِ جُونا) ويروى: (إذا وضعت على الأبطال يوما). و (الجون): السُّود. يقول: إذا وضعت الدروع عن الأبطال يوما رأيت جلودهم سودا من صدأ الحديد. وقال أبو جعفر: معناه من طول لبسهم إياها اتسخت جلودهم. ولم يرد أن درنها على الجلود. والجلود منصوبة برأيت، والجون كذلك، والتأويل: ورأيت من أجلها جلود القوم. قال الله : (وإنه لحبِّ الخير لشديدٌ)، فمعناه من أجل حب المال لبخيل. (كَأَنَّ مُتونَهنَّ مُتُونُ غُدْرٍ ... تُصَفِّقُها الرِّياح إذا جَرَينا) كأن متونهن متون غدر، شبه فضول الدرع التي تشنج منها بمتون غدر. وقال أبو جعفر: إنما يصف تدريج الدرع وحسن نسجها، فشبها بطرائق الماء إذا هبت عليه الريح. و (متونها): ظهورها. ويروى: (إذا عرينا) فمعناه إذا أصابتهن الريح الباردة. والعرية عندهم: الريح الباردة، وكذلك القرة، والحرجف والصرصر. والبليل: التي فيها برد وندى وتصفقها الرياح صلة غدر، وأصله غدُر فسكنّت الدال تخفيفا. وهو كقولهم: كتاب كُتُب وكتْب. ويروى: (كأن غضونهن)، أي تكسرهن.

стр. 411

(وتَحْمِلُنا غَداةَ الرَّوعِ جُرْدٌ ... عُرِفْنَ لنا نَقائِذَ وافتُلِينا) (الأجرد) من الخيل: القصير الشعر الكريم. ويروى: (جرد مسومة نقائذ). فالمسومة: المعلمة بالسيما، وهي العلامة، قال الله : (بألف من الملائكة مسوَّمين)، فمعناه مُعلمين. وكذلك قوله تعالى: (والخيلِ المسوَّمة)، ويجوز أن يكون معناها الحسنة، من قولهم: وجه فلان وسيم، أي حسن. والأصل في مسوَّمة موسَّمة، لأنها من وسمت الشيء، إذا علَّمته، فنقلت الواو من موضع الفاء إلى موضع العين، كما قالوا: ما أطيبه وما أيطبه. و (النقائذ): ما استنقذت من قوم آخرين. وواحد النقائذ نقيذة. و (افتلين): فطمن عن أمهاتهن. ويقال: افتليت المهر عن أمه، إذا قطعته. ويقال: افتلين: نتجن عندنا. ومن رواه: (عرفن لنا) نصب نقائذ على الحال مما في عرفن. ومن رواه: (جرد مسومة) رفع نقائذ على النعت لجرد. (ورِثْنَاهُنَّ عَنْ آباءِ صِدْقٍ ... ونُورثُها إذا مِتْنَا بَنينَا) قوله (ورثناهن) معناه ورثنا الخيل عن الآباء. ويجوز في الكلام ورثناها؛ لأنك تقول: الخيل اشتريتها واشتريتهن. (وَقَدْ عَلِمَ القَبَائلُ مِن مَعَدٍّ ... إِذا قُبَبٌ بأَبْطَحِها يُنِينَا) ويروى: (وقد علم القبائل غير فخر). ومعنى البيت: وقد علم القبائل إذا ذربت القباب أنَّا سادة العرب وأشرافهم. (غير فخر)، يريد ما نفخر به: لأن عزنا وشرفنا أعظم من أن نفخر به. و (الأبطح): وادٍ فيه حصى. وقال أبو جعفر:

стр. 412

أراد أبطح مكة الذي يجتمع من كل وجه. وقال: المعنى قد علم الناس كلهم أنا أشرافهم وساداتهم. ونصب (غير فخر) على مذهب المصدر، أراد قولا غير فخر. والقبب رفع بما عاد من بنينا، والباء صلة قُبب. (بأَنَّا العاصِمُونَ بكُلِّ كَحْلٍ ... وأَنّا الباذِلونَ لمُجْتدِينا) (العاصمون): المانعون. يقال عصم الله فلانا، أي منعه من التعرض لما لا يحل له. وقال الله جل ذكره: (لا عاصمَ اليومَ من أمر الله)، فمعناه: لا مانع. قال الشاعر: وقلت عليكمْ مالكاً أن مالكاً ... سيعصِمكُم أن كان في الناس عاصمْ معناه سيمنعكم. وقال الفراء: كحل: سنة شديدة، وهي أنثى تُجرى ولا تُجري والوجه إلا تجري. وأنشد لسلامة بن جندل: قومٌ إذا صرَّحتْ كحلٌ بيوتهمُ ... عزُّ الضَّعيف ومأوى كلِّ قُرضوبِ و (المجتدي): الطالب، وهو الجادي أيضا. انشد أبو العباس عن ابن الأعرابي: فما ذُمّ جاديهم ولا ساء رأيهم ... ولا كَشِفُوا أن أفزع الحيَّ خائفُ كشفوا: جنبوا. والأكشف: الجبان في قول ابن الأعرابي؛ وفي قول غيره: الذي لا تُرس معه. وقال الآخر: إليه تلجأ الهَضّاءُ يوماً ... فليس بقائل هُجْراً لجادِي أي لطالب. والهضاء: الجماعة من الناس. ويقال للعطية الجدوى. ويقال قد أجدى، إذا أعطى، فهو مجد. والأصل في (أنَّا) أنَّنا فحذفن النون تخفيفا. وقال الفراء: أنَّا أجود من أنَّنا، وكلاهما جائز. ورواه أبو جعفر:

стр. 413

بأنا العاصمون إذا أُطعْنا ... وأنَّا العازمون إذا عُصينا وروى بعض الرواة: وأنَّا التاركون لمَا سَخِطنا ... وأنَّا الآخذون لمَا رضينا متصلا بهذا البيت المتقدم، أعني الذي آخره (لمجتدينا). وقد ذكرته أنا في غير هذا الموضع من القصيدة. (وأَنّا المانِعُونَ لما يَلِينَا ... إِذَا مَا البِيضُ فارقَت الجُفُونا) معناه إذا ما السيوف سُلَّت من أغمادها. وما صلة، والبيض رفع بما عاد من فارقت. (وأَنَّا المانِعُونَ إذا قَدَرْنَا ... وأنَّا المُهْلِكُونَ إذا أُتِينا) معناه: نُنعم على من أسرنا بالتخلية، ونُهلك من أتانا يُغير علينا. (وأَنَّا الشَّارِبُونَ الماءَ صَفْواً ... ويَشربْ غيرُنا كَدِراً وَطِينَا) إنما ضرب الماء مثلا. يريد أَنَّا نغلب على الفاضل من كل شيء فنحوزه ولا يصل الناس إلا إلى ما ننفيه ولا نريده، لعزنا وامتناع جانبنا. وصفوا نصب على المصدر. (أَلاَ سَائلْ بَنِي الطَّمَّاحِ عَنَّا ... ودُعْمِيًّا فكيفَ وَجَدْتُمونَا) الطماح ودعمى: حيان من إياد. والمعنى: فقل لهم: كيف وجدتم ممارستنا؟ فأضمر القول لبيان معناه.

стр. 414

وموضع كيف نصب بوجدتمونا: (نَزَلتم مَنْزِلَ الأَضْيَافِ مِنّا ... فعَجَّلْنَا القِرَى أن تَشْتِمُونَا) قوله (نزلتم منزل الأضيافِ مِنَّا) معناه نزلتم بحيث نزل الأضياف فعجلنا القرى. وإنما هذا مثل. أراد: عاجلناكم بالحرب ولم ننتظركم أن تشتمونا. ويقال: معناه عاجلناكم بالقتال قبل أن توقعوا بنا فتكونوا سبباً لشتم الناس إيانا. وقال أبو جعفر: معناه نحن مستعدون، فلا يُطمع فينا، ولا يفجؤنا بغارة أحد. وموضع أن نصب على معنى لأن لا تشتمونا، فحذف الخافض واكتفى بأن من لا فأسقطها. قال الله : (رَواسِيَ أن تَمِيدَ بكم)، معناه لأن لا تميد. قال الشاعر: رأينا ما يرى البُصَراءُ فيها ... فآلينا عليها أن تُباعا معناه: أن لا تباع. وقال الراعي: أيَّامَ قومي والجماعةَ كالذي ... لزِمَ الرِّحالةَ أن تَميل مَمِيلا معناه: أن لا تميل. وربما حذفوا أن واكتفوا منها بلا، كقول الشاعر: واحفظْ لسانَك لا تقول فتُبتَلى ... إنّ البلاءَ موكَّل بالمنطقِ معناه: لأن لا تقول. وربما حذوا أن ولا جميعا. قال أبو النجم: أوصيكِ أن يحمدك الأقاربُ ... ويرجعَ المسكينُ وهو خائبٌ أراد: أن لا يرجع المسكين وهو خائب.

стр. 415

وقال بعض النحويين: أراد كراهة أن تشتمونا، فحذف الكراهة وأقام أن مقامها، كما تقول: الشعر زهير، تريد الشعر شعر زهير. (قَرَيْنَاكُمْ فعجَّلْنَا قِرَاكُمْ ... قُبَيل الصُّبْحِ مِرداةً طَحُونا) (مرداة): صخرة. شبه الكتيبة بها فقال: جعلنا قراكم إذ نزلتم بنا الحرب، ولقيناكم بكتيبة تطحنكم طحن الرحى، والمرداة نصب بقرينا. والقرى يمد ويقصر. وروى بعض الرواة متصلا بهذا البيت: (يَكُونُ ثِفَالُها شَرْقَّي نَجْدٍ ... ولُهْوتُهَا قُضاعةَ أَجمَعينَا) (عَلَى آثَارنا بِيضٌ حِسَانٌ ... نُحاذِرُ أن تُقَسَّمُ أو تَهُونا) معناه: لقيناكم ومن ورائنا النساء. وكذلك كان أهل الجاهلية يفعلون إذا حاربوا. ويروى: (نحاذر أن تفارق أو تهونا)، أي تُسبى. وموضع نحاذر رفع في اللفظ بالنون ونصب في التأويل على الحال مما في كرام من ذكر البيض، أي محاذرين نحن تقسيمهن. (ظَعَائنُ مِنْ بَني جُشَمَ بَنِ بَكْرٍ ... خَلَطْنَ بمِيسَمٍ حَسَباً ودِينا) أصل (الظعينة) المرأة في الهودج، ثم قيل للمرأة وهي في بيتها ظعينة. والظعون: البعير تركبها المرأة. و (الميسم): الحسن، وهو مفعل من وسمت، أصله موسم، فلما سكنت الواو وانكسر ما قبلها صارت ياء، كما قالت العرب ميثاق وأصله موثاق، لأنه مفعال من الوثائق؛ الدليل على هذا انهم يقولون في جمعه مواثيق. وظعائن ترتفع على الاتباع لبيض، وخلطن خبر مستأنف.

стр. 416

(أَخَذْنَ على بُعولِتِهنَّ عَهْداً ... إِذَا رقَوْا كتائبَ مُعْلِمِينا) ويروى: (أخذن على بعولتهن نذرا). وقال أبو جعفر: معنى البيت: الواجب علينا أن نحميهن، فصار كالعهد. وعهدهن: ما لهن في قلوبهم من المحبة، لا أنهن أخذن عليهم العهد، ويروى: (أخذن على فوارسهن عهدا) و (المعلمون): الذين معهم الإظلام. وإنما قال (إذا لاقوا) وأخذن فعل ماض وإذ شبه بالماضي إذ كنت تقول: أحسنت إليك إذا أحسنت إليَّ؛ لأن الفعل الماضي تأويله الاستقبال، فصحبته إذا لتأويله. وتقديره يأخذن على بعولتهن عهدا إنما لاقوا. قال الله : (وقالوا لإخوانهم إذا ضَرَبوا في الأرض) فأتى بإذا لأن معناه يقولون لإخوانهم إذا ضربوا. وقال جل وعلا: (إلا الذين تابوا منْ قَبل أن تقدروا) معناه إلا الذين يتوبون. وكذلك قوله ﵎: (إلا من تابَ وآمن)، معناه إلا من يتوب ويؤمن. قال الشاعر: ما ذاقَ بوسَ معيشة ونعيمَها ... فيما مضى أحدٌ إذا لم يَعشَقِ قال الفراء: معناه ما ذاقها أحد فيما مضى ولن يذوقها فيما يستقبل إذا لم يعشق. فلذلك أتى بإذا. وأنشد الفراء: فإني لآتيكمْ تشكُّرَ ما مضى ... من الأمر واستيجابَ ما كان في غدِ معناه: واستيجاب ما يكون في غد.

стр. 417

(لَيَسْتلبُنَّ أَبداناً وَبِيضاً ... وَأَسْرَى في الحديدِ مُقَرَّنينا) ويروى: (وأسرى في الحديد مقنعينا). (الأبدان): الدروع. قال الأعشى: وبيضاءَ كالنِّهى موضونة ... لها قَونسٌ فوقَ جيب البَدَنْ معناه جيب الدرع. واللام في قوله (ليستلبن) جواب لأخذ العهد؛ لأنه يمين. وقال الفراء: قال المفضل: هذا البيت الذب أوله (ليستلبن) ليس هو من هذه القصيدة. قال الفراء: فجواب أخذ العهد محذوف لبيان معناه. قال الله ﵎: (فإن استطعتَ أن تَبتغي نفقاً في الأرض أو سُلَّماً في السماء)، فجوابه معناه أن استطعت فافعل، فحذف الجواب لبيان معناه. قال امرؤ القيس: فلو أنَّها نفسٌ تَموتُ سوِيَّةً ... ولكنَّها نَفْسٌ تَسَلقَطُ أنفُسا أراد: فلو أنها نفس تموت سوية لانقضت وفنيت، فحذف الجواب لدلالة المعنى: و (مقرنين): مغللين. و (مقنعين) معناه مستلئمين. والمستلئم: الذي عليه لأمته، وهي الدرع. قال متمم بن نويرة: ولا بكَهامٍ بَزَّه عن عدوّهِ ... إذا هو لاقَى حاسراً أو مقنَّعا و (الحاسر): الذي لا سلاح ومغفر عليه. والكهام: الكال. والبز: السلاح. والمقنع: الذي عليه المغفر.

стр. 418

(إِذا مَا رُحْنَ يَمْشِينَ الهُوَيْنَى ... كمَا اضْطرَبتَ مُتُونُ الشَّاربينَا) إذا ما رحن: إذا ما راح النساء يمشين الهويني، أي لا يعجلن في مشيهن. كما اضطربت متون الشاربين، أي ينثنين في مشيهن ويتمايلن كما تفعل السكارى. وقال الآخر: مشيَنَ كما اهتزَّتْ رماحٌ تسفَّهتْ ... أعاليَها مرُّ الرِّياحِ النَّواسمِ الهوينى في موضع نصب، وسبيله أن يكتب بالياء لأنه يجرى مجرى متى. (يَقُتْنَ جِيادَنا ويَقُلن لَسْتُمْ ... بُعولَتَنا إذا لمْ تَمنَعونا) (الجياد): الخيل. وقوله (يقتن) من القون. قال الفراء: يقال قات أهله بقوتهم قياتة وقوتا، والقوت الاسم. وأقات الشيء إقاتة، إذا اقتدر عليه. قال الله تعالى: (وكانَ الله على كلِّ شيء مُقِيتاً)، وقال بعض المعمرين: ثم بَعْدَ الممات ينشُرني مَن ... هُو على النَّشْر يا بنيَّ مُقِيتُ أي مقتدر. وجاء في الحديث: (كفى للمري إثما أن يضيع من يقوت). ويروى (من يقيت) على ما مضى من التفسير. ويقال: ما عنده قيتة ليلة وقيت ليلة، وبيتة ليلة وبيت ليلة. وفي يقتن ضمير الظعائن، ويقتن جواب إذا، وما توكيد الكلام. (إِذا لم نَحمِهنَّ فلا بقِينا ... لشَيءٍ بَعدهنَّ ولا حَيِينا) ويروى: إذا لم نحمهنَّ فلا تُركنا ... لشيءٍ بَعدهنَّ ولا بقينا وقال أبو جعفر هذا البيت منحول. ورواه جماعة من الرواة غيره.

стр. 419

(وَمَا مَنَعَ الظَّعائِنَ مِثلُ ضَرْبٍ ... تَرَى مِنهُ السَّواعِد كالِقُلِينا) القلين: جمع قلة، وهي خشبة يلعب بها الصبيان يديرونها ثم يضربون بها. ويقال في جمع القُلة قُلات أيضا. قال الشاعر: كأنّ نَزْوَ فراخ الهام وسْطهمُ ... نَزْوُ القُلات زَهاها قالُ قالينا ومثل رفع بمنع، والكاف نصب بترى، والتقدير: ترى منها السواعد مثل القلين. (إِذا مَا المَلْكُ سامَ الناسَ خَسفاً ... أَبَينا أن يُقِرَّ الخسْفَ فينا) الملْك: الملِك. وفيه ثلاث لغات: ملِك، وملْك، ومليك. وقد يقول بعضهم: الملْك تخفيف الملك، بمنزلة قولهم: قد هرْم الرجل بمعنى هرِم الرجل. قال الأعشى: فقلتُ للمَلْك سرِّحْ مِنْهمُ مائةً ... رِسلاً من القول مخفوضاً وما رفَعا وقال أبو النجم: من مَشْيهِ في شَعَر يذيِّلُه ... تَمَشّىَ المَلْكِ عليه حُلَلُهْ وقوله (سام الناس)، أي أولى الناس الخسف وأراده منهم. قال الله : (يَسُومونكمْ سُوءَ العَذاب)، فمعناه يُولُونكم ويريدونه منكم. وقال الشاعر: نسومكمُ الرَّشادَ ونحن قومٌ ... لِتارِكِ ودِّنا في الحرب ذامُ

стр. 420

وقال آخر: تداركنْ حَيًّا من نُميرِ بن عامرٍ ... أُسارَى تُسام الذُّلَّ قتلاً ومَحربا و (الخسف): الظلم والنقصان. يقول: إذا حمل الملك الناس على الظلم أبينا أن نحتمل ذلك ونقرَّ به. وموضع أن نصب بأبينا. (أَلاَ لاَ يَجْهَلنْ أَحَدٌ عَلَينا ... فَنَجْهَلَ فوق جَهْل الجاهلِينا) فنجهل فوق جهل الجاهلين، معناه فنهلكه ونعاقبه بما هو أعظم من جهله، فنسب الجهل إلى نفسه وهو يريد الإهلاك والمعاقبة، ليزدوج اللفظان، فتكون الثانية على مثل لفظ الأولى وهي تخالفها في المعنى؛ لأن ذلك أخف على اللسان وأخصر من اختلافهما. قال الله : (فمن اعتدَى عليكم فاعتدُوا عليه بمثل ما اعتَدَى عليكم)، معناه فعاقبوه على اعتدائه. والثاني ليس اعتداء في الحقيقة، بل هو عدل، فسمى اعتداء للازدواج والتوفيق بين اللفظتين. قال الله ﵎: (وجَزَاءُ سَيئة سَيئةٌ مِثْلُها)، والسيئة الثانية ليست بسيئة في الحقيقة؛ لأن المجازي بمثل ما فعل به ليس بمسيء. وجاء في الحديث: (فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا). فمعناه فان الله تعالى لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا من مسألته وتزهدوا فيها، فالله جل ثناؤه لا يمل في الحقيقة، وإنما نسب المل إليه لازدواج اللفظين. وقال بعضهم: أراد بقوله (فنجهل) فنجازيه، فسمى المجازاة على الجهل جهلا، كما قال الله تعالى: (إنَّ المنافِقين يُخادعون اللهَ وهو خادعُهم)، يريد مجازيهم على مخادعتهم. وقرأ عبد الله

стр. 421

بن مسعود: (بَلْ عَجِبتُ ويَسخَرون) فمعناه: بل جازيتهم على عجبهم، لأن الله أخبر عنهم في غير موضع من القرآن الكريم أنهم عجبوا، فقال تعالى: (عَجبوا أن جاءَهم مُنذِرٌ منهم) وقال حاكياً عنهم: (إنَّ هذا الشيءٌ عُجابٌ) فقال: (بَلْ عَجِبتَ) يريد بل جازيتهم على عجبهم. ولا يجوز أن يكون قول عمرو: (فنجهل فوق جهل الجاهلينا) اعترافا منه بالجهل وتثبيتا منه إياه لنفسه؛ لأن الجهل لا يستحسنه أحد ولا يرتضيه. ونجهل منصوب بالفاء لأنها جواب الجحد. وألا افتتاح للكلام، ودخلت النون في يجهلن لتوكيد المستقبل. وهو البيت آخر القصيدة في رواية أكثر الناس. وروى بعض الرواة فيها بعد البيت الماضي ثلاثة أبيات: (لنا الدُّنيا وما أَمْسَى عَليْها ... ونَبْطِشُ حِينَ نَبْطِش قادِرينا) (بُغاةً ظالِمينَ وما ظُلِمْنا ... ولكنّا سنَبدأُ ظاَلمينا) (مَلأَْ البَرَّ حتَّى ضاقَ عنّا ... ونحنُ البحرَُ نملؤُه سفينا)

стр. 422

عرف أبو جعفر البيت الأخير ولم يعرف البيت الأخيرين اللذين قبله. ويجوز في (البحر) الرفع والنصب؛ من رفعه رفعه بما عاد من الهاء ورفع نحن بما عاد من نملؤه. ومن نصبه نصبه بنملأ، والتقدير: ونحن نملأ البحر سيفناً، والهاء مع البحر بمنزلة الشيء الواحد. وسفينا مفعول ثان. قال الله تعالى: (إنَّا كلَّ شيء خَلَقْناهُ بقدر) فنصب كلا بالخلق. ويجوز رفعها بما عاد من الهاء. تمت هذه القصيدة

стр. 423

٦ - قصيدة الحارث بن حِلّزة

стр. 424

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال حارث بن حلّزة بن مكروه بن بديد بن عبد الله بن مالك بن عبد سعد بن جشم بن ذبيان بن كنانة بن يشكر بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب ابن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد. وكان من حديثه أن عمرو بن هند لما ملك - وكان جبارا عظيم الشأن - جمع بكرا وتغلب فأصلح بينهم وأخذ من الحيين رهنا، من كل حي مائة غلام، وكف بعضهم عن بعض، فكان أولئك الرهن يكونون معه في مسيره، ويغزون معه، فأصابتهم سموم في بعض مسيرهم، فهلك عامة التغلبيين وسلم البكريون، فقالت تغلب لبكر ابن وائل: أعطونا ديات أبنائنا فإن ذلك لكم لازم. فأبت ذلك بكر، فاجتمعت تغلب إلى عمرو بن كلثوم فقال عمرو لتغلب: بمن ترون بكرا تعصب أمرها اليوم؟ قالوا: بمن عسى إلا برجب من أولاد ثعلبة. قال عمرو: أرى الأمر والله سينجلي عن أحمر أصلع، أصم من بني يشكر. فجاءت بكر بالنعمان بن هرم، أحد بني ثعلبة ابن غنم، من بني يشكر، وجاءت تغلب بعمرو بن كلثوم، فلما اجتمعوا عند الملك قال عمرو بن كلثوم للنعمان بن هرم: يا أصم، جاءت بك أولاد ثعلبة تناضل عنهم وقد يفخرون عليك. قال النعمان: وعلى من أظلت السماء يفخرون. قال عمرو بن كلثوم: والله أن لو لطمتك لطمة ما أخذوا لك بها! فقال: والله لو فعلت ما أفلت

стр. 425

بها قيس أير أبيك! فغضب عمرو بن هند، وكان يؤثر بني تغلب على بكر فقال: يا جارية أعطيه لحيا بلسان - يقول الحيه - فقال له النعمان: أيها الملك، أعط ذلك أحب أهلك إليك. فقال عمرو بن هند: أيسرك أني أبوك؟ قال: لا، ولكني وددت أنك أمي. فغضب عمرو بن هند غضبا شديدا حتى هم بالنعمان، وقام الحارث بن حلزة - وهو أحد بني كنانة بن يشكر - فارتجل قصيدته ارتجالا وتوكأ على قوسه. فزعموا إنه انتظم بها كفه وهو لا يشعر من الغضب. وقال أبو عبيدة: كان عمرو بن هند شريرا، وكان يقال له مضرط الحجارة لشدته، وكان لا ينظر إلى أحد به سوء، وكان الحارث بن حلزة أيضا بنشد من وراء الحجاب لأنه كان أسلع، أي أبرص. فلما أنشد هذه القصيدة أدناه حتى خلص إليه. وقال قطرب: حكى لنا أن الحلزة ضرب من البنات. قال: ولم يسمع فيه غير ذلك. وأخبرنا أحمد بن محمد الأسدي قال: أخبرنا أبو عبد الله بن النطاح قال: حدثنا أبو عبيدة قال: أجود الشعراء قصيدة واحدة جيدة طويلة ثلاثة نفر: عمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة، وطرفة بن عبد. وقال أبو عبد الله: وقصيدة عمرو بن كلثوم التي عنى أبو عبيدة: ألاَ هُبِّيّ بصَحنِكِ فصبَحينا وقصيدة الحارث: آذنَتْنا ببَينها أسماءُ وقصيدة طرفة: لخَولَة أطلالٌ بُبرقة ثَهمدِ
следующие страницы →