← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

خلالها لتصل إلى درجة في غاية التعقيد وفي غاية التنوع والتكثر. ومع غياب منهج التفريق بين المختلفات، ولاسيّما مع فقد ميزان الحق والعدل -الوحي- ومع إغراء القفز لتعميمات غير سليمة بسبب بعض المشتبهات؛ جعلوا الدين الحق -عقيدة وشريعة- مثل غيره، وألحقوه بسلم التطور، بعد تحويله لظاهرة اجتماعية تكتسب صفات أي ظاهرة بخصائصها وقت سكونها ووقت تحولها. ويعارض التصور الإِسلامي هذا التعميم، ففي التصور الإِسلامي هناك الدين الحق -عقيدة وشريعة- الذي يتسم بالثبات والكمال والمثالية مع ما فيه من يسر ومرونة لجانب المتغيرات من حياة البشر (١)، فقد بعث الله أنبياءَه ورسله بالدين منذ أن وجد البشر على هذه الأرض، ثابت في أصوله ويقع التغير في شرائع الأنبياء، حتى جاء كمالها بالنبي ﷺ ، فيكون كمال الدين بالعودة إلى تلك الصورة التي حققها الرسول، ويكون النقص والتغير والفساد بكل صورة من صور الابتعاد عنها بالتحريف أو الهجر أو التكذيب. وكما أن في الطبيعة من عناصر الثبات التي لم تتغير كل هذه القرون؛ فكذلك دين الله سبحانه هو ثابت في حقيقته كل هذه القرون، فهما من عند الله، الطبيعة من خلقه والدين من أمره وإخباره، ويتغير ما ابتدعه الناس، أما الدين الحق فلا تَغيُّر فيه، قال -تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٨ - ٥٠]. قال ابن كثير حول قوله -تعالى-: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: "ثم هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من

стр. 1017

الشرائع المختلفة في الأحكام، المتفقة في التوحيد، كما ثبت في صحيح البخاري، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد". يعني بذلك التوحيد، الذي بعث الله به كل رسول أرسله، وضمّنه كل كتاب أنزله، كما قال -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية [النحل: ٣٦]. وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حرامًا ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وقد يكون خفيفًا فيزاد في الشدة في هذه دون هذه؛ وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة الدامغة. قال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة: قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يقول: سبيلًا وسنة، والسنن مختلفة: هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان شريعة، يحل الله فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل الله غيره: التوحيد والإخلاص لله، الذي جاءت به الرسل"، إلى أن قال: "هذا خطاب لجميع الأمم، وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها. ولكنه تعالى شرع لكل رسول شرْعة على حدَة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده، حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدًا ﷺ الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة، وجعله خاتم الأنبياء كلهم، ولهذا قال -تعالى-: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾؛ أي: أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة، ليختبر عباده فيما شرع لهم، ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله" (١). وقال القرطبي: "ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله، وهذا في الشرائع والعبادات، والأصل التوحيد لا اختلاف فيه". وقال أيضًا في تفسير قوله -تعالى-: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا

стр. 1018

تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]: "ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح، وإنما خالف بينما في الفروع حسبما علمه سبحانه" (١). وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد؛ الأنبياء إخوة لعلات، وإن أولى الناس بابن مريم لأنا، إنه ليس بيني وبينه نبي"، فالدين واحد، وإنما تنوعت شرائعهم ومناهجهم كما قال -تعالى-: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. فالرسل متفقون في الدين الجامع للأصول الاعتقادية والعملية، فالاعتقادية كالإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر، والعملية كالأعمال العامة المذكورة في الأنعام والأعراف وسورة بني إسرائيل كقوله -تعالى-: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلي آخر الآيات الثلاث. وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلي آخر الوصايا. وقوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾. فهذه الأمور هي من الدين الذي اتفقت عليه الشرائع كعامة ما في السور المكية فإن السور المكية تضمنت الأصول التي اتفقت عليها رسل الله؛ إذ كان الخطاب فيها يتضمن الدعوة لمن لا يقر بأصل الرسالة" (٢). وليس في هذا التغير في الشرائع دليل لأصحاب مقولة الظواهر الاجتماعية، فإن تغيير الشرائع في دين الأنبياء يكون من رب العالمين، فينسخ الله ما شاء سبحانه ويثبت ما شاء، أما أصحاب الظواهر الاجتماعية فيصدق كلامهم على الأديان المحرفة والأديان المخترعة وعلى البدع، فالتحريف والابتداع والاختراع هو من عمل البشر، وتنسب هذه الأديان لهم، قال -تعالى-: ﴿لَكُمْ

стр. 1019

دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦]، وقال -تعالى-: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ [يونس: ٤١] وقال: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥]. قال سيد قطب حول آية الكافرون: "إن التوحيد منهج، والشرك منهج آخر .. ولا يلتقيان .. التوحيد منهج يتجه بالإنسان مع الوجود كله إلى الله وحده لا شريك له. ويحدد الجهة التي يتلقى منها الإنسان عقيدته وشريعته، وقيمه وموازينه، وآدابه وأخلاقه، وتصوراته كلها عن الحياة وعن الوجود. هذه الجهة التي يتلقى المؤمن عنها هي الله، الله وحده بلا شريك، ومن ثم تقوم الحياة كلها على هذا الأساس، غير متلبسة بالشرك في أية صورة من صوره الظاهرة والخفية. ." (١). وفي الجملة؛ فلا علاقة للدين وشرائعه السماوية بالدين الذي يدرسونه إن كانت عمدته هي تلك العينات، وكانت منهجيتهم تصر على تحويل الدين وشرائعه إلى ظاهرة إنسانية لتعممها على كل دين، بل حتى لو قال أحدهم: إنه سيدرس تطور الدين من جهة تطور شرائعه ثم لم يرجع للوحي لكانت دراسته ضربًا من الأوهام؛ لأن مصدر الحقيقة في هذا الباب مقتصر على الوحي بعد أن تحرفت أديان أهل الكتاب وما وقع لنصوصهم وشرائعهم من تحولات وانحرافات ضاعت معها الحقيقة أو أصبحت ملتبسة بحاجةٍ لمصدر آخر يبينها، وهو الإِسلام لا غير. الأصل الثالث: علمية وعلمنة العلوم الاجتماعية ودعوى قدرتها أن تسدّ مسدّ الدين: تأتي العلمية كمشكلة أخرى في هذا السياق؛ فبعد أن اختزلت العلمية في قوالب معينة، وكان هناك دعوى لعلمية "الظاهرة الاجتماعية والجوانب العملية من حياة الإنسان" في العلوم الاجتماعية وإدخالهم ما تختص به الشريعة ضمن هذا المفهوم؛ جاء الاختزال مع رغبة العلوم الاجتماعية في التشبه بالعلوم الطبيعية، ودعواها التزام الموضوعية، ومن ذلك التزامها في البحث عما هو واقع وليس عما ينبغي، فالعلم لا يهتم بما ينبغي، فهو مجال كان الدين يهتم به بطريقة غير علمية، وقد ذهب زمانه بذهاب الدين وضعف مكانته مع التقدم العلمي كما يزعمون، أما العلم فيهتم بما هو واقع فقط بعيدًا عن أي نظر للحلال والحرام أو

стр. 1020

الحق والباطل أو المحمود والمذموم، وكل القيم المعيارية، إلا أنها مع كل هذه الدعوى العلمية تعاني من ثمار هذه الدعوى؛ حيث إنها لم تستطع تقليد العلوم الطبيعية من جهة، ولم تنجح في معالجة بابها من جهة أخرى، فقد أُبرزت هذه الدعوى على أنها البديل العلمي لقضايا الإنسان العملية، وهي القضايا التي كانت ضمن الشريعة في الغالب، ولكن الدراسات النقدية تظهر كل وقت لتعترف بأزمة العلوم الاجتماعية حتى في الأبواب الاجتماعية المحسوسة (١)، وقد تظهر في القضية الواحدة نظريات شتى متعارضة ومتناقضة ومدارس يخطئ بعضها بعضًا، مما يبعدها عن مسمى العلم؛ لأن الأصل في العلم أن يكون ذا أصول يقبلها أغلب الناس، فكيف يصح وهم أنفسهم -أهل العلوم- يخطئ بعضهم بعضًا، ومع ذلك فيبقى المجتمع الذي لم يعرف الدين أو عرفه بصورة محرّفة مضطرًا لهذه الأبواب من العلوم النفسية والاجتماعية معتمدين في ذلك على عقولهم وتجاربهم، أما الأمة المسلمة فهي -وإن اهتمت بالإنسان والمجتمع وبكل ما يرتبط بهما بأسلوب العلوم الحديثة- تتميز بوجود مصدر تنطلق منه في البحث وترجع إليه لتصويب النتائج، وإن إسلامية المعرفة لا تعني رفض المعارف البشرية، وإنما تعني أخذ الصحيح النافع منها بصورة تختلف عن مجرد النسخ والتقليد. وقد جاءت هذه الدعوى لعلمية الأبواب العملية من حياة الإنسان من التأثر بالجانب الدنيوي المعاش العملي التطبيقي في المدنية الغربية، فقد وجد المتغرب - مثلًا- أن خلف هذه المدنية تطورًا علميًا وروحًا علمية في الجامعات والأكاديميات والمكتبات والمعامل والمختبرات و. . . .، إنه توظيف للعقل بشكل مدهش، ولكن لم ينتبه هؤلاء أنه عقل مشغول بدنياه، صنع وسائل استرقاقه من الأدوات والتقنيات، وبعد أن كان أمل العقلانية العلمانية السيطرة على الطبيعة وتسخيرها للإنسان انقلب الوضع عليهم، وأصبحت هذه الدنيا المعقلنة تسيطر عليهم بما اختُرع من أدوات وتقنيات (٢)، وقد أطلق بعض النقاد على هذا العقل

стр. 1021

"العقل الأداتي" أو "العقل المجرد" الذي نجح في دنياه المادية وفشل في الجانب المعنوي من حياة الإنسان (١). وقد أدى هذا إلى التهوين من شأن العمليات الأخروية التي لا تبرز ثمارها بشكل مباشر لكل واحد، مثل العبادات والواجبات واجتناب المنهيات والتزام القيم. وأدى أيضًا إلى الاهتمام بالعمليات الدنيوية ذات المردود الدنيوي والمباشر، وتولّد عنه سباق محموم للحاق بالغرب في هذه الأبواب الدنيوية. ومن هنا أصبحت قيمة المعرفة العلمية ترتبط بما تحقق من "مكاسب - إنجازات - سبق - تطور" حتى وإن كانت حرامًا أو فيها شبهة، الربا في الاقتصاد، المنفعة في الأخلاق، حرية البحث في الطب دون حدود، علاقات بين الجنسين دون قيم، وغيرها. ولكن دعوى علمية الجانب العملي من الحياة دون مراعاة للحلال والحرام والواجب والقيم يحتاج لإطار نظري تصوري وتشريعي يعطيه الحق في الحركة والعمل دون رقابة أو دون رادع من تقوى أو خلق، وقد جاء هذا الإطار من العلمانية بجانبيها السلبي والثبوتي، وكلاهما خطير؛ فالسلبي يقوم على فصل الحياة العملية عن الدين، والثبوتي يقوم على محاربة الدين وملاحقته في كل مكان وطرده بعنف مع تأسيس جديد لكل الحياة على أصول غير دينية. الافتتان بالدنيا والاغترار بها أمر خطير، إنه يفتح الباب للعمل دون عناية بالحلال والحرام والقيم والآداب الشرعية والتقوى، والاقتناع بالعلمنة وتغلغل أصولها أمر خطير أيضًا؛ لأنه يفتح الباب لتشريع العمل السابق وينزع أي تردد من العامل ويطمس الألم الذي قد ينبع من بقايا الفطرة عند الوقوع في الانحراف. تُعدّ علمنة الحياة العملية المشكلة الأخطر في نشاط العلوم الاجتماعية والإنسانية، حيث كانت العلمانية المدخل لنبذ الشريعة وتأسيس الحياة التي كانت الشريعة تتولى أمرها على أسس أخرى (٢)، حيث بدأت بدعوى تأسيس الحياة

стр. 1022

العملية على العقل ثم تحولت إلى العلم، فالعلمانية هي رؤية للحياة مغايرة للرؤية الدينية، وبما أن الحياة هي الحركة والعمل والقول؛ فقد قامت العلمانية بإقصاء الدين وكل تنظيماته للحياة، وفتحت الباب للعقول لتُشرّع لهذه الحياة، وقد كان هذا سائدًا في دعوات العلمانيين في عصر التنوير، ثم تحول في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر للوضعية التي تعني في جانب منها العلمية، فقيل: إن الدور يكون هنا للعلم، والعلم هنا هو العلوم الاجتماعية المعلمنة، وقد برز ذلك مع منتصف القرن الثالث عشر / التاسع عشر وهو السائد إلى الآن، وهناك جهود لترسيخ علمية الاجتماعيات وتأكيد السير في علميتها، وهو جهد حسن؛ لأنها من وجهة نظر إسلامية لو سارت السير الصحيح لاتفقت نتائجها مع الدين؛ لأن الحق في الخبريات والطلبيات واحد، ولكن هذه العلوم تأثرت كثيرًا بمشكلة العلمنة، مما جعلها تهرب من الدين وتنفر منه وترفضه كمصدر للمعرفة وتحيل البشر للمجهول، وهذا أكبر عائق للعلمية وأكبر مفسد لها. ومن الملاحظ وجود فرق غريب بين الأمر في الغرب وبين المتغربين؛ ففي الغرب نشاط علمي دنيوي لاهث لا يقف، ويريد بعض أهله تأسيس حياتهم على هذا العلم بعد أن فقدوا ثقتهم في الدين، ولكن هذا غير موجود في المتغربين، فما عندهم هو محض التقليد، فأغلب من عُرف عنهم العناية بالعلم الحديث من المسلمين لم يعرف عنهم حرص على التغريب وعلمنة العلم واصطناع عداوة بين الدين والعلم الحديث، بخلاف البعيدين عن العلم والمنشغلين بالفلسفة والآداب والفنون، فتجدهم أحرص على العلمنة دون أن يكون فيهم علماء في العلوم البشرية في الغالب. الأصل الرابع: النسبية: تأتي النسبية ضمن الأصول الموجهة لهذا الميدان، وهي تأتي كنتيجة منطقية لعلمنة الحياة العملية وفصلها عن أي مصدر كامل وثابت، وتأتي كنتيجة منطقية أيضًا لتحويل الجانب العملي الديني إلى ظواهر اجتماعية يصدق فيها ما يصدق في كل الظواهر الاجتماعية، فهي ظواهر كما يقولون أنتجها الإنسان أو المجتمع أو الطبيعة، إنها عندهم من الأرض وليست من رب العالمين، دون تفريق بين أديان الباطل ودين الحق، وهنا تصبح النسبية مفهومًا متوافقًا مع أرضيّة الظواهر وعلمنة العمل.

стр. 1023

ولا شك أن النسبية العملية قد تعززت بنظرية النسبية الفيزيائية، فإذا كانت الظواهر المادية ذات مظهر نسبي بوجهٍ ما؛ فمن باب أولى الظواهر الاجتماعية العملية، وإن كان القول بالنسبية أقدم من نظرية النسبية الفيزيائية المعاصرة بكثير. وللنسبية حضور قوي في الفكر الغربي مصدر المتغربين، وكما يقول خليل أحمد: "تهيمن النسبوية على عصرنا وتفعل في الفلسفة الحديثة كـ"وسواس خناس" يوسوس في عقول الغربيين: "موت الإله"، "موت الإنسان"، "موت الفن"،. . . ." (١)، فما المقصود بها؟ "النسبية مذهب من يقرر أن كل معرفة "أو كل معرفة إنسانية" فهي نسبية. والنسبية الأخلاقية. . . . مذهب من يقرر أن فكرة الخير والشر تتغير بتغير الزمان والمكان، من غير أن يكون هذا التغير مصحوبًا بتقدم معين" (٢). وهناك "نسبية المعرفة"، ومن معانيها: "أن المعرفة الإنسانية نسبة بين الذات العارفة والموضوع المعروف، وأن العقل الإنساني لا يحيط بكل شيء، وإذا أحاط ببعض جوانب الأشياء صبها في قوالبه الخاصة" (٣)، وخلاصتها: "ترجع إلى القول أن العقل لا يستطيع أن يعرف كل شيء، فإذا عرف بعض الأشياء لم يستطع أن يحيط بها إحاطة تامة. وما من فكرة في العقل إلا كان إدراكها تابعًا لمعارضتها بفكرة سابقة مختلفة عنها أو شبيهة بها" (٤). تتجه فلسفة العلم المعاصرة لتأكيد نسبية المعرفة في باب العلوم الطبيعية وإن كان ضمن معنى ضيق ليس هو ما يتبادر لأصحاب المعرفة العامة، ومع ذلك فلها أبعادها في بقية العلوم والأفكار والأيديولوجيات. وفي الغالب أن صاحب المنظور الإِسلامي يتفق مع هذا الموقف النسبوي، ويراه صحيحًا ما دام الأمر يتعلق بما يتصوره البشر عن العالم من حولهم وما يقومون به من عمل وفق مبادئهم وقيمهم التي يتفقون عليها بعيدًا عن المصدر السماوي، فمهما بلغت عقلية الفكرة وعلميتها فهي محكومة بحدود البشر، ولذا تبقى

стр. 1024

معرفتهم مهما بلغت معرفةً نسبيةً ما لم تهتد بهدي الوحي وما لم تستنير بنوره. وقد عرض "سالم يفوت" مجموعة مؤلفات جديدة في فلسفة العلم ثم قال: "فقد أكد هؤلاء، رغم اختلافهم، أن الحقيقة العلمية ليست حقيقة إلا بالنظر إلى المعايير والمواثيق التي ولّدتها، والتي هي معايير ومواثيق تحكم النظرة العلمية للفترة أو العصر، وتجعل العالم خاضعًا لقوانين وضوابط، على ضوئها يمنح الاكتشاف أو التجديد مشروعيته أو صلاحيته، شريطة أن ينصب في القنوات المعتمدة والمتبعة، وألا يناقض البنية العلمية السائدة والرسمية. وأكدوا كذلك أن تاريخ الأفكار العلمية يحكمه جدل التقدم والنفي، فتقدمه يتم عبر مراجعات وإعادة سبك، ومقاطعة مع الماضي أحيانًا والتخلي عنه. فتاريخ العلم هو تاريخ العقلانية المتزايدة باستمرار، أو تاريخ غزو المعقول للامعقول. وبهذا المعنى أمكن الحديث عن نسبية الحقيقة العلمية وتبعيتها لدرجة المعقولية التي يبلغها العلم، والتي ما يلبث أن يتنكر لها ليحيلها إلى لا معقولية" (١)، فهذا المعنى الذي تؤكده فلسفة العلم المعاصرة ويأخذ به يفوت صحيح في الجملة ما دامت تلك المعرفة لا تجد ركنًا تستند إليه، وهي أكثر وضوحًا في الجوانب الغيبية التي يكون الحديث عنها غالبًا من رجم الغيب، وفي الجوانب العملية؛ لأن حياة الإنسان أعقد بكثير من الجوانب الطبيعية، فإذا أمكن القول بوجود نسبية من نوعٍ ما في الطبيعة الجامدة، وهي التي يُظَن تيسر الإمساك بحقيقتها، فإنها في جانب حياة الإنسان ومصالحه التي تجلب له، والمفاسد التي تدفع عنه تكون أكثر صعوبة على العقل الإنساني، ومن هنا حاجة البشر لشريعة الرحمن الرحيم العليم الحكيم سبحانه. ومن بين الأمثلة التي تؤصل لهذا المبدأ ما نجده في دراسة اجتماعية لميدان الأخلاق، يعرض صاحبها لقواعد أساسية يفرضها المنهج العلمي لدراسة الظواهر الخلقية، وذكر قاعدة النسبية: "قاعدة الإيمان بالحقيقة النسبية " Relativity" حيث إن موجودات العالم التي تحيط بنا هي "أشياء موضوعية"، أما ما نتصوره أو ما نتمثله فهو "تصورات" أو "أشياء ذاتية" ولا ينبغي إطلاقًا أن

стр. 1025

نفرض ما "نتصوره" على موجودات موضوعية، وإنما يكون التوازن الحقيقي بين العقل والوجود، هو في محاولة إخضاع ما هو "ذاتي" إلى ما هو "موضوعي". حيث ترتبط تصوراتنا وأفكارنا بتصورات أخرى قائمة في بنية المجتمع، كما تتصل أفكارنا بأفكار أخرى قائمة في بنية المجتمع، كما تتصل أفكارنا بأفكار أخرى وردت من حركة التاريخ. واستنادًا إلى "بنية المجتمع من جهة" وإلى "روح العصر، من جهة أخرى صدرت وأصبحت كل المعارف والأشياء والتصورات نسبية "" Relative" (١) . وأختم هذه الأصول الخطيرة بمثال ينطبق على أكثرها لمفكر معاصر هو "د. حسن حنفي"، فهو ممن توسع في تبديل الشريعة تحت ضغط وتأثير منهجيات مختلفة ترجع إلى كيفية التعامل مع الأصول والنصوص الدينية، وقد ذكرت طريقته في التعامل مع القضايا الغيبية في فقرات سابقة، وظهر منها أن تفسيراته لا تخضع لضابط واضح، بل هي مفتوحة على ما أسماه "الشعور"، وهو مصطلح غامض، ولكن التطبيقات تكشف أن مفهوم الشعور أقرب لمفهوم الهوى، ما يهواه الفرد وما تهواه الجماعة، حتى وإن خالف ما أخبر الله به وما أمر به. ومن ذلك إخضاع الشريعة للتبديل والتغيير وفق المصالح والأهواء، وأكبر دليل له هو مبحث أسباب النزول (٢)، فهذا المبحث -عند حنفي- يؤكد أن الأحكام ترتبط بالمصالح، وإذا تغيرت هذه المصالح فمن الخطأ الثبات على الأحكام، ثم يُخضع كل الشريعة لمثل هذه الرؤية، فتصبح شريعةً لا تعرف الثوابت والأصول والأمور القطعية، وهذا أمر في غاية الخطورة، فهو من التلاعب بشرع الله سبحانه، فالشريعة إنما جاءت لتغيير أحوال الناس الفاسدة ومعالجة الأمراض وإصلاح العباد وتزكية نفوسهم، ولم تأت لموافقة أهوائهم. يقول: "وإن أهم ما يميز التراث في أصوله وفي نشأته وتطوره هو حركته

стр. 1026

وعدم ثباته. فالوحي قد تغير طبقًا لحاجات الواقع، والتشريع يتغير طبقًا لتغيرات العصر. . . ." (١)، والأمر في التغيير يخضع للجماهير واحتياجات العصر فيتم "عرض الموروث القديم على احتياجات العصر ومطالبه. فهي التي تفسر القديم" (٢).

стр. 1027

المبحث الثاني أمثلة للتأثر المنهجي وبيان خطورتها ١ - في باب الأخلاق الإِسلامية. ٢ - في باب العمل بالأدوية الشرعية للأمراض الجسدية أو النفسية. ٣ - في باب حكم التعامل بالربا. ٤ - في باب حجاب المرأة المسلمة. بعد عرض أصول الانحراف المنهجي عند المتغربين يأتي ذكر نماذج لآثار هذه النظرة التغريبية للجانب العملي بالمفهوم الواسع للعملي، وقد اخترت أبوابًا تعطي تغطية شمولية، منها ما هو عام كالأخلاق لعدم وجود موضوع معين منه برز التركيز عليه، والبقية هي موضوعات من أبواب عامة، باعتبار أن هذه الموضوعات أبرز مثال في أبوابها، لدرجة أنه قد يغطي الموضوع على كل الباب بسبب شهرته وتوسع الحديث فيه، وهي باب التداوي من المجال الطبي، والحجاب من الجانب الاجتماعي، والفائدة الربوية من المجال الاقتصادي. وسنرى أثر الأصول المنهجية على هذه الأبواب العملية المهمة من حياة المسلمين.

стр. 1028

الأول: في باب الأخلاق الإِسلامية: تُعدّ الأخلاق من أهم ما يميز الإنسان، ولهذا أخذت مساحة كبيرة في التصور الإِسلامي، وقد امتدح الله نبيه محمد ﷺ فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وأخبر الرسول ﷺ عن دعوته فقال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (١)، وقد أُمرنا بالاقتداء به ﷺ كما أمرنا بالدعوة لما دعا الخلق إليه، ومن ذلك الأخلاق الإِسلامية. وقد تعرضت الأخلاق لمشكلات كثيرة في الفكر العلماني الحديث وأخذ بها المتغربون في العالم الإِسلامي، ومن هذه المشكلات ما هو في مستوى التنظير، ومنها ما هو في مستوى التطبيق، ومن ذلك مشكلات لها علاقة بالجانب العلمي الحديث أثارها المتغربون، يحاول الباحث مناقشتها في هذه الفقرة، فتُبحث انحرافاتهم في باب الأخلاق باسم العلم الحديث ونظرياته مع بيان حقيقة التصور الإِسلامي الذي يعارضه هؤلاء. وستكون البداية بتعريف مختصر للأخلاق، ثم طريقة البحث الأخلاقي المتأثر بالعلمنة مع التركيز على ما له صلة بالعلم الحديث، وبيان شيء من مشكلاتها، ثم تأتي نماذج من التأثر التغريبي في هذا الباب. أولًا: تعريف الخلق: في القاموس المحيط "الخلق، بالضم وبضمتين: السجية والطبع، والمروءة والدين"، وفي لسان العرب "وفي الحديث ليس شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق". الخلق بضم اللام وسكونها وهو الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه، وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولهذا تكررت الأحاديث في مدح حسن الخلق في غير موضع، كقوله: "من أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق"، وقوله: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا"، وقوله: "إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم"،

стр. 1029

وقوله: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وكذلك جاءت في ذم سوء الخلق أيضًا أحاديث كثيرة. وفي حديث عائشة ﵂: "كان خلقه القرآن"، أي: كان متمسكًا به وبآدابه وأوامره ونواهيه وما يشتمل عليه من المكارم والمحاسن والألطاف" (١). وعرّف الجرجاني الخلق فقال: "عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلًا وشرعًا بسهولة؛ سميت الهيئة: خلقًا حسنًا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة؛ سميت الهيئة: خلقًا سيئًا، وإنما قلنا: إنه هيئة راسخة؛ لأن من يصدر منه بذل المال على الندور بحالة عارضة لا يقال: خلقه السخاء، ما لم يثبت ذلك في نفسه، وكذلك من تكلف السكوت عند الغضب بجهد أو روية لا يقال: خلقه الحلم، وليس الخلق عبارة عن الفعل، فرب شخصٍ خلقه السخاء، ولا يبذل، إما لفقد المال أو لمانع، وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل، لباعث أو رياء" (٢). ومن المصطلحات ذات الصلة بموضوع الأخلاق مصطلح "القيمة" الذي يعبر عن مجموعة من المعايير والأحكام النابعة من تصورات عن الإله وعن الكون والحياة والإنسان، تتكون لدى الفرد والمجتمع، فتوجه لديهم النظر والعمل (٣). وإذا كان بحث الأخلاق معروفًا في تاريخ الفكر الإنساني فإن بحث القيمة معاصر ظهرت العناية به في القرن الأخير (٤)، وقد كان يبحث في الفلسفة في قسم الإكسيولوجيا، وقد اشتهرت بالتقسيم الثلاثي: الحق والخير والجمال (٥)، وتدخل

стр. 1030

الأخلاق في قسم الخير، ثم أصبحت القيمة مجال عناية خاصة في القرن الأخير. وفي كشف الظنون يقول: "علم الأخلاق، وهو قسم من الحكمة العملية، قال ابن صدر الدين في "الفوائد الخاقانية": وهو علم بالفضائل وكيفية اقتنائها لتتحلى النفس بها، وبالرذائل وكيفية توقيها لتتخلى عنها. فموضوعه: الأخلاق والملكات والنفس الناطقة من حيث الاتصاف بها" (١). ثانيًا: المشكلة الخلقية في العالم المعاصر ولاسيّما في الغرب: للأخلاق مع الإنسان قصة طويلة، حيث تعترك بداخله ثلاث قوى نفسية: النفس المطمئنة والنفس اللوامة والنفس الأمارة بالسوء (٢)، وهناك الهوى والشهوة والشيطان، وهناك العقل والقلب والفطرة والحفظة الكرام. هناك ما يحرك الإنسان نحو الخير وهناك ما يجذبه للشر، وتصطرع قيم وأخلاق حسنة وسيئة، ومن هنا جاء مصطلح محاسن الأخلاق أو مكارمها وسيئ الأخلاق، والموفق من وفقه الله، وقد وعد صاحب الخلق الحسن بأجر عظيم. وأعظم من دلّ الناس على مكارم الأخلاق وحذّر من سيئها ورسم الطريق الصحيح في ذلك هم أنبياء الله ورسله -عليهم الصلاة والسلام-، وكل من سلك طريقًا يزعم استقلاله عن هديهم فضلًا عن قوله بأن ما سلكه أفضل مما أتى به الأنبياء فهو ضال ومضل. ولهذا لا يستقيم أمر الأخلاق والقيم ما لم يربط بمصدره الحقيقي وهو الوحي، وبأصوله الاعتقادية من الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، وأكبر دليل على ذلك تلك الأزمة الخلقية التي تعانيها البشرية اليوم، فمع هذا التقدم العلمي والفكري والثقافي والصناعي والدنيوي بكل

стр. 1031

أشكاله؛ إلا أن هناك تراجعًا خطيرًا على مستوى القيم والأخلاق، وهناك أزمة حقيقية وخانقة للبشرية اليوم، يستوي في ذلك الغرب المتقدم مع من قلدهم من الأمم الأخرى واتبعهم، وذلك ملاحظ حتى في طائفة من المسلمين قصّروا في التزام أخلاق الإِسلام وانهمكوا في الدنيا المعاصرة ففشا فيهم ما فشا في الأمم من حولهم من مساوئ الأخلاق. وعندما وجد الغرب تلك المسافة الشاسعة بينهم وبين الأخلاق بسبب ما حصل من تقدم دنيوي لم يصحبه تقدم خلقي مرتبطًا بالدين الحق، ووجدوا صعوبة التمسك بالأخلاق الفطرية التي فطر الله الخلق عليها، عند ذلك احتالوا على أنفسهم وعلى من اتبعهم بأهمية تجاوز تلك الأخلاق القديمة بحجة أنها قديمة، وحقيقة الدعوى أن النفوس قد أصابتها لوثات مع العلمنة والمادية والإلحاد مما جعلها تنفر من الأخلاق الفطرية التي فطر الله الناس عليها وأتى الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- لتتميمها وترسيخها، فجاءت هذه الدعوات الهاربة من الأخلاق والقيم لتؤسس لأخلاق وقيم جديدة تناسب بحسب دعواهم العصر، ومع ذلك فكل مراقب ومتابع يجد اتساع الأزمة الخلقية والقيمية، "لقد فشل الغرب نفسه -وهو صانع العلم الحديث- في أن يقيم لنفسه مثل هذا اللقاء بين الطرفين، فكان له العلم، ولكنه فقد الإنسان. وليس هذا الاتهام من عندنا، بل يكفي أن نتتبع الأدب في أوروبا وأمريكا اليوم -والأدب هو المرآة المصورة للإنسان وما يعتمل في نفسه- لنرى ما يحسه الناس هناك في دخائل صدورهم من ملل، وسأم، وضيق وحيرة وضياع. . . ." (١). تاريخ الفكر الأخلاقي في الغرب: يعتمد الفكر التغريبي في الباب الأخلاقي على الفكر الغربي، لذا لابد من وقفة ولو باختصار مع هذا الجانب من الفكر الغربي، فقد مرّ الفكر الأخلاقي في الغرب بمراحل، فهناك في القديم الفكر اليوناني والروماني بفلاسفته ومذاهبه وكان عمدته على العقل، ولكن هذه العقلانية نبتت في بيئة وثنية مليئة بالآلهة المتصارعة التي لا يهمها شأن الإنسان، ثم تعرفت أوروبا على الدين السماوي

стр. 1032

رغم ما أصابه من تحريف خطير في اليهودية والنصرانية، فانتقلت من دياناتها الوثنية إلى أديان ذات أصل سماوي وقع فيها التحريف، وبذلك انتقل ميدان الأخلاق إلى مصدر جديد هو الوحي، وبرزت الأخلاق اليهودية - النصرانية، وأصبحت المصادر الدينية النصرانية بخاصة الموجه الجديد للأخلاق في الغرب، ومع ذلك فقد طبعت عقيدة التجسد بآثارها على الأخلاق النصرانية (١)، فلم تكن أخلاق اليونان النظرية العقلية الصورية مما يتوافق مع الفطرة، ولا كانت الأخلاق الكتابية القائمة على دين محرف تلبي حاجة الإنسان؛ بل إن التجربة الغربية مع اليهودية والنصرانية مع الأحبار والرهبان قد شوهت الأخلاق الدينية، وإن انحراف القادة الدينيين "الأحبار والرهبان" وانحراف المؤسسة الدينية ولاسيّما مؤسسة الكنيسة؛ يراكم مع الأيام حججًا كثيرة ضد الأخلاق الدينية، ويعمق مع الأيام كراهية شديدة للأخلاق الدينية؛ لأنها أخلاق يدعي أصحابها أنها من رب العالمين، ثم يجد الناس صعوبة في تقبلها ولاسيّما وهم يرون ذاك الفساد العريض يتغلغل فيها ثم يفوح منها، وكل ذلك على أنه من رب العالمين (٢). الإطار العلماني للأخلاق الجديدة: بدأت معالم التغيرات تظهر مع الاحتكاك بالعالم الإِسلامي بخاصة، وقد تختلف التحليلات في تقدير أثر ذلك الاحتكاك، إلا أنه من المؤكد أن معالم التغير تاريخيًا وقعت بعد ذلك الاحتكاك، وبدأت تتكون نواة مجتمع جديد، لم ينفصل عن كل موروثاته وإن أعطاها مسميات جديدة، ولا يمنع من وجود تأثر فعلي حقيقي بالحضارة الإِسلامية، ومن ذلك التأثر في مجال القيم والأخلاق (٣). إلا أن مفهوم العلمنة الذي اخترق التشكيلة الجديدة في الغرب كان له دوره الخطير في إقصاء الدين ومنعه من المشاركة في تشكيل التوجه الجديد، فبقدر ما أثرت الحضارة الإِسلامية في التحرر بقدر ما أثرت العلمنة في الانحراف بهذا التوجه الجديد، وقد رصد لنا الدكتور طه عبد الرحمن صورة هذا التشكل العلماني الجديد

стр. 1033

في ميدان الأخلاق والذي تحول كإطار لحركة ميدان الأخلاق فيما بعد، وتعتمد أساسًا على فصل الأخلاق عن الدين، ويقوم هذا الفصل على ثلاثة مبادئ: الأول: مبدأ التوجه إلى الإنسان: يقضي هذا المبدأ بأن نترك التوجه في تصوراتنا وتصرفاتنا إلى الإله ونقتصر فيها على التوجه إلى الإنسان؛ إذ يرون أن الإنسان قادر على أن يتولى أمر نفسه دون الحاجة للاستعانة بقوة غيبية أو التوكل على موجود متعال، فهو مبدأ يدعو إلى الانفصال عن الإله. الثاني: مبدأ التوسل بالعقل: يقضي هذا المبدأ بأن نترك التوسل في أفكارنا وسلوكنا بالوحي ونقتصر فيها على التوسل بالعقل؛ فالإنسان أصبح قادرًا على الاستقلال بعقله لإصدار الأحكام والفعل بمقتضاها، ولا سلطان خارجي يهديه لصواب الأحكام أو صلاح الأفعال، فهو مبدأ يدعو إلى الانفصال عن الوحي. الثالث: مبدأ التعلق بالدنيا: يقضي هذا المبدأ بأن نترك التعلق في أعمالنا ومعاملاتنا بالآخرة ونقتصر فيها على التعلق بالدنيا؛ فالدنيا هي الحقيقة الوحيدة، وهي المستقر وفيها الفلاح، ويكون بما ينجز من تقدم، وليست أخبار الآخرة ولا الخلاص الأبدي فيها، في ظنهم إلا مجرد توهيمات وتضليلات ينبغي العمل على إخراج الناس منها بتنوير عقولهم وتحرير إرادتهم، فهو مبدأ يدعو إلى الانفصال عن الآخرة (١). وقد أثّرت هذه المبادئ في فصل الأخلاق عن الدين ومن ثم تأسيس نظام أخلاقي منفصل عن الإيمان بالله وعن الاهتداء بالوحي وعن الاستعداد للدار الآخرة، ومع عدم المبالاة في الفكر العلماني بالرب سبحانه وبالدين. إلا أنه كان عزيزًا على الإنسان الانسلاخ عن الأخلاق الفطرية لما في ذلك من تهديد بتحويله إلى أخلاق بهيمية، ولذا كان انفصال هذه البيئة عن الأخلاق بطيئًا، ومن مجالات اجتماعية مختلفة، فبدأت من مجال السياسة مع المكيافيلية، فالغاية تبرر الوسيلة، وبهذا تمارس السياسة دون أخلاق. ثم أزيحت الأخلاق من المجال الاقتصادي مع الثورة الصناعية بتحليل الربا، وقيام أخلاق رأسمالية بشعة يهمها الربح دون النظر للأخلاق. ثم أزيحت الأخلاق من مجال العلم، حيث برزت

стр. 1034

أخلاقيات سيئة في المجال العلمي، ولاسيّما في تحويل العلم كأداة في الانحراف الفكري والأخلاقي. ثم أزيحت من مجال الفكر، فقد تحرر المفكر من الأمانة الحقيقية، وأصبح ينشر الزيف والغش وإفساد العقيدة باسم حرية الفكر والنقد. ثم أزيحت الأخلاق من مجال العلاقات الجنسية، حيث حول الجنس لمسألة بيولوجية لا علاقة لها بالأخلاق. وأخيرًا أُفرغت الأخلاق ذاتها من مضمونها حين قيل: إنها ليس لها وجود ذاتي، إنما هي انعكاس للأوضاع المادية والاقتصادية، أو أنها من صنع العقل الجمعي إلى غير ذلك تحت مسمى العلمية (١). النظريات الأخلاقية الجديدة: لقد برزت في هذا الواقع الجديد نظريات أخلاقية متناقضة، كل واحدة تزعم لمبادئها التمثيل المناسب للأخلاق الجديدة أو التنظير المناسب لمفهوم الأخلاق والقيم، وقد ارتبطت بالفكر الفلسفي العلماني بالدرجة الأولى، وهذه النظريات وجدت لها من المتغربين آذانًا صاغية، فنقلت ذاك الاضطراب والتناقض والفساد النظري الغربي للأخلاق إلى المجتمع الإِسلامي، وهذه لمحة موجزة عن بعض هذه النظريات ولاسيّما ما يربط بين العلم والأخلاق. تميزت العصور الوسطى بالمرجعية الدينية للجانب الأخلاقي، ومع العصر الحديث وبسبب الصراع الاجتماعي، ولاسيّما مع الكنيسة، بدأت الاتجاهات تبتعد عن الدين، ومع بروز عصر النهضة ثم التنوير وقع اهتمام بالعقل وجُعل مصدرًا للمعرفة مع استبعاد الدين، بل إن الدين ذاته قد جُعل مصدره العقل، وبلغ ذروته مع مفكري عصر التنوير وأبرزهم الفيلسوف الألماني "كانط" الذي أعلن استقلال العقل وعدم حاجته لغيره، وبلغ الغلو عنده أن جعل الدين تابعًا للعقل الأخلاقي بعد أن كانت الأخلاق تابعة للدين، فقد أراد تأسيس الأخلاق بعيدًا عن الدين، على مبدأ الإرادة الخيرة المعتمدة على العقل (٢). وقد وجد

стр. 1035

المفكر البارز طه عبد الرحمن أن "كانط" أقام "نظريته الأخلاقية العلمانية على قواعد دينية مع إدخال الصنعة عليها، حيث استبدل الإنسان مكان الإله مع قياس أحكامه على أحكامه. . . ." (١). وهذه النظرية العقلية للأخلاق هي امتداد للمذهب العقلي الذي افتتحه "ديكارت"، ويقابله المذهب التجريبي الحسي المتحمس للعلوم الطبيعية الذي انطلق مع مجموعة من علماء الطبيعة وتمنهج مع "بيكون". ومن الكتاب العرب من يرى بأن "أول محاولة لدراسة الظواهر الأخلاقية دراسة موضوعية قد بدأت في الظهور بعد وضع أسس المذهب التجريبي" مع "بيكون" الذي نادى "بوجوب تطبيق مذهبه التجريبي على دراسة الأخلاق والسياسة" (٢)، وجاء ميدان التأسيس الأخلاقي على هذه المفاهيم التجريبية مع "هوبز" و"لوك" و"هيوم"، وهو اتجاه يرفض تبعية الأخلاق للدين "الكنيسة"، كما أن العقلي يرى تبعية الدين للأخلاق "كانط"، ويتجه الأكثر لتأسيس الأخلاق على العلم، ومع ذلك فقد ظهر اتجاه وضعي من الاتجاه التجريبي يجد أن العلم لا يحتمل الأخلاق؛ لأن العلم إما رياضي أو طبيعي، والأخلاق لا تدخل فيهما، ولهذا لا يوجد أخلاق معيارية، فالأخلاق قد تعود للسلوك فتكون فرعًا من علم النفس، وهنا تصبح علمًا؛ لأن السلوك يمكن وضعه على محكات العلم، فسلوك البخل يمكن رصده ودراسته ولكن مقولة: "البخل مذموم" مقولة لا يمكن دخولها مجال العلم، فهي تبحث ما ينبغي وليس ميدانها العلم. سأكتفي هنا بتلك التي تنتسب للمجال العلمي من الدراسات الأخلاقية، وأبدأ بذكر أصلها، ثم ذكر صورها: يغلب على المفكرين والباحثين في مجال الأخلاق من المتوسلين بالعلمية أو المدعين لها أن يجمعهم مسمى "المواقف الطبيعية"، حيث يتفقون على "أن الإنسان والأرض والكون جميعًا أجزاء من طبيعة واحدة كبرى، تسري عليها قوانين واحدة، وتدرس بطريقة واحدة، ولابد لكل تفسير أن يقع في نطاق ما هو طبيعي، فليس وراء الطبيعة شيء، وليس غير الخبرة الحسية مصدرًا للمعرفة أو القيم. فالخبرة هي مصدر الأحكام العلمية

стр. 1036

مثلما هي منشأ أحكام القيمية" (١)، فإذا كان الإنسان جزءًا من الطبيعة؛ فهو يُدرس بكل مكوناته بما فيها قيمه بما تُدرس به الطبيعة، والطبيعة تُدرس بعلوم تجريبية حسية فكذلك الإنسان، لذا ترد القيمة "إلى الذات أو الفاعل بما له من خصائص معينة، يختلفون فيما بينهم عليها، ولا تُردّ إلى الموضوع"، فالقيمة ليس لها وجود موضوعي وإنما هي ذاتية، وبذلك تكون نسبية، وبما أن الطبيعة بحسب مذهبهم تخضع لحتمية صارمة فكذلك الإنسان، فيعدون "الذات ظاهرة طبيعية تخضع لحتمية القوانين الطبيعية. وقد يتنازعون في التوكيد على نوع القوانين، أيهما أشدّ أثرًا في الإنسان، هل هي القوانين البيولوجية، أو هي النفسية، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية" (٢). وقد برزت هذه النزعة العلموية بقوة في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، فمع نجاحات العلم في ذاك الوقت وانبهار الناس به، وجدت تيارات فكرية تقضي بأنه الحصان المناسب في هذه المرحلة، ومنهم الاتجاهات العلموية التي غلت في العلم، والتي تطمح إلى بناء كل شيء على العلم سواء تعلق الأمر بالمعرفة أو بالسلوك (٣)، وقد تطورت هذه الاتجاهات فيما بعد، وانقسمت مع العلوم الجديدة ولاسيّما الاجتماعية إلى مواقف شتى (٤)، ومن ذلك المواقف التالية: الموقف الأول: البيولوجي، وفيه تعالج الأخلاق من منظور بيولوجي يلحون على إبرازه، وتدرس وفق قانون التطور، وهم امتداد لأفكار داروين والدارونية (٥)، فكما أن الحياة تطورت من خلية إلى أن وصلت لهذا الإنسان،

стр. 1037

فكذا باب القيم والأخلاق تتطور بتطوره بل حتى الدين يتطور، وهو تطور تحكمه حتمية طبيعية بقوانينها الذاتية، وأي تفسير غيبي أو تفسير ميتافيزيقي لهذا التطور لا تقبله التطورية، يقول وليم جيمس البراجماتي عن أثر الدارونية: "إن فلسفة النشوء والارتقاء قد ألغت المعايير الأخلاقية التي سبقتها كلها؛ لأنها رأتها معايير ذاتية شخصية، وقدمت لنا بدلها معيارًا آخر نتعرف به الخير من الشر، وبما أن المعايير السابقة معايير نسبية فهي مدعاة للقلق والاضطراب، وأما هذا المعيار الذي ارتضوه وهو أن الحس ما قدر له أن يظهر أو يبقى فهو معيار موضوعي محدد" (١)، ومع ذلك فهذا المعيار المدعى أحال إلى فوضى أشد. وقد أخذ التغريب بهذا الموقف في فترة من تاريخنا المعاصر لأكثر من خمسين عامًا، ومع عدم وجود دارونيين عرب الآن إلا أن الأفكار التطورية قد تسربت إلى الفكر التغريبي تحت أسماء أخرى، كما أن فكرة التطور أصبحت ذات امتداد في الفكر التغريبي بما يوحي أن التطور يشمل كل شيء بما في ذلك الدين وما يرتبط به، ومن ثم زعزعة الثوابت التي لا تقبل التغير (٢). لا يوجد ثبات للأخلاق مع فكرة التطور؛ لأنها في نمو مستمر، وهي إن حملت مفهوم الغائية إلا أنه يصعب إدراكها؛ لأننا لا نعلم إلى أين سيوصلنا التطور الحتمي، وما نعيشه لا يُعد مقياسًا للأخلاق فضلًا عن القول: إنها قديمة أو موروثة. يرفض أصحاب هذا الموقف استقرار الأخلاق أو وجود أخلاق معيارية أو مثل عليا، كما أن الأخلاق تنبع هنا من التطور الطبيعي، فلا علاقة لها بالدين أو العقل. الموقف الثاني: النفسية، "وتتفق هذه المواقف على رد القيمة إلى محتوى الوعي أو الوجدان النفسي بما يضطرب به من رغبات ومشاعر، فليس ثمّة قيمة إلا ما كان يرضي رغبة، أو يثير انفعالًا، أو يجسد دافعًا، وبذلك لا تكون القيمة

стр. 1038

صفة خاصة بالموضوعات، بل نسبية تلحق بأنواع الذوات" (١)، وقد كثرت مدارس علم النفس، ومن أبرزها حضورًا في الفكر التغريبي نجد المدرسة الفرويدية والسلوكية، وهي تنظر للقيم من منظور نظريات كل مدرسة، كما أن القيم تعد موضوعًا أساسيًا من موضوعات علم النفس الاجتماعي (٢). الموقف الثالث: الاجتماعية، وتعد المدرسة الفرنسية أشهرها، وهي الأكثر حضورًا في الفكر التغريبي، مثل "دوركايم" و"ليفي بريل" وأستاذها القديم "كونت" (٣)، فـ"نجد أن علماء الاجتماع ينظرون إلى جميع القيم، بما في ذلك القيم الأخلاقية، على أنها صادرة عن المجتمع، وهذا المصدر؛ أي: المجتمع، هو الذي تستمد منه الظاهرة الأخلاقية طابع التقديس" (٤)، أراد "دوركايم" مثلًا "في كتابه "التربية الخلقية" أن يبعد كل تأثير للعقائد الدينية في بث عناصر الأخلاق في النفوس، فإنه حرص مع ذلك على أن يكون للعاطفة والشعور مكان في التربية الأخلاقية، إذ إن هذه العاطفة أو هذا الشعور هما اللذان يحفزان إلى العمل الأخلاقي. ولكنه بدلًا من أن يربط هذه العاطفة أو هذا الشعور بقوة غيبية هي الآلهة التي تحض الأديان على عبادتها، وتجعل منها الغاية الأسمى لكل عمل أخلاقي؛ ربطها بفكرة الجماعة التي يتعلق بها الفرد. . . . وقد أدرك أن الإلزام الخلقي. . . . يجب أن يستند إلى شيء يبرره، ولكنه كان قد استبعد فكرة الإله؛ لاقتناعه كأوجست كونت، بأن الفلسفة اللاهوتية قد انقضى زمنها، فإنه قد استعاض عن هذه الفكرة بديانة الجماعة أو باتخاذ الجماعة كغاية عليا للنشاط الإنساني. فالمصدر المقدس لكل القيم هو

стр. 1039

"المجتمع". . . ." (١). وهو لا يهتم بمُثُل عليا أو أخلاق مطلوبة ومعيارية بسبب وضعيته التي تحتم عليه العلمية؛ لهذا تكون مهمة علم الاجتماع كشف القيم كما هي لا ما ينبغي (٢). وينكر تبعًا لذلك "ليفي بريل" "على الأخلاق أن تنظر فيما ينبغي أن يكون عليه السلوك الإنساني، وعليها إن شاءت أن تكون علمًا، أن تنصرف عن التشريع المثالي إلى دراسة الوقائع الخلقية دراسة وصفية تقريرية -كما هو الحال في كل علم- لتحصيل المعرفة التي تمكننا من التحكم في الظواهر التي اكتشفت قوانينها. . . ." (٣). ومن أهم أفكار "بريل" "أن الظواهر الخلقية ظواهر اجتماعية، وأنها تتغير بتغير الظواهر الاجتماعية الأخرى" (٤)، وهذه الأخلاق الوحيدة التي يدرسها علم الاجتماع كأي ظاهرة طبيعية (٥). ولا يفرق "بريل" بين "الواقع الاجتماعي" و"الواقع الطبيعي"؛ لأنه بحسب موقفه الطبيعي لا يؤمن إلا بعالم واحد هو العالم الطبيعي الذي يخضع بأسره لاطراد القانون (٦). وتمتاز عنها المدرسة الاجتماعية الأمريكية بوجه عام بإقرارها بأهمية دور القيم في السلوك الإنساني (٧). الموقف الرابع: الاقتصادية، بدأت تحولات بارزة في علم الاقتصاد ولاسيّما في كتابات آدم سميث (٨)، ويرد مفهوم القيمة في المجال الاقتصادي كدلالة على السعر المقدر للسلعة، فيقال: قيمتها كذا (٩)، وبقيت بهذا المفهوم تدرس في

стр. 1040

دائرة الاقتصاد دون أن تتجاوزه حتى جاءت الماركسية التي جعلت من الاقتصاد نظرة شاملة للفاعلية الإنسانية (١)، وتبدأ من ذكر ما يختلف الإنسان به عن الحيوان في تفاعله مع ما حوله بأن "قصارى جهد الحيوان هو جمع مقومات حياته والتقاطها، بينما يكون الإنسان منتجًا لها، فهو ينتج تلك المقومات التي لا تخلقها الطبيعة إلا بمشاركته وتدخله، ويعد الإنتاج الذي يهدف إلى إشباع مطالب الإنسان الحيوية أشد فاعليات الإنسان أهمية. . . . والإنتاج بمثابة عملة ذات وجهين، يسمى أحدهما "قوى الإنتاج"، والآخر "علاقات الإنتاج"، ويكونان معا ما تسميه "المادية التاريخية" "بأسلوب الإنتاج"" الذي هو في النهاية النظام الاقتصادي "الذي يسود المجتمع في مرحلة تاريخية محددة، وهو القاعدة الأساسية التي ترفع فوقها أبنية النشاط الإنساني جميعًا"، فأما قوى الإنتاج فتتألف من أدوات الإنتاج والبشر الذين يستخدمونها بما عندهم من خبرات، أما علاقات الإنتاج فهي التي تنشأ أثناء الإنتاج بين الناس، أو بالأحرى بين الطبقات، وهناك في العادة طبقة مالكة لوسائل الإنتاج ومستغلة، وهناك طبقة عاملة ومُسَتغلة (٢)، ويكون أسلوب الإنتاج بوجهيه "القوى والعلاقات" هو القاعدة، وهو"العامل الحاسم في صوغ سائر العلاقات والنظم الاجتماعية والسياسية والقانونية والخلقية والفلسفية والدينية والعلمية والفنية التي تمثل بدورها "البناء الأعلى" الذي يستمد وجوده واستمراره من أسلوب معين للإنتاج. . . ." (٣). وبهذا ترد الماركسية بصورة واضحة القيم إلى الأساس الاقتصادي، وهي قيم متغيرة ومتطورة مع تغير وتطور الإنتاج، وسيبقى الصراع بين الطبقات حتى ترث البروليتاريا -طبقة العمال- كل الطبقات وتسود أخلاقها التي هي أفضل الأخلاقيات (٤). وقد ظهر الاتجاه الماركسي في العالم الإِسلامي بعد عام (١٩١٩ م)،

стр. 1041

فظهرت له أحزاب وظهر بنشاط فكري واسع، وقد تبنّى هذا الاتجاه الصورة الماركسية بحرفيتها، ومن ذلك هذه القسمة بين البناء الفوقي المعنوي والبناء المادي التحتي الاقتصادي في الأساس، وكل ما في البناء الفوقي من دين وثقافة وقيم وأخلاق وآداب وفنون هو من إنتاج البناء المادي التحتي، فصوروا الإِسلام بعقائده وشرائعه وقيمه وكل مكوناته بمنتج -ينتمي للبناء الفوقي- لعلاقات الإنتاج. ثالثًا: تحليل ونقد للنظريات الجديدة: [١] ماذا يمكن أن يقال عن علمية هذه المواقف؟ أقرب جواب أنها غير علمية، فالأصل في المواقف العلمية أن تكون متقاربة؛ فإذا كانت تدعي أنها طبيعية فإن الطبيعة تتفق أقوال العلماء حول مسائلها أو على الأقل تكون متقاربة بينما نجد تنافرًا بين هذه الأقوال وتناقضًا عجيبًا بل وحربًا يشنها بعضهم على بعض، وكل فريق يتهم الآخر بعدم العلمية. وهذا باب مهم في كشف زيف دعاواهم، ولكنه لا يكفي؛ لأنه إنما يكشف وجود مشكلة، ولكن قد يكون الحق مع بعضهم، وهنا تأتي الحاجة إلى معيار خارجي وأداةِ تحققٍ عليا تكشِفُ الحق من الباطل، ولاسيّما في هذه الميادين التي لا يستطيع العقل وحده أو العلم وحده أن يحكما فيها. ولن يكون إلا الدين الحق، فالرب سبحانه هو الذي خلق البشر، وهو الذي يعلم بما يصلح حالهم، فأنزل لهم من الشرع ما يصلح حالهم، وهو الحق الذي نحكم به على كل الأقوال والأفعال والتصورات. ومن تأمل فيما كتب في الأخلاق؛ يجد بميزان الحق أن فيه الحق والباطل، ويجد أن الصواب الذي فيها يأتي بتركيزهم على جانب مهم من حياة البشر، ولكنهم يغلون فيه ويهملون الجوانب الأخرى التي قد تكون أكثر أهمية؛ وذلك بسبب غياب الشمولية والتوازن التي لا ترى إلا بنور الوحي ولا تتحقق إلا في ظل الوحي؛ لأن البشر مهما وصلوا إليه من عقلانية وعلمية فهي تبقى بشرية محكومة ببشريتها وحدود إمكانيات منتجها، فمهما بلغت تبقى محكومة بهذه الحدود (١)، بل تسقط الإنسان في مرتبة بهيمية بعد أن كان الظن هو الارتقاء به، يقول طه عبد الرحمن: "ما أشد غفلة الإنسان حتى كأنه، على ظاهر تقدمه العلمي والتقني الهائل، إنسان

стр. 1042

جهول! فهو يدعو إلى حقوق وحظوظ تخرجه من رتبة الإنسانية وتنزل به إلى درك البهيمية عندما يدعي العقلانية ويهمل الأخلاقية" (١)، ثم يقول بعد أن استعرض كثرة اضطرابهم في الأخلاق واختلافهم حول السبب: "فنقول بأن السبب في اضطراب المفاهيم الأخلاقية يرجع إلى كون الفلاسفة غلب عليهم الاشتغال بها من دون ردها إلى المجال الحقيقي الذي تنتسب إليه، بحيث بقيت، في تعاملهم معها، متزلزلة لا تثبت في معانيها، ومتأرجحة لا يستقر بها قرار، ومتذبذبة لا تقيم على حال. وليس هذا المجال المنسي الذي بدونه لا تسكن هذه المفاهيم ولا تثبت ولا تتمكن إلا مجال "الدينيات"؛ والدينيات الذي يجمع إلى عنصر "الإنسانيات" وعنصر "المعنويات" عنصرًا ثالثًا هو"الغيبيات"" (٢). [٢] قصور المواقف الطبيعية يقوم "في ردها للقيمة واختزالها إلى نشاط طبيعي يخضع لحتمية صارمة تختلف نوعيتها باختلاف المواقف البيولوجية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية. . . . تتفق مواقف الطبيعيين جميعًا على تحليل الفاعلية الإنسانية إلى عناصر بسيطة واختزالها إلى وحدة تجريبية يسهل إخضاعها لمقاييس المشاهدة والتجربة. وبذلك تتحول القيمة إلى مجرد واقعة علمية من بين وقائع أخرى تعينها الحتمية التي تشمل بنفوذها كل موضوعات العالم" (٣). وتختلف مواقفهم باختلاف نوع الاختزال الذي يردون إليه الفاعلية الإنسانية: البيولوجي: يردون القيم إلى القوانين التي تحكم الكيان العضوي، وأهمها قانون التطور وملحقاته الذي جاءت به الدارونية.

стр. 1043

وهو قانون لا يفرق بين الإنسان وغيره من الكائنات الحية، ويخضع الإنسان -كونه من الطبيعة- لقانون الحتمية الصارمة، وهي بهذا تلغي دور الإنسان المكلف، كما أنها تلغي قيمة الدين وكل قيمة توجه الإنسان وكل غاية نبيلة. كما أن هذا التصور البيولوجي ينزع المسؤولية عن الإنسان ويضع زمامه في يد القانون الطبيعي (١). النفسي: قد يرتفعون قليلًا بالإنسان عن الموقف البيولوجي من مشاركته الحيوان ويردونه إلى "التكوين النفسي للفرد بما ركب فيه من عدد، قد يقل أو يزيد، من الغرائز والدوافع والميول، محكومة بحتمية نفسية لا مهرب منها"، حتمية داخلية، وهنا أيضًا تضيع المسؤولية والإلزام، فلا معيار إلا بما تحكم به الرغبة (٢). الاجتماعي: المجتمع عند دوركايم هو أصل القيم ومصدر الإلزام بل إنه مصدر كل مقدس بما في ذلك الدين، وتطبيقًا لهذا فإن الفرد سواء حقق قيمة أو تمرد عليها يكون ممثلًا في الحالين لإرادة العقل الجمعي الذي يلزمه بهذا الإذعان أو ذاك العصيان، فكأن الأفراد لا يملكون من أمر أنفسهم شيئًا، ويصبح العقل الجمعي أو المجتمع مشجبًا تعلق عليه حلول كافة المشكلات، وتصل عند بريل لنتيجتها المنطقية "فينكر مشروعية بحث ما ينبغي"؛ لأن المجتمع هو الذي يتحكم (٣). الاقتصادي: يختزلون -كغيرهم- الفاعلية القيمية إلى مجرد نشاط اقتصادي، فتدخل في نفس الإشكالية التبسيطية للفاعلية الإنسانية، كما أن حتميتها أضيق من حتمية العقل الاجتماعي، فتدخل في نفس المشكلات السابقة (٤). [٣] لا ينبع الاشتباه في المواقف العلموية من ذاك التعارض البارز فيها

стр. 1044

فقط؛ وإنما يزيد منه وجود تيار عريض وكبير يعارض هذه الاتجاهات العلموية في باب الأخلاق -كما في غيره- ومن هؤلاء مثلًا التيار العقلي والمثالي الواسع، يشتركون في إنكار أن تكون "التجربة بمعناها الضيق مصدرًا للمعرفة بالحقائق الثابتة والقيم المطلقة على السواء، أو وسيلة لإدراكها، بل العقل أو الحدْس أو الوعي هو أداة إدراكها واكتشافها. والقيم عندها ليست عارضة، لا تقبل شكًا أو جدلًا أو تحتمل تناقضًا، تكاد تشبه بديهيات الهندسة ومصادراتها" (١)، ويقف على رأس هؤلاء الفيلسوف الألماني "كانط" الذي يرى بأن الأخلاق معيارية (٢) ولكنه يرى الدين تابعًا للأخلاق كما سبق. وفيهم من مثّل اتجاهًا روحيًا فلسفيًا مثل "لافيل" مدافعًا عن القيم التي يتهددها الخطر "وينعي لافيل على التجربة العلمية، أو ما يمكن أن يُسمى بالوضعية المنطقية، قصورها في وقوفها على السطح، وإنكارها للأعماق، وما يستعصي على التعبير، وما يسمو من الأمور، فقد نشأت هذه النظرة عن سوء فهم لحدود المنهج العلمي من جهة، وعن روح الاستهتار العام التي قضت على جدية الحياة من جهة أخرى. وهذا الاستهتار لا يتخذ مكانه في المجال العقلي بل في مجال الأخلاق والدين؛ أي: في مجال القيم" (٣). ومع ذلك فهذا المجال لم يكن أحسن حالًا من سابقه، فمدارسه أكثر ونظرياته أشد في التعارض، فما أحيل على العقل لوحده فباب التنوع فيه أكثر، وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على حاجة الناس لمخرج من هذه الفوضى، وهي تؤكد من جديد أهمية عودة هذا المسار المهم للدين. [٤] لا يخلو بحث في ميدان الأخلاق من ذكر ثلاثة مواقف في الفكر المعاصر كان لها أثرها الخطير على مبحث الأخلاق، اثنان منها على صلة

стр. 1045

بالدعاوى العلمية والثالث يريد الإفلات من طغيان العقلانية والعلمية، وهذه الثلاثة هي "النفعية" وامتدادها المعاصر في "البراجماتية"، و"النتشوية"، و"الوجودية". وغاية الوقفة مع هذه الثلاثة التأكيد على هذه الفوضى التي تعم ميدان علم الأخلاق رغم الأزمة الخلقية التي يمر بها العالم، وهي مؤشر صريح عن أهمية البحث عن مخرج، ولن يكون في التصور الإِسلامي إلا بإعادة الأخلاق إلى الدين. مذهب "المنفعة" الحديثة ترجع إلى "ميل" و"بنتام"، حيث ربطت الأخلاق بالمنفعة أو اللذة، ثم جاء تطور لها مع "البراجماتية" وفلاسفتها: "وليم جيمس" و"بيرس" و"ديوي" وغيرهم، حيث ربطت الأخلاق بجدواها العملية (١)، ويدّعي هذا المذهب العلمية بعد أن تحرر من القضايا الغيبية والمُثُل وركز على أمور يمكن للعلم أن يتعرف عليها، وتقوم دعواه على تحويل القضايا الأخلاقية إلى مسائل محسوسة. أما "النتشوية" فهو المنسوب لنيتشه، وهو موقف بارز وربما الأشهر في تاريخ الأخلاق المعاصرة، وهو يعتبر من جهة: امتدادًا للتيارات العلموية المدعية البحث العلمي في الأخلاق (٢)، ومن جهة أخرى: فله تأثيره على الكثير من الاتجاهات السياسية والفكرية، يقوم مذهبه على "رفض الأخلاق قائلًا باللاأخلاق أخلاقًا، كاسرًا لائحة القيم التقليدية، مبشرًا بأخلاق السيد السوبرمان" (٣)، وجعل مصدرها إرادة القوة، وهي من صنع الإنسان يخلعها على الأشياء، والحياة إنما هي إرادة التسلط والاستيلاء والتملك، وعنها تنشأ القيمة. وتبرز الأخلاق أثناء الصراع بين السادة والعبيد، الأقوياء والضعفاء، للسادة أخلاق، هي أخلاق القوة، وهي الأخلاق الحقيقية، وهي التي يعترف بها "نيتشه"، ولكن الإنسان لا يصل إليها ما لم يحطم الأصنام التي تقيده، وهي أصنام الفلسفة والأخلاق والدين (٤).

стр. 1046

وقد ارتبط موقفه الأخلاقي بمذهبه الإلحادي الصارخ، الذي صدم به الوعي الغربي، وهو وعي يعاني من فقد الدين، ولكنه لم يعلن هذا الإعلان الذي أعلنه نيتشه عندما قال بأن الإله قد مات، متبجحًا بأننا "حين ننكر وجود الله، وننكر مسؤوليته، إنما ننقذ العالم ونطلق القوة الإبداعية الهائلة الكامنة في أعماق إرادة الإنسان التي عاقتها المذلة والهوان أمام قدرة إلهية مدعاة" (١). يعترف الاتجاه "الوجودي" بالأزمة التي تتحقق من أفكار نيتشه ولاسيّما في جانبها الإلحادي، مع مشاركة أغلب الوجوديين رأيه الإلحادي، فهم يشعرون بالفراغ الذي يحدثه الإلحاد على عكس دعوى نيتشه أنه يطلق قوى الإنسان؛ ولهذا يبرز في فكرهم الموت والقرف والغثيان والقذارة والتشاؤم والقلق والحيرة وغيرها، وينطلق موقفهم القيمي من هذا التيه، فالإنسان موجود في هذا العالم وجودًا ذاتيًا حرًا لا علاقة له بشيء، وعليه أن يعيش حريته، يلحق بهذا الوقت الممنوح له، ولهذا يصعب تقبلهم للقيم والأخلاق؛ لأن معنى ذلك تقليص حريته، وهذا ما ذهب إليه عبد الرحمن بدوي (٢)، وهذا الإعلان النيتشوي والوجودي عن الإلحاد ربما كان مضمرًا في الفكر الغربي من أيام فكر التنوير العلماني القائم على إبعاد الدين عن الحياة، فجاءت النتيجة المنطقية لهذا الإبعاد في مواقف "نيتشه"؛ فحقيقة الدين هي الإيمان بالله، فإذا كانت الحياة قائمة على العلمنة؛ فما عاد هناك مكان للدين، ومن ثم لم يعد هناك مكان للإيمان بالإله، فليس له وجود في حياتهم، فكان إعلان "نيتشه" وبقية الملحدين في الغرب نتيجة واضحة لواقع الفكر والحياة العلمانية، ويُنقل عن "سارتر" ترديده لمقولة نيتشه: "لقد مات الله. . . . حاول هيجل أن يستبدل به مذهبًا، غير أن المذهب قد انهار، كما حاول كونت أن يستعيض عنه بدين الإنسانية، ولكن الوضعية قد تهاوت. . . . لقد مات الله، بيد أن الإنسان لم يصبح ملحدًا، فصمْتُ الوجود قد اقترن دومًا بالحاجة إلى الدين في نفس الإنسان الحديث". ويشارك سارتر بأن هذا الرأي يكشف عن غيبة كل عون يبرر للإنسان أفعاله، ويقدم له النصح والهداية،

стр. 1047

ويعترف بأن ما ورد على لسان أحد أبطال ديستوفسكي من عبارة قائلة بأن "الله إذا لم يكن موجودًا، فكل شيء مباح"، هي نقطة البداية بالنسبة للوجودية، ومن ثم يجد نفسه مهجورًا. . . . ليس في وسعه أن يلتمس شيئًا يعتمد عليه داخل نفسه أو خارجها، وإذا غاب الإله فعلى الإنسان أن يتولى أعماله، فيصنع وجوده ويخلق قيمه (١). [٥] اتساع في التقدم العلمي يعمق من المشكلات الأخلاقية: تشترك أغلب المواقف في الهروب من الدين كمصدر للأخلاق والقيم، ووصلت ذروتها مع الملحدين في إنكار وجود الرب سبحانه، فأصبحت الأخلاق دون مرجع ودون مصدر ودون حافظ، تسبح في بحر متلاطم، تتقاذفها أهواء المدارس الفكرية المختلفة، كل يقودها إلى هواه، فنشأت بذلك مشكلة أخلاقية حقيقية تعصف بالمجتمعات المعاصرة، وقد ظنت طائفة أن الحل يكون في تحويل مبحث الأخلاق إلى ميدان العلوم، فتتقدم كما تقدمت العلوم الطبيعية، ومع ذلك استعصت على العلوم؛ لأنهم تجاهلوا الفرق بين المادة وبين الإنسان فأرادوا تطبيق ما يصلح على المادة على الإنسان، وغفلوا عن حقيقة ما يصلح للإنسان ويصلحه ألا وهو الدين الحق. وقد ازداد الاختناق في باب الأخلاق مع تقدم العلوم؛ حيث برزت مكتشفات جديدة تفتح الباب على الأخلاق بعد أن تناساها التقدم العلمي، التقدم الصناعي وما أعقبه من مشكلات في إنهاك الأرض وتلوث البيئة وتهديد حياة الإنسان واستغلال الضعفاء، التقدم في علوم الوراثة والجينات وأبوابها وما فتحته من مشكلات. ويغلب على مسار العلوم عواقب إشكالية في مجال الأخلاق، إذ يأتي السؤال عادة بعد كثير من الاكتشافات الجديدة في مجال العلم: هل يصح هذا أم لا؟ هل تطبيقه أخلاقي أم لا؟ هل يجوز أم لا؟ ومعلوم أن هذه الأسئلة لا تجد جوابها الحقيقي إلا في الدين، ولكن الدين هو ما تفر منه الحضارة العلمانية، وعلى سبيل المثال يبحث باحث غربي معاصر في أخلاقيات العلم، وعند رجوعه لأصولها في الفكر الغربي يجدها إما ترجع للدين "الأمر الإلهي" التي ترسي خلقها العام على أساس أوامر الله، ورغم فوائدها عند المؤلف إلا أنه يقول: "ولكن لن أعتمد تمامًا عليها في تحليلي لأخلاقيات العلم، ما دمت أحاول تطوير التفسير

стр. 1048

الدنيوي للأخلاقيات"، فيتركها ويذهب للنظريات الباقية التي ترسي أساسًا دنيويًا للأخلاقيات (١). ومع ذلك فقد تلجئهم مشكلات التقدم العلمي ومشكلات الإنسان المعاصرة للعودة إلى الأخلاق ومن ثم العودة للدين. [٦] للأسف يغيب في كثير من الكتابات العربية الحسّ النقدي الإِسلامي للفكر الأخلاقي الغربي، ويغلب على الكتابات الفكرية الانهماك في تبني مدرسة من تلك المدارس أو التجميع والتركيب منها، بما فيها -أحيانًا- كتابات إسلامية اكتفت بإفراغ القالب وملئه بمحتوى إسلامي دون الشعور بخطورة القالب، حيث تجد النسق المشهور: المسؤولية، والإلزام، والواجب، والضمير، والحرية، والحس الأخلاقي المشترك، وأصل الأخلاق، وغيرها. وهذه المشكلة تُتعب الباحث الإِسلامي الذي يريد مادة علمية مفيدة يستعين بها في مناقشة مثل هذه الانحرافات، ومع ذلك لن نعدم دراسات جادة بحجم ما كتبه المفكر طه عبد الرحمن في هذا المجال، ولاسيّما في كتابه: "سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية" ومنه استفدت عناصر مهمة في هذا المجال. تقوم العقلانية العلمية الحداثية على مصالح ومفاسد، وقد يتشبث المتغرب بها كاملة، يدافع عن أخذها بحلوها ومرها، دون الانتباه لمخاطر مفاسدها على الهوية عمومًا وعلى الأخلاق خصوصًا، وقد تتبع الدكتور طه عبد الرحمن تلك الآفات والمفاسد التي ارتبطت بهذه الحضارة العقلية العلمية وأثرها على الأخلاق، وتلقي بظلالها على المتغربين في الوقت نفسه، ومن ذلك ثلاث آفات خطيرة: آفة التضييق، وآفة التجميد، وآفة التنقيص (٢). فآفة التضييق تسببت في إخراج الأخلاق من العلم، لضيق مفهوم العلم عندهم؛ لاكتفائه بالجانب المحسوس فقط، وما استبقي منها في العلم أشياء قليلة تقبل مقاييس العلم، فهم لا يقبلون الخبر الديني كدليل ومصدر للمعرفة (٣). وآفة التجميد قصرت الأخلاق على الفرد دون المجتمع، فهي تناسب الفرد دون أن تناسب المجتمع، ولذا تُترك كخيار فردي ولا يلزم بها المجتمع.

стр. 1049

وآفة التنقيص بادعاء أنها تخدم الضعف والخنوع والسلبية، لهذا نبذها الناس؛ لأنه لا أحد يحب أن يكون بهذه الحال. ولكن البديل العلمي للأخلاق الذي تقترحه التيارات العلموية يحوي مشكلات من منظور الفكر الإِسلامي، فقد وجد المفكر السابق أن مقصد العلمية الذي يرفعونه هو رفض الأخلاق الدينية، وذلك أن الأخلاق الدينية تستند إلى "خَلْق هو الفطرة" وإلى "خُلُق هو الخلق الديني"، بينما العلمانية تريد تغيير الخَلْق وتغيير الخُلُق: أولًا: فهي تسعى إلى إسقاط الأصول الأخلاقية الدينية التي هي "جملة المعايير والقيم الرئيسة التي تتولد منها باقي المعايير والقيم السلوكية. ." لكي تُقيم مكانها أصولًا اصطناعية لأخلاقها الجديدة؛ أي: أن تقوم مقام ما يسميه الدين بـ"معاني الفطرة الإنسانية"، فهي تطلب في نهاية المطاف تغيير هذه الفطرة التي خُلق عليها الإنسان. ثانيًا: كما أنها تسعى لمحو "السلوك الأخلاقي الذي وَرِثه الإنسان عن الدين وأن تستبدل مكانه سلوكًا جديدًا يتصف بالوصفين التاليين: أحدهما: أنه علمي، إذ يتفرع من المعرفة بالأسباب المادية التي تحدد الطبيعة الإنسانية، بيولوجية كانت أو اجتماعية أو نفسانية. والثاني: أنه علماني، إذ يقطع الصلة بكل القيم التي تولّدها مقتضيات التقدم العلمي - التقني" (١). كانت النتيجة رفض الأخلاق الدينية، ولكن البديل المقترح لم ينفع، فظهرت آثارٌ سلبية انعكست على العلم والتقنية مفخرة الحضارة الحديثة، "الأمر الذي دعا بعض الفلاسفة الأخلاقيين إلى التفكير في وسائل تصحيح المسار الذي يفضي بالإنسانية إلى المفاسد، بل يلقي بها إلى المهالك، إن عاجلًا أو آجلًا، وكان من ثمرة هذا ظهور بعض النظريات الأخلاقية الجديدة" (٢). وقد تتبع المفكر طه عبد الرحمن آفات هذه الأخلاقيات الجديدة ولخصها في اثنتين:

стр. 1050

الأولى: دعوتها للاتصاف بخلق التعقل، مع أن هذه العقلانية هي نفسها التي بثّت دعوى السيطرة على الكون وقهره، فكيف نعالج آفة التعقل بأداته ذاتها. والثانية: حقيقتها التنكر لأخلاق الدين مع أنها تريد الحد من آثار دعوة السيطرة على الكون وقهره، فهذه الإرادة لا يُحَدُّ انفلاتها إلا عندما تكون بمثابة المسُود أو المقهور، ولا يكون ذلك إلا بوجود سيد قاهر فوقها، ولا يخلو هذا السيد إما أن يكون النظام العلمي التقني أو يكون غيره، ومحال أن يكون هو النظام؛ وإلا لدفع عن نفسه المخاطر والأهوال التي ترتسم في أفقه، عندها يلزم أن يكون السيد غير هذا النظام، وليس إلا من له مقاليد السماوات والأرض، ولكنهم يتنكرون له. ولهذا يكون الحل الحقيقي هو ما يطرحه التصور الإِسلامي القائم على: أن يكون التعقل الحقيقي بالاشتغال بطاعة أحكام سيد الكون، فتندفع عن الإنسان فكرة السلطة على الكون وقهره. وإذا كان التنكر هو بتناسي الأصول الدينية للأخلاق؛ فلابد من مواجهته بترك الوعي المجرد المرتبط بالعلم والتقنية إلى مجال الاعتبار الذي يدرك في كل سبب مقصده ويعقل في كل حادث معناه ويرى في كل حكم حكمته، فيكون المعتبِر هو من يرى الظواهر على أنها آيات، وينسب السيادة على الكون إلى صاحب هذه الآيات (١). رابعًا: نماذج من الأخلاقيات المتغربة تحت غطاء العلمية: النموذج الأول: هناك مواقف فكرية عربية تهتم بدراسة الأخلاق بعيدًا عن الدين، كما نجد في المدخل الذي قدمه عادل العوا في "موسوعة الفلسفة العربية" "ولكن دراسة الأخلاق تريد الإفلات، وقد أفلتت، من ربقة الأسطورية، والغيبية، وحتى الميتافيزيقا، وهي تكتفي بالانطلاق من أن كل إنسان اجتماعي سالك بلا ريب سلوكًا يهدف إلى غاية، وأن دراسة الأخلاق من النوع "اليقيني" أو من النمط الثابت علميًا، على الأقل، إن لم نقل من النوع العقلي الفلسفي المرتكز على

стр. 1051

معطيات العلم من جهة، والمشرئب إلى قيم يتوخى تحقيقها. . . ." (١)، فهذا المفكر الأخلاقي العربي البارز في هذا الميدان يعطي عبارة ملتبسة سالكًا مسلك الوضعيين، الذين يرون بمرور الإنسانية بمراحل، بدأت بالأسطورة ثم تطورت نحو الدين والغيب ثم تطورت وارتقت نحو الميتافيزيقا لتصل في مرحلتها الأخيرة عصر العلم الذي قد يُعدّ الأرقى، ولا يفرق هؤلاء بين تقدم دنيوي يسير للأمام وبين تخلف أخلاقي يهبط للحضيض، وهنا نجد هذا المفكر يرمي بالأخلاق في ساحة هؤلاء على أنهم يؤسسونها على العقل الفلسفي والعلمي دون أي ذكر للدين، وهو يقول في صفحة لاحقة في سياق كلامه عن فقرة من موضوعات الأخلاق: "وأن ذلك كله يتبع النظرة على مصدر الأخلاق، وقد كان هذا المصدر أسطوريَّ الصبغة في سالف العصور، ثم تطورت الثقافة الإنسانية وظهر الشعور الديني مصحوبًا بالاهتمام الأخلاقي"، وذكر ضمن هذا الشعور: الأخلاق في اليهودية والأخلاق في النصرانية ثم في الإِسلام، ثم خرج منها إلى الأخلاق في الفكر الغربي الحديث (٢)، ويبرز -في هذا المنظور- التصور العلماني القائم على فرضيات فلسفية وعلمية مع البعد عن القول الحق الذي أتى به الدين، ورغم الجهد الكبير الذي قام به العوا في إثراء المكتبة العربية في مجال القيم إلا أنه ما زال منغمسًا في تيارات الفكر الغربية دون انفصال عنها. وعندما يذكرون الرؤية الدينية فهم يذكرونها كحلقة قديمة في سلسلة التطور الأخلاقي، ويُخلط فيها الدين الحق بغيره، وعادة ما يعرض الموقف الإِسلامي ضمن الموقف اللاهوتي، ومن ذلك مثلا دراسة د. الصباغ عن القيمة، إذ يعرض ما يسميه النظرية اللاهوتية حول القيمة الخلقية التي تجعل الأخلاق "منضوية تحت لواء الدين، ومعيارها خارج الذات الإنسانية، فهو محدد فحسب بما يريده الله منا أن نفعله، مستحسنًا منا هذا الفعل وآمرًا لنا به" (٣)، ولا شك أن هذا يعد جزءًا من التصور الديني، وهو جزء من التصور الإِسلامي حول القيم الخلقية، وإن كان ما عرضه مرتبطًا بالتيارات الغربية، وكأنه لا يعرف الموقف

стр. 1052

الديني إلا من خلال المنظور الغربي، ثم هو بعد ذلك لم يتحمس للموقف الديني. قد يستسهل البعض تصور وجود قضايا مختلفة بعيدة عن الدين، ولكن يصعب تصور مباحث الأخلاق بعيدة عن الدين، والحقيقة أنه بعد تأثر طائفة من المسلمين بالغرب العلماني الذي ينزع مسائل مهمة من المجال الديني ويدرسها بعيدة عنه، ومن ذلك علم الأخلاق، وقد بدأت هذه الطائفة النظر لعلم الأخلاق من هذا المنظور الغربي في أثناء فتح أقسام للفلسفة حيث كان من مباحثها الأخلاق، وقد شارك في تدريسها بعض من طرحها في إطارها الغربي، ثم جاءت ترجمة كتاب أرسطو "علم الأخلاق إلى نيقوماخوس" لأحمد لطفي السيد بمقدمة طويلة، وكتاب إسماعيل مظهر المتأثر بالدارونية فترة من حياته "فلسفة اللذة والألم" (١)، ثم انفتح الباب للدراسات الأخلاقية، إما بالنظر إليها من منظور إسلامي، أو من منظور توفيقي، أو من منظور تغريبي. ولكن قد لا ينتبه هؤلاء لهذا البعد التغريبي العلماني في الدراسات الأخلاقية، فهم يتصورونه علميًا وكأنه يتحدث عن أمور مادية وليس عن أمور معنوية ذات صلة أساسية بالدين، ولذا يعترِض الكاتب السابق على من لم يفرق بين الأخلاق وعلم الأخلاق، فالأخلاق كما يرى تختلف من أمة لأخرى ومن دين لدين بينما علم الأخلاق يقدم النظريات العلمية التي تفسر السلوك والمبادئ الأخلاقية بصرف النظر عن الفضائل الأخلاقية لأمة من الأمم (٢)، فإن هذا المزعم هو حيلة لإقصاء الدين من مجال مهم من مجالاته، وفيه نوع من الابتعاد عن الإِسلام بحجة العلمية، وذلك تابع للمنظور الضيق الذي وُضِع للإسلام من قبل المتغربين تبعًا للفهم العلماني الغربي عن الدين الذي ملأ الكتابات الفلسفية والفكرية. تبرز مشكلة لزحزحتها من الدينية إلى العلمية المزعومة؛ لأن العلمية في العصر الحديث متلبسة بالعلمانية، وهي ذات رؤية خطيرة تؤطر النشاط البشري، وكما يتضح في مبحث العلمانية تأتي مشكلتها من الدنيوية التي تهمل من خلالها

стр. 1053

ركنين مهمين في الدين: الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، وهما -مع غيرهما من الأصول الدينية- الشرط الضروري للباب الأخلاقي، ودونهما فكل دعاوى العلمية هي دعوى زائفة، أو تكون وصفية باردة لا تغير شيئًا؛ لأنه قد استُبعد منها الواجب والمحرم الديني، وما يرتبط بهما من ثواب وعقاب دنيوي وأخروي، فهذه من الأمور التي تضعف من علمية الأخلاق عند المتأثرين بعلمنة الأخلاق. النموذج الثاني: من علم النفس: نذهب لدراسة حديثة ذات نزعة فرويدية مغالية في "فرويد" (١)، فلقد اتبعه في الأخلاق كما اتبعه فيما هو أكبر من ذلك وهو الدين، وأصل نظرية فرويد -بحسب الكاتب عباس- وأساسها يعود إلى ما أسماه بـ"عقدة أوديب" التي ينبع منها بحسب زعمه الأخلاق والدين والثقافة والحضارة، ففي عنوان داخلي نجد "مشروع فرويد: تأسيس حركة تحرر أخلاقي" (٢)، إذ يجعل دعوة فرويد حركة تحرر إيجابية، وكما يقول: "ينتقد فرويد الحضارة والدين: فهو يرى أن الحضارة حرمت التعبير عن الحياة الجنسية بهدف الاستفادة من طاقة الميول الجنسية المقموعة. كما يرى بأن الدين، ومعتقداته، ومحرماته، ليس إلا وهمًا، تولد عن قلق الإنسان" (٣)، وبهذا يكون دور التحليل النفسي تحرير الإنسان من هذا الكبت المسبب لتأزمه وقلقه، وبحسب المؤلف "كان فرويد يعتقد أن مهمته الأساسية تأسيس حركة عالمية للتقويم الأخلاقي والعقلي للإنسان. ." بدعوى "تحقيق أخلاقية علمية جديدة" لاسيّما حول مسألة كبت الحاجات الجنسية التي تؤدي إلى مرض العصاب (٤)، وربما يدخل هذا في رغبة لاشعورية لفرويد كشف عنها

стр. 1054

أحد الفرويديين الغربيين في تأسيس دين فلسفي علمي جديد (١). النموذج الثالث: الموقف الوضعي: من الدلالات التي يحملها مفهوم "الوضعية" أنها العلمية، وهي فلسفة ارتبطت بالعلم الحديث، ولها دعاوى كثيرة عن علميتها، ومن ذلك تعظيمها للعلم وانطلاقها منه وجعلها العلم مقياسًا لما يقبل أو يرفض، وقد جعلت الأخلاق والقيم واحدة من تلك المرفوضات بحجة عدم علميتها، فالعبارات الأخلاقية كلمات فارغة من المعنى، فلا تكون علمية. وقد وجدت "الوضعية" في الفكر العربي من تحمس لها، في صورتها البارزة في القرن "١٤ هـ/ ٢٠ م" كـ"الوضعية المنطقية" و"فلسفة التحليل" وهم من ورثاء الاتجاه التجريبي الحسي والوضعي، ومن بين من تأثر بها المفكر "زكي نجيب محمود"، فأخرج كتابًا عنها يحمل دلالاته بعنوان "نحو فلسفة علمية" ليؤكد علمية الاتجاه الذي سلكه. ومع أن لهذا المفكر تحولات في مساره الفكري أرّخها في سيرته "قصة عقل" و"قصة نفس"، وأشهرها تلك التي أعلنها في كتابه: "تجديد الفكر العربي" بأنه واحد من ألوف المثقفين العرب الذين فُتحت عيونهم على فكر أوروبي -حتى سبقت إلى خواطرهم بأنه الفكر الذي لا فكر سواه- ثم أصابته صحوة قلقة جعلته يعود للتراث ويزدرد منه بسرعة وينظر لمشكلة الفكر العربي من منظور جديد (٢). ومع ذلك فقد بقيت الوضعية بآثارها ترسم له الطريق، والجديد في موقفه هو تخفيف لغة الغلو الوضعي الذي عُرف به بعد تبنيه الوضعية، وجهده في رفع لواء التوفيق بينها وبين التراث، وهذا التوفيق اضطره لإجراء تحويلات في بعض أفكاره، وإلا فآثار الوضعية عميقة وبارزة في التصور والمنهج حتى في كتبه الأخيرة، وهي بارزة في موضوع الأخلاق والقيم. نجد في دراسة حديثة عن فكره -ومتعاطفة مع هذا المفكر- تتبعها لموقفه من الأخلاق، وتذكر أن له تصورًا قديمًا للأخلاق ارتبط بالنموذج العقلي العلمي الغربي، وفيه يؤكد نسبية الأخلاق، ونفيها من مجال العلم، مع نقده الشديد

стр. 1055

لنموذج الأخلاق الذي يعتمد على سلطة خارجية، والذي يجعلنا عبيدًا لأخلاق تنبع من سلطة خارجة عن أنفسنا (١). ثم تأتي الدراسة إلى مرحلة التحول وفيها "أنه قد عاد في كتابته الأخيرة، في مرحلة الأصالة والمعاصرة، وتراجع بعض الشيء عن هذا الموقف، وكانت العلة وراء هذا التغير هو ظهور عامل الوجدان والدين والثقافة كعوامل مؤثرة في رؤيته الحضارية، إلى جانب عامل العلم. فرأى أن هناك قيمًا نسبية يجب تغيرها دائمًا وفق تغير الحياة، وهناك بجانبها قيم أخرى ثابتة" (٢)، وهي لفتة مهمة في البحث السابق حول محدودية التغير. إلا أن أحد المهتمين بالدراسات الأخلاقية يؤكد عدم وجود تغير في فكر زكي نجيب، وأنه ظل مفكرًا وضعيًا على مستوى المنهج (٣). نبحث الآن عن موقفه من الأخلاق تحت تأثير العلمية المدّعاة، وننظر لحقيقتها قبل التحول وبعده، فقبل التحول نجد فقرة ختامية في كتابه: "نحو فلسفة علمية" بعنوان "نسبية الأخلاق"، فكما أن النظريات العلمية الحديثة تقول بالنسبية في مجال الطبيعة فكذا الأمر في عالم القيم الجمالية والأخلاق، "وكشف التحليل المنطقي للأحكام الدالة على قِيَم أنها ليست من المعرفة إطلاقًا، فضلًا عن أن توصف بما يوصف به أدق أنواع المعرفة من اليقين" (٤)، وفي كتاب آخر يقول عنه: "الغاية الرئيسية من هذا الكتاب هي بيان أن العبارات الميتافيزيقية خلو من المعنى، مع تحديد "الميتافيزيقا" بأنها البحث في أشياء لا تقع تحت الحس، لا فعلًا ولا إمكانًا؛ لأنها أشياء بحكم تعريفها لا يمكن أن تُدرك بحاسة من الحواس"، ومثّل على ذلك بالخير والجمال فقال: "فإننا نرى العبارات التي تتحدث عن هاتين القيمتين في الأشياء -قيمة الخير وقيمة الجمال- خالية من المعنى، ولا تصلح أن تكون علمًا ولا جزءًا من علم" (٥). يضيق معيار الحس الأساسي في العلوم الطبيعية عندما يتجاوز الطبيعة إلى
следующие страницы →