معطيات العلم من جهة، والمشرئب إلى قيم يتوخى تحقيقها. . . ." (١)، فهذا المفكر الأخلاقي العربي البارز في هذا الميدان يعطي عبارة ملتبسة سالكًا مسلك الوضعيين، الذين يرون بمرور الإنسانية بمراحل، بدأت بالأسطورة ثم تطورت نحو الدين والغيب ثم تطورت وارتقت نحو الميتافيزيقا لتصل في مرحلتها الأخيرة عصر العلم الذي قد يُعدّ الأرقى، ولا يفرق هؤلاء بين تقدم دنيوي يسير للأمام وبين تخلف أخلاقي يهبط للحضيض، وهنا نجد هذا المفكر يرمي بالأخلاق في ساحة هؤلاء على أنهم يؤسسونها على العقل الفلسفي والعلمي دون أي ذكر للدين، وهو يقول في صفحة لاحقة في سياق كلامه عن فقرة من موضوعات الأخلاق: "وأن ذلك كله يتبع النظرة على مصدر الأخلاق، وقد كان هذا المصدر أسطوريَّ الصبغة في سالف العصور، ثم تطورت الثقافة الإنسانية وظهر الشعور الديني مصحوبًا بالاهتمام الأخلاقي"، وذكر ضمن هذا الشعور: الأخلاق في اليهودية والأخلاق في النصرانية ثم في الإِسلام، ثم خرج منها إلى الأخلاق في الفكر الغربي الحديث (٢)، ويبرز -في هذا المنظور- التصور العلماني القائم على فرضيات فلسفية وعلمية مع البعد عن القول الحق الذي أتى به الدين، ورغم الجهد الكبير الذي قام به العوا في إثراء المكتبة العربية في مجال القيم إلا أنه ما زال منغمسًا في تيارات الفكر الغربية دون انفصال عنها.
وعندما يذكرون الرؤية الدينية فهم يذكرونها كحلقة قديمة في سلسلة التطور الأخلاقي، ويُخلط فيها الدين الحق بغيره، وعادة ما يعرض الموقف الإِسلامي ضمن الموقف اللاهوتي، ومن ذلك مثلا دراسة د. الصباغ عن القيمة، إذ يعرض ما يسميه النظرية اللاهوتية حول القيمة الخلقية التي تجعل الأخلاق "منضوية تحت لواء الدين، ومعيارها خارج الذات الإنسانية، فهو محدد فحسب بما يريده الله منا أن نفعله، مستحسنًا منا هذا الفعل وآمرًا لنا به" (٣)، ولا شك أن هذا يعد جزءًا من التصور الديني، وهو جزء من التصور الإِسلامي حول القيم الخلقية، وإن كان ما عرضه مرتبطًا بالتيارات الغربية، وكأنه لا يعرف الموقف
стр. 1052
الديني إلا من خلال المنظور الغربي، ثم هو بعد ذلك لم يتحمس للموقف الديني.
قد يستسهل البعض تصور وجود قضايا مختلفة بعيدة عن الدين، ولكن يصعب تصور مباحث الأخلاق بعيدة عن الدين، والحقيقة أنه بعد تأثر طائفة من المسلمين بالغرب العلماني الذي ينزع مسائل مهمة من المجال الديني ويدرسها بعيدة عنه، ومن ذلك علم الأخلاق، وقد بدأت هذه الطائفة النظر لعلم الأخلاق من هذا المنظور الغربي في أثناء فتح أقسام للفلسفة حيث كان من مباحثها الأخلاق، وقد شارك في تدريسها بعض من طرحها في إطارها الغربي، ثم جاءت ترجمة كتاب أرسطو "علم الأخلاق إلى نيقوماخوس" لأحمد لطفي السيد بمقدمة طويلة، وكتاب إسماعيل مظهر المتأثر بالدارونية فترة من حياته "فلسفة اللذة والألم" (١)، ثم انفتح الباب للدراسات الأخلاقية، إما بالنظر إليها من منظور إسلامي، أو من منظور توفيقي، أو من منظور تغريبي.
ولكن قد لا ينتبه هؤلاء لهذا البعد التغريبي العلماني في الدراسات الأخلاقية، فهم يتصورونه علميًا وكأنه يتحدث عن أمور مادية وليس عن أمور معنوية ذات صلة أساسية بالدين، ولذا يعترِض الكاتب السابق على من لم يفرق بين الأخلاق وعلم الأخلاق، فالأخلاق كما يرى تختلف من أمة لأخرى ومن دين لدين بينما علم الأخلاق يقدم النظريات العلمية التي تفسر السلوك والمبادئ الأخلاقية بصرف النظر عن الفضائل الأخلاقية لأمة من الأمم (٢)، فإن هذا المزعم هو حيلة لإقصاء الدين من مجال مهم من مجالاته، وفيه نوع من الابتعاد عن الإِسلام بحجة العلمية، وذلك تابع للمنظور الضيق الذي وُضِع للإسلام من قبل المتغربين تبعًا للفهم العلماني الغربي عن الدين الذي ملأ الكتابات الفلسفية والفكرية.
تبرز مشكلة لزحزحتها من الدينية إلى العلمية المزعومة؛ لأن العلمية في العصر الحديث متلبسة بالعلمانية، وهي ذات رؤية خطيرة تؤطر النشاط البشري، وكما يتضح في مبحث العلمانية تأتي مشكلتها من الدنيوية التي تهمل من خلالها
стр. 1053
ركنين مهمين في الدين: الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، وهما -مع غيرهما من الأصول الدينية- الشرط الضروري للباب الأخلاقي، ودونهما فكل دعاوى العلمية هي دعوى زائفة، أو تكون وصفية باردة لا تغير شيئًا؛ لأنه قد استُبعد منها الواجب والمحرم الديني، وما يرتبط بهما من ثواب وعقاب دنيوي وأخروي، فهذه من الأمور التي تضعف من علمية الأخلاق عند المتأثرين بعلمنة الأخلاق.
النموذج الثاني: من علم النفس:
نذهب لدراسة حديثة ذات نزعة فرويدية مغالية في "فرويد" (١)، فلقد اتبعه في الأخلاق كما اتبعه فيما هو أكبر من ذلك وهو الدين، وأصل نظرية فرويد -بحسب الكاتب عباس- وأساسها يعود إلى ما أسماه بـ"عقدة أوديب" التي ينبع منها بحسب زعمه الأخلاق والدين والثقافة والحضارة، ففي عنوان داخلي نجد "مشروع فرويد: تأسيس حركة تحرر أخلاقي" (٢)، إذ يجعل دعوة فرويد حركة تحرر إيجابية، وكما يقول: "ينتقد فرويد الحضارة والدين: فهو يرى أن الحضارة حرمت التعبير عن الحياة الجنسية بهدف الاستفادة من طاقة الميول الجنسية المقموعة. كما يرى بأن الدين، ومعتقداته، ومحرماته، ليس إلا وهمًا، تولد عن قلق الإنسان" (٣)، وبهذا يكون دور التحليل النفسي تحرير الإنسان من هذا الكبت المسبب لتأزمه وقلقه، وبحسب المؤلف "كان فرويد يعتقد أن مهمته الأساسية تأسيس حركة عالمية للتقويم الأخلاقي والعقلي للإنسان. ." بدعوى "تحقيق أخلاقية علمية جديدة" لاسيّما حول مسألة كبت الحاجات الجنسية التي تؤدي إلى مرض العصاب (٤)، وربما يدخل هذا في رغبة لاشعورية لفرويد كشف عنها
стр. 1054
أحد الفرويديين الغربيين في تأسيس دين فلسفي علمي جديد (١).
النموذج الثالث: الموقف الوضعي:
من الدلالات التي يحملها مفهوم "الوضعية" أنها العلمية، وهي فلسفة ارتبطت بالعلم الحديث، ولها دعاوى كثيرة عن علميتها، ومن ذلك تعظيمها للعلم وانطلاقها منه وجعلها العلم مقياسًا لما يقبل أو يرفض، وقد جعلت الأخلاق والقيم واحدة من تلك المرفوضات بحجة عدم علميتها، فالعبارات الأخلاقية كلمات فارغة من المعنى، فلا تكون علمية.
وقد وجدت "الوضعية" في الفكر العربي من تحمس لها، في صورتها البارزة في القرن "١٤ هـ/ ٢٠ م" كـ"الوضعية المنطقية" و"فلسفة التحليل" وهم من ورثاء الاتجاه التجريبي الحسي والوضعي، ومن بين من تأثر بها المفكر "زكي نجيب محمود"، فأخرج كتابًا عنها يحمل دلالاته بعنوان "نحو فلسفة علمية" ليؤكد علمية الاتجاه الذي سلكه.
ومع أن لهذا المفكر تحولات في مساره الفكري أرّخها في سيرته "قصة عقل" و"قصة نفس"، وأشهرها تلك التي أعلنها في كتابه: "تجديد الفكر العربي" بأنه واحد من ألوف المثقفين العرب الذين فُتحت عيونهم على فكر أوروبي -حتى سبقت إلى خواطرهم بأنه الفكر الذي لا فكر سواه- ثم أصابته صحوة قلقة جعلته يعود للتراث ويزدرد منه بسرعة وينظر لمشكلة الفكر العربي من منظور جديد (٢). ومع ذلك فقد بقيت الوضعية بآثارها ترسم له الطريق، والجديد في موقفه هو تخفيف لغة الغلو الوضعي الذي عُرف به بعد تبنيه الوضعية، وجهده في رفع لواء التوفيق بينها وبين التراث، وهذا التوفيق اضطره لإجراء تحويلات في بعض أفكاره، وإلا فآثار الوضعية عميقة وبارزة في التصور والمنهج حتى في كتبه الأخيرة، وهي بارزة في موضوع الأخلاق والقيم.
نجد في دراسة حديثة عن فكره -ومتعاطفة مع هذا المفكر- تتبعها لموقفه من الأخلاق، وتذكر أن له تصورًا قديمًا للأخلاق ارتبط بالنموذج العقلي العلمي الغربي، وفيه يؤكد نسبية الأخلاق، ونفيها من مجال العلم، مع نقده الشديد
стр. 1055
لنموذج الأخلاق الذي يعتمد على سلطة خارجية، والذي يجعلنا عبيدًا لأخلاق تنبع من سلطة خارجة عن أنفسنا (١). ثم تأتي الدراسة إلى مرحلة التحول وفيها "أنه قد عاد في كتابته الأخيرة، في مرحلة الأصالة والمعاصرة، وتراجع بعض الشيء عن هذا الموقف، وكانت العلة وراء هذا التغير هو ظهور عامل الوجدان والدين والثقافة كعوامل مؤثرة في رؤيته الحضارية، إلى جانب عامل العلم. فرأى أن هناك قيمًا نسبية يجب تغيرها دائمًا وفق تغير الحياة، وهناك بجانبها قيم أخرى ثابتة" (٢)، وهي لفتة مهمة في البحث السابق حول محدودية التغير. إلا أن أحد المهتمين بالدراسات الأخلاقية يؤكد عدم وجود تغير في فكر زكي نجيب، وأنه ظل مفكرًا وضعيًا على مستوى المنهج (٣).
نبحث الآن عن موقفه من الأخلاق تحت تأثير العلمية المدّعاة، وننظر لحقيقتها قبل التحول وبعده، فقبل التحول نجد فقرة ختامية في كتابه: "نحو فلسفة علمية" بعنوان "نسبية الأخلاق"، فكما أن النظريات العلمية الحديثة تقول بالنسبية في مجال الطبيعة فكذا الأمر في عالم القيم الجمالية والأخلاق، "وكشف التحليل المنطقي للأحكام الدالة على قِيَم أنها ليست من المعرفة إطلاقًا، فضلًا عن أن توصف بما يوصف به أدق أنواع المعرفة من اليقين" (٤)، وفي كتاب آخر يقول عنه: "الغاية الرئيسية من هذا الكتاب هي بيان أن العبارات الميتافيزيقية خلو من المعنى، مع تحديد "الميتافيزيقا" بأنها البحث في أشياء لا تقع تحت الحس، لا فعلًا ولا إمكانًا؛ لأنها أشياء بحكم تعريفها لا يمكن أن تُدرك بحاسة من الحواس"، ومثّل على ذلك بالخير والجمال فقال: "فإننا نرى العبارات التي تتحدث عن هاتين القيمتين في الأشياء -قيمة الخير وقيمة الجمال- خالية من المعنى، ولا تصلح أن تكون علمًا ولا جزءًا من علم" (٥).
يضيق معيار الحس الأساسي في العلوم الطبيعية عندما يتجاوز الطبيعة إلى
стр. 1056
المجالات الدينية أو العقلية، فكل ما لا يُحسّ من العبارات يُعدّ خاليًا من المعنى، فمعيار علمية العبارة هو الإحساس بها، وإلا فهي غير علمية؛ أي: خالية من المعنى، ومع صراحته في الحسية فهو يرفض أي مصدر غير الحس بما في ذلك الدين، إما بالسكوت أو بإهمال الكلام عنه، هناك امتناع عن الذهاب للدين كمصدر يضفي المعنى والقيمة والقبول لتلك العبارات. وهذا الطريق يغلب على المتأثرين بالوضعية عمومًا، حيث ربطت العلمية بالحسية وجعلت مقياس العبارات العلمية هو الحسية، وذلك بسبب ما رأوه من نجاح المنهج التجريبي الحسي وقيام نهضة علمية مادية حسية عليه، فعمم ذلك حتى على غير الماديات.
وليست المسألة في صواب استدلالاته اللاحقة، فهي قد تصح لمن سلّم له بأصل منطلقه القائم على عدم وجود مصدر غير الحس لمعرفة المعاني وصحتها ونفعها، ولذا فالأصل إيقافه في أول الطريق قبل أن يُركبنا معه قطاره ويسير بنا في سكة ذات مسار واحد لا تسمح إلا بقطار واحد، فنقف أول الطريق ونبين أن القيم والأخلاق تجد ما يرفعها من مجال الانطباعات الذاتية والأحكام النسبية بواسطة مصدر آخر غير الحس، وهو عندنا الوحي.
من بين ما يقدمه من استدلالات لإثبات دعواه: تمييزه بين عملين للغة، أحدهما تعبيري منصرف إلى إخراج ما يشعر به القائل داخل نفسه، كشعور ذاتي خاص به، والثاني تصويري يصف شيئًا خارج ذات القائل، فالمعيار في الثاني الحس وتكون بذلك علمية إن صدقها الحس، بخلاف الأولى التي لا مقياس لها، وهو يرى تبعًا لطائفة من الأخلاقيين أن العبارات الأخلاقية هي من النوع الأول، ولذا فهي ليست مما يصلح للمجال العلمي (١)، فهذا الاستدلال إنما يستقيم مع من يسلم له بعدم وجود مصدر آخر للمعرفة، أعلى وأوثق وهو الوحي، على أن هؤلاء لا يعترفون حتى باستدلالات العقل الصحيحة ما لم يصدقها الحس، وهم حتى في جانب الاستدلالات الفلسفية لاسيّما في مجال معيارهم المشهور معيار القابلية للتصديق قد تلقوا نقدًا من مدارس فلسفية تهتم بفلسفة العلم كاهتمام الوضعيين، فلم يتقبلوا هذا المعيار الذي أتت به المنطقية، وبيّنوا حتى في دائرة البحث المنهجي: حدوده وأهمية
стр. 1057
إجراء تعديلات منهجية عليه (١).
ولكن هل وقع تغيّر لمفكر الوضعية؟ ربما حدث تغير، ولكنه بحسب الدراسة السابقة قد "تراجع بعض الشيء"، ومن ذلك الدور الذي يعطيه "زكي" في هذه المرحلة للتراث والدين والحضارة الإِسلامية، ومن بين الكتابات التي جاءت في هذه المرحلة وربما هو أشهرها للمؤلف كتابه: "تجديد الفكر العربي"، ونجد فيه: ". . من غير المقبول عندنا، أن يقال: إن الأخلاق مدارها -في نهاية الأمر- منفعة تعود على الناس؛ لأننا نرى أن الفضيلة هي جزاء نفسها، أرادها لنا الله، وعقلناها، فالفعل عندنا يُعد فاضلًا في ذاته بغض النظر عن نتائجه؛ أي: ضارة بصاحب الفعل أم نافعة له، وبعبارة أخرى، فإننا نقيم الأخلاق على أساس الفائدة،. . . ." (٢)، ويقول في موضع آخر من هذا الكتاب: "وفرّعنا (٣) كذلك نظرة في الأخلاق، تجعل أساسها أداء الواجب، كما يفرضه الوحي أو يمليه الضمير، بغض النظر عن الفائدة العائدة من أدائه"، وأن هذه الثنائية تضمن الجمع بين العلم وكرامة الإنسان، تلك الكرامة التي فقدها الغربيون مع تقدمهم العلمي (٤)، فـ"العلم والقيم كلاهما -في أوروبا وأمريكا- ينبت من الأرض، كلاهما ينشد القوة والمنفعة، وأما الثنائية المقترحة فتجعل العلم ثابتًا ينبثق من الأرض وظواهرها، وتجعل القيم غيثًا ينزل من السماء ووحيها، العلم نسبي يتغير مع التقدم، والقيم مطلقة تشخص إليها الأبصار، فهي ثابتة من حيث الأسس وإن تغيرت من حيث التطبيق بتغير الظروف" (٥)، ثم يُذكّر بموقفه القديم حول نسبية القيم ولا يرى أنه بَعُد عنها كثيرًا، ذلك أن ثبات القيم في إطارها العام لا ينفي تغير مضمونها بحسب تفصيلات العيش في عصر من العصور (٦).
هل نحن أمام موقف صريح أم أننا أمام موقف متذبذب؟ هل يوجد تحول
стр. 1058
حقيقي؟ قد نجد ما يرفع إشكال هذه العبارات القلقة في موقف آخر لهذا المفكر هو موقفه من العلمانية (١)، فهو من دعاتها البارزين، ومعلوم أن المفهوم العلماني يتضمن تصورًا عن الحياة يخالف تمامًا التصور الإِسلامي بما في ذلك الجانب الأخلاقي، كما أن المفاهيم الضيقة التي جعلها "زكي" لكل من "الدين" و"العلم" و"القيم" تزيد من بيان موقفه الحقيقي، فالدين يتحول إلى وجدان لا يملك المعرفة اليقينية الموضوعية، والعلم يضيق ليكون هو المحسوس فقط، وتبعًا لذلك يضيق مفهوم القيم.
عند مقارنته بين الأخلاق عندنا القائمة على الوحي والأخلاق في الغرب قال: "هذا لا يعني البتة أن الإنسان الغربي يفتقر إلى مبادئ الأخلاق. ومن الرعونة أن يتصور بعضنا أن حضارة الغرب لا شأن لها بالأخلاق، وأننا وحدنا الموكلون بها. والأحرى أن أخلاقهم لا تختلف عن أخلاقنا لكنهم لا يعتقدون مثلنا أن مصدرها الوحي، وأنها بالتالي، لا يمكن أن تتغير، إنها في نظرهم، نوع من الفروض العلمية تمامًا" (٢)، وسيظهر أن مسألة التغير ذات صلة بنسبية الأخلاق التي هي امتداد لتأثره بالوضعية، وهي موجودة هنا تلميحًا، وهي صريحة في الطريقة التوفيقية التي يقترحها لقبول التغير في المجال الأخلاقي مع الثبات على المبادئ، وبهذا نضمن الجمع بحسب رأيه بين تراثنا وعصر العلم الذي محور عليه دعوته، وهي تتجلى هنا في أن ما نأخذه من تراثنا هو اللفظ بينما نأخذ من العصر المحتوى، وبهذا يحافظ المسلم على تراثه وعلى مكتسبات العصر (٣)، وهي نظرة متغربة في جوهرها وإن تلبست بلباس التوفيق، فإن الدين حقيقته في المعاني التي يحملها بألفاظها الشرعية، أما هذا العمل فهو نوع من التأويل الكلامي وربما الباطني المشهور في تراثنا وتراث غيرنا، وكان الأقرب عكس المعادلة رغم ما فيها من مشكلات، وهو أخذ القوالب النافعة والتنظيمات المنهجية الجيدة وملؤُها بمحتوى إسلامي، وإن كانت حتى هذه محفوفة بمخاطر كسابقتها، ولكنها الأقرب بمنطق العقل في المحافظة على التراث والهوية.
стр. 1059
النموذج الرابع: أخلاقيات العلم الجديدة:
يعرض النموذج الرابع شخصية مهتمة بالعلم الحديث والعلمانية، ويُضم ضمن الفكر العلمي وهو الدكتور"فؤاد زكريا"، وله مواقف متنوعة في هذا الباب نقف مع بعضها.
يركز البعض على تخلفنا عن ركب مسيرة الفكر الأخلاقي، فالغرب الآن قد تجاوز الأخلاقيات القديمة، ودخل في تأسيس أخلاقيات جديدة تناسب الأوضاع الجديدة، وهي أخلاقيات مرتبطة في الأساس بالتطورات العلمية الجديدة، ويأتي في مقدمتها تطورات علم الحياة، وهي تطورات خطيرة، وقد تتسبب في تغيرات أخلاقية كبيرة وبهذا نحن في حاجة لفتح الباب للنقاش فيها، ولكن يظهر من جانب المتغربين الميل إلى تقبل التغيرات كواقع لا مفر منه، ومن ثمّ إيجاد أخلاقيات تتقبل هذا التغير.
يذكر د. فؤاد زكريا مثالًا يؤكد هذا الجانب من قبول السلبيات الناتجة عن العلم باكتشاف حبوب منع العمل "فقد ظهرت هذه الحبوب بوصفها مثلًا واضحًا لقدرة الإنسان على التدخل في مجرى الحوادث الطبيعية، وتنظيم حياة الإنسان، وتمكينه لأول مرة من أن يتحكم في نسله"، إلا أن له جوانب أخلاقية، فقد أحدث انفصالا بين الجنس كممارسة وبين الإنجاب، "أي: أنه أصبح من الممكن أن يمارس الجنس دون خوف من الحمل. ونظرًا إلى أن هذا الخوف كان، في كثير من المجتمعات البشرية، هو الدافع الحقيقي إلى التمسك بالعفة، فإن زواله كان يعني زوال سبب رئيسي للتمسك بالقيم الأخلاقية المتعلقة بالجنس. وهكذا اتسع نطاق الممارسات الجنسية الحرة، في المجتمعات الصناعية المتقدمة، على أوسع نطاق. . . . وترتب على ذلك انهيار كثير من القيم الأخلاقية التقليدية، واختفاء الزواج بشكله القديم اختفاء شبه تام. . . . " (١). ويختم ذلك بأهمية وعي العالم بأبعاد الاكتشافات العلمية؛ لأنها أصبحت تتدخل في حياة الناس، ولكنه يحيل ذلك إلى المجتمع وإلى العلماء في العلوم الاجتماعية دون أن يربط ذلك بالدين؛ أي: أنه يحيله إلى عقلانية هي السبب في
стр. 1060
المشكلة، ولن تتوقف إلا بزاجر أعلى، فقد كشف تاريخ الفكر أن حلّ الباب الأخلاقي لا ينتظم إلا بدين، والدين لا يقوم إلا بالإيمان بالله، الذي يعد الإيمان به هو منبع الأخلاق النافعة، أما حال المتغربين فحال عجيب، فهم يجعلون المرجعية الممكنة هي نفسها التي جلبت المرض الأخلاقي.
ويتذرع المفكر السابق في موطن آخر بأوهى الحجج في عدم إمكانية أخذ الأخلاق من الإِسلام، وهو يقترح علينا القيم الاشتراكية على أن يزال التعارض بينها وبين القيم الإِسلامية الذي اصطنعه البعض، وأما المعترضون عليها بحجة كونها قيمًا مستوردة، فجوابه أنه لا حل للمعترضين إلا بذكر مبادئ دينية عامة، مصيرها في النهاية أن تُحمّل بمضامين رأسمالية أو اشتراكية، فكأنه يقول: لماذا لا نختصر الطريق، ونأخذ بالقيم الاشتراكية التي يرتئيها لنا، لاسيّما أن "المواقف التي نواجهها في عالمنا المعاصر تبلغ من التعقيد حدًا يكاد يستحيل معه الاهتداء إلى كل الإجابات التفصيلية في النصوص الدينية، ومن هنا كان من الضروري الاستعانة بالتجارب الحديثة. . . ." (١).
يشترك أكثر العقلاء في العالم الإِسلامي في أهمية الأخذ بأسباب القوة وأسباب النفع، ومن ذلك الدعوة لأهمية العناية بالصناعة والتصنيع، ويدرك الجميع الأبعاد القيمية والأخلاقية المترتبة على هذا التحول، ومن ثم يفترض أن يبذل الجهد للتنظير الأخلاقي الذي يحمي المسلم من آفات التصنيع ويحفظ له دينه وقيمه وإنسانيته، ولكن نجد تصورًا آخر يطرحه المفكر السابق، فيجد أن لذلك أبعادًا لابد أن ننحني أمامها، فطلب التصنيع مثلًا "يرتبط في الوقت ذاته بنظرة أرحب وأوسع نطاقًا إلى معايير الأخلاق. ففي المجتمع الإِسلامي تسود نظرة إلى الأخلاق تجعل للسلوك الجنسي مكانة رئيسية. بل إن هذا السلوك، في نظر الإنسان العادي، يكاد يكون مرادفًا للأخلاق. فالأخلاق الصحيحة تعني، قبل كل شيء، العفة الجنسية، والنموذج الأكمل للإنسان هو الذي يتقي الله في شؤون الجنس قبل غيرها. وكثير من رجال الدين الإِسلامي حين يعددون مظاهر الانحلال في المجتمعات الحديثة، يركزون حديثهم على الاختلاط بين الجنسين، وعلى ملابس المرأة، وعلى الأعمال الفنية الخليعة، بوصفها أساس الشرور التي يعاني منها الإنسان.
стр. 1061
على أن الانتقال إلى التصنيع يستتبع حتما توسيع نظرتنا إلى الأخلاق بحيث لا يقل اهتمامنا بالجانب الاجتماعي العام من سلوك الإنسان عن اهتمامنا بسلوكه الشخصي. . . . وأغلب الظن أن الاهتمام بالجانب الشخصي من سلوك الإنسان كان مرتبطًا بوقت كانت فيه العلاقات الاجتماعية أبسط بكثير مما هي عليه الآن، وبنظام من القيم الثابتة التي كان يفرضها على الناس عرف سائد. . . ." (١).
ويحوي الكلام على عدد من المغالطات، منها تضييق الأخلاق في المجتمع الإِسلامي وكأنها الأخلاق المتعلقة بالجنس فقط، والأمر على خلاف ذلك، وهو لم يذكر الدليل على قوله، ولكن في المقابل فإن المجتمع الصناعي قد أثّر كثيرًا على أخلاقيات عامة بين الجنسين، فكان الأولى عند طلب التصنيع الانتباه لتجربة الأمم الصناعية التي أخلّت بالأخلاقيات بين الذكر والأنثى (٢)، أما الأخلاقيات العامة فلا يشترط استخدام ألفاظ المؤلف في العناية بها، ولو تأمل لوجد عناية بها داخل الفكر الإِسلامي ولكنها بمصطلحات أهل الإِسلام، ومع ذلك فلا يشك أحد بأهمية العناية بأخلاقيات الجانب الاجتماعي كما هو مهم العناية بأخلاقيات الجانب الفردي، ومن تأمل في واقع الفكر المعاصر عرف تميز الفكر الإِسلامي -الذي يعارضه هذا المفكر- في هذه الجوانب جامعًا بين الأخلاق الفردية والاجتماعية.
وفي النهاية فما يلاحظ عند مفكر ينتمي للفكر العلمي العلماني: تمييعه للأخلاف الدينية وفتحه الباب لأخلاقيات نشأت في مجتمعات علمانية، والطلب بملاحقة إنتاجهم الأخلاقي المصاحب للتطورات العلمية الجديدة والصناعات والمكتشفات.
تَتبعَ باحثٌ آخر النشاط العربي في الأخلاقيات التطبيقية التي اضطر الغرب للبحث فيها بعد ظهور الأزمات في هذا المجال والإشكاليات التي تفتحها، ومع ذلك لا نجد إلا مزيدًا من الانغماس في أخلاقيات علمانية لا صلة لها بالدين،
стр. 1062
فكانوا ممن يبحث النجاة في غير موضعها (١).
من بين من يتحدث كثيرًا عن هذه الأخلاقيات الجديدة، والتغير في مجال الأخلاق على أنه تطور، ومتعجبًا في الوقت نفسه من تأخرنا في اللحاق بهم، يأتي الدكتور محمَّد أركون، فيقول: "حصل في الفكر الحديث تطوران أساسيان فيما يخص الأخلاق والقيم. أولهما أننا نلاحظ اليوم زوال التفكير الأخلاقي التقليدي. وهذا الزوال ناتج عن انتقالية فعالية التفكير هذه من مطرحها السابق إلى ساحة العلوم المعيارية الأخرى. . . ."، ثم بيّن كيف تهتم الدول الحديثة بتشكيل لجان "لتقييم الفعاليات الجديدة الناتجة عن اكتشافات العلوم وذلك بشكل أخلاقي"، ومثّلَ بالقضايا الطبية الجديدة، ثم ذكر أن هذه اللجان العليا تصطدم مباشرة بالتطور الثاني "الذي أصاب إمكانية التقويم الأخلاقي ذاتها في الصميم. فهي لم تعد بدهية ولا مضمونة سلفًا؛ نظرًا لتشعب المعرفة العلمية النقدية وتوسعها. . . ." (٢). ويزعم لنظرته في الأخلاق انتماءها لـ"الروح العلمية الجديدة" بخلاف الأخلاق المنتمية للفكر التقليدي المغلقة، التي لن يتقبل أهلها مثل هذه الروح الجديدة، ويقول: "وبالطبع فلا يمكن للرؤى الأخلاقية التي ظهرت وترعرعت داخل التراث الفكري المحكوم بالإِسلام أن تبقى بمعزل عن تأثيرات المناخ الجديد الذي خلقته الثورات العلمية في هذا القرن العشرين. ولكن الحركات الإِسلامياتية وبشكل عام جميع المسلمين المتعلقين بالأشكال التقليدية للمعرفة يرفضون بقوة أي تساؤل، أو نقد للقيم الأخلاقية المرتكزة "بشكل صحيح بحسب رأيهم وتصوراتهم" على المحورية الأخلاقية القرآنية. ويرى أصحاب هذا الموقف أنه لا يوجد، ولا يمكن أن يوجد، إلا رؤيا أخلاقية وحيدة للإسلام. وإنّ هذه الرؤيا خالدة أبدية. . . . ولا تخضع لتقلبات التاريخ. . . ." (٣). وهذا جزء من المغالطات التي ينشرها هؤلاء، بداية بدعوى نظرته العلمية للأخلاق، فإذا تجاوزنا مصطلح العلمية إلى تفاصيلها لا نجد تلك
стр. 1063
العلمية، وإنما نجد تناقضات فكرية عجيبة لا تستطيع إقامة نظام أخلاقي، واكتفى أكثرها بوصف الواقع الأخلاقي على أن هذه هي علمية الأخلاق؛ لابتعاد العلمية في نظرهم عما ينبغي وتركيزها على الظاهرة كما هي، وأركون ينفتح على أكثر العلوم تذبذبًا وتغيرًا واضطرابًا، وهو ميدان العلوم الاجتماعية والإنسانية، وهي مدارس فكرية وفلسفية كثيرة تخلط الصواب بالخطأ من وجهة النظر الإِسلامية، وبهذا فهو عندما يحيلنا إلى "الروح العلمية الجديدة" لا يحيل على علم معياري أو موضوعي عليه اتفاق من العقلاء، وإنما على بحر متلاطم من الشبهات والاضطرابات والتناقضات، ولكن يحرص هؤلاء على إبراز مصطلح العلمية لما يضفيه هذا الوصف من احترام للنشاط وتصديق وقبول، فمن ذاك الذي يرفض العلم أو يكذب به!!
ومن المغالطات بعد ذلك الانتقال السريع لإثبات التعارض بين أخلاق دينية قرآنية وأخلاق علمية، وكأنه قد حسم مسألة علمية الأخلاق، بينما لا نجد سوى الاضطراب، وقد سبق مرارًا أنه ليس كل نشاط في ميدان العلم يُعد علمًا، وإنما هو فاعلية علمية حتى تقيم الدليل الصحيح المقبول عندها تتصف بالعلمية، فالعلم هو ما قام عليه الدليل وليس الفاعلية ذاتها، ولا شك أن هناك نشاطًا محمومًا في ميادين العلوم للبحث في مسائل كثيرة ولكن إدخالها مجال النشاط العلمي لا يحولها إلى علمية ولا تصبح نتائجها علمية ما لم يقم الدليل على ذلك.
النموذج الخامس: الرؤية المادية والماركسية:
في كتاب "التطور والنسبية في الأخلاق" ينطلق مؤلفه في دراسته للأخلاق من منطلق ماركسي مع تلفيقات من هنا وهناك، وفي أحد العناوين نجد: "الأخلاق نسبية ولكنها ليست نسبية مطلقة"، ثم سرد نصوصًا عن غربيين يتبنون النسبية أو يعترفون بها، ثم التحول الذي حدث في الفكر الحديث، وقد ربط هذا التحول من "فكرة الإلهي والمطلق، إلى فكرة الاجتماعي والنسبي" بالنقد الكاسح الذي تعرض له الفكر القديم واليهودي والمسيحي (١).
ويعلن موقفه في تبني أخلاق علمية تقودها الاشتراكية العلمية، وأما "أولئك
стр. 1064
الذين يتباكون على ضياع الأخلاق، بمجيء الاشتراكية والفلسفات العلمية الأرضية، إنما يتباكون على ضياع أخلاق خاصة، أخلاق تمكنهم من النهب والاستغلال والتسلط. . . . إن ما يخافونه هو أن تزول الأخلاقيات التي تمكنهم من الاستمرار في وضعهم الطبقي الممتاز على حساب الأكثرية" (١)، والحل هو في تغيير المجتمع الطبقي بتغيير الظروف المادية، فكثير من القيم والفضائل تبدو باهتة في المجتمعات الطبقية (٢)، نعم يوجد بسبب التفاوت بين البشر -من غنى وفقر، ومن سلطة ونفوذ أو عدمها- صور من الاستغلال وفساد أخلاقي عند قوم، ولكن هؤلاء تحت دعوى العلمية المادية حصروا الحل في الجانب المادي وبطريقة واحدة، هي: تبديل الظروف المادية، وهنا يتم استبعاد الدين بما فيه من تصورات وتوجيهات لمثل هذه القضايا. وقد أعلنت هذه التوجهات الماركسية فشلها في العالم كلّه، ومع ذلك فقد عميت بصائر هؤلاء عن أهمية الدين لدرجة تسوية الكاتب بين أنبياء الله وبين شذاذ البشر، فنجده يقول: "إن خير ما في "المسيح" و"سقراط"، وخير ما في كل دين، ونبي من بطولة وإيمان وتحد ومحبة، موجود أيضًا عند جيفارا، والليندي، وسائر المؤمنين بقضية العدالة والحرية" (٣).
ويأتي في هذا السياق كتاب "البنى الأساسية في علم الأخلاق" بوجه ماركسي ومادي، وفي عنوان ملفت "الأخلاق والعلم" يتحدث "الجبر" عن صلة الأخلاق بالدين والعلم بأسلوب تغريبي، فالأخلاق ذات وجه سلبي قاتم عندما تتصل بالدين، بخلاف علاقتها بالعلم فهي تظهر بوجه جميل. بل يُظهر أن فساد الأخلاق عائد إلى ربطها بالدين والإله بينما حُسْنها يرتبط بالإلحاد والعلمية المزعومة، وفيما يظهر أنه يعتمد في ذلك على أفكار ماركسية، فيقول: "ربطت المجتمعات المسيطرة الأخلاق بالدين. وتستند المجتمعات المسحوقة في نضالها من أجل تحررها، على النظرة العلمية للأخلاق وبربطها بالعلم. ولكي تحتفظ المجتمعات المسيطرة بسلطتها، فهي بحاجة إلى نظرة عن العالم قادرة على إعطاء
стр. 1065
المجتمعات التي تستغلها بديلًا سماويًا أو على الأقل مثاليًا للبؤس الذي تسببه. . . . والعكس صحيح إذ ليست المجتمعات المسحوقة بحاجة أثناء نضالها لمثل هذه الأوهام. . . ."، وترتبط أخلاقيات المجتمعات المسحوقة بالإنسان، "الإنسان بنظرها هو مقياس كل شيء وليس الله. . . . إن ميزة العلمية الأخلاقية هي بالتأكيد الانطلاق من عالم الإنسان، محاولة إقامة عالم إنساني، باختصار هي ضد كل الأخلاق اللاهوتية"، ثم هو يربط هذا التوجه العلمي المزعوم بالمادية القديمة والحديثة، ويبدأ مع القديمة -لاسيّما ذات الموقف الإلحادي- التي كنست كما يقول: "كل الخرافات والأساطير القديمة، كما تمكننا من امتلاك نظرة علمية عن الطبيعة"، والإنسان في هذه النظرة جزء من الطبيعة (١)، ويصل لخلاصة: "حملت المادية القديمة معها الإلحاد، والنظرة العلمية عن الطبيعة، والسكينة النفسية للحصول على السعادة الأرضية، والعقلانية الأخلاقية، ولكنها كانت محدودة" (٢).
ثم انتقل لبعض المقتطفات السريعة عن الفلسفة الحديثة، لاسيّما تلك التي تميل للمادية ليصل للآتي: "تقتضي المرحلة الأولى لكل علمية نبذ الأوهام الدينية والمثالية وبذلك لا يعود الإنسان قزمًا ولا خارقًا، فليقتنع بأننا جزء من الطبيعة الكاملة ونتبع نظامها" (٣)، ولكنها بقيت أخلاق مادية جامدة وثابتة، حتى جاءت الدارونية فحطمت هذا الثبات (٤). وبعد الاستعراض المادح لهذه المادية يختم بفقرة يتيمة يعلن فيها شيئًا من تحفظه فيقول: "وإذا كان لمختلف أشكال المادية العلمية فضلٌ في إبعاد الأخلاق عن المفاهيم غير الطبيعية والدينية، ووضع الإنسان ضمن الطبيعة؛ فإنها حملت معها أيضًا نقطة ضعف مشتركة، وهي اعتبار الإنسان شذرة من الطبيعة، خاضعة فقط لقوانين هذا أو ذاك من علومها .. " (٥)، فيحصر مشكلتها في تحويلها الإنسان إلى ترس في هذه الطبيعة ويغفل عن خطورة إبعادها الإنسان عن الدين الحق وقيمه وأخلاقه وشرائعه.
стр. 1066
وبعد، فقد ظهر من النماذج السابقة رغم تَلبّسِها بلباس العلمية، أن حقيقتها هي صياغة أخلاق علمانية بعيدة عن الدين، ويُتخذ العلم كغطاء لعلمنة الأخلاق.
* * *
الثاني: في باب العمل بالأدوية الشرعية للأمراض الجسدية أو النفسية:
ينتقل البحث إلى مجال آخر تأثر في بعض جوانبه بالعلمنة والأصول اللادينية، وهو مجال الطب، ويعد التداوي من أهم موضوعات هذا العلم من أجل صحة أبدان الأحياء. وقد تطور علم الطب في العصور الأخيرة تطورًا كبيرًا، وقد انتفع العالم بذلك نفعًا عظيمًا، وقد خالط هذا النفع شيئًا من الكدرات، ومن ذلك ما تسرب للفكر الحديث من إشكالات ذات علاقة بعلم الطب بشقيه الجسدي والنفسي، ويعود السبب في ذلك إلى الواقع الثقافي والاجتماعي للبيئة التي تطور فيها علم الطب الحديث، ولا يخرج عن ذلك أي علم نشأ في هذه الظروف الغربية الجديدة، حيث تظهر فيه سمات تلك البيئة وأصولها النظرية والفلسفية، وبما أنه قد غلب على البيئة الغربية: العلمنة لاسيّما في العلم والفكر فقد أثر ذلك على كل العلوم، وازداد الأمر سوءًا مع اهتمام الماديين بالعلوم الدنيوية وبث ماديتهم فيها، وتوظيفها فيما يضاد الدين (١)، وقد نشأ مع هذا الوضع الجديد إشكالات حول العلاج والتداوي لاسيّما في الإطار الفلسفي والفكري وقد امتدّ أثره في واقعنا الفكري، وهذه الفقرة تبحث هذه الإشكالية، وذلك بعد ذكر المداخل المناسبة لمثل هذا الموضوع.
الأمر بالتداوي في الإِسلام:
يرتبط هذا بباب الطب، وهو باب واسع داخل التصور الإِسلامي يصعب الإلمام به في هذه الفقرة المختصرة (٢)، فأكتفي بذكر قضايا كلية نبه عليها علماء
стр. 1067
الإِسلام. والأصل في هذا الباب حديث التداوي، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء" (١).
وأخرجه مسلم عن جابر بلفظ: "لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله " (٢).
وعن أسامة بن شريك مرفوعًا بلفظ: "تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم" (٣).
قال الشيخ السعدي: "وعموم هذا الحديث يقتضي: أن جميع الأمراض الباطنة والظاهرة لها أدوية تقاومها، تدفع ما لم ينزل، وترفع ما نزل بالكلية، أو تخففه.
وفي هذا: الترغيب في تعلم طب الأبدان، كما يتعلم طب القلوب، وأن ذلك من جملة الأسباب النافعة. وجميع أصول الطب وتفاصيله، شرح لهذا الحديث؛ لأن الشارع أخبرنا أن جميع الأدواء لها أدوية. فينبغي لنا أن نسعى إلى تعلمها، وبعد ذلك إلى العمل بها وتنفيذها.
وقد كان يظن كثير من الناس أن بعض الأمراض ليس له دواء، كالسل ونحوه، وعندما ارتقى علم الطب، ووصل الناس إلى ما وصلوا إليه من علمه، عرف الناس مصداق هذا الحديث، وأنه على عمومه" (٤).
والمرض نوعان: مرض القلوب ومرض الأبدان وهما مذكوران في القرآن، ويقابلهما طب القلوب وطب الأبدان، فيهتم طب القلوب بدواء مرض القلب،
стр. 1068
ويهتم طب الأبدان بدواء مرض البدن (١).
وقد ذُكر مرض البدن في "الحج والصوم والوضوء" وذلك أن قواعد طب الأبدان ثلاثة: حفظ الصحة، والحمية عن المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة (٢)، فذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في هذه المواضع الثلاثة. فجاء حفظ صحة البدن وقوته في آية الصوم: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وجاءت الحمية من المؤذي في آية الوضوء: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وجاء استفراغ المواد الفاسدة في آية الحج: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] (٣).
أما مرض القلوب فنوعان: مرض شبهة وشك ومرض شهوة وغي، وكلاهما في القرآن. قال -تعالى- في مرض الشبهة: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، وفي مرض الشهوة قال -تعالى-: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] (٤).
"فأما طب القلوب فمسلم إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم؛ فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن تكون مؤثرة لمرضاته ومحابه، متجنبة لمناهيه ومساخطه، ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك، ولا سبيل إلى تلقيه إلا من جهة الرسل. وما يظن من حصول صحة القلب بدون اتباعهم فغلط ممن يظن ذلك، وإنما ذلك حياة نفسه البهيمية الشهوانية وصحتها وقوتها، وحياة قلبه وصحته وقوته عن ذلك بمعزل، ومن لم
стр. 1069
يميز بين هذا وهذا فليبك على حياة قلبه فإنه من الأموات وعلى نوره فإنه منغمس في بحار الظلمات".
"وأما طب الأبدان فإنه نوعان:
نوع قد فطر الله عليه الحيوان ناطقه وبهيمه فهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب كطب الجوع والعطش والبرد والتعب بأضدادها وما يزيلها.
والثاني: ما يحتاج إلى فكر وتأمل. . . ." وقد ذكر ابن القيم له ثلاث صور (١).
وكان علاج الرسول ﷺ للمرض ثلاثة أنواع:
أحدها: بالأدوية الطبيعية، والثاني: بالأدوية الإلهية، والثالث: بالمركب من الأمرين (٢)، وقد نبه ابن القيم ﵀ إلى أمر مهم حول هذه الأدوية التي دل عليها الرسول ﷺ فقال: "وهذا إنما نشير إليه إشارة؛ فإن رسول الله ﷺ إنما بعث هاديًا، وداعيًا إلى الله وإلى جنته، ومعرفًا بالله ومبينًا للأمة مواقع رضاه وآمرًا لهم بها ومواقع سخطه وناهيًا لهم عنها، ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل وأحوالهم مع أممهم، وأخبار تخليق العالم وأمر المبدأ والمعاد، وكيفية شقاوة النفوس وسعادتها وأسباب ذلك. وأما طب الأبدان، فجاء من تكميل شريعته ومقصودًا لغيره، بحيث إنما يستعمل عند الحاجة إليه، فإذا قدر على الاستغناء عنه كان صرف الهمم والقوى إلى علاج القلوب والأرواح، وحفظ صحتها ودفع أسقامها وحميتها، مما يفسدها هو المقصود بالقصد الأول، وإصلاح البدن بدون إصلاح القلب لا ينفع، وفساد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدًا، وهي مضرة زائلة تعقبها المنفعة الدائمة التامة وبالله التوفيق" (٣)، وينبه أيضًا على سبب ذكره لهذه الأدوية من هدي الرسول ﷺ فقال: "ولعل قائلًا يقول: ما لهدي الرسول ﷺ وما لهذا الباب وذكر قوى الأدوية وقوانين العلاج وتدبير أمر الصحة؟. وهذا من تقصير هذا القائل في فهم ما جاء به الرسول ﷺ ، فإن هذا
стр. 1070
وأضعافه وأضعاف أضعافه من فهم بعض ما جاء به، وإرشاده إليه ودلالته عليه، وحسن الفهم عن الله ورسوله يمن الله به على من يشاء من عباده. فقد وجدنا أصول الطب الثلاثة في القرآن، وكيف تنكر أن تكون شريعة المبعوث بصلاح الدنيا والآخرة مشتملةً على صلاح الأبدان كاشتمالها على صلاح القلوب، وأنها مرشدة إلى حفظ صحتها ودفع آفاتها بطرق كلية، قد وكل تفصيلها إلى العقل الصحيح والفطرة السليمة بطريق القياس والتنبيه والإيماء" (١).
وقد يشتبه على البعض عدم نفع بعض ما ورد من أدوية بشكل ثابت أو أن يأتي علم الطب على خلاف بعضها، وربما لهذا السبب قال ابن خلدون أنه: "ليس من الوحي في شيء وإنما هو أمر كان عاديًا للعرب. ووقع في ذكر أحوال النبي ﷺ ، من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلّة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل. فإنه ﷺ إنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات" واستثنى من ذلك استعماله تبركًا فقال: "اللهم إلا إن استعمل على جهة التبرك وصدق العقد الإيماني، فيكون له أثر عظيم في النفع" (٢)، وهذا القول مرجوح، فمن تمعن في هدي النبي ﷺ علم أن الأمر يتجاوز العاديات، وقد بيّن ذلك غاية البيان ابن القيم (٣).
أما الاشتباه السابق حول الطب النبوي فنجد جوابه من فقيه في الشرع ومُلمّ بالطب وهو "محمَّد المازري" (٤) حيث قال: "وهذا الذي قاله هذا المعترض
стр. 1071
جهالة بينة، وهو فيها كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾. . . . إن علم الطب من أكثر العلوم احتياجًا إلى التفصيل، حتى إن المريض يكون الشيء دواءه في ساعة، ثم يصير داء له في الساعة التي تليها بعارض يعرض من غضب يحمي مزاجه، فيغير علاجه، أو هواء يتغير، أو غير ذلك مما لا تحصى كثرته. فإذا وجد الشفاء بشيء في حالة بالشخص لم يلزم منه الشفاء به في سائر الأحوال وجميع الأشخاص. والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والغذاء والعادة المتقدمة، والتدبير المألوف، وقوة الطباع" (١)، وهي فقرة مهمة تبين أن الطب النبوي قد لا يراد به عموم الأحوال والأمكنة، فإن له شروطه التي متى وقعت وقع الانتفاع بالدواء.
وقد عرف باب الطب عناية من قبل علماء المسلمين، لاسيّما النبوي منه لكون الطب البشري متروكًا لجهد البشر (٢)، فخصه جامعو السنة النبوية بأبواب مثل البخاري وغيره، كما أنه قد عرف التأليف المستقل في باب الطب النبوي (٣)، ومن بين أقدم الكتب المفردة حول الطب النبوي نجد كتاب ابن حبيب الأندلسي، ويمتاز كتابه بأنه أول ما أُلف في الباب، وقد جمع فيه بين الهدي النبوي وبين العلم الصحيح النافع مما هو عند الأمم الأخرى، لاسيّما ما هو منقول عن اليونان وذلك قبل ظهور حركة الترجمة المشهورة عن اليونان (٤).
стр. 1072
ويعد وثيقة قديمة في عناية علماء الإِسلام في الجمع بين الدين والطب وعنايتهم بالأمور الطبية من وقت مبكر، وفي استفادتهم مما صح من علوم الأمم الأخرى أو يظنون فيها نفعًا ولا تعارض الدين (١)، ولكن عندما تتم الاستفادة من قبل عالم بالشرع (٢)، فهو يتلافى مشكلاتها التي قد تتعارض مع التصور الإِسلامي. "وقد كان قدوتنا ﷺ يطلب الطبيب لغيره وكان الأطباء يأتونه أيضًا، فقد روي عن عائشة أنها قالت: إن رسول الله ﷺ كثرت أسقامه فكان يقدم عليه أطباء العرب والعجم فيصفون له فنعالجه، وروي أن عروة كان يقول لعائشة: يا أماه، لا أعجب من فقهك أقول: زوجة رسول الله ﷺ وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس أقول: ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس أو من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب كيف هو ومن أين هو؟ قال: فضربت على منكبيه، وقالت: أي عرية، إن رسول الله ﷺ كان يسقم عند آخر عمره، وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فكانت تنعت له الأنعات وكنت أعالجها فمن ثم علمت" (٣).
وقد كان هذا الجهد الإِسلامي في باب التأليف حول الطب من أجل وضع الأصول الإِسلامية لهذا الجانب المهم من حياة البشرية، فقد جاء الإسلام ليؤسس لحياة جديدة مختلفة تمام الاختلاف ومتميزة عن غيرها، ومن ذلك ما له
стр. 1073
علاقة بصحة الإِسلام، بحيث يضع القواعد الكلية لهذا الباب المنبثقة من التصور الإِسلامي ويترك ما سوى ذلك لجهد البشر.
تقوم صحة الإنسان في التصور الإِسلامي على أصول إسلامية مهمة بحيث تكون هذه الأصول الإطار الإرشادي لجانب الطب، ويعارضها أصول علمانية ترتبط بالتصور العلماني الذي تأثر به المتغربون فيتحرك الطب هنا مع البدن، وكأنه جسم مادي لا روح له، يكفي عندهم اكتشاف المرض ودوائه وعندها يتخلص الإنسان من أمراضه ويعيش سعادته الدنيوية، بينما واقع البشرية يكشف عن تطور المرض مع تطور الطب، بل ظهور أمراض جديدة لم يعرفها العالم من قبل واستعصى بعضها عن العلاج، مما جعل هذا الأمل المقطوع عن الإيمان بالله وهمًا وزيفًا، ولهذا يعارض التصور الإِسلامي النظر للإنسان كجسم مادي فقط غير مرتبط بروح تحتاج لقيم وإيمان، وبهذا يتكامل الطب في الإطار الإِسلامي مع جانب القيم والدين، فالطب في الإطار العلماني ينظر للإنسان مفصولًا عن حاجته للإيمان وعن حاجته لتشريع سماوي، لهذا يتم علاج البدن والنفس دون مراعاة لعلاقة البدن بالروح، ويتم بحث ذلك دون مراعاة للحلال والحرام والقيم.
وفي هذا الإطار يأتي الإرشاد النبوي في أبواب صحة الإنسان مرتبطًا بهذا التصور الإِسلامي الشامل، تلك الصحة التي تعد نعمة من الله سبحانه، ومن ثم فحفظها يرتبط بالإيمان بواهبها، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" (١)، يقول د. محمَّد البار: "فلا غرو إذن أن يهتم نبي الإِسلام ﷺ بتنبيه المؤمنين على نعمة الصحة، واتخاذ جميع التدابير للمحافظة عليها. . . ." (٢).
وعندما يأتي التوجيه النبوي في باب صحة الإنسان، فهو يأتي من قبل العليم الحكيم، ولهذا يأتي الإرشاد النبوي ليعالج أكثر من جانب بسبب الشمول والتكامل النابع من علم المرشد وحكمته، فيتجاوز بذلك المسألة الجزئية إلى
стр. 1074
جوانب كلية يعالجها دون أن ينتبه لها الإنسان، ولذا نجد الالتزام بحديث واحد من أحاديث المصطفى ﷺ الوقائية يمكن أن يقي ملايين البشر من مجموعة من الأمراض، مثل النهي عن التبول والتغوط في الماء الراكد، فهناك خمسمئة مليون مصابون بالبلهارسيا التي يمكن الوقاية منها بتنفيذ هذا الحديث، فكيف لو التزم الناس بكل ما جاء عن الرسول ﷺ (١).
الإطار العلماني وأثره في مجال التداوي الجسدي والنفسي:
تؤكد فلسفة العلم وجود انقطاع تام بين علم الطب القديم وعلم الطب الحديث، فذاك له نسقه وهذا له نسقه، أساس القديم المذهب الحيوي الكلي بنزعته العضوية، يقابله الطب الحديث بأساسه المادي ونزعته الآلية، العضوية تعد الفارق بين الحيوان والجماد فارقًا في الطبيعة بخلاف الحديث، فتراه فارقًا في الدرجة فقط بحيث ترد الظواهر البيولوجية إلى فيزيقية وكيميائية، العضوية ذات نظرة واحدية كلية إلى الإنسان تراه كـ"بنية متكاملة" بخلاف الحديثة التي تُجَزئه (٢).
يتعايش في الطب القديم أنماط مختلفة من العلاج مثل: السحر والتمائم والأعشاب والتجريبي، وقد كان للجوانب غير العلمية منه أثرها -رغم غيبيتها- في استثارة الطاقات الكامنة في الإنسان للشفاء، وذلك بتركيزها على الجانب المعنوي، وقد رفضها العلم الحديث، بينما الحديث التجريبي يرفض أي شريك في العلاج؛ إما لاستحالة التعايش مع الخرافة أو لعدم خضوعها للتجريب (٣)، وهنا يدخل التصور الإِسلامي الوسطي، ليقدم النموذج الصحيح، فهو مع الطب الحديث في اعتماد الدواء العلمي، وسبقه في رفض الخرافة أو الشعوذات المحرمة حتى وإن نفع بعضها في ظاهر الأمر، ولكنه لا يتخذ هذه الخرافات ذريعة لنفي الحق، وهو أهمية الأدوية الروحية الصحيحة فيكون طريقًا ثالثًا، فيمنع السحر ويصدق بالغيب لورود النص به ويعتد بالتجريبي.
стр. 1075
أما الاتجاهات الفلسفية العلمانية فقد رفضت هذا الطريق الوسط، وأسسوا لمجال طبي رغم دعواه العلمية، إلا أنه في حقيقته يتأسس على أصول الفلسفة المادية، ومن ذلك ما نجده في كتاب "كلود برنار" مدخل: "الدراسة الطب التجريبي" ممثلًا للطب البدني، أو في كتب "فرويد" ممثلًا للطب النفسي.
فقد رفض "كلود" المذهب الحيوي، ولكنه تبنى المذهب المادي الآلي، ومع تبرئة كلود طبه من المذهبية، إلا أنه في الحقيقة يتبنى المقولات المادية، ومن ذلك إشارته لمبدأ الحتمية وإدخالها الطب، كما أن التطرف في العلمية يقود إلى صورة من المذهبية مع النزعة العلمية المغالية لعلم الطب الحديث تُدعى "التعالمية أو العلموية - Scientism"، فهي تقوم على قواعد تجريبية جيدة، إلا أنها قد تتحول مع هؤلاء المتعصبين إلى علموية (١)؛ أي: إلى مذهب علماني لا علاقة له بالعلم.
لقد قامت الفلسفة العلمية المادية بنقد النسق القديم لعلم الطب من أجل التحول نحو المادية، ومن ذلك نقد الغائية، وبنقدها ينفتح الباب للمادية الميكانيكية الحتمية (٢)، ونقد وجود القوة الحيوية، والأجسام الحية والجامدة شيء واحد، والفارق بينهما في الدرجة وليس في الطبيعة (٣)، وهما خاضعان للحتمية، ويذكر ليدرمان في كتابه: "الفلسفة والطب" الوجه المادي الحديث وأساسياته وأصوله، وهي "المادة هي الوجود الوحيد؛ أي: مبحث علمي لابد أن يلتزم بالتفسير المادي وإلا عد مبحثًا غيبيًا غير علمي، إذ المادية مرادفة للتفكير العلمي، الفارق بين الجماد والحي، إنما هو في التركيب الكيمائي، وهو فارق في الدرجة لا الطبيعة" (٤).
تفيد المقارنة بين النسقين القديم والحديث في الطب "أن النزعة التجريبية
стр. 1076
في الطب الحديث لم تحرره من كل تصور فلسفي؛ لأن هذه النزعة المستندة إلى مقولة: "ما ليس تجريبيًا فهو ليس علميًا" إنما هي بدورها اتجاه فلسفي تعارضه مذاهب فلسفية أخرى متكافئة معه. . . . وتكشف عن بعض السلبيات في المسيرة الطبية الحديثة دون أن تبهرنا إنجازاتها إبهارًا يغشي أبصارنا" (١).
أثر الأسس الفلسفية للممارسة الطبية الحديثة:
أولًا: أثر التجزئة والنظرة الجزئية لكل عضو، وتخصص طبيب لكل عضو، وذلك قد يكون له صلة بالرؤية المادية التي تنظر للمادة على أنها عناصر منفصلة يمكن دراستها وهي مفككة، بينما الإنسان كل مركب من أجزاء، وهنا ترابط انتبهت له الممارسة الطبية المعاصرة (٢)، فكيف إذا أضافت لذلك النظر للإنسان بعيدًا عن حاجته للدين.
ثانيًا: ومن آثارها الفصل بين الجسم والنفس، كأنهما كائنان غريبان في ذات واحدة وكيان واحد، وقد تركت أثرًا بالغًا على الطب، حتى غدا لفظ الطب البشري مرادفًا للطب الجسمي دون اعتبار للنفس، وقد عزز ذلك علم النفس الفسيولوجي، وكما يقول كارليل: لقد دفعت الحضارة الأوروبية ثمن ذلك: انتصار العلم وانحلال الإنسان. بل قد كشف الطب المعاصر أثر النفس على الجسد (٣)، بل الأثر المعنوي الإيماني وفي ذلك يقول كارليل: "في جميع البلدان والأزمان آمن الناس بالشفاء من المرض في أماكن مقدسة، غير أن تيار العلم في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر جعل هذا الإيمان يختفي اختفاء تامًا؛ لأنه في نظر العلم مستحيل الحدوث، غير أن الملاحظات خلال الخمسين سنة الأخيرة أضعفت الإصرار على هذا الموقف. إنه في خلال فترة وجيزة تلتئم الجروح بأسرع من المعدل المقرر لها وتختفي الأعراض الباثولوجية ويسترد المريض عافيته، هذه الظواهر تدل على الأهمية البالغة للنشاط الروحي الذي أهمل الأطباء أمره إهمالًا تامًا (٤).
стр. 1077
هذا في الجانب الجسمي، "والأمر في الأمراض النفسية أشد وضوحًا، فقد ذهب كارل يونس إلى أن أكثر من نصف مرضاه بعد منتصف العمر كان الدين عاملًا مؤثرًا في شفائهم. وهكذا تبنى الطب المعاصر مقولات فلسفية كانت طابع الطب القديم تتلخص فيما يلي:
١ - الصلة العضوية بين النفس والجسم.
٢ - الطب الإيكولوجي بالاعتراف بأثر البيئة الطبيعية والاجتماعية على صحة الإنسان.
٣ - الاعتراف بأثر الجانب المعنوي ممثلًا في الدين ودوره في الشفاء" (١).
وإذا كانت الكتابات الفكرية لا تصرح بأثر الدين عمومًا والطب النبوي خصوصًا في الشفاء، فإن الطب الإِسلامي يتجاوز هذا التلميح الخجول إلى التصريح بدوره ومكانته الحقيقية، ومن ذلك أثر الرقية: ويرى الدقر أن أثر الرقية الحسنة تكون بأحد أمرين: الإيحاء الذي يرفع معنويات المريض، والطب الحديث يُقرّ بدور الإيحاء، والأمر الثاني: المعونة الإلهية بإجابته سبحانه دعوة المضطر، وكلما حسنت صلة العبد بربه كانت له من الأدوية غير ما يجده من لم تكن له تلك الصلة، وهذا باب اعترف به حتى بعض عقلاء الغرب حيث قال أحدهم: "دلت الإحصائيات أن ٨٠% من المرضى في جميع المدن الأمريكية، ترجع أمراضهم إلى حد كبير إلى مسببات نفسية وعصبية. ومما يؤسف له أن كثيرًا ممن يشتغلون بالعلاج النفسي يفشلون؛ لأنهم لا يلجؤون إلى بث الإيمان بالله في نفوس المرضى مع أن الأديان جاءت لتحريرنا من هذه الاضطرابات. ." (٢).
ثالثًا: وقد كان من آثارها أيضًا التسلط على جسد الإنسان، كما تم التسلط على الطبيعة، حيث كان هدف المنهج العلمي بغلوه المادي السيطرة على الطبيعة، ثم تجاوز ذلك إلى التدخل في طبيعة الإنسان الداخلية، وأداء أعضائه
стр. 1078
الباطنية لوظائفها البيولوجية لا من أجل التخلص من علة فيها، بل بالتعديل فيها حينًا، وبإيقاف عملها أحيانًا (١).
في الجانب النفسي:
يدخل الجانب النفسي ضمن ما سبق من قضايا، ولكنه يتميز عنه بقضايا أشدَّ تعقيدًا وأكثر خطرًا، وقد ظهر العلاج النفسي الحديث في نهايات القرن الثالث عشر / التاسع عشر في الأجواء السابقة نفسها، وبقدر التقدم المهم الذي أحرز في هذا الجانب، إلا أن أثر البيئة العلمانية والمادية على هذا المجال، لاسيّما مع بروز الإلحاد في رموز مهمة في هذا المجال قد تسبب بوعي أو بغير وعي في الإضرار بمنافع هذا العلم وتقريبه للإلحاد والمادية.
كما سبق فقد اتصف العلم في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر بما يمكن أن يُطلق عليه بالمادية العلمية التي ترى أن الحقيقة كلها تكمن في المادة، وإن كان العلم في القرن الرابع عشر/ العشرين قد وقعت له تغيرات جوهرية، لاسيّما في عملية إبعاد تدريجي للإنسان عن المادية (٢)، وقد كان من بين خصائص المادية العلمية "الحتمية والميكانيكية" التي انتقلت إلى مدارس مشهورة لعلم النفس ومن ثم الطب النفسي مثل "التحليل النفسي" و"السلوكية"، وهي جميعًا تتفق مع التصور المادي للطبيعة البشرية (٣)، ومع ذلك فهناك تحولات تنزع لتخفيف هذا الطغيان للمادية على علم النفس وعلى الطب النفسي، ومع هذا التخفيف من شأن المادية فتبقى مشكلة الإطار العلماني للفكر الغربي الذي تقع فيه مثل هذه التطورات في ميدان العلم.
وقد تكون الفرويدية من أشهرها في الغرب وقد حملت "طابع العصر من نزعة علمية تستبعد أي دور للغيبيات سواء في تشخيص المرض أو في العلاج" (٤)، إلا أن العلاج النفسي في القرن الرابع عشر/ العشرين بدأ يبتعد عن
стр. 1079
هذا الطابع، فكما "تحرر العلم بعامة من وصاية المذهب المادي، كذلك تجاوز الطب النفسي أفكار فرويد في التحليل النفسي وأولها استبعاد دور الدين في العلاج من الأمراض النفسية، وتمثل أول تمرد من زميله كارل يونج في عبارته: أن كل المرضى الذين استشاروني خلال الثلاثين سنة الماضية من كل أنحاء العالم كان سبب مرضهم نقص إيمانهم وتزعزع عقائدهم ولم ينالوا الشفاء إلا بعد أن استعادوا إيمانهم، وفي عبارة أخرى يقول: من بين مرضاي بعد منتصف العمر -فوق سن الأربعين- لم يحل بواحد منهم المرض، إلا لأنه افتقد ما تمنحه الأديان لمعتنقيها، ولم يستعد واحد منهم الصحة إلا باستعادته الإيمان الديني" (١).
بعض مشكلات الطرح التغريبي حول المجال الطبي والتداوي:
أين هي المشكلات في هذا الباب ؟
١ - تأتي أولًا من رفض اشتغال الطب ضمن المجال الإِسلامي، بحجة أن العلم لا دين له، فقد ينجح في الطب المؤمن والكافر، وهؤلاء لا يفرقون بين ما يهدي الله له البشر من الاكتشافات والنجاحات وبين كيفية تبيئتها في المجال الإِسلامي، وذلك أن الإِسلام عندما جاء، فإنما جاء ليؤسس لحياة جديدة تهتدي في جميع شؤونها بهدي الإِسلام، ومن ذلك أهمية الحركة ضمن مجال التصور الإِسلامي للإنسان وبدنه وروحه وصحته وعلاقته بمن حوله وعلاقته بخالقه، والحركة ضمن التشريع الإِسلامي للحلال والحرام والقيم والأخلاقيات، وبهذا يكون مجال الطب أنفع للمسلم، والعالم بدأ يدرك أهمية الدين لرعاية هذا المجال، فقد أصاب الغرور مسيرة العلم الحديث مما جعله ينغمس في ماديته، ومن ثم اختزال الإنسان في هذا الجانب، فظهرت تعقيدات لم تفلح فيها الرؤى المادية والعلمانية في علاجها "وإذا كانت القيم الدينية والخلقية قد استدعيت على عجل بعد أن استفحل مرض كـ"الإيدز"، فإنها قد استغيث بها لتنقذ ضحايانا من "الهيروين" والمخدرات بعد أن تبينت آثارها النفسية المدمرة حتى في أكثر الدول تبنيًا للعلمانية. . . . وحينما يكون العجز عن حل المعادلة الصعبة بين كفالة حرية
стр. 1080
الفرد من جهة، وبين صيانة قيم المجتمع من جهة أخرى، فإن التشريع يقف عاجزًا ولا يجد أولو الأمر مناصًا -حتى لو كانوا علمانيين- من طلب العون من الدين" (١).
٢ - وتأتي ثانيًا من الإصرار على البقاء في ظل الظواهر المادية دون ربطها بمدبر الأمور سبحانه، فمع انفصال العلم عن الدين وقع الانحراف في باب الربوبية بحيث تنسب كل الأحداث لأسبابها الطبيعية مع إغفال تام لما وراء ذلك، ومن ثم إحالة المريض مثلًا في اعتماده على السبب المادي وعدم النظر فيما وراء ذلك، فيقطعون الصلة بين المريض وبين ربه حتى في أشدّ حالات الإنسان ضعفًا وفقرًا واحتياجه لعون الله سبحانه، ولا يعني هذا التنكر للأسباب التي وضعها الله في الأدوية، بل إن حديث التداوي يرشد لذلك بصراحة تامة، وهكذا يجتمع في التصور الإِسلامي قوله تعالى ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٨٠] مع قول الرسول ﷺ : "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء".
٣ - وتأتي ثالثًا من رفض الأسباب المعنوية للأمراض، لاسيّما في رفض ما كسبت أيدي الناس، وهو أوسع في مجال النفس، فهناك رفض لما ورد من أسباب صرّح بها الدين عن المرض النفسي لاسيّما الذنوب بكل أشكالها أو الأثر الذي يأتي من قبل السحر والحسد، ومن ثم إنكار العلاج النبوي لهذه الأمراض، لاسيّما: العلاج بالرقية، والدعاء، والصدقة، وغيرها، وذاك يرتبط برفضهم للتصور الديني عن النفس والروح وعلاقة ذلك بالطاعات والمعاصي وعلاقة النفس بالجن وبالابتلاء وبغيرها من الأمور التي جاء الدين بذكرها وبيان الحق فيها، وهذه أمور لا يستطيع البشر إدراك حقيقتها بأدواتهم البشرية، ومن ثمّ فهم في حاجة لمصدر آخر يعرفهم بها.
نموذج عن الإشكال التغريبي في هذا الباب:
النموذج الأول: يمكن ذكر مثال عن طلب علاج المشكلات النفسية كالقلق، وهي حالة انتابت الإنسان المعاصر، وهي تجد علاجها في الطب النبوي في ظل التصور الإِسلامي القائم على تحقيق الصلة الإيمانية العميقة بالله
стр. 1081
سبحانه (١)، ولكن التيارات التغريبية لا تتحمس لمثل هذا العلاج، وعندما تبحث عن العلاج في العلم الحديث تبالغ هذه التيارات في الاحتفاء بالجوانب اللادينية منه والإلحادية لاسيّما المثال الذي يُذكر هنا:
لقد كوّن "غالي شكري" الماركسي خليطًا مميزًا من العلاج النفسي لظاهرة القلق أثناء دراسته لفكر أستاذه "سلامة موسى" يجمع بين التماسه الثناء لمواقف أستاذه سلامة موسى الفرويدية - الدارونية وبين مواقفه الماركسية التي يقدمها كبديل أفضل لمعالجة القلق، فأستاذه يميل لفرويد مع خليط من الدارونية الاجتماعية بينما يذهب "غالي" إلى الماركسية، وبهذا يَعرض هنا رأيين للعلاج النفسي التغريبي بشكل مختصر كما عرضها غالي شكري.
يستعرض "غالي شكري" الماركسي علاج القلق من خلال دراسته لسلامة موسى الذي تقلب بين علماء النفس الغربيين، مثل "فرويد" و"بافلوف" و"واطسن"، حيث كان سلامة موسى أول حياته أقرب لفرويد بخلاف تلميذه "غالي" حيث كان لماركسيته متحمسًا لبافلوف (٢)، وقد "أثبت بافلوف أن "ما يحدد أساسًا شعور الإنسان ليس جهازه العضوي وظروفه البيولوجية، كما يعتقد الماديون السطحيون ورجال التحليل النفسي، بل ما يحدده على عكس ذلك المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان والمعرفة التي يحصل عليها منه، فالظروف الاجتماعية للحياة هي المنظم الحقيقي للحياة العضوية والذهنية". وبذلك أكد بافلوف ما تقوله الماركسية بأنه ليس شعور الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد شعورهم" (٣).
وقد قدم "سلامة موسى" كتابه: "محاولات سيكلوجية" كمحاولة علمية نفسية لدراسة المجتمع وعوامل تغيره، ويقابل في أثناء الدراسة مجتمعًا بعواطف حائرة، كالقلق والخوف، والفراغ، واليأس. ومع معالجات سلامة الفرويدية الدارونية، فإن غالي يحولها للماركسية فيقول: "وعدم الاستقرار النفسي، هو
стр. 1082
الدلالة الأولى لعدم الاستقرار الاقتصادي" (١)، فالقلق "الذي اختلفت المدارس النفسية البرجوازية في تفسير نشأته ليس "توترًا غريزيًا" كما يقول فرويد، وليس "ضعفًا عامًا في الجهاز العصبي أو خطأ في التركيب العضوي كاختلال في الأوعية الدموية أو في القلب" كما تقول المدارس السلوكية. إن القلق -كما يرى هندرسون وجيلزيا- "هو خلاصة المواقف الإحباطية" المعوقة، كالحالة الاقتصادية، والفشل في الحب أو الزواج أو العمل، أو أسلوب التربية الخاطئ.
والحق أن هذه الأشياء جميعها هي وجوه مختلفة للتكوين الاقتصادي الواحد" (٢)، فيكون علاجها الماركسي كما هو المعتاد بتبني الماركسية التي تغير هذا الاقتصاد الذي يسبب القلق. أما "سلامة موسى" فيميل لـ"فرويد" أكثر ويجمع معه بعض أصول الدارونية الاجتماعية، فشارك في بعض الهيئات الاجتماعية لمعالجة صور من هذا القلق النابع عن الأزمة الجنسية، ورأى تحت تأثير فرويد تخفيف الفصل بين الجنسين وتيسير الاختلاط، "ففي المجتمع العلمي يعيش الذكور مع الإناث منذ ميلادهم إلى وفاتهم، لا ينفصل جنس عن الآخر؛ لأن هذا الوضع الطبيعي الذي تصرخ به الطبيعة. والمجتمع الذي يعارض الطبيعة مجتمع فاسد. وهو لن يستطيع أن يهزمها؛ لأن الطبيعة ترد اللطمة، فيكون من الانفصال بين الجنسين تلك الشذوذات الجنسية التي شاعت في أمم شرقية عديدة، بل قد يكون الجنون. . . ." (٣).
وكتعليق مختصر لابد من التفريق بين علم النفس الصحيح والنافع والمتطور يومًا بعد يوم على أيدي العلماء وبين المشكلات التي أحاطت به بسبب العلمنة والمادية والإلحاد في البيئة الغربية أو بسبب التغريب في البيئة الإِسلامية، فالمتغربون يتخذون من مشكلات هذا العلم أداة لمهاجمة الدين مباشرة، أو بصورة غير مباشرة بجر المشكلات النفسية هنا إلى مجال علاجي لا علاقة له بالعلاج، مثل ربط المشكلات النفسية بالجنس مع الفرويديين المتغربين. ومن ثمّ الدعوة للاختلاط كما سبق تصور "موسى" للمجتمع العلمي الطبيعي، فإن الشذوذ والقلق هو أكثر وضوحًا في المجتمعات الغربية التي تبنت
стр. 1083
هذا العلاج، ومن ذاك العاقل الذي ينكر حجم الشذوذ في بيئات ساد فيها التعري والاختلاط؟ ولهذا يتحول العلاج مع الماركسي شكري إلى علاج اقتصادي، فسبب القلق يعود بحسب الرؤية الماركسية إلى الاقتصاد، ولذا يكون العلاج أيضًا بتغيير طبقي يعالج الوضع الاقتصادي الذي تسبب بهذا المرض، وهكذا ينتقلون من مرض لمرض وهم يحسبون أنهم يتبعون أفضل العلوم الطبية النفسية في معالجة القلق، ومع ذلك لم يظهر أثر نافع لذلك، وقد رأينا شهادات لعلماء النفس المعالجين -مثل يونغ- أن المشكلة ترتبط حقيقة بفقد الدين في المجتمع الحديث.
النموذج الثاني: يمثل النموذج الثاني مشكلة عدم التفريق بين الأنواع الثلاثة من العلاج: العلاج النبوي والعلاج العلمي والعلاج السحري، فنقصد بالنبوي ما جاء ذكره في الطب النبوي مرفوعًا لرسول الله ﷺ ، والعلاج العلمي ما قام على المنهج العلمي التجريبي التطبيقي، والسحري ما قام على الخرافة والاحتيال والاستعانة بالجن، ويعد كتاب "د. عبد المحسن صالح" "الإنسان الحائر بين العلم والخرافة" من الكتب الجيدة التي تحارب الجانب الخرافي والسحري، وهو أمر من صلب المنهج الإِسلامي الذي شدّد في النهي عن هذا النوع، لاسيّما إذا خالطه السحر، وهو بهذا يدفع المسلم نحو النافع له من علاج ديني أو دنيوي صحيح، ولكن قد يختلط الأمر على بعض من لا يحيط علمًا بالتصور الإِسلامي، وبسبب نفوره من السحر والخرافة يشتط فيقيس ما جاء به الشرع بمثل هذا النوع، ويتعمق عند بعضهم عندما يظن أن ما جاء به الدين هو ما يحصل من مدّعي الولاية من علاجات ينسبونها للدين، مع أن حالهم بعيدة عن ذلك؛ فقد تلبسوا بالبدع والمفاسد التي نهى عنها الدين، فتكون هذه الأحوال مدعاة لشطط آخرين في نبذ العلاج الديني.
ففي أثناء حديثه عن التعاويذ المحرمة يدمج معها قضايا هي من الرقية الشرعية الصحيحة، ومن ذلك: "يقوم الطب الخرافي في أحيان كثيرة على تعاويذ وأحجبة، ووضع يد الشيخ المداوي على موقع الجزء المريض مع تمتمة ودعوات قد تكون غير واضحة، ولا مفهومة" (١)، ويقول بعد ذلك: "ومن الغريب حقًا أن
стр. 1084
كثيرًا من المتعلمين والمثقفين "ودعك من العوام"، لا يزالوا يعتقدون حتى الآن في أن بعض الأمراض النفسية والعصبية تنشأ أساسًا من مس الجن أو العفريت للإنسان، أو أنه يتقمص جسده،. . . ." (١)، ومع خلطه بين الرقية الشرعية وغير الشرعية يقع في إشكال آخر، حيث يظهر من كلامه إنكاره للمسّ وأثره في الأمراض النفسية مع ثبوته بنصوص شرعية.
وبقدر ما نؤكد منع الإِسلام من التداوي السحري أو الخرافي أو المحرم نثبت ما جاء إثباته في الطب النبوي من أبواب العلاج الشرعية التي دلنا عليها رسولنا الكريم ﷺ ، والعجيب أن العالم اليوم يعود للأدوية الطبيعية مع أن الطب النبوي قد جاء بالكثير منها (٢)، ويعودون للشرق الأقصى (٣) ويتقبلون أدويته بديلًا عن أدوية الحضارة المعقدة ومع ذلك يتركون ما أرشد له الرسول ﷺ في الصحة وحفظ النفس والعقل وغيرها من أمور الوقاية العلاجية.
وبعد، فإن الطب وإن كان من علوم الدنيا إلا أن له أصولًا ترتبط بالتصور الإِسلامي، وما كانت هناك مشكلات في الزمن الماضي حول هذا الباب باستثناء نوعين من التداوي، وهما التداوي بحرام أو التداوي بالسحر، ومع ظاهرة العلمنة للعلوم دخل أثرها إلى الطب أيضًا، ومن ذلك ما دخل باب التداوي من المشكلات تحت مسمى العلمية، وهي غالبًا إما بنفي ما لم يحيطوا به علمًا، من مثل نفي الرقى الشرعية والأدوية النبوية، أو بفتح الباب لأدوية محرمة جديدة تحت مسمى العلمية مثل بعض صور العلاج النفسي. وقد شارك المتغربون في هذا الباب، فصرنا نقرأ ونسمع عن مشكلات الكبت ودورها في العُصاب والعلاج لها يكون بإزالة الكبت بطرق ابتدعوها، وإذا بها في حقيقة أمرها ترتبط بتصور إلحادي. ومن هنا جاء خطر التعامل مع الطب المُعَلْمَن دون جهد في التنقية لاسيّما في باب الطب النفسي. نترك هذا المثال وننتقل إلى مثال جديد من الانحراف التغريبي في باب الشريعة.
стр. 1085
الثالث: في باب حكم التعامل بالربا:
القسم الأول: مدخل:
يأتي الاقتصاد كأحد الأبواب التي دخلها العلم الحديث فرتب أوضاعها، وجعل لها شأنًا مهما في العصر الحديث، وأصبح لهذا العلم نظرياته ومذاهبه ومدارسه وعلماؤه ومناهجه، وله كليات وجامعات تهتم به فضلًا عن مراكز البحوث ومعاهدها المهتمة بالشأن الاقتصادي، فضلًا على أن التطورات الحديثة قد وضعت الاقتصاد في قمة الاهتمامات البشرية، وهناك جانب كبير من هذا العلم يدخل في حيز العلم الصحيح والمقبول الذي أبدع فيه الغرب.
ولا شك أن في ذلك مكاسب مهمة للبشرية بتحسين وتنظيم أحوالها المادية، لاسيّما مع كل هذه التعقيدات التي صاحبت تغيرات الأحوال المادية في العصر الحديث، ولكن بسبب ارتباط هذا العلم بالتحولات الغربية -لاسيّما من جهة تأسيس الحياة بكل مناشطها بعيدًا عن الدين وأصوله الكبرى- جعلها ذات مشكلات خطيرة، لاسيما للمسلمين الذين يؤسسون حياتهم على أصول دينهم.
ومن أخطر المسائل التي ارتبطت بعلم الاقتصاد الحديث إدخال الربا عنصرًا أساسيًا في النظام الاقتصادي (١)، وذلك أنهم جعلوا من هذا النظام أشبه بالبناء الذي يعتمد على مكونات لا يستقيم إلا بها، ومن ذلك الربا الذي جعلوه عنصرًا أساسيًا في هذا النظام وأصلًا مهما من أصوله تحت اسم الفائدة، بينما يعد الربا في النظام الإِسلامي أشبه بالتيار الجهنمي الذي يعاكس بالفعل انسياب الخير في الاقتصاد (٢)، فهي نقلة كبيرة وخطيرة لوضع الربا في تاريخ البشرية، الذي كان في الأساس عملية مرذولة أغلب تاريخها، وارتبط بفئات معينة اشتهر عنها التعامل بالربا لاسيّما اليهود، حتى جاء الاقتصاد الحديث ليقلب الوضع ويدخل هذه المعاملة الخبيثة ضمن المعاملات المحمودة، بل الضرورية للتقدم
стр. 1086
الاقتصادي، فكيف حدث هذا التحول تحت دعاوى العلمية؟ وما أبعاده في العالم الإِسلامي؟
من بين أهم المداخل التي دخل بها الربا داخل النظام الاقتصادي مدخلًا العلمانية والعلمية، فمن خلال العلمانية تم إقصاء التوجيه الديني عن المناشط الجديدة التي بدأ تأسيسها على العلم، وعندما انفلت العلم الحديث عن الدين انطلق -لأن الدين الذي كان يقيده ليس هو الدين الحق، بل دين محرف- ولكن انطلاقته دون توجيه رباني واعتماده فقط على الوهم بقدرة العلم على تصحيح المسار جعله يشتط في باب المعاملات المحرمة، فأدخلها هذا العلم الجديد ضمن البناء الاقتصادي تحت مسمى العلمية، مما يجعل الاعتراض عليها من باب الاعتراض على العلم.
وفي مقابل هذا الشطط الذي أدخل المعاملات المحرمة -لاسيّما الربا- ضمن الاقتصاد جاء تيار آخر أكثر شططًا، فسّر تحت مسمى العلمية أيضًا ظاهرة الربا كظاهرة مرضية خطيرة، ووضع مقترحاته العلمية من أجل نزعها من النظام الاقتصادي. ويُعدّ النظام الاشتراكي لاسيّما في صورته الماركسية أبرز ممثل للتوجه الثاني يقابل في ذلك النظام الرأسمالي الذي يمثل التوجه الأول المدافع عن الربا، ويتكون من هذين النظامين أشهر التوجهات الاقتصادية الحديثة. وفي مقابلهما يظهر النظام الإِسلامي للاقتصاد بخصائصه العظيمة، لاسيّما من جهة ربانيته وشموليته ومرونته (١)، ويبقى الجهد كبيرًا وملحًا على علماء المسلمين في إخراجه للعالم، والعجيب أننا بينما نجد في المسلمين من يزهد في النظام الاقتصادي الإِسلامي نجد من الغربيين من يلمح فيه "اقتصادًا فريدًا يمكن للآخرين أن يجدوا فيه شيئًا ثمينًا، ويقول: "إن التصور الإِسلامي للحياة الاقتصادية في غاية التميز، وفي منتهى السمو الأخلاقي، وليس أقل فعالية من أي شيء قدمه الغرب المادي المتهور". ويقول أيضًا: "لو عرف الاقتصاديون الغربيون المزيد عن القرآن، لفهموا قيمة الاقتصاد الإِسلامي" .. يقول ذلك في معرض رده على هنتيغتون. ." (٢).
стр. 1087
ولكن للأسف فقد غلب على الكتابات العربية الجانب الوصفي والنقلي أو التحمس للخيار الرأسمالي أو الاشتراكي، فكانت تتحدث عن النظريات الغربية كما هي؛ أي: عما هو واقع، بينما يواجه الفكر الإِسلامي جهدًا أشق، وهو الكتابة عن الشيء المأمول أو عن الشيء الذي نفقده ونسعى للحصول عليه وفق التصور الإِسلامي (١)، ويزداد الأمر صعوبة مع احتكار الغرب دراسة هذا العلم لأكثر من قرنين حيث عبّأه بكل خصائصه وظروف بيئاته هناك، متأثرًا بالظروف الموضوعية والخلفية التاريخية والأخلاقية لتلك الأرض التي نشأ عليها. ورغم تباين الدراسات إلا أنها تصدر عن أصل واحد: الفصل بين النشاط الاقتصادي والأخلاق، فعالم الاقتصاد لا يعنيه أن يكون النشاط أخلاقيًا أو غير أخلاقي، حرامًا أو حلالًا، عدلًا أم ظلمًا، وإنما يعنيه أن يحقق منفعته الآنية حتى ولو كان ذلك على حساب غيره وعلى حساب قيمه وعلى حساب دينه، وبهذا الفصل يتم إبعاد الدين عن التوجيه (٢).
الربا في الفقه الإِسلامي:
قبل دراسة صورة تأثير النظريات العلمية الاقتصادية حول الربا في الفكر التغريبي أذكر باختصار تعريف الربا في الفقه الإِسلامي مع الأدلة:
قال ابن قدامه في خلاصة مركزة هي خلاصة الفقه الإِسلامي حول الربا: "الربا في اللغة: هو الزيادة. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾، وقال: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾؛ أي: أكثر عددًا، يقال: أربى فلان على فلان، إذا زاد عليه.
وهو في الشرع: الزيادة في أشياء مخصوصة.
وهو محرم بالكتاب، والسنة، والإجماع؛ أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وما بعدها من الآيات.
وأما السنة، فروي عن النبي ﷺ أنه قال: "اجتنبوا السبع الموبقات". قيل: يا رسول الله ما هي؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا
стр. 1088
بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
وروي عن النبي ﷺ أنه لعن آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه. متفق عليهما في أخبار سوى هذين كثيرة.
وأجمعت الأمة على أن الربا محرم" (١).
أدلة تحريمه في الكتاب والسنة:
ومن تأمل في الآيات والأحاديث الواردة في الربا عَلِم شدّة النهي وأهمية إبعاد الربا عن النظام الاقتصادي الإِسلامي، وعن تعامل المسلم، فما وجد من تشديد فيه قلّ أن يوجد مثله في باب المحرمات، وهذا بعض ما ورد عنه في الكتاب والسنة:
اشتمل القرآن على اثنتي عشرة آية في الربا (٢)، صريحة في الربا وشديدة فيه:
قال -تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١].
وقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠].
стр. 1089
وقال -تعالى-: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].
وقال -تعالى-: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩].
ونختار من الأحاديث النبوية الكثيرة بعضها:
فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" (١).
وعن جابر قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال "هم سواء" (٢).
وعن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: قال رسول الله ﷺ : "درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية" (٣).
عودة العناية بموضوع الربا وفوائده:
ومن أهم الصور التي تطغى على التعاملات الاقتصادية هي القرض بفائدة، وهي صورة بارزة في النظام المصرفي الحديث وتقوم عليها كثير من التجارات المعاصرة، فمن يحصل على قرض يُردّ بفائدة غالبًا ما تكون محددة بنسبة معينة فـ"الفائدة هي الزيادة "في رأس مال القرض" في مقابل الزمن" (٤). ولهذا السبب
стр. 1090
أخذ موضوع الفائدة الربوية مساحة كبيرة داخل الفكر الاقتصادي العربي المعاصر، وكما يقول مفكر اقتصادي: "فإن الفائدة والربا من أكثر المسائل تعرضًا للجدل في الدين والاقتصاد، حتى يومنا هذا"، وقد ظهر النقاش أول الأمر مع ظهور البنوك، ثم عاد النقاش مع التحول الصحي المهم نحو البنوك الإِسلامية (١)، لهذا فتح الفكر الإِسلامي باب الحديث عن الفائدة الربوية نقدًا ونقاشًا مهمًا، وفي ذلك يقول مفكر اقتصادي: "ومما يزيد في أهمية الموضوع أن الاقتصاد الإِسلامي أول ما بدأ إنما بدأ بمسألة الفائدة والربا والمصارف" (٢).
[أصل منهجي في هذا الباب]: ليست مشكلة الربا من عدم مطابقته لمعادلات رياضية صحيحة أو من عدم استجابته لبعض الخصائص البشرية، فإنه قد يقع الصواب الرياضي والتوافق مع بعض الخصائص النفسية ومع ذلك فهذا لا يعني صوابها الشراعي إلا إذا تطابقت مع الأمر الشرعي؛ أي: أن ما يكون واقعًا قد لا يصح شرعًا، وهي مسألة في غاية الأهمية، فقد يظهر في البحوث العلمية سلامة أمر من بعض مجالاته من جهة مادية، ثم لا تصح من جهة الشرع؛ لتعلقات أخرى بالموضوع. وقد وقع الإشكال في هذا الباب بعد فصل العلوم عن الدين، ومن ذلك ما يرد في الدراسات الاقتصادية، فهو علم يركز على الثروة ورأس المال (٣)، وكيفية تنميتها ومن ثم إدخال الرفاه على الناس، وقد يصل إلى طرق سريعة في تنمية الثروة، وهنا لا تكذيب بسرعتها في تنمية الثروة ولكنه قد لا يصح في الشرع، كما هو مثلًا في موضوع الربا، فمن يشكك في كونه طريقًا سريعًا للثروة! وهي ثروة لفئة محدودة لئيمة الطباع، ترضى بسرقة جهد الآخرين، ومن هنا جاء خطورة إغفاله من جانب العلاقة الإنسانية والعلاقة بالقيم والعلاقة بالتماسك الاجتماعي التي رعاها الشرع، فليس الأمر فقط تنمية