← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

جسده كانت تشع بنورها على أوروبا كاملة وهي بلاد الأندلس، وقُضي على المسلمين فيها بصورة بشعة، وطاردوهم عبر محاكم التفتيش ذات التاريخ الأسود، وحاولوا طمس معالم الإسلام أينما وجدوها ما عدا العلوم النافعة لهم، وبذلوا كل ما يستطيعون من أجل تشويه صورة الإسلام في عقول شعوبهم، وسُدّت كل منافذ الدعوة إليه، وحُرم الأوربيون من التعرف عليه. إلا أن التاريخ لن ينسى أثر الأندلس المسلمة في يقظة أوروبا النصرانية، ولن ينسى بأن الأندلس مع أختها صقلية وغيرهما بقيتا من القرن العاشر الميلادي إلى نهاية الثاني عشر تقريبًا مركز الإشعاع لهم ونقطة الاتصال بالحضارة الإسلامية. وإنما ذكّرت بهذه الحقائق لأن أصحاب الكتاب السابق حاولوا إغفالها بقولهم: "إن أهمية العمل الذي تحقق سابقًا -أي: في القرنين الحادي عشر والثاني عشر-، وتراجع الإسلام في إسبانيا، وبذات الوقت تصاعد المسيحية؛ كل ذلك غير إلى حدٍ ما في القرن الثالث عشر سمة المركزين الكبيرين للترجمة: إسبانيا وصقلية، وبدلا من استقبال الثقافة العربية بشكل سلبي خالص، قام نوع من النشاط الخلاق بفضل تأثير ملكين متنورين: فريدريك الثاني وألفونس العاشر ملك قشتالة" (١). فهم يغفلون المجازر الوحشية التي حدثت للمسلمين، ويصورون المسألة كأنها فقط تراجع للإسلام وتقدم للمسيحية، وكأن المسألة تمت بتحول طبيعي وسلمي. وقد تحدثوا عن أثر الملكين المتنورين الهام في نقل العلوم من بلاد المسلمين إلى أوروبا ودمجها بالحياة العلمية والثقافية، إلا أنه لا يخفى بأن ملوك أوروبا آنذاك ومن خلفهم رجال الكنيسة كانوا يتحركون باتجاهين: أحدهما: قيادة الحروب الصليبية ضدّ المسلمين، والثاني: ترجمة علوم المسلمين إلى لغات شعوبهم. ومن ذلك ما قام به "فريدريك" من مراسلات "لملوك الشرق" للاستفادة مما عندهم من العلوم، ورعايته لمجموعة كبيرة تتقن العربية من العلماء ليترجموا له علوم المسلمين، وأغلبهم ممن درس في بلاد المسلمين أو عاش فيها، ومن أشهرهم "ميشال سكوت" و"ليوناردي بيزا"، ويظهر أن هذا الملك قد فتح عيون أوروبا لطريقته، فقاموا بفتح بعض نوافذهم لاستقبال شمس الشرق كألفونس

стр. 107

العاشر وغيره، ومع ذلك فلا ننسى بأن هؤلاء قد أجرموا في حق أممهم عندما حرموهم من معرفة الإسلام بما وضعوه من حاجز بين شعوبهم وبين الإسلام، أما ما نقلوه من علوم المسلمين مما ينفع في الدنيا فقد ظهرت ثمرته في مولد العلم الجديد.

стр. 108

ثالثًا: الثورة العلمية سبق الحديث عن الأجواء الممهدة لما اصطلح عليه فيما بعد "الثورة العلمية"، ورأينا صورة من التفاعلات الاجتماعية داخل المجتمع الأوروبي مع ما صاحب ذلك من تأثير بارز للحضارة الإسلامية وعلوم المسلمين في زيادة وتيرة الحراك الاجتماعي الأوروبي. وبما سبق يصل المجتمع الأوروبي إلى حافة نقلة نوعية كبيرة أُطلق عليها فيما بعد "الثورة العلمية"، ونظرًا لأهمية هذه الفقرة بالذات للبحث، فسأقف معها وقفة مطولة نسبيًا لأعيد تحليل هذا الحدث الكبير وفق رؤية نقدية إسلامية. وترجع أهمية هذا الحدث -الثورة العلمية- لظهور أول نظرية جديدة تأخذ شعبيةً كبيرة، وتُحدث صراعًا كبيرًا، وتعيد تشكيل خريطة الفكر الغربي كاملًا، وما تبع ذلك من تطورات على مستوى المجتمع الغربي ككل، وستصبح هذه النظرية نموذجًا لما يظهر بعدها من نظريات في صور الصراع المتوقعة مع بروز نظرية جديدة، والآثار المترتبة على ذلك، والمناهج المصاحبة لإدارة ذلك الصراع، والرؤى المقترحة حوله. ورغم توالي النظريات العلمية في الظهور بعد حدوث الثورة العلمية؛ فإن الأحداث المصاحبة لظهور كل نظريةٍ جديدة لا تختلف كثيرًا عن صورة الأحداث المصاحبة لأول نظرية. ويزيد في أهمية دراسة ذلك الحدث بأن امتداد هذا الصراع ظهر في كل بلد دخلته تلك النظرية -أو ما بعدها من نظريات- بما في ذلك بلاد المسلمين مع بداية احتكاكنا بالغرب في القرنين الأخيرين. وتحليل هذا الحدث المهم يسهم في تفسير ما يصاحب بروز النظريات العلمية من مشكلات في أي مكان ظهرت فيه، ويساعد في رسم الموقف السليم مع أي نظرية ظهرت أو ستظهر.

стр. 109

معالم الحدث في الكتابات الفكرية نجد عند العودة إلى المراجع التي درست الثورة العلمية أو مرحلتها التاريخية نوعًا من الاتفاق على ذكر أحداث معينة أسهمت في حدوث الثورة أو تطورها، ومن أهم ما يذكر ما يلي: أولًا: أن الثورة العلمية انطلقت في المقام الأول من علم الفلك ويتبعه مباشرة علم الفيزياء. ثانيًا: أن النظرية الجديدة في علم الفلك هي القول بأن الأرض تدور حول نفسها من جهة، وحول الشمس من جهة أخرى -هذا في الجملة- على تفصيل يأتي ذكره، ورغم وجود مثل هذا الكلام قديمًا إلا أنه لم يكن هو السائد والمقبول. ثالثًا: أن هناك أسماء بارزة أسهمت في هذا الحدث أهمها -رغم وجود غيرها- "كوبرنيكوس" و"براهي" و"كبلر" و"برونو" و"جاليليو" ويختم عند الأغلب بـ "نيوتن"، ويطلق على النظرية غالبًا نظرية كوبرنيكوس أو النظرية الجديدة في الفلك. رابعًا: أن صراعًا عنيفًا قام بين الكنيسة من جهة وأقطاب علم الفلك الجديد من جهة أخرى، في فترة كانت الكنيسة قوية، فبدّعت وكفّرت وهددت وسجنت وأحرقت أو شاركت في إحراق البعض، وقد رسّخَ هذا الصراع صورةً نمطية أصبحت فيما بعد يعبر بها عن علاقة الدين بالعلم. خامسًا: أن تطورًا مهما صاحب ما سبق ولحق به على مستوى المنهج والفكر، قاد هذا التطور مجموعة أسماء أهمها "بيكون" و"ديكارت".

стр. 110

[١] البداية من علم الفلك: من يرجع إلى المكتبة الثقافية لينظر حجم ما كتب حول الفقرات السابقة؛ يجد ذلك الكم الضخم الذي يصعب اختصاره هنا رغم أهميته للبحث، وأي اختصارٍ مهما كان دقيقًا فهو يبقى مخلًا في عرض الجوانب السابقة، ومع ذلك فلكل باحث حدوده في بحثه، وأجد نفسي مضطرًا إلى اختصار ما يصعب اختصاره: أ- علم الفلك القديم: كان علم الفلك أحد العلوم السبعة (١) التي تُدرّس في جامعات أوروبا ويحرص عليها المتعلم الجديد، ويصعب تعليل "لم كانت انطلاقة الثورة العلمية من علم الفلك بالذات، و -لم- لم تأت من غيره"! ومع هذا فعلم الفلك كان أحد العلوم المشهورة آنذاك، ويحرص عليه كثير من المتعلمين. وكان عمدتهم في علم الفلك على كتاب "المجسطي" لبطليموس بحسب ما نقل عن المسلمين مع إضافات فلكيي المسلمين وغيرهم، مع مجموعة رسائل مدرسية سهلة لمن يصعب عليه كتاب "المجسطي" (٢). كان محور عناية الفلكي يدور عن الأرض التي نعيش عليها وما يرى حولها من كواكب ونجوم، وعامة الناس يعلمون أنهم على الأرض، ويرون في النهار الشمس، وفي الليل أقرب ما يرونه القمر، ومن خلفه مجموعة هائلة من النجوم تزين السماء، وقد وردت آيات كثيرة في القرآن عن الأرض والقمر والشمس والنجوم والسماء، داعية العاقل إلى التأمل فيها والاعتبار بها ليتوجه القلب بعد ذلك إلى تعظيم خالقها وإلى عبادته سبحانه. وقد ظهر علم الفلك منذ زمن بعيد ليعتني برصد هذه الأفلاك ومعرفة أشكالها وأحجامها وحركاتها وآثارها، ويُذكر أن أصل هذا العلم أخذ عن

стр. 111

"إدريس" عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام والله أعلم بحقيقة ذلك كما يقول شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀، ومنه ما هو صحيح حيث يقول أيضًا: "أما الحساب -وهو نوع منه- فهو معرفة أقدار الأفلاك والكواكب وصفاتها ومقادير حركاتها، وما يتبع ذلك، فهذا في الأصل علم صحيح لا ريب فيه، كمعرفة الأرض وصفتها، ونحو ذلك، لكن جمهور التدقيق منه كثير التعب، قليل الفائدة، كالعلم مثلا بمقادير الدقائق، والثواني، والثوالث في حركات السبعة المتحيرة. . . ." (١)، ومنه ما هو حرام كعلم التنجيم القائم على السحر وما في بابه، أو خاطئ كأي علم توجد فيه ثغرات تُصحح مع الزمن. فالصحيح منه ما قام على الرصد والتأمل والحساب، وقد يعتريه الخطأ من بعض جوانبه، لاسيّما مع نقص الأجهزة الكافية للوصول إلى نتائج سليمة. ومن مشاكل علم الفلك القديم أنه اشتهر في بيئات وثنية كاشتهاره في بلاد اليونان الوثنية، فاشتغل به بعد ذلك كثير من الناس ليوصلهم إلى أبواب التنجيم، وقد كان التنجيم بابًا لجمع الأموال واستغلال رغبة الناس في معرفة المستقبل والغيب، وكان بابًا للوصول إلى الرئاسة، حيث كان كثير من الملوك والأمراء يقربون المنجمين ويستشيرونهم في كثير من الأمور. وهكذا إما أن نجد المنجم كاهنًا في أحد المعابد التي تُعبد فيها الكواكب والنجوم، أو لصًا يجمع الأموال ويتّجر بهذا العلم، أو مقربًا من السلاطين والملوك فينعم بالمنزلة والمكانة. لهذا وغيره راج سوق علم التنجيم وكثر طلابه، بخلاف علم الفلك الصحيح، فهو أصعب وطلبه أعسر. وقد كان الموقف الشرعي في الجملة إباحة ما ينفع منه وتظهر ثمرته أو السكوت عنه، وتحريم ما لا ينفع، وفيه انحراف عقدي؛ كادعاء علم الغيب ومعرفة آثارها في الأرض على وجه التفصيل أو ما إلى ذلك (٢). والغريب في الأمر أن رواد الثورة العلمية الفلكية كان عندهم عناية بأمور التنجيم إلى جانب عنايتهم بعلم الفلك الصحيح، وكان عند بعضهم اعتقاد شيء

стр. 112

من ألوهية بعض النجوم كعقائد الوثنيين القدامى، وفيهم من اعتقد بالامتداد اللانهائي للكون منبهرًا بهذا المشهد الذي علمه وما صاحب ذلك من القول بوحدة الوجود. فهذه الأمور وغيرها كانت موجودة عند أغلب رواد الثورة العلمية الفلكية، ومع ذلك لا تجدها مذكورة في الكتب التي تحدثت عن الصراع بين الدين والعلم كما يقال، حيث يُظهرون أهل الدين أنهم أهل خرافة بينما أقطاب العلم كأنهم بعيدون عنها، مع أن الجميع -رجال الكنيسة ورواد الثورة العلمية- يشتركون في جوانب من الانحراف العقدي ويجمعون صورًا من الخرافة والدجل. كان الأمر في باب الفلك في العصور الوسطى الأوروبية قد استقرّ على نظرية "بطليموس" مع الصورة الأرسطية، وأخذت الكنيسة بتلك النظرية وأصبحت جزءًا من معتقدات النصارى، وقد كان الرسم المتخيل للكون بحسب رأي "أرسطو" بأن الأرض هي المركز، حولها الماء، ثم في دائرة أعلى الهواء، ثم القمر، وهذه الكونيات التي تحت القمر، وفوق القمر مجموعة دوائر لمجموعة كواكب، وهي ستة، ثم بعدها حزام مليء بالنجوم (١). كانت هذه هي النظرية السائدة، ونظرًا لأن المجتمع الأوروبي قد مرّ بأحداث كبيرة ضربت الكنيسة وعلمها، من ذلك الحركة الإنسانية وحركة الإصلاح الديني؛ فقد صاحب ذلك بلبلة عميقة أصابت الأوروبيين. ورغم اتفاق الكنيسة الكاثوليكية والمنشقين الجدد البروتستانت على نظام أرسطو؛ إلا أن هناك فئة بدأت تتشكك فيه، ويرون فيه ثغرات كبيرة، ويبحثون عن تصور جديد حول طبيعة حركة ما يرونه من أفلاك لاسيّما الدائر منها فيما أطلق عليه فيما بعد بالمجموعة الشمسية. ب - علم الفلك الجديد وشخصياته: كان أغلب رواد الثورة العلمية الفلكية الجديدة من أبناء الكنيسة، ومنهم من سلك في مراتبها درجات عليا، إلا أنه كما حدث من أبنائها من انشق عنها في الجانب الديني الطقوسي؛ فهناك أيضًا من سيبدأ في الانشقاق عنها في ما تعتقده من علوم ومعارف، وهذا يقودنا إلى التعرف على شخصيات المرحلة الجديدة، والنظرية التي ضربوا بها الفكر السائد في زمنهم.

стр. 113

في أثناء حديث الدكتور محمد قطب عن الطغيان العلمي الذي تمارسه الكنيسة ورجالها ذكر بأنها تفرض "على العقول ألا تفكر في أمور الكون المادي بما تقتضيه الملاحظات والمشاهدات العلمية، وأن تلتزم بالتفسيرات الكنسية لما جاء من إشارات في التوراة عن شكل الأرض وعمر الإنسان، ولو خالفت هذه التفسيرات كل حقائق العلم النظرية والعلمية على السواء! بدأت القصة، أو بدأت الزوبعة حين قال العلماء: إن الأرض كروية وإنها ليست مركز الكون. ويعرف التاريخ الأوروبي من أبطالها ثلاثة أسماء شهيرة غير الأسماء الأخرى التي لم تلمع على صفحات التاريخ، وهؤلاء هم كوبرنيكوس وجردانو برونو وجاليليو. ." (١). ولعل من المفيد إضافة "براهي" و"كبلر" و"نيوتن". وأغلب هؤلاء كانوا في القرن السادس عشر الميلادي وبداية السابع عشر باستثناء نيوتن فقد كان عالم أوروبا في القرن السابع عشر (١٠ - ١١ هـ)، وهذا يقودنا إلى ملاحظة ذكرها "توبي أ. هف" بأن: "القرن السادس عشر كان قرنًا من الابتكارات الفلكية التي أعادت ترتيب الكون بشكل جذري" (٢)؛ أي: ترتيب الأخطاء المتصورة في العلم الفلكي الأوروبي عن الكون. ١ - مولد النظرية مع كوبرنيكوس: وقد بدأت محاولات الترتيب مع كوبرنيكوس فيما يطلق عليه عادة "الثورة الكوبرنيكية"، وتذكر "الموسوعة العربية العالمية" بأن: "نهضة العلم ابتدأت في أوروبا عام (١٥٤٣ م) بطبع كتابين دحضا التقاليد السائدة، كتب أحدهما الفلكي البولندي نيكولاس كوبرنيكوس، وكتب الثاني أندرياس فزاليوس، وهو عالم تشريح. . . ." (٣)، وكتاب "كوبرنيكوس" هو "حول دوران الأجسام السماوية" (٤) الذي

стр. 114

تحدى فيه "وجهة نظر بطليموس التي مفادها أن الأرض هي مركز الكون، وكانت نظرية بطليموس التي تقضي بمركزية الأرض تتطلب سلسلة معقدة من الحركات الدائرية كي تفسر مشاهدات الفلكيين بصدد الطريقة التي تتحرك بها الكواكب. فقد أدرك كوبرنيكوس أنه إذا كانت الأرض والكواكب الأخرى تدور حول الشمس، فإن ترتيبًا أقل تعقيدًا من الدوائر يمكن أن يفسر حركة الكواكب المنظورة، ولكن نظريته المتعلقة بمركزية الشمس لم تحدد بدقة حركات كل الكواكب. ." (١). وقد تردد كوبرنيكوس في إخراج نظريته، وكتابه المشهور صدرت طبعته الأولى وهو على فراش الموت، وما تداوله الناس إلا بعد موته، وبهذا تجاوز مشكلة مواجهة الكنيسة والجمهور العلمي. وقد عني الناشر بالتنبيه إلى أن كوبرنيكوس قدم نظريته على أنها مجرد فرض فلم يُثر الكتاب اعتراضًا كما يقول يوسف كرم، وهي نظرية "قال بها قبله أرسطرخس الفيثاغوري، وذكرها شيشرون في أحد كتبه، وقرأها كوبرنك، فعمل على تأييدها، أو بعبارة أصح، على بيان إمكانها" (٢). وفي مقدمة الكتاب بقلم صديقه "أوسياندر" أكد على ذلك حيث قال بأن: "نظرية اعتبار الشمس مركزًا قدمت كفرض"، إلا أن "راسل" يلمح إلى عدم وجود يقين بصدد موافقة "كوبرنيكوس" على هذا الكلام، وقد أهدى كتابه إلى البابا، وكأنه نجا بذلك من إدانةٍ كاثوليكية رسمية حتى حلّت عليه زمن "جاليليو" (٣). كان كوبرنيكوس (١٤٧٣ - ١٥٤٣ م) رجل دين بولنديًا -أي: أنه من رجال الكنيسة المعتبرين- وبعد جولة له في إيطاليا عاد إلى موطنه، حيث كان كاهنًا فيها، هذا من جهة معتقده.

стр. 115

أما الجوانب العلمية فقد كان أستاذ الرياضيات أثناء إقامته في روما، وعنايته بالفلك كانت في وقت فراغه، ومن خلال تأملاته الفلكية وبحوثه وصل إلى نتائج جمعها في كتابه الآنف الذكر، وهو يعد مؤسس علم الفلك الحديث. ومما يُذكر عنه أنه درس في جامعة بادوا في إيطاليا، وهي جامعة اشتهر عنها العناية بالعلوم المنقولة عن المسلمين، وكانت تمثل إحدى النقاط المهمة في تعرف الغرب على الشرق (١). وخلاصة نظريته: أن للأرض حركة مزدوجة، دورة يومية حول نفسها، ودورة سنوية حول الشمس، وأن القمر يدور حول الأرض، وأن الأرض والقمر والكواكب الأخرى كلها تدور حول الشمس، مع إثبات كروية الأرض ككروية القمر وغيره مما يشاهد في السماء، وبيّن بالتفصيل أنه بهذه النظرية يمكن تفسير جميع المظاهر الفلكية، وجعل دورانها حول الشمس في حلقة دائرية تبعًا للاعتقاد الفلسفي اليوناني بأن الدائرة أكمل الأشكال الهندسية والله سبحانه لا يخلق إلا الأفضل (٢). وقد ذكر غير باحث بأن لـ "كوبرنيكوس" عبارات في تعظيم الشمس، ومنهم من حملها على المجاز، ومن ذلك ما قاله فيها بعد وصف الأفلاك: "في الوسط تجلس الشمس على عرشها، ومن معبدها المنير يشع نورها على الكون كله، ومن الحكمة أن نسميها بالمصباح المنير أو العقل المدبر أو حاكم الكون، وسماها الإله المنظور. ." (٣). لقد كانت هذه النظرية بما خلفها من نظريات وحسابات وما بعدها من نتائج وحقائق، جديدة على المجتمع الغربي، وجديدة على الأوساط الفكرية العلمية الدينية، إلا أنها لم تكن جديدة على بيئات أخرى لاسيّما علم الفلك في بلاد المسلمين، يقول توبي: "فمن المتفق عليه الآن بشكل عام أن التصور الكوبرنيكي الجديد للكون لم يقم على ملاحظات جديدة مذهلة أو أساليب

стр. 116

رياضية جديدة لم تكن معروفة لدى العرب" (١)، ذلك أن علماء الفلك في البلاد الإسلامية قد حاولوا تجاوز كتاب المجسطي المعتمد في باب الفلك في أغلب بلاد العالم آنذاك. ويشير باحث عربي -عبد الحميد صبرة- إلى أن عالم الرياضيات ابن الهيثم لعب دورًا مهمًا في حفز الفلكيين العرب لتجاوز بطليموس واليونانيين، حيث صرح في أثناء شرحه لكتاب "المجسطي" بأن الترتيبات المقترحة فيه لحركة الأجرام السماوية فاسدة، وأن الترتيبات الصحيحة لم تكتشف بعد (٢)، فقامت بعده حركة فلكية كبيرة صححت كثيرًا من الأغلاط، معتمدة على الملاحظة والحساب. ولهذا احتار مجموعة من الباحثين بعد ظهور مجموعة كبيرة من كتب التاريخ للعلم العربي، بسبب هذا التشابه الكبير بين النتائج التي وصل إليها علماء في البلاد الإسلامية وبين ما عرضه كوبرنيكوس ومن بعده حول الموضوع نفسه، "وهذا التطابق الأساسي للنماذج هو الذي دعا نويل سويردلو لأن يسأل لا "عما إذا" كان كوبيرنكس قد تعلم نظرية مراغة بل "متى وكيف"" (٣)، وأن هذا "الشبه بين النماذج الفلكية التي وضعتها مدرسة مراغة "ووصلت أفضل صورها على يد ابن الشاطر -وبين نماذج كوبيرنكس. . . . بلغ من الشدّة -باستثناء مركزية الشمس عند كوبيرنكس- حدًا دعا البعض إلى القول، دون تجاوز الحقيقة: "إن كوبيرنكس هو أشهر أتباع مدرسة مراغة، إن لم يكن آخرهم"" (٤). وقد يستغرب بعض القراء ما أحيط بهذا الحدث من أهمية، وما أنيط به من آثار، وجعله مفتاحًا للثورة العلمية، ومفرقًا بين العلم القديم والعلم الحديث، مع أن بعض مواده قد قيل بها من أيام اليونان، فلم كل هذه الأهمية له؟! والحقيقة أن بعدنا الزماني والمكاني والثقافي عن الحدث قد لا يشعرنا بخطورته على التطورات الفكرية والعلمية في العصر الحديث، ومما يقربنا من تصور الحدث هو التذكر بأن أوروبا عاشت قرونًا طويلة لاسيّما ما اصطلح عليه العصر المدرسي الذي غلب عليه ثقافيًا كُتب تُشرح وتدرس وتُدرّس وتكرر دون إحداث شيء جديد، ومع الأيام تحولت تلك المواد المدروسة إلى مسلمات عقدية يصعب

стр. 117

الخروج عليها، ومن أتى بجديد فلا يقبل منه لما في ذلك من ابتداع ومخالفة للأوائل، فإذا أضيف على ذلك تقديسها وإنزالها منزلة الوحي علم عند ذلك صعوبة إعلان موقف أو رأي جديد، والانتقال من نمط تفكير إلى آخر. فإذا كانت الكنيسة بهذه المكانة والمنزلة ولها هيبة، ومعارفها لا يرقى إليها أي شك، وقد تحالفت مع الإقطاع والنبلاء والأمراء وتحالفوا معها، ثم يأتي من يضرب ببعض معارفها عرض الحائط، فلا شك أن نجاح مثل هذا يعرضها للانهيار، ومن ثمّ أطلق على أثر كوبرنيكوس ثورة؛ لأنه حطم من جهة علم الفلك القديم، والأهم من ذلك ضربته القاسية التي وجهها للكنيسة، لاسيّما وهو يشكك في معارفها العلمية التي يُحرم التكذيب بها. ٢ - إحراق برونو يُشهر النظرية: خرج كتاب "كوبرنيكوس" سنة وفاته، ودفن في مقابر القديسين، وسلم من التجريم إلى زمن "جاليليو"، إلا أن من قاد النظرية نحو الصدام مع الكنيسة شخص آخر يُدعى "جيوردانو برونو" (١٥٤٨ - ١٦٠٠ م) الإيطالي، ويعد أبرز فلاسفة عصر النهضة، دخل ديرًا للدومنيكان ثم بعد فترةٍ خلع ثوب الرهبنة، وكان كثير المشاغبة ضد الكنيسة، فيُجرّم مرّة ويعلن توبته أو يهرب. وبقي متنقلًا بين أوروبا يُدرّس علم الفلك والفلسفة الأرسطية، إلا أنه انقلب ضد فلسفة أرسطو وظل يُدافع عن الفلك الجديد وعن حرية الفكر، وسجن أكثر من ست سنين، واتهم بثماني تهم منها التهكم على تجسّد المسيح وعلى القربان الأقدس، ويذكر "يوسف كرم" -وهو يميل للدفاع عن موقف الكنيسة عادة- بأن البابا أصدر "أمره بأن يطلب منه إنكار القضايا المخالفة للعقائد المقررة، دون القضايا المتعلقة بمذهب كوبرنك. فكان هذا التمييز من جانب البابا دليلًا على استعداد الكنيسة لقبول العلم الجديد، قبل تحريم كتاب كوبرنك وإنذار جاليليو بثماني عشرة سنة. . . ."، فرفض "برونو" الإنكار "فحكم عليه بالجرم، وبتسليمه إلى السلطة المدنية "كي يعاقب برفق ودون سفك دم" فأعدم حرقًا بعد أسبوع. ."، وكلام "يوسف كرم" لا يتفق أوله مع آخره؛ فان الكنيسة لو كانت ستقبل علم الفلك الجديد ما وصل الأمر إلى تحريم كتاب كوبرنيكوس وطلبها من جاليليو الاعتذار عن أقواله الفلكية، وكذا فإن تعليقه الختامي يشكك في تلك المقدمة حيث قال في النهاية: "ومهما يكن من أمر إحراقه -وكان منهاج العصر يحتمل هذا الضرب

стр. 118

من الإعدام- فلا شك في أنه خرج على الدين خروجًا خطيرًا، كما أشرنا إليه وكما سيتضح من بيان مذهبه أنه كان راهبًا معيبًا وفيلسوفًا مفتونًا، جواب آفاق، مشاكسًا مهاترًا" (١). ونحن أهل الإسلام نعلم بأن "برونو" قد خرج على الدين، وهو من أهل وحدة الوجود عند من عرّف بمذهبه؛ إلا أن الخروج أيضًا من الكنيسة، وكونها تتخذ من سلطتها مبررًا لإحراق المخالفين لها لا يمكن تبريره في عصرها ولا في عصرنا، وأنها بعملها هذا -لاسيّما وهي تُتهم بأنها أحرقته على ما قاله من صواب سواء في باب نفيه لتجسّد المسيح ﵊ أو في أبواب الفلك- سَتُرسّخ صورة نمطية خطيرة في علاقة ما اصطلح عليه الدين بالعلم ورجال الدين برجال العلم، وسيُعَمم هذا الموقف على أنه يمثل كل دين، ويتخيل الناس أنه إن وجدت قوّة وسلطة لأي دين فستقوم بما قامت به الكنيسة من تعذيب أو إعدام أو تحريق لمخالفيها. وفي المقابل فإن قضية "برونو" التي اشتهرت في تاريخ الفكر هي في دفاعه عن العلم الجديد ونظرية كوبرنيكوس الفلكية لا أنها على معتقداته المخالفة للكنيسة؛ لاسيّما ومثل تلك المعتقدات شائعة في أوروبا، ولن يكون أكثر فسادًا في الاعتقاد من جماعة الإنسانيين ومع ذلك لم يُحرقوا. و"برونو" لم يشتهر بجديد في الفلك بقدر ما اشتهر بدفاعه عن نظرية "كوبرنيكوس" ونشره لها، وهذا ما ميزه عن "كوبر"، فبينما خاف كوبر من إخراجها في حياته وبقي محتفظًا بها إلى يوم وفاته، فإن "برونو" يمثل الصوت الإعلامي البارز، وهو مشاغب أيضًا، صاحب لسان حاد على مخالفيه، وقد قاده ذلك إلى ما خاف منه "كوبرنيكوس"، وفعلًا ظلّت حادثته ماثلة أمام أعين بقية علماء الفلك. بقي ذلك إلى أيام "جاليليو" الذي كان ما إنْ يظهر فكرة حتى يسارع في التوبة والاعتذار عنها (٢).

стр. 119

ولكن هذه الهيبة التي كانت للكنيسة قامت على الكذب والظلم والجهل، والناس عادة وإن هابوا مثل هذه المؤسسات التي تتصف بما سبق فإنهم في داخلهم يمقتونها ويكرهونها ويفرحون بالخلاص منها يومًا ما، وهذا ما حدث تدريجيًّا في أوروبا مع المؤسسة الكنسية. يجعل التيار العلماني من حدث إحراق "برونو" رمزًا للبطولة، ويستلهمون منه حججهم في الدفاع عن العلم في مواجهة الدين، ويتناسون أن الدين الحق لم يُمثّل في هذه الحادثة، وأن حادثة الإحراق كانت شائعةً في أوروبا، فلماذا تناسوا الدفاع عن بقية المحروقين إلا لهوى في النفوس، مع العلم بأن الإعدامات بصورها المروعة ظَلَّت تمارس حتى مع الأنظمة العلمانية المدافعة عن العلم والعلماء كما يقال (١)، ولا يعني هذا تبرير جرائم الكنيسة في حق الأبرياء بقدر ما يعني عدم السماح للعلمانيين باتخاذ مثل هذه الحوادث فرصة لمعاداة الدين بحيث يخلطون دين الحق مع أديان الباطل. لا شك أن حدث إحراق رجل تعرفه أغلب أوروبا كبرونو سيكون له صداه الواسع في المجتمع الأوروبي، وسيبدأ الناس مناقشة سبب إحراقه. وكونه دافع عن نظام كوبرنيكوس الفلكي؛ فهذا الحدث سيدفع بهذا النظام الفلكي إلى الساحة الثقافية وسيتحاور الناس حوله بكثرة. وهذا الحدث أيضًا أدخل الكنيسة في مأزق، فهي إما أن تثبت صحة كلامها في نفيها النظرية الكوبرنيكية أو تترك ذلك لأهل الفلك، وهم الأعلم في هذا الباب، ولا شك أنها كانت في حاجة إلى دعم من علماء الفلك لحفظ ماء

стр. 120

الوجه أمام المجتمع، لاسيّما أنها غير قادرة على إثبات بطلان النظرية بحجج علمية، وأما الحجج العقلية المعروضة والمتخيلة فكثيرة، وسنجد أنها لا تقوى على مواجهة العلمية أو إقناع الفلكيين. وفي هذا الجوّ المشحون انطلق الفلكيون في التحقق من كلام أستاذهم والدفاع عن علمهم، وفي الوقت نفسه واصلت الكنيسة طغيانها العلمي ومراقبة ومتابعة هؤلاء وتحذيرهم، والمجتمع ينظر وبشاهد ويترقب، ومع ذلك فإن نظرية كوبرنيكوس فعلًا كانت تعاني من مصاعب ذكرها أغلب الدارسين لذلك الحدث، وأن تلك الثغرات كانت تسمح بانتقاص النظرية الكوبرنيكية ليس من رجال الكنيسة فقط، بل من بعض العلماء والمثقفين. ومن ذلك افتقارها إلى بعض الحسابات المهمة التي تقطع الشك، وأنها انتقلت من مركزية الأرض إلى مركزية الشمس، وعدم إيجاد شيء مقنع حول سرعة دوران الأرض دون أن نشعر به، إلى غير ذلك (١). ٣ - براهي والبحث عن الأدلة: يظهر أن اقتناع الفلكيين الجدد بنظرية كوبرنيكوس قد دفعهم إلى مواصلة البحث عن الأدلة وعن الأجوبة لكل التساؤلات، ومن أولئك الفلكي المشهور تيشو براهي: (١٥٤٦ - ١٦٠١ م) حيث نذر حياته لرصد الكواكب وذلك تحت رعاية ملك الدانمارك، ثم تحت رعاية الإمبراطور "رودلف الثاني": فقام من خلال أجهزته بفهرسة للأجرام السماوية، وذلك عبر معاينته لمواضع الكواكب سنين طويلة، ومادة هذا الفهرس مناسبة بعد ذلك لمن أراد دراسة الفلك أو التحقق من النظريات أو وضع تصور جديد، وكان من أهم آثارهِ كشفه لمذنبات أبعد من القمر وكان أثرها كبيرًا في القضاء على نظرية أرسطو القائلة بان التغير والفساد خاص بالمنطقة التي تحت القمر لا ما فوقه، وكما يقول "راسل": "وهذا مثل كل شيء قاله أرسطو في الموضوعات العلمية، ثبت أنه عائق دون التقدم" (٢). وكان لبراهي

стр. 121

نظرية قريبة من نظرية كوبر: يرى بأن الشمس والقمر يدوران حول الأرض، أما بقية الكواكب فتدور حول الشمس، ويذكر "برنال" بأنها في الحقيقة تنتسب إلى نظرية كوبرنيكوس (١). وبهذا العمل يقدم "براهي" الأدلة المادية المحسوسة بحسب إمكانيات ذلك الزمان؛ أي: أن الدعم يتواصل لنظرية "كوبر" التي أُعدم بسببها "برونو". ٤ - كبلر: للسعي للتوفيق واكتشاف القوانين: وقد قاد هذه المعركة من بعد "براهي" تلميذه ومساعده كبلر: (١٥٧١ - ١٦٣٠ م)، الذي انصرف من تدريسه اللاهوت إلى الرياضيات لحبه لها، وما يرى فيها من كمال وإلى الفلك، وقد استفاد كثيرًا من أستاذه "براهي"، وقد كان ميّالًا إلى التنجيم، وذلك أنه يرى أن الله هيأ التنجيم للفلكيين (٢)، وقد بدأ نشاطه الفلكي بمحاولة التوفيق بين النظرية الكوبرنيكية وبين نظرية العقول المحركة للكواكب الموروثة عن الفلسفة الأفلاطونية، ثم ترك تلك وآثر العلل الطبيعية، واستعاض بالقوة عن العقل المحرك. ومن أهم إنجازاته استعاضته بالمدار الإهليجي بدل المدار الدائري، وتخليه عن عقيدة كون الدائرة أكمل المخلوقات وهي عقيدة موروثة عن الفلسفة الأرسطية وقال بها كوبرنيكوس قبله، إلى غير ذلك. - محاولات التوفيق: ومما يهمنا في عمله تصوره بإمكانية التقريب بين النظرية والدين وإقامة علاقة بينهما تقوم على الوفاق بدل الصراع، ففي أول كتاب له خصص فصلًا للتوفيق بين نظرية كوبرنيكوس والتوراة، فلما راجع المخطوط أساتذة اللاهوت بجامعة توبنجن البروتستانتية -وكان بروتستانتيًا- حذفوا منه ذلك الفصل، فلم يظهر في الكتاب المطبوع، بل رفض لاهوتيون بروتستانت أن ينشر دراسة حول مذنب ظهر في زمنه (٣).

стр. 122

وعملية التوفيق هي منهج تاريخي مشهور، فقد كانت مشكلة التعارض قبل ظهور العلم الحديث تقوم بين ما يتوهم تعارضه بين الدين والعقل، وهو الآن ينتقل إلى ما يتوهم تعارضه بين الدين والعلم. ولم يكن "كبلر" الأول أو الوحيد في هذه المحاولة، وقد سبقه إلى ذلك "رتكس" (١٥١٤ - ١٥٧٤ م) أول أتباع كوبرنيكوس وأشدهم حماسة له، حيث كتب رسالة "حاول فيها التوفيق بين الكتاب المقدس والنظام الكوبيرنكي الجديد. وهذا يعني باختصار أن الصدام بين النظام الجديد للعالم والآراء اللاهوتية المعتمدة -وهي مزيج من النصوص المقدسة والأرسطية التقليدية- شكل عقبة كَأْدَاء أمام قبول النظام الكوبيرنكي، وكان لا مفر من أن يصل هذا الصدام إلى لحظة المواجهة الحاسمة -إما في أثناء حياة كوبيرنكس أو بعد ذلك بقليل- كما حدث فعلًا مع غاليليو. ." (١). وستبرز أيضًا جهود التوفيق في آخر المطاف مع "جاليليو" في عدّة محاولات، والملاحظ هنا بأن أصحاب المحاولات ليسوا رجال الكنيسة أو من المدافعين عن الدين، بل هم رجال الفلك المدافعون عن العلم، بعكس ما يُرى من صور حديثة بعد الانتصار الذي حققه علم الفلك ومن بعده انتصار النظام العلماني في الغرب، وهذا الانتصار قاد الكنيسة إلى عزلة، مما دفع البابا ليون الثالث عشر (١٨٩٣ م) والبابا بنوا الخامس عشر (١٩٢١ م) في رسالتين لهما إلى قصر "تطبيق نصوص الكتاب المقدس على الأمور الدينية" (٢). وفشل منهجية التوفيق من الطرفين -علماء الفلك وغيرهم أولًا ورجال الكنيسة ومن في حكمهم ثانيًا- يعبر عن مشكلات خاصة في منهجية التوفيق؛ لأنها في الغالب تعبر عن حالة الضعيف أمام القوي، وليست ميزانًا بين الحق والباطل أو الصواب والخطأ أو بين الأمور المشتبهة؛ ولذا لا يلجأ إليها إلا من كان مُستضعفًا، بخلاف القوي الواثق من مبدئه وما هو عليه، وهناك دون شك إلى جانب المشكلات الداخلية بمنهجية التوفيق مشكلات خارجية ترتبط بالتطورات الخاصة بالمجتمع الغربي أسهمت في فشل مشروع التوفيق، وجعلت كل طرف يتحرك في مجاله دون تدخل في الطرف الآخر.

стр. 123

وسيأتي بإذن الله فصل خاص عن هذه المنهجية التي كثُرَ استخدامها لدى بعض الشخصيات الإسلامية لمحاولة الدفاع عن الدين أمام النظريات العلمية، وبيان مدى مناسبتها، وإنما وقفت معها في هذا الموطن؛ لأنها أشهر مرحلة برزت فيها منهجية التوفيق. لم يكن رجال الدين على شاكلة واحدة إذ كان فيهم بعض العقلاء المعتدلين مثل الكردينال "بلارمينوا" الذي قال في رسالة له "ترجع إلى سنة (١٦١٥ م) موجهة إلى أحد الرهبان المناصرين لمذهب كوبرنك: "لو كان هناك برهان حق على دوران الأرض وثبات الشمس، إذن لتعين الحذر الشديد في تفسير آيات الكتاب المقدس، ولكان أحرى بنا أن نقول: إننا لا ندرك معناها، من أن نكذب ما قام عليه البرهان. ولكني لن أعتقد بقيام هذا البرهان قبل أن يبين لي" وهذا ما حدث بالفعل فيما بعد، إذ لم تعد الكنيسة تحرم الاعتقاد بمذهب كوبرنك، بل صارت تحمل الآيات على محمل التعبير بالظاهر، كما نقول نحن الآن: طلعت الشمس وغربت" (١). فهذا الموقف يعطي ثالث موقف من مواقف الكنيسة: ففي وقتِ قوتها كان رأيها الصواب وتهدد المخالف، ثم في مرحلة متوسطة عند ثبوت أدلة برهانية فيكون هناك حذر شديد في تفسير النصوص المقدسة وسلوك مسلك التفويض، وفي المرحلة الثالثة كأنه يشير إلى ترك التفويض وسلوك المذهب الظاهري مع النصوص مع ما يحويه من اعتراف مبطن بأن الظاهر لا يعني الحقيقة، والحقيقة هي في علم الفلك، وهذا الموقف الذي وقعت فيه الكنيسة ما كان ليحدث لولا اشتمال ما عندهم على باطل ومعلومات غير صحيحة، وما نجح فيه العلم وانتصر به على الكنيسة هو في جزء الحق الذي معه، لا أنه يملك كل الحق. ومما يجدر التنبيه إليه في هذا المقام هو غرابة موقف "كبلر": فبينما يقال عنه بأنه صاحب ديانة صادقة على الطريقة البروتستانتية، فإنه مع ذلك له ميل إلى التنجيم، وإلى القول بالعقول الفلكية وأنه كان ميالًا إلى عبادة الشمس (٢)، وهناك من يربط بين هذا الميل إلى عبادتها وبين وضعها مركزًا في نظريته، فإذا تركنا

стр. 124

هذه العجائب وهي لا تنقضي مع هؤلاء، فإن له في المقابل كشوفًا علميةً مهمة كان لها أثرها في حل مشاكل في علم الفلك والفيزياء الكونية. - اكتشافه ثلاثة قوانين وبروز مفهوم القانون الطبيعي: وأهم ما قدمه للفلك اكتشافه لثلاثة قوانين عن حركة الأجرام السماوية (١)، وربك أعلم بعباده حيث قال سبحانه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]، حيث استطاع بعدد قليل من القوانين تفسير كثير من حركات الأجرام السماوية، وهذه ميزة منهجية للقانون أو القاعدة أو الأصل في أنها جملة صغيرة تفسر عددًا كثيرًا من الجزئيات، والوصول لمثل هذا العمل ليس سهلًا، ويندر في تاريخ البشرية من يكتشف مثل هذه القوانين والقواعد والأصول وما في بابها. إلا أنه سيصبح لمفهوم القانون أثر كبير في بناء النظريات العلمية الحديثة والعلم الحديث، ونظرية "كوبرنيكوس" عندما صاغها "كبلر" في قوانين نجح في إقناع الفلكيين بها، وفي فرضها على العلم رغم ما سيحدث لها من تحسينات مع اللاحقين إلا أن التحسين ليس مثل الإبداع. وبقدر فائدة القوانين للتطور العلمي، إلا أن هناك خللًا ما صاحب ازدهار مفهوم القوانين لاسيّما مع عالم أوروبا في القرن الحادي عشر/ السابع عشر "إسحاق نيوتن"، وحاصل هذا الخلل: أنه عن طريق مذاهب علمانية سادت في أوروبا تمّ الاستعاضة بفكرة القانون عن الإيمان الحقيقي الكامل بربوبية الرب سبحانه وتقديره لكل شيء، فهؤلاء عندما استنتجوا الحوادث من أسبابها، والتغيرات من عللها، اكتفوا بها (٢)، وصاغوها في قوانين، وقطعوا النظر في تدبير الله سبحانه لهذا الكون وتصريفه له وإمساكه للسماوات والأرض وتسخيره للمسخرات، فمنهم من يرى أن الله قد أوجد هذا الكون بقوانينه، وتركه بعد ذلك، وهذا غالبٌ على الربوبيين، ومنهم من لا يبحث عما خلف هذه القوانين بحجة أنها قضايا ميتافيزيقية ماورائية أسطورية غيبية دينية على اختلاف في تعليلاتهم، وهذا غالب على الملاحدة الخلص. وهناك في المقابل من رأى بأن

стр. 125

إثبات هذه القوانين يعدّ انتقاصًا لقدرة الله سبحانه ولربوبيّته فمن هذا المنطلق كذب بها مطلقًا. ودين الله الحق المنزل من السماء وسط في ذلك قال -تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فالكون كله مدبر لله سبحانه مسخر له، يصرّفه سبحانه كيف شاء، وهو سبحانه قد وضع في الكون أسبابًا ومسبباتها وعللًا ومعلولاتها كما ورد في كثير من النصوص، ولذا فمذهب أهل السنة عدم إنكار الأسباب، ولا يقال: يفعل عندها أو معها وإنما بها، فهي مؤثرة، والسبب والمسبب من خلق الله سبحانه ولا يخرج عن تقديره سبحانه. فما ثبت صحته من هذه القوانين، وهو ناتج عن التأمل في علاقة عوالم الكون الكبرى والصغرى، فلا يخرج عن هذه القاعدة، وما كشف من التأمل في هذه العلاقات ما هو إلا مما وضعه الله سبحانه من تأثير بعض عوالم الكون في أخرى، وسيأتي لهذه النقطة مزيد بحث في فصل قادم بإذن الله، وما كانت هذه الوقفة إلا من أجل تتبع الصور المنهجية أو النمطية التي ترسّخت مع أول نظرية علمية ظهرت في العصر الحديث. - دخول الأجهزة الحديثة في مضمار العلم وأثرها في تقدمه: من الأمور شبه المتفق عليها بأن للأدوات التي اكتشفها المسلمون ونقلت إلى الغرب أثرًا مهمًّا في مساعدة علماء الغرب في تطوير علومهم، كما أن للأرقام العربية التي يُعبر بها عن أثر المسلمين في تطور علم الحساب وأثر تطويرهم لعمل الصفر، ومن ثمّ أثرها في ترويض العلوم؛ أي: جعل أغلب العلوم ذات صورة رياضية دقيقة، دورها المهم في تطور العلم. وقد بني علماء أوروبا على المنقول إليهم مع سعيهم الحثيث لمواصلة تطويرها، ووجدوا بأن العلم المعتمد على المنهج التجريبي في حاجة إلى أجهزة، وأن نتائجه في حاجة لعلوم الحساب، وهما مما قد سبق للمسلمين فيهما شق الطريق. لقد كانت مشكلة رؤية البعيد أو الصغير أو المختفي أمرًا يعيق أيّ تطور علمي حقيقي، فمن البعيد الأجرام السماوية، ومن الصغير الكائنات المجهرية، ومن المخفي أعضاء جسم الإنسان الداخلية أو ما في جوف الأرض وما في حكمها.

стр. 126

وقد يسّر الله سبحانه للبشر اكتشاف أجهزة تسهم في رؤية ما يصعب رؤيته مما سبق، وكان أولها اكتشاف المقرّب "التلسكوب"، وباكتشافه قفز علم الفلك قفزة كبيرة، ولحقه اكتشاف المجهر الذي يكبر ما لا تراه العين المجردة حتى تراه بوضوح، وأخيرًا اكتشاف الأشعة التي تتخلل الحواجز، وتتجاوزها لتظهر المخفي خلفها أو بداخلها، وما زالت هذه الأنواع الثلاثة في تطور مستمر، وكان أثرها في تقدم العلم كبيرًا. وهذه ميزة ميّزت العلوم المادية في العصر الحديث، وهي ارتباطها بالأجهزة، وكلما كان العلم قادرًا على صنع أجهزته كان تطوره وتقدمه ودقته أسرع وأفضل، ومن أهمها الأجهزة التي تساعد العين في رؤية ما لم تكن تستطيع رؤيته، والعين هي إحدى وسائل ووسائط التعلم، وبقوتها ودعمها تزداد إمكانية التعلم والتحقق. وإذا عدنا إلى أجواء أوروبا في قرنها السادس عشر بعد إحراق برونو وإدانة غيره، وحاجة الكنيسة وأصحاب النظرية الأرسطية إلى منُقذ لها من المأزق الذي هي فيه، ومع قوانين كبلر وكتاباته، ومع الحديث الدائر في أوساط المجتمع المختلفة، وحاجة الفلكيين أيضًا إلى الدعم الإضافي للخروج من هذا الصراع ومن المسبّة التي ألحقتها بهم الكنيسة وأصحاب أرسطو، في هذه الأجواء يُيسر الله سبحانه لأحد الناس اكتشاف المقرب "التلسكوب" من شخص ليس له علاقة بكل هؤلاء، ولا علاقة له بكل هذه الأحداث. وما من شك بأنه في فترات زمنية مختلفة كان هناك من تمنى لو يرى الأشياء البعيدة على الأرض أو في السماء ولكن لم يصل أحد إلى حلّ لهذه الأمنية، وفي هولندا وبطريقة غامضة توصل أحد الصُنّاع إلى اكتشافه، وكان صانعًا للنظارات (١). وبدأ الناس يتداولون هذا الجهاز الغريب بإعجاب كبير، فها هو يقرب البعيد على هذه الأرض، ويقرب بعض ما نراه في السماء، وبدا الآن ممكنًا دخول جهازٍ مادي ليفك هذا الصراع الدموي والحدث الكبير الذي دام أكثر من مئة سنة وذهب ضحيته العديد من الناس، وكان أشهر من استخدمه العالم الإيطالي جاليليو.

стр. 127

ج- دور جاليليو: كان جاليليو أحد أشهر شخصيات هذه المرحلة، درس الطب أول حياته إلا أن ميله كان لغيره، ودرس في جامعة بيزا الإيطالية ثلاث سنوات، ثم انتقل إلى جامعة بادوا المشهورة في أوروبا، والتي قامت شهرتها على نقل علوم المسلمين وتطويرها، قضى فيها سبع عشرة سنة، وكان يُدرّس الفلك القديم مع اعتقاده بنظرية كوبرنيكوس، شأنَ غَيْرِ واحِدٍ من أساتذة العصر كما يقول يوسف كرم (١). ١ - استعمال جاليليو للتلسكوب وآثار ذلك: وصلت أخبار التلسكوب إلى آذان أساتذة بادوا، فقرر جاليليو أن يصنع واحدًا بنفسه، ووجهه إلى السماء "وفي الليالي القليلة الأولى التي شاهد فيها السماء اقتنع بخطأ كل ما صوره أرسطو لهذه السماء الصافية، أما القمر فبدلًا من أن يراه كرة كاملة وجده مليئًا بالبحار والجبال. ."، وأغلب ما رآه "صورة مصغرة لنظام كوبرنيكوس والتي يمكن لأي فرد التحقق منها إذا نظر من خلال التلسكوب إلى السماء" (٢). جمع "جاليليو" كل تلك المشاهدات مع ترتيبه الخاص بها في كتاب "رسول من النجوم" وعنوان الكتاب في حدّ ذاته معبّرٌ عن المشكلة التي كانت في عصره، وفيه إيحاء للأطراف المتنازعة بأن ما كنتم فيه تختلفون قد ذهبتُ إليه وتأكدتُ منه، وعدتُ إليكم بخبر يقين. والحقيقة أنه لم يذهب إلى هناك كما يحاول رواد الفضاء في عصرنا هذا، وإنما حاول تقريب الفضاء منه ليرى بعض ما لم يكن يُرى سابقًا، وقد أدهشت مشاهداته وملاحظاته كثيرًا من الناس، والتي أعلن فيها بشكل قاطع تأييده لنظرية كوبرنيكوس. وسبحان الله كم يدهش المتابع لهذه الأحداث كيف كانت نهايتها، فمنذ مئات السنين وهؤلاء الفلكيون يقدمون النظريات المختلفة، ويكتبون مئات الكتب، ويسطرون آلات الأوراق، ويجهدون أنفسهم بإقامة المراصد الضخمة وينفقون عليها الشيء الكثير، ويبقون الليالي الطويلة يتابعون بأبصارهم حركاتها،

стр. 128

ويحاولون كشف تلك العلاقات بمعادلات رياضية سهلة وقوانين ميسورة، وتحدث حول كل ذلك الصراعات الهائلة والمناقشات الضخمة، ثم يظهر جهاز صغير، تحمله اليد، وتنظر من خلاله العين، فترى بصورة سريعة ما لم يكُن يرى، وتكشف أشياء لم تخطر على بال أحد، فتقوم بهدم ذلك التراث الضخم، وتحول كل تلك الكتب إلى المتاحف، والمراصد إلى الآثار، والجهود والصراعات إلى التاريخ، وتطوى حقبة طويلة بلغت مئات السنين لاسيّما تركة أرسطو حول الأفلاك وما في بابها. والعجيب أنه منذ نظرية بطليموس ورؤية أرسطو واعتماد الكنيسة لها، واعتمادها في أغلب كتب الفلسفة والعلم في العصور الوسطى، واعتمادها مئات السنين، وتحويلها إلى عقيدة كنسية يكفر من يخالفها، تأتي آلة صغيرة، وجهاز متواضع ليحطم كل علم أرسطو ونظام بطليموس حول الكون، وقامت هذه الآلة بالمهمة نيابة عن عشرات الأشخاص ومئات الكتب وآلاف الصفحات وأوقفت الجدل الطويل والصراع الكبير، وقالت رأيًا شبه حيادي في الموضوع. لقد انتقل الحديث من الاحتمالات العقلية والملاحظات والمشاهدات البصرية العادية إلى التلسكوب، وبدأ أغلب أطراف الصراع بوضع كل تركتهم عند عدسته، وانتظار حكمها في كل ذلك، فما أيدته قُبل، وما لم تؤيده اختلف فيه أو رفض. وهو جهاز بسيط يسّره الله سبحانه لبعض خلقه، فقلب الوضع رأسًا على عقب. وفي هذا عبرة مفادها: بأن العلم ما لم يكن وحيًا من السماء فسيبقى تحت دائرة الاحتمال والظن، وأن ما يعتقده الناس علمًا ولم يكن له دليل من الوحي، فقد يأتي يوم من الأيام يتحول إلى خطأ تاريخي يعجب المتأخرون كيف أن المتقدمين قالوا به كل هذه السنين. وبالعودة إلى الأحداث الدائرة حول الثورة العلمية وبعد إعلان "جاليليو" نتائجه، كان الخاسر الوحيد هو الكنيسة وأتباع أرسطو، فأما الكنيسة التي سمحت في الفترة الماضية بكتب "كوبرنيكوس" ونظريته كفرضية عادت الآن وحرّمتها وجرّمت "كوبر". وقام بعض رجال الكنيسة مع بعض المتعصبين لأرسطو بالامتناع عن النظر من خلال التلسكوب حتى لا يهتزّ ما أثبته أرسطو أو الكنيسة. وأما جاليليو بكلامه هذا فسيدخل في صراع طويل ومرير مع الكنيسة كان أخطر بكثير في آثاره من ذلك الذي حدث مع "برونو"، فبرونو يبقى في الدرجة

стр. 129

الأولى فيلسوفًا أما جاليليو فهو عالم، وجعله "راسل": "أعظم مؤسسي العلم الحديث، مع إمكان استثناء نيوتن" (١). ويهمنا في هذه الأحداث الصورة النمطية التي تشكلت من آثار الصراع حول هذه النظرية وأصبحت نموذجًا يتكرر مع ظهور كل نظرية جديدة في الغالب. لقد استعان جاليليو بأداة جديدة في الصراع الدائر في أوروبا آنذاك، والذي يظهر أنه لم يكن في حاجة إليها للاقتناع الشخصي بنظام "كوبر" ونظريته، فقد كان فرحًا بها لإقناع المخالفين وجمهور الناس. ومنذ ذلك الحين وإلى الآن والآلات بأنواعها تدخل في أغلب الصراعات التي يولدها التعارض بين نظريات العلماء وأفكارهم من جهة والثقافة السائدة من جهة أخرى، وقد أصبح لها مكانة كبيرة في حسم أغلب الصراعات. ويتناسى البعض بأن هذه الأجهزة يدخلها الخطأ والاشتباه، وأنها -وإن كانت مادية- فهي تتأثر بمن يصنعها أو يوجهها أو يستثمرها، وهذا ما يؤكده بعض فلاسفة العلم المعاصرين ولاسيّما في الجوانب البعيدة أو الصغيرة، حيث يختلط فيها رأي العالم بتفسير الظاهرة (٢). ومن أيام التلسكوب الذي قرب البعيد إلى بعض الأجهزة الحديثة التي ساعدت مجموعة للقيام بعمليات الاستنساخ لبعض الكائنات الحية، وللأجهزة أثرٌ كبير في إيجاد صراعات ثقافية كبيرة أو إقفالها. وسيظهر في بعض فقرات البحث شيء من ذلك فنجد عمدة بعض الرافضين لما جاء في الدين من قضايا خبرية، بأن الأجهزة الحديثة بقياساتها الدقيقة لم تُثبت ذلك، أو أثبتت خلافه، مع أنه عند التحقيق يظهر خطؤهم، ومن باب التمثيل أذكر حديثًا وقع في زمننا حول نوعٍ من الأجهزة -وهي تلك التي تكشف بعض المخفي كالأشعة وما في بابها- فإن هناك أدوات تصوير حديثة تكشف الجنين في بطن أمه وتحدد جنسه: ذكر أو أنثى، فقد يتوهم البعض ويجعل ذلك من باب الغيب المطلق؛ لأن النصوص الشرعية تجعل ذلك من باب الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وهذا يعني عدم قدرة الأجهزة الحديثة على كشف ذلك، ولا شك أن هذه المسألة ما كانت لتثار لولا ما يسره الله للبشر من اكتشاف هذه

стр. 130

الأجهزة وصناعتها، وقس على ذلك ما تقربه المقربات أو تكبره المكبرات من الأنواع الثلاثة المذكورة. وفي هذا الباب أيضًا ما أحدثته المكبرات مما هو أوسع مما سبق، حيث تكبر جينات الجنين قبل تكونه، ليحددوا ليس فقط ذكورتَه من أنوثته، بل أوصاف ذلك الطفل، فعلماء الوراثة يقولون بأن لكل عضو "جينًا" معينًا يسهم في تشكيله، ومن خلال التعرف على هذا الجين يمكن معرفة صفة ذلك العضو، ومن ثمّ معرفة صفات الطفل (١). وسأقف مع الأولى لأنه قد دار حولها الجدال والحوار، فأغلب المستشفيات يوجد فيها أجهزة لتصوير باطن الإنسان، ومن ذلك تصوير ما في بطن الأم، ويمكن للأم أن تعرف ما في بطنها أذكر هو أم أنثى، وتعرف بعض أحواله وصفاته ووضعه الصحي. وقد فهم بعض الناس من قوله -تعالى-: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤]، وقوله -تعالى-: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾ [الرعد: ٨] وما في بابها من النصوص أن ذلك من الغيب المطلق، وعندما أُدخلت هذه الأجهزة إلى بلاد المسلمين وجدها البعض فرصة للطعن أو التشكيك، والبعض الآخر وقع في حيرة. عندها وقف العلماء وبيّنوا الفرق بين الغيب المطلق والغيب النسبي، فإن هذا النوع -وهو ما في الأرحام- قد عرفته الملائكة، وإذا أطْلع الله عليه أحدًا لم يكن غيبًا مطلقًا، أو أن الغيب المراد هنا أشمل من كونه تحديد جنس الطفل وصفاته الخَلقية، وإنما المراد والله أعلم ما يكتب للجنين ويقدر له في بطن الأم وفي دنياه وآخرته (٢). وليس المكان هنا مكان تفصيل الحديث عنها، وإنما الكلام عن أثر الأجهزة التي صاحبت العلم الحديث، وأصبحت أداة يستثمرها من لا خلاق له

стр. 131

في إظهار الشُبه والشكوك حول النصوص الدينية. وهذا انحراف خلقي صاحب بعض علماء العصر في العلوم الحديثة وذلك عندما يحاولون توجيه هذه الأجهزة في خدمة أهوائهم ويستخدمونها بغير حق ضد الدين وأهله، وهو انحراف صاحب حركة العلم الحديث في علاقته بالدين. وبالعودة إلى "جاليليو" أول من اشتُهر عنه الاستعانة بالمقرب "التلسكوب" في صراعه وما أثاره ذلك الفعل منه نجد صورًا غريبة، منها مثلًا: خوف معارضيه من هذا الجهاز، وقد رفض أتباع أرسطو النظر إلى السماء من خلاله، وأنه لا يكشف إلا عن أوهام ما دام ذلك يخالف ما قرره "بطليموس" و"أرسطو"، ويخالف ما قررته الكنيسة (١). ولكن هذا الرفض لم يُغير من رغبة الناس في استخدام هذه الأجهزة، بل اعتمدت الثورة العلمية اعتمادًا كبيرًا عليها فيما بعد. ٢ - صراعات جاليليو والمظهر الفكري الذي تبعها: بعد أن عرفنا أثر الأجهزة في الثورة العلمية، فلنعد إلى علاقة جاليليو بالأحداث والنمط الذي تشكّل بسبب صراعه مع الكنيسة: يُعدّ جاليليو أحد أبرز علماء أوروبا تأثيرًا في حركة العلم الحديث وأثره بارز في صناعة الثورة العلمية، وبسبب صراعه الدامي مع الكنيسة تشكّلت مواقف ومناهج طبعت صورة الفكر الغربي الحديث، وأثّرت كثيرًا في علاقة العلم بالدين، ومن المفيد ذكر صورة مختصرة عن جزء بسيط من أثر جاليليو في الثورة وفي الصراع مع الكنيسة ليتبيّن لنا حقيقة أثره ودوره ونفهم الصورة الملتبسة في العلاقة بين الدين والعلم عندهم، والصورة المستقرة في عقول الغربيين بعد ذلك الصراع. من يرجع لكتب تاريخ الفكر والعلم في أوروبا في أثناء حديثها عن مرحلة جاليليو، يجدها وكأنها قد حصرت النشاط الأوروبي في قضية جاليليو ومخالفيه، وكأن الحدث الأبرز والدائر في أوساط المجتمع هو حدث جاليليو فقط، ويظهر

стр. 132

أنه كان أهم شخصية دون منازع بما أثاره، وسأعتمد على ملخص جيد وضعه يوسف كرم (١) عن صراع جاليليو مع الكنيسة، وأجعله ثلاثة أجزاء: أ - الصراع الأول. ب - الصراع الثاني. ج - ما بعد الصراعين "النتائج". أ - الصراع الأول: بعد أن أصبح جاليليو شخصية أوروبية مشهورة يجالس كبار الساسة والبابا وهم قادة أوروبا، ونشر بعض ما نشر، وقع الصراع الأول وخلاصته: ١ - أخرج عالم من روما كتابًا يتهم فيه جاليليو "بمخالفة التأويل السلفي للكتب المقدسة". ٢ - قام جاليليو بإخراج رسائل يدافع فيها عن نفسه، وقام فيها "بتأويل النصوص الكتابية المعترض عليها طبقًا لنظريته". ٣ - تدخل أحد رجال الكنيسة الكبار في الصراع ونصح جاليليو "بأن يقتصر على التدليل العلمي، ويعرض نظريته على أنها فرض أبسط من النظرية القديمة، ويدع تفسير الآيات الكتابية إلى اللاهوتيين ولكنه لم يستمع إلى هذه النصيحة: ونشر تفسيرًا جديدًا لبعض الآيات". ٤ - عندها طلب منه ديوان التفتيش الكنسي أن يمتنع من الجهر برأيه ووعد بالامتناع، وبعدها قرر ديوان التفتيش إضافة إلى ذلك تحريم كتاب كوبرنيكوس ما لم يصحح، بعد أن كان مسموحًا به. لقد كان الصراع القائم مع معارضيه بسبب تحمّسه لنظرية يرونها مخالفة لما عندهم من معتقدات بخلاف نشاطه العلمي الآخر فما كان موطن اعتراض، بل كان يلاقي الدعم والتشجيع، ويكفي أنه كان من المقربين لقيادات المجتمع آنذاك. وهذه مسألة من المهم إبرازها، فإن هذه الحقيقة يُغفلها العلمانيون، وبعض من ينقل عنهم قد لا ينتبه لكل هذه الأبعاد في قصة الصراع وحقيقته، وهو تأكيد

стр. 133

لما ذُكر سابقًا من أهمية العدل بين المتخاصمين، فإن حقيقة الصراع بين الطرفين أنهما جميعًا كانوا أهل أهواء وأخطاء ولكنها دون أدنى شك تكون شنيعة عندما تكون باسم الدين. وسنجد بعض المتغربين عند استشهاده بنظرية علمية واعتماده عليها فإن خالفه مخالف، اتهم مخالفه بأنكم ضد العلم وتكررون موقف الكنيسة من العلم، مع العلم بأن الكنيسة لم تكن ضد العلم مطلقًا، وإنما كانت ضد النظريات التي تخالف ما تعتقده من معتقدات وتسكت عمّا لا يخالفها وتسمح بالنشاط العلمي في الجملة، وهذا يظهر من سماحها بكتاب كوبر بشرط تصحيحه وبطلبها من جاليليو أن يجعل نظريته فرضية لا نظرية. وخطأ الكنيسة هي أنها فرضت أخطاءها على الآخرين وجعلتها عقائد يجب اعتقادها، وتخلط بين الحق والباطل، وبعض ما استشهد به رجال الكنيسة مما هو معروف عند أهل الأديان مثل استشهاد لوثر بقصة إيقاف الرب سبحانه الشمس لنبي من أنبيائه. وسنجد أن جاليليو قد استمر في الدفاع عن النظرية الجديدة، وهي التي أوصلته إلى المحاكمة، بخلاف نشاطه العلمي الدنيوي فقد بقي قائمًا حتى في ظل إقامته الجبرية. قد يقال بأن الكنيسة كانت منزعجة من شهرة جاليليو، وتخشى أن يخرج العلماء من خارج إطارها ومؤسساتها، وأنها استثمرت معارضته لعقائدها في محاولة ضربه وإقصائه، وأنها تريد محاربة كل ما أتى به إلا أنها تركز على الجانب الفرضي غير المؤكد في كلامه حتى لا تشوّه صورتها، وتبقى هذه إحدى الافتراضات القوية المحتملة، وذلك لما عُرفت به الكنيسة من طغيان وجهل. ومع ذلك فإنه لم يُعرف عن الكنيسة أنها حاربت العلوم الجديدة التي لا تخالف معتقدات كنسية معينة، وإنما حاربت من أتى بشيء يخالف ما تقرر عندهم عقديًا. ومن المؤكد بأن تيارات كثيرة جاءت بعد أحداث الثورة العلمية كانت لها مصالح في إبراز التعارض بين العلم الجديد والدين أيًا كان هذا الدين، وتُصوره على أنه تعارض محتوم، وأن العلم يتعصب للعقل والمعرفة وأما الدين فيتعصب أهله للجهل ويحاربون العلم.

стр. 134

آلية حل المشكلة وفك الصراع بين الكنيسة ورواد الثورة العلمية: لقد عمل جاليليو سنين في جامعة "بادوا" أشهر جامعات أوروبا آنذاك، ومما يذكر عنها بأنها قد تأثرت بمذهب ابن رشد القائل بالفصل بين الحقيقتين: حقيقة دينية لها طريقها ومنهجها وأهلها، وحقيقة فلسفية لها طريقها ومنهجها وأهلها، وصياغته لقانون خاص بالتأويل لتطبيقه عند الحاجة من قبل الراسخين في العلم. أما السائد في أوروبا وعلى المستوى الرسمي للكنيسة: فإن ما تقدمه الكنيسة هو الحقيقة وإن ما يخالفها فهو خطأ، وقد استقرّ الوضع على التلاحم بين اللاهوت والفلسفة لاسيّما بعد اعتماد اجتهادات توما الإكويني. ولكن الجديد في الساحة الأوروبية هو بروز النظريات والكشوف العلمية، وبعضها يتصادم مع ما تقرر لديهم في اللاهوت، هنا برزت من جديد مشكلة التعارض بين لاهوتهم والعلم الجديد. وقد بدأت بوادر الخلاف بما رصده ذلك الرجل عن جاليليو وأثبت "مخالفته التأويل السلفي للكتب المقدسة" كما يقول، مع العلم بأن التحريف قد لحق بكتبهم المقدسة، وأن عقائد باطلة أُضيفت إلى المعتقد المسيحي، ومن أهمها عقيدة ألوهية المسيح ﵇، وأن تجسّده كان على الأرض، ولذا فهي معظمة ومقدسة ومركز الكون وثابتة؛ لأن هذا هو ما يليق بالإله، فخلطوا في كلامهم المعتقد الباطل بالتصورات اللازمة عنه. ولمعالجة هذه الأزمة استخدم جاليليو منهجية التأويل لتقريب النصوص من نظريته أو منهجية التفسير لوضع معنى آخر للنصوص لا يخالف نظريته. والملاحظ أن القائم بالتأويل والتفسير هو عالم الفلك لا رجل الكنيسة؛ وذلك أنه كان في حاجة لتمرير نظريته مع حرصه على السلامة من مخالفة الكنيسة، على أنه يوصف بالتدين أيضًا. ولكن الوضع تغيّر بعد ذلك بسنين حيث ضعفت الكنيسة، وتمّ إقصاؤها في المجتمع الغربي بعد نجاح الثورات العلمانية، عندها تحولت عمليات التأويل والتفسير من رجال العلم إلى رجال الكنيسة، وأصبحت الكنيسة هي الأضعف والأحوج لمنهجيتي التأويل والتفسير لتمرير عقائدها، ولتسلم قدر الاستطاعة من مخالفة العلم الحديث وأهله، واعتمدت في كثير من النصوص التفسير بالظاهر فيما يتعلق بهذه النظرية.

стр. 135

مع العلم بأن جزءًا من رجالات العلم وأغلب التيارات الفكرية لم تعد تحترم نصوص كتبهم المقدسة، بل الأوجع من ذلك على الكنيسة أنه بعد ضعفها ترك المفكرون منهجية التأويل والتفسير وتحولوا إلى منهجية النقد، وقد كان أشدّها ما قام به "إسبينوزا" و"شتراوس" (١) وغيرهما، وقد كان مصدر نجاحهما كثرة التحريف والتزييف الذي قامت به الكنيسة، وكان أشدّ ما توجه له هجوم هؤلاء هو القول بألوهية عيسى ﵇ والأقانيم والعشاء الرباني وغيرها، وهي مما يُعلم من دين الإسلام كذبها وبطلانها، وهذا ما يقرّه العقل الصحيح والفطرة السليمة. وهنا يتضح دور انحراف الكنيسة في فتح الباب للملاحدة وأمثالهم للطعن في الأصول الدينية، كالإيمان بالله سبحانه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وغيرها، ويتضح بأن الخلاف المزعوم ليس حقيقيًا؛ لأنه قام بين دين محرّف ونظريات تجمع بين الظن واليقين أو الحق والباطل. والذي يناسب ذكره في هذا المقام بأن "التأويل" وسيلة الأضعف، وأنه ينصب على النصوص الدينية فهي موضع الاشتباه أو التشابه عندهم، ولا يُنزل على النصوص والنظريات العلمية مع أنها قد تكون موضع الاشتباه أو التشابه كذلك، وأنه ما قام التأويل إلا بسبب الثغرات الموجودة في الكنيسة وتحريفاتهم الكبيرة لما جاء من الوحي، وأما الحق فواحد في الأبواب الخبرية، وما ثبت منه فلا يمكن أن يظهر من العلوم ما يعارضه. ويُظهر هذا التحليل التاريخي للحديث بأن منهجية التأويل تفتح من المشاكل أكثر مما تحل، وهذا يبرهن على عدم صلاحيتها في معالجة القضايا الدينية معالجة حقيقية، ويكفي أنها توحي بعدم صحة النص أو عدم صحة الفهم أو المعنى. ومن الخطأ ما نلاحظه في هذا الزمان من انسياق بعض المسلمين خلف طريقة التأويل لكل ما يتوهمه متعارضًا مع النظريات العلمية من أجل الدفاع عن الدين في وجه طوفان العلوم الحديثة، وذلك أنه يعبر عن الضعف وعدم الثقة بما بين أيدينا من الحق، وهذا سيكون مدخلًا للتوسع في نبذ النصوص والعقائد، والكلام هنا لمناسبة السياق، وإلا فهناك مبحث خاص بقضية التعارض ومنهج الناس في حلّها ومناقشة كل ذلك بإذن الله.

стр. 136

وفي ختام تحليل الصراع الأول تبرز لنا قضية وأنها كانت خاطئة، فمقولة: "إن الكنيسة عارضت العلم باسم الدين" ليس بصواب، وذلك أن هناك من سيعمم هذه العبارة فيما بعد ويجعل الدين أيًا كان عدوًا للعلم، وأيضًا فإن المنهج الذي استخدمه جاليليو سواء كان تأويلًا أو تفسيرًا جديدًا لم يكن حلًا سليمًا؛ لأنه حافظ على أخطاء الكنيسة حتى جاء من يُقصي الدين بعد ذلك ويبعده عن المجتمع عندما ضعف شأنه وأهله في أوروبا، والمسألتان السابقتان ينبغي الاحتفاظ بهما لفصول قادمة، والآن لنتجه إلى تحليل الصراع الثاني. ب- الصراع الثاني: سبق في الصراع الأول تخطئة جاليليو من قبل الكنيسة واستسلامه لرأيها، ووعد بالامتناع عن الجهر برأيه، وهذا يعني: أنه سيكون تحت دائرة الملاحظة والمراقبة، وأن أي عمل يعمله سيستفز بعض رجالات الكنيسة. ١ - في هذا الجوّ ظهر مُذنّب في الفضاء، وتكلم عنه جاليليو بكلام، فرد عليه أحد اليسوعيين. ٢ - صنف جاليليو كتابًا أسماه "المحاول"؛ أي: محاولة في المنهج التجريبي، ووجّهه لأحد رجال الدين، وحمل فيه حملة عنيفة على الفلك القديم. ٣ - بعد ثماني سنوات من كتابه "المحاول" أخرج كتابه المشهور "حوار يناقش فيه أربعة أيام متوالية أهم نظريتين في العالم" يقتصر فيه ظاهرًا على سرد الحجج في جانب كل نظرية، مع أن تعاطفه كان مع نظرية كوبرنيك. ٤ - تمت مساءلته فأجاب "أنه ما زال منذ قرار ديوان الفهرست يعتبر رأي بطليموس حقًا لا يتطرق إليه الشك، وكرر هذا الجواب، فكان كاذبًا مرتين. . . ." (١). لم يحدث جديد في الصراع الثاني، فإن مشكلة النزاع لم تكن حول جهوده العلمية وإنما بقيت حول دفاعه عن النظرية الجديدة في الفلك، ورفضه أن يجعلها فرضًا كغيرها من الفروض أو أن يؤكدها بحجج يقينية تقطع الشك عن الجميع. والذي يظهر بأن الطرفين كانا يصارعان من أجل حفظ كرامة الوجه كما يقال، وأن الجميع لم يكن همّه الحقيقة بقدر ما كان همه الخروج بأقل الخسائر،

стр. 137

ويظهر أيضًا بأن الاستفزاز كان سيّد الموقف من الطرفين، فكل طرف يستفز الآخر، وكل ذلك كان على حساب الحق والصواب. وقد ذكر "يوسف كرم" بأن المخالفين لجاليليو كانوا كُثرًا، فليس فقط الكاثوليك، بل وطائفة البروتستانت وجميع الأرسطوطاليين من مؤمنين وملاحدة وغيرهم، ولذا فالشبهة في حقه أكبر، فخرج حكم الكنيسة بتجريمه، ففي عام (١٦٣٣ م) "أصدرت محكمة التفتيش حكمًا بالإجماع على غاليليو يقضي بسجنه وبإلزامه بالتخلي عن معتقده"، وكان نصه "إننا نقضي ونحكم ونصرح بأنك أنت يا غليليو قد جعلت من نفسك متهمًا بالهرطقة تمامًا، وذلك بسبب تمسكك بعقيدة خاطئة ومضللة، ومنافية لما جاء في الكتاب المقدس، من أن الشمس هي مركز الكون، وأنها لا تتحرك أو تنتقل من الشرق إلى الغرب، وأن الأرض هي التي تتحرك، وأنها ليست مركز الكون". وبعد إطلاق الحكم عليه بأيام تلفظ وهو جاث على قدميه -كعادتهم- في كنيسة سانتاماريا في روما بعبارة الارتداد والتخلي عن معتقده على الوجه الآتي: "أنا غاليليو، في السبعين من عمري وماثل بشخصي أمام القضاء وأمام ناظري الكتاب المقدس الذي أضع يدي عليه بقلب ملؤه الإيمان، أصرح بأني أتخلى عن معتقدي وبأني أكره وأشجب الهرطقة المتعلقة بحركة الأرض" (١). وهناك اختلاف في الدراسات اللاحقة في سبب الحكم عليه، هل هو علمه ومعتقده الناتج عنه؟ أم أنه شخصه وأسلوبه في معارضة الكنيسة؟ فالمدافعون عن الكنيسة والمائلون إليها يرون السبب الثاني، أما أعداء الكنيسة فيرون السبب الأول. والشخص المحايد يعرف بأن للسببين أثرًا في المحاكمة، إلا أن مجرى التاريخ الأوروبي قد سار لصالح جاليليو ضد الكنيسة، وأصبحت الكنيسة هي من يبحث عن تفسير جديد لنصوص الكتاب المقدس -المحرف- وغلب عليها اعتماد التفسير بالظاهر، وترك الخوض في المجالات العلمية أو مجادلة العلماء. وبعد تدهور قوة الكنيسة طالب أنصار "جاليليو" الكنيسة بمراجعة حكمها والاعتذار عنه، وقد بقيت عشرات السنين تتهرب من ذلك، وتجد صعوبة في الاعتذار، إلى أن جاء البابا "جون بول الثاني" عام (١٩٨٠ م) فأمر بتشكيل لجنة

стр. 138

من العلماء والمؤرخين ورجال الكنيسة لتقويم الحكم الذي صدر على جاليليو. وقد توصلت اللجنة إلى أن القضاة الذين حاكموه قد جانبوا الصواب، وفي عام (١٩٨٤ م) تمّ ردّ الاعتبار لجاليليو أي بعد ما يقرب من (٣٥٠) سنة من إدانته (١). أما جاليليو فقد حُكم عليه بالسجن، إلا أن البابا آنذاك خفف عنه وجعله في إقامة جبرية خاضعة للمراقبة والمتابعة، وفيها أخرج أهم مؤلفاته في الفيزياء والميكانيكا الحديثة. ج- ما بعد الصراعين "النتائج": ذهب "جاليليو" وبقيت آثار الصراع، منها ما كان خاصًا بالمجال العلمي، ومنها ما له علاقة بالنظريات العلمية، ومنها ما له علاقة بالأنظمة الثقافية والدينية والاجتماعية السائدة، ومن أهم ما يختم به هذا الحدث من نتائج أربع قضايا وهي: أولًا: أثر الصراع في بروز الحل العلماني القائم على الفصل بين الكنيسة والعلم. ثانيًا: قضية تكافؤ النظريات العلمية. ثالثًا: القانون وآلية حركة الكون. رابعًا: التقدم العلمي والمنهج الجديد. فالأولى تبين أبعاد الطلاق القائم في الغرب بين العلم والدين وترسباتها التاريخية الحديثة، والثانية توضح مسألة مهمة تخص النظريات العلمية وتتعلق بالتساؤل حول إمكانية وجود أكثر من نظرية حول قضية واحدة، وأما الثالثة فهي بعض ما رسّخَهُ جاليليو في حركة العلم الحديث، ولها آثارها على المجال الديني، وأما الأخيرة فتبين حقيقة الأثر الإيجابي لجاليليو في حركة العلم الحديث. أوّلًا: أثر الصراع بين جاليليو وبالكنيسة في بروز الحلّ العلماني القائم على الفصل بين الدين والعلم أو بين الكنيسة والعلم: سبق أن ذكرنا بأن هذه المرحلة في أوروبا مرحلة صراعات كبيرة كان

стр. 139

أهمها: موجة الإنسانيين الخارجين على الكنيسة وقيمها، وانشقاق تيارات الإصلاح الديني والحروب المصاحبة لها وأشهرها حركة البروتستانت، وقام ثالثها بين الكنيسة ورجال العلم. ولعل هذا الصراع الأخير لأول مرّة يحدث في أوروبا منذ سيادة الكنيسة الكاثوليكية، فقد كان رجالات العلم هم رجال الكنيسة أو من أتباعها أو من المسالمين لها، إلا أن علماء الفلك بالدرجة الأولى -وإن كان عند بعضهم أكثر من علم- هم أول من أقام هذا الصراع بعرضهم نظرية جديدة وتحمسهم لها ودفاعهم عنها. وسبق القول بأن الكنيسة لا تعارض العلم، ونشاط العلماء كليًا لاسيّما، وبعض رجالها هم من العلماء في مجالات مختلفة، إلا أن الذي فاجأها هو النظرية الجديدة التي تخالف ما تعتقده من مكانة الأرض لتجسد الرب فيها في صورة عيسى ﵇ كما يزعمون، واستدلالهم بأن الله سبحانه أوقف الشمس لنبي من أنبيائه ولو كانت ثابتة لما كان الإيقاف لها وإنما للأرض، وينبغي أن نعلم بأن بعض اعتراضات الكنيسة كانت وجيهة وذات أصل صحيح وإنْ فُهمت أو فسرت خطأ؛ إلا أن خلط الحق بالباطل من قبل الطرفين أضاع الحقيقة بينهما. ومنذ إحراق "برونو" وأوروبا محتارة في طريقة معالجة مثل هذه المشكلة، ثم جاءت محاكمة "جاليليو" كأشهر محاكمة في تاريخ أوروبا لتدخل الصراع مرحلة خطيرة، يقول "برنال": "إن واقعة محاكمة جاليليو تميز عصرًا جديدًا؛ لأنها حولت الصراع بين العلم والعقائد الدينية إلى مسرحية درامية" (١)، وعدها "كويستلر" "أكبر فضيحة في تاريخ المسيحية" (٢)، وقد كانت الحلول المقدمة محدودة، وجميعها صعبة، فإما تقديم أحد الطرفين وإلغاء الآخر وهذا لم يعد ممكنًا، أو القول بصواب أحدهما وخطأ الآخر وهذا عسير على الطرفين، أو محاولة التقريب وهو ما فعله جاليليو عن طريق التأويل، ولكن ذلك أغضب الكنيسة، فهي تراه غير مؤهل لفهم اللاهوت والكتاب المقدس. عندها برز حلّ آخر يظهر أن "جاليليو" حاول عرضه وهو: الفصل بين اللاهوت والعلم، وقد قُبل هذا الحل بعده بسنين عند انتصار الثورات العلمانية

стр. 140

في أوروبا، وتمّ الفصل لصالح العلم وأصبح لكل منهما الحق في الوجود وعدم السماح لأحدهما بمنع ما يراه الآخر. وربما كان استمرار الصراع دون حل أحد الدوافع الكبيرة في نجاح العلمانية، يقول "حسن حنفي" عن "جاليليو": "دافع عن الفصل بين اللاهوت والعلم؛ لأنهما مختلفان موضوعًا ومنهجًا وغاية وحتى لا يتعارضا ويتصادما. وبذلك وضع جاليليو أساس استقلال العلم الحديث عن اللاهوت" (١)، وإن كان البارز من سيرة "جاليليو" ميله إلى التوفيق أكثر من ميله إلى الفصل، إلا أن حدث الصراع اتخذ ذريعة فيما بعد لأهمية الفصل بين اللاهوت والعلم. وإذا كان هذا يكشف لنا السند التاريخي الذي يعتمد عليه دعاة العلمانية في أوروبا للفصل بين الدين والعلم، فهو سند مفهوم لواقعهم التاريخي؛ وذلك أن اللاهوت فيه ما فيه من التحريف والانحراف، وفيه من المزاعم ما لا يقبله عقل ولا يقرّه نقل، ولكنه غير مقبول إن طبق في مكان آخر لا يجد مثل هذه الملابسات التاريخية والمنهجية. ثانيًا: تكافؤ النظريات العلمية: كانت النظرية المعتمدة عند الكنيسة في الفلك هي نظرية "بطليموس" القائلة بمركزية الأرض وثباتها، والنظرية الجديدة هي نظرية "كوبر" ومن بعده، والتي دعمها جاليليو والقائلة بمركزية الشمس ودوران الأرض حول نفسها وحول الشمس. وقد كان أحد الحلول المعروضة القول: بتكافؤ النظريات؛ لأنه لا يمكن للإنسان العادي التأكد من صحة إحداهما، ولكل واحدة منهما إيجابيات وسلبيات، فلماذا لا تقبل النظريتان، ويقال بهما؟! إن قضية تكافؤ النظريات كانت قضية يصعب قبولها آنذاك؛ لأنها تعد من اختلاف التضاد الذي لا يمكن الجمع بين طرفيه؛ فالحقيقة في هذا الجانب واحدة فقط، والحقيقة الوحيدة آنذاك هي الموجودة في الكنيسة، وما عداها فلا يمكن قبوله. ولكن فلاسفة العلم المعاصرين يعلمون صعوبة الجزم بأن النظرية؛ أيًا كانت، أنها حقيقة مطلقة، وينظرون للنظريات بأنها أداة تفسير مناسبة في وقتٍ

стр. 141

ما، ولكنها قد تكون مملوءة بالثغرات التي تُعالج مع الزمن أو تستبدل بنظرية أخرى، بل ربما نكتشف بعد زمن خطأَها، وبهذه النظرة الجديدة يمكن القول بتكافؤ النظريات العلمية؛ لأنه لا توجد نظرية تزعم لنفسها بأنها الحقيقة المطلقة، وظهر في الإبستمولوجيا المعاصرة نظرة جديدة لمفهوم الحقيقة العلمية، فهي حقيقة مؤقتة إذا صح التعبير، وما هو حقيقة علمية اليوم قد يكون غدًا خطأً علميًا. بل أكثر من ذلك هناك إمكانية القول بنظريتين حول موضوع واحد، مثل القول بالموجات أو الجسيمات، تفسيرًا لظاهرة حركة وانتقال الأشعة، وكلتا النظريتين لهما من التأكيدات العلمية ما يكفي لتبريرها كحقيقة في المجال العلمي (١). إذًا فما كان ممنوعًا زمن "جاليليو" أصبح اليوم مقبولًا، وهذا يؤيد عدم التساهل في تقديم النظريات العلمية على ظواهر النصوص الشرعية؛ وذلك أن من قدم ما يظنّه "حقيقة علمية" فهي حقيقة مؤقتة أو حقيقة نسبية، والعلم بعضه ينسخ بعضًا. فمفهوم "الحقيقة العلمية" يختلف عن مفهوم الحقيقة الشائع عند الناس، فالشائع عند الناس أنها حقيقة مطلقة، ويبنون على ذلك أحكامهم ومواقفهم، بينما أصحاب العلم الحديث أو فلاسفته لا يرون ذلك الإطلاق ولا يرون مانعًا من ظهور نظرية جديدة أفضل من الأولى وأقدر على إجابة ما لم تجب عليه الأولى. أما "جاليليو" فقد دافع عن نظرية على حساب أخرى ولم يفعل ما فعله "كوبر" من جعل الفرضيتين متكافئتين، وقد دفع ضريبة ذلك فيما بعد، وبعد أكثر من ثلاثمائة سنة برز فلاسفة وعلماء من أنصار الفلسفة الوضعية ومن الإبستمولوجيين المعاصرين يدافعون عن موقف "أوزياند" صاحب مقدمة كتاب "كوبرنيكوس" في جعل الفرضيتين متكافئتين، ويعدون "كافة الفرضيات العلمية متكافئة من حيث الأهمية أو القيمة؛ لأنها ليست سوى تعابير مختلفة لا يمكننا اعتبارها صحيحة كما لا يمكننا -وفي الوقت نفسه- اعتبارها خاطئة ما دمنا نفتقر إلى تجارب حاسمة تمكننا من ترجيح أحد الاعتبارين على الآخر" (٢). وهذا النص من أحد الكتب المدافعة عن جاليليو ولذا فهو لا يرى رأيهم، وإن كان

стр. 142

رفضه لكلامهم دون حجة أو دليل قدمه، ونقل أيضًا رأي "بيار دوهيم" في كتابه: "مفهوم النظرية الفيزيائية من أفلاطون إلى غاليليو" بأن "المنطق كان بجانب كل من أوزياندر وبلّرمان وأوربانوس الثامن وليس بجانب كبلر وغاليليو، ذلك أن أولئك أدركوا المدى الحقيقي للعلم، أما هؤلاء فقد أسيء فهمهم في هذا الصدد" (١)، وقريبًا من هذا المعنى موقف "هنري بوانكاريه" (٢). وقد اعترض آخرون على الموقف السابق، وتتركز اعتراضاتهم على استثمار مقولة تكافؤ النظريات في التنقيص من موقف جاليليو، ومع ذلك فالمقولة ذاتها ذات مكانة كبيرة في فلسفة العلم المعاصرة (٣). والمتأمل من خارج دائرة العلم الحديث يدرك بأن مقولة تكافؤ النظريات تخفي في طياتها أمورًا كبيرة، وعلى رأسها الصراع الكبير بين النظريات العلمية ذاتها، فالنظريات المتعارضة يتتابع ظهورها، وبروز النسبية في الحقيقة التي تقولها كل نظرية من النظريات، فهذه وغيرها تدفع بمقولة التكافؤ إلى الواجهة. وإن كان هناك مِنْ درْسٍ لمن هم خارج الإطار العلمي الحديث ومشاكله فهو عدم تقديس النظريات العلمية وادعاء العصمة لها، وكذا عدم الاستعجال في تقديمها على ظواهر النصوص الشرعية، وبالمقابل عدم تنزيل نصوص شرعية على نظريات علمية؛ لأنه في البابين: إن قدمت نظرية فهناك غيرها يكافِئها، وإن نُزّل عليها نص شرعي فعلى أيّة نظرية يُنزّل؟! ثالثًا: القانون وآلية حركة الكون: دخلت مفاهيم جديدة مع العلم الجديد أصبحت من مكونات العلم الحديث، وقد سبق أثر "كبلر" عندما وضع ثلاثة قوانين لتفسير حركة الكون وأثر ذلك. وقد تطورت كثيرًا مع "جاليليو"، وأصبحت -معه ومن بعده- سمة مهمة للعلم الحديث، وهي محاولة وضع صياغة رياضية لتفسير الظواهر الطبيعية. فمن خلال التجريب والملاحظة يمكن إدراك بعض مظاهر الطبيعة، ومن خلال

стр. 143

الاستعانة بالرياضيات يمكن صياغتها في قوانين ومعادلات تُسَهِّلُ فهم الظاهرة وتمكّن الآخرين من الاستفادة منها، وبهذا أصبح التقدم العلمي مربوطًا بالتجريب والرياضيات (١)، وأسهم ذلك في عقلنة الظواهر الفيزيائية وكشف القوانين المنفصلة التي تخضع لها الأجسام المتحركة (٢)، وحوّل جاليليو -بهذه المنهجية- الطبيعة إلى رياضة كما يقول "هوسرل" وغيره (٣). وإذا نجح العالم في إيجاد معادلة أو قانون لتفسير ظاهرة طبيعية يبدأ بعدها في قياس حالات عليها أو تنزيلها على عدد من الجزئيات، وبقدر ما تنجح في تفسير كل هذه الجزئيات دون شذوذ تعدّ صحيحة، وعندما توجد حالة تشذ تظهر حاجة المعادلة أو القانون إلى تصحيح أو تغيير. وقد نجحت قوانين "كبلر" وإضافات "جاليليو" في تفسير كثير من الظواهر الكونية وفهم حركة الأجسام، ولذلك أثرٌ كبير فيما بعد على تطور العلم وتطور الانتفاع به في الصناعة والتقنية وغيرها من أبواب الانتفاع. ولكن جهود كبلر وجاليليو وغيرهما كانت تثير من الأسئلة بقدر ما تقدم من أجوبة، وبقيت الاعتراضات عليها قائمة وعدم انتظامها بشكل دقيق أمر بارز، وستبقى كذلك إلى أن يأتي عالم أوروبا في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر، وهو "نيوتن" ليحل كثيرًا من تلك المشاكل، ويفتح في الوقت نفسه مثلها من النقاشات. ومن المعلوم بأن مفهومي المعادلة والقانون وغيرهما لم يكن الأصل فيها أن تثير إشكالات كبيرة مع الدين، وما كان يخطر ببال مبتكريها من العلماء أنها ستُظهر شيئًا من ذلك، بل هي تعبير واضح على أن خلف هذا الكون -صغيره وكبيره- خالقًا عليمًا حكيمًا سبحانه، خلق كل ذلك عن علم وحكمة وقدرة كاملة، وجعل لكل شيء قدرًا، فسبحان الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى. ولكن فئة أبت أن تنظر من خلال هذا المنظار وجعلت لمفهومي المعادلة والقانون وما في بابهما دلالات أخرى. وقد كان من أهمها وأخطرها ما بنوه من ضلال على القول بالنظرية الآلية -الميكانيكية- للكون.

стр. 144

وأساس النظرية الآلية بأنه متى وجدت الحركة لأي جسم فستبقى هذه الحركة مستمرة ما لم يُعقها عائق، وهو أحد القوانين التي كشفها جاليليو وأخذ به نيوتن فيما بعد، فهذا القلب ينبض باستمرار دون توقف، وهذه الرئة، وكذا كثيرٌ من حركات الأعضاء غير الإرادية، وهذا في الأجسام الصغيرة، ومثلها الأجسام الكبيرة وغيرها، فمتى تحركت فهي تبقى في حركتها. وبحسب رأي جاليليو: فإن الحركة متى وجدت استمرت دون افتقار إلى علّة (١)، وهذا ما أخذه بعد ذلك نيوتن وجعله أول قوانين الحركة الثلاثة "فكل جسم ساكن، أو في حركة منتظمة على خط مستقيم يظل كذلك ما لم تؤثر فيه قوة من الخارج تجبره على تغيير حالته. وتفسير ذلك، أنه لو وجد جسم سماوي يتحرك حركة منتظمة فإنه يظل في حركته إذا لم تطرأ عليه آية مؤثرات خارجية. ومثال ذلك الكواكب والتوابع التي حولها. والأقمار الصناعية التي نطلقها في الفضاء، تظل تدور لأنها لا تلقى مقاومة" (٢). وسأترك الحديث عن مفهوم "الآلية - الميكانيكية" إلى موضع الحديث عن آخر أعلام الثورة العلمية وهو نيوتن، ويكفي هنا ربط هذه المفاهيم الجديدة بالنظرية الجديدة من جهة، وبالثورة العلمية الجديدة من جهة أخرى. فالقول بالآلية أول ما ظهر في علم الفلك لتفسير حركة الأفلاك دون البحث عن علل خارجية لتفسير تلك الحركة. فمع القول بأن الأصل في الجسم استمراره في الحركة إذا لم يوجد عائق فإنهم لا يبحثون عن السبب الذي كان الأصل في الحركة، وهل هي حركة مستقلة أم أن استمرارها محفوظ بسبب خارجي عنها! رابعًا: التقدم العلمي والمنهج الجديد: لقد كانت بصمات جاليليو على العلم واضحة، وهناك من يجعله أعظم مؤسسي العلم الحديث، فما أهم معالم تلك البصمات؟

стр. 145

يظهر في هذه الفقرة الأثر الإيجابي لأعمال جاليليو في تقدم العلم وتحقيق ثورة علمية حقيقية، وهذا النوع يتساوى الناس فيه، فقد يبرع فيه المؤمن والملحد، المصدق بالأديان والمكذب بها، بل قد يفتح الله للكفار إذا بذلوا أسباب ذلك كما قال -تعالى-: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]، وقد أخبر الرسول ﷺ بأن الدنيا "لو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء" (١)، فعلوم الدنيا ميسرة لمن طلبها، ولذا فهي ليست لوحدها علامة صلاح صاحبها أو فساده، أو صلاح تلك الأمة التي ظهرت فيها أو فسادها. وإن كان المؤمن والأمة الصالحة إذا اشتغلوا بهذه العلوم طاعة لله سبحانه وقصْد نفع الناس بها، كان لهم من التوفيق ما لا يكون لغيرهم، وتحقق لهم الانتفاع الصالح بها ما لا يكون لغيرهم، فإذا عرفنا مثل هذه الحقيقة انتفى ما يردده بعض الجاهلين: "لِمَ تقدّمَ الكفار وهم كافرون بالله العظيم"؟! بعد هذه الوقفة نرجع إلى ما أعطاه الله لهؤلاء القوم عندما اشتغلوا بالدنيا وعلومها، ومما يسره الله لجاليليو وأمثاله وساعدت في تقدم العلم: اكتشافه للأدوات التي كانت سببًا في تقدم العلم كالمقرب -التلسكوب- مثلًا، واكتشافه لبعض قوانين حركة الأجسام، وإشاؤه لعلم الميكانيكا، وتطويره لعلم الفيزياء، وما ترتب على ذلك فيما بعد من اختراعات وصناعات لم تعرفها أمة من الأمم. وقد كانت إحدى أهم نقاط انطلاقه دعوته الملحّة إلى تجاوز منهج أرسطو، فهو وإن كان نافعًا في بعض الأبواب إلا أنه لا يقدم نفعًا في كشف الجديد، ودعوته لاستخدام المنهج التجريبي المقنن رياضيًا. وهذا يذكرنا بنقد آخر لمنهج أرسطو المتبع في العلم في جهة أخرى وقبل جاليليو بسنين كثيرة، وهو نقد علماء المسلمين، وقد كان من أهم ما أخذوه على منهج أرسطو: بأنه لم يظهر نفعه لأهل علم من العلوم أو صنعة من الصنائع، بل كان تطور علومهم وصنائعهم دون اعتمادهم عليه، ومنهم الكثير لا يعرفونه. وبعد سنين من ذلك
следующие страницы →