← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ما، ولكنها قد تكون مملوءة بالثغرات التي تُعالج مع الزمن أو تستبدل بنظرية أخرى، بل ربما نكتشف بعد زمن خطأَها، وبهذه النظرة الجديدة يمكن القول بتكافؤ النظريات العلمية؛ لأنه لا توجد نظرية تزعم لنفسها بأنها الحقيقة المطلقة، وظهر في الإبستمولوجيا المعاصرة نظرة جديدة لمفهوم الحقيقة العلمية، فهي حقيقة مؤقتة إذا صح التعبير، وما هو حقيقة علمية اليوم قد يكون غدًا خطأً علميًا. بل أكثر من ذلك هناك إمكانية القول بنظريتين حول موضوع واحد، مثل القول بالموجات أو الجسيمات، تفسيرًا لظاهرة حركة وانتقال الأشعة، وكلتا النظريتين لهما من التأكيدات العلمية ما يكفي لتبريرها كحقيقة في المجال العلمي (١). إذًا فما كان ممنوعًا زمن "جاليليو" أصبح اليوم مقبولًا، وهذا يؤيد عدم التساهل في تقديم النظريات العلمية على ظواهر النصوص الشرعية؛ وذلك أن من قدم ما يظنّه "حقيقة علمية" فهي حقيقة مؤقتة أو حقيقة نسبية، والعلم بعضه ينسخ بعضًا. فمفهوم "الحقيقة العلمية" يختلف عن مفهوم الحقيقة الشائع عند الناس، فالشائع عند الناس أنها حقيقة مطلقة، ويبنون على ذلك أحكامهم ومواقفهم، بينما أصحاب العلم الحديث أو فلاسفته لا يرون ذلك الإطلاق ولا يرون مانعًا من ظهور نظرية جديدة أفضل من الأولى وأقدر على إجابة ما لم تجب عليه الأولى. أما "جاليليو" فقد دافع عن نظرية على حساب أخرى ولم يفعل ما فعله "كوبر" من جعل الفرضيتين متكافئتين، وقد دفع ضريبة ذلك فيما بعد، وبعد أكثر من ثلاثمائة سنة برز فلاسفة وعلماء من أنصار الفلسفة الوضعية ومن الإبستمولوجيين المعاصرين يدافعون عن موقف "أوزياند" صاحب مقدمة كتاب "كوبرنيكوس" في جعل الفرضيتين متكافئتين، ويعدون "كافة الفرضيات العلمية متكافئة من حيث الأهمية أو القيمة؛ لأنها ليست سوى تعابير مختلفة لا يمكننا اعتبارها صحيحة كما لا يمكننا -وفي الوقت نفسه- اعتبارها خاطئة ما دمنا نفتقر إلى تجارب حاسمة تمكننا من ترجيح أحد الاعتبارين على الآخر" (٢). وهذا النص من أحد الكتب المدافعة عن جاليليو ولذا فهو لا يرى رأيهم، وإن كان

стр. 142

رفضه لكلامهم دون حجة أو دليل قدمه، ونقل أيضًا رأي "بيار دوهيم" في كتابه: "مفهوم النظرية الفيزيائية من أفلاطون إلى غاليليو" بأن "المنطق كان بجانب كل من أوزياندر وبلّرمان وأوربانوس الثامن وليس بجانب كبلر وغاليليو، ذلك أن أولئك أدركوا المدى الحقيقي للعلم، أما هؤلاء فقد أسيء فهمهم في هذا الصدد" (١)، وقريبًا من هذا المعنى موقف "هنري بوانكاريه" (٢). وقد اعترض آخرون على الموقف السابق، وتتركز اعتراضاتهم على استثمار مقولة تكافؤ النظريات في التنقيص من موقف جاليليو، ومع ذلك فالمقولة ذاتها ذات مكانة كبيرة في فلسفة العلم المعاصرة (٣). والمتأمل من خارج دائرة العلم الحديث يدرك بأن مقولة تكافؤ النظريات تخفي في طياتها أمورًا كبيرة، وعلى رأسها الصراع الكبير بين النظريات العلمية ذاتها، فالنظريات المتعارضة يتتابع ظهورها، وبروز النسبية في الحقيقة التي تقولها كل نظرية من النظريات، فهذه وغيرها تدفع بمقولة التكافؤ إلى الواجهة. وإن كان هناك مِنْ درْسٍ لمن هم خارج الإطار العلمي الحديث ومشاكله فهو عدم تقديس النظريات العلمية وادعاء العصمة لها، وكذا عدم الاستعجال في تقديمها على ظواهر النصوص الشرعية، وبالمقابل عدم تنزيل نصوص شرعية على نظريات علمية؛ لأنه في البابين: إن قدمت نظرية فهناك غيرها يكافِئها، وإن نُزّل عليها نص شرعي فعلى أيّة نظرية يُنزّل؟! ثالثًا: القانون وآلية حركة الكون: دخلت مفاهيم جديدة مع العلم الجديد أصبحت من مكونات العلم الحديث، وقد سبق أثر "كبلر" عندما وضع ثلاثة قوانين لتفسير حركة الكون وأثر ذلك. وقد تطورت كثيرًا مع "جاليليو"، وأصبحت -معه ومن بعده- سمة مهمة للعلم الحديث، وهي محاولة وضع صياغة رياضية لتفسير الظواهر الطبيعية. فمن خلال التجريب والملاحظة يمكن إدراك بعض مظاهر الطبيعة، ومن خلال

стр. 143

الاستعانة بالرياضيات يمكن صياغتها في قوانين ومعادلات تُسَهِّلُ فهم الظاهرة وتمكّن الآخرين من الاستفادة منها، وبهذا أصبح التقدم العلمي مربوطًا بالتجريب والرياضيات (١)، وأسهم ذلك في عقلنة الظواهر الفيزيائية وكشف القوانين المنفصلة التي تخضع لها الأجسام المتحركة (٢)، وحوّل جاليليو -بهذه المنهجية- الطبيعة إلى رياضة كما يقول "هوسرل" وغيره (٣). وإذا نجح العالم في إيجاد معادلة أو قانون لتفسير ظاهرة طبيعية يبدأ بعدها في قياس حالات عليها أو تنزيلها على عدد من الجزئيات، وبقدر ما تنجح في تفسير كل هذه الجزئيات دون شذوذ تعدّ صحيحة، وعندما توجد حالة تشذ تظهر حاجة المعادلة أو القانون إلى تصحيح أو تغيير. وقد نجحت قوانين "كبلر" وإضافات "جاليليو" في تفسير كثير من الظواهر الكونية وفهم حركة الأجسام، ولذلك أثرٌ كبير فيما بعد على تطور العلم وتطور الانتفاع به في الصناعة والتقنية وغيرها من أبواب الانتفاع. ولكن جهود كبلر وجاليليو وغيرهما كانت تثير من الأسئلة بقدر ما تقدم من أجوبة، وبقيت الاعتراضات عليها قائمة وعدم انتظامها بشكل دقيق أمر بارز، وستبقى كذلك إلى أن يأتي عالم أوروبا في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر، وهو "نيوتن" ليحل كثيرًا من تلك المشاكل، ويفتح في الوقت نفسه مثلها من النقاشات. ومن المعلوم بأن مفهومي المعادلة والقانون وغيرهما لم يكن الأصل فيها أن تثير إشكالات كبيرة مع الدين، وما كان يخطر ببال مبتكريها من العلماء أنها ستُظهر شيئًا من ذلك، بل هي تعبير واضح على أن خلف هذا الكون -صغيره وكبيره- خالقًا عليمًا حكيمًا سبحانه، خلق كل ذلك عن علم وحكمة وقدرة كاملة، وجعل لكل شيء قدرًا، فسبحان الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى. ولكن فئة أبت أن تنظر من خلال هذا المنظار وجعلت لمفهومي المعادلة والقانون وما في بابهما دلالات أخرى. وقد كان من أهمها وأخطرها ما بنوه من ضلال على القول بالنظرية الآلية -الميكانيكية- للكون.

стр. 144

وأساس النظرية الآلية بأنه متى وجدت الحركة لأي جسم فستبقى هذه الحركة مستمرة ما لم يُعقها عائق، وهو أحد القوانين التي كشفها جاليليو وأخذ به نيوتن فيما بعد، فهذا القلب ينبض باستمرار دون توقف، وهذه الرئة، وكذا كثيرٌ من حركات الأعضاء غير الإرادية، وهذا في الأجسام الصغيرة، ومثلها الأجسام الكبيرة وغيرها، فمتى تحركت فهي تبقى في حركتها. وبحسب رأي جاليليو: فإن الحركة متى وجدت استمرت دون افتقار إلى علّة (١)، وهذا ما أخذه بعد ذلك نيوتن وجعله أول قوانين الحركة الثلاثة "فكل جسم ساكن، أو في حركة منتظمة على خط مستقيم يظل كذلك ما لم تؤثر فيه قوة من الخارج تجبره على تغيير حالته. وتفسير ذلك، أنه لو وجد جسم سماوي يتحرك حركة منتظمة فإنه يظل في حركته إذا لم تطرأ عليه آية مؤثرات خارجية. ومثال ذلك الكواكب والتوابع التي حولها. والأقمار الصناعية التي نطلقها في الفضاء، تظل تدور لأنها لا تلقى مقاومة" (٢). وسأترك الحديث عن مفهوم "الآلية - الميكانيكية" إلى موضع الحديث عن آخر أعلام الثورة العلمية وهو نيوتن، ويكفي هنا ربط هذه المفاهيم الجديدة بالنظرية الجديدة من جهة، وبالثورة العلمية الجديدة من جهة أخرى. فالقول بالآلية أول ما ظهر في علم الفلك لتفسير حركة الأفلاك دون البحث عن علل خارجية لتفسير تلك الحركة. فمع القول بأن الأصل في الجسم استمراره في الحركة إذا لم يوجد عائق فإنهم لا يبحثون عن السبب الذي كان الأصل في الحركة، وهل هي حركة مستقلة أم أن استمرارها محفوظ بسبب خارجي عنها! رابعًا: التقدم العلمي والمنهج الجديد: لقد كانت بصمات جاليليو على العلم واضحة، وهناك من يجعله أعظم مؤسسي العلم الحديث، فما أهم معالم تلك البصمات؟

стр. 145

يظهر في هذه الفقرة الأثر الإيجابي لأعمال جاليليو في تقدم العلم وتحقيق ثورة علمية حقيقية، وهذا النوع يتساوى الناس فيه، فقد يبرع فيه المؤمن والملحد، المصدق بالأديان والمكذب بها، بل قد يفتح الله للكفار إذا بذلوا أسباب ذلك كما قال -تعالى-: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]، وقد أخبر الرسول ﷺ بأن الدنيا "لو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء" (١)، فعلوم الدنيا ميسرة لمن طلبها، ولذا فهي ليست لوحدها علامة صلاح صاحبها أو فساده، أو صلاح تلك الأمة التي ظهرت فيها أو فسادها. وإن كان المؤمن والأمة الصالحة إذا اشتغلوا بهذه العلوم طاعة لله سبحانه وقصْد نفع الناس بها، كان لهم من التوفيق ما لا يكون لغيرهم، وتحقق لهم الانتفاع الصالح بها ما لا يكون لغيرهم، فإذا عرفنا مثل هذه الحقيقة انتفى ما يردده بعض الجاهلين: "لِمَ تقدّمَ الكفار وهم كافرون بالله العظيم"؟! بعد هذه الوقفة نرجع إلى ما أعطاه الله لهؤلاء القوم عندما اشتغلوا بالدنيا وعلومها، ومما يسره الله لجاليليو وأمثاله وساعدت في تقدم العلم: اكتشافه للأدوات التي كانت سببًا في تقدم العلم كالمقرب -التلسكوب- مثلًا، واكتشافه لبعض قوانين حركة الأجسام، وإشاؤه لعلم الميكانيكا، وتطويره لعلم الفيزياء، وما ترتب على ذلك فيما بعد من اختراعات وصناعات لم تعرفها أمة من الأمم. وقد كانت إحدى أهم نقاط انطلاقه دعوته الملحّة إلى تجاوز منهج أرسطو، فهو وإن كان نافعًا في بعض الأبواب إلا أنه لا يقدم نفعًا في كشف الجديد، ودعوته لاستخدام المنهج التجريبي المقنن رياضيًا. وهذا يذكرنا بنقد آخر لمنهج أرسطو المتبع في العلم في جهة أخرى وقبل جاليليو بسنين كثيرة، وهو نقد علماء المسلمين، وقد كان من أهم ما أخذوه على منهج أرسطو: بأنه لم يظهر نفعه لأهل علم من العلوم أو صنعة من الصنائع، بل كان تطور علومهم وصنائعهم دون اعتمادهم عليه، ومنهم الكثير لا يعرفونه. وبعد سنين من ذلك

стр. 146

النقد الإسلامي يظهر في أوروبا الاعتراض نفسه، الموجّه لمنطق أرسطو ومنهجه مع الدعوة إلى التخلص منه في باب العلوم والبحث عن منهج جديد، هو ما أطلق عليه فيما بعد المنهج التجريبي وعمدته على المشاهدة والتجريب والملاحظة ثم التعبير عن ذلك بصيغ رياضية ورموز جبرية. وقد أثبتت بحوث كثيرة -من الشرق والغرب- بأن الغرب مدين للمسلمين بالمنهج التجريبي، فهم من أرسى دعائمه الأولى بعد النقد الكبير الذي وجّهوه للمنهج الصوري الأرسطي، ثم تعرف عليه الغرب في نهايات عصورهم الوسطى وتعلموه وطوروه في حركة الترجمة المعروفة لعلوم المسلمين. ثم جعله علماء أوروبا منهجهم العلمي المعتمد، وانطلق به كل عالم في ميدان علمه فحققوا نتائج كبيرة. وقد تسبب هذا المنهج في إيقاف الطريقة المدرسية السائدة في عصورهم الوسطى، وكان عمدة تلك الطريقة على متون فلسفية وعلمية تُشرح مرارًا وتعاد تكرارًا. ولكن بعد هذه الثورة المنهجية أصبح العلم ليس شرحًا للقديم وإنما اكتشاف الجديد، أو إضافة تصويبات للقديم. وأصبح مصطلح العلم مرتبطًا بمن يكتشف جديدًا أو يطور علمًا قائمًا، أما ذلك الذي يفهم العلوم الموجودة ويشرحها فلا يسمى عالمًا حقيقة. وأصبح ذلك سمة من سمات العلم الحديث، حيث تجد كل باحث شديد الحرص على إضافة الجديد أو تطوير القديم أو تصحيح أخطائه أو سدّ ثغراته، والعالم هو من يكتشف علمًا جديدًا، أو قانونًا جديدًا، أو نظريةً جديدة، وهكذا ظهر مصطلح التقدم تعبيرًا عن مواصلة الاكتشاف والتجريب وما يرتبط بذلك من تغيرات تصيب المجتمعات. وأحد أهم الأسباب التي أعطاها الله لهم هو حصولهم على منهج التجريب من المسلمين وتخلصهم النسبي من منطق أرسطو ومنهجه، وكان هذا أحد الأسباب المنهجية في التقدم العلمي الحديث، ومع ذلك فقد أغراهم بهجر كل قديم بحجة عدم علميته، حتى وإن كان الدين والقيم فوقع الغرب فيما بعد في أزمات، واختلط التقدم بأضرار كبيرة توازيه. وإذا كان هذا الوضع يصح على حالهم؛ لأن العلم المدرسي لا نفع فيه، فما هو إلا شرح أو محافظة على ما لا نفع فيه، أما في العلم المنزل من السماء والذي أكمله الله سبحانه برسوله محمد ﷺ فقال -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ

стр. 147

عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فإن العلم الأكمل هو ما ارتبط به حفظًا أو تفسيرًا أو شرحًا أو استنباطًا، ويتبع ذلك العناية بعلوم الدنيا وتطويرها. ٣ - ماذا بعد جاليليو؟ جاليليو وفكر عصره وظهور التيار العقلي والتيار التجريبي: شهدت البلاد الأوروبية غير إيطاليا انتشارًا لطائفة البروتستانت، وكانت تلك البلاد أيضًا قد شهدت بوادر حركة فكرية فلسفية جديدة تحاول الانفصال عن الماضي الفلسفي كما حدث مع التيار العلمي. ومن المعلوم بأن أوروبا منذ عرفت الفلسفة أيام اليونان والعلم فرع عنها وتابع لها، فهي الأصل وهو الفرع، إلا أن الفرع مع العلماء الجدد قد حدث له تطورات جديدة مما يعني أن الأصل -الفلسفة- لابد له أن يتغيّر. فقد كانت هناك أصوات في عصر النهضة تنتقد أرسطو ومنهجه وتدعو إلى تجاوزه، إلا أنها كانت ضعيفة الصدى، ولكن بعد الأحداث الكبيرة في ميدان العلم ما كان يمكن بقاء الفلسفة بعيدًا عن تلك التطورات. وقد عرفت أوروبا بعد عصر النهضة تيارين فلسفيين كبيرين، وما زالا إلى الآن مع بعض التعديلات والتطويرات لهما. وهذان التياران هما: التيار الفلسفي العقلي والتيار التجريبي الحسي. عُرف الأول في فرنسا وعرف الثاني في إنجلترا، ومن الطبيعي أن يكون للفلاسفة معرفة بالعلوم إن لم يكن بعضهم علماء في بعضها؛ وذلك أن العلوم فرع عن الفلسفة، ومن كان فيلسوفًا فلابد أن يكون على معرفة بالعلم. لم يكن هذان التياران قد ظهرا بوضوح زمن جاليليو، وذلك أن رواد التيارين كانوا بعد زمنه أو ممن عاصروه وعاشوا بعده بفترة. وقد كان لمؤسسي هذين التيارين صلة بجاليليو بطريقة أو أخرى، وذلك أن جاليليو أصبح يمثل ذروة علمية في أوروبا لابد من الاعتراف بها، وبهذه الصلة بدأت الفلسفة تربط نفسها بحركة العلم الجديد، وهي إما أن تتأثر به أو تحاول استثماره في الدفاع عن أصولها، وهذا أحد أهم الأسباب للتعرجات التي حدثت في مسيرة العلم، فما سرّ العلاقة؟ أو كيف كانت بدايتها؟ - الاتجاه العقلي. لا يكاد يوجد اختلاف في أن "ديكارت" الفيلسوف

стр. 148

الفرنسي المشهور هو مؤسس الفلسفة الحديثة في الغرب، وأنه المنشئ للتيار العقلي الحديث، وهذا يعني أهمية بحث الصلة من جهته. سمع "ديكارت" بالعقاب الذي نزل بجاليليو، فسارع بطيّ مخطوطة كان قد كتبها عن "العالم" وذلك ليعيد صياغتها بصورة لا تحذف منها الكنيسة شيئًا كما يقول، وهذا يدل على أن ديكارت كان متابعًا لأحداث جاليليو، أما عن علاقته به فيُذكر بأنه كان يحسده على سمعته، وأنه لم يكن يشعر بأي تعاطف تجاهه (١). وهذه الغيرة لا تستغرب فقد كانا متعاصرين، وديكارت يعدّ نفسه فيلسوفًا وعالمًا، إلا أنه كان على اطلاع بنشاط جاليليو. - الاتجاه التجريبي. وهذا الموقف السلبي تجاه جاليليو نجده أيضًا عند أهم رواد التيار التجريبي وهو "بيكون" حيث "رمى كوبرنك بالدجل، ولم يدرك -كما يقول يوسف كرم- أهمية قوانين كبلر وبحوث جاليليو. فهو لم يشتغل بالعلم" (٢)، وربما يرجع الأمر أيضًا إلى معاصرته لجاليليو. - أتباع الاتجاهين. ولكن الأمر يختلف مع أتباع ديكارت وبيكون، أو قل مع فلاسفة التيارين الكبيرين العقلي والتجريبي، حيث نجد دفاعًا حارًا عن العلم وعن جاليليو مع أحد كبار الديكارتيين وهو الفيلسوف المشهور لايبنتز، ونجد أكثر من ذلك مع صديق أو تلميذ بيكون -على خلاف- وأهم مؤسسي التيار التجريبي الفيلسوف توماس هوبز حيث يقول: "جاليليو. . كان أول من فتح لنا أبواب الفلسفة الطبيعية الكلية التي هي معرفة الحركة، ومن ثم فليس في استطاعة عصر الفلسفة الطبيعية أن يعد شخصًا آخر أرفع منه منزلة. ." (٣). ونظرًا لأهمية الاتجاهين في الفكر الغربي في علاقته بالعلم الحديث، فلابد من وقفة مع المؤسسين لهما "ديكارت" و"بيكون". [٢] قنطرة بيكون وديكارت والتأسيس المنهجي للثورة الفكرية والعلمية: إذا كانت مجموعة من الدراسات تذكر "نيوتن" بعد "جاليليو" إلا أن هناك قنطرة مهمة يصعب تجاوزها متمثلة في مؤسسي التيارين الفلسفيين الكبيرين في

стр. 149

الغرب وهما "ديكارت" و"بيكون"، وتأتي أهمية الوقوف معهما؛ لأنهما يمثلان أكبر تيارات أوروبا الفلسفية، وهذا يعني أنهما يشكلان نموذجًا جيدًا لدراسة علاقة الفكر بالعلم، ولا يخفى أهمية ذلك لموضوع الدراسة الذي يتناول علاقة تيار فكري بالنظريات العلمية، ومع ذلك فإن الحديث سيكون مختصرًا وبقدر ما يفيدنا في الموضوع. إذا كانت معاصرتهما لجاليليو سببت بعض التنافس، فإن التوجه نحو العلم أصبح سمة لهما ولأغلب الفلاسفة بعدهما، وقد كان لهما ولمدرستهما أثر كبير في الثورة العلمية، أثر خطير في تشكيل صورة العلم الجديدة وطريقة حضوره في المجتمع. ومما يجمع بين بيكون وديكارت نقدهما الشديد لمنطق أرسطو ومنهجه، ومحاولتهما وضع منهج جديد، إما لتصحيح عمل العقل ورسم صورة جديدة عنه كما هو مع ديكارت، أو لكشف الجديد كما عند بيكون، وقد شغلهما المنهج بدرجة كبيرة، وربما كانت هي إحدى أهم القضايا الفكرية في تلك المرحلة، وقد "سمي القرن السابع عشر بعصر "الاهتمام بالمنهج" وهذا حق، فقد اهتم الفلاسفة والمفكرون في ذلك العصر بالطريقة التي ينبغي أن يتبعها الإنسان في بحثه عن الحقيقة" (١). واتفاقهما على أهمية العلم ومكانته، وأهمية وضع منهج جديد يساعد في تطويره وتقدمه، مع هجوم كبير على العلم الأرسطي والوسيط وعلم عصر النهضة، وإعجابهما بالثورة الكبيرة التي حصلت في علم الفلك رغم مواقفهما من بعض علماء الفلك. واتفاقهما أيضًا على الشك في الموروث ورفض الطريقة المدرسية القائمة على الشرح لمتون قديمة والاكتفاء بالاستنباط منها، وهي التي كان يخدمها منهج القياس الصوري من منطق أرسطو، فإنه منهج غايته استخراج فرع عن أصل، أو إخراج نتيجة من مقدمة؛ أي: أنه تحصيل حاصل، وربط للمستجدات بأصول ثابتة، بينما العلم هو اختراع لجديد في المناهج والنظريات والاكتشافات، ولهذا فهو في حاجة إلى منهج آخر. ولا شك أن العلاقة السيئة مع الكنيسة الممثلة للدين في زمنهما جعلت جهدهما -كما هو حال جهد علماء الفلك من قبلهما- يتحرك مستقلًا عن الدين

стр. 150

إن لم يكن معارضًا ومنافسًا له، وهذه المشكلة طبعت ببصماتها السلبية على علاقة العلم والفكر بالدين في الفكر الغربي. أ- فرانسيس بيكون: فيلسوف إنجليزي (١٥٦١ - ١٦٢٦ م) فأما حياته العامة فكان صاحب طموحات سياسية قدم من أجلها صورة سيئة لصورة العالم والفيلسوف، حيث عُرف بالخسة والسفالة وتعامل مع غيره بالخيانة والغدر كما ذكرت كتب التراجم، وكان أشدّها خسة ما فعله بصديقه الحميم "أسكس"، فقد كان أسكس مقربًا من الملكة فحاول توفير منصب رفيع لبيكون ولكنها لموجدتها على بيكون رفضت ذلك، فقام أسكس بمنح بيكون إحدى ضياعه. وبعد سنوات فقد أسكس حظوته عند الملكة واتهمته بالخيانة، وطلبت من بيكون أن يُعدّ صحيفة الاتهام ضد صديقه ليقدم للمحاكمة، فحكم عليه بالإعدام وأعدم (١). وبيكون يعترف بأنه "ضعيف الإرادة" في مقاومة الشر والفساد، وأنه "شارك في مفاسد أهل العصر" (٢)، وهذا الانحطاط الخلقي عند أهم رموز الفكر الغربية تُلقي بظلاله على صورة العالم والمفكر في العصر الحديث، وصورة ما يقدمه عندما يقدمه بِرِقة خلق مع الابتعاد عن الدين. ودون أدنى شك بأن لذلك أثره على صورة العلم والفكر النابع عن أمثاله، وهذه مشكلة العلم والفكر الحديث بأن كثيرًا من رواده يعانون أزمة خلق أو أزمة دين أو أزمة هوية، وأن لهذه الأزمة بصماتها وآثارها على ما قدموه، يظهر عند بعضهم ويختفي عند آخرين، كل بحسبه. فأزمة الخلق كالذي شاهدناه هنا مع بيكون، وأزمة الدين كالذي نشاهده معهم جميعًا ولاسيّما التيار المادي الملحد الذي اشتهر في أوروبا، وأزمة الهوية مثل وضع اليهود داخل أوروبا النصرانية والشكوك حول نشاطهم العلمي، وهي قضايا أشكلت في الفكر الغربي الحديث. دعا "بيكون" إلى الإصلاح العظيم للعلم، وأهم معالم هذا الإصلاح:

стр. 151

تحديد معنى العلم الصحيح أولًا، فجعله القائم على "التجربة والملاحظة"، وغايته "تمكين الإنسان من السيطرة على الطبيعة" للاستفادة مما فيها. وأما المنهج المناسب فهو الاستقراء الناقص في مقابل الاستقراء الكامل الأرسطي (١). وذكر أنه بهذه الطريقة يمكن أن يحدث تقدمًا في العلم مثل ذلك الذي حدث في الاكتشافات الجغرافية المهمة، أو في المخترعات الجديدة مثل فن الطباعة والبارود، والاكتشافات العظيمة في علم الفلك بفضل كوبرنيكوس وجاليليو (٢). ونبه إلى عائق أمام التقدم نحو العلم الجديد، وهو ما أسماه بالأصنام الأربعة المسيطرة على عقول المفكرين والناس وهي: أصنام القبيلة والكهف والسوق والمسرح، التي لابد من تحطيمها لنتقدم بالعلم. فالصنم الأول ناشئ من طبيعة الإنسان، فهي مشتركة بين جميع أفراده، مثل التعميم لبعض الحالات دون النظر لحالات معارضة، وعدم الانتباه إلى التشابه وحدوده. وأما أصنام الكهف فينتقل فيها من الأوهام التي يشترك فيها كل البشر إلى الأوهام التي يتميز كل فرد، فإن لكل فرد طبيعة بسبب التربية والبيئة، فتجد مثلًا بعض الناس يكشف الفروق وآخر يلاحظ التشابه، وتجد شخصًا يميل للتنقيب عن العيوب وآخر لا يرى إلا المحاسن وهكذا. وأما أصنام السوق فهي مخصوصة بالألفاظ حيث يتخيل بعض الناس أن لتلك الألفاظ حقائق كالمصطلحات الفلسفية مثلًا، ويحدث بسببها مناقشات كثيرة، ثم إذا هي تدور فقط حول ألفاظ دون معنى. وأما الرابع فأصنام المسرح وخصها بالنظريات والمذاهب المتوارثة، فكأنها مسرحيات يتم عرضها ويصدقها الناس، وهي أوسع من الثالثة؛ لأن تلك ألفاظ وهذه مذاهب (٣)، ولن نتقدم في مجال العلم والفكر ما لم نتخلص من هذه الأصنام.

стр. 152

وقام أيضًا ضمن هذا المشروع بتصنيف جديد للعلوم يُعد من أهم التصنيفات في العصر الحديث، ولكن الأهم من ذلك كلّه هو صورة "المنهج العلمي" الذي دعا إليه. يقوم المنهج العلمي عند "بيكون" على التجريب والملاحظة، وطلب من الباحث العلمي أن يكون كالقناص الباحث عن فريسة، والقنص يقوم في ثماني عمليات منها: تنويع التجارب وإطالتها وقلبها إلى غير ذلك. وفي كتابه "الأورغانون الجديد" تحدث عن الاستقراء المناسب لتطوير العلم، وعمدته على اللوحات الثلاث: لوحة الحضور ولوحة الغياب ولوحة الدرجات، وقد أخذ بها "مل" فيما بعد في قواعده، وأضاف عليها اثنتين (١). وبعد الانتهاء من عملياته بين تلك اللوحات يقوم بعملية الاستقراء، وعمدته بأنه إذا انتفى السبب انتفى المسبب. ومما لاحظه الدارسون لبيكون أنه لم يكن له عناية بالعلوم وإبداعها بقدر ما كانت عنايته بإصلاح منهجها؛ ولذا لم يحفظ عنه شيء كبير في العلوم ولا قام بتجارب حقيقية (٢). كانت هذه أهم أدوار بيكون في العلم الحديث وسأختمها ببعض الوقفات حول بيكون وأمثاله: ١ - كانت عناية بيكون منصبّة على رسم منهج جديد يساعد في اكتشاف الجديد، والتخلص من كل المناهج القديمة، وأهم مشروعاته هي في دعوته للمنهج التجريبي في الفكر الغربي ودفاعه عنه دفاعًا حارًا، وقد ظهر في دراسات حديثة عن جهات مختلفة ما يثبت بأن المنهج التجريبي لم يكن غائبًا عن الحضارات والأمم الأخرى، وأن أفضل من أصل أصوله وأبدع شروطه وقوانينه هم علماء في البلاد الإسلامية، وأن أوروبا بدأت تتعرف على هذا المنهج منذ نهايات عصورها الوسطى. ٢ - لا يختلف بيكون عن كثير ممن عاصرهم من المفكرين في الخلط بين العناية بالعلم والاحتفاظ ببعض المفاسد المخالفة للعلم علاوة على بعض المفاسد الخلقية عند أغلبهم، وقد سبق بيان شيء من صورة المفاسد الأخلاقية

стр. 153

التي لا تهمنا إلا بقدر ما لها من أثر على حركة العلم وأخلاقياته، أما ما يخالف العلم فمن الأشياء الغريبة ما نجده من اعتقاده بالكيمياء القديمة -الخيمياء السحرية- وبالتنجيم وبالسحر (١)، وهي وإن وقع فيها شيء من الحظ فهي محرمة في الدين الحق ولا تتفق مع المناهج العلمية، وقد سبق مثل ذلك مع رواد أول نظرية علمية وهم علماء الفلك من ميل بعضهم إلى أبواب التنجيم. ٣ - التمهيد للفصل بين اللاهوت والعلم: فقد كان أحد أهم الدعاة لذلك؛ ولذا جُعل من رواد حركة التنوير في القرن الثاني عشر/الثامن عشر (٢)، وعادة ما يكون المقصود بالتنوير فصل الدين عن مناشط الحياة واستقلال العقل بإدارتها، وعندما نعرف شخصية بيكون نعرف بأن لدعوى الفصل أبعادًا أخرى غير القضية العلمية، وهذا يكشف بأن تلك الدعوى التي نجحت في الغرب لم تكن مبنية على قيمة منهجية وعلمية صافية، بل قد اختلط بها الهوى والميول الفاسدة البارزة عند دعاتها، وأنها مرتبطة بوضع تاريخي وصراع اجتماعي معيّن، ولا يمكن أن نجد من رجل لا يكترث بالأخلاق ولا بالدين همًّا في الإصلاح الديني أو المصالحة بين الدين والعلم أو جعل العلم في خدمة الدين. أخيرًا فإن دور بيكون لم ينته بموته، فقد كان لفكره وللصورة التي رسمها عن العلم أثرها الكبير في الفكر الغربي الحديث، ونجد ذلك أوضح في التيار التجريبي المشهور والحسي والمادي، وذلك بحسب القسمة المشهورة في أغلب الكتب المؤرِّخة للفكر الغربي الحديث إلى: "تجريبي وعقلاني"، من أمثال: "هوبز" و"لوك" و"هيوم" و"مل" وغيرهم، بل ينتسب إليه التيار المادي الملحد الذي عرفته أوروبا في القرن الثاني عشر/الثامن عشر وما بعده، وهناك من يراه هو مؤسس الفكر الحديث لا ديكارت (٣). وقد كان لحكايته "أطلانطا الجديدة" (٤) -وهي قصة تخيلها عن مدينة يحكمها العلماء- أثر كبير في توجّه أهم مركز علمي وهو المعهد الملكي في بريطانيا للعناية بهذه العلوم.

стр. 154

ب- ديكارت: كان "بيكون" ممثلًا للتيار التجريبي ومؤسسًا له ومخططًا صورة علاقته بالعلم الجديد، وانتشرت رسالته في إنجلترا مع من تأثر به في أوروبا، يقابله فيلسوف العقلانية ومؤسس الفلسفة الحديثة الفرنسي ديكارت (١٥٩٥ - ١٦٥٠ م)، ويختلف عن بيكون بميله للهدوء والبعد عن السياسة وحبه للفلسفة واشتغاله بها. وتنبع أهمية البحث عن دوره: من كونه المؤسس للتيار الآخر والشق الثاني في الفكر الغربي الحديث وهو: التيار العقلي، وكان أثره كبيرًا في وضع بصمات خاصة حول علاقة التيار بالعلم، وله جهد بارز في رسم منهج العلم والفكر فضلًا عن كونه عالمًا في الرياضيات ومبتكر الهندسة التحليلية، فهو بخلاف بيكون قد قدم اكتشافات علمية جديدة. وشارك بيكون بالدعوة لمنهج جديد، وانتقاص المنهج الأرسطي السائد، وأن العلم والفكر في حاجة لمثل هذا المنهج الجديد لكي يتقدم. كان من أول مؤلفاته كتابه "بحث في العالم" وفيه يثبت دوران الأرض حول الشمس، وعندما سمع ما حلّ بجاليليو أخفى كتابه؛ لأن مادة الكتاب الأساسية تقوم على إثبات ذلك (١). وسأترك مادة ديكارت الفلسفية؛ لأن لها مجالها في الدراسات الفلسفية وأكتفي بما له علاقة بالثورة العلمية، وفي ذلك يقول عبد الرحمن بدوي: "استهدف ديكارت في تفكيره تحقيق ثلاثة أمور: ١ - إيجاد علم يقيني فيه من اليقين بقدر ما في العلوم الرياضية، بدلًا من العلم الواصل إلينا من العصر الوسيط. ٢ - تطبيق هذا العلم اليقيني تطبيقًا عمليًا يمكن الناس "من أن يصيروا بمثابة سادة ومالكين للطبيعة". ٣ - تحديد العلاقة بين هذا العلم وبين "الموجود" الأعلى أي الله، وذلك بإيجاد ميتافيزيقا تتكفل بحل المشاكل القائمة بين الدين والعلم" (٢)، وهذا تلخيص جيد من بدوي.

стр. 155

نلحظ بعض الاتفاق مع طموحات بيكون، وإن كان بيكون لا يريد العلم اليقيني، ويكتفي بالعلم النافع حتى وإن لم يكن يقينًا، إلا أنه كبيكون حدد غاية العلم بالسيطرة على الطبيعة والقدرة على استثمار مواردها وكنوزها، وبقدر إيجابياتها فقد تحولت دعوى السيطرة على الطبيعة إلى آفة في الحضارة الحديثة بعد تحولها إلى دمار هائل بسبب انفلات الدعوى من عقال الأخلاق والدين، وأما الثالثة فهي تحدد مشكلة العلاقة بين الدين والعلم، وهي مشكلة اتخذ حلّها في الفكر الغربي طريقة الفصل ثم العزل؛ أي: الفصل بين الدين والعلم، ثم عزل الدين في مكان قصي. بدأت عنايته بالعلم بعد رؤيا رآها كما يقول عن نفسه أُمر فيها بإقامة هيكل العلوم (١)، وبعد زمن بدأت عنايته في إصلاح الفلسفة، وإيجاد منهج جديد للبحث في كل العلوم (٢). وقد كان من بين أشهر كتبه التي عُني فيها بإصلاح المنهج كتابه: "مقال عن المنهج"، وهو كتاب صغير الحجم أوضح فيه القواعد التي ينبغي على العقل أن يتبعها في بحثه عن الحقيقة في مختلف العلوم، وقد بالغ بعض النقاد في مدح هذا الكتاب من قوله: أنه كان وراء نشأة كل العلم والحضارة الغربية (٣). ويقوم منهج ديكارت الشهير، والذي دخل بسببه باب الشهرة، على أربع قواعد، وذلك أنه يرى أن القليل من القواعد النافعة أفضل من الكثرة دون فائدة، وهي سمة بارزة أيضًا في منهج بيكون السابق ذكره، وهذه القواعد الأربع هي: ١ - ألا أقبل أي شيء أنه حقيقي إلا إذا تبينت أنه كذلك بيقين، وهذا يعني: تجنب الاندفاع في الحكم. ٢ - أي صعوبة تقابلني أقسمها إلى أجزاء بقدر الحاجة المعينة على فهمها وحلّها، وهذه عملية تحليل. ٣ - بعدها التركيب، وهي أهمها في نظر ديكارت وأن المنهج بأجمعه ينحصر فيها: فبعد التحليل نركب ونجمع الأجزاء إلى بعضها، ونرتبها وننظمها

стр. 156

بغية توجيه العقل لاستكشاف الحقائق، ولا يشترط أن نعيد ترتيب المشكلة كما كانت، بل نرتبها بحسب ما يساعد على الفهم والحل. ٤ - أن أقوم بإحصاء تام ومراجعة عامة على نحو أتأكد معه أنني لم أغفل شيئًا (١). ولم يكتف ديكارت ببيان هذه القواعد وشرحها، بل أقام عليها فلسفة كبيرة، وكون مدرسة فكرية مشهورة، فالمدرسة الديكارتية أو المذهب العقلي الحديث ترجع إلى فلسفة ديكارت ومنهجه. وموقف "ديكارت" الديني والخلقي أفضل بكثير من موقف "بيكون"، فقد كان ديكارت مهتمًا بإثبات الربوبية والإيمان بالله سبحانه وأنه الخالق للكون والبشر، وكان مهتمًا بالجانب الخلقي والتربوي بعكس ما رأيناه مع بيكون الذي وإن كان يؤمن بوجود الله سبحانه وينكر على الملاحدة مذهبهم، إلا أن ما بعد ذلك لا يعنيه. ولا شك أن العلاقة السيئة مع الكنيسة كانت أحد الدوافع لابتعاد هؤلاء عن الدين أو العناية به، أو البحث في حقيقته، أو محاولة تصحيح الانحرافات التي أضافتها الكنيسة إليه. وانصرف همهم إلى البحث عن السلامة من الكنيسة إن كانوا في موطنها القوي، والتأكيد المتواصل لأهمية فصل الكنيسة واللاهوت والدين عن العلم. وقد كان منطلق "ديكارت" في قضاياه الدينية هو العقل فقط، ومن هنا جاء الابتعاد التدريجي عن الدين، وبما أن الإيمان بالله ضرورة لا ينكرها أحد وطريق الكنيسة إلى ذلك الإيمان غير مقنع، فلابد من الاعتماد على العقل. ولكن غاية ما عند التيار العقلاني في الأبواب الدينية إن أصاب هو إثبات الربوبية، أما ما سواها فلا شيء كبير عندهم، وهنا يظهر النقص الكبير الذي وقع فيه الفكر العقلاني تجاه الدين في أوروبا، فقد دافعوا عما يُقرّ به أغلب عقلاء البشر وبما تدين به الفطر السوية، ولكن بقيت أمور العبادة والتوحيد وشرائع الدين معطلة عند هؤلاء، ومما يؤسف له أن هذا أصبح سمة غالبة لمن يسمون عندهم

стр. 157

بالمؤمنين من مفكرين وعلماء إذْ هم في الغالب ممن يعتقد بوجود الله ولكنه لا يعترف بالنبوات والشرائع. هكذا يتفق ديكارت مع بيكون في أهمية العناية بالمنهج، ويختلفان في رسم صورته، واتفق الناس بعدهما بأن لمقترحاتهما في إصلاح المنهج أثرًا كبيرًا في تطور العلوم وتقدمها. وبهذا نكون قد اقتربنا من آخر رموز الثورة العلمية وهو نيوتن، ومما يوصلنا إليه فقرتان نختم بهما الحديث عن ديكارت لهما علاقة بالثورة العلمية وبنيوتن: الأولى: حول آلية الكون وقد سبق الحديث عنها مع "كبلر" و"جاليليو"، وبها قال "ديكارت" في قوانينه الخاصة بطبيعة الأجسام، وفسرها تفسيرًا ميكانيكيًا آليًا شاملًا؛ لأن الكون محكوم بقوانين لا تتغير، وهو هنا يختلف عن العالمين السابقين بأنهما يقفان عند اكتشاف القوانين. أما ديكارت فيعلل ذلك ويفسّره في ظلّ التصور العقدي الذي اعتقده؛ فهو يرى بأن الله سبحانه هو الذي خلق الوجود أو الكون، وخلقه بقوانين يتحرك بمقتضاها. وبحسب رأيه فإذا كان الله سبحانه ثابتًا وأزليًّا فإن تلك القوانين التي أوجدها لتدبير الكون بمحض إرادته وحريته هي أيضًا ثابتة وأزلية، وهذا لا ينتقص من قدرة الله سبحانه (١). وهو بهذا يتصور حركة للكون لا يمكن تغييرها عن حالها حتى من قبل موجدها، ويظهر من كلامه بأنها لن تتغير أبدًا تبعًا لما يراه في صفة الإرادة والمشيئة الأزلية الثابتة، ويظهر أنه لا يؤمن بأن الله سبحانه يفعل ما يشاء ولا يؤمن بأن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون. وقد انتقد عليه "بسكال" قوله هذا، ورأى بأنه لم يترك لله سبحانه أي دور في العالم (٢). فهذه الآلية بهذه الصورة ترفع تدبير الله سبحانه لأمور الكون وإمساكه للسيارات بما يشاء سبحانه، وتقليبه الأمور وتصريفه لها، وتصبح الصورة العقدية الديكارتية قائمة على أنه سبحانه خلق الكون بقوانينه وتركه بعد ذلك. وإن كان يرى بأن الرب سبحانه "له القدرة دائمًا على التدخل في شؤون الكون، للتغيير في مساره، إذا ما أراد، وهو إذا كان لا يتدخل، فلأنه يريد خير

стр. 158

الإنسان. وقد خلق العالم بقوانينه إياها، من أجل تحقيق هذه الغاية" (١). ويختلط في هذا الموقف الحق بالباطل؛ فإن ديكارت وغيره يتصورون الرب سبحانه بحسب اجتهاداتهم العقلية، ويصفونه بما تُمليه عليهم نظراتهم الفلسفية، بما في ذلك علاقته سبحانه بمخلوقاته وتدبيره لأمورها، وهذا باب وإن كان العقل يقدر على بعض أموره إلا أنه لا يصل فيها إلى الحق الكامل. من هنا جاءت أهمية الوحي، ومن خلاله نعرف الرب سبحانه ونصفه سبحانه بما وصف به نفسه، ونثبت له ما أثبت لنفسه، ونثبت له في خلقه وتدبيره ما أثبته سبحانه لنفسه، ويكون الوحي للعقل كنور الشمس للعين. ولو كان العقل قادرًا باستقلال على الوصول إلى الحق الكامل في كل هذه الأبواب لوصل إليه أذكياء وعباقرة المفكرين واتحد قولهم على رأي واحد، إلا أن الواقع غير ذلك من كثرة الاختلاف والتباين، عندما يتّكِلون على العقل ويزهدون في الوحي. وقد سبق بأن ما تشعر به الحواس من آلية حركة الكون، وما تلحظه العقول وتكشفه القرائح من قوانين يمكن بها تفسير هذا التوازن العجيب في حركة الكون، لا يعني بأن هذه القوانين هي المسيرة باستقلال. وأما الثانية: فهي تأثير ديكارت على نيوتن، فقد كان لديكارت فضل كبير على تقدم الرياضيات، خصوصًا في ميداني الجبر والهندسة، واكتشافه الهندسة التحليلية. وقد أسهم ذلك في حلّ كثير من المسائل الفيزيائية التي كانت عسيرة الحل من قبل، وهذا مما استفاده نيوتن من ديكارت (٢)، فلنختم به الحديث عن الثورة العلمية. [٣] نيوتن وظهور أشهر ثاني نظرية في العلم الحديث: لقد أخذت بالتحديد الذي يجعل "نيوتن" آخر شخصيات الثورة العلمية، ولا يشك أحد في ثقل "نيوتن" على العلم الحديث وأثره الكبير في وضع العلم في منصة الشرف وتقديمه على غيره، وأثره في ترسيخ قيمة العلم في المجتمع الغربي، وإقفال كثير من المشاكل العالقة، وتشكيل صورة خاصة به.

стр. 159

إسحاق نيوتن (١٦٤٢ - ١٧٢٧ م) لم تكن طفولته تنبئ عن مثل هذه القدرات كما يقول دارسو حياته، وبدأ شبابه بتعلم الفنون، وكان عنده ميل كبير للرياضيات، ورث كرسي أستاذه في الرياضيات والبصريات ومن هناك بدأت أعماله العلمية المشهورة، وفي آخر حياته أصيب بمرض وصاحبه نشاط سياسي مما خفف من نشاطه العلمي، وبعد كبره انسحب إلى الدين وترك كل شيء إلى أن مات (١). وأهم أعماله -وهي قليلة مقارنة بشهرته- اكتشافه حساب "التفاضل والتكامل" على خلاف كبير هل هو من اكتشفه أم "لايبنتز"، وكتابه في البصريات، وكتاب "أسس الرياضيات"، وأهمها جميعًا كتاب "المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية" مع نظريته الجديدة حول الجاذبية. كانت ولادة "نيوتن" في العام الذي مات فيه "جاليليو"؛ أي: في عصر الأحداث "الكبرى" وكان "جاليليو" آخر أعلام إيطاليا وبموته انتهى أثر إيطاليا في حركة العلم الحديث، وسينتقل الدور إلى بلاد أخرى كفرنسا وإنجلترا وبعض بلدان أوروبا الأخرى، وهي رحلة طويلة كانت بدايتها الحديثة بذهاب أبناء أوروبا لأخذه من مدن المسلمين في الأندلس وصقلية وربما إلى مصر والشام وغيرها، ثم نُقل كثير منها إلى إيطاليا حاضرة أوروبا في عصر النهضة، وتصبح مدن إيطاليا -ولاسيّما جامعة بادوا معقل العلم المنقول عن المسلمين مع إضافات علمائها- مركز العلوم في أوروبا. ولكل أجل كتاب، فها هي إيطاليا تتوقف عن أثرها، وينتقل العلم إلى بلدان أخرى في أوروبا، وقد حدث في واقعنا المعاصر أن انتقلت كثافة العلوم الدنيوية إلى بلد جديد هو أمريكا، وها نحن اليوم في بوادر ظهور مجتمعات جديدة تواصل مسيرة العلم كاليابان مثلًا. إن براعة أمة من الأمم في هذه العلوم لا يعود إلى عرقها أو موطنها، وإنما إلى ما ييسره الله لقوم فيبذلون من أسباب تحصيله ما يجعلهم بارعين فيه، وبحسب الوسط الذي يظهر فيه العلم والبيئة التي يعيش فيها لا يخلو أمره من أن يكتسب شيئًا من خصائص ذلك الوسط ومقوماته وفلسفته.

стр. 160

لقد كانت أحداث النظرية الفلكية الجديدة تعصف بأوروبا، والتفاعلات معها ما زالت كبيرة، ورغم إعلان "جاليليو" تراجعه عنها وتحريم كتاب "كوبرنيكوس" إلا أن ذلك لم يزد الأمر إلا اشتعالًا، وهاهم علماء أوروبا ومثقفوها أمام نظريات جديدة حول الفلك فماذا يفعلون بها؟ لقد توسط "بيكون" و"ديكارت" بين تلك النظريات وبين "نيوتن" بما اقترحوه من قواعد جديدة، ومناهج للبحث في العلوم لعلها تكون مخرجًا من تلك الأزمة ومفتاحًا للاستفادة من العلم الدنيوي. اجتمعت هذه الأحداث لتنقل جمهرة كبيرة في أوروبا من العناية بعلوم العصر المدرسي المعهودة إلى علوم جديدة، "وأصبح الاهتمام بالقضايا العلمية والرياضية عاطفة جارفة، لا، بل انفعالًا لاهبًا لم تستطع سوى القلة أن تتصدى له" كما يقول "سترومبرج" (١)، وحدث نوع من الاتفاق بين علماء تلك المرحلة على أهمية دراسة الكون في ظل اختلاف التفسيرات حوله (٢)، وقد كان هناك عدّة نظريات (٣)، فهناك النظرية القديمة لبطليموس وأرسطو، وهناك تصور لكوبرنيكوس وآخر لبراهي وثالث لجاليليو، أوصلها البعض إلى سبع نظريات، ولكن حدث توجه في محاولة إثبات ذلك في مجال الفيزياء والاستعانة بصيغ رياضية لعلها تقطع أكثر الجدل الدائر، وظهرت عناية بالبحث عن نظريات عامة في الحركة والجاذبية تفسر في تكامل وشمول ظواهر الكون. فجاء "نيوتن" واستعمل "اكتشافات الآخرين كي يطور نظرة موحدة عن قوى الكون في كتابه المبادئ (١٦٨٧ م)، فصاغ قانون الجاذبية الكونية، وأظهر أن الأجسام الأرضية والسماوية تتبع هذا القانون" (٤)، فماذا أضاف إلى من سبق؟ إذا عدنا للأحداث السابقة نجد بأن "كوبرنيكوس" قد وضع نظرية جديدة في حركة الكواكب، وتبع ذلك رصد دقيق مع "براهي"، استفاد منه تلميذه "كبلر" واستنتج ثلاثة قوانين تفسر حركتها، وطوّر ذلك "جاليليو" وأكد بعضها برصده بواسطة

стр. 161

التلسكوب الذي صنعه، وبقي أحد الأسئلة المحيرة، ولكن لماذا هي تسير بهذا الوضع وتحافظ عليه دون خلل (١)؟ عرفنا في فقرة سابقة أنه كان من آثار العناية باكتشاف القوانين ضعف العناية بالأسباب الغيبية، أصبح هناك توجه إلى الاكتفاء بالأسباب المادية المحسوسة، وهي تترسخ يومًا بعد يوم. وسبق أيضًا بأن الرؤية الإسلامية لا تتعارض مع إثبات وجود أسباب مادية خلقها الله سبحانه في مخلوقاته يؤثر بعضها في بعض، وكل شيء بتقدير الله سبحانه. أما مع هؤلاء فإن هناك فجوة بدأت تتسع مع كل مرحلة من مراحلهم، أهم معالمها هو الاكتفاء بالنظر لهذه الأسباب والافتتان بها دون البحث عن حقيقة من أوجدها أو من وراءَها، ثم كَبُر عند قطاع عريض منهم حتى جعلوها هي المتفردة بالإيجاد والخلق والتدبير مع الماديين والملحدين (٢)، وهذا لم يكن في البداية بهذه الصورة حتى مع نيوتن، إنما كان الأمر معهم بالاكتفاء على إيجاد سبب طبيعي مادي لهذه الظواهر وترك ما سواها؛ لأن ذلك ليس بمقدورهم كشفه دون أن يعني ذلك عندهم إنكاره. وعودة للسؤال فجوابه المعهود أن ذلك راجع إلى تدبير الله سبحانه، وهو جواب أهل الأديان، وهو لا يمنع أن الله سبحانه جعل لها سننًا تسير عليها، وهذا هو ظاهر النصوص الشرعية، أو أن الله جعل لها ملائكة تُسيّرها، فإنه ما من مخلوق إلا وجعل الله له ملكًا يدبره، وكان هناك أقوال فلسفية وضلالات بشرية تعارض ما جاء عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل القول بالعقول المسيرة للكواكب، فهذه الأمور منها ما هو حق إلا أنه ناقص أو محرف، ومنها ما هو باطل معروف البطلان (٣)، والحق منه لا يمنع وجود أسباب جعلها الله سبحانه في مخلوقاته تكون سببًا في حركات بعضها. ولكن مع الاتجاه الفكري والعلمي الجديد ظهرت دعوة إلى إغفال الحديث عن القضايا الغيبية مثل ما ثبت في الأديان أو ما عرف في الميتافيزيقا من نظريات فلسفية، والاكتفاء فقط بعللٍ مادية طبيعية مشاهدة، وكان أبرز من أسس

стр. 162

لذلك منهجيًا ديكارت وبيكون وطبقه نيوتن مع تجديده للمنهج. يقول راسل: "وفي ميدان الفلك قدم -نيوتن- التفسير النهائي الذي كان كوبرنيكوس وكبلر قد اتخذا الخطوات الأولى في سبيله، وهو القانون العام للجاذبية، الذي ينص على أن هناك، بين أي جزأين من المادة، قوّة جذب تتناسب طرديًا مع حاصل ضرب كتلتهما وتتناسب عكسيًا مع مربع المسافة بينهما" (١)، وأصبح ممكنًا تفسير حركة الكواكب وأقمارها والمذنبات، وكأن المفتاح الرياضي للكون قد اكتشف (٢)، وحُلّ أحد الأسئلة الشائكة في تلك المرحلة حول السرّ في كون هذه الكواكب تسير مثلًا حول الشمس بما انقدح في عقله من فكرة الجاذبية بقانونها الرياضي. قدّم نيوتن نظريته حول الجاذبية في مرحلة كانت هناك نظرية أخرى تفسيرية معتمدة في أوروبا، وهي ما اصطلح عليه بدوامات ديكارت (٣) وخلاصتها: أنه تخيل كل جسم وكأنه ترس دائري يحتك بجسم آخر، وأن العالم كله بهذه الصورة، وعندما يتحرك فهي حركة تلك التروس، وكل واحد يؤثر في الآخر في حركة دائمة، وعندما عرضت نظرية نيوتن في الجاذبية ضد دوامات ديكارت لم يكن من السهولة تقبلها، وبقيت زمنًا تكافح نظرية ديكارت، وتمكنت فيما بعد من علم الفلك والفيزياء الكونية الحديثة. أ- كتاب "المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية ": يُعد الكتاب بحسب الموسوعة العربية العالمية "من أعظم الإسهامات الفردية في تاريخ العلوم. وكان أول كتاب يحوي النظم الموحدة للمبادئ العلمية التي تشرح ما يحدث على الأرض وفي السماء" (٤)، يتألف من ثلاثة أجزاء، عرض في الجزأين الأولين "علم الميكانيك" وبناها على ثلاثة قوانين (٥)، ما

стр. 163

زالت معتمدة حتى اليوم، أشبه بقواعد النحو في اللغة، فهي قوانين لحركة الأجسام التي على الأرض أو في الكون، مع العلم بأن الفيزياء المعاصرة قد كشفت أجسامًا جديدة لم تنطبق عليها هذه القوانين وهي الذرة وما في باطنها من جسيمات ليتفرغ لها علم آخر فيما بعد الكم - الكوانتم. وقد جمع نيوتن بين قوانينه الثلاثة وقوانين كبلر في حركة الأجرام السماوية الثلاثة أيضًا ليخرج بنظريته الجديدة عن الجاذبية (١). وخصص الجزء الثالث وهو أهمها "لعرض نظريته في نظام الكون وهو نظام طبق فيه القوانين التي توصل إليها في الجزأين الأول والثاني، على مجموعة المشاكل التي كانت تناقشها فلسفة الطبيعة، واضعًا حدًا نهائيًا للتفسيرات الميتافيزيقية والافتراضات التي لا تقوم على أساس من التجربة، مجتهدًا في إرجاع مختلف ظواهر الطبيعة إلى مبدأين اثنين: المادة والحركة، فاكتسبت بذلك النزعة الميكانيكية سيطرة عامة في مختلف المجالات" (٢)، وأيدت اكتشافاته المذهب الآلي الميكانيكي (٣). ويظهر توجه جديد دوّنه نيوتن في منهجه المقترح وأصبح سمة لنظرية المعرفة عند علماء أوروبا وهو الحرص على الملاحظة والتجربة والتعبير عنها بصيغ رياضية وجبرية، وما سوى ذلك فلا يلتفت إليه، حتى وإن وُجدت حوله تساؤلات ما دام أنه لا يمكن التأكد منه رياضيًا وتجريبيًا، وذلك تبعًا لـ "نظرية المعرفة" الجديدة، القائمة على مصدرية العقل والحس والتجربة، في الرياضيات والطبيعة، وإبعاد ما سوى ذلك من مصادر؛ كالمصادر الدينية والنظريات الميتافيزيقية واللاهوتية. وقد يوجد بعض العذر لعلماء أوروبا باكتفائهم بالعقل والحس والتجربة وبتشككهم في مصادرهم الدينية واللاهوتية؛ وذلك لما تحويه الأخيرة من تناقضات توحي أو تؤكد بعدم مناسبتها للمجالات العلمية، ومع ذلك فإن الاكتفاء بمصدرية الحس والعقل قد فتح أبوابًا لمن جاء بعد هذا الجيل من العلماء لإنكار

стр. 164

ما لم ينكره السابقون؛ بل قيام بعض المتأخرين منهم بالدعوة إلى الإلحاد تحت مظلة العلم مع نهايات القرن الثامن عشر الميلادي، وغلب ذلك على علماء القرن التاسع عشر (١٢ - ١٣ هـ) وما بعده. وهنا يظهر فرق مهم بين نيوتن ومن قبله من علماء أوروبا وبين العلماء الذين أتوا بعده حول قضية النظريات والقوانين والتفسيرات العلمية، فبينما كان الأمر عندهم يقف عند حدّ الاكتفاء بحدود ما يمكن التأكد منه بالملاحظة والتجربة، نجده عند اللاحقين لا يقف عند هذا الحدّ بل يضاف إلى ذلك منع التفسيرات الأخرى وتجريمها؛ لأنها ميتافيزيقية غيبية. وكان ممكنًا التفريق بين النظريات والتفسيرات التي مصدرها البشر، فهنا يُطالبون بالدليل والبرهان، قال -تعالى-: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، وبين تفسيرات لها بعض الدلائل في الوحي، فهذه الأخيرة إذا صحت وكان معناها صريحًا كَفت في الموضوع، ولا يمنع ذلك وجود أسباب طبيعية لتلك الظواهر أوجدها الرب سبحانه في مخلوقاته. فلو فسر مجموعة من العلماء طريقة سقوط المطر طُولبوا بأدلتهم وبراهينهم، وإن جاء من يخبرنا بأن الله هو الذي ينزل المطر وأن ذلك من فضله وكرمه على البشر والكائنات الحية وجب قبوله ما دام ذلك واردًا في الوحي، أو أثبت بالوحي أن لله سبحانه ملائكة مخصصة بالمطر وجب قبوله، وهذا المعتقد لا يمنع وجود الأسباب المادية التي يلاحظها العلماء في دورة الماء ويعبرون عنها بمعادلات وقوانين؛ فإن الله سبحانه قد جعل لكل شيء سببًا، عرفه من عرفه وجهله من جهله، والسبب الذي نراه ونلاحظه لا يكفي لوحده، وإلا لاعترض معترض فقال: لماذا هذا المطر جاء بهذه الكمية فقط، في هذا المكان بعينه، في هذا الوقت بعينه، بهذه الصور المعينة؟ فهذا السؤال لا يستطيعون الإجابة عليه بما يذكرونه من تفسيرات ونظريات. ولو كابر مكابر كما فعل "لابلاس" (١) وقال: إن لذلك قانونًا معينًا لو كشفته لأخبرتك أنه سينزل هنا بهذه الكمية، فإنه سيقال له أيضًا: ولماذا كان هذا القانون بهذه الصورة؟ فهذا المثال يوضح الفرق بين موقف نيوتن، ومن قبله من العلماء، وهو

стр. 165

التفسير بالملاحظة والتجربة والاكتفاء بها بوصفها مُعطىً ظاهرًا، والسكوت عما سوى ذلك، وعدم قبوله في التفسير إلا إذا أمكن التأكد منه، ولكن لا يعني هذا الموقف العلمي الرفض المطلق لوجود أسباب أعلى، وإنما يقولون: ليس ميدانها التجربة والحس والملاحظة. وهو موقف فيه جزء من الصواب من وجهة دينية بحسب نظري؛ فإنه في بابه يبحث في تخصصه ويحاول اكتشاف مثل هذه الظواهر والتعبير عنها بنظريات وقوانين، ويكتفي بذلك؛ لأنه إن نفى ما سواها فهو غير عالم بما نفاه، وإن قبله فقد يقبل ما ليس بصواب، أما عند من حفظ الله لهم كتابهم، وعندهم من الله سبحانه البرهان والفرقان والميزان، فإنهم يزنون هذه الأمور بذلك الميزان فما كان صوابًا فهو كذلك، وما كان معارضًا لما عندهم علموا بطلانه، وما كان مسكوتًا عنه، فإن كان لهم حاجة في بحثه وتحريره قاموا بذلك، فلا يوجد ما يمنع ذلك. ولأن البيئة التي كان فيها نيوتن تتجه نحو اللادينية والعلمنة، فقد جاء بعده من رفض هذا الاكتفاء أو السكوت، ومنع أي تفسير لا يمكن تجربته، بل اتخذ هذا النظام -الآلي للكون الذي صاغه نيوتن- ذريعة للإلحاد في نهايات القرن الثامن عشر (١٢ هـ) وما بعده. والعجيب أننا نجد حتى في العالم الإسلامي من ينساق خلف هذه المنهجية؛ أي: منهجية الاكتفاء ومنع ما لا يمكن تجربته، حتى تلك التي يمكن تفسيرها دينيًا ويقرّ بها كل أهل الأديان فضلًا عن أهل الإسلام. وفي هذا الباب ما نجده عند أحد الرموز الفكرية العربية المعاصرة حول نظرية الجاذبية، حيث يقول: "وعلى الرغم من أن نيوتن يتمسك بفكرة الجذب كمعطى تجريبي، فإنه لم يتردد في إقحام الميتافيزيقا في تفسير طبيعة الجاذبية نفسها، وهنا يبدو الوجه الآخر من شخصية نيوتن"، وذلك أن من بين ما أثارته نظرية الجاذبية: هل الجاذبية خاصية ذاتية للمادة مثل الصلابة وغيرها أم أنها خارجة عنها؟ فكان رأي "نيوتن" "منساقًا مع هذا الطرح الميتافيزيقي للمسألة كما يقول الجابري" بأن الله سبحانه عندما خلق المادة، خلقها بصفاتها من الامتداد والحركة الشيء الذي نتج عنه عالم يسير سيرًا ميكانيكيًا، وحتى يبقى العالم كما هو عليه فعلًا، "أضاف الله إلى هذه الطبيعة الميكانيكية للعالم، خاصية جديدة، بموجبها تنجذب الأشياء إلى

стр. 166

بعضها" (١)، فموقف "نيوتن" المعروض هنا بأنه جعل الأجسام من خلق الله سبحانه، وكذا صفاتها الذاتية هي في الأصل من خلق الله سبحانه، وإن كان كغيره يجعل تلك الصفات مستقلة في نشاطها كالحركة مثلًا، فحسب القانون الأول للحركة بأن الجسم يبقى في حركته على خط مستقيم بسرعة ثابتة ما لم يؤثر فيه مؤثر خارجي، وهو أخيرًا يجعل هذه الجاذبية مما أضافه الله إلى العالم حتى يحافظ عليه كما هو، فهي خاصية جعلها الله سبحانه في هذا العلم المادي، ولكن المادة يمكن معرفتها بالحس وكذلك صفاتها، فنحن مثلًا نشاهد حركتها، ولكن الجاذبية لا تدخل في هذا الإطار. يُظهر "نيوتن" هنا اعترافه على الأقل بخلق الله سبحانه لهذا الكون وصفاته وما وضعه الله فيه من خاصية تحافظ عليه، ونجد الكاتب السابق غير مرتاح حتى لهذه البقية الباقية مما يُقرّ به نيوتن، وكأنه يريد وصف عالم مادي يُفسَّر فقط بما يُرى ويحس به ويخضع للملاحظة والتجربة، وهذه نزعة مغالية في الاكتفاء بعالم المحسوس والمعقول ومنع كل غيبي في الباب، ولا يعني هذا صواب ما قاله نيوتن أو خطأه، وإنما هو بيان لما نجده عند بعض المفكرين العرب من التهويل من شأن الميتافيزيقا خالطين في ذلك الحق بالباطل، دون تفريق بين المختلفات وتوضيح للمشتبهات (٢). ب- القوانين والنظرية: بالعودة إلى نظرية "نيوتن" في الجاذبية وبعض آثارها، نجد من بين أهم ما وصل إليه الموضع المميز للقانون في عمله. وقد سبقت وقفات مع "كبلر" صاحب القوانين الثلاثة حول مفهوم القانون ومع "جاليليو"، ولكن مفهوم القانون سيكون له شأن كبير في النسق النيوتني؛ لأنه بنظرية الجاذبية قد فسّر كل علاقة بين الأجسام المتحركة على الأرض أو في الكون بقوانين دقيقة لم يسبق إليها في تاريخ البشرية، فكيف كان وقع هذه النظرية وقوانينها الدقيقة على المجتمع لاسيّما من الوجهة الدينية؟ ويرجع تركيزي على الوجهة الدينية والفكرية؛ لأنها هي ما يهمني في المقام

стр. 167

الأول من المسائل والأحداث التي وقعت بعد إعلان نظريته. فمن أهم مفاهيم النسق النيوتني: فكرة الجاذبية، والزمان المطلق، والمكان المطلق، والأثير، والآلية أو الميكانيكية التي وصف بها عمل الكون، وقد كان النقاش حول هذه المفاهيم كبيرًا في الإطار الديني والفكري في أوروبا، وكان من بين أهم الموضوعات التي دار حولها النقاش: علاقة الرب سبحانه بهذا النظام الجديد الذي اقترحه نيوتن عن العالم. والحدث المهم الذي يحتاج منا للتحليل والنقد هو امتداد تلك النظريات والفرضيات إلى ما بعد التجربة والحس والمعادلات الرياضية، لتدخل إلى تفسير عوالم غيبية. أو على العكس من ذلك تحاول الاكتفاء بما قدّمَتهُ من تفسير، وتَمنعُ أي تفسير آخر لتلك الظواهر الكونية أو الأرضية أو الإنسانية والاجتماعية، فهذه هي مدار الصراع الكبير في الغرب، وهي مدار النقاش عند المسلمين أيضًا، إذا ثبت تعارضها مع الوحي مع الجزم بأن العلم الصحيح لا يتعارض مع الوحي قطعًا، وأن التعارض هو لعدم اكتمال العلم أو عدم فهم الوحي. فإذا تأملنا في نظرية "نيوتن" المشهورة حول الجاذبية وآثارها نجد فيها ما هو من النوع الأول: أي المعارف التي لا تُرفض وميدانها العقل والتجربة، ومنها ما هو من النوع الثاني: أي ما يرتبط بقضايا أبعد من ميدان العلم وتشارك فضاء الدين ومجاله، فكيف كان الوضع آنذاك؟ وما الدروس التي يمكن للأمة المسلمة الاستفادة منها على ضوء ذلك الحدث؟ في البداية نعلم بأن نظرية الجاذبية كأي نظرية علمية هي منظومة علمية متشابكة، فيها أبعاد لا يمكن التأكد منها من قِبَل كل العقلاء؛ لذا لابد أن تجد من يتوقف معها وربما يعترض عليها، وإن كانت أيضًا لن تعدم من يناصرها، وقد رأينا صورًا من ذلك مع النظرية الفلكية الجديدة ويتكرر مثلها مع نظرية الجاذبية. فقد هُوجمت أولًا من أنصار "ديكارت"، وذلك أنها تفرض نفسها تفسيرًا آخر غير دوامات ديكارت السابقة، وهوجمت أيضًا من علماء بأنها غير تجريبية بما فيه الكفاية. ومع ذلك فهذه القضايا وأمثالها يمكن تجاوزها، وأما التي يصعب تجاوزها فهي ما سبق أن جعلناه من القسم الثاني، ومما يؤكد صعوبة ذلك أنه نفسه قد حاول في مقدمة الطبعة الثانية من كتاب "المبادئ" توضيح ما قد

стр. 168

يلتبس على الناس، وحاول الإجابة على تساؤلات المتسائلين، وأهمها الدائر حول حقيقة اعتقاده من قضية علاقة الرب سبحانه بهذا العالم، وذلك أن النظرة الآلية والميكانيكية للكون تجعله يتحرك دون عناية إلهية وتدبير سماوي. ومما حاول إضافته عن علاقة الرب سبحانه بتصوره الذي قدمه عن العالم: بأن قصَرَ تفسيراته الميكانيكية على العالم المادي، وأن هذا العالم يدل على أنه موضوع وفق نسق مميز، مما يعني بأن هناك من جعله على هذه الصورة، ولابد أن هناك من حركها، ثم إن في النظام الشمسي شذوذات في المسلك يصححها تعالى دوريًا كلما ظهرت، وتنازل عن مبدأ عدم فناء الطاقة، حيث افترض بأن العالم يفقد بعض طاقته بمضي الوقت، وستنفد ما لم يتدخل الله ليرد لها قوتها (١)، ومن عناية الله بهذا الكون ما أوجده من جاذبية بين أجسامه ليحافظ بها على وضعه كما سبق. في هذا الموطن بالذات يقع الخلط والإشكال، وتظهر مشكلة العلاقة بين الدين والعلم؛ لأنه انتقل من نظريته إلى الحديث عن الرب سبحانه، وعن ربوبيته، وأفعاله سبحانه، يعرضها بصورة ضبابية تبدو كالآتي: كأنه يعد نظريته الكشف النهائي، وأن الشيء المطلوب بعد اكتشافاته هو في تنزيل ما يمكن تنزيله من أفعال الله بهذا الكون وفق ما اكتشفه، ومثالًا فما دام هناك شذوذات ستكون وظيفة الرب سبحانه هو في تصحيحها، ونلاحظ هنا أن من يضع هذه الوظائف هو نيوتن وفق ما يقترحه ويراه مناسبًا، ولهذا سَخِر منه فيلسوف ألماني "لايبتنز" معاصر له حول اعتقاده في الله؛ إذ صوره -تعالى الله عن ذلك- "كعامل غير بارع يحتفظ به كي يقوم بتصحيح أخطائه" (٢). وهذه الصورة المنحرفة عن الرب سبحانه هي أحسن حالًا من صورة أشدّ انحرافًا ورثت عن آلية ديكارت المقترحة حول نظام العالم "حيث كانت الحاجة إلى الله -سبحانه- تتمثل فقط في إعطائه الدفعة الأولى للكون. . . . وهذه فكرة شديدة الخطر من حيث إنها فكرة تخرج على الربوبية التقليدية، علمًا بأن ديكارت استند بشدّة إلى الله بوصفه الضامن

стр. 169

لكون منتظم. وقد وجد عدد من العباقرة كـ"باسكال ولايبنتز" نظرية ديكارت تلك بأنها تبعث على القلق وعدم الارتياح. وهنا نستذكر الانسحاب الشهير لباسكال وتراجعه إلى الدين الصوفي، مرعوبًا من آلة الكون التي لا إله لها كما يزعمون. . . ." (١). فما الفرق بين التصورين الديكارتي والنيوتني؟ يرى "ديكارت" بأن الله أوجد الكون وفق آلية ثم تركه لوحده، مع بقائه ضامنًا لانتظامه، أما نيوتن فأضاف بأن الرب سبحانه له فعل في الكون حصره في تصحيح أخطائه أو تجديد ما ينقص منه، وكلاهما يحويان انتقاصًا كبيرًا من ربوبية الرب سبحانه، فنيوتن وإن أثبت شيئًا من دوام فعله سبحانه وربوبيته فهو إثبات ناقص، إلا أنه أحسن حالًا من تعطيل الرب في التصور الديكارتي. وهذا الباب عمومًا عند أهل الإسلام، ولاسيّما أهل السنة مما لا يُقال فيه بالظن والتخمين أو سدّ الفراغات، وإنما يرجع فيه إلى كلام الله سبحانه عن نفسه وعن أفعاله وعن أسمائه وصفاته وعن رعايته لخلقه وتدبيره للعالم سبحانه. وهؤلاء عندما تركوا الباب لعقولهم عندها قام كل واحد يقترح العمل المناسب للرب سبحانه -تعالى الله عن ذلك- أو يقترح الحدود التي يراها للخالق في خلقه، فمن هو حتى تكون له هذه الوظيفة؟! وبسبب ذلك نجد مثل هذا الاختلاف الكبير فيما بينهم، وربما بسببه أيضًا ما وجده من ينتسبون للمذاهب الإلحادية من فرصة في عدم الاعتراف بالرب أصلًا. وواضح من الاختلاف السابق بأن العلم الحديث في صورته الديكارتية والنيوتنية قد إنطلق في تصوره للرب سبحانه انطلاقة ناقصة ومنحرفة، ولا تقوم على أرض مستقرة. وإذا كان الفكر الغربي الوسيط وبداية الحديث يقوم أساسًا على الإقرار بالربوبية -فيثبتون وجود الرب سبحانه والانطلاق من ذلك إلى بيان ما يجوز في حقه وما يمتنع من صفات أو أفعال أو علاقة بمخلوقاته- وهي ما بقي معهم رغم صور الانحراف التي فيها، وأقصى ما فيها إثبات توحيد الربوبية، ورغم ذلك يولد مشوهًا مع صُنّاع العلم الحديث. فآلة العالم الآلية -الميكانيكية- التي تصورها ديكارت ونيوتن وغيرهما فتحت الباب للانتقاص من هذا المعتقد

стр. 170

الذي هو البقية الباقية عندهم رغم ما فيه من النواقص، وهذا يؤدي إلى القضاء على ما بقي من لاهوت ديني. ونحن نعلم أن ما بقي من الإقرار بالربوبية هو معتقدٌ مهم في قيام النسق الديني اللاهوتي بشقيه اليهودي والنصراني، فإن الكنيسة في الجانب النصراني قد اعتمدت اجتهادات "توما الإكويني" أو إصلاحات "لوثر" وجيله عند البروتستانت، وهي تنطلق عادة من إثبات وجود الرب سبحانه وربوبيته، فإذا تقرر ذلك انتقلوا إلى بقية المعتقدات والشرائع والطقوس النصرانية، وعندما يُضرب الأصل ينهار البنيان أو يتأثر. ومع أننا نجد نظام "ديكارت" و"نيوتن" يعتمد اعتمادًا كليًا على إثبات وجود الرب سبحانه، فهما على الأقل يريان بأنه موجود، وأنه خالق العالم ومحركه حتى ولو "بالدفعة الأولى"، إلا أن صورة النظام الجديد للعالم عندهما تُلغي الحاجة إلى الإيمان بربوبية كاملة للرب سبحانه وتوحيده في أفعاله من الملك والخلق والتدبير، وهذا ما قاله نابليون عندما عُرض عليه هذا النظام، إذ تساءل عن وظيفة الرب في هذا النظام، فأجابه "لابلاس" بأن ذلك افتراض لم يعد له حاجة لتفسير نظام العالم. ج- النقاش حول علاقة العلم بالدين: لقد كانت الكنيسة أيام "جاليليو" ومن قبله قادرة على الهيمنة ومنع الأقوال المخالفة، أما في زمن "نيوتن" فقد بدأ شأنها يضعف، وستنهار مكانتها بعد موته بسنين قليلة، لذا لم يكن من حلٍ سوى الحوار والنقاش، وليقدم كل ما عنده. ففُتح في هذا الجو النقاش حول علاقة العلم بالدين، بعد أن أصبح العلم المقصود به علم الطبيعة كالفلك والفيزياء وما في بابهما، والدين المقصود به في المقام الأول اللاهوت النصراني، وإلى حدِّ ما اليهودي المعروف في أوروبا وقت ظهور هذه المشكلة، وهي مسألة تحتاج إلى أن نفرد لها مساحة خاصة. تذكر مصادر تاريخ الفكر الغربي عن "نيوتن" عدم دعوته لمخالفة الكنيسة، وأنه من موضعه بوصفه عالمًا لا يرى تعارضًا حقيقيّا بين العلم والدين، بل إن العلم ليدل على وجود الرب سبحانه بما نكتشفه من بديع خلقه، أما مسائل الطقوس الكنسية فلا علاقة لها بالعلم ولم يكن يحرص عليها عامة المفكرين والعلماء آنذاك، وما كان يعنيهم في الدين هو الإقرار بوجود الرب وصنعه للعالم.

стр. 171

ونظريته في الجاذبية لا تستفز الكنيسة كما حصل من نظرية كوبرنيكوس في دوران الأرض حول الشمس، وذلك أنه جعل الجاذبية خاصية وضعها الرب سبحانه في الكون ليحفظ بها نظامه وتماسكه، وإذا لم يوجد ما يمنعها فلا أقل من تركها والسكوت عنها. ومع ذلك ففيها ما يثير بعضهم، وسبق بأن نيوتن عرف ذلك فقدم بمقدمة في الطبعة الثانية للكتاب لتلافي ذلك، ويذكر أحمد الشنواني بأنه عند خشية "اللاهوتيين لأول وهلة من تأثير كتاب "المبادئ" على الدين" شجع "نيوتن" "بنتلي" ليلقي محاضرات "بويل" -بويل عالم كيميائي ومتدين بالنصرانية إلى حد تسميته بالعالم القديس- فحاولت "النظرة الجديدة إلى العالم تأييد الإيمان؛ لأنها أكدت على وحدة الكون ونظامه، وعظمته الواضحة أدلة على حكمة الله وقوته وجلاله" (١)، وهو بهذا العمل يُرسي دعائم القول بعدم التعارض بين الدين والعلم، وهو تيار أصبح معروفًا في الفكر الغربي، واتفق عليه مجموعة من الجهتين: جهة الكنيسة وجهة العلماء. ومن المعلوم بأن الإسلام وأهله في هذه المرحلة لم يكن لهم علاقة بهذه الأحداث، فلم يكن في أوروبا سوى النصرانية واليهودية، أما أهل الإسلام فقد كانوا خارج هذه الأحداث وما دخلوا مشاكلها إلا بعد حدوثها بما يقرب من قرنين، ولكن أهل الإسلام سبق لهم التعرف بقضية مشابهة، وهي قضية العلاقة بين العقل والنقل ومما خرج به أهل السنة من النزاع الدائر حولها: أن القضية الدينية الصحيحة الصريحة لا يمكن أن تتعارض مع قضية عقلية صريحة صحيحة، ولديهم من ثمار ذاك الصراع ما يُمكّنهم من معالجة ما يشابهه، وكان من المفترض أن نتجاوز مشكلة العلاقة بين الدين والعلم بسهوله لولا أن هناك ملابسات أحاطت فترة تعرفنا بتلك العلوم أسهمت في إعادة المشكلة عندنا، وفتحت نقاشات واسعة ما زالت ممتدة إلى الآن.

стр. 172

وما يهمنا الآن أن "نيوتن" كأشهر علماء أوروبا في القرن الثامن عشر (١٢ هـ) دون استثناء كان يقول بعدم التعارض بين الدين والعلم، ويرى بأن العلم يمكنه خدمة الدين، فأما العلم فهو رجله كما يقال، وأما الدين فقد كان على معرفة كبيرة باللاهوت الديني تؤهله لإصدار مثل هذا الرأي. وهذا الرأي هو الأصح في منطق العقل، فإن المعارف الصحيحة لا تتعارض ما دامت صحيحة صريحة، ومن تأمل في المسائل الكبار المزعوم فيها التعارض يجدها تفقد أحد الشرطين: الصحة أو الصراحة. ولكن مسار العلاقة في أوروبا لم يواصل ما اقترحه نيوتن، فمع تفاعلات فكرية واجتماعية وقعت في أوروبا قادت العلاقة بين الدين والعلم إلى التصادم ومن ثمّ الطلاق، لاسيّما مع المذاهب والتيارات المادية والملحدة والوضعية وغيرها. ويمكن وضع حدود عامة للعلاقة المتصلة والمنفصلة بين العلم والدين، فمع النظريات الفلكية في القرن السادس عشر (١٠ هـ) وبداية السابع عشر (١١ هـ) لم تحسم العلاقة منهجيًا وإن حسمت اجتماعيًا لصالح الكنيسة باعتذار "جاليليو"، ولكنها في نهايات القرن السابع عشر (١١ هـ)، ثم الثامن عشر (١٢ هـ) صلحت العلاقة بسبب نجاح "نيوتن" كأهم عالم لأوروبا آنذاك في تخفيف حدّة النزاع رغم ما في اجتهاداته من ثغرات ردّ عليها بعض مفكري عصره. وستأتي لحظة الانفصال مع تبجح العلم مع بعض دعاته بأقوال لا تقرّها أديانهم ولا يقرّها دين الإسلام، وكانت هذه النقطة في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر مع نظرية "داروين" وبوضوح في الاتجاه المادي لهذه النظرية. وقد كانت العلاقة مفروضة من قبل القوى السياسية والاجتماعية ولم يفرضها المنهج العلمي والميدان العقلي الصحيح، فعندما كانت الكنيسة هي الأقوى فرضت رأيها، وعندما اعتدلت قوّة الكنيسة مع القوى العلمانية كانت العلاقة أقرب من حيث العموم إلى التوازن والاعتدال، وعندما انتصرت القوى العلمانية وسادت التيارات المادية الإلحادية فرضت هذه القوى الرأي المخالف للدين ونصرته وبلغت ذروتها في دول ملحدة تطارد من يقرّ ببقايا دينية وتحاربه. ومن يتأمل تاريخ الفكر الغربي إلى اليوم لاسيّما في قضيتنا وهي العلاقة بين الدين والعلم لا يخفى عليه وجود ثلاثة تيارات تشكل ثلاث منهجيات، نشأت مع المشكلة وما زالت مستمرة إلى اليوم، وهي، الأول: تيار يميل إلى الرأي

стр. 173

الديني رغم ما فيه من تحريف وأخطاء حتى وإن قابلته حقائق علمية قوية، والثاني: تيار يميل إلى الرأي الإلحادي ويوجه النظريات العلمية إلى أهدافه حتى وإن قابلته حقائق دينية قطعية، الثالث: تيار معتدل يرى بأن للدين حقائق وللعلم حقائق، وللدين مجال وللعلم مجال، ثم هم مدارس شتى في كيفية وضع العلاقة بينهما، وماذا يُقدّم عند التعارض، وكيف يتم الجمع بين الأمور المتعارضة؟ وكون التيارات العلمانية والمادية هي الأقوى في الغرب في القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي، فدون أدنى شك بأنهم سينتصرون لمذهبهم وسيوجهون كل النظريات لخدمة منهجهم. هكذا يتضح بأن مشكلة العلاقة بين النظريات العلمية الممثلة للعلم وبين الدين في صورته اللاهوتية النصرانية المحرفة قد وجدت حلّها مع تركيبة نيوتن وتوفيقيته، فمنذ إثارتها مع النظرية الفلكية وهي مدار صراع هائل حتى وجدت بعض ما يهدئها ويضعها في صورة وفاق بدل العداء مع نيوتن وعصره (١)، ويظهر بأن أغلب الطرفين قد رضيا بهذا التوفيق، وإن كان من الواضح بأن الجهود التوفيقية ومحاولات التقريب غالبًا ما انطلقت من العلماء لا من رجال الكنيسة، وبعيدًا عن مدى صدق العلماء أو كذبهم، فالمهم بأن جهدهم قد نجح زمن "نيوتن" في تخفيف القطيعة، وكان لنيوتن كما كان لجاليليو قبله دراسات مختلفة لتأويل نصوص أو عقائد دينية لتتوافق مع النظريات والرؤى العلمية. ولكن سيظهر بأن عمليات التوفيق سيوقفها أحد علماء أوروبا في نهاية القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، وذلك لصراحة ما قدّمه في مخالفة الأديان ورفضه لأي توفيق مع الدين، وأيضًا لمنحى الرجل الفكري المنتمي إلى العلمانية والمادية، وهما أسوأ ما أنتجه الفكر الغربي من مذاهب معادية للدين. يكشف هذا العرض التاريخي بأن توتر العلاقة بين الدين والعلم إنما هي مشكلة أوروبية ظهرت بسبب بروز النظريات العلمية الجديدة المتعارضة مع اللاهوت الديني المعروف في الغرب، ويكشف بأن ظهور أحد الطرفين على الآخر يرتبط بالقوة السياسية والثقل الاجتماعي لأحدهما على حساب الآخر وأنه لا يرتبط بحقائق موضوعية صحيحة تفرض نفسها، ويكشف أخيرًا بأن جميع

стр. 174

التيارات المختلفة ومنهجياتها المختلفة لبيان العلاقة بين الدين العلم ما زالت موجودة وتتصارع فيما بينها. د- أثر نيوتن في الفكر الغربي: لا يوجد اختلاف في دور "نيوتن" في العلوم الطبيعية، وأنه أهم رجالاتها في العصر الحديث، وأنه مثّل العلم لأكثر من قرنين، حتى إن هناك من خشي من سيطرته على العلم وعدم قدرة من بعده في تجاوزه كما حدث في الماضي من تعظيم لأرسطو أضعف قدرة من بعده على تجاوزه. فهل أثّر نيوتن ونظرياته وأفكاره في الفكر الغربي؟ وهل يمكن للعلم والعلماء الجدد أن يؤثروا في الاتجاهات الفكرية؟ وما صورة هذا التأثير؟ كان المعهود في تاريخ الفكر الغربي بأن المفكرين والفلاسفة هم من يقود العلوم المعهودة عندهم، وأن الفلسفة في درجة أعلى من هذه العلوم فهي أمّ العلوم، ولكن مع نيوتن وبعده ربما تنقلب المعادلة، حيث يكون تأثير النظريات العلمية أقوى في تشكيل التيارات الفكرية الجديدة، وربما نجد هذا واضحًا مع نيوتن، فعندما أعلن نظريته العلمية وفلسفته ومنهجه لم يتقبلها الفكر الغربي بسهولة، وبقيت في بعض نقاط أوروبا الجغرافية مهجورة أو منتقدة، وكأنها في حاجة إلى دعاة ينشرونها ومفكرين يبنون عليها أنساقهم الفكرية. ويظهر بأن هناك مجموعة أسباب هيأت لنسق نيوتن أن يكون له مع الأيام قوّة مؤثرة فيما بعد في الفكر الغربي، وحتى ندرك أثره فنحن في حاجة لاسترجاع المسارات الفكرية الكبرى التي ظهرت في عصر أوروبا الحديث. كان الاتجاهان الكبيران "العقلي والتجريبي" من أهم المسارات الفكرية، الاتجاه العقلي الذي برز بصورة واضحة مع ديكارت وأتباعه، والاتجاه التجريبي والحسي الذي عرف مع "بيكون وهوبز" ومن بعدهما. ومع وجود أنصار الاتجاهين في أغلب أوروبا إلا أن العقلي كان أكثر شهرة في فرنسا وما حولها، والتجريبي كان أكثر شهرة في إنجلترا وما حولها، وهما يكبران عامًا بعد آخر، وكان لهما وجودهما الكبير زمن نيوتن وبعده. وفي هذه المرحلة أيضًا ظهر تياران جديدان سيرسمان خارطة جديدة للفكر الغربي أحدهما نشأ مع "كانط" الفيلسوف الألماني المشهور محاولًا في فلسفته

стр. 175

الجمع بين الاتجاهين العقلي والتجريبي مع الاستفادة من صورة العلم النيوتنية الأخيرة. والآخر ظهر مع حركة التنوير الداعية إلى الحرية والعلمانية والتحمس للعلوم الجديدة. فهذه أربعة اتجاهات فكرية كُبرى اشتهرت في هذه المرحلة يصاحبها بروز اتجاه علمي بدأ يفرض نفسه مستقلًا عن التيارات الفكرية والفلسفية يومًا بعد يوم إضافة إلى تيار لاهوتي مستمر من الماضي. ومن المعلوم بأن التيارات الفكرية الأربعة لم تكن على وفاق مع الكنيسة واللاهوت الديني، وقد كان هناك سباق بين الطرفين على الاستعانة بالعلم -بعد أن نجح في إثبات وجوده- في ذلك الصراع بينهما، وقد نجحت التيارات الفكرية أكثر من غيرها في استغلال ثمرات العلم المادي ونظرياته في خدمة رؤاها، ومن ذلك استعانتهم جميعًا بالنسق النيوتني. ومن الطبيعي أن تقود الروح اللادينية للتيارات الفكرية نشاطهم نحو توظيف ثمرات العلم بما يخدم تلك الروح، وما يتبع ذلك من غياب للموضوعية وبروز نزعات الأهواء والرغبات على حساب الحقيقة والعدل والإنصاف، وقد بلغت ذروة هذا الانحراف بنجاح الثورة الفرنسية عام (١٧٨٩ م)؛ أي: بعد ما يقرب من ستين عامًا من وفاة نيوتن (١٧٢٧ م)، وبهذا حققت التيارات اللادينية نجاحها السياسي والاجتماعي في ثورة فرنسا، وبهذا الانتصار سيُقدّم كل معارض للدين واللاهوت الديني على أنه الحقيقة الوحيدة، وسيُفرض في الساحة الفكرية والعلمية والاجتماعية، ويكفي أن نعرف بأن التعليم الديني منع من المدارس، وأن النظريات العلمية ما كان حقًا منها أو باطلًا قد فُرض على المجتمع تعلمها. وليس المقصود تتبع تفاصيل تلك الأحداث وإنما اقتناص علاقة الفكر الغربي بالعلم المادي ونظرياته لتتبين حقيقة تلك العلاقة، ومن ثمّ الاستفادة منها في فهم مجريات العلاقة عندنا فيما بعد. فمما يقول "يوسف كرم" عن تأثيره: "كان لمنهجه العلمي ولمكتشفاته أثر في الفلسفة، وكانت له فلسفة خاصة تركت هي أيضًا أثرًا. جاء اكتشافه للجاذبية مؤيدًا للمذهب الآلي وموطدًا للثقة في المنهج الرياضي، فقد دل على مبدأ يفسر تماسك أجزاء الطبيعة، ووضع قانونًا كليًا استخرج منه بالقياس نتائج متفقة مع التجربة، على أنه إذ يقول بالجاذبية يعلن أنه لا يزعم بهذه التسمية تعيين طبيعة القوة التي تقرب جسمًا من جسم أكبر، وهذه نقطة جديرة بالملاحظة، فإنها تعني

стр. 176

أن العلم الآلي يلتقي مع الظواهر ولكنه لا يدعي تفسيرها" (١). يلخص هذا النص أهم آثار نيوتن وبعض مساراتها فهو: أولًا: أثّر بمنهجه العلمي واكتشافاته العلمية في الفلسفة. وثانيًا: أثر بفلسفته الخاصة -النابعة من تأملاته- في الفكر الغربي. وأخيرًا: فنظريته حول الجاذبية دعمت المذهب الآلي الذي سيكون له شأن في الاتجاهات المادية مع التذكير بأنه بنظريته إنما يفسر، لا أنه جعل للمادة فعلًا مستقلًا وتامًا وحقيقيًا كما سيكون مع الماديين في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر مثلًا. وإذا كانت النظريات العلمية مجال أخذ ورد، وقبول واعتراض، فما بالك بالأنساق الفكرية المبنية على تلك النظريات، فمجال الأخذ والرد فيها أوسع لاسيّما مع دخول أصحاب الأيديولوجيات اللادينية التي تهوي بأصحابها وتطمس عن أعينهم الحقائق ولو كانت مثل شعاع الشمس، ويستثمرون ما يجدون في النظريات من مشتبهات وثغرات ليؤيدوا ما يعتقدون من أيديولوجيات، وكانت نظريات نيوتن أحد الأمثلة البارزة على ذلك لاسيّما ما تبناه الماديون من أفكار حول فاعلية المادة والحتمية وغيرها. والمقام هنا ليس مقام تفصيل الأثر المتبادل بين نظريات نيوتن وبين الاتجاهات الفكرية، ففي ذلك دراسات موسعة، وإنما المقصود بيان دور النظريات العلمية وأثرها مجملًا في الفكر الحديث، وهنا ذكرٌ موجز لبعض التفاعلات بين نيوتن والفكر لاسيّما مع الاتجاهات الفكرية البارزة: فهذا ليبنتز أحد أهم الديكارتيين والتيار العقلي يمتدح كتاب "المبادئ" وأنه "يعدل في قيمته كل المؤلفات السابقة". وهذا يبين مكانة نيوتن عند العقلانيين. وهذا هيوم أحد أهم مؤسسي المذهب الحسي التجريبي يقول عن نيوتن بأنه "أعظم وأندر عبقري ظهر ليشرف النوع الإنساني ويعلمه" (٢)، فهذان ممثلان كبيران لأكبر تيارين في الفكر الغربي الحديث يعلنان مكانة نيوتن ووضعه في المقدمة.

стр. 177

وفي هذه المرحلة ظهر تيار جديد أطلق عليه تيار التنوير أخذ على عاتقه الدعوة للعلمانية وإضعاف قيمة الدين في حياة المجتمع والدعوة للحرية والعقلانية، وقد كان مركزه فرنسا وانتشر بعد ذلك في أغلب بلاد أوروبا في القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي. وكان من أشهر شخصيات هذا التيار فولتير، وقد أخذ على عاتقه التعريف بنيوتن ونظرياته ونشرها، حتى إنه عُدّ أهم الشخصيات التي أسهمت في تعريف فرنسا بنيوتن وعلمه ومنهجه (١). وعرفت أيضًا أوروبا في هذه المرحلة فيلسوفًا مشهورًا "كانط" كان له أثره في تكوين فلسفة جديدة "الفلسفة النقدية" وغلب تأثيره على أكثر التيارات الفكرية التي جاءت بعده، حتى إن هناك من يفرق بين مرحلتين في الفكر الغربي، قبل كانط وبعده. فهذا الفيلسوف أقام أغلب أصوله الفلسفية على نسق نيوتن العلمي والفلسفي والمنهجي، ومن كتبه مثلًا: "التاريخ العام للطبيعة، ونظرية السماء: دراسة للنظام والأصل الميكانيكي للكون، وفقًا لمبادئ نيوتن" (٢)، وقد أوضح "محمد وقيدي" في بحثه عن نظرية كانط في المعرفة (٣) أثر نسق نيوتن على كانط؛ ذلك أن فلسفته عاصرت النسق الفيزيائي النيوتني "فاستفادت من معطياته في بناء نظريتها في المعرفة" (٤). فهذه أربعة تيارات، اثنان منها قبله "العقلي والتجريبي" وقد أُعجبا بنسقه، واثنان معه أو بعده التنوير والنقدي الكانطي أعجبا به أيضًا. وهناك تيار خامس سيكون أكثر شهرة في القرن اللاحق وهو "التيار المادي" الذي يرى بأن المادة هي الأصل، وهي فاعلة مؤثرة بنفسها، ومن مصادرها العلمية المزعومة الصورة الحتمية البادية في الصورة الآلية والميكانيكية في نظريات نيوتن (٥)، فقد ولّدت نظريته نزاعًا كبيرًا بين تيارين حول الحتمية

стр. 178

واللاحتمية شبيهة بمسألة الاختلاف بين الجبرية والقدرية، حيث كانت نظرية نيوتن في الجاذبية مفتاحًا للمذهب الحتمي، ومؤيدة لأصحاب المذهب الآلي المادي وبقيت الأشهر حتى برزت نظرية "النسبية" و"الكوانتم" في الفيزياء المعاصرة لتميل لصالح المذهب اللاحتمي، وهذا شاهد واضح على أثر النظريات العلمية في الفكر. وأخطر ما زعمه التيار المادي اعتمادًا على النسق النيوتني بأن آلية الكون وسيره وفق نظرية الجاذبية، تدل بأن الكون يتحرك بقوانينه الخاصة دون حاجة إلى حفظ إلهي لها، ووصل بهم الأمر إلى إنكار وجود الرب أصلًا، والقول بأن المادة هي الفاعل الوحيد التي عُبر عنها في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر بالطبيعة، فهي الموجدة لكل شيء والفاعلة لما تريد. وستقوم المادية بتحويل تصور نيوتن حول نظريته في الجاذبية، فهو يفسر بها ظاهر الكون ويرى أنها من وضع الرب سبحانه لحفظ نظام الكون الذي خلقه، ولكنها مع الماديين تتحول إلى صفة من صفات الطبيعة والمادة، ويرون بأن عالم المادة يتصف بصفات يُوجد بها ذاته ويُسيّر بها نظامه. وهذا التحول الخطير سانده بعض المنتسبين لدائرة العلم في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وكان أشهر من أظهر ذلك البيولوجي داروين وسيأتي بيانها لاحقًا. والمهم هنا أن نظريات نيوتن أصبح لها تأثير كبير، وأن العلم مع نيوتن بدأ يستقل بذاته ويكوِّن شعبية تنافس المذاهب الفكرية المعهودة والعلوم الموروثة، وبدأ المنهج الجديد في البحث والنظر يفرض حضوره يومًا بعد يوم، وبدأت العلوم تتطور بسبب ذلك، ولكن هذه الشهرة للعلم جلبت إليه أهل الأهواء والأيديولوجيات ليوظفوه في خدمة مذاهبهم. لقد استقطب نيوتن الحياة الثقافية والفكرية والدينية في الغرب، ورغم قلّة إنتاجه وانصرافه إلى السياسة آخر حياته ثم الدين، إلا أن نسقه أثّر كثيرًا ولأكثر من قرنين، وفي ذلك يقول محمد الجابري: "ويمكن القول بصفة عامة: إن الفكر العلمي بمختلف جوانبه ومنازعه -وكذا الفكر الفلسفي- قد بقي، طوال القرنين الماضيين، يتحرك داخل البنيان الذي شيّده نيوتن، وذلك إلى درجة أن الأفكار والنظريات العلمية التي ظهرت خلال المدّة المذكورة، لم تكن تقبل، أو على الأقل لم يكن ينظر إليها بعين الارتياح والرضا، إلا إذا كانت مندرجة في النظام

стр. 179

العام الذي أقامه صاحب نظرية الجاذبية" (١). وهذه الشهرة جعلت "راسل" يقول: "لقد كان النصر كاملًا -أي: لنيوتن- إلى حد ينذر بالخطر من أن يغدو "نيوتن" أرسطو آخر، ويفرض على التقدم حاجزًا لا يمكن تخطيه" (٢). ونجد مفارقة عجيبة في هذه العلاقة بين نظريات نيوتن واكتشافاته ومنهجه وبين الفكر المتفاعل معها، تتمثل في أن نيوتن يميل إلى أن النظر في هذا الكون يدل على وجود الله سبحانه ويحاول التوفيق بين نظريته في الجاذبية وبين ما يعرفونه من أمور الدين، بخلاف التيارات الفكرية المستثمرة لنجاحه فهي توظف نظرياته في خدمة العلمانية المادية والإلحاد. فهو يرى بأن نظريته تُظهر نظام العالم وتناسقه، وأن ما فيه من نظام وجمال وترتيب يدل على وجود الله سبحانه (٣)، وما يترتب على الإقرار بوجوده من أمور أخرى، ونراه مثلًا يحاول التوفيق بين نظريته في الجاذبية وبين قصة طوفان نوح ﵊، فهو يرى بأن الله سبحانه حينما أراد أن يغرق القوم الكافرين الذين كذبوا نوحًا ﵊، أمر نجمًا جبارًا بأن يقترب من الأرض، وبحسب نظرية الجاذبية اختلت قوى الطرد والجذب، فاندفع الماء من باطن الأرض تحت تأثير الجاذبية الرهيبة، وصارت أمواج البحر كالجبال، وتراكمت السحب نتيجة التبخر، وتساقطت أمطار وكأنها السيل المنهمر، ولما تحقق أمر الله سبحانه، أمر النجم أن يعود إلى مكانه، فعادت الأرض إلى ما كانت عليه (٤). فهو يحاول المحافظة على سلامة نظريته وفي الوقت نفسه لا يريد إنكار ما يعرفونه من الأمور الدينية. فمن الناحية العلمية فسر كيف تحدث ثلاثة أمور في عذاب أولئك الكافرين، وهي: تفجر الأرض بالماء بشكل لا مثيل له، وسحاب كثيف مع مطر غزير لا مثيل له، وموج هائل متلاطم، وهذه الثلاثة يمكن تصور حدوثها باقتراب نجم كبير من الأرض، ولكنه بقدر ما يُقرّب المسألة للمائلين إلى العلوم الحديثة،

стр. 180

إلا أنه تكلفٌ لا مبرر له، وادعاء أمر من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، فنحن نؤمن بهذا الحدث ولكننا لا نعلم التفاصيل الغيبية فيه إلا ما ورد في الوحي. والأمر العجب هو فرار هؤلاء من الإيمان بقدرة الله سبحانه على إحداث هذه الأمور، وحرصهم على التعليل الطبيعي لمثل هذه الأحداث، مع أن الأعجب من كل هذه الأمور هو وجود الكون كله، فإيجاد الكون والعالم أعظم بكثير من حدث الطوفان في جزء صغير من مخلوقاته، والله سبحانه قد أكثر من الاستدلال على منكري البعث بإيجاد المخلوقات الكونية وبخلق الإنسان، وهذا الدليل الذي كثر وروده في القرآن هو دليل مناسب أيضًا على هذه المسألة؛ فإن من أوجد الكون بعوالمه العجيبة أقدر -وكلها عنده سواء- على مثل هذه الآيات، سبحانه. ومع ما نراه من ضبابية حول اعتقاده فإن من المؤكد أنه لم ينف الدين الذي عرفه بين قومه، بل يرى أن ما عنده يدعم الدين، في المقابل نجد تيارات ذات أهداف مشبوهة وظّفت نظرياته واكتشافاته ومنهجه في صراعها مع الدين مدّعية بأن علم نيوتن يدعم الموقف الإلحادي، ومن أشهرها الاتجاه المادي بكل تياراته، وتظهر هنا النقطة الفاصلة بين النظرية العلمية وفكر صاحبها وبين استثمارها في خدمة رغبات وأهواء أطراف أخرى. والعجيب أن صاحب النظرية لا يرى في نظريته ما يدعو إلى الإلحاد والمادية، ويصر أصحاب التيار المادي على استثمارها في باب لم يقله صاحبها. وبعكس ما سبق في الفيزياء الكلاسيكية -فيزياء نيوتن- نجد صورة مغايرة في الفيزياء المعاصرة، فهي فيزياء تنتسب للمدنية العلمانية وترعرعت مع الماديين، وكان الأصل فيها أن تتوجّه لخدمة الاتجاهات المادية؛ إلا أن الأمر انقلب رأسًا على عقب، فظهرت تيارات فكرية ترى بأن الفيزياء المعاصرة تعد صفعة موجعة للتيارات المادية الملحدة، وأنها لا تتعارض مع أصول دينية بل العكس فهي تؤيد قضايا الدين (١). وهو تقابل غريب وعجيب، يحتاج منا إلى عناية خاصة؛ إذ فيه عدّة دلالات يهمّ منها طريقة توظيف النظرية وفهمها في خارج إطارها.
следующие страницы →