° توجيه الإسلام للعلم وتيسير طرقه:
ولمنزلة العلم في الإسلام جاءت النصوص قوية وصريحة في الحثّ عليه وترتيب الأجور العظيمة على طلبه ونشره، وقد خصص العلماء لذلك مصنفات في فضل العلم وطلبه، فضلًا عن أن أغلب كتب العلم الشرعي تبدأ بمقدمات تذكر فضل العلم، وهي دلالة بيّنة على منزلة العلم في الإسلام ومكانته (١).
وقد فتح الإسلام جميع المنافذ نحو العلم النافع، وأزال الحواجز والمعيقات، فمن نظر في الإسلام وجد أنه ما ترك طريقًا يوصل إلى العلم النافع إلا دلّ عليه، وما من حاجز يعيق العلم النافع إلا حذّر منه، فما بقي بعد ذلك من عذر لأحد في طلب العلم، ففضل طالبه كبير، والطرق إليه ميسرة وصحيحة والعوائق مُزالة، وهذا يكشف تلك الظاهرة العجيبة التي ارتبطت بظهور الأمة الإسلامية، وهي مكانة العلم في هذا الدين العظيم، فإذا أصابها ضعف وجهل فهذا دلالة على بعدها عن تعاليم دينها، وهنا بعض معالم التوجيه الإسلامي في هذا الباب، وسأقسمها -إن شاء الله تعالى- إلى قسمين:
الأول: من صور فتح الباب نحو العلم النافع.
والثاني: من صور إزالة العوائق أمام العلم النافع (٢).
الأول: من صور فتح الباب نحو العلم النافع:
وهو باب كبير، والقصد فقط التنبيه بالبعض على الكل، فمن ذلك:
١ - بيان سعة العلم، وأن ما عند البشر شيء قليل، وأثر هذا البيان على المسلم:
قال -تعالى-: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ
стр. 72
مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧]، قال الشيخ السعدي ﵀ في آية الكهف: "فلو جُمع علم الخلائق من الأولين والآخرين، أهل السماوات وأهل الأرض، لكان بالنسبة إلى علم العظيم أقل من نسبة عصفور وقع على حافة البحر فأخذ بمنقاره من البحر بالنسبة للبحر وعظمته، ذلك بأن الله له الصفات العظيمة الواسعة الكاملة، وأن إلى ربك المنتهى" (١). وقال -تعالى-: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، قال ابن كثير ﵀: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال الحسن البصري: ليس عالِم إلا فوقه عالِم، حتى ينتهي إلى الله . . . . عن ابن عباس: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالِم. وهكذا قال عكرمة. وقال قتادة: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بُدئ وتعلمت العلماء، وإليه يعود" (٢). وقال -تعالى-: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، قال ابن كثير ﵀: "وقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: من شأنه، ومما استأثر بعلمه دونكم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ﵎.
والمعنى: أنَّ عِلْمكم في علم الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى، ولم يُطلعكم عليه، كما أنه لم يُطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى. وسيأتي إن شاء الله في قصة موسى والخضر أن الخضر نظر إلى عصفور وقع على حافة السفينة، فنقر في البحر نقرة؛ أي: شرب منه بمنقاره، فقال: يا موسى، ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر. أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا قال ﵎: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ " (٣)، والحديث الذي ذكره عن موسى ﵇ والخضر دليل عظيم في الباب، فإن موسى ﵇ عندما طلب الخضر
стр. 73
إنما طلبه للعلم، وجاء في الحديث "فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر" (١).
وهذا البعد الذي يرسخه الإسلام حول العلم له أهميته، فكل علم هو من الله سبحانه، وكل علم البشر لا يساوي شيئًا في علم الله سبحانه، وبهذا مهما بلغت علوم البشر من الكثرة والإبهار فهي نقطة بل لا شيء في علمه سبحانه، وإدراك هذا الأمر له أهميته، ومن صور الأهمية: عدم الغرور بما يصل إليه البشر من علم، بل ذاك يدفع أهله إلى التواضع، ومن ثمّ شكر المولى على ما فتح على الناس من علم والانتفاع به بما يرضي الرب سبحانه، والأمر الثاني الذي نستفيده من هذا الأمر أن العلم بحر لا نهاية له، وعلى المسلم طلب المزيد من العلم الذي ينفعه، وعلى المسلمين عدم الوقوف عند أي باب من العلم إلا في باب جاء الشرع بطلب التوقف فيه، وما عداه فالعلم بحر واسع وعلى الناس الأخذ منه دون توقف، وأعلاه العلم بالله وبما يوصلنا إليه، ويدخل في ذلك تبعًا كل علم نافع يحتاجه الناس.
وهذا الأصل العظيم يجعل الأمة متوازنة في تحصيل العلم وفي موقفها من العلم، فلا تغتر بما حصلت عليه كما حدث للكفار من الاغترار بما وصلوا إليه من علوم، ولا تقف عند حدّ في طلب النافع منه.
وتبع الأمر السابق بيان أن كل علم البشر هو من الله سبحانه، فهو الذي خلق الكون بسننه التي يكتشف منها البشر شيئًا بعد شيء، وهو الذي خلق للإنسان أدوات التعلم والإدراك من سمع وبصر وعقل، فيكون ما يحصلون عليه من علم هو من الله، ويعلمون في النهاية أن ذلك مما يفتح الله به على خلقه قال -تعالى-: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]، وقال -تعالى-: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ
стр. 74
إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ومن استشعر هذا الأمر أقام العلم بما يرضي الرب سبحانه، بخلاف من ظن أنه من قدرات العقول وحدها فتجده ينحرف بهذا العلم. ومن استشعر أن كل علم هو من الله، تجده يلجأ إلى ربه دائمًا في طلب العلوم، وحتى الدنيوية منها ما دامت صحيحة ونافعة، والإنسان يؤجر في ذلك بحسب نيته.
٢ - دعوة القرآن إلى استخدام العقل في بابه الصحيح وبيان منزلة العلم:
والآيات وإن قصدت في البدء إلى تحريك العقل نحو مقاصد دينية، إلا أن في ذلك توجيهًا صريحًا لتشغيل العقل وعدم إهمال شأنه، فجاءت آيات تدعو إلى النظر، وإلى التبصر، وإلى التدبر، وإلى التفكر، وإلى الاعتبار، وإلى التفقه، وإلى التذكر، وآيات في ذمّ الذين لا يعقلون وغيرها (١)، وغذاء العقل هو العلم، وقد جاءت آيات وأحاديث في الحث على العلم والتعلم بصور وأشكال مختلفة بالأمر الصريح أو بمدح العلم وأهله، أو بذكر الأجر، أو بذكر التميز، أو بذكر المآل الحسن. . . . وغيرها من الصور التي عُرض بها العلم في الكتاب والسنة (٢)، وهذا باب يصعب سرد نصوصه فهي من الكثرة والتنوع بما يتعذر في مثل هذا المختَصَر ذكرها، ولكن من المهم الاعتبار بدلالتها على منزلة العلم في الإسلام، وعلى أهمية إعمال العقل فيما يقرِّب من الله وفيما ينفع من أمور الدين والدنيا، ومن هنا يُعلم أنه ما وُجد من حث على العلم وإعمال العقل مثل ما وُجد في الإسلام.
٣ - حثّ الإنسان على استخدام الحواس في طلب العلم، وقد سبق هذا في أول التمهيد.
٤ - طلب الحجة والبرهان، والصدق واليقين، والحق والقسط، وهي أمور لا تتحقق إلا بالعلم، فطلبها هو طلب العلم، وطلبها يقتضي العناية بالعلم، قال -تعالى-: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]، وقال -تعالى-:
стр. 75
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)﴾ [الأنبياء: ٢٤]، وقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ [البقرة: ٤٢]، وقال -تعالى-: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ [يونس: ٣٦]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم: ٢٨]، وغيرها من الآيات.
وفي الجملة فإن من تتبع القرآن وجده يحث على العلم وييسر كل طريق إليه، فإن هذه الشريعة العظيمة عندما تحث على باب أو تأمر به تجدها تيسر كل طريق إليه، وفي المقابل فإنها تُقفل كل باب يكون سببًا في تعطيل المأمور به، وفي الفقرة الآتية بعض ما يدلّ على ذلك.
الثاني: من صور إزالة العوائق أمام العلم النافع:
وكما فتح الإسلام الباب للعلم النافع فقد أزال كل العوائق التي تعيقه، ومن ذلك مثلًا التحذير من اتباع الظن، واتباع الهوى، ومن الجدل المذموم، ومن البغي، والريب، ومن تبديل كلام الله، ومن تحريف الكلم عن مواضعه، ونهى عن تقليد الآباء والزعماء والأحبار والرهبان بالباطل، ومن ذلك محاربته للخرافة من السحر والشعوذة والتنجيم، والخرافات التي تتعلق بالتصور والاعتقادات الغيبية، وغيرها من المنهيات التي غاية النهي عنها صلاح حال المسلم في دينه ودنياه.
وقد سبقت آيات في النهي عن اتباع الظن في الفقرة السابقة، فالابتعاد عن الظن يعني الحرص على اليقين والحق والعلم والصدق، وفي النهي عن اتباع الهوى قال -تعالى-: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥]، وقال -تعالى-: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وجاء التحذير من تحريف الكلم عن مواضعه فذاك من التلاعب بالحق والعلم، قال -تعالى-: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، وقال
стр. 76
-تعالى-: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، ومثله النهي عن تبديل العلم والحق فقال -تعالى-: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة: ١٨١]، وجاء في النهي عن التقليد المحرم أدلة منها: قوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١]، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ [الأنفال: ٢٢]، وقال -تعالى-: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]، فما أعظم هذا الوصف لمن أقفل حواسه عن الحق، وقال -تعالى-: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)﴾ [الزمر: ٤٣]، وهي وإن كانت في باب الوصية فالعبرة بعموم اللفظ. أما ما جاء في المحرمات من مثل السحر والتنجيم والشعوذة والخرافات التي يتصورها الكفار حول الملائكة والجن وأصنامهم المعبودة فقد جاء التوحيد لمحاربتها، فكما أنها عائق عن تحقيق التوحيد فهي عائق عن العلم النافع، والأدلة في ذلك كثيرة.
فمن تأمل هذا الباب عَلِمَ عظمة هذا الدين الذي ما ترك باب خير إلا دلنا عليه وما ترك باب شر إلا نهانا عنه، وعلم أن الشرع قد حث على العلم وحث على أسبابه ويسر الطرق إليه، وأنه في المقابل حذر من الجهل وأقفل الأسباب الموصلة إليه، فلله الحمد على نعمة الإسلام ونعمة القرآن، قال -تعالى-: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١]، قال الشيخ السعدي ﵀: "يخبر تعالى أنه أنزل كتابه على رسوله محمد ﷺ لنفع الخلق، ليخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر والأخلاق السيئة وأنواع المعاصي إلى نور العلم والإيمان والأخلاق الحسنة، وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: لا يحصل منهم المراد المحبوب لله إلا بإرادة من الله ومعونة، ففيه حث للعباد على الاستعانة بربهم" (١).
стр. 77
° الحكم الفقهي لأنواع العلوم:
بعد أن عرفنا شيئًا من الموقف الإسلامي من العلوم أختم ببيان حكمها عند أهل العلم، ومع أن في كلام ابن عبد البر ﵀ شيئًا من ذلك إلا أن عددًا من التفصيلات ذكرها علماء بعده، ومن أشهرهم الغزالي في كتاب "إحياء علوم الدين"، ولاسيّما من جهة الأحكام التكليفية "الواجب والمستحب والجائز والمكروه والمحرم"، ثم درج أهل العلم على مثل ذلك، ومن بينهم الإِمام النووي ﵀، ففي مقدمة كتابه "المجموع" تكلم على ذلك وقسم العلم إلى قسمين: شرعي وغير شرعي، فقال ﵀ عن القسم الأول: "باب أقسام العلم الشرعي هي ثلاثة: الأول: فرض العين؛ وهو تعلُّم المكلف ما لا يتأدى الواجب الذي تعين عليه فعله إلا به. . . . القسم الثاني: فرض الكفاية؛ وهو تحصيل ما لابد للناس منه في إقامة دينهم من العلوم الشرعية، كحفظ القرآن والأحاديث وعلومهما، والأصول والفقه والنحو واللغة والتصريف، ومعرفة رواة الحديث والإجماع والخلاف. وأما ما ليس علمًا شرعيًا وُيحتاج إليه في قوام أمر الدنيا كالطب والحساب ففرض كفاية أيضًا نص عليه الغزالي. واختلفوا في تعلم الصنائع التي هي سبب قيام مصالح الدنيا كالخياطة والفلاحة ونحوهما، واختلفوا أيضًا في أصل فعلها، فقال إمام الحرمين والغزالي: ليست فرض كفاية، وقال الإِمام أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري المعروف بالكيا الهراسي صاحب إمام الحرمين: "هي فرض كفاية، وهذا أظهر. قال أصحابنا: وفرض الكفاية المراد به تحصيل ذلك الشيء من المكلفين به أو بعضهم، ويعم وجوبه جميع المخاطبين به، فإذا فعله من تحصل به الكفاية سقط الحرج عن الباقين، وإذا قام به جَمْعٌ تحصل الكفاية ببعضهم فكلهم سواء في حكم القيام بالفرض في الثواب. . . ."، ثم قال: "واعلم أن للقائم بفرض الكفاية مزية على القائم بفرض العين لأنه أسقط الحرج عن الأمة"، ثم قال: "القسم الثالث: النفل؛ وهو كالتبحر في أصول الأدلة، والإمعان فيما وراء القَدْر الذي يحصل به فرض الكفاية".
وقال عن القسم الثاني: "قد ذكرنا أقسام العلم الشرعي، ومن العلوم الخارجة عنه ما هو محرم أو مكروه ومباح: فالمحرم كتعلم السحر. . . . وكالفلسفة والشعبذة والتنجيم وعلوم الطبائعيين وكل ما كان سببًا لإثارة الشكوك،
стр. 78
ويتفاوت في التحريم. والمكروه كأشعار المولدين التي فيها الغزل والبطالة. والمباح كأشعار المولدين التي ليس فيها سخف ولا شيء مما يُكره ولا ما ينشِّط إلى الشر ولا ما يثبط عن الخير ولا ما يحث على خير أو يُستعان به عليه" (١).
فقد جعل النووي ﵀ تعلم العلوم العقلية الدنيوية البشرية النافعة من فروض الكفايات، وجعل لمن قام بفرض الكفاية مزية يختص بها، مع العلم أن لابن قيم الجوزية نقدًا لقسم فرض الكفاية يحتاج إلى تأمل إذ قال: "وأما فرض الكفاية -أي في العلم- فلا أعلم فيه ضابطًا صحيحًا؛ فإن كل أحد يُدخل في ذلك ما يظنه فرضًا، فيُدخل بعض الناس في ذلك علم الطب وعلم الحساب وعلم الهندسة والمساحة، وبعضهم يزيد على ذلك علم أصول الصناعة كالفلاحة والحياكة والحدادة والخياطة ونحوها، وبعضهم يزيد على ذلك علم المنطق. . . .". ومن اعتراضاته: "فلا فرض إلا ما فرضه الله ورسوله، فيا سبحان الله! هل فرض الله على كل مسلم أن يكون طبيبًا حجامًا حاسبًا مهندسًا؟!. . . . فإن فرض الكفاية كفرض العين في تعلقه بعموم المكلفين، وإنما يخالفه في سقوطه بفعل البعض. . . ." إلى آخر كلامه ﵀ (٢)، واعتراضه هنا إنما هو على جعلها فرض كفاية وليس اعتراضه على صحتها في ذاتها أو جواز تعلمها، وهو اعتراض وجيه، ومع ذلك فمن العلماء من جعلها فرض كفاية من جهة النظر في حاجة الناس إليها، ومعلوم أن هذه الحاجات معتبرة في الشرع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فلهذا قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم كأبي حامد الغزالي وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم: إن هذه الصناعات فرض على الكفاية؛ فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها" (٣).
فهذا النوع إن لم يكن فرضًا من فروض الكفايات فهو جائز، ما لم يتعلق به ما يُفسد جوازه، كما أن الأمر يختلف بالنسبة إلى الدولة المسلمة، فما يجب في حقها قد لا يجب على الأفراد، فيجب على الدولة توفير الضروريات
стр. 79
والحاجيات، ومن ذلك فتح الباب لما ينفع وحثّ بعض الناس على تعلمه بوضع الحوافز وغيرها، وهي أمور لا تحتاج لإيجاب وإنما يكفي التحفيز؛ لأننا لن نُعدم في كل علم وفي كل فن وفي كل مهنة من يهوى تعلمها ويحب الاشتغال بها، قال النووي ﵀: "وأما الحرف والصناعات وما به قوام المعايش كالبيع والشراء والحراثة وما لابد منه حتى الحجامة والكنس فالنفوس مجبولة على القيام بها فلا تحتاج إلى حثٍّ عليها وترغيب فيها، لكن لو امتنع الخلق منها أثموا وكانوا ساعين في إهلاك أنفسهم، فهي إذن من فروض الكفاية" (١).
وأختم هذه الفقرة بفتوى معاصرة جامعة ومهمة في هذا الباب ضمن فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وقد جاءت جوابًا على سؤال أورد صاحبه آيات النظر في الآيات الكونية وغيرها، سائلًا: هل يناسب الاستدلال بها على علوم طبيعية؟ فمن الجواب: "ومن هذا يتبين أن القصد من هذه الآيات إثبات أصول دينية هي توحيد الإلهية وبعث العباد يوم القيامة للجزاء، وصِدق النبي ﷺ في دعواه الرسالة، وفي دعوته الناس إلى التوحيد والبعث للجزاء، وقد دل على ذلك ما سبقها وما لحقها من الآيات. ولم يُقصد بها وضع قواعد للصناعة والزراعة، يتعرف الناس منها شؤون دنياهم، أو نظريات هندسية، أو شرح لسننه الكونية، ليتعرف الناس منها علوم الهندسة والفيزياء، وطبقات الأرض، ويصلوا بذلك إلى ما ينهض بهم في دنياهم من مخترعات، إنما وصل إلى ذلك من وصل بتوفيق الله، ثم بما وهب الله له من فكر ثاقب، ودراسة محكمة لما سخر الله لهم من ملكوت السموات والأرض وما بينهما، وما أودع الله في ذلك من سنن كونية. فالأصل في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ التشريع الديني تقعيدًا وتفصيلًا، لا التقعيد والتفصيل للعلوم الكونية، وما جاء فيهما من ذلك فهو قليل وغير مقصود بالمقصد الأول، بل بالتبع، كالأخبار التي وردت في مسائل من الطب ونحوه، وهي جزئيات محدودة، لا قواعد كلية يُرجَع إليها في تشخيص الأمراض، أو يُعتَمد عليها في جميع أنواع العلاج، أو يُتَعرف منها خواص جميع الخامات وما يكون منها علاجًا للأنواع المختلفة من الأمراض".
стр. 80
وتوقفوا مع آية الأعراف التي ذكرها السائل: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ [الأعراف: ١٨٥] بقولهم: ". . . . ولم تنزل لوضع تقعيد أو نظريات للعلوم الكونية، يرجع إليها من يريد أن يتعلم تفاصيل هذه العلوم"، ثم توقفوا مع حديث التداوي الذي ورد في السؤال بقولهم: "وأما حديث التداوي فالقصد منه الأمر بالتداوي، والتنبيه على الأخذ بالأسباب، وعدم الإعراض عنها، وبيان أن ذلك لا ينافي التوحيد؛ إذا كان المتداوي لا يعتمد على الأسباب ويجعلها الأصل في الشفاء، بل يوقن بأن الشفاء من الله، وأنه هو الذي جعل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء كما ثبت ذلك في الحديث، ولم يفصِّل النبي ﷺ أنواع الأدوية والأدواء، ولم يبين لكل داء ما يخصه من الأدوية، إلا في جزئيات قليلة، ولم يضع للطب قاعدة يتعرف منها من يريد تعلُّم الطب خواص الأدوية، وأعراض الأمراض".
ثم أعقبوا ذلك ببيان الموقف الإسلامي من العلوم الدنيوية والعقلية فقالوا: "ولكن حثهم على النظر وتعلُّم ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وسخر الله لهم الكون، وأعطاهم العقل؛ ليتبصروا في ذلك، ووفَّق منهم من شاء لما شاء من إدراك أسرار الكون وعجائبه، وما فيه من الخواص والمنافع والمضار.
فعلى المسلمين أن يتبصروا في كتاب الله تعالى، وفي سنة نبيه ﷺ ؛ ليعلموا كمال الشريعة، ومقاصدها، وتفاصيلها، كل ذلك بقَدْر ما آتاه الله من عقل واستعداد، وما هيأ الله له من صحة وفراغ، كما أن عليهم أن يدرسوا أيضًا سنن الله الكونية في السماوات والأرض، ليعلموا ما أودع الله فيها من أسرار، وليستنبطوا منها ما شاء الله مما هم في حاجة إليه: من علوم الطب والزراعة والصناعة والفيزياء وطبقات الأرض، وغيرها من العلوم الكونية؛ ليستفيدوا منها في دنياهم، ويستعينوا بها في شؤون دينهم، ويستغنوا بها عمن سواهم من الكافرين، وبذلك يجمعون بين القوة والعزة في الدنيا، والنجاة والسعادة في الآخرة، ويصلحون للخلافة في الأرض، وعمارتها دينًا ودنيا.
وعلى ولاة أمور المسلمين من علماء وحكام أن ينهضوا بالأمة الإسلامية، وأن يرعوها حق الرعاية، ويأخذوا بأيديها إلى ما فيه الخير والصلاح علمًا وعملًا، ويوزعوا جهودها على جميع جوانب الحياة دراسةً وإنتاجًا لشتى العلوم
стр. 81
والأعمال، دينية ودنيوية، ليوجدوا الأكفاء الذين يقومون بمصالحها، ويتضلعون بأعبائها، ويتحملون مسئولياتها، وتستغني بهم عمن سواها من الدول علمًا وعملًا.
ومن هذا يتبين أن كل علم ديني -مع وسائله التي تعين على إدراكه- داخل فيما يرفع الله مَن عَلِمَه وعمل به مخلصًا له عنده درجات، وأنه مقصود بالقصد الأول. وكل علم دنيوي تحتاجه الأمة، وتتوقف عليه حياتها، كالطب والزراعة والصناعة ونحوها، داخل أيضًا إذا حسنت النية، وأراد به متعلمه والعامل به نفع الأمة الإسلامية ودعمها، ورفع شأنها، وإغناءَها عن دول الكفر والضلال، لكن بالقصد الثاني التابع، ودرجات كلٍّ متفاوتة تبعًا لمنزلة ذلك من الدين، وقوته في النفع ودفع الحاجة، والله -سبحانه- هو الذي يقدِّر الأمور قدرها، ويُنزلها منازلها، وهو الذي يعلم السر وما هو أخفى، وإليه الجزاء ورفع الدرجات في الدنيا والآخرة، وهو الحكيم العليم. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" (١). وهم يَعُدُّون النافع منها من فروض الكفاية، ففي فتوى أخرى عن حكم تعلم التكنولوجيا أجابوا: "أولًا: يتعلم المسلم من أمور دينه ما يجعله على بصيرة من أمره. ثانيًا: دراسة العلوم التكنولوجيا من فروض الكفاية، فإذا درسها أبناء المسلمين للاستفادة منها فهم على أجر، على حسب نياتهم" (٢).
стр. 82
الباب الأول نشأة الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث وظهورها في العالم الإسلامي
وفيه خمسة فصول:
• الفصل الأول: تعريف موجز بالثورة العلمية الحديثة وما ارتبط بها من نظريات مخالفة للدين وأثرها في الفكر.
• الفصل الثاني: أسباب وجود الانحراف المصاحب للتطور العلمي الحديث.
• الفصل الثالث: تاريخ تكون الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث في العالم الإسلامي وتأثيرها في الفكر التغريبي العربي المعاصر.
• الفصل الرابع: أسباب دخول الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث إلى البلاد الإسلامية.
• الفصل الخامس: أبرز المواقف العلمية والفكرية في العالم الإسلامي من العلوم الحديثة ومناهجها.
стр. 83
الفصل الأول تعريف موجز بالثورة العلمية الحديثة وما ارتبط بها من نظريات مخالفة للدين وأثرها
стр. 84
الفصل الأول تعريف موجز بالثورة العلمية الحديثة وما ارتبط بها من نظريات مخالفة للدين وأثرها
مدخل:
يتضح في التمهيد المراد بالعلم الحديث فهو فعالية إنسانية اعتمد بقوة على المنهج التجريبيي الاستقرائي، وأنه أحد نشاطات العقل البشري التي جعلها الله له، وأن كل الحضارات المعروفة قد شاركت في هذا العلم بصورة أو بأخرى، وأنجزت فيه ما استطاعت إنجازه، إلا أنه كان من قدر الله سبحانه أن يجعل لأوروبا في عصرها الحديث دورًا بارزًا في التقدم بهذا العلم، وأن يُحدث أهلها في مسيرة العلم منعطفًا كبيرًا، وكان ابتداء ذلك مع ما اصطلح عليه بـ الثورة العلمية.
يقدم هذا الفصل تحليلًا تاريخيا لهذا المنعطف المهم في مسيرة العلم المادي بداية بـ الثورة العلمية وما لحقها من تطورات، ويتناول أيضًا بعض ما ارتبط بها من إشكاليات مهمة لها علاقة بالدين أو الفكر الحديث، وكان لها وقعها فيما بعد.
стр. 85
وتنبع أهمية هذا العرض من كون مدار البحث يتعلق بدراسة علاقة أحد الاتجاهات الفكرية العربية المشهورة -الاتجاه التغريبي- بالعلم الحديث، وصور تأثره بهذا العلم ونظرياته وفلسفته لاسيّما في الجانب الديني؛ لذا كان من المناسب الابتداء بوضع خطوط موجزة عن صورة العلم الحديث، ونظرياته الكبرى، تُبيّن للناظر موطن الإشكال علاقة المتغربين بالعلم الحديث ونظرياته، مع التلميح لمن سبق إلى هذا التأثر من اتجاهات فكرية غربية، كونهم موطن قدوة للمتغربين العرب، وهل ما تأثر به الاتجاه التغريبي هو من العلم ونظرياته أو هو من الأفكار والفلسفات المبنية على نتائجه؟ وهكذا، مع ما يتبع ذلك من صور التحليل والنقد المناسبة بإذن الله.
стр. 86
أولًا: مصطلح أو مفهوم "الثورة العلمية "
اعتاد المؤرخون والباحثون على إطلاق تسمية معينة على فترة أو ظاهرة أو حدث، ومن ذلك إطلاق مصطلح "الثورة العلمية" على الفترة التي شهدت تحولات جذرية في العلوم على أيدي مجموعة من علماء العلوم الدنيوية الأوروبيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر -العاشر والحادي عشر من الهجرة تقريبًا- لاسيّما مع عالمين بارزين هما: "جاليليو" و"نيوتن".
ورغم شهرة مصطلح "الثورة العلمية"؛ إلا أن المعاجم العربية المتخصصة لا تسعفنا بتعريفه، وعندما يرد عنه الحديث في أغلب الموسوعات فلا تتطرق لتعريفه، وإنما تدخل في تفاصيل الثورة العلمية وموضوعاتها؛ ويظهر أن السبب في ذلك عائد إلى الحداثة النسبية لاستخدامه.
ومما وجدته من المحاولات العربية لتعريفها ما أورده أحد الباحثين بأنها: "ذلك التحول الشامل الذي طرأ على كل مرافق الحياة العلمية والاجتماعية والعقدية والمؤسسية، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر" (١)، وهو بهذا التعريف يركز على شمولية الثورة وتوسيع دائرة مجالها، وإن كان الأقرب للذهن أن تنصرف صفة الشمولية إلى المجال العلمي أولًا، وأما بقية مرافق الحياة فتكون تحولاتها تابعة للتحول في العلم ومتأثرة به -لا معه- كما يشير الباحث. وقد ذكر أيضًا بأن أول من نحت هذا المصطلح هم فلاسفة الأنوار أواسط القرن
стр. 87
الثاني عشر/ الثامن عشر، ثم تضاءل تداوله فترة من الزمن، ثم عاد بقوة وشهرة في ثلاثينيات القرن العشرين (١٤ هـ) مع "ألكسندر كويري" و"هربرت بيترفيلد" وغيرهما (١).
ويعد ""كواريه" فيلسوف العلم الفرنسي المعاصر "أبرز من جعل لهذا المصطلح دلالته الخاصة في تاريخ العلم وفلسفته، ومنذ خروج كتابه "دراسات حول جاليلو" عام (١٩٣٩ م) الذي صاغ فيه دلالات هذا المصطلح بدأت العناية بدراسة الثورة العلمية وبنيتها ومفاهيمها في الكتابات الفكرية المعاصرة، وقد كانت رؤية كواريه عن الثورة العلمية بأنها "استبدال لنسق فكري بنسق آخر" (٢).
وجاء بعده بحوالي عشر سنوات كتاب "بيترفيلد -أصول العلم الحديث- (١٩٤٨ م- ١٣٦٧ هـ) " مركزًا على هذا المصطلح أيضًا، وكان للنتائج التي انتهى إليها أثرها في أغلب الدراسات المتخصصة في هذا المجال.
وسار في نفس الاتجاه "روبرت هول في كتابه: "الثورة العلمية" (١٥٠٠ - ١٨٠٠ م) صياغة الاتجاه الحديث، عام (١٩٥٦ م- ١٣٧٥ هـ) (٣) وهكذا انتشر الحديث عن هذا المصطلح عند فلاسفة العلم، وأصبح موضوعًا مهما من موضوعات فلسفة العلم أو الإبستمولوجيا المعاصرة (٤).
стр. 88
ويحسن التنبيه في هذا المجال إلى أن مصطلح "الثورة العلمية" هو دلالة على تميّز تلك المرحلة التاريخية الأوروبية بإنجازات علمية معروفة، لكن دون تضخيم لذلك المصطلح وإكسابه قيمة مطلقة وتزكية نهائية؛ وذلك أن البحوث الحديثة في تاريخ العلم العالمي ما زالت تكتشف وجود إنجازات علمية كبيرة قبل تلك المرحلة، في أوروبا أو في خارجها (١) وإذا كان أول ما عُرفت به الثورة العلمية هو الكشوف الكبيرة في باب الفلك؛ فقد وجد أحد الباحثين معلومات مذهلة حول سبق علماء الفلك في الحضارة الإسلامية إلى تلك الكشوف بفترة كبيرة، بل يوجد تطابق كبير يُحيّر الباحث المنصف، وهذا مما دعا "نويل سويردلو لأن يسأل لا "عما إذا" كان كوبرنيكوس قد تعلم نظرية مراغة، "بل متى وكيف""، وذلك لأوجه التشابه الكبير بين نماذج "كوبرنيكوس" وبين مدرسة مراغة الفلكية في بلاد المسلمين (٢).
ومصطلح الثورة العلمية وإن بقيت دلالته الواضحة على القرنين السادس عشر والسابع عشر ولاسيّما التاريخين المهمين -وما بينهما- التاليين: (٩٥٠ هـ تقريبًا/ ١٥٤٣ م) تاريخ صدور كتاب "كوبرنيكوس" "عن الدوران في فلك السماء"، و (١٠٩٨ هـ - ١٦٨٧ م) تاريخ صدور كتاب "نيوتن" "المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية" الذي توّج جهود السابقين بإنشائه بناءً علميًا متكاملًا في نسق واحد، ومع ذلك هناك ثورات علمية حدثت بعد هذا التاريخ، وإن كان البعض يطلق عليها اسم: "الثورات في العلم" بدلًا من "الثورات العلمية"، جاعلًا الثورة في العلم أقرب للتطورات أو القفزات في بنية علم من العلوم بعيدًا عن مفهوم التحول الشامل الذي تميزت به الثورات العلمية، وتُعد الدراسة المشهورة لـ "توماس كون: بنية الثورات العلمية" هي من هذا النوع (٣)، وبهذا يتسع الحديث لوجود أكثر من ثورة، كالثورة الكوبرنيكية والنيوتنية والدارونية وثورة الكوانتم (٤) وهكذا.
стр. 89
ثانيًا: ما قبل الثورة العلمية الحديثة "ممهدات الثورة العلمية "
[١] التركة الأرسطية المتغلغلة في أواخر العصور الوسطى الأوروبية ومحاولتهم تجاوزها:
إذا كان مصطلح "الثورة العلمية" يقصد به التعبير عن واقعة غربية -أوروبية بالتحديد- فلابد من الاطلاع على أوضاع بلاد تلك الثورة؛ لنعرف على ماذا كانت الثورة! وذلك أن من دلالات الثورة أن تقع على وضع فكري أو اجتماعي متحكم يصعب تجاوزه سلميًا أو من خلال تطور طبيعي.
وحسب الدراسات المعاصرة في إبستمولوجيا العلم؛ فإن هناك بوادر قطيعة إبستمولوجية تحدث في نظام فكري بين واقعه وماضيه، ويعقب هذه القطيعة ثورة على ذلك الماضي. وماضي أوروبا هنا كان الفكر الموروث عن فترة اصطلحوا على تسميتها بـ"العصور الوسطى"، وهي مرحلة تاريخية أوروبية طويلة -أكثر من عشرة قرون- مرحلة اعتناق أوروبا للدين النصراني (١)، فتحولت في هذه المرحلة للنصرانية المحرفة بعد أن كانت بلادًا وثنية.
стр. 90
وأضافت أوروبا لهذا الدين الذي اعتنقته علما ورثته عن اليونان، لاسيّما ما تبقى من التركة الأفلاطونية والأرسطية، وهذه التركة خليط من الفلسفة والمنطق والعلم والأدب، وغيرها.
وقد كان أثقل ما ورثته إنتاج أرسطو، الذي حدث له تعديلات كثيرة أشهرها ما قام به الفيلسوف والقديس عندهم "توما الإكويني"، حيث دمج التركة الأرسطية -الفلسفية والعلمية والميتافيزيقية- باللاهوت النصراني، وقبلت الكنيسة الكاثوليكية هذه التركيبة فيما بعد (١)، ومنذ ذلك الحين تغلغل الفكر الأرسطي في النصرانية المحرفة ولاهوتها الكلامي وتمكن من الفكر الغربي الوسيط، وبرزت هذه التركيبة تحت شعار التوفيق بين الدين والفلسفة أو بين الدين والعقل، ومن ثم جعل الفلسفة خادمة للدين اليهودي أو النصراني، وقد عرف هذا في أغلب فلسفات تلك المرحلة.
وعادة ما تذكر كتب "تاريخ الفكر" سيطرة فلسفة أرسطو ومنهجه وعلمه على الفكر الأوروبي في العصور الوسطى وما بعدها، حيث تحول ذلك العصر إلى عصر شارح لفكر أرسطو، لاسيّما بعد دمج تركة أرسطو بالمعتقد النصراني، ومن ثمّ إلزام الناس باعتقاد ما فيها والتحذير من الخروج عليها، وأي تجديد لتلك التركة سيكون محصورًا في إعادة الجمال لها دون تجاوزها. وقد امتد ذلك إلى ما بعد الثورة العلمية، فمصطلحات أرسطو هي السائدة على مدى ثمانية عشر قرنًا تقريبًا (٢)، ويُتهم من يحاول الخروج عن الإرث الأرسطي بالتجديف
стр. 91
والإلحاد والكفر، وتكون عاقبته مأساوية في الغالب، وهنا ظهرت عقبة التجاوز لتركة أرسطو (١)، فهي مهمة شاقة بل شبه مستحيلة لأهل ذلك العصر؛ لأن من يحاول تجاوز ذلك فهو إنما يتجاوز ما يظنّونه عقيدة إلهية.
وما سبق يكشف بأن تجاوز ذلك الفكر لن يتم إلا بثورة كبيرة تكسر الماضي وتحلّ محلّه، ولا يكفي أن تكون ثورة سياسية أو اجتماعية؛ بل هم بحاجة لثورة علمية وفكرية؛ وذلك أن الثورة السياسية أو الاجتماعية ممكنة الحدوث هنا أو هناك لارتباطها بأنظمة لا تدّعي الحقيقة غالبًا بقدر ما تهمها السلطة، أما الثورة العلمية فلا يمكن تحققها إلا بوجود قوتها الخاصة بها المتمثلة في الأدلة الكافية التي تكشف بأن ما كان يعتقده الناس علمًا ليس بعلم. هكذا، أصبح الإرث الأرسطي عائقًا من تقدم العلم وفي الوقت نفسه لم يستطع أحد تجاوزه، ومما يعمق الأزمة عدم إحساس الكثير بأنه عائق سوى قلة من العلماء والمفكرين.
ومن باب المقارنة فإننا نجد بأن نفس الفترة التي قام فيها "توما الأكويني" بحبس الديانة النصرانية والفكر الأوروبي في التركة الأرسطية؛ نجد في بلاد المسلمين عَلَمًا بارزًا وإمامًا عظيمًا يجتهد في إنقاذ البشرية من هذه التركة لا في صورتها اللاهوتية والميتافيزيقية فحسب، بل ومن منهجها العلمي والعقلي لما فيه من نقص وضرر، وذلك العَلَم هو ابن تيمية ﵀ (٢). فنراه على سبيل المثال يقول في أهم الآلات العلمية الأرسطية وهي المنطق: "وأيضًا لا تجد أحدًا من أهل الأرض حقق علمًا من العلوم وصار فيه إمامًا مستعينًا بصناعة المنطق، لا من العلوم الدينية ولا غيرها، فالأطباء والحساب والكتاب ونحوهم يحققون ما يحققون من علومهم وصناعاتهم بغير صناعة المنطق" (٣)، ويقول أيضًا: "فإن
стр. 92
علومهم التي جعلوا هذه الصناعة ميزانًا لها بالقصد الأول: لا يكاد ينتفع بهذه الصناعة المنطقية في هذه العلوم إلا قليلًا. فإن العلوم الرياضية: من حساب العدد، وحساب المقدار الذهني والخارجي، قد علم أن الخائضين فيها من الأولين والآخرين مستقلون بها من غير التفات إلى هذه الصناعة المنطقية واصطلاح أهلها. وكذلك ما يصلح من العلوم الطبيعية الكلية، والطبية، تجد الحاذقين فيها لم يستعينوا عليها بشيء من صناعة المنطق. . . ." (١).
فشيخ الإسلام ﵀ يبين في كلامه -وأمثاله كثير- بأن العلوم البشرية المادية لا يفيدها المنهج الأرسطي، وإذا كانت أهم العلوم الدنيوية وأدقها وأشهرها من ذاك الزمن -وإلى اليوم- وهي: "العلوم الرياضية والطبيعية" في غير حاجة لمنهجه، وتجد مع ذلك أيضًا الحاذقين فيها غير مستعينين بالمنهج الأرسطي فلم التعصب له؟! ومفهوم كلامه ﵀ أن هذه العلوم تطورت بدونه، ويمكننا بمفهوم المخالفة أن نقول: بأن هذا المنهج قد لا يفيدها، وإن كان مطلب شيخ الإسلام في المقام الأول هي العلوم الدينية؛ فكأنه يقول: إذا كانت العلوم المادية لم تنتفع بالمنهج الأرسطي مع أنه ميزانها في المقام الأول كما يزعمون؛ فمن باب أولى عدم انتفاع العلوم الدينية به. وسنجد أن أوروبا لم تحقق تطورها في باب العلوم ولا ثورتها العلمية إلا بعد هجومها الكبير على أرسطو، وما تمّ ذلك عندهم إلا بعد نقد شيخ الإسلام بقرنين تقريبًا.
وإن المسلم ليعجب اليوم ويألم من حالنا، فبعد أكثر من سبعة قرون من جهد شيخ الإسلام ﵀، ها نحن نرى بعض الناس يعظمون "أرسطو" ومنطقه أو آثاره في ما يسمى بالفلسفة الإسلامية والعلوم الكلامية، وكان الأصل أن نستفيد من نقده ونواصله لكي نتخلص من التركة اليونانية المعيقة لمسيرة أمتنا العلمية والفكرية، إلا أن الأمر عكس ذلك، فهذا هو منطق أرسطو يُدرس في معاهد إسلامية وكأنه شرط الفهم والعلم ودون نقد حقيقي له، ونجد أيضًا تركة أرسطو وغيره ما زالت متحكمة إلى حد بعيد بعلم الكلام الإسلامي إلى اليوم، بينما نجد أهله وبعد قرنين أو ثلاثة من دعوة شيخ الإسلام يُنجزون قطيعتهم مع أرسطو
стр. 93
وفلسفته ومنهجه في حملة عنيفة قام بها مجموعة من مؤسسي الفكر الأوروبي الحديث.
نترك هذه الآلام ونعود إلى أحداث الثورة العلمية، وبتلخيص ما سبق نصل إلى أن العلم السائد كان في الجملة هو الموروث عن "أرسطو"، والمقصود بالعلم هنا الصورة الكلية عن العلم ومنهجه وأصوله وغاياته وفلسفته وما في بابها. وهي تركيبة معقدة، مكونة من رؤى وأفكار أرسطية تحولت إلى عقيدة صلبة للكنيسة الكاثوليكية، بما في ذلك بعض المعارف المتصلة بالعلم، ولا يمكن في تلك الفترة تطوير العلم إلا بعد إصلاح العلاقة بينه وبين الكنيسة، إما بفصل العلم عنها أو بمحاولة الكنيسة إصلاح أخطائها وترك المجال للعلم.
أمران أساسيان لتجاوز التركة الأرسطية:
يظهر في مثل هذا الواقع بأن أي ثورة مقبلة هي بحاجة لأمرين متصاحبين: الأول وجود أدلة علمية أو حركة علمية كافية لفرض نفسها على الواقع العلمي، مؤكدةً عدم صحة ما سبق من علوم، وأنها البديل الصحيح الجديد. وأما الثاني فوجود ما يُضعف صورة العلوم القديمة العقدية في نفوس الناس؛ لأن غطاءها العقدي الديني قد يمنع الكثير من أي تفكير آخر وإن كان صوابًا.
وهذان الأمران قد تحققا بصورة كبيرة في القرن (٨ هـ - ١٤ م) وما بعده، الأول داخلي تمثل فيما سُمي بحركتي النهضة الأوروبية والإصلاح الديني، وقد أضعفا تسلط الكنيسة. والثاني خارجي تمثل في التأثر بما نُقل إليهم عن المسلمين من علوم، فكيف أسهم ما سبق في صناعة الأجواء المناسبة للثورة العلمية؟ هذا هو موضوع الفقرة القادمة.
[٢] الأمر الداخلي: أثر عصر النهضة والإصلاح الديني:
بدأت تظهر بوادر التخلص من تركة أرسطو -التي تمثل قمة العلم- في عصر النهضة والإصلاح الديني، لاسيّما محاولة تجاوز عوائق التقدم العلمي، فقد ظهر مجموعة أشخاص أطلق عليهم فيما بعد "الإنسانيون" ميّزوا عصر النهضة ولاسيّما مدن إيطاليا أشهر بلاد أوروبا آنذاك، وكان جلّ همهم منصرفًا إلى الفنون والآداب وبعض المعارف مع إحياء واسع لتراث الإغريق الوثني.
وظهر أيضًا في المرحلة نفسها مجموعة أطلق عليهم "دعاة الإصلاح الديني"
стр. 94
الذين قادوا الدعوة لإصلاح اللاهوت الكاثوليكي، وخرجوا عليه مكونين بذلك كنائس جديدة، كان أشهرها طائفة البروتستانت بقيادة "لوثر"، وقد أسهم الطرفان في "صناعة حقبة جريئة من تاريخ الفكر الغربي" (١).
ويمكن القول بأن هاتين الظاهرتين أسهمتا بفعالية كبيرة في إضعاف قبضة التركة اللاهوتية الأرسطية الموروثة من العصور الوسطى، ومهدتا بشكل أو آخر لميلاد الثورة العلمية وعصر أوروبا الحديث.
أ- عصر النهضة وحركة الإنسانيين:
ذلك أن "الإنسانيين" أضعفوا شأن الدين ومنزلته ومكانته في حياة الناس، لاسيّما في طبقة المتعلمين ومن في حكمهم من النخبة، فقد اشتهر عنهم عيشهم حياة منفلتة مع إحيائهم للتراث الوثني بكل قيمه الأخلاقية والاجتماعية، وقد ذكر هذا أبرز المؤرخين العرب للفلسفة الغربية يوسف كرم: بأن حقيقة عصر النهضة هو العودة للثقافة القديمة التي تنضح بالوثنية من كل جانب، فانتشرت بسبب ذلك الوثنية في الأفكار والأخلاق (٢)، ويقول أحد الباحثين الغربيين -برينتون-: "ولعل القارئ، إذا كان حقًا قد تأمل ما أسلفناه، قد خلص إلى فكرة مفادها أنه إذا كانت العصور الوسطى دينية في الأساس، وإذا كان عصر النهضة يعني على الأقل محاولة العودة إلى ما هو وثني أو لا ديني، إن لم يكن زندقة وإلحادًا، ألا ينبغي حينئذ ربط فنون العصور الوسطى بالكنيسة، وفنون عصر النهضة بالحرية البوهيمية التي لا تقيم وزنًا للأعراف والتقاليد. وهذا صحيح جزئيا. . . ." (٣)، فإن هذه الصورة البوهيمية -وإن كانت ليست مطلقة بحسب رأي برينتون- ستُضعف صلة الناس بالكنيسة، ومن ثمّ أغلب ما تلقوه عنها، وسهولة قبولهم لما يعارضها لاسيّما وهي حركة منتشرة في المدن الإيطالية الراقية المحبة للترف والشهرة وما يصاحب ذلك في العادة من ضعف التدين، ويؤيد هذا أن أحد مشاهير تلك المرحلة -فرنسوا رابليه- قد اختار شعارًا معبرًا لإبراشيته: "افعل ما يحلو لك" (٤).
стр. 95
وهذا يوضح مقدار النزعة المغالية في الانفلات بعد الغلو القديم في الإذعان الأعمى للكنيسة، وهي خصيصة في كل جاهلية أو انحراف أن يتنقل أصحابه من غلو إلى غلو.
ومما يلفت النظر بهذه المناسبة ما نجده عند مجموعة من المثقفين العرب من انسياقهم خلف الأحكام التي يطلقها الغربيون على تاريخهم والمشاعر التي يعبرون بها عن أحداثهم، ومن ذلك مدح عصر النهضة مطلقًا والإعجاب بدورهم في إحياء تراث الإغريق الوثني البوهيمي، وإن كان هذا لا يُستغرب من الكتاب الغربيين لكثرة العلمانيين والملاحدة فيهم؛ لذا يعجبهم مثل هذا المنحى، وإنما الغرابة فيمن انساق خلفهم من المثقفين العرب -بعلم أو بغير علم- في مدح هذا الموقف (١).
ب- الإصلاح الديني:
وجاءت الضربة الثانية للكنيسة الكاثوليكية عن طريق الانشقاق الكبير الذي أحدثه دعاة الإصلاح الديني، وكان أشهرها ظهور طائفة البروتستانت وميل كثير من الأوروبيين إليها، وكان أهم ما تدعو إليه: العودة للمسيحية البسيطة رغم أنهم لم يخرجوا عن انحرافاتها وإزالة السلطة التي كانت تتمتع بها الكنيسة الكاثوليكية، ونقدهم لبعض عقائدها التي تفرضها على الناس بحجة أنها وحي من السماء.
وقد ثارت ثائرة الكنيسة الكاثوليكية لهذا الحدث، ودارت معارك كبيرة بين الطرفين، كان أشهرها حرب الثلاثين عامًا التي ذهب ضحيتها آلاف البشر، واتهم الكاثوليك لوثرَ وأصحابه بالكفر، وسمّتهم بالمحمديين بدعوى تأثرهم بدعوة محمد ﷺ ، وإن كان لوثر يتهم خصومه بأنهم على الطريقة الإسلامية، والإسلام عند الطرفين رديف الباطل، ومع أن الإسلام له دوره في التنور الفكري إلا أن ذلك لم يتجاوز تلك الأمور، فقد بقوا على ضلالهم العقدي رغم تحررهم
стр. 96
العقلي وتخفيف أغلال الكثلكة عنهم. وهناك من يُلمح فعلًا إلى أن بعضًا من أسباب الدعوة للإصلاح الديني في الغرب عائد إلى اطلاع بعضهم على الإسلام وعظمته ومنزلته وأصوله الجليلة، فقادهم ذلك إلى تصحيح أوضاعهم، ولا يستغرب ذلك (١)، وإن كان الطريف في الأمر بأن التأثر جاءهم من حيث لا يحتسبون؛ حيث سمحت الكنيسة عام (١٣١١ م) بفتح أقسام لتعليم اللغة العربية بغرض محاربة الإسلام ونشر النصرانية، وانتشر ذلك في معظم جامعات أوروبا (٢)، وصحب ذلك ترجمة واسعة للكتب الإسلامية بمصدريها الكتاب والسنة، وهذا الاطلاع عليها أثّر في بعض العقلاء منهم وفيهم من أسلم بسبب ذلك، وقد وجدتها الكاثوليكية ذريعة في اتهام لوثر بأنه يريد إقامة مملكة محمد ﷺ بدل مملكة عيسى ﵊، مستشهدين بدخول بعض أنصاره في دين الإسلام، ومع أن لوثر العارف باللغة العربية قد حاول مهاجمة القرآن الكريم (٣) إلا أن بعضًا من أصوله التي دعا إليها تتشابه مع بعض أصول الإسلام (٤).
والمهم الآن هو بيان أثر حركة الإصلاح الديني بشكل أو بآخر في تحريك أوروبا نحو الثورة العلمية، يقول "سترومبرج": "فانطلاقًا من حركة الإصلاح الديني والحركة المضادة للإصلاح الديني، ومن تصادم هاتين الحركتين الدموي والعنيف، اتجهت أوروبا وروما نحو عصر كبلر وجاليليو اللَّذينِ جعلا الكون بأكمله موضوعًا للتساؤل، وإعادة النظر في جميع المفاهيم التي كانت قد تشكلت عنه، حيث إنهما كانا يتجهان بالموكب نحو علوم طبيعية جديدة، بلغت الذروة
стр. 97
في انتظام مناهجها بإسحاق نيوتن قرابة نهاية القرن. ولا غرو إذا شاهدنا الناس في تلك الحقبة لا يطيقون احتمال هدوء المناهج الكلاسيكية وسكينتها، فتلك الأجيال لم تر في أي شيء توازنًا أو استقرارًا. فهم الذين اكتشفوا وعثروا على قضايا أسطورية مرعبة، والعالم القديم البالغ من العمر ألفي عام بدا شظايا لأعينهم، وأخذ العالم الحديث بمحيطه الكفافي يرسل بومضات واهية، ويتراقص أمام بصر إنسان القرن السابع عشر فيلهمه حينًا ويرعبه أحيانًا" (١).
وبهذين الحدثين الداخليين: حركة مفكري عصر النهضة المائلة إلى اللادينية، وحركة الإصلاح الدينية؛ حدث إضعاف لسلطة الكنيسة القديمة واستهانة بما تحمله من علوم. ولكن الانتقال إلى عصر علمي جديد يحتاج لأمر آخر يساعد في النقلة؛ وهو ما أشرنا إليه سابقًا بعلوم ومعارف ومناهج يحصلون عليها تُبيّن ضعف أو خطأ ما ورثوه وأهمية تجاوزه.
[٣] الأمر الخارجي: أثر العلم المنقول من بلاد المسلمين في ظهور الثورة العلمية:
المعتاد لمن تأمل في تاريخ البشر عدم وجود ظاهرة جديدة دون مقدمات تسبقها، وأسباب تتسبب في وجودها، حتى تلك التي تظهر فجأة فلابد من علل وأسباب إما ظاهرة أو خفية. ولا يخرج عن ذلك ظاهرة العلم البشري الحديث، وقد رأينا فيما سبق الظروف العامة المهيأة لمناخ فكري جديد، وهنا سنرى ظروف خاصة بالعلم ومن داخله تُسهم في تطوره، وكان على رأس ذلك الحجم الكبير والهائل من العلوم المنقولة من بلاد المسلمين قبل زمن الثورة العلمية، وهذه وقفة مع هذا الحدث المهم الذي تتجاهله كثير من الدراسات.
لقد كابدت أوروبا في عصورها الوسطى التخلف العلمي، بينما شهد العالم الإسلامي حضارة عظيمة وتقدمًا كبيرًا في هذه العلوم وغيرها، وقد أسهم هذا التراث العلمي الكبير الذي كوّنَه المسلمون بعد أن أخذه الغرب في حدوث ثورتهم العلمية، وذلك بعد أحداث دامية ألمّت بالعالم الإسلامي فأضعفت تقدم المسلمين وعصفت بحضارتهم، وقد ذكر "غوستاف لوبون" بأن الإسلام هو
стр. 98
المحرك للعقل الأوروبي بعد أن أيقظه من سبات طويل (١).
وقد كان لهذه التركة العلمية الكبيرة المنقولة إلى الغرب أثر في إحداث أمرين مزدوجين: فمن جهة كشفت للمهتمين بالعلوم ضعف ما بين أيديهم، ومن جهة أخرى كانت أرضًا صلبة اتكأ عليها علماء الغرب في انطلاقتهم العلمية الجديدة.
لقد كانت إذًا الشرارة الأولى من الحضارة الإسلامية، وذلك بعد النقل الكبير لكثير من معارف المسلمين وترجمتها إلى لغاتهم التي بدأت بقوة من القرن (٦ هـ - ١٢ م) تقريبًا وما بعده، حيث ازدهرت في تلك المرحلة عملية الترجمة، وتحولت وقتها أوروبا إلى ما يشبه ورشة عمل مستمرة -وقد حدث في صورة سابقة مختلفة نوع من هذا النشاط في بلاد المسلمين "في القرن الثالث الهجري/ الثامن الميلادي تقريبًا" عندما ترجمت حضارة اليونان وغيرها إلى بلاد المسلمين، وتُعد هاتان المرحلتان في الترجمة من أشهر فترات الترجمة بين الحضارات- فترجمت عن المسلمين علومًا نافعة ومناهج جديدة مثمرة قادت أوروبا إلى عصرها الحديث.
ومن أهم الأمور التي نقلها الغرب عن الحضارة الإسلامية: علوم قديمة طورها المسلمون وهذبوها، وعلوم جديدة أبدعها المسلمون يمكن إضافتها إلى حصيلة الفكر البشري، والأهم مما سبق المنهج الجديد -الذي أرسى دعائمه المسلمون- في طريقة البحث والنظر في العلوم الدنيوية، وهم بهذا يفتحون أعين الباحثين على أكثر من منهج في البحث والنظر بعد أن سيطر المنهج الصوري الأرسطي فترة طويلة (٢).
وقد كان من عادة الكثير من باحثي الغرب التنكر لهذه الحقيقة، لاسيّما في مرحلة الغرور الغربي وتعصبهم للذات الغربية والاحتقار لكل الشعوب
стр. 99
الأخرى، فقد تعصب المؤرخون الأوروبيون فترة اشتداد الروح القومية في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر (١)، إلا أنه في القرن الرابع عشر/ العشرين ظهرت دراسات لشخصيات غربية مشهورة -أكاديميًا وعلميًا- تُبيّن الأثر الكبير للحضارة الإسلامية في الثورة العلمية الحديثة، وأن هناك نقلة كبيرة حدثت للغرب بعد احتكاك أهلها بعلوم المسلمين وحضارتهم (٢).
والعجيب بأن التيار التغريبي العربي يُغمض عينيه عن مثل هذه الحقائق، وإن تناولها فبحذر شديد وعلى استحياء، بل قد يهاجم من يتحدث عنها من كُتاب المسلمين، وكأنهم لا يريدون أن يُحسب للمسلمين مأثرة في هذا العلم، بينما تظهرُ في الغرب دراسات متلاحقة تركز على مناقشة هذه القضية وتفتح الحوار الأكاديمي حولها.
لقد اتخذ تعرّف أوروبا على الإسلام والمسلمين -في أواخر عصرها الوسيط، ثم فترة النهضة والإصلاح الديني إلى بدايات العصر الحديث- عدّة صور، وصاحبَ ذلك تكوين رؤية ذهنية في عقول الأوروبيين، ويهمنا الآن -في هذا اللقاء الحاسم والتاريخي بين أوروبا والإسلام أو بين الغرب والشرق- موقفهم من دين المسلمين وعلومهم النقلية والعقلية، وصلة كل ذلك بالتطورات الكبرى التي حدثت في عصر أوروبا الحديث، وأهمها باب الثورة العلمية.
منذ أن دخل الإسلام إلى أوروبا بداية القرن الثاني الهجري عن طريق بلاد الأندلس فإنهم لا يجهلون وجود المسلمين، ولاسيّما قياداتهم السياسية والدينية والفكرية. وبدأت تلك النبتة الطيبة الإسلامية تنمو في بلاد الأندلس وتزدهر وتعطي ثمارها، وجعلت من بلاد الأندلس منارة لأوروبا كلها، واشتاق كثير من أهل أوروبا للعيش فيها، ومنهم من قذف الله في قلبه نور الإيمان فأسلم، ومنهم من أحب بلاد المسلمين ولغتهم وثقافتهم مما دفع القيادات الأوروبية -السياسية والدينية- إلى محاولات كبيرة لتغييب شعوبهم في ظلام دامس وتضليلهم عن حقيقة الإسلام، ومع ذلك فقد فشل بعضها، يقول "بريفوت": "في كتابه -تكوين
стр. 100
الإنسانية في القرن التاسع -تعلم الكثير من المسيحيين على علماء الإسلام. . . . ثم يروي أن رئيس دير كلوني. . كان يأسف لما شاهده أثناء إقامته بالأندلس من تهافت الطلبة -من فرنسا وألمانيا وإنجلترا- على مراكز العلم العربية، ويضيف بريفوت قائلًا: العلم هبة عظيمة الشأن جادت بها الحضارة العربية على العالم الحاضر" (١). فها هي أهم دول أوروبا تقذف بأبنائها إلى الأندلس مع أنها جزء صغير من بلاد المسلمين، ولكنها كانت الأقرب إليهم، فما بالك ببقية بلاد المسلمين.
ومثل هذا الوضع لن يُرضي قيادات أوروبا، فنجد ما نقله "برنارد لويس" من "عبارات الأسى والامتعاض التي يعبر بها "الفارو". . . . في منتصف القرن التاسع -الميلادي- عما يشعر به إزاء سلوك الشباب من أمته: كثيرون من أهل ملتي يقرؤون شعر العرب وقصصهم ويدرسون كتابات علماء الكلام والفلاسفة المسلمين، لا لينقضوا أقوالهم؛ وإنما ليتعلموا كيف يعبرون عن أنفسهم بشكل أكثر دقة وإتقانًا. . . . جميع الشباب النصراني من ذوي المواهب لا يعرفون سوى العربية والأدب العربي جديرًا بالإعجاب" (٢).
وإذا كانت الأندلس نقطة اتصال سلمية -نوعًا ما- فإن هناك نقطة اتصال أخرى غير سلمية وقعت أيام الحروب الصليبية التي أتاحت للنصارى على مدى قرنين الاطلاع على الإسلام وعلوم المسلمين، وحدث لهم تأثر بذلك.
إلا أن أصحاب الأهواء السياسية والدينية في أوروبا لم يحسنوا استقبال الإسلام، وقاموا بكل ما يستطيعون من أجل إعاقة تقدمه عن طريق الحروب أو التشويه الثقافي، لاسيّما مع حدوث ثلاث فواجع للكنيسة ومعتنقيها، وهي: سقوط الأندلس بأيدي المسلمين، ثم خروجهم من بلاد الشام بعد احتلال دام أكثر من مئتي عام الذي كان يمثّل تعويضًا عن خسارة الأندلس، ولكن الفاجعة الأكبر كانت بسقوط القسطنطينية. فهذه الأحداث أوغرت صدر سياسيي أوروبا ومثقفيها ورجال الكنيسة ضد المسلمين وإسلامهم، وقاموا برسم صورة مشوّهة
стр. 101
عن الإسلام والمسلمين من أجل تنفير الأوروبيين من الإسلام، وكوّنوا مع الزمن تراثًا ثقيلًا من الأكاذيب يضغط على عقول الأوروبيين ويعمي أبصارهم عن رؤية الحقيقة، وما زال هذا التراث بمفاهيمه الأساسية يضغط إلى اليوم على تصورات الغربيين حول الإسلام.
هكذا كان الوضع: مدن إسلامية مزدهرة بالعلم والتقدم تغري العالم من حولها، وفي الوقت نفسه حقد دفين على الإسلام ظهر بوضوح عند فلول المهزومين في الحروب الصليبية وغيرها عبّر عنها مجموعة من رجال الكنيسة بأسلوب رخيص يعتمد على تزوير الحقائق أمام شعوبهم. وأمام هذا الوضع خلصوا إلى أهمية أخذ علم المسلمين من جهة، والامتناع عن الاستنارة بنور الإسلام من جهة أخرى. فكان من آثار الأول ولادة العلم الجديد في أوروبا، ومن آثار الثاني ولادة علم الاستشراق الذي ولد بقرار كنسي (١) لا ليتعلموا الإسلام؛ وإنما ليكون أداة في نقض الإسلام بحسب تعبير "الفارو" السابق ومسهّلًا لعمليات التنصير.
وهكذا ترسخت في الغرب طريقة أو منهجية -في أثناء الاحتكاك بالعالم الإسلامي- يمكن أن نطلق عليها اسم طريقة المسموح والممنوع وهي طريقة لا تخلو منها أمة من الأمم غالبًا أثناء احتكاكها بثقافة أخرى. فالمسموح به هو علوم المسلمين ومناهجهم العلمية، وقد يصل الأمر إلى الحث على تعلمها والتسابق إلى ذلك. أما الممنوع فهو دين الإسلام ونور الله في الأرض وهدايته إلى خلقه، وتجاوز أمر المنع إلى رسم صورة مظلمة عن الإسلام؛ ليصنعوا بذلك حاجزًا بين أقوامهم وبين الإسلام. ورغم كل جهود المنع وما صاحبها من تشويه وتلبيس إلا أن نور الإسلام قد تسلل إلى بعض العقلاء فأسلموا أو أنصفوه بين قومهم وقالوا كلمة الحق والعدل فيه.
وفي مقابل هذه الصورة الغربية نجد صورة مغايرة سلكها الجيل التغريبي في العالم الإسلامي في أثناء احتكاك المسلمين بالغرب، حيث تغيّرت منهجية أو طريقة "المسموح والممنوع"، فقد كان همّ التغريبيين نقل الأيديولوجيات والمذاهب والتيارات الفكرية الغربية، ونشطوا في ذلك نشاطًا كبيرًا، حتى ملأوا
стр. 102
أرض المسلمين من هذه الأيديولوجيات والمذاهب. وامتنعوا في المقابل -أو تكاسلوا- عن النافع والمفيد من العلوم الحديثة، وإنك لتجد لبعض المسلمين من المبتعثين للغرب ممن لا ينتسب لتيارات فكرية تغريبية جهدًا في نقل العلوم المفيدة أفضل مما لهؤلاء المحسوبين على الفكر والثقافة من المتغربين. فإذا كان الغرب -في بدايات نهضته- قد استفاد من علوم المسلمين؛ إلا أنه أخذ الفائدة الجزئية وترك الكلية، أخذ بعلوم المسلمين التي تنفع للدنيا وترك الإسلام الذي به سعادة الدنيا والآخرة، فما بال المتغربين لا ينقلون النفع الجزئي، بل نراهم ينقلون ما يفسد على المسلمين إسلامهم، والله سبحانه قد أنعم علينا بالإسلام ورضيه لنا دينًا، وما ينقله المتغربون هو في الغالب مما يتعارض مع الإسلام ويدخل الشبهات في قلوب المسلمين. وهم رغم معرفتهم بلغات أجنبية وعيش أكثرهم زمنًا في البلاد الغربية لم يقدموا شيئًا في باب العلوم النافعة إلا ما ندر، والناظر في المكتبة التغريبية لا يكاد يجد كتابًا نقل ما ينفع المسلمين، بينما يغلب على كل واحد أنه قد وجّه جُلّ نشاطه للتعريف بمذهب أو تيار أو شخص في الغرب، والأمة الإسلامية لن تنسى قُبح عملهم بعد أن نذروا جلّ وقتهم لنقل الأيديولوجيات الغربية التي لا حاجة لنا بها، بل إن أهلها يتركونها الآن، وفي ديننا غنى عنها، وفي المقابل تركوا ما يفيد المسلمين وما حثّ عليه إسلامنا من العلوم النافعة لحياة الناس الدنيوية.
والآن لنغمض العين على حرقة في القلب عندما حُرمت أوروبا من التعرف الصحيح على الإسلام بسبب تلك الحملة الصليبية من القادة السياسيين والدينيين، ومن أثر الجيل التغريبي العربي المشين في عصر المسلمين الحديث، ولنعد إلى سياق الثورة العلمية لنفتح العين مرّة أخرى على الأثر المهم الذي أثّرت به علوم المسلمين على تلك الثورة عندما نُقلت إليهم، وقد كانت سعادتهم أكبر لو نقل إليهم الإسلام مع علوم المسلمين.
وسأكتفي في هذه الفقرة بذكر ملخص صغير عن دور المنقول من علوم المسلمين في إحياء الحركة العلمية في أوروبا وقيادتها نحو الثورة العلمية، معتمدًا في هذا الملخص على كتابين متشابهين في مادتهما حول أثر علوم المسلمين في نهضة أوروبا العلمية وهما: "تاريخ الفلسفة والعلم في أوروبا الوسيطة"، والمجلد الأول من "تاريخ العلوم العام: العلم القديم والوسيط. من
стр. 103
البدايات حتى سنة (١٤٥٠ م) " (١) حيث نجد فيهما مادة ثرية حول الموضوع، وسيكون الأول هو الأصل:
يورد مؤرخو العلم الدنيوي حقبة العلم العربي الكبرى بين القرن الثامن الميلادي والثاني عشر/ الأول الهجري والسادس؛ أي: ما يقرب من خمسة قرون، وسوف تقوم حركة "ترجمة" كبيرة في أوروبا لهذه العلوم، والتي سوف تُطلِق في الغرب بعد ترجمتها حركة فكرية كبرى أدت إلى نهضة القرن الثاني عشر/ الثامن عشر (٢).
بدأت التسربات الأولى في القرن العاشر الميلادي (٤ هـ - ١٠ م) وما قبله إلى عصر الترجمات الكبرى في القرن الثاني عشر وما بعده، وكانت طرق التسرب والتعرف متنوعة أشهرها طريقان (٣): الأول في أوروبا عن طريق بلدين أو مملكتين إسلاميتين استلبهما النصارى فيما بعد الأندلس وصقلية، والثاني في الشام زمن الحروب الصليبية التي استمرت أكثر من قرنين؛ حيث قربتهم تلك الحروب من إحدى حواضر الإسلام الكبرى.
بدأ الأمر بقيام بعض الأديرة بترجمة الكتب العلمية، تبع ذلك بروز أشخاص ومدارس كان لهم أثرٌ كبير في تعريف الغرب علوم المسلمين، وكان منهم "جيربرت" الذي يُعدّه البعض أول ناقل مشهور لعلم العرب، كنقله الحساب وبعض الأدوات العلمية كالإسطرلاب، ثم ظهرت "مدرسة ساليرن" التي عنيت بعلوم المسلمين، وكان أحد مؤسسيها الأربعة يدرّس بالعربية، وأخيرًا جاء دور مميز لـ "قسطنطين الإفريقي" بنفس العمل.
стр. 104
امتد الجهد السابق في القرن العاشر والحادي عشر الميلادي تقريبًا (٤ - ٥ هـ)، ثم جاء بعد ذلك: عصر الترجمات الكبرى في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، وهو قرن تحولت فيه أوروبا ومدنها العلمية إلى مراكز ترجمة لما عند المسلمين. يقول شارل هسكنس عن عمل الترجمة في ذلك العصر: "لم يكن عمل المترجمين منحصرًا في مكان خاص، بل إن النقل قد تمّ ببرشلونة وطرزونة وسيجوفيا وليون وبمبلونا، كما أنه ظهر أيضًا من وراء جبال البيريني بطلوزة وبيزبي وأربونة ومرسيليا، ولكن المركز الرئيسي للترجمة كان في النهاية مدينة طليطلة" (١).
وستتواصل جهود الترجمة وتتحول إلى نمط ثقافي سائد في أوروبا، فتظهر مدارس للترجمة في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي/ السابع الهجري، ففيه: "تكاثرت التراجم من العربية إلى اللاتينية إلى درجة أن سارتون. . قسمها إلى أربع مجموعات: إيطاليو إيطاليا، الصقليون، وتراجمة مونبليه، ثم الإسبان. ." (٢). وهكذا كان حال أوروبا في ما يقرب من أربعة قرون، نشاط كبير في الترجمة، يعجب منه الناظر في زمننا وهو ينظر في الحال التي نحن عليها، وربما بعض الناس اليوم لو قرؤوا مثل هذا الكلام ما صدقوه بعد أن انهارت قواهم المعنوية أمام الحضارة الغربية الحديثة في ظل هزيمة نفسية مؤلمة ربما يعالجها تذكر مثل هذا التاريخ.
كانت إيطاليا منطلق عصر النهضة الأوروبية، ولا غرابة وهي تلتصق ببوابة مهمة تُطل من خلالها على علوم المسلمين وهي صقلية (٣)، وقد استفادوا منها كثيرًا، لاسيّما بعد استيلائهم عليها. لكن البوابة الكبرى لاسيّما في القرن الثاني عشر كانت الأندلس المنافسة لصقلية، وذلك بعد أن استولى عليها النصارى وقاموا بأحد أبشع المذابح المعروفة في التاريخ البشري، وأصبحت مركز التعلم الأول لأوروبا "والمركز الثقافي الكبير، حيث كان مثقفو أوروبا كلها
стр. 105
-بما فيهم الطليان- يأتون لاستقاء العلم من مصادره العربية" (١).
وممن عرف في هذه المرحلة "اديلار الباتي" (١٠٩٠ - ١١٦٠ م) الذي تعلم في بلاده، ثم في بلاد المسلمين ولاسيّما مدرسة طليطلة (٢)، وتشبع بالعلوم العربية، وله في ذلك مقولة: "هل من أحد غيري تعلّم على يد المعلّمين العرب سلوك درب العقل،. . . ." (٣)، وكأن في ذلك نوع من الافتخار، وأصبح العارفون باللغة العربية والعلوم المنقولة من بلاد المسلمين هم رواد الثقافة والمقربون من الملوك والأمراء في أوروبا.
بدأت الطوائف المشهورة تعتني أيضًا بأتباعها، ويترجم مثقفوها ما ينفعهم من علوم المسلمين، ومن ذلك أثر أحد اليهود -سافاسوردا- الذي "ألف تأليفًا ضخمًا في العبرية، بقصد تفهيم العلم العربي للطوائف اليهودية في جنوب فرنسا" (٤)، وقد كان لليهود أثر كبير في نقل علوم المسلمين إلى أوروبا أيضًا.
ها نحن نقترب من القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، وفيه تشهد أوروبا حركة علمية، ويبرز بقوة أثر "الجامعة" كمؤسسة علمية جديدة بعد أن احتوت ثمار العلوم المنقولة من بلاد المسلمين وانطلاقهم بها فيما ينفعهم، فبعد أن عاشت أوروبا ما يقرب من خمسة قرون في ظلمات القرون الوسطى على حسب تعبير مؤلفي تاريخ الفلسفة والعلم؛ جاءت يقظتها مع التأثيرات الإسلامية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادي، أعقبها ما أطلقوا عليه: "نهضة الجامعات والعصر الذهبي للعلم المدرسي في القرن الثالث عشر وبداية الرابع عشر" (٥).
إلا أنه في هذا القرن (٧ هـ - ١٣ م) قد فقد العالم الإسلامي قطعة غالية من
стр. 106
جسده كانت تشع بنورها على أوروبا كاملة وهي بلاد الأندلس، وقُضي على المسلمين فيها بصورة بشعة، وطاردوهم عبر محاكم التفتيش ذات التاريخ الأسود، وحاولوا طمس معالم الإسلام أينما وجدوها ما عدا العلوم النافعة لهم، وبذلوا كل ما يستطيعون من أجل تشويه صورة الإسلام في عقول شعوبهم، وسُدّت كل منافذ الدعوة إليه، وحُرم الأوربيون من التعرف عليه.
إلا أن التاريخ لن ينسى أثر الأندلس المسلمة في يقظة أوروبا النصرانية، ولن ينسى بأن الأندلس مع أختها صقلية وغيرهما بقيتا من القرن العاشر الميلادي إلى نهاية الثاني عشر تقريبًا مركز الإشعاع لهم ونقطة الاتصال بالحضارة الإسلامية. وإنما ذكّرت بهذه الحقائق لأن أصحاب الكتاب السابق حاولوا إغفالها بقولهم: "إن أهمية العمل الذي تحقق سابقًا -أي: في القرنين الحادي عشر والثاني عشر-، وتراجع الإسلام في إسبانيا، وبذات الوقت تصاعد المسيحية؛ كل ذلك غير إلى حدٍ ما في القرن الثالث عشر سمة المركزين الكبيرين للترجمة: إسبانيا وصقلية، وبدلا من استقبال الثقافة العربية بشكل سلبي خالص، قام نوع من النشاط الخلاق بفضل تأثير ملكين متنورين: فريدريك الثاني وألفونس العاشر ملك قشتالة" (١). فهم يغفلون المجازر الوحشية التي حدثت للمسلمين، ويصورون المسألة كأنها فقط تراجع للإسلام وتقدم للمسيحية، وكأن المسألة تمت بتحول طبيعي وسلمي.
وقد تحدثوا عن أثر الملكين المتنورين الهام في نقل العلوم من بلاد المسلمين إلى أوروبا ودمجها بالحياة العلمية والثقافية، إلا أنه لا يخفى بأن ملوك أوروبا آنذاك ومن خلفهم رجال الكنيسة كانوا يتحركون باتجاهين: أحدهما: قيادة الحروب الصليبية ضدّ المسلمين، والثاني: ترجمة علوم المسلمين إلى لغات شعوبهم. ومن ذلك ما قام به "فريدريك" من مراسلات "لملوك الشرق" للاستفادة مما عندهم من العلوم، ورعايته لمجموعة كبيرة تتقن العربية من العلماء ليترجموا له علوم المسلمين، وأغلبهم ممن درس في بلاد المسلمين أو عاش فيها، ومن أشهرهم "ميشال سكوت" و"ليوناردي بيزا"، ويظهر أن هذا الملك قد فتح عيون أوروبا لطريقته، فقاموا بفتح بعض نوافذهم لاستقبال شمس الشرق كألفونس
стр. 107
العاشر وغيره، ومع ذلك فلا ننسى بأن هؤلاء قد أجرموا في حق أممهم عندما حرموهم من معرفة الإسلام بما وضعوه من حاجز بين شعوبهم وبين الإسلام، أما ما نقلوه من علوم المسلمين مما ينفع في الدنيا فقد ظهرت ثمرته في مولد العلم الجديد.
стр. 108
ثالثًا: الثورة العلمية
سبق الحديث عن الأجواء الممهدة لما اصطلح عليه فيما بعد "الثورة العلمية"، ورأينا صورة من التفاعلات الاجتماعية داخل المجتمع الأوروبي مع ما صاحب ذلك من تأثير بارز للحضارة الإسلامية وعلوم المسلمين في زيادة وتيرة الحراك الاجتماعي الأوروبي.
وبما سبق يصل المجتمع الأوروبي إلى حافة نقلة نوعية كبيرة أُطلق عليها فيما بعد "الثورة العلمية"، ونظرًا لأهمية هذه الفقرة بالذات للبحث، فسأقف معها وقفة مطولة نسبيًا لأعيد تحليل هذا الحدث الكبير وفق رؤية نقدية إسلامية. وترجع أهمية هذا الحدث -الثورة العلمية- لظهور أول نظرية جديدة تأخذ شعبيةً كبيرة، وتُحدث صراعًا كبيرًا، وتعيد تشكيل خريطة الفكر الغربي كاملًا، وما تبع ذلك من تطورات على مستوى المجتمع الغربي ككل، وستصبح هذه النظرية نموذجًا لما يظهر بعدها من نظريات في صور الصراع المتوقعة مع بروز نظرية جديدة، والآثار المترتبة على ذلك، والمناهج المصاحبة لإدارة ذلك الصراع، والرؤى المقترحة حوله.
ورغم توالي النظريات العلمية في الظهور بعد حدوث الثورة العلمية؛ فإن الأحداث المصاحبة لظهور كل نظريةٍ جديدة لا تختلف كثيرًا عن صورة الأحداث المصاحبة لأول نظرية. ويزيد في أهمية دراسة ذلك الحدث بأن امتداد هذا الصراع ظهر في كل بلد دخلته تلك النظرية -أو ما بعدها من نظريات- بما في ذلك بلاد المسلمين مع بداية احتكاكنا بالغرب في القرنين الأخيرين.
وتحليل هذا الحدث المهم يسهم في تفسير ما يصاحب بروز النظريات العلمية من مشكلات في أي مكان ظهرت فيه، ويساعد في رسم الموقف السليم مع أي نظرية ظهرت أو ستظهر.
стр. 109
معالم الحدث في الكتابات الفكرية
نجد عند العودة إلى المراجع التي درست الثورة العلمية أو مرحلتها التاريخية نوعًا من الاتفاق على ذكر أحداث معينة أسهمت في حدوث الثورة أو تطورها، ومن أهم ما يذكر ما يلي:
أولًا: أن الثورة العلمية انطلقت في المقام الأول من علم الفلك ويتبعه مباشرة علم الفيزياء.
ثانيًا: أن النظرية الجديدة في علم الفلك هي القول بأن الأرض تدور حول نفسها من جهة، وحول الشمس من جهة أخرى -هذا في الجملة- على تفصيل يأتي ذكره، ورغم وجود مثل هذا الكلام قديمًا إلا أنه لم يكن هو السائد والمقبول.
ثالثًا: أن هناك أسماء بارزة أسهمت في هذا الحدث أهمها -رغم وجود غيرها- "كوبرنيكوس" و"براهي" و"كبلر" و"برونو" و"جاليليو" ويختم عند الأغلب بـ "نيوتن"، ويطلق على النظرية غالبًا نظرية كوبرنيكوس أو النظرية الجديدة في الفلك.
رابعًا: أن صراعًا عنيفًا قام بين الكنيسة من جهة وأقطاب علم الفلك الجديد من جهة أخرى، في فترة كانت الكنيسة قوية، فبدّعت وكفّرت وهددت وسجنت وأحرقت أو شاركت في إحراق البعض، وقد رسّخَ هذا الصراع صورةً نمطية أصبحت فيما بعد يعبر بها عن علاقة الدين بالعلم.
خامسًا: أن تطورًا مهما صاحب ما سبق ولحق به على مستوى المنهج والفكر، قاد هذا التطور مجموعة أسماء أهمها "بيكون" و"ديكارت".
стр. 110
[١] البداية من علم الفلك:
من يرجع إلى المكتبة الثقافية لينظر حجم ما كتب حول الفقرات السابقة؛ يجد ذلك الكم الضخم الذي يصعب اختصاره هنا رغم أهميته للبحث، وأي اختصارٍ مهما كان دقيقًا فهو يبقى مخلًا في عرض الجوانب السابقة، ومع ذلك فلكل باحث حدوده في بحثه، وأجد نفسي مضطرًا إلى اختصار ما يصعب اختصاره:
أ- علم الفلك القديم:
كان علم الفلك أحد العلوم السبعة (١) التي تُدرّس في جامعات أوروبا ويحرص عليها المتعلم الجديد، ويصعب تعليل "لم كانت انطلاقة الثورة العلمية من علم الفلك بالذات، و -لم- لم تأت من غيره"! ومع هذا فعلم الفلك كان أحد العلوم المشهورة آنذاك، ويحرص عليه كثير من المتعلمين.
وكان عمدتهم في علم الفلك على كتاب "المجسطي" لبطليموس بحسب ما نقل عن المسلمين مع إضافات فلكيي المسلمين وغيرهم، مع مجموعة رسائل مدرسية سهلة لمن يصعب عليه كتاب "المجسطي" (٢).
كان محور عناية الفلكي يدور عن الأرض التي نعيش عليها وما يرى حولها من كواكب ونجوم، وعامة الناس يعلمون أنهم على الأرض، ويرون في النهار الشمس، وفي الليل أقرب ما يرونه القمر، ومن خلفه مجموعة هائلة من النجوم تزين السماء، وقد وردت آيات كثيرة في القرآن عن الأرض والقمر والشمس والنجوم والسماء، داعية العاقل إلى التأمل فيها والاعتبار بها ليتوجه القلب بعد ذلك إلى تعظيم خالقها وإلى عبادته سبحانه.
وقد ظهر علم الفلك منذ زمن بعيد ليعتني برصد هذه الأفلاك ومعرفة أشكالها وأحجامها وحركاتها وآثارها، ويُذكر أن أصل هذا العلم أخذ عن