أن العلم الآلي يلتقي مع الظواهر ولكنه لا يدعي تفسيرها" (١).
يلخص هذا النص أهم آثار نيوتن وبعض مساراتها فهو:
أولًا: أثّر بمنهجه العلمي واكتشافاته العلمية في الفلسفة.
وثانيًا: أثر بفلسفته الخاصة -النابعة من تأملاته- في الفكر الغربي.
وأخيرًا: فنظريته حول الجاذبية دعمت المذهب الآلي الذي سيكون له شأن في الاتجاهات المادية مع التذكير بأنه بنظريته إنما يفسر، لا أنه جعل للمادة فعلًا مستقلًا وتامًا وحقيقيًا كما سيكون مع الماديين في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر مثلًا.
وإذا كانت النظريات العلمية مجال أخذ ورد، وقبول واعتراض، فما بالك بالأنساق الفكرية المبنية على تلك النظريات، فمجال الأخذ والرد فيها أوسع لاسيّما مع دخول أصحاب الأيديولوجيات اللادينية التي تهوي بأصحابها وتطمس عن أعينهم الحقائق ولو كانت مثل شعاع الشمس، ويستثمرون ما يجدون في النظريات من مشتبهات وثغرات ليؤيدوا ما يعتقدون من أيديولوجيات، وكانت نظريات نيوتن أحد الأمثلة البارزة على ذلك لاسيّما ما تبناه الماديون من أفكار حول فاعلية المادة والحتمية وغيرها.
والمقام هنا ليس مقام تفصيل الأثر المتبادل بين نظريات نيوتن وبين الاتجاهات الفكرية، ففي ذلك دراسات موسعة، وإنما المقصود بيان دور النظريات العلمية وأثرها مجملًا في الفكر الحديث، وهنا ذكرٌ موجز لبعض التفاعلات بين نيوتن والفكر لاسيّما مع الاتجاهات الفكرية البارزة:
فهذا ليبنتز أحد أهم الديكارتيين والتيار العقلي يمتدح كتاب "المبادئ" وأنه "يعدل في قيمته كل المؤلفات السابقة". وهذا يبين مكانة نيوتن عند العقلانيين. وهذا هيوم أحد أهم مؤسسي المذهب الحسي التجريبي يقول عن نيوتن بأنه "أعظم وأندر عبقري ظهر ليشرف النوع الإنساني ويعلمه" (٢)، فهذان ممثلان كبيران لأكبر تيارين في الفكر الغربي الحديث يعلنان مكانة نيوتن ووضعه في المقدمة.
стр. 177
وفي هذه المرحلة ظهر تيار جديد أطلق عليه تيار التنوير أخذ على عاتقه الدعوة للعلمانية وإضعاف قيمة الدين في حياة المجتمع والدعوة للحرية والعقلانية، وقد كان مركزه فرنسا وانتشر بعد ذلك في أغلب بلاد أوروبا في القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي. وكان من أشهر شخصيات هذا التيار فولتير، وقد أخذ على عاتقه التعريف بنيوتن ونظرياته ونشرها، حتى إنه عُدّ أهم الشخصيات التي أسهمت في تعريف فرنسا بنيوتن وعلمه ومنهجه (١).
وعرفت أيضًا أوروبا في هذه المرحلة فيلسوفًا مشهورًا "كانط" كان له أثره في تكوين فلسفة جديدة "الفلسفة النقدية" وغلب تأثيره على أكثر التيارات الفكرية التي جاءت بعده، حتى إن هناك من يفرق بين مرحلتين في الفكر الغربي، قبل كانط وبعده. فهذا الفيلسوف أقام أغلب أصوله الفلسفية على نسق نيوتن العلمي والفلسفي والمنهجي، ومن كتبه مثلًا: "التاريخ العام للطبيعة، ونظرية السماء: دراسة للنظام والأصل الميكانيكي للكون، وفقًا لمبادئ نيوتن" (٢)، وقد أوضح "محمد وقيدي" في بحثه عن نظرية كانط في المعرفة (٣) أثر نسق نيوتن على كانط؛ ذلك أن فلسفته عاصرت النسق الفيزيائي النيوتني "فاستفادت من معطياته في بناء نظريتها في المعرفة" (٤).
فهذه أربعة تيارات، اثنان منها قبله "العقلي والتجريبي" وقد أُعجبا بنسقه، واثنان معه أو بعده التنوير والنقدي الكانطي أعجبا به أيضًا.
وهناك تيار خامس سيكون أكثر شهرة في القرن اللاحق وهو "التيار المادي" الذي يرى بأن المادة هي الأصل، وهي فاعلة مؤثرة بنفسها، ومن مصادرها العلمية المزعومة الصورة الحتمية البادية في الصورة الآلية والميكانيكية في نظريات نيوتن (٥)، فقد ولّدت نظريته نزاعًا كبيرًا بين تيارين حول الحتمية
стр. 178
واللاحتمية شبيهة بمسألة الاختلاف بين الجبرية والقدرية، حيث كانت نظرية نيوتن في الجاذبية مفتاحًا للمذهب الحتمي، ومؤيدة لأصحاب المذهب الآلي المادي وبقيت الأشهر حتى برزت نظرية "النسبية" و"الكوانتم" في الفيزياء المعاصرة لتميل لصالح المذهب اللاحتمي، وهذا شاهد واضح على أثر النظريات العلمية في الفكر.
وأخطر ما زعمه التيار المادي اعتمادًا على النسق النيوتني بأن آلية الكون وسيره وفق نظرية الجاذبية، تدل بأن الكون يتحرك بقوانينه الخاصة دون حاجة إلى حفظ إلهي لها، ووصل بهم الأمر إلى إنكار وجود الرب أصلًا، والقول بأن المادة هي الفاعل الوحيد التي عُبر عنها في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر بالطبيعة، فهي الموجدة لكل شيء والفاعلة لما تريد. وستقوم المادية بتحويل تصور نيوتن حول نظريته في الجاذبية، فهو يفسر بها ظاهر الكون ويرى أنها من وضع الرب سبحانه لحفظ نظام الكون الذي خلقه، ولكنها مع الماديين تتحول إلى صفة من صفات الطبيعة والمادة، ويرون بأن عالم المادة يتصف بصفات يُوجد بها ذاته ويُسيّر بها نظامه. وهذا التحول الخطير سانده بعض المنتسبين لدائرة العلم في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وكان أشهر من أظهر ذلك البيولوجي داروين وسيأتي بيانها لاحقًا. والمهم هنا أن نظريات نيوتن أصبح لها تأثير كبير، وأن العلم مع نيوتن بدأ يستقل بذاته ويكوِّن شعبية تنافس المذاهب الفكرية المعهودة والعلوم الموروثة، وبدأ المنهج الجديد في البحث والنظر يفرض حضوره يومًا بعد يوم، وبدأت العلوم تتطور بسبب ذلك، ولكن هذه الشهرة للعلم جلبت إليه أهل الأهواء والأيديولوجيات ليوظفوه في خدمة مذاهبهم.
لقد استقطب نيوتن الحياة الثقافية والفكرية والدينية في الغرب، ورغم قلّة إنتاجه وانصرافه إلى السياسة آخر حياته ثم الدين، إلا أن نسقه أثّر كثيرًا ولأكثر من قرنين، وفي ذلك يقول محمد الجابري: "ويمكن القول بصفة عامة: إن الفكر العلمي بمختلف جوانبه ومنازعه -وكذا الفكر الفلسفي- قد بقي، طوال القرنين الماضيين، يتحرك داخل البنيان الذي شيّده نيوتن، وذلك إلى درجة أن الأفكار والنظريات العلمية التي ظهرت خلال المدّة المذكورة، لم تكن تقبل، أو على الأقل لم يكن ينظر إليها بعين الارتياح والرضا، إلا إذا كانت مندرجة في النظام
стр. 179
العام الذي أقامه صاحب نظرية الجاذبية" (١). وهذه الشهرة جعلت "راسل" يقول: "لقد كان النصر كاملًا -أي: لنيوتن- إلى حد ينذر بالخطر من أن يغدو "نيوتن" أرسطو آخر، ويفرض على التقدم حاجزًا لا يمكن تخطيه" (٢).
ونجد مفارقة عجيبة في هذه العلاقة بين نظريات نيوتن واكتشافاته ومنهجه وبين الفكر المتفاعل معها، تتمثل في أن نيوتن يميل إلى أن النظر في هذا الكون يدل على وجود الله سبحانه ويحاول التوفيق بين نظريته في الجاذبية وبين ما يعرفونه من أمور الدين، بخلاف التيارات الفكرية المستثمرة لنجاحه فهي توظف نظرياته في خدمة العلمانية المادية والإلحاد. فهو يرى بأن نظريته تُظهر نظام العالم وتناسقه، وأن ما فيه من نظام وجمال وترتيب يدل على وجود الله سبحانه (٣)، وما يترتب على الإقرار بوجوده من أمور أخرى، ونراه مثلًا يحاول التوفيق بين نظريته في الجاذبية وبين قصة طوفان نوح ﵊، فهو يرى بأن الله سبحانه حينما أراد أن يغرق القوم الكافرين الذين كذبوا نوحًا ﵊، أمر نجمًا جبارًا بأن يقترب من الأرض، وبحسب نظرية الجاذبية اختلت قوى الطرد والجذب، فاندفع الماء من باطن الأرض تحت تأثير الجاذبية الرهيبة، وصارت أمواج البحر كالجبال، وتراكمت السحب نتيجة التبخر، وتساقطت أمطار وكأنها السيل المنهمر، ولما تحقق أمر الله سبحانه، أمر النجم أن يعود إلى مكانه، فعادت الأرض إلى ما كانت عليه (٤). فهو يحاول المحافظة على سلامة نظريته وفي الوقت نفسه لا يريد إنكار ما يعرفونه من الأمور الدينية. فمن الناحية العلمية فسر كيف تحدث ثلاثة أمور في عذاب أولئك الكافرين، وهي: تفجر الأرض بالماء بشكل لا مثيل له، وسحاب كثيف مع مطر غزير لا مثيل له، وموج هائل متلاطم، وهذه الثلاثة يمكن تصور حدوثها باقتراب نجم كبير من الأرض، ولكنه بقدر ما يُقرّب المسألة للمائلين إلى العلوم الحديثة،
стр. 180
إلا أنه تكلفٌ لا مبرر له، وادعاء أمر من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، فنحن نؤمن بهذا الحدث ولكننا لا نعلم التفاصيل الغيبية فيه إلا ما ورد في الوحي.
والأمر العجب هو فرار هؤلاء من الإيمان بقدرة الله سبحانه على إحداث هذه الأمور، وحرصهم على التعليل الطبيعي لمثل هذه الأحداث، مع أن الأعجب من كل هذه الأمور هو وجود الكون كله، فإيجاد الكون والعالم أعظم بكثير من حدث الطوفان في جزء صغير من مخلوقاته، والله سبحانه قد أكثر من الاستدلال على منكري البعث بإيجاد المخلوقات الكونية وبخلق الإنسان، وهذا الدليل الذي كثر وروده في القرآن هو دليل مناسب أيضًا على هذه المسألة؛ فإن من أوجد الكون بعوالمه العجيبة أقدر -وكلها عنده سواء- على مثل هذه الآيات، سبحانه.
ومع ما نراه من ضبابية حول اعتقاده فإن من المؤكد أنه لم ينف الدين الذي عرفه بين قومه، بل يرى أن ما عنده يدعم الدين، في المقابل نجد تيارات ذات أهداف مشبوهة وظّفت نظرياته واكتشافاته ومنهجه في صراعها مع الدين مدّعية بأن علم نيوتن يدعم الموقف الإلحادي، ومن أشهرها الاتجاه المادي بكل تياراته، وتظهر هنا النقطة الفاصلة بين النظرية العلمية وفكر صاحبها وبين استثمارها في خدمة رغبات وأهواء أطراف أخرى. والعجيب أن صاحب النظرية لا يرى في نظريته ما يدعو إلى الإلحاد والمادية، ويصر أصحاب التيار المادي على استثمارها في باب لم يقله صاحبها.
وبعكس ما سبق في الفيزياء الكلاسيكية -فيزياء نيوتن- نجد صورة مغايرة في الفيزياء المعاصرة، فهي فيزياء تنتسب للمدنية العلمانية وترعرعت مع الماديين، وكان الأصل فيها أن تتوجّه لخدمة الاتجاهات المادية؛ إلا أن الأمر انقلب رأسًا على عقب، فظهرت تيارات فكرية ترى بأن الفيزياء المعاصرة تعد صفعة موجعة للتيارات المادية الملحدة، وأنها لا تتعارض مع أصول دينية بل العكس فهي تؤيد قضايا الدين (١). وهو تقابل غريب وعجيب، يحتاج منا إلى عناية خاصة؛ إذ فيه عدّة دلالات يهمّ منها طريقة توظيف النظرية وفهمها في خارج إطارها.
стр. 181
رابعًا: ما بعد الثورة العلمية (١) "القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي "
مما لا خلاف فيه بأن الثورة العلمية قد دفعت بالعلم الدنيوي إلى قمة النشاطات البشرية في العصر الحديث؛ فالعلم المادي هو مجال النشاط التعليمي من بدايات تعلم الطفل في مراحله الأولى إلى أعلى الدرجات الأكاديمية، ومواد الرياضيات والفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والهندسة والعلوم الاجتماعية تأخذ بحظ الأسد من كل تعليم في العصر الحديث، وهذا أحد مؤشرات نجاح الثورة العلمية.
ولكن إذا كانت الثورة العلمية تمثل خليطًا من التطور العلمي والانحراف الديني فكيف قبلته شعوب العالم! ويرجع الجواب إلى طبيعة هذا الخليط، فمن نظر إلى التطور العلمي وثماره قاده ذلك إلى طلبها من أجل الانتفاع بها، ولكن هناك من لم يفرق بين تطور العلم والانحراف بالعلم، وذلك بسبب تلاحمهما في مرحلة الثورة وما بعدهما لاسيّما في القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، وما بعده لدرجة سيادة التصور المادي القائل بأنه لا يمكن أخذ الجانب العلمي البحت دون الأخذ بما يصاحبه من انحرافات تحت مسمى منهجيات العلم وفلسفته وروحه وآثاره. وقضية عدم التفريق بين التطور العلمي والانحراف في العلم أو به قضية برزت بوضوح في القرن الثاني عشر الهجري/ القرن الثامن عشر الميلادي وإن كانت جذوره قبل ذلك.
[١] أبرز التطورات العلمية:
من الطبيعي مواصلة جهود نيوتن المتوفى في نصفه الأول (١٧٢٧ م) الذي
стр. 182
نجح في شق مجرى سار فيه من بعده، وهناك نشاطات أخرى حول هذا المجرى نُلمح لبعضها (١)، ومنها: لقد أدرك الباحثون أهمية التجريب والرياضيات في تطور العلم، فقاموا بوضع مناهج تساعد في ضبط عمليات التجريب، ومن ثمّ تحويلها إلى صيغ رياضية، وأدركوا أيضًا أهمية الأجهزة وقد رأينا دور المقرب "التلسكوب" في دعم نظرية كوبرنيكوس، ودور المكبر في اكتشاف كائنات صغيرة حولنا كنا قرونًا لا ندري عنها شيئًا، وذلك بعد أن اكتشف "روبرت هوك" بمجهره عالم الخلايا الصغير في أنسجة الحيوانات والنباتات لنصل إلى أحد أهم مكونات الكائن الحي، وسيعقبه اكتشاف أصغر مكون للجسم المادي وهو الذرة وما فيها من جسيمات. وهكذا أمكن بهذه الأجهزة رُؤية البعيد والصغير، فتعرفنا على عوالم جديدة مدهشة.
وتطور في هذه الفترة علم وظائف الأعضاء مع "هارفي" وشرح بمعادلات دقيقة الدورة الدموية، وإن كان ابن النفيس قد سبقه إلى ذلك الاكتشاف بسنين، وفي هذه الفترة أيضًا تحولت الخيمياء السحرية إلى كيمياء علمية مع "بويل" وغيره.
وتذكر المراجع بأن العلم المادي الحديث مدين بالكثير لجمعيتين علميتين مشهورتين ظهرتا مع نجاح الثورة العلمية، وجمعتا أهم المشتغلين بالعلوم الحديثة، وكان من أهم أهدافهما تطوير العلم لا تدريسه، فالأولى تأسست عام (١٦٦٠ م) الجمعية الملكية في لندن، والثانية أكاديمية العلوم في باريس عام (١٦٦٦ م) وعلى منوالهما فُتحت أكاديميات علمية في بقية أوروبا.
تدخل الأحداث السابقة في جانب التطور العلمي الذي لا يجادل أحد في أهميته لتقدم العلوم، وهو أمر يمكن حدوثه في أي مجتمع أو حضارة، ولكن هذا التطور الإيجابي حدث له ما يحرف مساره ويفسد ثماره، وفي هذه الفقرة أتناول بعض تلك الأحداث مرجئًا تحليلها للفصل القادم بإذن الله.
وبما أن ما يعنيني هو انحراف المسار في العلاقة بالدين وما يرتبط به؛ لذا فسأقتصر في ذكر الأحداث على ما يخدم هدف البحث، وأول ما نجده: هو نتائج ما حدث من صراع سبق ذكره مع مولد أول نظرية حديثة في علم الفلك ثم
стр. 183
نظرية الجاذبية في الفيزياء، وقد كان حادًّا في النظرية الأولى وخفيفًا في الثانية، وحصلت عمليات توفيق بين الطرفين، وخرجت الثورة العلمية في النهاية منتصرة في صراعها مع الكنيسة الممثلة للدين في أوروبا.
[٢] التحول إلى العلمنة:
لم يحدث في هذه الفترة شيء كبير في حجم نظريات علم الفلك أو الفيزياء في القرن السادس عشر والسابع عشر الميلادي (١٠ - ١١ هـ)، فقد بقي علم جاليليو ونيوتن هو السائد في الساحة العلمية والثقافية؛ إلا أن هناك أحداثًا فكرية كبيرة وسياسية خطيرة عصفت بأوروبا في هذه المرحلة، وقد أُدخل العلم ونظرياته وعلاقته بالدين وبالفكر في هذه الأحداث، وقد كان هذا من أهم أسباب الانحراف بالعلم، وذلك بتوظيفه خارج دائرته في الصراع الدائر في أوروبا بين الكنيسة والعلمانية؛ ذلك أن أوروبا مقبلة على مرحلة حاسمة من تاريخها حول علاقتها بالدين، وقد كان العلم أحد الأسلحة الجديدة المستخدمة في هذا الصراع وفي حسمه.
لقد مرّت بأوروبا مجموعة أحداث جعلت أهلها يزهدون في الدين ولا يتحسرون على الخلاص منه، من بينها التركة الفاسدة من الانحراف الشنيع الذي بلغته الكنيسة سواء في ضلال المعتقدات والعبادات أو في سوء تعاملها مع الناس، ومن ذلك أيضًا عودة جمهرة من المثقفين للروح الوثنية الإغريقية والرومانية أعقب الإحياء الذي حدث لها في عصر النهضة، ومن ذلك تفشي روح التفلّت الخلقي وعدم المبالاة بأمور الدين والأخلاق عند الناس. ثمّ زاد الطين بلّة موقف الكنيسة المتعنت من التطورات العلمية الجديدة. فهذه الأمور وغيرها قد دفعت جمهرة غفيرة في أوروبا إلى العلمانية واللادينية، وقد تحقق هذا الأمر في القرن الثامن عشر (١٢ هـ) عندما حُسم في نهايته بنجاح الثورة العلمانية، وقيام أول دولة لا دينية في أوروبا. وفي صراع محموم كهذا لا يمكن إغفال استخدام أحد الأسلحة الجديدة المهمة وهو العلم على أنه آلة يمكن استخدامها في الخير والشرّ، ويمكن توظيفها هنا أو هناك.
[٣] تيارات الفكر المشهورة وعلاقتها بالعلم:
شهدت هذه المرحلة تطورات فكرية كبيرة أوصلت المجتمع الثقافي إلى
стр. 184
إحداث قطيعة مع تراثه الديني، وعادة ما يطلق الكتاب الغربيون على هذه المرحلة: عصر التنوير والعقل، ويُشعِرون القارئ أن التنوير ارتبط بالتخلص من الدين واستبدال مصدرٍ آخر به للمعرفة هما العقل والعلم، ولكن الحقيقة أنه كان تنويرًا في مجالات العلم والتقدم الدنيوي، لكنه كان ظلامًا في مجال الدين والقيم عندما اتخذ الانعتاق من الكنيسة ذريعة للانعتاق من كل دين.
لقد قام أغلب مفكري هذه المرحلة بالدعوة لحياة مجتمع بعيدة عن السلطة الدينية يقوم على العقل ويطور العلم الذي عرف مع الثورة العلمية. وقد كان أشهر التيارات الفكرية في هذا القرن كما سبق خمسة تيارات (١)، تياران موروثان من المرحلة السابقة: "العقلاني، والتجريبي"، وثلاثة برزت في هذه المرحلة: "النقدية الكانطية، والمادية، والتنوير". وقد رأينا علاقة هذه التيارات بنظرية نيوتن؛ لأنها أتت بعده، وتعد علاقتهم بنيوتن نموذجًا لتفاعل الفكر مع التطورات العلمية.
الصورة الجديدة التي رسمتها المذاهب الفكرية للعلم في هذه المرحلة:
أ- التياران الموروثان "العقلاني والتجريبي ":
يمكن القول: إنهما واصلا ما ابتدآهُ في الفترة السابقة مع "ديكارت" و"بيكون"، إلا أن الاتجاه التجريبي كان أكثر إيغالًا في الرؤية الحسية والالتصاق بالعلوم الجديدة؛ فهي أقرب لنظريتهم في المعرفة، فقد أصبح العلم الصحيح والحقيقي هو ما كان مصدره الحسّ، وبسبب نجاح منهج التجريب الحسي في تحقيق اكتشافات جديدة عظيمة تحول إلى منهج مقدم على غيره، وزادت ثقتهم في المحسوسات أكثر من غيرها، مما دفعهم نحو عالم المادة والشهادة وإغفال عالم الغيب وما لا يقع في دائرة الحسّ، ولذا كان إنكار الدين بينهم أكثر وأشهر.
ب- الفلسفة النقدية الكانطية:
يعد الفيلسوف الألماني كانط (١٧٢٤ - ١٨٠٤ م) أشهر الفلاسفة في القرن الثامن عشر (١٢ هـ)، وقد كانت فلسفته تروم الجمع بين الاتجاهين الكبيرين: "العقلي والتجريبي"، فهو يرى بأن هناك قبليات عقلية لا يمكن إنكارها تساعدنا
стр. 185
في المعرفة، ولكن المعرفة الحقيقية لا تكون إلا ذات واقع حسي.
وقد كان يهدف من مشروعه الفلسفي النقدي الكبير نقد العقل إلى البحث في: كيف نجعل "الميتافيزيقا" ذات الموضوعات الثلاثة الرئيسة: "الله - خلود النفس - الحرية" (١) يقينية في درجة يقين العلوم الرياضية والطبيعية، فإن اختلاف الناس في الميتافيزيقا كبير بخلاف العلوم الرياضية والطبيعية. هكذا كان مشروعه الأساسي: تحويل الميتافيزيقا إلى علم يقيني. وقد رأى أن الإجابة لا تتحقق إلا إذا عرفنا لماذا العلوم الرياضية والطبيعية يقينية، وعندها نستطيع بناء ميتافيزيقا يقينية كهذين العلمين. فقام بتحليل موسع للعلمين يبحث سبب اليقين فيهما، ولكن انتهى به المطاف في الحياة قبل أن يصل إلى الجواب، وإن كان قد قام بعمل كبير حول هذه العلوم مما جعله أشهر فلاسفة الغرب المحدثين.
يظهر في المشروع الكانطي حضور العلوم التي لم يعد من الممكن إغفالها بعد نجاح الثورة العلمية، ويظهر أنها أصبحت مقياسًا لليقين، وهذا ما أراده كانط من تحليلها، ولكن من بين النتائج التي وصل إليها موقفه الغامض من الدين، وذلك عندما اكتفى بمصدري العلم: العقل والتجربة. وذلك أنه وصل إلى أن القضايا الدينية لا ينطبق عليها المنهج الرياضي اليقيني ولا ينطبق عليها المنهج الطبيعي التجريبي اليقيني، وعلى هذا فالدين أو الميتافيزيقا مما لا يدخل في دائرة العلم ولا يمكن إثبات قضاياه بالمنهج العلمي (٢). ولكن في الوقت نفسه لا يمكن التخلص من قضايا الدين أو الميتافيزيقا ولا يمكن إنكارها، فكيف الطريق إلى إثباتها؟
وجد الحل في مجال الأخلاق والعقل العملي؛ إذ هي ضرورية، وإذا كانت كذلك فلا تتحقق إلا بالإقرار بوجود الله، ووجود النفس، أما العقل العلمي فلا يمكنه إثباتها (٣)، ولكنه أهمل المصدر الثالث للمعرفة، وهو الخبر الصحيح، وهو هنا الوحي.
وقد تسبب هذا الموقف فيما بعد إلى قسمة ثنائية ما بين العلمي والديني،
стр. 186
فالعلم مجاله العقل والتجربة ويمكن الاستدلال عليه والوصول فيه إلى اليقين. والدين مجاله الوجدان الخاضع للعقل العملي والأخلاقي ولا يدخل في دائرة العلم، وتوسع قوم بعد "كانط" بهذه القسمة فيما بعد، فجعلوا ما مجاله العقل هو العلم والحقيقة، وما مجاله الوجدان فهو الوهم والخرافة والأساطير، وفتح الباب للدعوى العلمانية القائمة على اعتماد العلم للحياة لأنه مما يقبل التعميم ومما يتفق عليه الناس بخلاف الدين فيكون شأنًا فرديًا وجدانيًا؛ وقد كان أحد أهم أسباب هذه المنهجية نظرية كانط المعرفية الجديدة.
ج- الاتجاه المادي:
وهو أحد أشهر الاتجاهات في الفكر الغربي الحديث، وصاحبُ العقيدة الإلحادية الصرفة، فإذا ذُكر عُرف بأنه المضاد تمامًا لأي اتجاه ديني، ومما يذكر "بوشنسكي" عن سبب ظهوره فقال: "أدى تقدم العلوم الطبيعية إلى ميلاد التصور المادي للكون، الذي بشر به توماس هوبز (١٥٨٨ - ١٦٧٩ م) من قبل، ازدهر في فلسفات بونيه (١٧٢٠ - ١٧٩٣ م) ولامتري (١٧٠٩ - ١٧٥١ م) وهولباخ (١٧٢٣ - ١٧٨٩ م) وديدرو (١٧١٣ - ١٧٨٤ م) وهلفتيوس (١٧١٥ - ١٧٧١ م) (١).
ونجد في كتاب: "موجز تاريخ الفلسفة -تأليف جماعة من الأساتذة السوفيات" تتبعًا تفصيليًا لهذا التيار الذي يتبنونه بقوّة، وهم غالبًا في كل قسم من أقسامه يربطون بين تقدم الاتجاه وبين تقدم العلوم، ومن ذلك مثلًا حول ما يخص هذه المرحلة في فرنسا قولهم: "ومع الأفكار العلمية الجديدة، أفكار الرياضيات والفيزياء والميكانيك والفيزيولوجيا والطب، بدأت الآراء الفلسفية المادية تشق طريقها إلى أذهان الناس" (٢)، فيُشعِرون قارئهم بأن العلوم الجديدة تؤدي إلى التصور المادي بطريقة آلية وحتمية. وقد كان الاتجاه المادي حريصًا على الالتصاق بهذه العلوم التي يظهر أنها تمثل لهم نوعًا من الدعم في الحضور الاجتماعي، وقد سعى أصحاب هذا الاتجاه في هذه الفترة على تبسيط أقوالهم لتصل وتؤثر في كل الناس ولاسيّما المتعلمين منهم (٣).
стр. 187
د- التنوير:
تيار التنوير بحسب اصطلاحات الكتب المؤرخة هو أشهر تيارات الفكر في القرن (١٢ هـ - ١٨ م)، وقد سهّل المعارف والأفكار الصعبة وعرضها بأسلوب سلس ومرتب كـ"الموسوعة" مثلًا أو بأسلوب أدبي وفني. وقد أفاد هذا الأسلوب في انتشار أفكارهم في طبقات أوسع من المجتمع، وأسهم ذلك في تمرير أفكارهم السلبية في جلباب الإيجابية دون أن يشعر بها المجتمع، ومن ذلك النقد الحاد للدين ونشر ثقافة الإلحاد أو العلمانية. ورغم الانحراف الديني عند من يمثلونه إلا أن نقدهم قد تجاوز الانحراف إلى الثوابت الدينية، كالإيمان بالله والتصديق بوجود الأنبياء والإقرار بالغيب واليوم الآخر، فهذه وإن وقع في تصورها انحراف كبير عند اليهود والنصارى، إلا أن أصولها مما هو ثابت في دين الإسلام الذي جاء به كل الأنبياء إلى خاتمهم محمد ﵌.
ومما تحمس له زعماء التنوير: الدعوة للعلوم الجديدة، والتعريف بها، ونشرها، وتبسيط العلوم والنظريات، وربط تطور المجتمع بها؛ مما جعل أصحاب "الموسوعة العربية العالمية" يقولون عنها بأنها: "حركة فلسفية أثّرت تأثيرًا كبيرًا في تطور العلم خلال أواخر القرن السابع عشر، والقرن الثامن عشر الميلاديين" (١)، ولكنهم سكتوا عن الأثر الخطير الذي مارسوه في إفساد العلاقة بين العلم والدين، وذلك أنهم صوّروا الدين عدوًّا لدودًا للعلوم الجديدة، وأن تقدم العلم مرهون بإبعاد الدين أو تحطيمه (٢).
[٤] الثورة الفرنسية العلمانية (١٧٨٩ م):
سبق الحديث عن أهم تيارات الفكر في القرن (١٢ هـ - ١٨ م)، وقد كانت تتفاعل مع المجتمع ويتفاعل هو معها، وكان المجتمع يراقب الأحداث ويرغب في التخلص من ظلم الكنيسة والسلطة، ويجد في هذه التيارات صورة الخلاص، فقام قوم بتحويل تلك المشروعات الفكرية إلى ثورة سياسية واجتماعية هي الثورة
стр. 188
الفرنسية، وكان من أهم معالمها تبني الأفكار السياسية الجديدة، وبناء مجتمع جديد يعتمد على العلم ويُقصي الكنيسة والدين عن شؤون الحياة العامة لتبقى شأنًا فرديًا، وبلغ درجة مغالية في جناحها اليساري الذي طالب بإلغاء الدين وعبادة العقل في شخص امرأة حسناء تُنصب إلها (١)، وقررت الثورة التعليم الإلزامي العلماني من المرحلة الابتدائية (٢).
ومن أهم الصور النمطية التي نجحت الثورة في ترسيخها هي إقرار العداء بين الدين والحياة العامة، ولاسيّما المجال الجديد العلم، ومن ثمّ فرض التعليم العلماني منفصلًا عن الدين، ومن أدوار الثورة أنها أحلّت العلوم الجديدة مكان العلوم القديمة، وأصبح ذلك سمة التعليم الحديث، ومن مشاكل الثورة كأغلب الثورات أنها فرصة لأهل الأغراض، باستثمارها لصالح أهدافهم وتوجيهها في خدمة مصالحهم، ومن ذلك ما نراه هنا من دخول الماديين واليساريين واليهود (٣) من خلال الثورة، واستثمارهم لها في عرض رغباتهم وفرضها عن طريق النظام السياسي الجديد على المجتمع بعد أن كانوا في الماضي ينشطون في المجتمع بشكل خفي وفردي، فهم الآن قد وصلوا للسلطة ونجحوا في تمرير مشروعاتهم الفكرية من خلالها.
стр. 189
خامسًا: ما بعد الثورة العلمية (٢) "القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي "
من تتبع مسيرة العلم الحديث والتطورات التي أحاطته، ولاسيّما أحداث القرن السابق والثورة السياسية الاجتماعية التي خُتم بها، شك أنه يدرك أن القرن التاسع عشر (١٣ هـ) سيكون أوسع انحرافًا في بابنا، لاسيّما ونحن نرى تيارات كبيرة لا تُلقي بالًا للدين، وتضعه موضع السخرية فضلًا عن تيار الإلحاد المادي الذي بدأ بوضوح في القرن الماضي، فهي دلالة على علاقة موجعة ستكون بين الدين والعلم، وكررتُ مرارًا بأنه لا توجد مشكلة بين الدين الحق والعلم الصحيح النافع، وإنما المشكلة هي بين دين محرف يزعم لنفسه الصدق والحق وعلم يُستثمر في دعم أهداف تيارات فكرية بتصورات مادية وإلحادية. كيف وقد أصبح لهذه التيارات دولة تحميهم ونظام يساندهم، وجمهور يؤيدهم مع قيام أول دولة علمانية بالمفهوم الحديث للعلمانية.
وقد عُرف عن هذا القرن بأنه عصر "الوضعيات"؛ لكثرة التيارات الوضعية، وغالبًا ما يجعلون العلم مرادفًا للمفهوم الوضعي، وعرف عنه فيما بعد بأنه عصر النزعة "العلموية"؛ أي: الغلو في العلم وتقديسه إلى درجة أن جعلوه دينًا أو مذهبًا اعتقاديًا؛ وكأن الكشوف العلمية القابلة للصحة والخطأ، أو التطوير، أصبحت عقائد يجب اعتقادها. ومع انتشار هذه الروح العلمانية اللادينية والإلحادية المادية، وتسلطها على غيرها لم يعد أصحاب النظريات العلمية يخشون أهل الدين أو المجتمع المحافظ، بل يقذفون بنظرياتهم دون مبالاة حتى وإن خالفت ما عُرف في أديانهم، وهي بقايا محرفة من دين سماوي حق.
стр. 190
وإذا كانت المراحل السابقة تصور تأثير العلم والنظريات العلمية في الاتجاهات الفكرية، فقد تحول الأمر في هذا القرن أو كاد إلى تأثير الأفكار في العلم والنظريات العلمية، ويظهر الاستثمار الإيديولوجي والاستغلال الخبيث للنظريات العلمية في خدمة المادية والعلمانية والإلحاد، وتظهر مذاهب وإيديولوجيات علمانية مادية إلحادية تزعم أنها دين العلم الجديد.
ورغم كثرة النظريات العلمية في هذا القرن، وأحداث كبار وقعت بين هذه النظريات من جهة وبين الدين والفكر والحياة الاجتماعية من جهة أخرى؛ إلا أن أبرزها وأشهرها نظرية "داروين" التطورية التي تحولت من حقل علم الأحياء "البيولوجيا" إلى مذهب فكري كبير ما زالت امتداداته موجودة في عصرنا. وهذه خطوط عريضة عن أهم التطورات العلمية والفكرية في هذه المرحلة مع التوقف مع ما يرونه في الغرب أهم نظرية علمية، لاسيّما وقد أحدثت في عالمنا الإسلامي الصراع نفسه وربما أكثر، وبسبب الانقلاب في وضع التأثر والتأثير بين النظريات والأفكار فسنبدأ هنا بأبرز المذاهب الفكرية.
[١] تيارات الفكر المشهورة:
سأبدأ بذكر أهم المذاهب الفكرية في هذا القرن، وقد كان لـ "كانط" فيلسوف عصر التنوير -الذي حاول الجمع بين العقلي والتجريبي- شهرة أيضًا في هذا القرن، لاسيّما مع أتباعه الأربعة الكبار: "فيشته، وهيجل، وشلنج، وشوبنهور"، وكان أهمهم وأشهرهم الفيلسوف الألماني هيجل، فبفلسفته افتُتِح القرن الثالث عشر/ التاسع عشر (١)، وقد كان أكثر الفلاسفة تأثيرًا في أوروبا والأكثر أتباعًا، وأهم أتباعه من أطلق عليهم "اليسار الهيجلي" (٢)، الذين سيطروا إلى حد كبير على جزء كبير من الفكر في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، بينما الجزء الآخر منه كان مع "كومت" الفرنسي و"داروين" الإِنجليزي.
стр. 191
أ- اليسار الهيجلي:
لقد ورث اليسار الهيجلي مادية القرن الثامن عشر وسار بها إلى أسفل دركاتها، وورث عن تنوير الثامن عشر نزعته العدائية للدين عمومًا ولاسيّما الكاثوليكي منه.
ورغم أن اليسار الهيجلي لا ينتمي للمجتمع العلمي بمعناه الصرف، فهم من حقل الفكر والفلسفة، إلا أنهم لا يمانعون في تأييد مذهبهم المادي أو طعنهم في الدين من الاستعانة بما وصل إليهم من نظريات علمية، وهذا ماركس أبرز وأشهر اليسار الهيجلي يوصي تلميذه وصديقة إنجلز: "بدراسة الدارونية علّه يعثر فيها على شيء ينتفعان به" لمذهبهما (١)، وكان ماركس مؤسس أشهر المذاهب في أوروبا نهاية القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وأبرزها حضورًا في القرن الرابع عشر/ العشرين، وقد صاغ مذهبه هذا "معتمدًا على المادية الدارونية التي كانت شائعة، وتعبر عن روح العصر" (٢).
ومن أهم شخصيات اليسار الهيجلي فيورباخ داعية الإلحاد والمادية الأبرز في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، ويعد أهم منظري الإلحاد، وفكرة الاغتراب التي اعتمد عليها في نقد الدين أسس عليها فيما بعد "فرويد" نظريته في علم النفس. ومنهم أيضًا شتراوس الذي يتميز بجهده في نقد النصوص الدينية، وأصبح نقده منهجًا يطبق في نقد النصوص الدينية (٣).
هكذا ظهر اليسار الهيجلي ماديًا وملحدًا وناقدًا للنصوص الدينية، ولمفهوم الدين وأصوله الكبرى ومؤسسًا لمذاهب فكرية لها امتدادها في الفكر الغربي والعالمي إلى يومنا هذا، ورغم كون جهده فكريًا بالدرجة الأولى، إلا أنه استثمر ما يعرفه من نظريات ومعارف علمية في نقده للدين ودفاعه عن ماديته وإلحاده وأنساقه الفكرية الجديدة.
وقد كان اليسار الهيجلي أبرز التيارات شهرة، وأثرًا في أوروبا في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر ومعظم القرن الرابع عشر/ العشرين وأكثرها تطرفًا ضدّ
стр. 192
الدين، وهكذا نرى في كل مرحلة من مراحل الفكر الغربي الحديث ظهور مجموعة تزعزع بقايا الدين والميتافيزيقا والفلسفات المثالية، كان أولها ما عرف بالإنسانيين في عصر النهضة، ثم مجموعة عصر التنوير في القرن (١٢ هـ - ١٨ م)، وهنا في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر تأتي مجموعة اليسار الهيجلي. وعلى قدر ما تُضعف هذه التيارات من مكانة الدين وصحة أصوله بقدر ما تدفع إلى الأمام المعتقدات الفكرية الجديدة التي تزعم أن لها أدلة علمية كافية.
ب- نقاد الدين ونصوصه الجدد:
يضاف إلى هذه الموجة المادية اللادينية والإلحادية بروز ظاهرة جديدة في هذا القرن، حيث تخصص مجموعة بإعادة النظر في الدين النصراني وكتابهم المقدس وعقائدهم الأساسية، وكان أهم ما أوجع الكنيسة ما قام به كل من "شتراوس" و"رينان" من دراسات حول أسطورة ألوهية المسيح ومن نقد لكتابهم المقدس، فكان كتاب الأول "حياة يسوع" (١)، والثاني "حياة المسيح" (٢). فقد شكك هذا النوع من الكتابات المجتمع الأوروبي في دينه، ومن ثمّ في قيمة الدين المعرفية والعلمية، فإذا كانت أصوله الأساسية مشكوكًا فيها فكيف بحديثه عن القضايا العلمية الأقل شأنًا، واقتنع الكثير بعدم وجود قيمة معرفية لكتابهم المقدس؛ ولذا من الأفضل الانتقال للمصدر الجديد وهو العلم، ولا شك أن التحريف الشنيع الذي فعله "الأحبار والرهبان" بديانتهم وكتابهم المقدس والإضافات الكثيرة من قِبَلهم جعلته عرضة لطعن الطاعنين، وفرصة للضالين من الماديين والملحدين لاستثماره في دعم مذهبهم. وكانت المعركة المزعومة بين "الدين والعلم" معركة خاسرة منذ البداية، جمعت بين طرفين متناقضين، مع كل واحد منهما من الضلال أكثر مما عند الآخر؛ ولذا فستبقى معركة معلقة، وإن تحقق انتصار نسبي للتيار اللاديني، فإنه سيعقبه في القرن الرابع عشر/ العشرين بروز تيارات دينية ومثالية وميتافيزيقية تبحث عن الدين أو عن معانيه وإن كان ذلك بأوهامهم.
عندما تحرك تيار اليسار الهيجلي وأصحاب "الدراسات الجديدة حول
стр. 193
الدين" في أرض ضعيفة التدين منحرفة الدين نجح هذا التيار في زعزعة قيمة الدين ومكانته، ويعود نجاحه إلى انحراف أهل الدين لا إلى قوة التيار المادي واللاديني، وها نحن نشاهد اليوم -وبعد أكثر من قرن- كيف ينهار أهم مذهب قام من مجموعة اليسار الهيجلي هو المذهب الماركسي، بينما الدين سيبقى قائمًا وتحتاجه النفوس مهما فُعِل لإزالته.
ج- الوضعية:
يأتي الاتجاه الوضعي مقابلًا للاتجاه الفكري السابق -الذي يُرسي دعائم الإلحاد أو المادية أو اللادينية، ويستغلّ ثمار العلم وإن كان أغلب رواده ليسوا من أهل العلوم- ويريد وضع دين العلم الجديد تحت مصطلح "الوضعية" أو "فلسفة الوضعية".
فها هي الثورة الفرنسية العلمانية تعصف بالنظام القديم القائم على بقايا الدين والإقطاع والميتافيزيقا، وقد حان الأوان بحسب رأي العلمانيين لوضع نظام جديد قوامه العلم وفلسفة علمية وضعية تكون بمثابة الدين الجديد مكان الدين المحطم.
ومصطلح الوضعية مصطلح واسع يجمع بداخله تيارات فلسفية كثيرة يغلب عليها الجانب المادي والحسي والتجريبي الممتد في الوراء إلى "هيوم" و"لوك" و"بيكون" وغيرهم (١)، ولكنه ارتبط بالفيلسوف الفرنسي المشهور كومت وعرف به أكثر من غيره، وذلك بسبب تبنّيه للمصطلح ودعوته لإقامة "فلسفة وضعية" عمدتها العلم الجديد والحس والتجربة، والانتهاء عن العودة للميتافيزيقا أو الدين، فقد أعلن "أوغست كومت": "أن القرن التاسع عشر قد شهد ولادة العصر الوضعي الذي أخذ يحل محل عصور اللاهوت والميتافيزيقا. وهكذا أصبح العلم المادي هو الإله الجديد، وأصبحت الأهداف العلمية فقط هي الأهداف الدنيوية. ولذلك ينبغي إبعاد المطلق وكذلك الله إلى مملكة الأساطير والخرافة" (٢)، وقد رسم "كومت" مسارًا حتميًا لحركة التاريخ عبر ما أسماه قانون الحالات الثلاث: حيث كانت البداية بعصر اللاهوت، ثم جاء بعده عصر الميتافيزيقا، ومع الثورة العلمية
стр. 194
وما تبعها من تطور العلوم يأتي عصر الوضعية. ويُعدّ الانتقال من عصر لآخر انتقالًا حتميًا، ولا يمكن الرجوع للعصر السابق، وبهذا فإن الدين لا مكان له في عصر الوضعية؛ لأنه عصر العلم.
هناك من بيّن فيما بعد سذاجة هذا القانون، فإن المرحلة التي وصفها بأنها لاهوتية قد عرفت علومًا دقيقة متطورة، والمرحلة الوضعية التي يعيشها عرفت طقوسًا دينية بدائية أو شبه بدائية من وثنية وغيرها حتى ضمن الهلوسات الأيديولوجية الغربية، وكذا مع تطور علم الأنثربولوجيا ظهرت معارف جديدة تبطل قانونه. وليس المقام موطن ذكر فلسفته وما اعترض عليه، وإنما المقصود بأن "كومت" أراد أن يجعل من نفسه نبي العلم وفيلسوفه، وكأنه بدينه الذي أطلق عليه الوضعية سينسخ الأديان السابقة، وقد وصل الأمر معه ومع أتباعه إلى "إقامة ما يشبه كنيسة ترتكز على عقيدة رسمية تؤمن بالتقدم والعلوم الطبيعية والإنسانية. وإنكار رسمي وحاد للرب المسيحي. وكان كونت ذاته هو المبشر الأعظم بهذه العقيدة الوضعية، بما لها من كنائس منظمة، والتي انتشرت وساد فكرها بين جماعات أخرى متباينة. . . ." (١).
وهكذا تجتمع كبرى تيارات الفكر في القرن (١٣ هـ - ١٩ م) في دفع المجتمع نحو اللادين، وطبعت المجتمع بطابع الوضعية لاسيّما مع انتشار كنائس كومت "أو الكنائس الكومتية" في الغرب، مما جعل أحد المؤرخين المشهورين للفكر الغربي يتساءل ويقول: "فنحن لا شك نتفق مع كومت على أن المدنية الغربية هي مدنية "وضعية". وهنا يبادرنا السؤالان التاليان: هل يمكن أن تكون لنا مدنية لا تؤمن بالله ولا بالميتافيزيقا، بل تؤمن بالعلم والتكنولوجيا اللذين يفيان بحاجاتنا أحسن إيفاء، ولكنهما لا يوفران لنا أية قيمة أو فعل، ما عدا أنهما يسدان المزيد والمزيد من احتياجاتنا؟ وهل محكوم على المجتمع الحديث أن يكون مجتمعًا انقساميًا لا وحدة له ولا روح ولا قيم؟ " (٢)، وقد كان
стр. 195
جواب أتباعه بأن العلم عاجز عن إعطائنا القيم العليا والمثل والأهداف، رغم محاولاتهم جعل العلم والوضعية دينًا يحقق مثل هذه الأمور.
ورغم أن المذهب الوضعي كان "الموضة" الفرنسية إلى نهايات القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، إلا أنه قد ظهرت موجة من تيارات الفكر ضد الوضعية اكتسبت شعبية كبيرة، مالت بالحركة الفكرية نحو التصوف والحدس وإشباع جوانب أغفلتها الوضعية، لاسيّما مع الفيلسوف الفرنسي المشهور برجسون (١). وهكذا نجد الوضع الفكري والروحي في الغرب عادة ما يتذبذب بين النقيضين كعادته وعادة كل فكر منحرف، فما أن يغرق في المادية أو الوضعية ويهلك في صحرائها عطشًا حتى يجد من يسحبه إلى فلسفات مثالية أو صوفية أو دينية لتخفيف ذلك الألم، ثم يعودون لما كانوا عليه، وهكذا في دوامة مستمرة.
وخلاصة ما سبق أننا نجد ثلاثة تيارات عرفها القرن الثالث عشر/ التاسع عشر: اليسار الهيجلي، وأصحاب الدراسات الجديدة حول الدين، والفلسفة الوضعية، كان لها شهرتها وأثرها، وأصحابها وإن لم يكونوا جميعًا من دائرة العلم فإنهم يريدون بنشاطهم الدعوة لعصر علمي وضعي مادي دون دين.
[٢] النشاط العلمي في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر:
جاء الآن دور النظر في المجال العلمي والوقوف مع أشهر نظرية ظهرت في هذا القرن، وما أثارته من ضجة ونزاع وكيف كانت علاقتها بالدين والفكر والمجتمع.
مسكين هو العلم الذي يولد في قرن كهذا القرن أو يتطور فيه، فالدولة التي ترعاه دولة علمانية ذات توجه وضعي، والقيادات الفكرية تميل إلى المادية أو الإلحاد أو الوضعية، وتدعي أنها مذاهب علمية، وتمطر المجتمع بشبهات وأهواء لا مثيل لها، فكيف سيكون حال العلم في مثل هذه الأجواء المظلمة؟!
فلنلقِ نظرة سريعة عن أهم معالم التطور العلمي في هذا القرن قبل الوقوف مع أشهر نظرية ظهرت فيه، وبالرجوع لأشهر الموسوعات العربية وأحدثها نجد ما يأتي:
стр. 196
غطّت البعثات العلمية كل أنحاء العالم لتوسيع المعرفة الجغرافية ودراسة الحيوانات والنباتات التي يتم العثور عليها، ولا يخفى أنها صاحبت المدّ الاستعماري الحديث، وقد كانت إحدى البعثات على ظهر السفينة "بيجل" وفيها "تشارلز داروين"، وقرأ في أثناء هذه الرحلة أعمال الجيولوجي "تشارلز لايل"؛ وكانت نظريته أن الأرض تغيرّت ببطء وعلى نحو تدريجي وعبر سنين طويلة، وكان تغيّرها بعمليات طبيعية، فتأثر بها "داروين". وبعد أكثر من عشرين سنة من رحلته نشر داروين كتابه: "أصل الأنواع" عام ١٨٥٩ م وفيها الحديث عن نظريته في التطور والنشوء والارتقاء، وعادة ما يجعلها المؤرخون للفكر والعلم أهم نظرية في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وأكثرها أثرًا (١).
وهذا يقودنا إلى الحديث عن علم الأرض -الجيولوجيا ونظرياته البارزة في هذا القرن، فكان أهم ما نشأ من صراع بسبب هذا العلم الجديد الصراع بين نظريتين من نظرياته: الأولى تقول بأن الأرض كانت مغمورة بالمياه ثم انحسرت المياه عن اليابسة، وهذا يفسر وجود حفريات بحرية على اليابسة، وهي متأثرة بالنسق النيوتني السابق في القرن (١٢ هـ- ١٨ م). وأما الثانية الجديدة فترى بتطور طبيعي بطيء للأرض: "حيث علل الظاهرات بعملية مطردة تقوم بها القوى الطبيعية ذاتها خلال فترات زمنية هائلة".
ورغم كون النظريتين من الكلام المجمل كغالب النظريات العلمية، إلا أنهما -لاسيّما الثانية- قد أثارت مشاكل حول إثبات الطوفان مع نبي الله نوح ﵊ أو إنكاره، أيضًا أثارت مشاكل تاريخية، إذ في كتابهم المقدس بعض التواريخ المحددة عن أحداث كونية لا تتوافق مع هذه المدد الزمنية الطويلة.
فجاء "تشارلز لايل" على ضوء ما سبق وأسس علم الجيولوجيا، وأخذ بالنظرية الثانية، ورفض الاعتراضات الدينية، ثم جاء "داروين" فاعتمد عليه في بناء نظريته التطورية (٢).
وتذكر "الموسوعة" أيضًا من نظريات علوم الأحياء: "النظرية التي مفادها
стр. 197
أن كل الأشياء الحية مكونة من الخلايا"، وقد ساعد الكيميائي الروسي "متري مندليف" في تنظيم دراسة الكيمياء عندما نشر الجدول الدوري. وفي الفيزياء برزت معارف جديدة حول الحرارة والطاقة والمغناطيس والكهرباء، وكان أشهرها قانون حفظ الطاقة ونظرية "ماكسويل" حول الضوء. فالضوء المرئي يتكون من موجات قوى كهربائية ومغناطيسية، وقد كان لهذه النظرية أثرها الفكري والعلمي، وسنؤجل أثرها الفكري ونتحدث عن أثرها العلمي؛ فقد أنتج الفيزيائي الألماني "هرتز" موجات مغناطيسية تتوافق مع نظرية ماكسويل، وقاد عمله هذا إلى اختراع المذياع والرادار والتلفاز (١).
وصعدت أيضًا في هذا القرن نظرية على حساب أخرى حول مادة الكون المادي وصورته، حيث كانت النظرية البارزة في القرن السابق -الثاني عشر/ الثامن عشر- أن المادة تتكون من جسيمات صغيرة لا يمكن قسمتها، وأنه من خلال ترابطها تتكون المركبات، وهي قريبة من نظرية الجوهر الفرد والجزء الذي لا ينقسم في الفلسفة الذرية القديمة وفي علم الكلام الذي ظهر في العالم الإِسلامي، ولكن مع نهاية القرن الثالث عشر/ التاسع عشر بدأت النظرية السابقة تضمحل، وبيّنت الكشوف العلمية بأن عالمًا جديدًا داخل الذرة بدأ يُعرف (٢)، وهذا العالم سيكون مدار علم جديد سيولد في نهايات القرن ويسيطر على القرن الرابع عشر/ العشرين وهو: علم الكوانتم أو الكم. ومعلوم أن النظرية الأولى كانت عمدة دليل حدوث الأجسام في علم الكلام، حيث تبدأ أغلب كتب المتكلمين من إثبات حدوث الأجسام المعتمدة على الجزء الذي لا يتجزأ أو الجوهر الفرد.
أيضًا من أحداث هذا القرن العلمية اكتشاف الراهب النمساوي "جريجور مندل" قوانين الوراثة الإحصائية الحيوية التي وضعت حجر الأساس لعلم الوراثة (٣)، والملاحظ أن العالِم هنا من المحسوبين على الدين وهذا يوضح أن العلاقة بين الدين والعلم لم تكن دائمًا علاقة انفصال.
стр. 198
وإذا كان علماء الفيزياء قد اكتشفوا عالم المادة الصغير، فإن علماء الكيمياء والأحياء قد اكتشفوا عالم الأحياء الصغيرة، بدأت مع الكيميائي الفرنسي "لويس باستير" الذي اكتشف بأن كائنات مجهرية معينة يمكن أن تسبب المرض للبشر والحيوانات الأخرى (١)، وقد فتح ذلك الباب واسعًا لاكتشاف مخلوقات جديدة لم يكن البشر على معرفة بها مئات السنين، فمَنْ كان يتوقع مثلًا بأن كأسًا من الماء يسبح فيه عالم من المخلوقات؟ ومن كان يتوقع مثلًا بأن في النطفة المنوية آلاف الحيوانات لها حياتها العجيبة؟ ومثله الكائنات البكتيرية والمجهرية التي أصبحت ميدان بحوث واسعة في القرن الرابع عشر/ العشرين.
وقد واصل أيضًا في أول هذا القرن مجموعةٌ من الناس استثمار نظريات نيوتن، وأبرزها ما قام به "لابلاس" من وضعه لنظامه الشهير "نظام الكون" حيث شرح فيه عمليات تطوّر الكون ونشأته من دوامة غازية سماها سديما، وإذا كان نظام نيوتن الكوني قد بناه على الإقرار بحفظ الله له؛ فإن "لابلاس" ألغى هذا، وحين سأله "نابليون" عن مكان الله في نظامه أجاب: "مولاي ليست بي حاجة إلى تلك الفرضية" (٢)، ونابليون هذا هو صاحب أول حملة استعمارية صليبية حديثة على العالم الإِسلامي، وقد أحضر معه مئتي عالم في أثناء احتلاله لبلاد مصر سنة (١٧٩٨ م)، وخرج من مصر مطلع القرن الثالث عشر/ التاسع عشر بعد أربع سنوات، وعادة ما يُقال في كتابات كثيرة بأن هذه أول مرّة يطّلع فيها المسلمون على العلوم الحديثة بعد التطور الكبير الذي لحق بها، وسيتوجه المسلمون في منتصف القرن الثالث عشر/ التاسع عشر إلى فرنسا لدراسة هذه العلوم زمن ولاية محمَّد علي باشا، وستكون هذه موضوع الفصل الثالث والرابع.
المهم هنا بأن الفيزياء والفلك بعد "لابلاس" فتحت أبوابًا جديدة تبحث فيها عن نشأة الكون وحالته الآن ومستقبله، وستكون نظريات كثيرة تتطاحن فيما بعد ولها أثرها في مسيرة الفكر والعلاقة بالدين، وقد كان الأمر كذلك في مجال الكيمياء حيث كان لاكتشافات "شيلي، وبريستلي، ولافوازييه" وغيرهم أثرها في الفلسفة وميادين الفكر الأخرى لا يقل عن تأثير مذهب نيوتن، وهذا "فريدريك
стр. 199
إنجلز" أحد المؤسسين الكبار للماركسية حين شرْحِهِ لقوانين المادية الجدلية يستشهد بأمثلة من الكيمياء (١).
وهكذا نلاحظ بأن النظريات العلمية لم تعد تتحرك في إطارها العلمي، ولم تعد كالسابق تظهر باستحياء أو تلقى العداء، بل تجاوزت ذلك وبدأت تؤثر في فروع أخرى من فروع المعرفة (٢)، وتؤثر كثيرًا في المدارس والمذاهب الفكرية أو ربما تستغلها تلك المذاهب. ورغم أن لكل نظرية أثرها إلا أن نظرية داروين التطورية هي الأشهر في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وجزء مما بعده، وقبل الحديث عنها نلمح إلى أن هناك نشاطًا بارزًا في نوع آخر من العلوم بدأ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ونهايته وسيكون أكثر شهرة في القرن الرابع عشر/ العشرين؛ لذا نؤجل الحديث عنه إلى هناك، وهذا النوع من العلوم هو ما يسمى بالعلوم الاجتماعية وأهمها علم الاجتماع الذي دعا إليه فيلسوف الوضعية "كومت" وقام على إنشائه تلميذه "إميل دوركايم" وغيره، وثانيها علم النفس وهو وإن كانت المحاولات فيه قديمة إلا أن علم النفس الحديث قد ارتبط أيما ارتباط بنشاط العالم النمساوي "فرويد" ونظرياته الجديدة، ولكن هذين العلمين لم يشتهرا إلا في القرن الرابع عشر/ العشرين فيكون الحديث عن أثر نظرياتهما في فقرة لاحقة، وأما الآن فسنقف مع نظرية التطور الدارونية.
[٣] نظرية التطور الدارونية وأبعادها الفكرية والاجتماعية:
أ- مصطلح التطور:
يُعد أحد أشهر المصطلحات ظهورًا واستخدامًا في الفكر المعاصر، ورغم أن جزءًا من معانيه معروفة منذ القدم، إلا أنه اكتسب مدلولات خاصة في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وما بعده، ورغم شهرته إلا أنه كما يقول لالاند: "أكثر المعاني غموضًا وحتى أكثرها تناقضًا وتعارضًا" (٣). وقد كان ميدانه في الفلسفة إلا أنه تحول إلى مذهب علمي في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وما بعده "يوم أخذ العلماء يعللون نشوء الأنواع الحية بقانون تنازع البقاء، وقانون الانتخاب
стр. 200
الطبيعي "دارون"، أو يرجعون تبدلها التدريجي البطيء إلى تأثير البيئة والوراثة "لامارك"، أو يجعلون التطور قانونًا كليًا محيطا بكل شيء: من السديم إلى الشمس والكواكب السيارة، ومن الأنواع الكيميائية إلى الأنواع الحية، ومن الوظائف العضوية إلى الملكات العقلية والمؤسسات الاجتماعية "هربرت سبنسر". . . ." (١). وقد كان هؤلاء الثلاثة: "داروين - لامارك - سبنسر" عصب التطور ودعاته ومنظريه في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر من وجهة علمية وفكرية.
وكما كان مصطلح التقدم عقيدة التنويريين في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر، فإنه يأخذ صورة أخرى ذات طابع علمي في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر تحت مصطلح التطور، ويمكن تقريبه بأنه: "تحوّل تدريجي، ومنظور إليه، عمومًا كتحول بطيء جدًا، أو متكون من تغيّرات أوليّة شديدة الضآلة لا تكاد تلحظ" (٢).
ويرجع سبب شهرة المصطلح من تحويله من ميدان الفكر القابل له إلى ميدان العلم وتطبيقه على الكون المادي وعلى الإنسان. ففي الكون لا يُنظر إلى قصة خلقه كما وردت في الدين وإنما يضع العالم صورة لوجوده من حال كانت عليه إلى الحال الذي نراه عليه باجتهاده النظري، ومثله في باب الكائنات الحية فتترك قصة الخلق الدينية وتُستبدل بنظريات تقول بأن هناك تحولات طبيعية، وبفعل الطبيعة وفق نظرية النشوء والارتقاء، هذه التحولات تمت من كائن إلى آخر، وعبر سنين مديدة، لتصل في النهاية إلى صورة الإنسان. ورغم وجود أكثر من شخص قام بعرض مثل هذه الآراء، إلا أن أشهرهم كان البريطاني "تشارلز داروين".
ب- تشارلس داروين (١٨٠٩ - ١٨٨٢ م):
درس أول حياته الطب، ثم تركه إلى اللاهوت ثم انصرف من كل ذلك وتحول لدراسة علم الأحياء "البيولوجيا" بدأها برحلة علمية حول الأرض حوالي خمس سنوات، جلس بعدها ما يقرب من ربع قرن يدون ويجمع ويدرس، حتى
стр. 201
أخرج نظريته في كتابه: "أصل الأنواع" عام (١٨٥٩ م)، وبقي بعده ربع قرن يدافع عن نظريته ويزيدها دراسة وشواهد، وهو لم يصنف كتبًا كثيرة يشابه في ذلك سلفه الإِنجليزي نيوتن، فقد كانا لا يخرجان كتبهما إلا بعد زمن طويل (١).
وهو في كتابه: "أصل الأنواع" يناقش ما أصل أنواع الكائنات الحية الموجودة؟ هل ترجع إلى أصل واحد أم إلى أصول مختلفة؟ وكيف توجد حيوانات متشابهة في النوع لكنها تختلف صفاتها بحسب البيئة التي تكون فيها؟ مما دفعه إلى القول بأن الطبيعة المحيطة تؤثر في الكائنات الحية، ثم وصل إلى افتراض أن كل الكائنات الحية أصلها من خلية واحدة، وأن الطبيعة أوجدت الحياة فيها صدفة، إلى غير ذلك (٢).
ومن المعلوم بأن نظرية داروين في إطارها العلمي حدث لها تغيّرات كبيرة، إما من داخل أتباعها مع الدارونية الجديدة ومن بعدهم أو مع علماء البيولوجيا من خارج الدارونيين، ولكن "داروين" يبقى عند الجميع من أهم علماء البيولوجيا في العصر الحديث، ويبقى في الدراسات الحديثة من أهم العلماء في تاريخ العلم الحديث مما يجعله في مصاف كوبرنيكوس وجاليليو ونيوتن، وهذه المكانة البارزة لداروين تجعل الفتنة به كبيرة وقبول نظريته بآثارها سائغًا عند المعجبين به، فإذا عرفنا عصر الصراع مع الدين وبناء النظام اللاديني والتحول إلى المادية أدركنا مدى ما سيختلط بها، ويزيد الباب سوءًا ميل داروين المادي واتجاهه نحو دائرة اللا أدرية ليجعلها عقيدته الأساسية (٣).
ج- من إشكاليات النظرية الدارونية في مفهوم العلم:
فإذا تركنا جانب الفرضيات فيها وما يختص بالمسائل العلمية لعلماء الأحياء/ البيولوجيا وغيرهم ونظرنا إلى ما تحويه من إشكالات خارج إطارها العلمي ويؤثر في الرؤية العلمية ويؤثر في تصور الناس عن العلم فسنجد بعض المشكلات، منها:
أولًا: إعطاء الطبيعة القول الفصل في الإيجاد والتأثير والتغيير ورفض
стр. 202
الإقرار بأية صلة بين المخلوقين وخالقهم، وحتى في باب كيف ظهرت الحياة في أول خلية وجدت بحسب نظريته، يقول: إن الطبيعة أوجدتها صدفة؛ لأنه لا يُثبت للطبيعة قصدًا وإرادة حتى تخلق ما تشاء بالصورة التي تشاء، وإلا كانت بديلًا عن الرب عند المقرين بالخالق، وعندها فالأولى الإقرار به بدل القول بالطبيعة، فمن شدّة فراره من إثبات جانب غيبي أو ما يسمونه ميتافيزيقي، فإنه يستبدله بمثل هذا الفرض: أن الطبيعة تخبط خبط عشواء، وصدفة وجدت الحياة في الخلية الأصل للكائنات والأنواع الحية (١)، وقد ترسخ في ذاك العصر القول بالطبيعة داخل حقول العلم المختلفة دون النظر إلى أبعد منها.
ثانيًا: تعزيز الاتجاه المادي: الذي ظهر مع التنويريين في القرن (١٢ هـ - ١٨ م) وبرز في اليسار الهيجلي في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر فولدت أيديولوجيات ومذاهب مادية كبرى في نهاية القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وأشهرها الماركسية، وهذا واضح في تحمس الاتجاه الماركسي لداروين وإعجابهم به.
فإذا كان العلم بحسب زعم "داروين" يثبت أن الطبيعة هي التي أوجدت الإنسان، فإنها هي التي أوجدت عقله وغرائزه وقيمه، حتى المعاني الدينية. فإن الماركسية متوازية مع الدارونية ترى بأن الجدل المادي والتاريخي وصراع الطبقات وظهور مجتمعات واختفاء أخرى يرجع أيضًا إلى المادة وطبيعتها. وإذا كان الاتجاه المادي قبل داروين يبني نقده للدين الحق على أوهام عقلية، فإنه بعد داروين يبني أصوله الإلحادية على أوهام علمية، ويزعم بأن هذه الأوهام العلمية تؤيد المبادئ المادية، وأصبحت المادية عندهم هي صورة العلم (٢).
ثالثًا: أصبح "داروين" قدوة للعلماء الملحدين ومن ثم تسليم زمام قيادة العلم لأمثال هؤلاء الملحدين، وذلك أنه قبل داروين لم يكن عالم من العلماء البارزين يدّعي الإلحاد، وإن كان أكثرهم لا يعتني بالدين، فقد رأينا بأن أغلبهم كان من خريجي مدارس كنسية أو لهم عناية باللاهوت، من أمثال مؤسسي الثورة العلمية مثل كوبرنيكوس وكبلر وبراهي وجاليليو ونيوتن، وكان يغلب عليهم الحرص على التوفيق بين نظرياتهم وبين الدين -صدقًا أو مجاملة ومداراة- ولكنه
стр. 203
مع "داروين" وبعد الثورة العلمانية ونجاح الاتجاهات المادية أقفل باب المجاملة ومراعاة الدين وصُرّح بالإلحاد أو ما يؤدي إليه.
ونشأت ناشئة ترى العلم رديف الإلحاد وصديقه، وأن العلم إن لم يكن مؤيدًا للإلحاد ففيه شك، وظهرت ظواهر عجيبة بسبب نجاح هؤلاء في قيادة العلم والعناية به مما سنرى بعض معالمه في فقرات قادمة.
رابعًا: التفسير العلمي للدين. أصبح لظاهرة الدين في حياة البشر تفسيرٌ علميٌّ مزعومٌ، ويتبع ذلك كل ما يرتبط بالدين من أصول عقدية أو شرعية أو خلقية، والخلقية هي ما كان يحرص عليه كثير من مفكري الغرب في العصر الحديث، إذ هم لا يسلمون بصحة عقائد وشرائع النصرانية التي عرفوها لكنهم يعترفون بقيمتها الخلقية.
ولكن حتى هذه البقية الباقية ستقضي عليها الدارونية، فمع "داروين" نجد أن الطبيعة هي التي توجد وهي التي تتحكم بالتغيير، ومما أوجدته الدين ذاته بعقائده وشرائعه وأخلاقه، أليست الطبيعة هي التي أوجدت العقل والقلب والمشاعر والأحاسيس، فهي أيضًا التي أوجدت ما يرتبط به مما يعتقد أنه عقيدة (١) أو يُتخلق به ويعمله من منظور الحق والواجب.
ومن يتأمل في هذا التاريخ يلحظ كيف كان المسار سريعًا: فمع التنوير ضُربت الديانة الكاثوليكية، ومع الثورة العلمانية أزيلت مؤسستها الرسمية، ولكن بقيت بقايا تمسك ببعض قيم الدين فجاء دور القضاء عليه مع داروين، فإنه مع الدارونية حتى مفهوم الحلال والحرام والصواب والخطأ والجميل والقبيح والنافع والضار والمسموح الممنوع، كل ذلك لا معايير ثابتة له وليس له أصل سماوي، وتم تعطيل خلق الله سبحانه وأمره، ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]، فإذا تعطل الخلق تعطل الأمر، والأمر هو شريعة رب العالمين من واجب وحلال وحرام وقيم وأخلاق وسلوك.
стр. 204
وإن كان "داروين" بصفته عالم أحياء ليس من شأنه مناقشة هذه القضايا، فإن شر من تولى أمرها في نهاية القرن طفل داروين -كما عبر بذلك ول ديورانت الذي تأثر كثيرًا بنظريته وهو "نيتشه" "فإذا كانت الحياة هي تنازع البقاء، وبقاء الأصلح، عندئذ تكون القوة هي الفضيلة الأساسية، والضعف هو النقيصة الوحيدة" (١)، ليعلن عدم الحاجة حتى لأخلاق الكنيسة؛ ذلك أن أتباع داروين وغيرهم رغم رفضهم اللاهوت النصراني لكنهم لم يرفضوا أخلاقها، ورغم جرأتهم في الإقلاع عن المذهب الكاثوليكي واللوثري والإنجليكاني، فإنهم لم يقلعوا عن الديانة النصرانية نفسها أي روحها الأخلاقية، فأزال داروين الأساس اللاهوتي لأخلاقها ولكنها بقيت حتى جاء دور "نيتشه" ليزيلها تمامًا (٢)، ويعلن مقولته المشهورة التي دوّت بها أوروبا عن إعلان موت الله ويصل إلى إنكار خلقه وأمره، وإن كان هناك من يرى بأن نيتشه يقصد بمقولته هنا "الله كما صورته الكنيسة". فبعد كل تلك الموجات من العلمنة والمادية ما عاد له خلق، ولا له أمر ينفذ في أرض الواقع، فلماذا تصرّ الكنيسة على إبقائه؟! (٣). كان هذا من أبرز صور التفاعل الخطير بين أشهر نظرية وبين أحد أشهر رموز الفكر في نهايات القرن التاسع عشر وأول العشرين.
أيضًا سيكون لمزاعم داروين العلمية -حول نشأة العقيدة بفعل أثر الطبيعة في الإنسان- امتدادها في العلوم الناشئة بعده، فهذا علم الاجتماع مع دوركايم وغيره، يرى بأن الدين نشأته بأسباب اجتماعية يمكن تفسيرها علميًا، وهذا أحد مؤسسي علم النفس المعاصر فرويد يرى بأن نشأة الدين ترجع إلى أحداث نفسية داخل النفس الإنسانية، وقريبًا من ذلك مزاعم الماركسية حول نشأة الدين بسبب الصراع الطبقي والجدل المادي التاريخي، فالدين عند هؤلاء جميعًا ليس له أصل موضوعي حقيقي تحرف بعد ذلك، وإنما هو ناتج من الطبيعة أو الجدل المادي أو من ظروف اجتماعية أو من اللاشعور، وسيكون لهذه مزيد دراسة في الفصل الثاني من الباب الثالث.
стр. 205
د- من النظرية إلى المذهب:
ما سبق جزء من إشكالات النظرية الدارونية، ورغم كونها نظرية تنتمي إلى علم الأحياء، فإنها قد تحولت إلى مذهب فكري، له من يعتقده وينشره ويتأثر به، وهذه إحدى مشكلات العلم في العصر الحديث، فهو لم يعد يتحرك داخل إطاره، بل أصبح مجالًا خصبًا لبناء المذاهب في ظل وجود منظومات نظرية علمية ضبابية مشتبهة تسمح لأهل الأهواء استثمارها لصالح أهوائهم. وهذا الواقع يؤكد أهمية مطلب أسلمة العلوم أو على الأقل تحييدها في الصراعات الفكرية الدائرة، وإذا كان عصرها الحديث يكشف صعوبة الحياد إن لم يكن استحالته فما بقي إلا العناية بإحاطتها بسوار إسلامي يسمح لها بالتطور دون الانحراف.
ولا شك أن التيار العلماني العربي قد أزعجنا بصراخه حول رفضه فكرة أسلمة العلوم ويتذرع بأدلة ظاهرها الصواب ومقصدها التلبيس إذ يقولون: كيف تريدوننا أن نُؤسلم المعادلات الرياضية والكيميائية والقوانين الفيزيائية وغيرها وليس لها علاقة بالدين! ولكن السؤال نقلبه فنقول: هذه العلوم التي تزعمون حياديتها قد تحوّلت إلى مذاهب فكرية واستثمرت في الطعن في أصول دينية، أفتسمحون لها هناك وتمنعون هنا طلب علماء المسلمين بأسلمتها. وهذه قضية سيأتي لها مناقشة خاصة في مكان آخر، وإنما القصد هنا التذكير بعمق المشكلة ومكانها التاريخي؛ لأننا نجد نظرية علمية تنتسب لعلم الأحياء ومع ذلك حوّلها أصحابها إلى مذهب مع الدارونية الاجتماعية واستعانت بها مذاهب فكرية أخرى لتأييد أصولها. يقول "ول ديورانت": "وكما سادت الرياضيات على الفلسفة في القرن السابع عشر وأنجبت للعالم ديكارت وهوبز وسبينوزا وليبنتز وبسكال، وكما أخذ علم النفس يسطر الفلسفة في آراء بركلي وهيوم وكوندلاك وكانت، فقد كان علم الأحياء في القرن التاسع عشر عمود الآراء الفلسفية الفقري في آراء شلنج وشوبنهور وسبنسر ونيتشه وبرجسون" (١). والذي يظهر أنه ما كان لعلم الأحياء أن يكون كذلك لولا الأثر الذي قام به داروين وأتباعه، وتحول داروين إلى أبٍ
стр. 206
"لأيديولوجية علمية في عصر علمي" كما يقال، وهذه بعض النماذج من المذاهب والتيارات الفكرية النابعة من روح المذهب الداروني:
١ - المذهب التطوري:
المرتبط باسم "داروين" مثل: "الدارونية"، و"الدارونية الجديدة"، وأشهرها "الدارونية الاجتماعية"، وكانت جميعًا ذات شهرة في نهايات القرن وذات منحى مادي مُتلبس بدعاوى علمية.
٢ - الصلة بين الدارونية والمادية في صورتها الماركسية:
نظرًا لأن الدارونية أصبحت تمثل روح العلم في تلك المرحلة وهي في الوقت نفسه ذات تصور مادي، فهي بهذا الوضع ستكون كالمغناطيس الجاذب للمذاهب المادية، ولذا غازل "ماركس" "داروين" وجعل الإهداء في كتابه: "رأس المال" لداروين. ويقول مجموعة من الأساتذة السوفيات الماركسيين بأن داروين لقي عالي التقدير من ماركس، وأنه يرى بأن "مؤلف داروين هذا غاية في الأهمية، وهو يصلح لأن يكون أساسًا علميًا -طبيعيًا لفهم الصراع التاريخي للطبقات"، ومنذ السبعينات "راح مؤسسا الماركسية يركزان الاهتمام على المسائل الفلسفية لعلوم الطبيعة" (١)، وكان "ماركس" يرى بأن الدارونية قد شكلت أساسًا جوهريًا للمادية والشيوعية (٢)، وقد كان المذهب الماركسي أشهر تيارات الفكر نهايات التاسع عشر وبدايات العشرين (١٣ - ١٤ هـ)، ومع اتساع رقعته في أوروبا والعالم فقد أسهم بدور بارز في نشر هذه الأبعاد السيئة باسم العلم.
٣ - الصلة بين الدارونية وطائفة من اليهود:
كان ممن استثمر هذه النظرية بصورة أو أخرى يهود أوروبا، فربما وجدوا فيها فرصة لنشر ضلالهم تحت غطاء علمي، وقد سبق رؤية أصابعهم في الثورة الفرنسية التي حطمت سيطرة الكنيسة ودينها، وهاهم يلتفون حول التيار المادي والعقلي والشكي، وأخيرًا حول الدارونية، يقول محمَّد قطب: "من بين الأسماء "اللامعة! " التي شكلت الفكر الأوروبي الحديث ثلاثة أسماء على الأقل من
стр. 207
"كبار" اليهود: ماركس وفرويد ودوركايم. . . . كل منهم قام بدوره في زلزلة الفكر الأممي وإعادة تشكيله على النحو المطلوب. . وكل منهم قام بدوره في تحطيم الأعداء الألداء للمخطط اليهودي: الدين والأخلاق والتقاليد. . وكل منهم بني أفكاره "العلمية"، على أساس النظرية الدارونية من هنا أو من هناك. ." (١)، وهذا الدور المشبوه سيكون موضع تحليل في الفصل القادم بإذن الله.
٤ - الأثر العام للدارونية:
يساعد تحول الدارونية إلى مذهب في توسع دائرة أثرها، وأغلب الكتاب المؤرخين للفكر الغربي يذكرون امتداد أثرها إلى مجالات شتى، وفي ذلك يقول "برينتون": "لقد امتد أثر داروين إلى الفلسفة والاقتصاد، وإلى كل العلوم الاجتماعية الوليدة" (٢)، ويذكر "رونالد" بصورة ربما تكون مبالغة بأن الدارونية "قد أثرت في كل ميدان من ميادين العالم الحديث" (٣)، بل أصبحت داعمًا للروح الفردية الرأسمالية الحديثة الأشرة، وذلك أنها تعبير عن استثمار القوي الغني للثروة التي بين يديه في السيطرة والاستغلال تحت مبدأ قانون الغاب الداروني، وهذا ما يفسر إعجاب كبار الرأسماليين بداروين، مثل "روكفللر" وغيره (٤)، ويفسر خروجها من الدوائر الأكاديمية إلى ميادين التجارة والصناعة (٥).
أعجب بها أيضًا الاشتراكيون سواء كانوا ماركسيين وقد سبق ذكرهم، أو كانوا امتدادًا لاشتراكية "سان سيمون" وغيره، وذلك لما في الدارونية من عداء للدين، ومساندتها للمذهب الطبيعي، وفيهم من يرى بأنها الأساس العلمي للمذهب الاشتراكي (٦).
وهكذا نلاحظ الأثر الكبير الذي أحدثته نظرية علمية دوّنها صاحبها في
стр. 208
كتاب واحد، وما أوجدته من مذاهب أو ما أوجدته من مواد مناسبة للاستثمار في تأييد مبادئ فكرية أو سياسية أو غيرها.
هـ - موقف الكنيسة والعلماء من النظرية:
١ - موقف الكنيسة:
رغم ضعف الكنيسة وأهلها في هذه المرحلة وأهل الفكر الديني، إلا أنها ثارت ثائرتهم مع إعلان داروين لنظريته، لاسيّما مع ما تحويه من مادية صلبة لا مثيل لها ومن إنكار قطعي للقيم والأخلاق؛ فهو لا يجعل فرقًا كبيرًا بين الإنسان والحيوان.
لقد صدمتها النظرية أول الأمر وأعلنت كفر داروين وزندقته (١)، ولكن لم تعد للكنيسة تلك المكانة عند الناس، وضعف قبول رأيها في القضايا اللاهوتية حول الكون والعالم، وربما كان من أسباب ضعف قبول موقفها ما قدمته من تنازلات أمام كل ضربة واجهتها في الماضي، فلا يستغرب أن لا يثق الناس بصمودها هنا، لاسيّما بعد أن توصلت إلى عدم التفسير الحرفي لما ورد في كتابهم المقدس في مثل هذه "الموضوعات" وقد سبق مثل هذا الموقف مع النظرية الفلكية الجديدة (٢).
ولكن الجانب الذي ناظر حوله الاتجاه المديني بقوة هو جانب الأخلاق، ولم يكونوا لوحدهم في ذلك فقد شاركهم جمهور غفير من العلماء المعارضين لنظرية داروين والمفكرين والفلاسفة؛ لأن الفكر الفلسفي العلماني غير المادي والفكر الديني اللاهوتي يتفقان في الجملة على إنسانية الإنسان، وكان الفكر العلماني من فترة التنوير وما بعدها يركز على قيمة الإنسان، لكن بعد إعلان نظرية داروين لم يعد الفكر العلماني قادرًا على الاستمرار في تلك الدعوى، فهو يجد بأن العلم الذي ناصره واستثمره يقوده مع أحدث نظرياته إلى إلغاء هذه القيمة للإنسان، وبدأ الفكر العلماني يتناقض مع نفسه فما كان في الأمس من أهم دعاويه يسقط اليوم، فماذا عساه فاعلًا أمام ذلك؟!
стр. 209
لقد قام "نيتشه" بالدور المطلوب، فأيد نظرية داروين ورأى بأن ما كان يحافظ عليه الفكر العلماني من قيمة للإنسان لا حقيقة لها، ولابد من القضاء عليها، وتجاوز الزيف العلماني حول تلك الدعوى، ولكن هناك آخرون عزّ عليهم أن يهوي الإنسان إلى هذه الدركة السحيقة.
إن حقيقة التأثر بالدارونية وصورة تلك الأجواء تُظهر لنا بعض المعاني خلف مقولات فلسفية اشتهرت في القرن الرابع عشر/ العشرين مثل مقولة "نيتشه" عن "موت الإله"، وكأننا نرجع من جديد إلى عهد الديانات الوثنية الإغريقية التي تعرف تصارع الآلهة وموتهم، وكأنه يضع الحد النهائي للدين في الفكر العلماني، وهناك مقولة أخرى تعلن "موت الإنسان" أيضًا وهي للفيلسوف البنيوي الفرنسي "ميشيل فوكو" الذي أعلن موت الإنسان الذي بشرت به الحضارة الحديثة (١)، فقد قضت تلك النظريات على أهم معاني الدين القائم على الإيمان بالله، فما بقي من حاجة للإيمان الديني، وقفت على قيمة الإنسان وخلق الله سبحانه له في أحسن تقويم ليهووا به إلى أسفل سافلين، فما بقي من حاجة للاعتراف بقيمة الإنسان، والعجيب أن كل ذلك يُربط بالعلم وآخر نظرياته. وربما كان هذا الانحدار بالإنسان بعد القضاء على الدين من أهم الأسباب في ولادة مذاهب دينية ومثالية وصوفية ووجودية في القرن الرابع عشر/ العشرين مع ما حظيت به من قبول وانتشار في المجتمع الغربي.
٢ - موقف العلماء:
أيضًا كان للعلماء مواقفهم المتباينة من نظريه داروين التي ترجع إلى ثلاثة مواقف (٢): أولها موقف المؤيِّد لداروين، فمن الطبيعي أن يكون لكل عالم مشهور أتباع ومؤيدون، وثانيها موقف الرافض لنظريته، وبحجج ونقاش علمي، ويظهر أنهم الأضعف في مرحلة شهرة داروين، وإن كان قد تحقق انتصارهم بعد ذلك بسنين.
وكان هناك موقف ثالث يتكرر مع مولد كل نظرية علمية تتعارض مع
стр. 210
أصولهم الدينية أو الأخلاقية، وغالبًا ما يكون هؤلاء طرفًا معتدلًا في الجهتين، إما من رجال اللاهوت ولهم معرفة بالعلوم الجديدة، أو من رجال العلم ولهم معرفة باللاهوت أو عندهم تدين، وهذا الموقف يتمثل في دعوة أهله للتوفيق بين الدين والنظريات العلمية، إما عن طريق الجمع أو التأويل أو التفسير الجديد أو غيرها، وقد يأخذ طابعًا مميزًا إذا صدر عنهم في وقت لا يعانون فيه من ضغط خارجي، وإنما صدر عنهم عن قناعة حقيقية.
ويكشف هذا التباين في الموقف من هذه النظرية صعوبة الفصل في النظريات العلمية والخروج منها بقول واحد متفق عليه؛ ذلك أن النظرية العلمية ليست معادلة واضحة أو قانونًا محددًا لا يحتمل إلا قولًا واحدًا، وإنما هي فضاء واسع ضبابي يحمل في طياته: الكلام البيّن صوابه والكلام البيّن خطؤُه والكلام المشتبه وهو الذي يفتح باب الاختلاف والتنازع.
ويستغل عادة أهل الأهواء هذه المساحة الضبابية المشتبهة لإثارة ما يخدم مبادئهم ونشر شبهاتهم، فإن اعترض عليهم معترض دافعوا عن أنفسهم بأنهم يستندون إلى ركن قوي وهو العلم، والعلم قوله حق وفصل، وكأنه من باب واحد يشبه المسائل الحسابية والمعادلات الرياضية والقوانين الفيزيائية والكيميائية، مع أن النظريات العلمية غير ذلك، فهي تحوي هذا وذاك، وفيها مجال للأقوال والأفكار المشتبهة، ولو كانت بمثابة الصواب البيّن لما وقع حولها كل ذلك الاختلاف.
وقد عُرفت هذه المواقف الثلاثة أيضًا في العالم الإِسلامي أثناء دخول هذه النظرية إليه، فظهر الموقف الرافض بإطلاق والموقف القابل بإطلاق والموقف الذي يحاول التوفيق بينها وبين الإِسلام، وقد كانت إحدى أشهر النظريات التي دار بسببها صراع كبير في العالم الإِسلامي.
[٤] البحث عن حدود النظرية العلمية والدين:
لقد أورث الصراع في المجتمع الغربي بين الفكر والعلم والدين والتفاعلات بينها نتيجة في غاية الأهمية، خلاصتها تدور حول إعادة النظر في قيمة العلم وقيمة الدين، وذلك أن تلك التفاعلات لم تصل إلى نتائج حاسمة مما دفع الفكر إلى إعادة النظر في مجموعة قضايا، ولاسيّما بعد المصير الذي
стр. 211
أوصلهم إليه ظهور النظرية الدارونية، مما فتح النقاش عن إعادة النظر في قيمة النظرية العلمية وحدودها وكذا قيمة الدين وحدوده.
أ- مفهوم النظرية:
ما زال الحديث ممتدًا عن نظرية التطور الدارونية؛ لأنها تريد أن تفرض على علوم الطبيعية بعض مبادئها، لذا أصبح من المهم وضع النظرية العلمية موضع الدراسة والعناية في فلسفة العلم المعاصر، فضلًا عن أنها جزء لا يتجزأ من تركيبة العلم الحديث والمعاصر، ولهذا قامت مناهج وعلوم تدرس مفهوم النظرية وحدودها وإمكانياتها وطرق الحكم عليها والخلاف حول خروجها عن إطارها إلى غير ذلك.
لقد أصبحت النظرية العلمية جزءًا من مفهوم العلم، حتى إنك لا تستطيع القول بأنه علم إن لم يكن فيه مجموعة نظريات، إما للتفسير أو نموذج إرشاد أو قياسًا أو توجيهًا أو غيرها من مهمات وفوائد النظرية العلمية. ومما يلاحظ بأن نظرية داروين استنفرت المفكرين والعلماء للوقوف حول مفهوم النظرية، ومنذ ذلك الحين، وهي ميدان أبحاث ودراسات وتأملات كثيرة لوضع مفهوم موحد لها يبيّن حدودها ويرسم دورها في المستقبل، وهذا الدور هو من أهم ما يعني أي باحث عن علاقة العلم بالمجالات الأخرى (١).
ب- مع الدين وضدّه:
وقبل إنهاء الحديث عن القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وعن نظريته الأشهر -النظرية الدارونية- نجد ما يلفت النظر، حول هذا الصراع الدائر بين دعاة النظرية والاتجاهات الفكرية المتباينة في الفكر الغربي ألا وهو: ما إنْ يظهر موقف جذري معارض للدين ويدعو إلى الإلحاد حتى يظهر ما يوقفه أو يجد الجدار الذي يصطدم به، فتنسحب بعض الجماهير المؤيدة له وتبحث عمَّن يعيدها إلى بعض مبادئ الدين، حتى وإن كان ذلك الملاذ أوهى من بيت العنكبوت.
стр. 212
وهذا الحال يُبصّرنا باستحالة عيش الناس دون دين مهما وقع منهم من ضلال وإلحاد، وأن العطش الناتج عن موجات الإلحاد يولّد ميلًا جارفًا يجعلها تتعلق بأي رابط يربطها بالدين، ومما نجده على مستوى الفكر الغربي في هذا الميدان ما قام به كانط "لصد موجة الإلحاد الكامنة في المذهب العقلي الذي بدأه "بيكون" و"ديكارت" وانتهى في شك "ديدرو" و"هيوم" وأسفر مجهود "كانت" بأن أعلن قصور العقل في ميادين المشاكل والبحوث السامية. ولكن "دارون" بغير قصد و"سبنسر" بقصد ووعي عادا وجددا هجمات "فولتير" وأتباعه على الدين والإيمان القديم، وعادت النزعة المادية الآلية. . . ."، فتصدى لها "برجسون" بمذهبه الحيوي بما فيه من نزعة صوفية جديدة (١)، وقد ذكر "راندل" صور هذا الأخذ والرد بين المجال الديني والمجال الفكري والعلمي لهذه المرحلة فقال: "وجاءت النزعة المثالية واتجاه التأكيد على البنية الكلية العضوية في أواخر القرن التاسع عشر عقب النزعات المادية والاسمية الذرية لعصر التنوير، وذاع إحياء التقاليد المسيحية في القرن التاسع عشر، عقب النزعة الربوبية والنزعة الإلحادية المتحمسة، ونزعة الشك التي كانت تظهر بين الحين والحين ونزعة معاداة رجال الدين في القرن الثامن عشر. خلاصة القول: إن التحول إلى الأذواق الرومانسية هو أحد الأمثلة الكلاسيكية للتحول السريع في كثير من أطوار الثقافة" (٢)، ويذكر أيضًا صورة التسوية الفكتورية التي سمحت بميلاد إحياء مسيحي كبير وميلاد جماعات مسيحيّة جديدة، وانتشار النشاط التبشيري المرافق لحركة استعمار جديدة شملت أغلب أراضي العالم، ولم يعد بإمكان العناصر القائدة إعلان موقف عداء صريح من الكنيسة وإلا تعرض مستقبله السياسي لخَطَر (٣).
ومن صور هذه التحولات من الإلحاد إلى الدين ما نجده أيضًا مع المذهب الوضعي الذي زعم لنفسه إلغاء الدين والميتافيزيقا وميلاد دين العلم، نجده في نهايات القرن بعقيدته "العلموية" مرفوضًا من تيارات الفكر الفرنسية القوية،
стр. 213
وعادت تلك التيارات "إلى الميتافيزيقا والدين متحدية في ذلك الوضعيين. وجاءت هذه التيارات متمثلة في هنري برغسون، وانبعاث الكاثوليكية والمذهب الوجودي الحديث والرمزية في الأدب والسيريالية في الفن. . . . إلخ" (١)، ورغم تباينها، إلا أن ما يجمع بينها التمرد على الفكر الوضعي العلموي.
هكذا نجد العلاقة بين الدين والعلم في نزاع دائم، كان عصر التنوير في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر قد بلغ مبلغًا كان يُظن معه عدم العودة للدين، وتعزز ذلك بالثورة العلمانية الفرنسية ونظريات مادية علمية في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، ومع ذلك لم تستطع كل هذه الزلازل أن تُلغي حاجة الناس للدين أيًا كانت صورته، وبالرغم من درجة التهكم بالدين والإله في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر التي انتشرت حتى في الجماهير نجد على نقيضها حرارة دينية في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر (٢) حتى في بعض المثقفين وفي تيارات فكرية مشهورة، والأمر سيكون أشهر في القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي، فلنذهبْ إليه ونَرَى ماذا حدث فيه.
стр. 214
سادسًا: ما بعد الثورة العلمية (٣) (القرن الرابع عشر الهجري/ العشرون الميلادي)
شهدت مسيرة العلوم الحديثة في هذه الفترة إنجازات كبيرة وتطورات مذهلة، كانت ثمرة من ثمار الثورة العلمية، وظهرت نظريات جديدة قلبت بعض المسلمات في باب العلوم، ومع هذا التطور العلمي، فقد شهدت بلاده أحداثًا جسامًا، وكان العلم أحد المسهمين في وقوعها، كان أهمها الحربين الكبيرتين اللتين كادتا أن تقتلع قارة أوروبا من على اليابسة.
وعادت مشكلة العلاقة بين الدين والعلم إلى قمة الواجهة، وبدأ الصراع بين المذاهب الجديدة في حرب مدمرة على المستوى الفكري والاجتماعي والسياسي. أيضًا كانت بداية عصر الاستعمار الجديد، وانطلاق ما يسمى بـ "المدنية الغربية" وإخضاعها آسيا وإفريقيا لسيطرتها في ظل احتلال تضافرت فيه جهود التنصير والتغريب والاستغلال الرأسمالي البشع. ومما يذكره أحد الكتاب الغربيين بأن مدبري تلك الأحداث ممن تشبع بالنظرية الدارونية الداعية إلى الصراع، فالبقاء لا يكون إلا للأقوى (١).
ولا يسع الباحث في مثل هذه الكثرة من الأمثلة سوى اختيار أشهرها وأبرزها، والنظر في آثارها في الموقف من الدين وعلاقتها بتطورات الفكر.
نستذكر في هذا المقام أحد التقسيمات المشهورة للدراسات العلمية الذي جعلها في أربع مجموعات وهي: "الرياضيات والمنطق، العلوم الطبيعية، علوم
стр. 215
الحياة، العلوم الاجتماعية" (١)، وقد رأينا بعض النظريات العلمية في الأقسام الثلاثة الأولى وبعض تطوراتها، أما القسم الرابع فرغم وجود عناية قديمة به، إلا أنه لم يدخل إطار العلم الحديث ويكتسب نظرياته إلا في نهايات القرن التاسع عشر ثمّ العشرين (١٣ - ١٤ هـ)، ويهمني من العلوم الاجتماعية الخمسة: "علم الإنسان وعلم الاقتصاد وعلم السياسة وعلم النفس وعلم الاجتماع" (٢) العلمان الأخيران؛ لأنهما شهدا ميلاد نظريات كثيرة ذات أثر كبير في مسيرة العلم والفكر المعاصر.
[١] المستجدات في العلوم الاجتماعية "علم الاجتماع وعلم النفس ":
بعد النجاحات التي تحققت في العلوم الطبيعية والرياضية بدأ التفكير في نقل مناهجها إلى مجال العلوم الاجتماعية لعلها تحظى بتطور مماثل، وقد جاء جزء كبير من هذه المحاولة نهايات القرن التاسع عشر واشتهرت بدايات القرن العشرين (١٣ - ١٤ هـ) وما بعده.
أ- علم الاجتماع:
يُعنى علم الاجتماع بدراسة الأفراد والجماعات والمؤسسات التي تشكل المجتمع البشري، وأما نظريات هذا العلم، فهي ما يصوغه علماؤه من نظريات تُبنى على ملاحظة الجوانب المختلفة في المجتمع (٣). ويُعد ابن خلدون صاحب المقدمة أشهر من أرسى أصول هذا العلم وفق رؤية إسلامية في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي "٧٣٢ - ٨٠٨ هـ" (١٣٣٢ - ١٤٠٦ م)، ولكن هذه المرجعية الإِسلامية لم تعجب أصحاب الميول العلمانية، مما جعلهم يقسمون جهد ابن خلدون إلى قسمين: قسم عقلاني وهو ما له صلة بالعلم، وآخر لا عقلاني وهو ما له صلة بالوحي والدين والعقيدة (٤). أما في الغرب فأشهر من ارتبط به مصطلح علم الاجتماع هو الفيلسوف الفرنسي داعية الوضعية "أوجست كونت" في المنتصف الأول من القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، ثم تحول إلى