أوصلهم إليه ظهور النظرية الدارونية، مما فتح النقاش عن إعادة النظر في قيمة النظرية العلمية وحدودها وكذا قيمة الدين وحدوده.
أ- مفهوم النظرية:
ما زال الحديث ممتدًا عن نظرية التطور الدارونية؛ لأنها تريد أن تفرض على علوم الطبيعية بعض مبادئها، لذا أصبح من المهم وضع النظرية العلمية موضع الدراسة والعناية في فلسفة العلم المعاصر، فضلًا عن أنها جزء لا يتجزأ من تركيبة العلم الحديث والمعاصر، ولهذا قامت مناهج وعلوم تدرس مفهوم النظرية وحدودها وإمكانياتها وطرق الحكم عليها والخلاف حول خروجها عن إطارها إلى غير ذلك.
لقد أصبحت النظرية العلمية جزءًا من مفهوم العلم، حتى إنك لا تستطيع القول بأنه علم إن لم يكن فيه مجموعة نظريات، إما للتفسير أو نموذج إرشاد أو قياسًا أو توجيهًا أو غيرها من مهمات وفوائد النظرية العلمية. ومما يلاحظ بأن نظرية داروين استنفرت المفكرين والعلماء للوقوف حول مفهوم النظرية، ومنذ ذلك الحين، وهي ميدان أبحاث ودراسات وتأملات كثيرة لوضع مفهوم موحد لها يبيّن حدودها ويرسم دورها في المستقبل، وهذا الدور هو من أهم ما يعني أي باحث عن علاقة العلم بالمجالات الأخرى (١).
ب- مع الدين وضدّه:
وقبل إنهاء الحديث عن القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وعن نظريته الأشهر -النظرية الدارونية- نجد ما يلفت النظر، حول هذا الصراع الدائر بين دعاة النظرية والاتجاهات الفكرية المتباينة في الفكر الغربي ألا وهو: ما إنْ يظهر موقف جذري معارض للدين ويدعو إلى الإلحاد حتى يظهر ما يوقفه أو يجد الجدار الذي يصطدم به، فتنسحب بعض الجماهير المؤيدة له وتبحث عمَّن يعيدها إلى بعض مبادئ الدين، حتى وإن كان ذلك الملاذ أوهى من بيت العنكبوت.
стр. 212
وهذا الحال يُبصّرنا باستحالة عيش الناس دون دين مهما وقع منهم من ضلال وإلحاد، وأن العطش الناتج عن موجات الإلحاد يولّد ميلًا جارفًا يجعلها تتعلق بأي رابط يربطها بالدين، ومما نجده على مستوى الفكر الغربي في هذا الميدان ما قام به كانط "لصد موجة الإلحاد الكامنة في المذهب العقلي الذي بدأه "بيكون" و"ديكارت" وانتهى في شك "ديدرو" و"هيوم" وأسفر مجهود "كانت" بأن أعلن قصور العقل في ميادين المشاكل والبحوث السامية. ولكن "دارون" بغير قصد و"سبنسر" بقصد ووعي عادا وجددا هجمات "فولتير" وأتباعه على الدين والإيمان القديم، وعادت النزعة المادية الآلية. . . ."، فتصدى لها "برجسون" بمذهبه الحيوي بما فيه من نزعة صوفية جديدة (١)، وقد ذكر "راندل" صور هذا الأخذ والرد بين المجال الديني والمجال الفكري والعلمي لهذه المرحلة فقال: "وجاءت النزعة المثالية واتجاه التأكيد على البنية الكلية العضوية في أواخر القرن التاسع عشر عقب النزعات المادية والاسمية الذرية لعصر التنوير، وذاع إحياء التقاليد المسيحية في القرن التاسع عشر، عقب النزعة الربوبية والنزعة الإلحادية المتحمسة، ونزعة الشك التي كانت تظهر بين الحين والحين ونزعة معاداة رجال الدين في القرن الثامن عشر. خلاصة القول: إن التحول إلى الأذواق الرومانسية هو أحد الأمثلة الكلاسيكية للتحول السريع في كثير من أطوار الثقافة" (٢)، ويذكر أيضًا صورة التسوية الفكتورية التي سمحت بميلاد إحياء مسيحي كبير وميلاد جماعات مسيحيّة جديدة، وانتشار النشاط التبشيري المرافق لحركة استعمار جديدة شملت أغلب أراضي العالم، ولم يعد بإمكان العناصر القائدة إعلان موقف عداء صريح من الكنيسة وإلا تعرض مستقبله السياسي لخَطَر (٣).
ومن صور هذه التحولات من الإلحاد إلى الدين ما نجده أيضًا مع المذهب الوضعي الذي زعم لنفسه إلغاء الدين والميتافيزيقا وميلاد دين العلم، نجده في نهايات القرن بعقيدته "العلموية" مرفوضًا من تيارات الفكر الفرنسية القوية،
стр. 213
وعادت تلك التيارات "إلى الميتافيزيقا والدين متحدية في ذلك الوضعيين. وجاءت هذه التيارات متمثلة في هنري برغسون، وانبعاث الكاثوليكية والمذهب الوجودي الحديث والرمزية في الأدب والسيريالية في الفن. . . . إلخ" (١)، ورغم تباينها، إلا أن ما يجمع بينها التمرد على الفكر الوضعي العلموي.
هكذا نجد العلاقة بين الدين والعلم في نزاع دائم، كان عصر التنوير في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر قد بلغ مبلغًا كان يُظن معه عدم العودة للدين، وتعزز ذلك بالثورة العلمانية الفرنسية ونظريات مادية علمية في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، ومع ذلك لم تستطع كل هذه الزلازل أن تُلغي حاجة الناس للدين أيًا كانت صورته، وبالرغم من درجة التهكم بالدين والإله في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر التي انتشرت حتى في الجماهير نجد على نقيضها حرارة دينية في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر (٢) حتى في بعض المثقفين وفي تيارات فكرية مشهورة، والأمر سيكون أشهر في القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي، فلنذهبْ إليه ونَرَى ماذا حدث فيه.
стр. 214
سادسًا: ما بعد الثورة العلمية (٣) (القرن الرابع عشر الهجري/ العشرون الميلادي)
شهدت مسيرة العلوم الحديثة في هذه الفترة إنجازات كبيرة وتطورات مذهلة، كانت ثمرة من ثمار الثورة العلمية، وظهرت نظريات جديدة قلبت بعض المسلمات في باب العلوم، ومع هذا التطور العلمي، فقد شهدت بلاده أحداثًا جسامًا، وكان العلم أحد المسهمين في وقوعها، كان أهمها الحربين الكبيرتين اللتين كادتا أن تقتلع قارة أوروبا من على اليابسة.
وعادت مشكلة العلاقة بين الدين والعلم إلى قمة الواجهة، وبدأ الصراع بين المذاهب الجديدة في حرب مدمرة على المستوى الفكري والاجتماعي والسياسي. أيضًا كانت بداية عصر الاستعمار الجديد، وانطلاق ما يسمى بـ "المدنية الغربية" وإخضاعها آسيا وإفريقيا لسيطرتها في ظل احتلال تضافرت فيه جهود التنصير والتغريب والاستغلال الرأسمالي البشع. ومما يذكره أحد الكتاب الغربيين بأن مدبري تلك الأحداث ممن تشبع بالنظرية الدارونية الداعية إلى الصراع، فالبقاء لا يكون إلا للأقوى (١).
ولا يسع الباحث في مثل هذه الكثرة من الأمثلة سوى اختيار أشهرها وأبرزها، والنظر في آثارها في الموقف من الدين وعلاقتها بتطورات الفكر.
نستذكر في هذا المقام أحد التقسيمات المشهورة للدراسات العلمية الذي جعلها في أربع مجموعات وهي: "الرياضيات والمنطق، العلوم الطبيعية، علوم
стр. 215
الحياة، العلوم الاجتماعية" (١)، وقد رأينا بعض النظريات العلمية في الأقسام الثلاثة الأولى وبعض تطوراتها، أما القسم الرابع فرغم وجود عناية قديمة به، إلا أنه لم يدخل إطار العلم الحديث ويكتسب نظرياته إلا في نهايات القرن التاسع عشر ثمّ العشرين (١٣ - ١٤ هـ)، ويهمني من العلوم الاجتماعية الخمسة: "علم الإنسان وعلم الاقتصاد وعلم السياسة وعلم النفس وعلم الاجتماع" (٢) العلمان الأخيران؛ لأنهما شهدا ميلاد نظريات كثيرة ذات أثر كبير في مسيرة العلم والفكر المعاصر.
[١] المستجدات في العلوم الاجتماعية "علم الاجتماع وعلم النفس ":
بعد النجاحات التي تحققت في العلوم الطبيعية والرياضية بدأ التفكير في نقل مناهجها إلى مجال العلوم الاجتماعية لعلها تحظى بتطور مماثل، وقد جاء جزء كبير من هذه المحاولة نهايات القرن التاسع عشر واشتهرت بدايات القرن العشرين (١٣ - ١٤ هـ) وما بعده.
أ- علم الاجتماع:
يُعنى علم الاجتماع بدراسة الأفراد والجماعات والمؤسسات التي تشكل المجتمع البشري، وأما نظريات هذا العلم، فهي ما يصوغه علماؤه من نظريات تُبنى على ملاحظة الجوانب المختلفة في المجتمع (٣). ويُعد ابن خلدون صاحب المقدمة أشهر من أرسى أصول هذا العلم وفق رؤية إسلامية في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي "٧٣٢ - ٨٠٨ هـ" (١٣٣٢ - ١٤٠٦ م)، ولكن هذه المرجعية الإِسلامية لم تعجب أصحاب الميول العلمانية، مما جعلهم يقسمون جهد ابن خلدون إلى قسمين: قسم عقلاني وهو ما له صلة بالعلم، وآخر لا عقلاني وهو ما له صلة بالوحي والدين والعقيدة (٤). أما في الغرب فأشهر من ارتبط به مصطلح علم الاجتماع هو الفيلسوف الفرنسي داعية الوضعية "أوجست كونت" في المنتصف الأول من القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، ثم تحول إلى
стр. 216
مشروع كبير مع تلميذه اليهودي المشهور "دوركايم" ثم تلميذه "ليفي بريل" وكذا "ماكس فيبر" وغيرهم.
وعادة ما توضع سلسة خاصة بهذا العلم تبدأ بسان سيمون ثم تلميذه كونت ثم تلميذه دوركايم ثم تلميذه ليفي بريل، ومن أهم ما يجمعهم في تقديمهم لعلم الاجتماع أن يكون بديلًا عمّا كان يقوم به الدين قبل عصر العلم. ومن خارج هذه السلسلة توجد أيضًا نظريات كان أشهرها ما جاء ممن تأثر بداروين "الدارونية الاجتماعية"، ومن أبرز أصحابها "سبنسر" (١)، وإن كان تأثير نظرية داروين ليس فقط في "الدارونية الاجتماعية" بل امتد إلى أغلب نظريات تلك الحقبة (٢). وتوجد أيضًا نظريات اجتماعية ارتبطت باتجاه المادية الجدلية فيما اقترحه "ماركس" و"إنجلز" من نظرية اجتماعية، تجعل لعامل الاقتصاد الأثر الأبرز في التحكم بكل الأنماط والنظم الاجتماعية، ولها نسخة مطورة في كتابات "ماكس فيبر" (٣).
هكذا نجد عددًا من النظريات العلمية داخل علم الاجتماع سواء من الدائرة الضيقة لهذا العلم التي أسسها كونت ودوركايم وغيرهما، أو من خارجها مثل الدارونية الاجتماعية أو المادية الجدلية الماركسية، وجميعها يزعم أنها "نظريات علمية"، وكانت المرحلة (١٨٩٠ - ١٩١٤ م) مرحلة الاستقلال الحقيقي لهذا العلم (٤).
ونظرًا لاختصاص علم الاجتماع بالمجتمعات البشرية بما في ذلك معتقداتهم وقيمهم وثقافتهم وآدابهم وفنونهم ووسائل عيشهم وطرائقها ومعارفهم وطرق تحصيلها، لذا تكثر النظريات حول هذه الموضوعات، وما يعنينا في المقام الأول النظريات الخاصة بالدين وما يسمونه الظاهرة الدينية.
ومن الأمور التي تتفق عليها أغلب مدارس علم الاجتماع الحديثة زعمها النظر للدين من منطلق علمي، وأهم ما تذكره هذه النظرة العلمية بأن الدين مرتبط
стр. 217
بأوضاع أرضية، إما أنه راجع لعامل اقتصادي أو لأثر الطبيعة في التطور وإيجاد ظواهر مختلفة أو بسبب التفاعلات الاجتماعية أو غير ذلك مما سيأتي مناقشته بإذن الله في الفصل الثاني من الباب الثالث.
ويعد علم الاجتماع بصورته العلمانية أحد أشهر العلوم التي احتك بها المسلمون وقت ظهورها ودعوة بعضهم إلى نقلها، وقد كان "دوركايم" مشرفًا على أحد أوائل رموز التغريب -طه حسين- في العالم الإِسلامي في الفترة التي بدأت تتهاوى فيها آخر دولة إسلامية كبيرة وتُقطّع أراضيها وتوزع غنيمة للمحتلين، في هذا الوقت يُشجع المتعلمون على تحصيل هذه العلوم أو تفرض عليهم. ومن المفارقات العجيبة: أن أول احتلال حديث لجزء من العالم الإِسلامي عبر حملة "نابليون" على مصر كان يصطحب معه مجموعة من السان سيمونيين أتباع سان سيمون أستاذ كونت، وقد بقي منهم مجموعة بعد خروجه استعان بهم "محمَّد علي" والي مصر آنذاك، وأما الاحتلال الثاني فقد كان بزعامة بريطانيا عام (١٨٨٢ م) أرض النظرية التطورية الدارونية وهو عام موت "داروين"، وفيها كان اتصال مجموعة من المبتعثين بالمدرسة الفرنسية الاجتماعية وأشرف "دوركايم" على أحدهم، فعاصروا النموذجين: النموذج المؤسس مع "سان سيمون" والنموذج المجدد مع "دوركايم".
ب- علم النفس:
يدرس علم النفس السلوك والعمليات الذهنية (١)، ومنهجهم في ذلك مثل مناهج العلوم الأخرى غالبًا؛ "فهم يصوغون نظريات، تسمى أيضًا فرضيات، تعبر عن التفسيرات المحتملة لمشاهداتهم. ." (٢).
ورغم الجهود المعروفة في تاريخ الفكر البشري في هذا الميدان، إلا أن تحوله إلى مجال العلم بمفهومه الحديث، الذي يعتمد على مناهج وبناء النظريات بدأ في منتصف القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وما بعده، لاسيّما بعدما أسس الفيلسوف الأمريكي "وليم جيمس" مختبرًا نفسيًا ومثله معمل الفيلسوف "فلهلم فونت" في ألمانيا.
стр. 218
وبسبب الاختلاف حول الموضوعات التي يجب دراستها في هذا العلم وكيف تدرس، انقسم علماء النفس إلى أربع مدارس أو مذاهب هي: "المدرسة البنيوية، والسلوكية، والجشطالتية، ومدرسة التحليل النفسي" (١).
وهناك تطورات لحقت هذا العلم وإن كان أغلب المعاصرين يميلون إلى طريقة الانتقائية من بين ما سبقهم من مدارس ومناهج، وتبقى مدرستا: التحليل النفسي والمدرسة السلوكية الأشهر في مجال علم النفس والأكثر تأثيرًا في ميادين الفكر. ومن بين المشاكل المشتركة بين أغلب مدارس علم النفس المعاصرة إنكارها لحقيقة الروح المُقرّة في الدين، وتعد آراء ونظريات كل من "بافلوف" و"فرويد" أكثر ما اختُلف حوله في الفكر المعاصر.
وكما أن أبرز مؤسسي علم الاجتماع الحديث يجعلون الدين ظاهرة اجتماعية، فكذا مع نظرية "فرويد" سيكون الدين عبارة عن ظاهرة نفسية أنتجها الإنسان من خلال عمليات لا شعورية يأتي ذكر نموذجها وأثرها في الفكر التغريبي في مبحث مستقل بإذن الله "الباب الثالث الفصل الثاني".
ومهما تكن المسائل التي قدمها علم الاجتماع غريبة، إلا أنها تعد مألوفة في الفكر والفلسفة، بخلاف ما قدم في علم النفس مع "فرويد" ومدرسته فهي غير مألوفة، وأحدثت آثارًا في مسيرة العلم يجعلها البعض شبيهة بالأحداث التي صاحبت النظرية الكوبرنيكية أو النيوتنية أو الدارونية، و"فرويد" نفسه يجعل نظريته إحدى ثلاث صدمات أصابت الفكر الإنساني وولدت عنده الشعور بالنقص والقصور والخيبة وحطمت كبرياءه وغروره (٢).
ويعترف كثير من مؤرخي الفكر الغربي المعاصر ودارسيه بالأثر الكبير والخطير لـ"فرويد" في العلم والفكر والفن والمجتمع، وأهم ما يضاف إليه: نظريته العلمية في علم النفس، ويحتل فيها مفهوم الذهن اللاشعوري موقعًا عظيم الأهمية (٣). ومن آثاره أن أصبح علم النفس بمفاهيمه الجديدة موضة العصر (٤)،
стр. 219
وأصبح اسم "فرويد" كما يقول "سترومبرج" شائعًا ومألوفًا وامتد "تأثيره إلى ميادين التربية والتعليم والآداب والفنون والدين والفلسفة والأخلاق والثقافة الشعبية" (١).
ومما صدم به "فرويد" المجتمع الغربي -بعد خروجه من الصدمة الدارونية- المكانة الكبيرة التي جعلها للجنس؛ فإن ما يحرك الإنسان ليس العقل فقط، بل هناك جانب لا عقلي أكبر أثرًا في توجيه العمل الإنساني يعود إلى الدافع الجنسي، وسار بنظرية "داروين" إلى أبعد مجال يمكن أن تصل إليه، فالإنسان مع "داروين" ما هو إلا صورة مطورة عن الحيوان، ومع "فرويد" يصبح "الإنسان مخلوقًا تسيّره الرغبات البهيمية، وقرر أن أجمل إبداعاته ومثله العليا إنما هي في الواقع نتاج شهواته السرية" (٢). أما الدين فلم يرَ فيه فائدة لعمله، بل عدّه ظاهرة عُصابية مرضية نشأت بحسب نظريته من "عقدة أوديب" وهو يشابه في ذلك "ماركس" و"فيورباخ" و"دوركايم"، فالدين عند "فيورباخ" و"ماركس" يمثل استلابًا واستعبادًا ونوعًا من التعويض لوضع غير صحيح، وكذا هو مع "فرويد" فالمريض العصابي يجد في الدين وسيلة تعويضية، "وهذا الواقع يضع فرويد في معسكر أولئك المسمين "بالعقلانيين" وذلك من حيث كونهم أعداءً للدين، ويؤمنون بأن العقل السليم ينبغي أن يقنع ويكتفي بالنظرة الطبيعية إلى الكون". وهذه الصورة الفرويدية عن الدين فيها مزاجية ومكابرة؛ إذ هي بالمنهج العلمي غير مقبولة، وهذا ما اعترض عليه التيار الوضعي السلوكي: فمن ذاك الذي يعرف أين هي "عقدة أوديب" أو أحسّ بها، كما أن استدلاله ينقلب عليه: فإذا كان "فرويد" يقول: أن المرء متدين بسبب مرضه العصابي، فسيرد عليه المخالف: إن غير المتدين أو الملحد لم لا يكون للسبب ذاته أيضًا (٣).
هكذا دخلت العلوم الاجتماعية في قائمة العلوم العصرية ذات النظريات
стр. 220
المشهورة لاسيّما علمي الاجتماع والنفس (١)، وأصبحت نظرياتهما بدرجة تأثير العلوم الرياضية أو الطبيعية نفسها، ومما يلفت النظر بأن صاحِبَي مدرسة التحليل النفسي في علم النفس والمدرسة الاجتماعية الدوركايمية من اليهود، مما يدفع كثيرًا من الدارسين إلى الربط بين أخلاق اليهود وضلالهم ومشكلة وجودهم داخل إطار أوروبا النصرانية ومذاهبها الفكرية وبين ما يقدمونه من نظريات في العلوم الاجتماعية، وليس ذلك الاتهام من قبل أهل الدين فقط بل قام من قبل أهل العلمنة كالذي شاهدناه في دول أوروبية علمانية طردت فرويد وغيره، وأكتفي هنا بوضعها في إطارها التاريخي ولها جانب تحليلي في فصل قادم بإذن الله.
إلا أن ما يميز العلوم الاجتماعية عن العلوم الرياضية أو الطبيعية أنها تضع الدين في صلب اهتمامها، فالدين هو قضية يمرّ بها كل إنسان شاء أم أبى، وهي قضية تعرفها كل المجتمعات في الوقت نفسه، والإنسان والمجتمع هما موضوعا علمي النفس والاجتماع.
ج- العلاقة بين الدين والعلوم البشرية من جهتي الخبر والشرع:
نلاحظ بأن القسمين: العلوم الرياضية أو الطبيعية والعلوم الاجتماعية تلامس الدين أو موضوعاته وأصوله ومفاهيمه بأشكال مختلفة، إلا أن العلوم الرياضية والطبيعية بما فيها علم الحياة أقرب للقضايا الكونية الخبرية، أما العلوم الاجتماعية فهي تلامس القضايا الشرعية أكثر من ملامستها الكونية.
فنجد مثلًا بأن وجود الكون وقصة خلقه ووجود الإنسان وقصة خلقه، والأحداث الطبيعية من رياح ومطر وزلازل، ومن تفاعلات بين العناصر المادية، أو ما يحدث في الكائنات الحية من أحوال، كل هذه المسائل مما نجد حديثًا عنها في الدين، وهي أيضًا مجال عناية العلوم الطبيعية.
أما الأمور الشرعية المتعلقة بالواجب والمحرم والقيم والعبادات والمعاملات وغيرها، فهذه مسائل اعتنى بها الدين على مستوى الفرد أو الجماعة، وهذا النوع أيضًا أصبح مجال عناية العلوم الاجتماعية.
ومما يلاحظ في أثناء دراسة الفكر الغربي ومتابعة تطوراته أن ميدان الشرع
стр. 221
كان مجال نقد فكري وفلسفي ولم يُدخل في مجال العلوم الحديثة بصورة واضحة، إلا في نهايات القرن التاسع عشر، ثم العشرين (١٣ - ١٤ هـ) وذلك في إطار العلوم الاجتماعية، بخلاف ميدان الأمور الكونية؛ فقد احتك بها علماء الطبيعة -المؤمن منهم والملحد وفق مصطلحاتهم- من القرن السابع عشر (١١ هـ).
وبسبب سوء العلاقة بين المجال الديني في أوروبا وبين مجالي الفكر والعلم الحديث فقد امتدّ ذاك التوتر في العلاقة إلى ميدان الموضوعات المشتركة بين الدين من جهة والفكر والعلم من جهة أخرى، ودائمًا يوظِف الأقوى أصوله في الانتقام من الآخر، ومنذ انتصار التيار العلماني وهو يوظف كل المستجدات الفكرية أو العلمية أو الأدبية والفنية في إضعاف الدين وإقصائه، ساعدهم في ذلك الانحراف الكبير في الدينين المعروفين في أوروبا، وقد كان استثمار العلوم الطبيعية ونظرياتها في الانتقاص من المعارف الكونية الدينية ونقدها، بينما كان النصيب الأكبر في انتقاص الشرائع من مهمة العلوم الاجتماعية ونظرياتها، والأمر في الباب يرجع إلى الاستثمار الأيديولوجي والتوظيف الخاطئ.
وبالرغم من وجود قضايا مشتركة بين القسمين: الكوني والشرعي، إلا أن الغالب هو ملامسة العلوم الطبيعية للأمور الكونية، وملامسة العلوم الاجتماعية للأمور الشرعية، وهذه القسمة ستوجه مسيرة البحث في دراسة الاستثمار السيئ للنظريات العلمية من تيار عربي في مواجهة الإِسلام أو انتقاصه وإقصائه، حيث نراهم يناورون بين القسمين ومفاهيمهما دون احترام أو تعظيم لدينهم، فلا يرجعون له ولا يتحاكمون إليه؛ فإن الله سبحانه قد أخبر بأن له الخلق والأمر، فقال -تعالى-: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، فالخلق يتعلق بالأمور الكونية والأمر خاص بالأمور الشرعية.
[٢] نظريتا النسبية والكوانتم وثورة جديدة في الفيزياء:
لقد شهد ميدان العلوم الطبيعية تطورًا كبيرًا في هذا القرن، وكان من أهمها ما حدث في ميدان الفيزياء من نظريات واكتشافات، ولما لها من أهمية واسعة أثر فإني سأبسط فيها القول أكثر من غيرها؛ وذلك أنها ذات تأثير كبير خارج إطارها، وتمثل ثورةً كبيرةً في مجال العلم، وتعد صورة لذروة العلوم المعاصرة؛ لهذا وغيره تصبح نموذجًا مناسبًا وجديدًا لعلاقة العلم بغيره.
стр. 222
أ- تحولات في الفيزياء "أشياء صغيرة تدفع العلم نحو التواضع ":
كان "ديكارت" -أحد مؤسسي الفكر الغربي الحديث- يرى بأن الرياضيات هي معيار الحقيقة، وقضاياها صادقة لا تحتمل الخطأ، إلا أن مشكلتها هي عدم تناسبها مع الواقع الطبيعي دائمًا، وصوريتها المفرطة مما جعلها أنسب للتيارات المثالية، ولهذا قلل من قيمتها التيار التجريبي.
وقد وجد التيار التجريبي والمادي في تطور الفيزياء مع "جاليليو" و"نيوتن" ضالته فأصبحت فيزياء نيوتن المقياس الأنسب للحقائق الواقعية، ومثلت دعمًا كبيرًا للاتجاه المادي الذي ظهر في القرن (١٢ هـ- ١٨ م) وما بعده، وبقيت كذلك أكثر من قرنين.
ورأى الكثير في القرن (١٣ هـ - ١٩ م) -عصر الوضعية- بأن العلم سيكون البديل الأمثل لبيان الحقائق، وأن أثر الدين أو الميتافيزيقا أو غيرهما قد انتهى (١)، وأن مقاييس العلم هي المقاييس "الصحيحة" ومناهجه هي الوحيدة الجديرة بالاحترام والقبول.
وهكذا أصبح المقبول في باب الحقائق هو ما تقبله الصورة النيوتنية للعلم سواء قال ذلك نيوتن أو مما بُني على نظرياته، والمرفوض هو ما لا تقبله. وأصبحت المفاهيم الفيزيائية النيوتنية لا يعتريها الخطأ أو الوهم أو النسبية، وكان من أهم مفاهيمها القول بالأثير وهو ماده تملأ الكون ثابتة، مستدلًا على ذلك بأن الضوء من طبيعة موجية، ولابد من مادة ينتقل عبرها، فكان المقترح لهذه المادة هو مفهوم الأثير، ويعد مقياسًا تقاس بواسطته حركة الأشياء، ويتبع ذلك تصوره لوجود الزمان المطلق والمكان المطلق وغير ذلك من المفاهيم المرتبطة بمفهوم الأثير.
وخرجت تلك المفاهيم من دائرة الفيزياء والعلوم الطبيعية إلى دائرة الفكر والفلسفة والمذاهب الأيديولوجية، حيث شُيّدت على تلك الفرضيات العلمية مذاهب فكرية ينزع أغلبها نحو الإلحاد والمادية وإقصاء الأصول الدينية، وبلغت ذروتها في النزعة العلموية والمذهب الوضعي في المنتصف الأول من القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، والمذهب الماركسي والداروني في نصفه الثاني "الثالث عشر الهجري" مع تيار إلحادي ومادي، من هنا وهناك سبق ذكر بعضها في أثناء الحديث
стр. 223
عن القرن التاسع عشر، والجميع يزعمون اعتمادهم على العلم، وفي ذلك تقول مجلة علمية في تلك المرحلة: "لقد أصبح رجال العلم أنبياء العلوم التقدمية" (١).
ورغم أن جملة من علوم لم تصل لدرجة اليقين كما حدث لعلم الفيزياء، إلا أنها أصبحت أوثق العلوم عند أهلها، والعلوم الأخرى واثقة من اللحاق بها، والوصول إلى ما وصلت إليه. ولكن وفي ذروة تحمّس العلوم لتقليد الفيزياء وذروة الغلو الوضعي تأتي ضربة موجعة لمجموعة من الحقائق المطلقة وبعض المفاهيم الصلبة في الفيزياء الكلاسيكية، وجاءت الضربة من داخل الفيزياء ذاتها ومن خلال أمور صغيرة ذات أثر كبير، وكأن ذلك التيه والغرور العلمي وما بني عليه من مذاهب في حاجة إلى درسٍ موجع من أمور صغيرة: قد يكون عملًا بسيطًا يقلب الأمور، أو أن الأمر صغير في العين ولكنه أكبر مما نتخيل، وهما أمران وقعا في النشاط الفيزيائي فقلب أمورها بشكل عجيب، وزلزلا الفيزياء اليقينية لتتحول إلى اللايقين أو النسبية، وهما:
الأول: تجربة "مايكلسون ومورلي" عام (١٨٨٧ م) التي قضت على مفهوم الأثير.
الثاني: اكتشاف عالم الذرة المدهش الذي لا يخضع لقوانين الفيزياء المعهودة.
فها هي تجربة واحدة تقضي على مفهوم أساسي في أصلب العلوم الحديثة، وها هو اكتشاف لكائن صغير للغاية يُسمى "الذرة" يفتح المجال للشك في كثير من المسلمات السابقة في ميدان العلم.
ب- تجربة مايكلسون ومورلي ومولد النظرية النسبية (٢):
ليس المقصود هنا -كما في غير هذا الموضع- عرض الجانب النظري
стр. 224
العلمي من التجارب والنظريات أو الجانب التجريبي التطبيقي منها، وإنما المقصود توضيح المعاني المرتبطة بها ذات الأثر في مسيرة العلم ونظرياته ومفاهيمه، وأثر ذلك في مجالات أخرى، وهذه الطريقة أمر معتاد في مثل هذه الدراسات.
١ - الأثير لا يصمد أمام التجربة:
كانت مشكلة قياس حركة الأجسام ومعرفتها من مهام الفيزياء، فعندما يسير الماء في نهر، فمن الممكن قياس سرعته مقارنة باليابسة، وعندما يسير أحدنا بسيارته فتقاس سرعته بالأرض الثابتة تحته، وهكذا، ولكن إذا كانت الأجرام السماوية تتحرك وكذا الضوء فكيف تقاس؟ ما الشيء الثابت الذي نعتمد عليه في القياس؟
كان المقترح في الفيزياء الكلاسيكية، فيزياء نيوتن، مادة الأثير، وذلك أن الضوء عندهم عبارة عن موجات، ولابد في حركته الموجية من مادة يتحرك فيها، وكان هذا دليلًا بارزًا على وجوده، ومن ثمّ جعله مقياسًا للحركة حيث "تبنى علماء ذلك الزمان النظرية التي تنص على أن الأثير الذي تتحرك خلاله كل الأشياء في الكون حسب اعتقادهم هو إطار إسنادي غير متحرك. وبالتالي يتم الحكم على كل الحركات الأخرى بالنسبة لهذا الإطار الإسنادي. وقد كان التصور أن الأثير هو مائع أو صلب مرن، أو أنه يملأ كل الفراغ الموجود بين الذرات التي تكوّن المواد. وأنه لا يقاوم مطلقًا حركة الأرض" (١)، وقامت مفاهيم مهمة على هذا الفرض، ومثّلت آنذاك حقائق يقينية، واستقرت فترة زمنية طويلة.
وجاءت المفاجأة عبر تجربة قام بها عالمان في هذا الباب هما "مايكلسون" و"مورلي" عام (١٨٨٧ م) التي قد قام بها "مايكلسون" قبل ذلك عام (١٨٨١ م)، فكانت نتيجتها إثبات عدم وجود الأثير، مع العلم أن افتراض وجوده أو عدمه تشكل أهمية داخل الفيزياء وخارجها، ويظهر ذلك واضحًا في صدمة العلماء وحيرتهم من نتيجة هذه التجربة، "فقال قوم: إن في الأمر سرًا. واتهم آخرون
стр. 225
إحدى التجربتين. وكذلك انقسم العلماء على أنفسهم زهاء ربع قرن وكانوا شيعًا وأحزابًا لا يدرون ما هم فاعلون، فهم أمام أمرين: إما أن يتخلوا عن نظرية الأثير "التي فسروا بها ظواهر كثيرة: كهربائية وكهرطيسية وضوئية" لعجزها عن اكتشاف حركة الأرض فيه، وإما إن يتخلوا عن نظرية كوبرنيقوس التي قامت التجربة على صحتها والقائلة بأن الأرض متحركة. لقد كان الرجوع إلى نظرية بطليموس القائلة بسكون الأرض أحب إلى نفوس كثير من الفيزيائيين من القول بأن الأمواج الضوئية والأمواج الكهرطيسية -يمكن وجودها من غير وسط تتموج به. . . ." (١)، أو كما يقول مصطفى محمود: "وكان معنى هذا -أن يسلم العلماء بأن نظرية الأثير كلام فارغ. . ولا وجود لشيء اسمه الأثير. . أو يعتبروا أن الأرض ساكنة في الفضاء. وكانت نظرية الأثير عزيزة عند العلماء لدرجة أن بعضهم شك في حركة الأرض واعتبرها ساكنة فعلًا. ." (٢).
وبقدر ما سببت هذه التجربة من أزمة داخل دائرة العلم وإحراج لأتباع هذا الفرض حتى إن القول به أصبح بمثابة فضيحة كما يقول "سترومبرج" (٣)، إلا أن الفضيحة أكبر عند آخرين زعموا أن العلم هو الوحيد القادر على قول الحقيقة، وأن الفيزياء هي أعظم علم ظهرت فيه الحقيقة، وما على العلوم الأخرى إلا الاقتداء بها، وأن مفاهيمها من المسلمات التي لا جدال حولها، ومن هنا بدأت مذاهب فكرية تدعم تصوراتها بالاستناد على هذه المعطيات العلمية. ولكن هذا الاكتشاف يعصف بمفهوم كبير في الفيزياء وهنا يبرز الحرج والفضيحة في هذا الميدان؛ إذ سيقال: أنتم بنيتم رؤيتكم المذهبية على دعامة تزعمون صلابتها، وأقصيتم كل من خالفكم، وإذا بنا نرى بعض ما تعتمدون عليه ينهار، فماذا أنتم قائلون للناس بعد اليوم؟!
هذه صورة من الفضيحة المرتبطة بهذا الكشف، مع العلم بأن ما يطلق عليه عادة بالزلزال الذي نزل بالعلوم الطبيعية لم يكن هو الزلزال الوحيد؛ إذ امتد إلى ما هو أوثق منها وهو العلوم الرياضية وذلك بعد ظهور هندسة جديدة -غير
стр. 226
هندسة إقليدس المعروفة من قرون -هي هندسة ريمان وغيره اللا إقليدية الجديدة (١).
وقد كان المذهب المادي أكثر المذاهب الفكرية انزعاجًا من هذه الاكتشافات؛ لأنه بني أيديولوجيته الإلحادية والمنكرة لعالم الغيب على قوة العلوم الطبيعية المادية حيث يرى فيها دلائل على مادية العالم وآليته وحتميته. ثم هو يصطدم بتجربة صغيرة تزلزل أهم أدلته وتشكك في مشروعية استدلاله واستغلاله لثمرات العلوم.
٢ - من التجربة إلى النظرية النسبية:
بدأ التساؤل العلمي: إذا كان الأثير خطأً علميًا، فما البديل الذي يمكن قياس حركة الأشياء بالاستناد عليه؟
كان هذا أحد الأسئلة التي فتحت الأجواء لميلاد أشهر نظريات القرن الرابع عشر/ العشرين، وهي النظرية النسبية، وعادة ما توضع هذه التجربة مفتاحًا لميلاد النظرية النسبية.
كان جواب ألبرت أينشتين أنه لا يوجد مقياس، وأن حركة الأشياء نسبية، فكل حركة إنما تقارن بغيرها بحسب مكان الملاحظ. فعندما أكون على الأرض فأنا أقيس حركة الأشياء وألاحظها بحسب مكاني، ولو كنت على القمر مثلًا لكان مصدر ملاحظتي هو وضعي على القمر، وسأشاهد أمامي الأرض مع بقية الأجرام، وهكذا (٢). فالمُلاحِظ العلمي لا يستطيع ملاحظة الشيء المطلق من مكان أو زمان أو كتلة أو غيرها من المفاهيم -هذا إن وجدت- وإنما هو يلاحظ هذا الشيء النسبي.
ولعل هذا الكلام يذكرنا بنقاشات داخل التراث الإِسلامي ربما تساعدنا على فهم مثل هذه النظريات وأبعادها؛ ومن ذلك ما كان يردّ به شيخ الإِسلام ابن تيمية على استدلال نفاة العلو قائلين بأن تصور العلو لا يتوافق مع القول بكروية الأرض؛ لأن العلو لمن هم في القطب الشمالي مقابل لعلو من هم في القطب
стр. 227
الجنوبي. فكان من نقاشه لهم: لابد من التفريق بين جهتين، جهة إضافية وجهة حقيقية، فأما الإضافية فهي النسبية بمفهومات عصرنا، وأما الحقيقية فهي أن الأفلاك جميعها ما فوقها هو العلو وما في جوفها هو السافل. فالنسبي بحسب وجودنا نحن على الأرض ولكنه ليس هو العلو المطلق، وهو قول بنسبية المكان الخاص بعالم المخلوقات (١). وذكرت هذا المثال لنعرف فقط أبعاد المشكلة وآثار المسألة بمثال توضيحي تراثي، وإلا فإن أصحاب النظرية النسبية قد يكتفون بنسبية المكان وينكرون ما سوى ذلك أو يسكتون عنه.
لقد انطلق "أينشتين" في بناء نظريته النسبية على هذا الفرض "أن كل شيء نسبي" وأخرج نظريته بداية القرن الرابع عشر/ العشرين، وباتفاق الدارسين للفكر المعاصر بأنها أشهر نظرية في هذا القرن، مما يجعلها نموذجًا جيدًا لدراسة أثر نظريةٍ ما في الفكر والمجتمع، وأصبح يقال مثلًا: "إذا أردت أن تفهم القرن العشرين فعليك بأنشتين أولًا" (٢). وسأختار تعريف "الموسوعة العربية العالمية" بها، وفيها: "النسبية نظرية فيزيائية للعالم الألماني أينشتاين، استولت على خيال الشخص العادي أكثر من أي نظرية فيزيائية أخرى في التاريخ. ومع ذلك فإن نظرية النسبية، على عكس الكثير من نظريات الفيزياء، لا يمكن أن يفهمها الشخص العادي بسهولة. . . . وهذه النظرية خاصة بالكون، فهي تتناول معظم الأفكار الأساسية التي نستخدمها لوصف الأحداث الطبيعية. وهذه الأفكار تختص بالزمن والفضاء والكتلة والحركة وتتألف النظرية من جزئين رئيسيين: الأول نظرية النسبية الخالصة، أو المقيدة، التي نشرها أينشتاين عام (١٩٠٥ م). أما الثاني فهو نظرية النسبية العامة التي قدمها أينشتاين عام (١٩١٥ م) " (٣). وقد كانت الأفكار الأساسية المتعلقة بوصف الأحداث الطبيعية قبل النظرية النسبية قائمة على صورة العلم النيوتني، تقوم على إثبات الأثير والزمان المطلق والمكان المطلق والجاذبية والحركة وغيرها، فتحول الزمان والمكان المطلقان إلى زمان ومكان نسبيين، وأُسقط مفهوم الأثير من العمل الفيزيائي، وبدل القول بالجاذبية
стр. 228
قيل بالمجال الذي تحدثه النجوم حولها، يشبه في ذلك ما يصنعه المغناطيس ببرادة الحديد حوله.
٣ - علاقة النظرية بالواقع المعاصر:
لا يستغرب من نظرية علمية تنال كل هذه الشهرة أن لا تحدث في ثقافة عصرها آثارها الخاصة بها، فقد أصبحت حديث الناس "وغدت كلمة نسبي تلوكها جميع الألسنة وتتندر بها" (١)، وهي حديث أغلب الصالونات الثقافية في الغرب (٢)، وما زالت شهرتها إلى الآن (٣)، ويكفي أن نتذكر القنبلة النووية والطاقة الذرية لتقودنا مباشرة إلى "أينشتين" الذي كان لمعادلاته الأثر الواضح في اكتشافها.
وكما كان النموذج في القرن الثامن عشر (١٢ هـ) هو نظرية "نيوتن" وأثرها، وفي القرن التاسع عشر (١٣ هـ) نظرية "داروين" بأثرها، فأبرز النظريات في القرن العشرين (١٤ هـ) هي نظرية "أينشتين" ومارست أثرها كغيرها، وأصبحت منذ ظهورها مجال استقطاب واسع لكل فعاليات الفكر المعاصر، وسأقف على نوعين من آثارها، الأول يتعلق بما أحدثته من شرخ في شعور الناس نحو العلم ولاسيّما في الثقة المطلقة والعامة به في بابي العلم والعمل، فما قدّمه التيار العلموي المغالي في تقديس العلم يتعرض الآن لمساءَلة، فقد قالوا: إن معلوماته هي الحقيقة وأنه قادر على النفع المطلق في باب الحياة العملية. والثاني يتعلق بأثرها في تيارات العصر.
النوع الأول: الشعور الجديد نحو العلم:
لقد نجح العلم الحديث في فرض وجوده في المجتمعات الحديثة، وارتسمت له صورة حسنة في أذهان الناس، ومن أهم ما ارتسم أمران، الأول: أن العلم يعبر عن الحقائق كما هي، وأن معرفته يقينية وصادقة لا يعتريها الشك، ويكفي أن يقال عن قضية: إنها علمية لتجلب للسامع الثقة بها، ولكن الوضع الآن تغير مع النظريات الجديدة. أما الثاني: فهو أن العلم سيقدم السعادة
стр. 229
للبشرية، وسعادة الناس مرهونة بمزيد من تقدمه والاعتماد عليه، ولكن واقع الأمم التي ازدهرت فيها هذه العلوم يقول غير ذلك، فقد انهارت كثير من الآمال المعقودة بالعلم الحديث بعد أن أظهر العلم وجهًا آخر له تمثل في صور من الموت والدمار والخوف.
١ - انهيار اليقين العلمي القديم:
لقد انهار اليقين القديم المرتبط بالثورة العلمية والمذاهب الفكرية المدعية الوصول للحقائق النهائية في ضوء العلم الحديث، وهذا أمر اتفقت عليه أغلب الدراسات التي تحدثت عن نظرية النسبية، فقد أحدثت النسبية تغييرًا جذريًا في كل تلك اليقينيات، وكما في الموسوعة العربية العالمية "لقد غيرت النسبية كل المفاهيم الفلسفية والفيزيائية عن الفضاء والزمن. وقد أثرت في تصوراتنا وأحاسيسنا الحدسية عن العوالم البعيدة والنجوم وكذلك عن عالم الذرة الدقيق. وما زال بعض هذه الشكوك أو التساؤلات موجودًا" (١)، وأثبتت النظرية للجميع بأن العلم مهما بلغت درجة اليقين فيه، وثقة الناس به، فهو في حاجة إلى المراجعة دومًا، ونحن نراه يراجع كل المفاهيم الكبيرة التي دارت حولها الفيزياء ومن خلفه العلوم الطبيعية والفلسفة، سواءً أصاب في ذلك أم أخطأ، لا يهمنا من ذلك إلا أن العلم المطلق قد ولّى زمانه وما بقي إلا العلم النسبي المتواضع في حركته ونتائجه.
ولكن ليس معنى ذلك بأن العلم لا يملك حقائق صلبة صادقة، وأنه لا ينطلق من أرضٍ صلبة، وإنما المراد بأن حقائقهُ نسبية فقط وغير مطلقة، والنسبية هنا نسبية فيزيائية لا نفسية حتى لا تصبح المسألة خاضعة لأهواء ورغبات؛ أي: أن الأفراد عند ملاحظتهم لأمرٍ ما، من مكانٍ مشترك، فهم لا يختلفون في تلك الملاحظة غالبًا، ولكن لو كانت الملاحظة من مكانين غير مشتركين فإن القياسات ستختلف (٢).
ومن الأمثلة الطريفة في باب النظريات التي أعادت النسبية تقديمها من جديد؛ الاختلاف حول نظريتين في الفلك: نظرية "بطليموس" القائلة بأن الأرض
стр. 230
هي المركز وتدور حولها الشمس، ونظرية "كوبرنيكوس" القائلة بأن الشمس هي المركز وتدور حولها المجموعة الشمسية، حيث تصبح النظريتان ذات وجاهة؛ لأن كل واحدة صحيحة بحسب معيار أصحابها ومنطلق ملاحظتهم، ويصبح الأمر عبارة عن فرض أحدهما أيسر من الآخر كما سبق أن ذكرناه عن "هنري بوانكاريه"؛ فدوران "الأرض حول الشمس لا يخرج عن كونه فرضًا أيسر من الفرض القديم وأقرب تناولًا، ولكنه ليس أصح منه؛ لأن فكرة الصحة تتضمن فكرة الإطلاق" (١)، ولأن النظريات الرياضية والعلمية هي في جوهرها -كما يرى- اصطلاحية وفروضًا ميسرة (٢)، وهذه رؤية بارزة في مدرسة "نقد العلم" المعروفة في الفكر المعاصر.
وكذا كان الأمر مع فروض النسبية الجديدة ومن أهمها "تكافؤ كل النظم الإحداثية في وصفها للظواهر الفيزيائية" (٣)، ومما يعنيه "أنه لا فرق بين السكون والحركة المنتظمة. ولولا مقارنتنا الدائمة بين الشمس والأرض، ما عرفنا أن أرضنا تتحرك. لذلك، لم يخطئ علم الفلك القديم حينما تصور أن الأرض هي المركز الثابت للكون. فما الفرق بين أن تكون الأرض تتحرك حول الشمس أو العكس، لا شيء!! المهم هو أين يقف الراصد. ومن ثم، فنظام كوبرنيقوس ليس بأصح من نظام بطليموس، وإنما فحسب أبسط منه. بمعنى أن الأقرب إلى طبائع الأشياء أن يدور الصغير حول الكبير، وليس العكس" (٤).
وبسبب اعتماد الماديين على النسق النيوتني ونظرياته وبناء مذهبهم المادي على ذلك النسق فقد رفضوا هذا الرأي النابع عن نظرية النسبية، ورأوا -بحسب المفكرين السوفييت- بخطأ النسبية في مساواتها بين النظامين البطليموسي والكوبرنيقي، وأن ذلك مكيدة من قبل "أينشتين" قصد بها مناهضة المادية، ويقترح أحدهم تدميرها حتى تتخلص من هذه الآراء المثالية الرجعية الموجودة فيها (٥).
стр. 231
ومن المفيد هنا إبداء وجهة نظر تستدعيها هذه الأحداث حول النسبية عمومًا وحول نسبية النظريتين المفسرتين لحركة الأجرام السماوية: فإذا كان هذا النزاع حول النظريتين ما زال قائمًا داخل الإطار العلمي فضلًا عن الفلسفي والفكري، فلماذا يُصرّ قوم على إعطاء حكم مطلق بصحة إحداهما ولاسيّما نظرية كوبرنيكوس! ألم يكن من الأفضل القول بأن هذه النظرية القصد منها التفسير، وأنها أيسر في شرح الظواهر الكونية وحركة الأجرام السماوية، على أنها ليست هي الحكم النهائي والمطلق؛ لأن هذا في ظل المستجدات النظرية أصبح صعبًا. وهذا يُظهر في الوقت نفسه حجم الخطأ الذي مارسه تيار عريض في الفكر الحديث عند قيامه باستثمار نظرية الفلك الحديثة في ادعاء كذب أو خطأ العقائد الدينية حول الظواهر الكونية، ويظهر حجم الأهواء في ذلك أيضًا، فمن المهم قبل وضع تلك النظريات في مواجهة الدين التحقق من كل جوانبها.
ووجهة النظر هذه خاصة بأولئك القوم الذين فرحوا بتلك النظريات، وادعوا أنها حقائق مطلقة واستثمروها في التشكيك بأمور دينية، بزعمهم وجود تعارض بين حقائق العلم والدين، وينثرون النظريات العلمية حول الكون باستسهال عجيب ولاسيّما ممن هم خارج دائرة التخصص العلمي، وإذا بالأمر أعقد من ذلك بكثير وأعسر مما تصوروه، وأن أمامهم مهمة كبيرة لابد من إنجازها قبل زعم التعارض، وهي إثبات أن النظرية حق مطلق، ثم إثبات أن الدين يقول بهذا الأمر المخالف، ومن ثم إثبات عدم إمكانية الجمع بينهما، ولكن الأمر مع أصحاب الأهواء عكس ذلك، فهم ما إن يروا ما يناسبهم حتى تجدهم من المسارعين في الخوض فيه دون إعطاء الأمر حقه من التبيّن والتحقق العلمي.
٢ - انهيار الآمال الجميلة حول العلم:
رأينا في القرن التاسع عشر (١٣ هـ) نزعة وضعية ترى بأن مستقبل البشرية هو مع العلم، وأن التقدم أمر حتمي يرتبط بتجاوز الدين والميتافيزيقا نحو العلم، وأن العلم سيحل كل المشاكل المعيقة للحياة السعيدة، وسيجيب عن كل الأسئلة المحيرة.
وقد تقبل البعض وعلى مضض الحضيض الذي وضعت الدارونية الإنسان فيه في النصف الثاني من القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، على أمل أن العلم
стр. 232
سيحل هذه المشكلة، فالإنسان وإن كان حقيقته حيوانًا متطورًا بحسب نظريته، إلا أن لديهم أملًا بأنه بالعلم سيتطور ويصارع ويعيش حياة أفضل. وصاحبَ ذلك ما يراه الناس من تطور تقني متسارع واكتشافات صناعية مذهلة، أغلبها يصب في مصلحة الإنسان ونفعه، أنستهم نسبيًا الحضيض الذي وضعهم فيه. إذًا فالعلم كما يتوهمون هو عقيدة المستقبل، وهو الوحيد القادر على إسعاد البشر. في جوٍّ متفائل كهذا جاءت اكتشافات جديدة خيبت الآمال وأوجدت من الآلام أكثر بكثير مما كان يتوقع من العلم، وما زال هذا النوع من الاكتشافات في ازدياد. فمن بين مكتشفات "أينشتين" ما توصل إليه من علاقة بين الكتلة والطاقة، وليس المقصود بحث جانبها العلمي هنا بقدر أن المقصود التأمل في علاقتها بالنظرة المتفائلة التي أسقطت من حسابها كل شيء حتى الدين والقيم مكتفية بالعلم القادر على سدّ حاجاتنا.
فقد توصل "أينشتين" من خلال دراسته لمفهوم الكتلة وعلاقتها بالطاقة في ضوء التصور النسبي الجديد إلى معادلة حول تلك العلاقة، صُنع على أساسها فيما بعد القنبلة الذرية. فبحسب هذه المعادلة فإنه يمكن استخراج طاقة مهولة من جرام واحد، فإن أردت أن تعرف قدر طاقة من جرام واحد من "اليورانيوم" مثلًا، فما عليك سوى ضرب هذا الجرام في مربع سرعة الضوء لتخرج لك كمية هائلة من الطاقة يمكن أن تحرق بها مدينة كاملة عن بكرة أبيها، كما يمكن أن تزود هذه المدينة بوقود من هذا "الجرام" لمدّة سنة (١)، وبِحُسبة بسيطة للمقارنة، فإن هذا "الجرام الواحد" يعطينا طاقة "حرارية وضوئية" تعادل تلك التي نحصل عليها بإحراق ثلاثة آلاف طن من الفحم الحجري (٢).
إن هذا الاكتشاف العجيب يُعد جزءًا من عالم الفيزياء الحديثة، وهو يفتح أبوابًا من النقاشات ما زال بعضها مستمرًا إلى اليوم، وكان الأصل أن يكون أولها الاعتراف بالخالق سبحانه وتعظيمه والإيمان به؛ فإن وجود مثل هذه الحالة لهي كافية لإيقاظ القلب وتذكيره بربه، فإذا كان الجرام الواحد يخرج منه كل هذه الطاقة المذهلة الكافية لمسح مدينة من على وجه الأرض أو إعطائها ما يكفي من
стр. 233
الطاقة لتعمل أياما كثيرة، وهو في الوقت نفسه مارد خطير فيكفي إخراجه من مخبئه الذي خلقه الله فيه حتى يصبح مرعبًا ومخيفًا بما في ذلك الاستخدامات السلمية، والأعجب من ذلك صعوبة إعادته إلى حالته الوادعة المسالمة مما يدفع بالدول المنتجة له إلى دفنه في بلاد فقيرة دون علم أهلها ليلوث ترابهم وماءهم ومزروعاتهم سنين عديدة. أما كان هذا الجرام كافيًا لإيقاظ القلوب الميتة الهاربة من الله ومن الإيمان به لتعود إليه؟! وهذا وهو نموذج من بين نماذج أكثر دهشة وعجبًا، ومما يؤسف له ونتعجب منه بأن مثل هذا النقاش كان الأضعف حضورًا في الفكر المعاصر، وجزء منه تحول إلى الدفاع عن مبادئ الفلسفات المثالية المدافعة عن عالم الروح والمطلق والحرية لكن بعبارات تزيد من جفاف القلب وعطشه علاوة على الرعب الذي يعيشه.
التفت الفكر الغربي المعاصر إلى هذه الأزمة وبدلًا من العودة للحل الصحيح القائم على الإيمان بالله سبحانه، ترك ذلك إلى بدائل لا تسمن ولا تغني من جوع، وانصرف أهله إلى دعوى إنقاذ الإنسان من طغيان العلم ومصائبه، وتبخرت الأحلام الوردية المعقودة بالعلم بعد أن رأوا ثمرة من ثماره تبتلع مدنًا بأهلها في غمضة عين دون تفريق بين كبير أو صغير أو حيوان وإنسان، وما تبع ذلك من سباق محموم يُوظف العلم فيما يدمر حياة الإنسان.
كانت عقيدة الوضعية في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر قائمة على أن العلم مسالم وأن بيديه سعادة البشرية، وما على البشر سوى الانهماك في العلم، وأما الدين والأخلاق فهي نتاج أوضاع اجتماعية سابقة على ميلاد العلم، جاءت بسبب جهل الإنسان، وما عاد في حاجة إلى ذلك مع العلم، فجاء الجواب سريعًا في أول القرن العشرين (١٤ هـ)، حيث كان نصفه الأول حروبًا لا مثيل لها، وكان بطلها وموجهها هو العلم باكتشافاته المذهلة، أليس من ثماره الدبابة والصاروخ والطائرة؟! أليس من ثماره السفينة الحربية والغواصة؟! أليس من ثماره القنبلة العادية والنووية والهيدروجينية؟! أليس من ثماره الجراثيم القاتلة والغازات السامة والأسلحة الكيمياوية والبيولوجية؟! والقائمة في ذلك طويلة.
أليست معادلة صغيرة فيزيائية (ط=ك ث ٢) (ESMC ٢) (١) كانت وراء أخطر
стр. 234
سلاح في العصر الحديث! وبدأ التساؤل: أين ما كانت الوضعية تبشرنا به؟ وفتح التساؤل الباب على مصراعيه أمام أزمة كبيرة طحنت أوروبا والغرب في النصف الأول من القرن العشرين (١٤ هـ). واتجه الفكر إلى إنشاء مذاهب تخفف من جفاف العلم وقسوته وتتمرد عليه، وربما هذا مما يفسر نجاح المذاهب الروحية والمثالية والوجودية في هذه المرحلة.
ومما تكشفه هذه الأوضاع بأن العلم له حدوده، فهو لا يخرج عن كونه نشاطًا بشريًا يفتح الله به على قوم فيبدعون فيه، لكنه لا يصل إلى درجة قيادة البشرية إلى سعادتها، ولذا فهو كغيره من النشاطات البشرية في حاجة إلى قيمة أعلى، تهذب أهدافه، وتُقوِّم اعوجاجه، وتصحح مساره، وتنقذ الناس من شروره عند وجود من يوقد نارها.
كانت هذه هي الصدمة الثانية، فالأولى أن العلم لا يستطيع إعطاء حقائق مطلقة، وأنه في حاجة إلى تعديل مساره وتصحيح أخطائه أو تغييرها، وما هو علم اليوم قد يصبح غدًا في أحد المتاحف الموجودة هنا أو هناك كشيء من التراث، وأما الثانية فإنه يحمل في طياته أسباب الدمار كما يحمل أسباب السعادة؛ وذلك أنه نشاط بشري قابل للتوظيف في الجهتين، وهنا تظهر حاجة العلم إلى قيمة أعلى تضبط مساره، بعد أن رأينا كيف وظف في الشرور، وجانب السعادة فيه بقي محتكرًا على عالم الأقوياء ويُحرم منه الضعفاء، وأصبح النافع منه خاصًا بجلب السعادة والثراء لأهله فقط، وفي هذه الدنيا فقط ويحرم منه الآخرون إلا بالقدر الذي يريده أهله، فاختفت بهذا الأحلام الوضعية المرتبطة بمستقبل العلم.
стр. 235
النوع الثاني: النظرية النسبية وتيارات الفكر المعاصر:
ليست النظرية النسبية حديثًا عابرًا يمرّ دون أثر، وإنما هي أهم معالم العلم المعاصر، وجذبت أغلب التيارات المعاصرة إليها بالسلب أو الإيجاب، وبما أن الفصل يبحث في أثر النظريات على الأفكار أو علاقتها بتيارات الفكر، فسأذكر هنا بعض ملامح تلك العلاقة معتمدًا في ذلك على العرض الذي قدمه الدكتور "بدوي عبد الفتاح محمَّد" في كتابه: "فلسفة العلم" (١)، والغرض فقط بيان حجم ما أثارته النظرية في الفكر المعاصر، وسأقتصر على أربع فئات هي الأشهر في الفكر الغربي "علماء في العلوم الحديثة والفلاسفة والمتدينون والساسة":
١ - موقف العلماء:
انقسم العلماء باختلاف تخصصاتهم حول النظرية إلى قسمين: فقسم أبدى إعجابه الكبير بالنظرية عادًّا إياها نظرية مدهشة، وقسم آخر رفضها أو توقف فيها أو عدّها أقرب إلى مجال الفلسفة من مجال العلم؛ لأن أغلب مفاهيمها الرياضية لا يمكن إثباتها بالتجربة أو ملاحظتها وفق معايير العلم التجريبي (٢).
والمتأمل لهذا الاختلاف من خارج دائرتهم يقوده ذلك إلى نتيجة مهمة تتعلق بموقفنا نحن المسلمين من النظريات العلمية، ومفادها: بأنه ما من نظرية علمية إلا واختلف أهلها -أي: أهل التخصص في المجال التي ظهرت فيه- قبل غيرهم، وهذا يعني أن النظرية ليست من قبيل الحقائق الواضحة أو المطلقة، ولو كانت كذلك مع الزعم بأن دلائلها يتساوى الناس في فهمها لما وقع كل هذا الاختلاف على الأقل في دائرة العلم ذاته، فنحن نرى العلماء يقبلون الحقائق التي جاء بها ومعادلاتها الرياضية، ولكن فريقًا يتوقفون مع النسبية الخاصة وهم مع النسبية العامة أكثر اختلافًا وتوقفًا.
وليس مقصدي هنا الميل لجانب دون آخر أو الحكم بصوابها أو خطئها، وإنما المقصود بأن النظرية العلمية منظومة كلامية علمية مجملة تحوي في طياتها
стр. 236
الأفكار البديهية الصحيحة والأخرى الغامضة والثالثة القابلة للتوظيف في مجالات شتى. ومنظومة بهذه الصورة ليس من الصواب رفضها مطلقًا أو قبولها مطلقًا، وإنما المطلوب تحليلها والاستفادة من جوانبها المفيدة إن احتيج لها وتصحيح الخاطئ منها والتوقف مع الغامض فيها.
وهناك صورة أخرى داخل إطار العلم المعاصر في التفاعل مع النسبية نجده في علم الاجتماع الزاحف بقوة إلى ميدان العلم المعاصر، حيث وجد في النسبية مجالًا خصبًا ينعش النظريات الاجتماعية -الذي كان مرتبطًا في مرحلة سابقة بالدارونية والماركسية والوضعية- حيث حول مجموعة من علماء الاجتماع مسارهم نحو النسبية. ومن أهم مجالات تأثرهم بالنسبية ما نجده من نظريات حول ثقافة عصرٍ ما؛ إذ يرى أحد علماء الاجتماع المعاصرين "سوروكن" بأن نظرية النسبية أحدثت تغييرًا جذريًا في "العقلية الثقافية للعصر"، فمن وجهة نظره أن لكل عصر عقليته الثقافية الخاصة المعبرة عن روحه. ففي العصور الوسطى سادت الثقافة الروحية والمثالية، حيث كانت القيم الروحية هي الأهم من المادية، والدنيا إنما هي معبر للآخرة. وفي القرن السابع عشر (١١ هـ) وما بعده احتلت ثقافة جديدة عقول الناس، وهي الثقافة الحسية، فلم تعد الطبيعة موضوعًا للتأمل في بديع صنع الله. ولم يعد العلم نوعًا من التقرب إلى الله. بل أصبحت المادة هي الحقيقة الأساسية، والإدراك الحسي هو المعرفة اليقينية بالطبيعة (١).
وبحسب ما أرى فإن هذا الموقف لا يختلف كثيرًا عن بقية مدارس علم الاجتماع إلا أنه أخف تطرفًا في نقطة واحدة هي: أن الحقائق في كل عصر حقائق نسبية بخلاف التيارات الوضعية في علم الاجتماع فهي ترى بأن عصر العلم هو عصر الحقائق الصلبة الصحيحة بخلاف ما قبله فهو عصر الأوهام. وقد امتدت هذه النظرية النسبية للحقائق إلى مجالات واسعة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وأغلب العلمانيين يوظفون ذلك في حربهم مع الدين جاعلين من الدين وأصوله وفروعه قضايا نسبية، وليست حقائق مطلقة. وقد امتد ذلك إلى مجموعة من العرب عند دراستهم للإسلام وبحثهم فيه، فيتكلمون على الحقائق النسبية، ويفرقون بين الحق المطلق والحق النسبي، وكذا في الصدق والعدل
стр. 237
والصواب وغيرها مما سيأتي في فصول قادمة بإذن الله مع تحليله ونقده، مع العلم أن أكثرها قد لا يرتبط بالنظرية النسبية إلا في كلمة نسبية.
٢ - الموقف الفلسفي:
رغم كثرة مذاهب الفلسفة ومدارسها إلا أن هناك تقسيمًا له شهرته في تاريخ الفلسفة قد يساعدنا في تتبع آثار النسبية في الفلسفة، وهو تقسيمها إلى مثالية ومادية.
فأما التيار المثالي العقلاني فقد رحب غالبًا بهذه النظرية لنزعتها اللامادية؛ فمن ذلك مثلًا إثباتها لواقع غير مادي، وفي هذا ردٌّ على الماديين الذين لا يرون العالم إلا مادة، بينما في النظرية ما يدل على أن هناك كيانات غير مادية تؤثر في الأجسام المادية، وإنْ ثقُل وزنها مثل تأثير انحناء الفضاء في الأجرام السماوية، وأقصت مفهوم تأثير الطبيعة والمادة على العقل، وبدأ العلم المعاصر في الجملة يبتعد رويدًا رويدًا عن المادية والآلية.
وفي المقابل فإن التيار المادي لم يسكت عن استدلالات المثاليين وردّ عليها بردوده، ثم منهم من حاول سحب النظرية لتؤيد المذهب المادي، ومنهم من رفض النظرية لإحساسهم بحقيقة معارضتها للعقيدة المادية التي هم عليها، لذلك سارع عدد من المفكرين السوفييت باتهام النسبية بأنها نظرية رجعية دوجماطيقية، تعود بالعقل الإنساني إلى عصور الروحانيات والتصورات الميتافيزيقية (١).
ورغم الاختلاف بين التيارين فإن مفاهيم فلسفية حول "المكان" و"الزمان" و"الحتمية" و"الحرية" وغيرها بدأت تأخذ مسارًا جديدًا في ضوء النظرية النسبية وصاحبتها الأخرى الكوانتية، وبدأت الفلسفة المعاصرة تنظر لهذه المفاهيم نظرة جديدة. وإذا كان فيلسوف العقلانية في القرن (١٢ هـ) الثامن عشر "كانط" قد بني فلسفته على "الزمان المطلق" و"المكان المطلق" كما وجدها عند عالم الطبيعة نيوتن، فإنهما لم يعودا مطلقين بل أصبحا نسبيين، ونجد أغلب فلسفات العصر تتحرك في ضوء هذا المفهوم الجديد للزمان والمكان.
стр. 238
وقل مثل ذلك في مفهوم آخر وهو آلية الكون وميكانيكيته التي ترسّخت مع فيزياء نيوتن، وذهب بها "لابلاس" إلى أبعد حدودها: فالعالم يتحرك كالآلة، وأما افتراض وجود رعاية إلهية لهذه الآلة ففرضٌ لا حاجة للعلم إليه، تعالى الله عن ذلك. ولكن مع النسبية وصاحبتها الكوانتية ظهرت مستجدات تعكر صفو التصور الآلي -الميكانيكي، حيث تُظهر ضعف تلك الآلة، ومن ثم إزالة الوهم المتعلق بوضع آلة نيوتن موضع الحقائق المطلقة، مما فتح الباب لنقاشٍ طويل حول مذاهب فلسفية: منها من ينتصر للحتمية كما هو الغالب في المادية ومنها من ينتصر للحرية واللاحتمية كأغلب المثاليين، وهي مسألة شبيهة باختلاف بعض أتباع أهل الدين في موضوع القدر ما بين قدرية وجبرية، ففي الفلسفة المعاصرة وتيارات العلم نجدها بمصطلحات أخرى أشهرها الحتمية واللاحتمية (١).
٣ - الموقف الديني:
فإن الكنيسة وإن أُقصيت بعد نجاح الثورة العلمانية، إلا أنها مع نهايات القرن التاسع عشر (١٣ هـ) بدأت تنتعش في دائرتها، وتستقطب أتباعًا عطشى من هنا وهناك، وسمحت الدول الاستعمارية في حملاتها لحركة تنصيرية داخل البلاد المحتلة. وبدأت كنائس جديدة تتفاعل مع الأفكار الجديدة العلمية أو الفلسفية، فتحاور وتناقش وتعترض أو تستثمر إلى غير ذلك. إلا أنها تبقى مؤسسة ضعيفة مقارنة بالمؤسسات العلمانية، وهكذا كان حالها أول القرن العشرين (١٤ هـ).
لعل من المناسب هنا أن نتعرف على علاقة صاحب النظرية النسبية بالدين ورأيه في علاقة نظريته بالدين، ثم ننتقل بعد ذلك إلى الكنيسة وأهلها: أما هو فأصله من اليهود، ولكنه عاش في أسرة غير مبالية بالدين إن لم تر طقوسه وعقائده من خرافات القرون الوسطى، وولاؤه ليهوديته قد لا يتعارض مع عدم تدينه، وأجوبته في المسائل الدينية أجوبة غامضة -بخلاف ما نراه من احترام للدين عند أغلب رواد الثورة العلمية بمن فيهم نيوتن في السابق، أو ما نراه من صراحة تامة في الإلحاد، كما في القرن (١٣ هـ - ١٩ م) - وكأن قضية النسبية
стр. 239
جرّت ظلالها إلى مسألة الدين ذاته فلم يعد بالإمكان اتخاذ أحد الموقفين، مع أو ضدّ، وإذا كان مقياس التدين هو الإقرار بالنبوات، فإن أمثال هؤلاء لا يلتفتون لذلك، وإنما الإيمان عندهم ضد الإلحاد، وهو الإيمان بوجود الله سبحانه فقط، ومع ذلك فحتى هذه المسألة لم تكن أجوبته فيها واضحة، ففي جوابه عن سؤال: هل تؤمن بالله؟ قال لسائله: "إن سؤالك هو أصعب الأسئلة في العلم فهو ليس بسؤال يجاب عنه بنعم أو لا. أما أنا فلست ملحدًا. . . ."، ومما قاله: "إن العقل البشري مهما بلغ من عظم التدريب وسمو التفكير عاجز عن الإحاطة بالكون. فنحن أشبه الأشياء بطفل دخل مكتبة كبيرة ارتفعت كتبها حتى السقف فغطت جدرانها، وهي مكتوبة بلغات كثيرة. فالطفل يعلم أنه لابد أن يكون هنالك شخص قد كتب تلك الكتب، ولكنه لا يعرف من كتبها ولا كيف كانت كتابته لها. . . . ثم إن الطفل يلاحظ أن هنالك طريقة معينة في ترتيب الكتب، ونظامًا خفيًا لا يدركه هو، ولكنه يعلم بوجوده علمًا مبهمًا. وهذا على ما أرى هو موقف العقل الإنساني من الله، مهما بلغ ذلك العقل من السمو والعظمة والتثقيف العالي" (١). ورغم تردده إلا أن الإعلان عن مثل هذا الموقف يُعدّ انعطافًا في مسيرة العلم المعاصر؛ لأن الظن قد ساد بأن العلم رديف الإلحاد، وأغلب رموز العلم في القرن (١٣ هـ - ١٩ م)، ومنظري الفلسفات الوضعية العلمية كانوا من الملاحدة، وأبرز المذاهب الفكرية شهرة كانت تقوم على الإلحاد، وهذه أمور كلها مؤشرات على صعوبة وجود عالم كبير يدلي بمثل الموقف السابق الذي يُشتمّ منه ريح الإيمان، على الأقل بوجود الله سبحانه، وأنه هو الموجد لهذا العالم، فقد كانت عقيدة علماء القرن الثالث عشر/ التاسع عشر -الوضعيين والماديين- بأن الطبيعة هي الموجدة لذاتها وعوالمها، وأنها تخبط خبط عشواء، وأن ذلك مردّه إلى الصدفة كما كان جواب "داروين" أحد أشهر علماء القرن، ولكن القرن الرابع عشر/ العشرين يُظهر جوابًا آخر وإن كان سيبقى ضبابيًا ربما لواقع الفكر والمجتمع الغربي آنذاك.
ولا شك أن جزءًا من نظرية النسبية وموقف صاحبها يُعدّ نقطه لصالح الفلسفة المثالية والمذاهب الدينية واللاهوتية وأهل الدين في المجتمع الغربي،
стр. 240
وهذا مما يفسّر سرّ انزعاج التيار المادي في صورته الماركسية مثلًا من هذه النظرية.
أما رأي صاحب النظرية عن علاقة نظريته بالدين فهو يرى أنها "مسألة علمية محضة، وليس لها أدنى علاقة بالدين"، وقد كان هذا جوابه لرئيس الكنيسة الإنجليكانية الذي حرص على لقاء "أينشتين" بعد سماعه أقوالًا متناقضة عن علاقة نظريته بالدين (١).
ويعد هذا الموقف صدمة أخرى للاتجاهات الوضعية والمادية التي غطت على غيرها في القرن (١٣ هـ - ١٩ م)، فهم كانوا يرون بأن العلم يلزم منه أن يكون ضدّ الدين وأنه البديل عنه، أما هنا فنجد موقفًا آخر يجعل النظرية مسألة علمية لا علاقة لها بالدين، وما كان هذا الموقف ليرضي الاتجاه الوضعي والمادي والأطراف الأخرى الملحدة.
وينبغي التذكير هنا بأن موقفه المديني إنما ننظر إليه في دائرة الفكر الغربي، وبحسب الأجواء السائدة هناك لا بمنظارنا نحن؛ لأن رؤيته الدينية رؤية مختلفة عما يعتقده أهل الكتاب أو أهل الإِسلام ممن يقرون بالنبوات، ولكن هذه الرؤية الشبيهة برؤية أهل وحدة الوجود كانت في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر غير مقبولة في التيارات البارزة؛ لأنها مفتاح للإقرار بوجود الله، وقد كان هذا المفتاح فرصة للمتدينين الغربيين باستثماره في إثبات أصولهم الدينية وفي مقدمتها الإقرار بوجود الرب سبحانه والإقرار بعالم الغيب.
ننتقل الآن إلى موقف الكنيسة والمتدينين من النظرية بعد أن عرفنا موقف صاحب النظرية من الدين، فإذا كانت النظرية النسبية ذات مستويات مختلفة فمنها ما قد يتوافق مع قضايا دينية ومنها ما قد يتعارض، ولذا كان الانقسام بينهم حول النظرية كغيرهم:
فمنهم من رأى في معادلة "أينشتين" حول علاقة المادة بالطاقة نصرًا للدين وحجة جديدة يساند الله بها رسالاته. فان تحول المادة إلى طاقة، أو العكس، وتأثير الطاقة غير المادية وغير المنظورة في الأشياء المادية كلها مما يؤيد الدين؛
стр. 241
لأنها تؤكد على وجود كائنات لا مادية، وعلى هذا فإن الإنسان فيه كائنات لا مادية تؤثر فيه مثل النفس والروح والقيم. ومنهم من رأى فيها ما يثبت عقيدة البعث، وبقاء عمل الإنسان، وعودة النفس إلى جسدها يوم القيامة من أجل الحساب. وأنها تؤدي إلى دحض المذاهب المادية والإلحادية التي طالما عانت منها الأديان، إلى غير ذلك.
وفي مقابل التيار المتحمس لاستثمارها نجد تيارًا آخر رفضها لعدّة أسباب منها مثلًا ضررها الأخلاقي لجعلها المبادئ الأخلاقية من الأمور النسبية (١).
ومن المعلوم بأن النظرية النسبية لم تتدخل في هذه الأمور الدينية وإنما كان هذا من التأويلات التي بناها هؤلاء حول النظرية، وهم في ذلك كغيرهم من المستثمرين لهذه النظرية لاسيّما وهي قد أعانتهم في زلزلة عدوهم اللدود الاتجاه المادي الذي كان يبني إلحاده على نظريات علمية سابقة، ويكون من حقهم كغيرهم استثمار النظرية فيما تؤيدهم فيه. ولكن يبقى جميع هؤلاء في خطرة لأنهم لا يتعاملون مع حقيقة علمية قطعية واضحة لا اختلاف حولها، وإنما هم يتعاملون مع منظومة مجملة يمكن لكل تيار أن يجد فيها ما يناسبه، وإن كانت بعض النظريات أقرب للاستثمار من تيار على حساب غيره، ولكن كونها الأقرب لا يعني عدم وجود ثغرات يطعن بها المخالف، أو فيها مجالات تسمح للمخالف ولو بعد حين باستثمارها أيضًا لصالحه، وهو أمر بارز في أي فكرة مجملة تحوي في طياتها احتمالات شتى.
٤ - الموقف السياسي:
فمن الطريف في هذا الباب بأن أشهر ثلاثة أنظمة علمانية سياسية -في النصف الأول من القرن الرابع عشر/ العشرين الميلادي- رفضت هذه النظرية، وهي أنظمة عنصرية أو قومية أو مادية ذات ممارسة استبدادية بارزة، وهي: النظام الشيوعي، والنازي، والفاشي. ورغم أن أكثرها يزعم الحرص على العلم إلا أنهم رفضوا هذه النظرية. والعجب يشتد مع النظام الشيوعي؛ لأنه نظام يزعم العلمية، ولكن العجب يخف إذا علمنا بأن سبب الرفض مرجعه عقائدي بالدرجة
стр. 242
الأولى، فالشيوعية مبنية على المادية، وقد أسست ماديتها على صورة العلم في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر -آلية نيوتن وتطورية داروين المادية وغيرها كما سبق الحديث عنها-؛ ولذا فلن تقبل بنظرية تقوّض هذا المعتقد المادي حتى وإن جاء من دائرة العلم (١).
أكتفي بالإشارة السابقة؛ لأن المقصود بيان مدى اتساع التفاعل الغربي مع "النظرية النسبية" إحدى أشهر نظريات القرن، وأنتقل إلى ثاني أشهر نظرية علمية في هذا القرن وهي "نظرية الكم".
ج- اكتشاف الذرة ومولد نظرية الكم:
رأينا فيما سبق أثر تجربة واحدة قام بها كل من "مايكلسون ومورلي" أدت إلى إزاحة مفهوم الأثير عن دائرة العلم، ورغم كونها تجربة محدودة، إلا أنها شكلت منعطفًا في تاريخ العلم عامة والفيزياء خاصة، ومع سقوط هذا المفهوم سقطت معه مفاهيم كبيرة كانت مرتبطة بالفيزياء النيوتنية بما في ذلك مذاهب فلسفية وفكرية بنت مبادئها على تلك المفاهيم. وليس من السرّ أن نرى بعض المذاهب المادية تستميت في الدفاع عن مفهوم الأثير حتى في القرن الرابع عشر/ العشرين رغم أن التجربة كانت في النصف الثاني من القرن الثالث عشر/ التاسع عشر (١٨٨٧ م)، ونجد اتفاق المفكرين والكتاب السوفييت على تخطئة النظرية النسبية لقبولها بنتيجة التجربة الموجعة لهم وتخليها عن فرض الأثير، وهو العمود الفقري لكل الفلسفات المادية (٢).
ومن طرائف الأمور بأن صاحِبَي التجربة كان هدفهما إثبات وجود الأثير؛ لأن نيوتن الذي أقام نسقه الفيزيائي على الأثير لم يستطع إثبات وجوده، وبقي في حيرة من أمره. فجاءا بتجربة في وقت كانا من أنصار فرض الأثير ولكن التجربة خيبت آمالهما، وكان إعلان نتيجة التجربة بمثابة الصاعقة التي نزلت بعلماء القرن (١٣ هـ -١٩ م) كما صورها أكثر من كاتب (٣). ويبقى الأمر الملفت
стр. 243
بأن عملًا بسيطًا كهذه التجربة غيَّر مسار علم بأكمله، وغيَّر مفاهيمه الأساسية، وكان نواة لنظرية جديدة يولد معها فيزياء جديدة.
في زمن هذه التجربة الصغيرة كان هناك مجموعة أخرى توصلت إلى اكتشاف مدهش وأكثر إثارة وعجبًا في مسيرة العلم المعاصر، ألا وهو اكتشاف عالم الذرة وما تبعه من ظهور علم جديد هو علم الكوانتم.
١ - قصة عالم الذرة:
للذرة خلفية تاريخية تمتد لأكثر من عشرين قرنًا، وقد أُنجز في خمسين سنة ما يعادل بل يفوق ما أنجز في كل تلك القرون، ولهذا النوع بالذات خلفية إسلامية أيضًا ما زالت ممتدة إلى عصرنا الحاضر عند بعض التيارات الإِسلامية، فنبدأ بها كتوطئة لموضوع "الذرة" ولنكشف بأن مثل هذه الميادين تُحدث خلافًا واسعًا عندما تدخل في مجالات دينية أو كلامية ولاهوتية وثقافية.
كانت هناك بحوث ونظريات قديمة تبحث عن جواب لهذا السؤال: ممَّ يتكون هذا العالم؟ ومن أشهر النظريات القديمة النظرية الذرية في الفلسفة اليونانية ونظرية العناصر الأربعة. وعندما تُرجمت كتب فلسفية كثيرة من الهند والفرس واليونان في القرن الثاني الهجري، وما بعده تأثر بعض المسلمين بهذه الموضوعات، واشتغلوا بها. ومن ذلك مباحث المتكلمين حول الجسم والجوهر والجزء الذي لا يتجزأ وكذا المتفلسفة، وتنازعوا حولها كثيرًا واختلفوا فيها إلى طوائف، ومن العجب أن نجد في وقت مبكر في الجسم أو الجوهر عدّة مذاهب، فقد جمع الإِمام أبو الحسن الأشعري في كتابه "مقالات الإِسلاميين واختلاف المصلين" أقوالًا كثيرة (١)، وهو المتوفى سنة (٣٣٠ هـ) فما بالك بما حصل بعده؟!
ومن ذلك اختلافهم حول الجوهر الفرد أو الجزء الذي لا يتجزأ أو ذرات الفلاسفة، وقد بُني على ذلك مسائل أصولية كبيرة، وانشغل بها المسلمون قرونًا
стр. 244
طويلة. ومن باب المثال نجد أن من أهم معالم البناء المنهجي في كتب العقائد الكلامية الابتداء بدليل حدوث الأجسام، ولهم في إثبات ذلك طرق أهمها الاعتماد على مفهوم الجزء الذي لا يتجزأ أو الجوهر الفرد الذي يعبر عن أصغر شيء في الأجسام، ويعدون هذا الدليل دليلًا عقليًا قويًا على إثبات حدوث الأجسام، ومن ثم فلكل حادث محدث إلى نهاية السلسلة (١).
وهو دليل تتشابه فيه الاستدلالات الكلامية عند متكلمي المسلمين وعند غيرهم من الملل الأخرى، ولكن مع المتغيرات في الفكر الغربي، ضعفت العناية به داخل الإطار المديني واللاهوتي وتحول إلى قضية فلسفية وميتافيزيقية، ووجدت النظرة الذرية أنصارها من أمثال "جاليليو" و"بويل" و"نيوتن" (٢)، ولكنها بقيت في الإطار الفلسفي ذاته.
خرجت فرضية الذرة بوصفها مفهومًا فلسفيًّا وكلاميًّا من دائرة الفلسفة لتدخل إلى دائرة العلوم الجديدة التي بدأت تستقل بنفسها عن الفلسفة وتعتمد على منهج الملاحظة والتجريب. وكان أول من أخضع الفرض الذري للتحقيق التجربيي "دالتون" في الكيمياء ونقلها فيما بعد "فرداي" وغيره إلى الفيزياء (٣) لتصبح في مطلع القرن العشرين (١٤ هـ) وما بعده أهم موضوعات الفيزياء وأكثرها شهرة.
ومسيرة فرضية الذرة داخل العلم الحديث مسيرة عجيبة، وهي تختلف عن تلك المسيرة المعهودة عند السابقين، فهي عند أصحاب العلوم الحديثة فرض يتعلق بعالم المادة من حولنا، وربما يمكننا من خلال فهم الذرة استثمار تلك المعرفة في إحداث تغييرات أو تركيبات في المواد، لينتفع الناس بها تبعًا للغاية التي تسعى إليها علوم الطبيعة، وهو السيطرة على الطبيعة قصد الانتفاع بها. فقد كان الفرض الذري أحد أهم أسباب التقدم في علم الكيمياء، فمن خلاله تم ترتيب العناصر الكيميائية، ابتدأ ذلك دالتون ثم طورها مندليف، وخلاصتها: بما
стр. 245
أن هناك شبه اتفاق على أن كل عنصر مكون من ذرات، وأنه بحسب اجتماع الذرات أو افتراقها تتكون المواد، وهذا يعني بأن لكل عنصر موجود عددًا ذريًّا يجعل وزنه مختلفًا عن الآخر. ثم حصروا ما يعرفون من عناصر في زمنهم، ووضعوا أخفها معيارًا للقياس على أن يكون وزنه المقترح رقم واحد، وكان أخف ما وجدوه الهيدروجين، ثم يقيسون بما بين أيديهم من أدوات كميات مساوية لكمية الهيدروجين، فما زاد إلى الضعف يكون رقمه أو وزنه الذري اثنين، وما زاد ثلاثة أضعاف يكون وزنه ثلاثة، وهكذا، وبهذا تم ترتيب العناصر ترتيبًا علميًا، وبعض عناصر الجدول بقيت فارغة؛ لأنهم لم يجدوها إلى أن اكتُشفت فيما بعد (١). وهذا الترتيب المتفق عليه عندهم يدلس على أن الله سبحانه قد خلق عناصر الطبيعة وفق ترتيب بديع، مما جعل مجموعة من العلماء المعاصرين يجعلونه مدخلا للاستدلال على عظمة الخالق سبحانه، ويشعرون بآية من آيات الله في خلقه (٢).
ولكن الذرة تبقى فرضًا، ولم يستطع أحد آنذاك إثبات وجودها الواقعي، إلى أن جاءت تجارب "ماكسويل" حول الغازات ليؤكد فرضية الذرة بصورة أكبر في علم الفيزياء، ومع ذلك يبقى الجميع على الاعتقاد بأن الذرة جسيم لا ينقسم (٣)، كالتصور المعروف عند بعض المتكلمين.
وتأتي اكتشافات مذهلة ومتلاحقة في نهايات القرن الثالث عشر/ التاسع عشر تفتح الأعين عن عالم عجيب، وتدخلنا في مساحة هائلة مدهشة، رغم أنها حيز صغير لا يمكن رؤيته، وإنما يعرف فقط بآثاره، وتحول الفرض إلى شبه حقيقة، واكتشف علماء الفيزياء بأنه ليست المسألة مسألة الذرة فقط بل أبعد من ذلك؛ فالعجب هو من العالم الذي بداخل الذرة، والذي بدأ يظهر لنا جزء صغير منه.
بدأت هذه الاكتشافات تأخذ حيز الدقة مع "طومسون" (١٨٥٦ - ١٩٤٠ م) الذي اكتشف أشياء مهمة عن عالم الذرة ولاسيّما حول الإلكترون، على أن
стр. 246
جميع ذرات العناصر تحوي على هذا الإلكترون نفسه وإنما الاختلاف بين العناصر يرجع إلى الاختلاف في عددها، وهنا أصبح التصنيف العلمي للعناصر أكثر دقة.
وتابع "راذرفورد" أبحاث أستاذه مع آخرين ومما توصلوا إليه: أن هناك غير الإلكترون، فهناك أيضًا نواة يدور حولها الإلكترون. تبين فيما بعد أن هذه النواة أيضًا مركبة من جزيئات أو جسيمات. واكتشفوا أن لبعض الذرات خاصية إشعاعية. واكتشفوا داخل النواة عوالم جديدة منها مثلًا: "البروتون" و"النيوترون" و"البوزيترون" وجسيمات أخرى.
والمسألة ليست فقط في ما اكتشف داخل الذرة من عالم مدهش، بل أيضًا ما اكتشف عن طبيعة وجودها داخل الذرة، فلها حركتها الخاصة وطاقتها وإشعاعها وترتيب في غاية العجب (١).
لقد كانت فعلًا رحلة مذهلة: فلدينا جسم مكون من عناصر، كل عنصر عند تحليله نجده مؤلفًا من ذرات، وعند الدخول إلى باطن الذرة نجد فيها الإلكترون الذي يسبح بداخلها ويدور حول نواة، وعند الدخول إلى النواة نجد فيها أنواعًا مختلفة من الجسيمات، وما زالت البحوث متواصلة في هذا الميدان الصغير, فسبحان الخالق.
وبموازاة هذا العمل المدهش في الذرة كانت هناك بحوث في ميدان الطاقة، سواء كانت طاقة ميكانيكية أو حرارية أو ضوئية أو كهربائية، وكان البحث يدور حول تجلياتها هل هي متصلة أم منفصلة؟ وكان السائد إلى نهايات القرن الثالث عشر/ التاسع عشر أنها متصلة، فقام عالم فيزياء ألماني ماكس بلانك (١٨٥٨ - ١٩٤٧ م) بتجارب توصل إلى أن الطاقة أيًا كانت لا تظهر إلا بصورة منفصلة على شكل وحدات، وتنص النظرية: "على أن الطاقة لا تطلق باستمرار لكن في شكل وحدات مفردة تسمى الوحدة منها كمًا", ولذا سميت نظرية الكم.
وقد اقترح "أينشتين" فيما بعد جسيمًا سُمي الفوتون هو الذي يحمل الطاقة
стр. 247
في أثناء ظهورها. ثم جاء بعدهما عالم آخر "نيلز بور" فشرح كيف تمتص الذرات الطاقة وكيف تشعها. وبعد جهود مختلفة أنشأ فيزيائيان أوروبيان نظامين متكافئين يحويان في صياغة رياضية واضحة كل الفيزياء الكمية السابقة، لتصبح فيما بعد حقلًا معروفًا باسم ميكانيكا الكم (١)، وأصبح موضوع نظرية الكم أو الكوانتم الأساسي هو "عالم الذرة واكتشاف مزيد عن تركيبها وحركاتها وما بها من طاقة وإشعاع" (٢).
واتجه علماء الفيزياء بعد هذه الاكتشافات ومن يستفيد من علمهم في مسارين: فقسم يدرس العالم الكبير، عالم الكون الواسع، هل الكون منبسط أم كروي، وهل هو ممتد إلى ما لا نهاية أم له نهاية، وهل له بداية زمانية ونهاية زمانية، وما طبيعته، وما صورة حركته ونشاطه، وهؤلاء يتحركون في ضوء النظرية الأولى وهي نظرية النسبية لاسيّما النسبية العامة. وقسم يدرس العالم الصغير في حجمه، الكبير في حركته وطاقته، والمذهل بعجائبه، وهو عالم الذرة، ما حقيقتها وما مكوناتها، وما طبيعة الطاقة الداخلة إليها أو الخارجة منها، وما القوانين الموضحة لذلك؟ وهؤلاء يتحركون في ضوء النظرية الثانية نظرية الكم أو الكوانتم.
وكما أنه قد كان ما كان من آثار للنسبية في تيارات العصر، ونالت شهرة أكثر من غيرها، فإنه أيضًا قد كان لنظرية الكوانتم آثارها أيضًا لاسيّما وهي تتعلق بفرض طالما أثر افتراضه في تاريخ الفكر البشري، وسبّب دوامات هائلة في كل ثقافة دخل إليها، فهل يعقل أن يظهر من جديد في ثوب العلم دون أن يحدث أثرًا! هذا ما ستلقي عليه الأسطر القادمة بعض الضوء، وبالله التوفيق.
٢ - من آثار النظرية:
توجد نقاط مشتركة بين النظرية النسبية ونظرية الكم في علاقتهما بتيارات العصر، فبالرغم من اختلافهما من الوجهة العلمية البحتة إلا أن التأويلات الفلسفية والميتافيزيقية لهما متشابهة في كثير من الوجوه (٣). وقد ذكرتُ بعض ما
стр. 248
تشارك به النسبية في السابق، ونضيف هنا تفاعلات أخرى مع هذه النظرية.
إن هذا المخلوق العجيب الصغير الذرة قد حيّر العلماء، وأخذ من جهودهم سنوات طويلة، وأنفقت عليه دول الغرب نفقات باهظة ربما لو أُنفقت في غيره لتقدم العلم وتطور في مجالات متنوعة، ويكفي أن نلقي نظرة على ما أنفق لإنتاج القنبلة الذرية لنرى إحدى مشاكل تعامل الغرب مع عالم الذرة، حيث يقول "برنال": "وفي الواقع أن ما أنفق على إنتاج القنبلة الذرية، وهو ٥٠٠ مليون جنيه إسترليني، يفوق كثيرًا كل ما أنفق على الأبحاث والتطورات منذ بدء التاريخ" (١). وبقدر هذا الجهد الهائل حول الذرة علميًا وتقنيًا كان هناك في المقابل جدل فكري كبير حول بعض ما توحي إليه في عالم الفكر وأثر ذلك في تغيير أصول فكرية أيديولوجية وعقدية لمذاهب شتى.
١ - أول ما نلاحظه تكوّن مذاهب علمية داخل دائرة العلم عمومًا أو الفيزياء خاصة، ويعود ذلك في المقام الأول إلى أن مادة العلم الجديدة وهو عالم الذرة مادة لا يمكن رؤيتها والإحساس بها إحساسًا مشتركًا حتى تكون الأقوال العلمية حولها واحدة. فمع أن مادة البحث والنظر والملاحظة واحدة وهي الذرة؛ إلا أننا نجد أقوالًا مختلفة تكاد تشكل مذاهب علمية مختلفة. وهكذا نجد الاختلاف في طبيعة الضوء هل هو موجي أم جسيمي، ونجد تصور الذرة لا يذكر إلا مقترنًا بصاحبه (٢)، فنجد مثلًا ذرة "طومسون" أو ذرة "رذرفورد" أو غيرهما، وهكذا، فلكل عالم اقتراحه.
وهنا يبرز التساؤل المحيّر: إذا كنا نتعامل مع ظاهرة علمية تخضع للملاحظة والتجريب فلماذا لا يكون القول فيها واحدًا؟ لقد كان من الطبيعي الاختلاف في مسائل دينية أو لاهوتية أو ميتافيزيقية؛ لأن التعامل فيها يكون مع أمور غيبية أو ذهنية، فتختلف الآراء حولها, لكن هنا في ميدان العلم ونحن أمام ذرة واحدة بين أيدينا، ومع ذلك اختلفت فيها آراء العلماء، وأصبحت في دائرة ما يختلف فيه، فلماذا لا يكون العلم حاله مثل حال تلك الأمور التي اعتدنا الاختلاف فيها؟ وبهذا يضعف كونه الممثل للحقيقة لوحده، ويبطل تقديمه على
стр. 249
غيره مطلقًا دون قيد أو شرط، ولا يصلح لأن يكون مقياسًا للصواب لوحده أو معيارًا للحقائق.
ومن بين أهم المشاكل المنهجية والإبستمولوجية المثارة بسبب تنوع المذاهب العلمية داخل مدرسة الكم أو ميكانيكا الكم مشكلة الحقيقة الفيزيائية (١). فبينما كانت تأخذ صورة المطابقة في الفيزياء الكلاسيكية، وتبعًا لذلك يتفق الأتباع على قول واحد، فإنها في الفيزياء المعاصرة تنزع إلى التنوع، وتصبح الحقيقة نسبية مرتبطة بتطور العالم، وكأنها مفهوم مصنوع من جدلية التفاعل بين ذهن العالم والمادة التي بين يديه. فلو كانت صورة طبق الأصل عن المادة لما اختلفت آراء العلماء، ولو كانت تصورًا ذهنيًا صرفًا لما كان هناك إطار عام يعترف به الجميع مثل أن هناك ذرة وداخلها إلكترون ونواة وجسيمات أخرى. ولكن الذرة أو الإلكترون لم يرهما أحد، وإنما عرفا بآثارهما، فيبقى الاعتراف بهما تقريبيًا ومتخيلًا.
فتصبح كلمة حقيقة أو مصطلح الحقيقة في ضوء الفيزياء المعاصرة مغايرًا لمفهومها في الفيزياء الكلاسيكية؛ أي: أن الحقيقة في الفيزياء المعاصرة ليست مما يحكم عليها بالصدق والكذب بسهولة؛ لأنها لا تعني المطابقة دائمًا، ولكنها مما يحكم عليها بالفائدة أو عدمها، فإن كانت تفسر وتنفع فهي حقيقة حتى تفقد قيمتها تلك بحقيقة جديدة أنفع منها.
ولا شك أن جرّ مصطلح بهذا المعنى إلى ميادين أخرى يسبب مشكلات كثيرة، ومن ذلك مثلًا وضع تقابل بين الحقائق الدينية المثبتة في الوحي وبين الحقائق الفيزيائية، فإن المقابلة هنا بين ما هو حقيقة التي لا مجال لها إلا الصدق، وبين ما هو حقيقة نفعية تفسيرية قد يأتي ما ينسخها.
وتظهر إشكالية المقابلة هذه من جهتين: من جهة رجال الدين أو من علماء متدينين يريدون استثمار نتائج مثل هذه النظريات لإثبات صحة عقائد أو لبيان سبق الدين إلى كشفها، فماذا هم فاعلون لو جاءت نظرية جديدة تلغي هذه وتستبدل حقائقها بحقائق أخرى؟
стр. 250
وتظهر من جهة بعض العلماء غير المتدينين الذين يستثمرون نتائج هذه النظريات في التشكيك بأصول دينية والتكذيب بها؛ لأن في كل نظرية مجالًا لحركة الطرفين، وإن كانت بعض النظريات تميل لخدمة طرف أكثر من آخر فلا يمنع وجود تأويلات معارضة أيضًا، فماذا هم أيضًا قائلون لأتباعهم عندما يحدث في الغد تغيرات في النظرية؟
ومن الواضح أن من بين الأسباب لهذا الاضطراب أن الجميع وضع الحقائق المطلقة مقابل ما يطلقون عليه حقائق المنفعة النسبية، وبسبب الاشتراك في اللفظ وقع الاضطراب في المعنى. ومثل هذا نجده في الكتابات العربية الإِسلامية والعلمانية؛ إذ نجد من الكُتّاب من يستثمر نتائج هذه النظريات لتفسير أصول عقدية، وبيان سبق الإسلام إليها، بينما يجتهد التيار العلماني في استخدام مفهوم الحقيقة النسبية، وتطبيقه على أصول عقدية وشرعية من أجل إثبات نسبيتها، وأنها حقائق مؤقتة تناسب فترة زمنية قد يأتي ما يطورها أو يكون بديلًا عنها (١).
ونجد في هذا المقام المنهجي التشارك بين مفهوم الحقيقة النسبي المرتبط بإشكاليات نابعة من نظرية الكم مع نظرية النسبية لأينشتين، فنسبية "أينشتين" الخاصة تدور حول نسبية الزمان والمكان والمادة والحركة، وهنا مع الكم نسبية تدور حول الحقيقة ذاتها في عالم المادة الصغير.
وبما أن الفيزياء تُعد من أهم علوم العصر وأدقها فإن منهجها وفلسفتها تصبح مركز استقطاب للاقتداء من بقية المعارف، وربما هذا يفسر أن أغلب الكتب التي تتحدث عن فلسفة العلم تجعل أمثلتها الصلبة من مجال الفيزياء. ومع تحول الفيزياء المعاصرة إلى نظريتين كلاهما ينظر للحقيقة بمفهوم نسبي؛ فإن هذا المفهوم سيلقي بظلاله على أغلب مجالات الفكر المعاصر وتياراته، وتصبح كلمة النسبية من أشهر الكلمات دورانًا على ألسنة الناس.
٢ - من نظرية الكم إلى تيارات الفكر. عُرض فيما سبق مسألة منهجية أثارتها نظرية الكم ترتبط بمفهوم الحقيقة. والآن وقفة مع قضيتين تعدان من أهم القضايا التي أثارتها النظرية داخل تيارات الفكر والدين في الفكر الغربي، وهما: