جميع ذرات العناصر تحوي على هذا الإلكترون نفسه وإنما الاختلاف بين العناصر يرجع إلى الاختلاف في عددها، وهنا أصبح التصنيف العلمي للعناصر أكثر دقة.
وتابع "راذرفورد" أبحاث أستاذه مع آخرين ومما توصلوا إليه: أن هناك غير الإلكترون، فهناك أيضًا نواة يدور حولها الإلكترون. تبين فيما بعد أن هذه النواة أيضًا مركبة من جزيئات أو جسيمات. واكتشفوا أن لبعض الذرات خاصية إشعاعية. واكتشفوا داخل النواة عوالم جديدة منها مثلًا: "البروتون" و"النيوترون" و"البوزيترون" وجسيمات أخرى.
والمسألة ليست فقط في ما اكتشف داخل الذرة من عالم مدهش، بل أيضًا ما اكتشف عن طبيعة وجودها داخل الذرة، فلها حركتها الخاصة وطاقتها وإشعاعها وترتيب في غاية العجب (١).
لقد كانت فعلًا رحلة مذهلة: فلدينا جسم مكون من عناصر، كل عنصر عند تحليله نجده مؤلفًا من ذرات، وعند الدخول إلى باطن الذرة نجد فيها الإلكترون الذي يسبح بداخلها ويدور حول نواة، وعند الدخول إلى النواة نجد فيها أنواعًا مختلفة من الجسيمات، وما زالت البحوث متواصلة في هذا الميدان الصغير, فسبحان الخالق.
وبموازاة هذا العمل المدهش في الذرة كانت هناك بحوث في ميدان الطاقة، سواء كانت طاقة ميكانيكية أو حرارية أو ضوئية أو كهربائية، وكان البحث يدور حول تجلياتها هل هي متصلة أم منفصلة؟ وكان السائد إلى نهايات القرن الثالث عشر/ التاسع عشر أنها متصلة، فقام عالم فيزياء ألماني ماكس بلانك (١٨٥٨ - ١٩٤٧ م) بتجارب توصل إلى أن الطاقة أيًا كانت لا تظهر إلا بصورة منفصلة على شكل وحدات، وتنص النظرية: "على أن الطاقة لا تطلق باستمرار لكن في شكل وحدات مفردة تسمى الوحدة منها كمًا", ولذا سميت نظرية الكم.
وقد اقترح "أينشتين" فيما بعد جسيمًا سُمي الفوتون هو الذي يحمل الطاقة
стр. 247
في أثناء ظهورها. ثم جاء بعدهما عالم آخر "نيلز بور" فشرح كيف تمتص الذرات الطاقة وكيف تشعها. وبعد جهود مختلفة أنشأ فيزيائيان أوروبيان نظامين متكافئين يحويان في صياغة رياضية واضحة كل الفيزياء الكمية السابقة، لتصبح فيما بعد حقلًا معروفًا باسم ميكانيكا الكم (١)، وأصبح موضوع نظرية الكم أو الكوانتم الأساسي هو "عالم الذرة واكتشاف مزيد عن تركيبها وحركاتها وما بها من طاقة وإشعاع" (٢).
واتجه علماء الفيزياء بعد هذه الاكتشافات ومن يستفيد من علمهم في مسارين: فقسم يدرس العالم الكبير، عالم الكون الواسع، هل الكون منبسط أم كروي، وهل هو ممتد إلى ما لا نهاية أم له نهاية، وهل له بداية زمانية ونهاية زمانية، وما طبيعته، وما صورة حركته ونشاطه، وهؤلاء يتحركون في ضوء النظرية الأولى وهي نظرية النسبية لاسيّما النسبية العامة. وقسم يدرس العالم الصغير في حجمه، الكبير في حركته وطاقته، والمذهل بعجائبه، وهو عالم الذرة، ما حقيقتها وما مكوناتها، وما طبيعة الطاقة الداخلة إليها أو الخارجة منها، وما القوانين الموضحة لذلك؟ وهؤلاء يتحركون في ضوء النظرية الثانية نظرية الكم أو الكوانتم.
وكما أنه قد كان ما كان من آثار للنسبية في تيارات العصر، ونالت شهرة أكثر من غيرها، فإنه أيضًا قد كان لنظرية الكوانتم آثارها أيضًا لاسيّما وهي تتعلق بفرض طالما أثر افتراضه في تاريخ الفكر البشري، وسبّب دوامات هائلة في كل ثقافة دخل إليها، فهل يعقل أن يظهر من جديد في ثوب العلم دون أن يحدث أثرًا! هذا ما ستلقي عليه الأسطر القادمة بعض الضوء، وبالله التوفيق.
٢ - من آثار النظرية:
توجد نقاط مشتركة بين النظرية النسبية ونظرية الكم في علاقتهما بتيارات العصر، فبالرغم من اختلافهما من الوجهة العلمية البحتة إلا أن التأويلات الفلسفية والميتافيزيقية لهما متشابهة في كثير من الوجوه (٣). وقد ذكرتُ بعض ما
стр. 248
تشارك به النسبية في السابق، ونضيف هنا تفاعلات أخرى مع هذه النظرية.
إن هذا المخلوق العجيب الصغير الذرة قد حيّر العلماء، وأخذ من جهودهم سنوات طويلة، وأنفقت عليه دول الغرب نفقات باهظة ربما لو أُنفقت في غيره لتقدم العلم وتطور في مجالات متنوعة، ويكفي أن نلقي نظرة على ما أنفق لإنتاج القنبلة الذرية لنرى إحدى مشاكل تعامل الغرب مع عالم الذرة، حيث يقول "برنال": "وفي الواقع أن ما أنفق على إنتاج القنبلة الذرية، وهو ٥٠٠ مليون جنيه إسترليني، يفوق كثيرًا كل ما أنفق على الأبحاث والتطورات منذ بدء التاريخ" (١). وبقدر هذا الجهد الهائل حول الذرة علميًا وتقنيًا كان هناك في المقابل جدل فكري كبير حول بعض ما توحي إليه في عالم الفكر وأثر ذلك في تغيير أصول فكرية أيديولوجية وعقدية لمذاهب شتى.
١ - أول ما نلاحظه تكوّن مذاهب علمية داخل دائرة العلم عمومًا أو الفيزياء خاصة، ويعود ذلك في المقام الأول إلى أن مادة العلم الجديدة وهو عالم الذرة مادة لا يمكن رؤيتها والإحساس بها إحساسًا مشتركًا حتى تكون الأقوال العلمية حولها واحدة. فمع أن مادة البحث والنظر والملاحظة واحدة وهي الذرة؛ إلا أننا نجد أقوالًا مختلفة تكاد تشكل مذاهب علمية مختلفة. وهكذا نجد الاختلاف في طبيعة الضوء هل هو موجي أم جسيمي، ونجد تصور الذرة لا يذكر إلا مقترنًا بصاحبه (٢)، فنجد مثلًا ذرة "طومسون" أو ذرة "رذرفورد" أو غيرهما، وهكذا، فلكل عالم اقتراحه.
وهنا يبرز التساؤل المحيّر: إذا كنا نتعامل مع ظاهرة علمية تخضع للملاحظة والتجريب فلماذا لا يكون القول فيها واحدًا؟ لقد كان من الطبيعي الاختلاف في مسائل دينية أو لاهوتية أو ميتافيزيقية؛ لأن التعامل فيها يكون مع أمور غيبية أو ذهنية، فتختلف الآراء حولها, لكن هنا في ميدان العلم ونحن أمام ذرة واحدة بين أيدينا، ومع ذلك اختلفت فيها آراء العلماء، وأصبحت في دائرة ما يختلف فيه، فلماذا لا يكون العلم حاله مثل حال تلك الأمور التي اعتدنا الاختلاف فيها؟ وبهذا يضعف كونه الممثل للحقيقة لوحده، ويبطل تقديمه على
стр. 249
غيره مطلقًا دون قيد أو شرط، ولا يصلح لأن يكون مقياسًا للصواب لوحده أو معيارًا للحقائق.
ومن بين أهم المشاكل المنهجية والإبستمولوجية المثارة بسبب تنوع المذاهب العلمية داخل مدرسة الكم أو ميكانيكا الكم مشكلة الحقيقة الفيزيائية (١). فبينما كانت تأخذ صورة المطابقة في الفيزياء الكلاسيكية، وتبعًا لذلك يتفق الأتباع على قول واحد، فإنها في الفيزياء المعاصرة تنزع إلى التنوع، وتصبح الحقيقة نسبية مرتبطة بتطور العالم، وكأنها مفهوم مصنوع من جدلية التفاعل بين ذهن العالم والمادة التي بين يديه. فلو كانت صورة طبق الأصل عن المادة لما اختلفت آراء العلماء، ولو كانت تصورًا ذهنيًا صرفًا لما كان هناك إطار عام يعترف به الجميع مثل أن هناك ذرة وداخلها إلكترون ونواة وجسيمات أخرى. ولكن الذرة أو الإلكترون لم يرهما أحد، وإنما عرفا بآثارهما، فيبقى الاعتراف بهما تقريبيًا ومتخيلًا.
فتصبح كلمة حقيقة أو مصطلح الحقيقة في ضوء الفيزياء المعاصرة مغايرًا لمفهومها في الفيزياء الكلاسيكية؛ أي: أن الحقيقة في الفيزياء المعاصرة ليست مما يحكم عليها بالصدق والكذب بسهولة؛ لأنها لا تعني المطابقة دائمًا، ولكنها مما يحكم عليها بالفائدة أو عدمها، فإن كانت تفسر وتنفع فهي حقيقة حتى تفقد قيمتها تلك بحقيقة جديدة أنفع منها.
ولا شك أن جرّ مصطلح بهذا المعنى إلى ميادين أخرى يسبب مشكلات كثيرة، ومن ذلك مثلًا وضع تقابل بين الحقائق الدينية المثبتة في الوحي وبين الحقائق الفيزيائية، فإن المقابلة هنا بين ما هو حقيقة التي لا مجال لها إلا الصدق، وبين ما هو حقيقة نفعية تفسيرية قد يأتي ما ينسخها.
وتظهر إشكالية المقابلة هذه من جهتين: من جهة رجال الدين أو من علماء متدينين يريدون استثمار نتائج مثل هذه النظريات لإثبات صحة عقائد أو لبيان سبق الدين إلى كشفها، فماذا هم فاعلون لو جاءت نظرية جديدة تلغي هذه وتستبدل حقائقها بحقائق أخرى؟
стр. 250
وتظهر من جهة بعض العلماء غير المتدينين الذين يستثمرون نتائج هذه النظريات في التشكيك بأصول دينية والتكذيب بها؛ لأن في كل نظرية مجالًا لحركة الطرفين، وإن كانت بعض النظريات تميل لخدمة طرف أكثر من آخر فلا يمنع وجود تأويلات معارضة أيضًا، فماذا هم أيضًا قائلون لأتباعهم عندما يحدث في الغد تغيرات في النظرية؟
ومن الواضح أن من بين الأسباب لهذا الاضطراب أن الجميع وضع الحقائق المطلقة مقابل ما يطلقون عليه حقائق المنفعة النسبية، وبسبب الاشتراك في اللفظ وقع الاضطراب في المعنى. ومثل هذا نجده في الكتابات العربية الإِسلامية والعلمانية؛ إذ نجد من الكُتّاب من يستثمر نتائج هذه النظريات لتفسير أصول عقدية، وبيان سبق الإسلام إليها، بينما يجتهد التيار العلماني في استخدام مفهوم الحقيقة النسبية، وتطبيقه على أصول عقدية وشرعية من أجل إثبات نسبيتها، وأنها حقائق مؤقتة تناسب فترة زمنية قد يأتي ما يطورها أو يكون بديلًا عنها (١).
ونجد في هذا المقام المنهجي التشارك بين مفهوم الحقيقة النسبي المرتبط بإشكاليات نابعة من نظرية الكم مع نظرية النسبية لأينشتين، فنسبية "أينشتين" الخاصة تدور حول نسبية الزمان والمكان والمادة والحركة، وهنا مع الكم نسبية تدور حول الحقيقة ذاتها في عالم المادة الصغير.
وبما أن الفيزياء تُعد من أهم علوم العصر وأدقها فإن منهجها وفلسفتها تصبح مركز استقطاب للاقتداء من بقية المعارف، وربما هذا يفسر أن أغلب الكتب التي تتحدث عن فلسفة العلم تجعل أمثلتها الصلبة من مجال الفيزياء. ومع تحول الفيزياء المعاصرة إلى نظريتين كلاهما ينظر للحقيقة بمفهوم نسبي؛ فإن هذا المفهوم سيلقي بظلاله على أغلب مجالات الفكر المعاصر وتياراته، وتصبح كلمة النسبية من أشهر الكلمات دورانًا على ألسنة الناس.
٢ - من نظرية الكم إلى تيارات الفكر. عُرض فيما سبق مسألة منهجية أثارتها نظرية الكم ترتبط بمفهوم الحقيقة. والآن وقفة مع قضيتين تعدان من أهم القضايا التي أثارتها النظرية داخل تيارات الفكر والدين في الفكر الغربي، وهما:
стр. 251
الأولى: عواصف تواجه الفكر المادي وتياراته.
الثانية: اللاحتمية أو اللايقين وأثرها على المذاهب الحتمية.
- ما الإلكترون؟ فبالرغم من أن النظرية الكوانتية كانت وراء أغلب تلك الآثار؛ إلا أن أحد سكان الذرّة كان له الأثر الأبرز في إثارة كثير من القضايا وهو الإلكترون. فما هو الإلكترون؟ وما سرّ دوره في هذه النقاشات؟
سبق أن رأينا ما يقوله علماء الفيزياء عن الذرة واكتشافاتهم حولها، وملخصها بأن المادة أو المواد أو قل الأجسام تتكون من عناصر، والعناصر أصغر مكوناتها الذرة، وبعد نجاح أحد العلماء في شطر الذرة وجد بداخلها جُسيمًا سُمي الإلكترون، ووجدوه يتحرك، وكان التصور الأول لتلك الحركة أنها دائرية ثم جاء تصور جديد أنها حركة على شكل بيضاوي، وأن الإلكترون يدور حول جسيم آخر هو النواة، وأن هناك جسيمات أخرى داخل النواة أطلق عليها البروتون والنيوترون وغيرها، وما زالت الأبحاث مستمرة في هذا العالم المدهش.
فالإلكترون جسيم داخل الذرة، ويتحرك في مسار بيضاوي، وهو يمتص الطاقة ويطلقها، وهو عند امتصاصه للطاقة أو إطلاقه لها يتغير مسار حركته حول النواة اقترابًا وابتعادًا، وهو في هذه النقطة بالذات يتحرك بأسلوب لا يمكن التنبؤ به وكل ما هنالك احتمالات ولا يوجد يقين عن حركته، ومن هنا جاء مبدأ اللايقين.
وتتم عمليات تحريك الإلكترون عن مساره عن طريق إسقاط أشعة على الذرة، تسير الأشعة في صورة فوتونات وكأنها كرات، فيدخل أحدها الذرة ويصطدم بالإلكترون فيحركه عن مساره أو يخرجه من الذرة، فيما يشبه كرات البلياردو. وفي غرفة السحاب التجريبية لـ"ويلسون" يمكن مشاهدة أثر الإلكترون عندما يكون خارج الذرة، فالإلكترون عندما يشق طريقه خلال جُزيئات الغاز بغرفة التجربة يترك خلفه تكثفات، يشبه في ذلك أثر التكثفات التي تتركها طائرة تطير على ارتفاع شاهق في السماء مع أنك لا ترى الطائرة نفسها. وبهذا نعرف أنه قد مرّ من هنا، أما ما بداخل الذرة من إلكترونات فلم يشاهدها أحد وليس من الممكن إلى الآن مشاهدتها, ولا ندري هل ما شاهدناه خارج الذرة هو نفسه
стр. 252
الموجود داخلها أم أنه قد حدث له تغير (١).
لقد قام أحد علماء الفيزياء -هيزنبرج- بالتفرغ لهذا الجسيم العنيد، فحاول "بتجاربه ملاحظة موضع الإلكترون وسرعته واتجاهه بأدق ما لديه من مكبرات"، ومما وجده أن تحديد مسار إلكترون واحد وسرعته واتجاهه يعد جهدًا ضائعًا، ولا ترجع المشكلة "إلى نقص في آلات العلم، وإنما إلى طبيعة الإلكترون. ولكي يثبت ذلك افترض أن مكبرًا خياليًا قادر على تكبير الإلكترون إلى قدر قطره بمائة بليون مرة حتى نستطيع رؤيته". فتظهر هنا صعوبة أخرى، إذ حتى نراه فنحن في حاجة إلى أشعة قوية، ولكن هذه الأشعة ستزيله من مكانه. فإن استطعنا تكبيره لهذه الدرجة وهي خيالية فلن نستطيع رؤيته؛ لأن الأشعة التي ستمكننا من رؤيته ستقتلعه من مكانه، وبحسب تشبيه البعض فإن ذلك كمن يريد اصطياد عصفور بمدفع عملاق.
وصل "هيزنبرج" بعد كل ذلك إلى مبدأ اللايقين الذي يقول فيه -بعد ملاحظات طويلة وحسابات دقيقة-: "إن من المستحيل من حيث المبدأ أن ترصد موضع الإلكترون وسرعة حركته واتجاهها بدقة متناهية في الوقت نفسه. يمكنك فقط أن تحدد بدقة متناهية موضع الإلكترون، وحينئذ لا نستطيع تحديد سرعته واتجاهها بنفس الدقة، أو يمكنك تحديد سرعته واتجاهها بكل دقة، وحينئذ لا تستطيع تحديد موضعه المكاني" (٢).
ومن الأمور المدهشة حول هذا الكائن المحير اختلاف علماء الفيزياء حوله، هل هو من طبيعة موجية يشبه في ذلك أمواج البحر أم هو من طبيعة جسيمية كحبات الرمل! إننا نسمع ونقرأ عن موجات تسبح في الفضاء باختلاف أطوالها من قصيرة ومتوسطة وطويلة، فهل هي موجات تشبه موجة البحر من
стр. 253
لحظة انطلاقها إلى منطقة استقبالها أم هي تنطلق على شكل جسيمات وحبات؟
إنها من المسائل الشائكة وذات أبعاد مؤثرة خارج دائرتها العلمية كما سنرى. فإذا نظر العلماء إلى الضوء أو الإلكترون وجدوا فيهما ما يدل على أنهما من طبيعة موجية وفيهما أيضًا ما يدل على أنهما من طبيعة جسيمية، فانقسموا تبعًا لذلك إلى مدرستين، وكل مدرسة بنت رأيها على استدلالات، أما إدراك حقيقة الضوء أو الإلكترون فغير ممكنة تمامًا طالما أن الرؤية لهما مستحيلة، مما حدا بالبعض إلى القول بعدم وجود الإلكترون واقعيًا، وأنه مجرد تصور رياضي مفيد، ومن ثمّ ينتقلون إلى الوظائف الممكنة لهذا التصور الرياضي المفيد (١). وهناك تيار ثالث حاول الجمع بين الأمرين، فقال: إنهما من طبيعة موجية، وفي الوقت نفسه جسيمية، وهو مما يزيد الحيرة حول الموضوع (٢).
وعجائب هذا الكائن المدهش الإلكترون كثيرة، وما وقفت إلا مع ما له صلة بحركة الفكر المعاصر لنرى، كيف كان لمثل هذا الكشف والنظرية من آثار، مع العلم بوجود أمرٍ آخر يدفعني لمواصلة الحديث عنه؛ وهو أن الصحيح من هذه المعلومات يدفع بالعاقل إلى النظر في ملكوت الله سبحانه والتفكر في مخلوقاته، وذلك جزء من العبودية التي حثنا عليها ربنا سبحانه في مواطن كثيرة من كتابه الكريم. وهذا النظر والتفكر هو أنفع للقلب في الدنيا والآخرة إذا قاد صاحبه للإيمان به سبحانه. وهذا أمر ينقص الكتابات العلمية والفكرية حول هذا الموضوع وأمثاله، فهي تبقى سابحة في عالم الأرقام والفرضيات والملاحظات الجامدة دون أن يدفعها ذلك إلى إيقاظ القلب، فتفتح له نوافذ أخرى نحو الإيمان بالله سبحانه وتحقيق عبوديته، وإذا لم يكن هذا الهدف بارزًا في الدراسات العقدية فستكون فائدتها ناقصة.
بعد هذه الرحلة في عالم الإلكترون نرجع إلى القضيتين اللتين تسبب الإلكترون بإثارة النقاش حولهما، وكذا نظرية الكم وميكانيكا الكم القائمة على دراسته.
стр. 254
الأولي: عواصف تواجه الفكر المادي وتياراته:
لقد رأينا ابتهاج الماديين بشتى تياراتهم في القرن التاسع عشر (١٣ هـ)، بانتصارهم على الدينيين والمثاليين، يزعمون أن العلم -سواء في فيزياء نيوتن ومن بعده لابلاس أو مع داروين وغيره- يؤكد صحة مذهبهم؛ لأنهم لا يرون مذهبهم بناءً فكريًا وفلسفيًا فقط، بل يزعمون أن العلم يدعم رؤيتهم أيضًا.
وتقوم رؤية الاتجاه المادي على أن الحقيقة هي في المادة فقط، وأنها أصل الوجود وحقيقة العالم، وما سوى ذلك مما يعتقده أهل الأديان من عالم الغيب أو ما يراه أهل المذاهب المثالية من وجود ماهيات عقلية ومُثل، فكل ذلك مما لا حقيقة له.
وإذا كان من السهل عليهم مجابهة النظرية النسبية لكونها صياغة علمية بروح فلسفية، فالزمان النسبي أو المكان النسبي وانحناء الكون وغيرها من مفاهيم النظرية النسبية ليست مما يمكن وضعه بسهولة تحت محك التجربة، ولكن صعُب عليهم التعامل مع نظرية الكم لأنها ضمن دائرة العلم الفيزيائي الضيق، وهو العلم نفسه الذي تزعم المادية أنها بنت أدلتها عليه.
وقد رأى الماديون والوضعيون بأن العلم والمادة هما الدين البديل عن دين القرون الوسطى، ولكن نظرية الكم وعالم الإلكترون قد هشم هذا الدين المادي البديل (١)، يقول أحد الكتاب الغربيين: "عشنا طوال القرن التاسع عشر، وجزءًا من القرن العشرين في جو مذهب مادي واثق من نفسه. . . . كان عالمًا ميكانستيًا، وكنا نجلس فوق قمته. كنا نمسك بالقوى الظاهرية للمادة، وكانت المادة هي إلهنا. كان العالم الطبيعي يتحدى الوحي الروحي للإنجيل بنظرياته في الإلحاد والعقلانية. ويمكن للمرء أن يقول: إن هذه الحقبة للمذهب المادي قد امتدت حتى يوم انفجار القنبلة الذرية فوق هيروشيما. . . . وأظن أنه يصح لي أن أقول: إن المادة قد انتحرت الآن -وأنه قد تكشف لنا أن المادة لم تعد قادرة على أن تحمي أو تنفع أي إنسان في أي مكان ما لم توجه الأفكار التي تسندها نحو مفاهيم جديدة للاتكال المتبادل" (٢).
стр. 255
ولا شك أنها نقلة كبيرة من قرنٍ أُلِّهت فيه المادة إلى قرن انتحرت فيه. وبدا الأمر وكأن نظرية الكم مع صاحبتها النسبية ترخّصان بدخول "العنصر العقلي أو الروحي في الكون الفيزيائي، بينما تدعو النظرية النيوتونية للكون الفيزيائي إلى استحالة ذلك. ومن المؤكد أن هذا لم يكن رأي نيوتن. . . ." (١). ويذكر "فرانك" أيضًا عن أحد الكتاب بأنه قدّم "البرهان الواضح على أن فيزياء القرن العشرين قد أعادت إلى الكون دور الروح الذي لفظه نمط الفيزياء النيوتونية"، وقد أورد هذا البرهان كثير من أصحاب الكتب والمقالات والمحاضرات، ومفاد البرهان أننا كما نشعر بأمور دون أن نعلم حقيقتها في نظرية الكم أو نظرية النسبية، وهذا يعني بأننا "لم نعد مضطرين إلى الاعتقاد بأن "المادة المتحركة" هي وحدها الشيء "الحقيقي". . . ."، وفي الوقت نفسه "فإننا لم نعد مضطرين إلى الاعتقاد بأن تجاوبنا مع الجمال، أو أن إحساسنا بالارتباط الخفي بالله ليس لهما نظير موضوعي. . . ." (٢).
وإذا نظرنا أيضًا إلى علماء الفيزياء في القرن الرابع عشر/ العشرين، وهم من يعوِّل عليهم التيار المادي في ماديته نجدهم قد مالوا في الغالب إلى الشق المثالي من الفلسفة، وهو وإن لم يكن مرادفًا للدين أو مساويًا له، فإنه على الأقل يشترك معه في إثبات وجود عالم خفي يؤثر في عالم الحسّ والمادة والشهادة (٣)، وذلك يمثل تحديًا كبيرًا للماديين، إذ سيقال لهم: إن أهم أدلتكم على مذهبكم المادي، وأقواها إنما يستند على الفيزياء خصوصًا، وهاهم علماؤها لا يميلون إلى ماديتكم وتأخذ بتصوراتهم الفلسفات المثالية والوضعية الجديدة، أتكونون علميين أكثر منهم؟!
стр. 256
وبعيدًا عن تقويم هذه المواقف فإن المتابع لهذه الأحداث يجد نقلة كبيرة في الفكر العلمي والفلسفي المعاصر، وهي نقلة ليست سهلة، فبينما ساد اعتقاد راسخ في القرن التاسع عشر (١٣ هـ) عند العلماء والمفكرين بأن "الحديث عن وجود حقائق لا مادية، مثل وجود الله أو النفس يعتبر تفكيرًا غيبيًا غير علمي" لدرجة أن أحد أعلام تلك المرحلة -لابلاس- يقول لنابليون "حينما سأله عن الدور الذي يقوم به الله في تدبير الكون، فقال: إنني لست بحاجة إلى هذا الفرض يا سيدي" (١)، وإذا بنظرية الكوانتم تؤكد بأن المادة المحسوسة تكاد تكون وهمًا بصورتها في المذاهب المادية. وأن الحقيقة ما هي إلا جسيمات غير مرئية على الإطلاق، وإنما نستدل على وجودها من آثارها، وإذا كان الإلكترون غير قابل للمشاهدة وإنما نستدل على وجوده بآثاره، فلم لا يكون الإقرار بالله وإثبات النفس والوعي والقيم مما يمكن ربطها على نحو جديد بتصور عصرنا العلمي (٢)؟!
ومن المؤكد بأن للمسلم نظرة خاصة حول هذه الأحداث عندما يقيّمها من خارجها, لاسيّما في مسألة كهذه تدور حول الإلحاد والإيمان, أو بين المادية والغيب، ومن معالم هذه النظرة: بأنه وإن رأى انتصار المثاليين على الماديين، فالمادة لم تعد هي المادة، وإنما هي كائن غير مادي، وإن رأى انتصار المؤمنين على الملحدين -بحسب اصطلاحاتهم- باستدلالهم بأنه كما أن هناك موجودات مادية غير مرئية أو إنما تعرف بآثارها، فمن باب أولى وجود الله سبحانه، وكذا الأخلاق والوعي والعقل والنفس والحرية، وهي عناصر بناء اللاهوت في الغرب والفلسفات العقلية والمثالية، إنه -وإن رأى كل ذلك- فهو يعرف النقص الكبير الذي فيها؛ ذلك أنها -وإن نجحت في إلجام الماديين والملحدين فهي- غير كافية لقيادة الناس نحو الدين الحق والاعتقاد السليم، وإنما ذلك مرتبط بطرف آخر لم يمارس دوره الحقيقي في جوّ هذه المعركة وهم المسلمون، فإنه لو صاحب مثل هذه النكسات للتيارات المادية والإلحادية أمة تُبيّن للناس الدين الحق، وترشدهم إلى الاعتقاد السليم لربما رأينا من يتحول عن مذاهب مثالية
стр. 257
جوفاء إلى دين السماء، ولكن الأمة الإِسلامية كانت في هذه المرحلة تمرّ بضعف شديد يستحي بعض أهلها من الاعتراف بإسلامهم أمام الغرب المتحضر في نظره فضلًا عن أن يدعو إلى دينه، ومنهم من انهمك في هذه المرحلة في تقليد أعمى لمذاهب ضالة وتحول من موطن الريادة والقيادة والدعوة والتبليغ إلى موطن التبعية والتقليد.
ومما ينبغي تذكره دائمًا بأن الإلحاد والمادية لا علاقة لهما بجوهر العلم، فالعلم ليس ماديًا ولا إلحاديًا، وإنما هو نشاط إنساني يمكن توجيهه هنا أو هناك، ومما يدل على ذلك بأن الاتجاه المادي والإلحادي قد أقام مذهبه هذا على فيزياء نيوتن من جهة آليتها -ميكانيكيتها- أو قيامها على المادة فقط، ولكننا نجد أن نيوتن نفسه لم يكن ماديًا ولا ملحدًا، وإنما ذلك كان من قبل الاستثمار الأيديولوجي المبني على الهوى لفيزياء نيوتن. وأغلب رواد الثورة العلمية من كوبرنيكوس إلى نيوتن لم يكونوا ملاحدة أو ماديين وإنما كانوا مؤمنين باصطلاحاتهم الغربية.
وأيضًا فإن الإيمان بالله سبحانه والإقرار بوجوده، وما يتبع ذلك من الالتزام بدينه والقيام بالعبودية الكاملة له سبحانه، مما لا يرتبط بالفيزياء أو الكيمياء أو الرياضة أو غيرها من العلوم. فهو بداية أمر فطري فطر الله الناس عليه، ثم هو أمر تقرّه العقول الصحيحة, ومع ذلك فإن الفطرة قد تطمس والعقول قد تضل؛ لهذا تكفّل الله سبحانه بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وكان خاتمهم محمَّد ﷺ ، وفي ذلك الحق وحده، وأما هذه العلوم فالصحيح منها إن لم يدل على ما أنزل الله من الهدى والحق فإنه لن يعارضه، وكل ما عارضه من علوم البشر فإما لخطأ فيها أو لسوء استثمار لها أو عدم معرفتها معرفة صحيحة.
ونقول هذا الكلام حتى لا يأتي من يقول بأن نظرية الكم مثلًا توافقت كثيرًا مع عقيدة الإقرار بالغيب؛ لكن جاء بعدها نظرية أخرى كشفت نقصها أو ضعفها أو خطأها، فهل يعني ذلك أن يترك الناس الإقرار بالغيب من أجل سقوط نظرية كانت تؤيده. وهذا الأمر يؤكد خطورة التساهل في التعامل مع النظريات العلمية التي لم تتحول إلى حقائق قطعية يقينية في الأبواب الدينية، وربما تكون السلامة في ظل ما يُسمى بـ"الحقائق العلمية النسبية" التوقف كثيرًا حتى مع تلك التي اشتهر عنها بأنها حقائق قبل استثمارها دينيًا؛ لأن قيمة الحقيقة إنما اكتسبتها من
стр. 258
أهل دائرة العلم، ولا يستطيع غيرهم التأكد من صحتها؛ لأن الناس في باب النظريات المعاصرة تبع للعلماء، يثقون بكلامهم دون قدرة الناس العاديين من التأكد والتوثق من صحتها، فمن يستطيع مثلًا التحقق من نظرية النسبية العامة.
ويستدعي هذا النقاش التحذير من مواقف متساهلة ظهرت على السطح الإِسلامي يقوم أصحابها بأمرين خطيرين -إن لم يُبنَيا على علم وبصيرة- وهما: التفسير العلمي لنصوص الوحي أو بيان الإعجاز العلمي فيها. وعلى قدر ما أشعر بجلالة الأمر الذي يقومون به وسموّ مقصدهم ونبل غاياتهم؛ إلا أن التساهل في هذا الباب قد يُفسِد أكثر مما يصلح، وإنما ذكرت هذه الملحوظة هنا لشيوع الاستثمار الديني لمثل نظرية الكم.
وعندما أعرض للصدمة التي تعرض لها الاتجاه المادي والإلحادي، فإنما أقدم صورة من صور الاستثمار غير المشروع للعلم ونظرياته ومفاهيمه ومناهجه، وأن ذاك الاستثمار قد ضُرب من معاقل العلم ذاتها، وهذا النوع مما له ثمرة في التحليل النقدي وبيان الانحرافات المرتبطة بالتطور العلمي عندما يساء استخدامه.
وخلاصة القضية الأولى بأن الاتجاه المادي والإلحادي قد تزعزعت منظومته الفكرية المستندة للعلم، ففقد الحجج التي كان يستند عليها. فإن أراد الملحد الإصرار على الإلحاد فلا سند له من العلم، ولهذا نجد التيارات الإلحادية الجديدة بعيدة عن ميدان العلم بخلاف تيارات القرن السابق، وهذا لا يعني قلة الإلحاد ولكن سنده العلمي قد ضعف.
الثانية: اللاحتمية أو اللايقين وأثرها في إضعاف المذاهب الحتمية الجامدة:
من بين أشهر القضايا التي أشغلت الفكر الغربي قضية حرية الإرادة، وحرية الإرادة قضية مرتبطة بالإنسان، هل هو حرٌّ مختار أم أنه لا يملك حريته واختياره؟ وهذه المسألة ليست جديدة، فهي مسألة شائكة في كل الأمم، والاختلاف حولها كبير، وغالبًا ما نجد في كل أمة الانقسام المشهور بين اتجاه ينحى منحى مذهب الجبرية، وآخر ينحى منحى مذهب القدرية، وهي مسألة ترتبط بالإيمان بالقدر عند المسلمين والإيمان بالله وتحقيق توحيد الربوبية. وقد سلك الفكر الغربي الحديث أول أمره مسلك الحتمية الشبيه بالمذهب الجبري، مستندين في ذلك إلى دائرة العلم ذاته، فهم يرون بأن قوانين نيوتن
стр. 259
الفيزيائية قد فسرت حركة الكون، وأنه يسير بشكل دقيق لوحده، ويكفي -بحسب رأي لابلاس- أن نعرف نقطة من نقاط مسار أي حدث لنعرف بقية نقاطه (١). ثم عُمّم ذلك إلى بقية المجالات بما فيها الإنسان ذاته ومشاعره وأفكاره والمجتمعات وحركة التاريخ والحضارات وهكذا.
وقد كان الاتجاه المادي أشهر الاتجاهات ادعاءً للعلمية، ومما برّروه علميًا موقفهم من مشكلة حرية الإرادة، فهذا كان أصل العالم كله يرجع إلى مادة وحركة، وقد كشف نيوتن قوانين حركتها، فإن ذلك بحسب رأي الماديين يشمل الإنسان؛ ففسروا "الفكر على أنه نشاط ميكانيكي للمخ، والعاطفة على أنها نشاط ميكانيكي للجسد" (٢)، وكان ميلهم تبعًا لذلك إلى مذهب الحتمية الجبرية. وبما أن التفسير المادي للإنسان يخضع لميكانيكا مادية مستوحاة من الفيزياء؛ فإن مثل هذا التفسير لابد أن يتأثر عند التغير في دلالات المصدر. وقد رأينا أثر نظرية الكم في زعزعة المذهب المادي جملة، ونرى هنا أثرها في زعزعة قضية مهمة من قضايا الاتجاه المادي هي الحتمية.
وقد كان سبب هذه الأحداث والتغيرات هو بعض ما كشف عن عالم الإلكترون، فكما أنه قد أصاب الاتجاه المادي عمومًا في مقتل؛ فإنه هنا أيضًا أصاب قضية الحتمية المادية بإصابات مماثلة، ويظهر أن هذا الكائن الصغير الذي لم يره أحد قد كان نقمة شديدة على الاتجاه المادي.
يتعلق الأمر هنا بالمبدأ المشهور في نظرية الكم الذي اكتشفه الفيزيائي "هيزنبرج" عام (١٩٢٧ م)، وهو مبدأ اللايقين، وخلاصته: أنه بعد نجاح "طومسون" في تفتيت الذرة واكتشافه الإلكترون داخلها، واكتشاف "راذرفورد" النواة، وتصورهم بأن الإلكترون يدور حولها، جاء بعدهما "نيل بور" بافتراضٍ حول حركته: فالإلكترون لا يبقى في مدار محدد حول النواة، وإنما يقفز من مدار إلى آخر، يشبه في ذلك قفزات حيوان الكنغرو في حقل، جاء بعدهم "دي
стр. 260
بور وشرودنجر" ليفترضا أن الذرة والإلكترون من طبيعة موجية، عندها لا يكون لهما وضع محدد داخل الذرة.
أخيرًا جاء "هيزنبرج" ليكشف شيئًا أكثر غرابة عن الإلكترون، فبعد تجاربه وملاحظاته عن الإلكترون -كما سبق- توصل إلى "مبدأ اللايقين الذي يقول: إن من المستحيل من حيث المبدأ أن ترصد موضع الإلكترون وسرعة حركته واتجاهها بدقة متناهية في نفس الوقت" (١)، ومن نتائجه ذات الأثر في موضوع الحتمية "أننا إذا عزلنا إلكترونًا واحدًا عن بقية مجموعة الإلكترونات في مجال واحد، وحددنا تحديدًا دقيقًا سرعة حركته واتجاهها، فلن نستطيع تحديد موضعه المكاني بنفس الدقة، وإذن فبالأحرى لا نستطيع أن نتنبأ بموضعه وحركاته في أي لحظة أخرى في المستقبل، وذلك يهدد مبدأ الحتمية" (٢). وتبع هذه التطورات العلمية بلبلة فكرية حول حقيقة التصورات التي بناها فلاسفة ودعاة مذاهب على مفاهيم علمية سابقة، ومما يزيد عمق المشكلة بأن التطورات لا تدفع إلى نهاية الطريق وفق تراكمات معرفية يكمل اللاحق السابق ويصحح قصوره، بل يكاد الأمر يكون أشبه بالعودة إلى نقطة البداية، ويكاد يكون كل ما هناك: أنه في عصر الفيزياء الحديثة كان من السهل إطلاق أحكام قطعية في الموضوع أما بعد الثورة الجديدة في الفيزياء المعاصرة فقد كشفت بأن الأمر أعقد من ذلك بكثير، ومن هنا تحولها إلى مفاهيم الإحصاء والاحتمال بدل القوانين القطعية (٣).
وقد استثمر البعض مثل هذه النتائج في إثبات حرية الإرادة للإنسان واختلافه عن عالم المادة، وأنه وإن كان عالم المادة يخضع لحتمية كونية، فإن الإنسان غير ذلك، وإلا لما كان هناك فائدة أو تبرير لوجود الأخلاق أو الشرائع
стр. 261
أو الواجبات. أما بعد أن ظهر أنه حتى في باب المادة يصعب القول بخضوعها التام لمبدأ الحتمية فمن باب أولى الإنسان. ومع ذلك فقد كانت هناك بعض الاعتراضات على مثل هذا الموقف؛ لأن نظرية الكم لاسيّما فيما يتعلق بحركة الإلكترون لم تجزم بعدم سيره على نظام معين، وإنما كل ما هنالك الجهل إلى الآن بحقيقة هذا القانون الذي يسير في ضوئه، ويزيدون في اعتراضهم بالقول العام المناسب لكل نظرية: بأن العلم قابل للتطور فهل نربط حرية الإرادة بالنظريات العلمية، فماذا نفعل لو ظهرت تطورات علمية ساندت من جديد الرأي القائل بالحتمية (١).
وهذا الجدل الدائر في الوسط الغربي مفيد لغيرهم، إذ من المهم -ونحن نتابع مثل هذه التطورات- أن تنتبه أمتنا لمثل هذه التجارب، ويتخذ أهلها من ذلك الدروس الكافية؛ فإنه في مثل هذا الباب ورغم الجدل الدائر حول الموضوع منذ مئات السنين، إلا أنهم لم يصلوا فيه إلى الحلّ المريح، ومثله ما حدث في بلاد المسلمين من جدال واسع بين القدرية والجبرية، فما استطاع أحد منهما إيجاد ما يثبت صحة كلامه، وهذا يعني أن المشكلة لن تجد حلها في دائرة العلم ولا في دائرة الفلسفة. فأما العلم فها هي نظرياته تدفع بهم في اضطراب دائم من اليمين إلى اليسار أو عكسه، ولذا رأى آخرون بأن الحل هو في الفلسفة، ومع ذلك فهي أكثر حيرة في الباب، فما بقي إلا العودة للحل الديني الذي نجده في الوحي من كلام رب العالمين سبحانه وهدى سيد المرسلين محمَّد ﷺ .
د- خاتمة حول الفيزياء المعاصرة:
تعود الإطالة مع نظريتي الفيزياء لأكثر من سبب؛ منها: أنهما أشهر نظريات العلم في القرن الرابع عشر/ العشرين، ولذا فهي أنسب لتمثيل القرن، كما أنها ترتبط بعلم يُعدّ من أدق العلوم الطبيعية وهو سبب وجيه لجعله مقياسًا لغيره، كما أن آثارها في مجالات عدّة من مجالات الفكر وشهرتها وامتدادها إلى اليوم، كل ذلك يدفع أي باحث للتوقف معها أكثر من غيرها, لاسيّما أن هناك
стр. 262
من يجعلها في مستوى الثورة العلمية الأولى من حيث الآثار الناتجة عنها.
ويكاد يكون حجم المشاكل التي فتحتها الفيزياء المعاصرة داخل إطار الأفكار والمناهج والمذاهب والمجتمع بحجم المشكلة التي أثارها تفجير القنبلة النووية وخوف العالم من هذا الإنتاج الفيزيائي. إلا أن العالم يعتني بالتحذير من المشاكل والأخطار النابعة عن الإشعاعات النووية، وقامت مؤسسات عالمية رسمية وشعبية للتصدي لمثل هذا الخطر. ولكن في المقابل لا يتم الحديث بالجهد السابق نفسه عن أبعادها المنهجية والفكرية والثقافية، السلبي منها والإيجابي، الصحيح والخاطئ، وإنما يُكتفى عالميًا بالانهماك في خطرها المادي على جسم الإنسان أو على الأرض، وما تحدث من تلوث في باطن الأرض أو خارجها وهو أمر عظيم دون شك، بينما جانب القيم والأفكار والدين والإيمان تترك دون عناية في مستوى السابق.
وهنا يتحدد واجب المسلمين أمام النظريات العلمية وتظهر هويتهم وما يتميزون به عن غيرهم، إذ الأصل أن يُعنى عند التعامل مع العلوم ونظرياتها ومكتشفاتها بعلاقة كل ذلك بدين الإنسان وقيمه مع العناية بآثارها على جسد الإنسان والبيئة المادية المحيطة به؛ لأن الغرب انصرف إلى الحياة الدنيا وأسقط الآخرة من حساباته، لذا تكون عنايتهم بآثار مثل هذه العلوم ونظرياتها على الإنسان في الدنيا فقط، أما المسلمون فهم يعلمون بحقيقة الدارين والمنزلين، وهم على يقين بعالم آخر غير هذا العالم الأرضي، لذا فهم عند نظرهم في هذه العلوم وتعاملهم مع نظرياتها ومكتشفاتها يربطون ذلك بما يعتقدونه، وينظرون للآثار الدنيوية والدينية، الأرضية والأخروية. ويجعلون مثل هذا الاعتقاد ضابطًا للصواب والخطأ مما يجدونه عند غيرهم ومعيارًا لما يقبل أو يرفض.
[٣] علاقة العلم بالفكر في القرن "الرابع عشر/ العشرين م ":
رأينا في الفقرات السابقة -عن القرن الرابع عشر/ العشرين الميلادي- المستجدات المهمة في العلوم الاجتماعية، وأهمها ما طرأ على علمي الاجتماع والنفس من تطورات، وبروز نظريات للعلمين، وتأثيرهما الكبير في الفكر المعاصر. ورأينا أيضًا أبرز تطور في العلوم الطبيعية وهو ما حدث في ميدان الفيزياء بميلاد أشهر نظريتين في القرن، وهما: النسبية والكم، وما ارتبط بهما
стр. 263
من آثار وحوار وجدل، وهي في الأهمية لدرجة أن هناك من يجعلها ممثلة لثورة علمية جديدة غيّرت كثيرًا من مفهوم العلم.
وقد أحدثت هذه التطورات العلمية آثارها في الفكر المعاصر، وفتحت المجال لظهور نقاشات كبيرة، بل ظهور مذاهب خاصة بالعلم أو مجالات فلسفية تُعنى به كالإبستمولوجيا مثلًا. وبسبب الكشوف العلمية والتطورات المنهجية أعيد من جديد أهمية البحث في قيمة العلم وحدوده وإمكانياته ومجاله، وهي موضوعات كان الظن في القرن الماضي أنها قد حسمت لصالح النظرة الوضعية العلموية.
ومما رأيته مهمًا في الباب ويحتاج إلى وقفة وبحث: تلك الدراسات العلمية والمنهجية والفلسفية حول العلم وأهمها ما يدور في إطار فلسفة العلم أو الإبستمولوجيا وما تبعها من مواقف -تخالف تلك المعروفة في القرن الماضي- ترى بأن العلم له حدوده، وأن هناك مجالات أهم تتعلق بالوجود والإنسان والحياة، فإذا كان العلم لم يخدم تلك المجالات، فعلينا أن نبقيه في مجاله، ونبحث لها عن حلِّ في غيره أو أن نتجاوزه حتى وإن أدى ذلك إلى عدم الاكتراث به. وهذا مما يفسر ظهور مذاهب كثيرة ضد المادية والوضعية تمثلت في المثالية والعقلانية الجديدة والبرجسونية ومذاهب الحياة والعمل والبراجماتية والوجودية والتوماوية الجديدة والدينية والروحانيات الصوفية وغيرها. مع العلم أن أصحاب هذه المذاهب ليسوا ممن يجهل العلم ونظرياته وتطوراته وفائدته، بل إن منهم علماء في تلك العلوم.
وعن بين الظواهر الأكثر إلفاتًا في هذا الجو ميل كثير من العلماء إلى ترك الإلحاد الشائع عند أسلافهم والارتماء في أحضان مذاهب مثالية، علّهم في ذلك يجدون بعض ما يشفي غليلهم ويجيب عن تساؤلاتهم، ومنهم من أعلن إيمانًا دينيًا يتعارض مع موضة الإلحاد السائدة في السابقين.
لا شك أن مثل هذه الموضوعات مهمة لمثل هذا البحث، وهي رغم أهميتها لم تجد إلى الآن الدراسات الإِسلامية التحليلية والنقدية الكافية. وأما حدودي هنا فتقف عند إبراز أهم معالمها مما يعطي صورة مساعدة لفهم موضوعات قادمة بإذن الله.
стр. 264
أ - طبيعة النظرية العلمية وحدودها "طبيعة المعرفة العلمية وحدودها ":
لنتذكر في هذه اللحظة خط سير الفكر الغربي حول موضوع العلم، فقد كانت البداية مع الثورة العلمية، وكان أغلب رموزها من غير الملحدين؛ بل منهم من كان من خريجي المدارس الكنسية، واعتنى أهم رموزها بالتوفيق بين نظرياتهم والدين. وبسبب أوضاع تاريخية أوروبية غربية؛ انحرف مسار الفكر العلمي مع تيارات كثيرة، وأصبحت الفكرة السائدة بأن العلم يمثل التطور الحقيقي للبشرية بخلاف الدين والميتافيزيقا، ومن هنا أُبرزت ضرورة القطيعة التامة والجذرية بين الدين والعلم، ومع الأيام اتسعت القطيعة والانفصال بينهما مع تعبئة الاتجاه العلمي بكراهية شديدة للدين وقضاياه لدرجة أن أصبح العلم رديفًا للإلحاد عند الكثير، وأن العلم هو الدين الجديد والبديل عن الدين الموروث وعن الميتافيزيقا، وأن العلم مع العقل قادر على الإجابة عن كل الأسئلة وحلّ كل المشكلات.
ولكن بنهايات القرن الثالث عشر/ التاسع عشر حدثت تطورات كبيرة، كان منها ما توجّه إلى العلم لتفحص حقيقة حدود تلك القدرات المزعومة له. ومنها ما توجه إلى العقل ذاته للبحث في معناه، وفي قدراته على مشاركة العلم أو قيادة العلم نحو ما يكفل التقدم والتطور. وقد كانت هذه الوقفة الغربية مع العلم أو العقل متعبة وقاسية قادت الكثير من الواقفين إلى الشك في قدراتهما ومحاولة إعطاء تصور جديد لمعناهما وحدودهما.
ففيما يخص العقلانية الغربية نجد هجومًا قاسيًا ضدّها وانقلابًا كبيرًا عليها، وبحسب تعبير أحد الراصدين للفكر الغربي وعقلانيته؛ فقد ختم تلك المسيرة العقلانية بالقرن الرابع عشر/ العشرين معنونًا لها بـ"الهجوم ضد العقل" و"نزعة العداء للعقل" (١) وهي نزعة تكاد تغلب على مذاهب القرن الرابع عشر/ العشرين. وهذه النزعة ضد العقل والداعية إلى الزهد فيه ميدانها الدراسات الخاصة بالفكر والفلسفة، أما ما يناسب بابنا فهو الحديث عن نوع آخر من وقفة الفكر الغربي
стр. 265
مع ذاته وهي تلك المتعلقة بالعلم، وكان أبرزها: "نقاد العلم" في المقام الأول، ثم "الوضعية الجديدة" بداية بـ "ماخ" أو مع أصحاب حلقة فيينّا وما خرج عنها تحت مسمى "الوضعية المنطقة". وفي مقابل هؤلاء تأتي "العقلانية العلمية الجديدة" ذات روح مثالية، وتأتي مذاهب "العمل والحياة" المعاصرة.
لقد شكلت كل هذه الاتجاهات موقفًا جديدًا حول طبيعة النظرية العلمية أو المعرفة العلمية، وحدودها، نقف فيما يأتي على أهم ما أثارته حول العلم ونظرياته.
١ - نقاد العلم:
لم تخل الساحة الفكرية الغربية من نقاد العلم؛ إلا أنهم كانوا فيما مضى من خارج دائرة العلم، وأما الجديد هنا فهو ظهور مجموعة من نقاد العلم من العلماء، أو ممن لهم صلة قوية بالعلم ولديهم معرفة جيدة به. ومما يُلحظ بأن هذه المجموعة عُرفت أولًا في فرنسا وبعضهم من الكاثوليك؛ أي: من أرض الدعوة للوضعية والعلمانية التي أسست للدين الجديد ممثلًا في العلم وظهور نزعة مذهبية وضعية علموية "ترى أن المعرفة العلمية، الفيزيائية والكيميائية هي وحدها المعرفة الحق" (١)، وميّز الدكتور "الجابري" بين نوعين لها:
الأولى علموية ميتافيزيقية: تعتقد أن العلم سيحل جميع المشاكل التي كانت من اختصاص الميتافيزيقا، وقد حاولت إقامة تصورات عامة عن الكون والإنسان بواسطة "النتائج العلمية" وهكذا نشأت تبعًا لذلك ديانات وضعية.
الثانية علموية منهجية: ترى أن المنهاج المتبع في الفيزياء والكيمياء هو وحده الصالح؛ ولذلك يجب تطبيقه في العلوم الإنسانية. واستعارت مفاهيم الفيزياء والكيمياء لتستعملها بشكل تعسفي ساذج في الميادين الاجتماعية والسيكولوجية (٢).
ومع انتشار هذه النزعة ووصولها إلى ذروتها في القرن التاسع عشر (١٣ هـ) ظهر تيار من داخل العلم ذاته ينادي بالتوقف قليلًا عن هذا التعصب للعلم؛ لأنه
стр. 266
في الحقيقة ليس بتلك الصورة المتخيلة عند أصحاب النزعة العلموية. وقد كان نقاد العلم هم الأشهر صوتًا في هذا الميدان، وكانت بداياتهم في نهايات القرن التاسع عشر، وازدهرت في مفتتح القرن العشرين (١٤ هـ) (١).
هناك مجموعة أسماء أسست مجال نقد العلم في فرنسا وخصوصًا الفيزياء مثل: "بوترو" و"بوانكاريه" و"دوهيم" و"برجسون" و"لوروا"، وكان هدفهم من نقد العلم تعيين حدوده (٢). وقد سار كل واحد منهم أو من المتأثرين بهم في طريق يصب في هذا المجال. فمنهم من ابتدأ بالرياضيات، ومنهم من جعل نموذجه الفيزياء، وآخر علم الفلك، ورابع القوانين العلمية أو النظريات العلمية، وهكذا، يعيدون قراءتها وتحليلها ويبحثون خلال ذلك حدودها وقدراتها، وبصورة درامية عبّر عنها "أندريه كريسون" بأن العلم يشرع بمقاضاة ذاته (٣). وكان خلاصة ما قرروه بأنه "مهما تكن نظريات علوم الطبيعة كاملة، فلا ينبغي اعتبارها إلا كوسائل كلامية ملائمة. فلنعتبرها كوسائل لتصور الأشياء، كوسائل نافعة لأذهاننا البشرية. ولنعتبرها كمخطط، كوسيلة مذكرة، كحيلة مبتدعة للسيطرة على الكون، ويجب أن لا نعتبرها أكثر من ذلك" (٤)، وأقرّ عندها "كثرة من المفكرين، المستقلين في أصولهم، بأن العلوم الوضعية لا تتمتع إطلاقًا بتلك الدلالة وذلك المدى الميتافيزيقي اللذين عزاهما إليهما سبنسر وتين" من أصحاب النزعة العلموية، وعكف بعدها الباحثون يتحرّون "عن دلالة المفاهيم الأساسية التي تستخدمها العلوم وعن قيمتها" (٥). فلنأخذ بعض النماذج من هذا التيار:
بوانكاريه. لقد انطلق بوانكاريه في نقده للعلم من الرياضيات إلى بقية العلوم "وانتهى من نقده إلى تقرير أمرين:
стр. 267
الأول: هو أن العقل يتمتع بحرية تجربة واسعة في ابتكار المفهومات في الرياضيات والعلوم.
والثاني: أن النظريات الرياضية والعلمية هي في جوهرها اصطلاحية وفروض ميسرة" (١)، وهو بهذا يُسقط ما تصوره المذهب الواقعي عن النظريات العلمية من جعلها صورة طبق الأصل للواقع وإعطائِها قيمة مطلقة. فالعقل يتدخل في صياغتها, ولذا نجدها دائمًا تقبل التطور والتغير، والعالِم إنما يختار من النظريات ما يراه مناسبًا لعمله دون عنايته بموضوع مطابقته للواقع. وإذا كان الأمر كذلك فانه لا يُطبّق على النظرية العلمية معيار الصواب والخطأ ولا ينظر إليها من جهة المطابقة، وإنما ينظر إليها على أنها فرض، الغرض منه التيسير والتسهيل، ويمكن تغييرها عند الحاجة، وتم الانتقال من الصحة والخطأ إلى الملائم أو غير الملائم (٢).
- دوهيم. وإذا كان "بوانكاريه" انطلق من الرياضيات في نقده للعلم فإن منطلق دوهيم ثاني أشهر شخصية في نقد العلم كان من الفيزياء، وهما أهم عِلْمين في العصر الحديث وأدقهما في باب العلوم الحديثة. فقد كان أهم كتبه "النظرية الفيزيائية: موضوعها وتركيبها"، ومما يراه عن النظرية أنها نظام يهدف إلى تمثيل مجموعة من القوانين على أبسط وأكمل وأدق نحو ممكن، ويرى بأن القوانين العلمية ليست نسخة من الواقع، وإنما هي من خلق العقل (٣)، وربما هذا يفسر تغيّرها؛ لأنها لو كانت نسخة عن الواقع لما تغيرت. وفي كتابه المشهور: "نظام العالم، تاريخ المذاهب الكونية من أفلاطون إلى كوبرنك" في خمسة مجلدات، وجد في أثناء عرضه لمختلف المذاهب أنها ترجع في نظرياتها "إلى مذهبين: أحدهما أن النظرية العلمية تفسير حقيقي للظواهر. . . . والآخر أنها مجرد تصور للظواهر وقوانينها لا يدعي النفاذ إلى جواهر الأشياء، وهذا يجعلها
стр. 268
افتراضًا ليس غير. . . ." (١). وهذا يؤيد الرأي القائل بأن النظرية فرض ميسر أو أن الطبيعة تقبل تعدد التفسيرات، وذلك يعني عدم وجود تفسير واحد يحتكر الحقيقة مما يقوله البشر، وتعدد التفسيرات يجعل كل التصورات ما دامت تذكر أدلتها صحيحة من وجهة نظر أصحابها، ألسنا نجد في الطبيعة بعض الظواهر تتعدد حولها التفسيرات؛ أكده من خلال أمثلة فيزيائية كالنظريتين المتصارعتين حول طبيعة الضوء: فإحداهما أنه من طبيعة جُسيمية والأخرى على أنه من طبيعة موجية -أكثر ما يلفت النظر حول هاتين النظريتين أن الشواهد التجريبية تؤيدهما معا بالرغم من أنهما تقومان على أسس فيزيائية مختلفة- مما دفعه إلى القول بأن الطبيعة تقبل العديد من التفسيرات (٢).
هكذا قام كل من "بوانكاريه" و"دوهيم" بمحاكمة قاسية للعلم وكانت أهم نتيجة توصلا إليها وطرحاها مع غيرهما من نقاد العلم: أن النظريات العلمية إنما هي تفاعل بين العالِم وموضوع علمه، وأن لعقل العالِم أثره في صناعة النظرية، وهي تفقد بهذا صفة الموضوعية والتعبير الواقعي عن الواقع، وميزتها تكون في التيسير والتسهيل وبقدر ما تقوم بذلك نقبلها فقط، ويخطِئ من يظن أنها تُعبّر عن حقائق يمكن جعلها مرجعًا للتصويب والتخطئة.
ويعني هذا أنه لو جاء مستثمر للنظرية واتخذها مصدرًا ومرجعًا للتكذيب بأمور خارج إطارها أو التأييد فهو غير مصيب بفعله هذا، ويُعدّ هذا الوضع تغيُرًا كبيرًا حول تصور قيمة النظرية العلمية؛ لأنه قبل حملة نقاد العلم كانت النظريات العلمية مرجعًا للتصديق والتكذيب بالقضايا غير العلمية أما بعد حملتهم فقد أصبحت مرجعًا لعمل العالم فقط، وفتحت بذلك جبهة واسعة داخل إطار فلسفة العلم. ورغم تنوع المذاهب وتعددها فإن الميل السائد في مدارس فلسفة العلم الكبرى ينحى منحى التصور النسبي لقيمة النظريات العلمية، وممن تأثر بهذا الوضع الجديد من نقد العلم "الامتداد الوضعي في القرن الرابع عشر/ العشرين للوضعية القديمة"، إذ نراه رغم تمسكه بدور الحس والتجربة في إثبات قيمة العلم
стр. 269
واعتباره المقياس الوحيد للعلم، فإنه مع ذلك يميل إلى أن النظريات العلمية ذات طبيعة اسمية، وليست تعبيرًا عن حقيقة الواقع (١).
٢ - فلسفة العلوم أو الإبستمولوجيا:
لقد كانت علاقة الفلسفة والفكر بالعلم في الغرب في صراع مستمر بين جذب ومدّ، وكان التيار الوضعي والمادي قد انطلق بالعلم إلى حدّ التطرف. فجاءت أولى الصدمات مع نقاد العلم في نهايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين (١٣ - ١٤ هـ)، ومنذ ذاك والأوضاع الفكرية مضطربة، وفي جوّ كهذا بدأ مصطلح فلسفة العلم يُتداول في الأوساط الفكرية.
وفي أوائل الأربعينيات انعقد أول مؤتمر دولي لفلسفة العلوم في باريس عام (١٩٣٥ م)، وظهرت فيه تسمية هذا المصطلح بصورة محددة وتداولها العلماء والفلاسفة (٢)، وإن كانت موضوعات هذا المجال مثار اهتمام من القرن الماضي، وممن عرف سابقًا في هذا الباب أصحاب نقد العلوم الذين سبق الحديث عنهم في الفقرة السابقة.
وقد ظهرت مدارس واتجاهات شتى في مجال فلسفة العلوم، وإن كان الغالب أن كل مدرسة هي امتداد لتيار قديم، وتنظر للعلم وفق مبادئ ذلك التيار المعبِرَة عنه، والغالب عليهم أيضًا الاقتراب من الاتجاه المثالي والعقلاني. ومن بين التقسيمات التقريبية لهذه المدارس تقسيمها بحسب البلدان كالذي نجده عند "حسن حنفي" في كتابه: "مقدمة في علم الاستغراب".
- فنجد أولًا في ألمانيا وما حولها مجموعة علماء كانت لهم فلسفة خاصة حول العلم وكان أشهرهم صاحبا أشهر نظريتين في القرن وهما "ماكس بلانك" (١٨٥٨ - ١٩٤٧ م) صاحب نظرية الكم، و"أينشتين" (١٨٧٩ - ١٩٥٥ م) صاحب النظرية النسبية، وقد سبق الحديث عنهما وآثار نظريتهما، ونُضيف هنا موقفًا خاصًا لماكس بلانك أحد المناهضين للاتجاهات الوضعية، فقد تصور العالَمَ مادة العلم من ثلاثة اتجاهات: فهناك أولًا العالم الخارجي الواقعي الموضوعي الذي لابد من التسليم بوجوده، وهو مستقل عنا، وهناك عالم إحساساتنا الناتج
стр. 270
عن الإحساس به وعن التجربة، وما نحس به هو جزء من العلم الواقعي الأول وليس كلّه، وهذا العالم هو ما تعترف به الوضعية وترفض ما سواه. أما الثالث فهو عالم الفيزياء؛ أي: الصورة التي تقدمها لنا الفيزياء عن العالم، وهو من إنشاء الفكر البشري، ويحاول باستمرار الاستجابة لمتطلبات معينة، ولذا نجده يتغير باستمرار (١). فعالم الفيزياء يحاول تصوير عالم الواقع ولكنه يبقى إنشاءً فكريًا معتمدًا على الحواس والتجربة، ولذا فهو يختلف عنه وإن كان يحاول الوصول إليه.
ويأتي هذا التقسيم من أحد أشهر علماء الفيزياء وصاحب نظرية علمية كبيرة في القرن الرابع عشر/ العشرين، ومع ذلك فهو يرى بأن العلم الذي يرسمونه بنظرياتهم لا يشترط أن يكون عالم الواقع، إنما هو عالم فيزيائي من مهمته فهم العالم الأول والاستفادة منه وتفسيره.
وفي الاتجاه نفسه -بل أكثر- نجد الفيزيائي الألماني أينشتين يتجه نحو العقلانية والمثالية ضد الوضعية والمادية المعروفة في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، وتصبح النظرية معهما أبعد عن أن تكون صورة مستقلة عن الواقع وطبق الأصل عنه، ويتشابهون في هذه المواقف مع نقاد العلم.
وفي ألمانيا غير بلانك وأينشتين نجد مجموعة أخرى لها عناية بفلسفة العلم مثل ريشنباخ (١٨٩١ - ١٩٥٣ م) وهمبل (١٩٠٥ م)، إلا أنهما عرفا مع الوضعية المنطقية وكانا إليها أقرب. وكان منهم شرودنجر (١٨٨٧ - ١٩٦١ م) ممن يرى بأنه لا فصل في النظرية بين العقل والمادة، فإن العقل يتدخل في تشكيل النظرية وصناعتها وليس عارضًا محايدًا للواقع كما هو. ومنهم أخيرًا هيزنبرج (١٩٠١ - ١٩٧٦ م) صاحب مبدأ اللايقين أو اللاتحدد الذي سبق ذكره في فقرة نظرية الكم (٢).
- ونجد ثانيًا في فرنسا مجموعة كان لها نشاط بارز في مجال فلسفة العلوم
стр. 271
منهم نقاد العلم السابق ذكرهم من أمثال بوانكاريه ودوهيم، ومنهم أيضًا فيلسوف العلم المشهور "جاستون باشلار"، فهو صاحب نشاط بارز ومدرسة كبيرة لها امتدادها حتى في الفكر العربي.
تدور مؤلفاته "حول موضوعين أساسيين هما: نظرية المعرفة العلمية. . والنزعة الشعرية المقترنة بالتحليل النفسي"، ويذكر لتاريخ العلم فائدة مهمة، فهو "يبين كيف أن ما نعده اليوم نظرية علمية صحيحة قد مرّ بالعديد من النظريات التي ثبت خطؤها في مرحلة تالية. ومعنى هذا أيضًا أن ندرك أن نظرية الغد ستكون صحيحة في نظر أصحابها؛ لأنها قضت على نظرية اليوم" (١). ويمثل موقفه هذا من النظرية رؤية معتدلة مقارنة بما نراه مع الوضعية والعلموية، وفيه اعتراف بنسبية النظريات العلمية وقابليتها للتبدل والتغير، ويقترب في ذلك من كل الرؤى السابقة.
- ونجد ثالثًا في إنجلترا صورة أكثر مثالية لا تستبعد الديني والإيماني في الموقف من النظريات العلمية وضمن إطار فلسفة العلم. وكان من أشهر فلاسفة العلم أدنجتون (١٨٨٢ - ١٩٤٤ م) فهو يرى مثلًا بأن العلم الحديث والفلسفة وإن اعتمدا على العقل فإنهما لا يستبعدان الإيمان, بل إن العقل أحد قواعد الإيمان, وانتهى إلى مثالية صوفية، وقريبًا منه جيمس جينز (١٨٧٧ - ١٩٤٦ م) الذي عرض صورة مثالية في علاقة الفلسفة بالفيزياء المعاصرة (٢).
ورغم الاختلاف والتباين بين جميع من سبق، إلا أن ما يجمع بينهم: نظرتهم النسبية إلى النظرية العلمية، والمعرفة العلمية مع الاتفاق على قيمة العلم وأهميته.
٣ - الوضعية المنطقية:
يُعد المذهب الوضعي المنطقي أحد أشهر فلسفات القرن العشرين (١٤ هـ) وهو من بين أهم التيارات عناية بفلسفة العلم، ويزعم أصحابها وضع رؤيتهم
стр. 272
الفلسفية وفق مقتضيات العلم. وترجع جذورها القريبة إلى حلقة فيينّا، وقد كان "ماخ" في مقام الأب الحقيقي للحلقة. وقد ضمّت مجموعة كبيرة من الباحثين في مختلف فروع العلم والفلسفة، وأعلنت ميلادها بالبيان الذي أصدرته عام (١٩٢٩ م) بعنوان "فهم علمي للعالم" بقيادة "موريتز شيلك" (١٨٨٢ - ١٩٣٦ م) (١)، ومن بين رموزها منظِّرها المشهور "كارنابّ" وصديقهم من مدرسة برلين "ريشنباخ".
استفادت المدرسة من "ماخ"، ومن نقد "بوانكاريه" الذي يرى بأن النظريات العلمية ما هي إلا اتفاقات، ولكنهم في الوقت نفسه يريدون المحافظة على إرث التيار التجريبي الذي يعتمد على الحس والتجربة (٢). ويمكن التفريق بين التيار الواقعي والتجريبي القديم وبين الوضعية المنطقية الحريصة على مواصلة رؤاه، بأن الأول كان يرى التطابق بين حقيقة النظرية والواقع، أما الوضعية المنطقية فبتأثير ماخ وبوانكاريه تنزع منزعًا اسميًا، فالنظرية هي أداة اصطلاحية للتعبير عن الواقع ولكنها ليست الواقع، ولكن في الوقت نفسه فلابد من علاقة بين النظرية والواقع تجعل بأيدينا طريقة للتحقق من المعرفة، فجاءت بذلك أهم الإشكاليات التي حاولت الوضعية معالجتها دون أن تنجح وهي: كيف نستطيع التحقق من صدق المعرفة العلمية؟
ويعد هذا الموقف من ضمن موضوعات فلسفة العلم، وهو موطن صراع كبير بين تيارات الفكر الغربي وإن كان لا يصل إلى درجة موقفهم من غير هذه المعرفة المقرونة بالتجربة سواء كانت دينية أو ميتافيزيقية أو مثالية. فما يُسمى علمًا هو إما "الرياضي والمنطقي" الذي هو تحصيل حاصل أو "الطبيعي التجريبي والحسي" الذي يعتمد على التجريب والاستقراء والإحصاء في الوصول إلى نتائج جديدة، وما لا يدخل في هذين القسمين فليس علمًا وإنما هو كلام فارغ. ومن بين أشهر الأمثلة المضروبة لديهم هو كلمة "الله" التي هي غاية الديانات ونهاية
стр. 273
علومها، فهي بحسب مذهبهم كلمة لا تدخل إطار العلم؛ لأنها لا تدخل في القسم الأول ولا القسم الثاني (١)، وتكون كلمة فارغة لا معنى لها. فهذا الموقف الأيديولوجي الملحد هو ما أثار ضجة كبيرة ضد الوضعية المنطقية في الغرب؛ فإن الانتقال بفلسفة العلم إلى حدود الإنكار للعقائد والتكذيب بها بحجة أنها لا يمكن التحقق منها، وفق معايير الوضعية المنطقية، هو أحد صور الانحراف الكبيرة في فلسفات العلم المعاصرة، وأبرز صور الاستثمار السيئ لثمار العلم الحديث في إنكار ما لا يدخل في مجاله. فلو توقف الأمر على حدود: ما الذي يعدّ علمًا رياضيًا أو طبيعيًا؟ وما حدوده؟ وما إمكانياته؟ لما حدث إشكال، وما زال العالم مختلفًا حولها إلى الآن. لكن العمل غير المشروع هو جعل العلم الرياضي الاستنباطي أو الطبيعي الحسي والتجريبي العلم الوحيد المعتبر وما عداه فوهم وكلام فارغ.
لقد جعل الوضعيون المنطقيون من بين مهامهم تصفية العلم من كل المفاهيم الدينية والميتافيزيقية وتسوير العلم بأسوار لا تسمح بدخول مثل تلك المفاهيم إلى دائرة العلم. ففي البيان الذي أصدرته المجموعة بعنوان "فهم علمي للعالم" ما يؤكد ذلك، فهو يقوم على استبعاد الميتافيزيقا من كل فروع المعرفة، ومن ذلك "تنقية النظريات العلمية من الميتافيزيقا"؛ لأن يقين نظرية ما يأتي فقط من المشاهدة؛ أي: من الأحاسيس، وما لا صلة له بالمشاهدة والأحاسيس فيجب تنقية النظريات العلمية منه، وهي الصورة التي عرفت مع "ماخ" وأحيتها الوضعية المنطقية (٢). وبدأت المجموعة بمراجعة العلوم كلٌ في تخصصه وتنقيتها من المفاهيم الميتافيزيقية بحسب المبادئ المقترحة في البيان، وهدفهم المشترك -رغم الاختلافات بينهم- هو إلغاء الميتافيزيقا. وقد اتخذت الوضعية المنطقية من مفهوم الميتافيزيقا مدخلًا للانحراف بالعلم على المستوى الأيديولوجي للتيار، فجعلت منها منطلقًا لاستبعاد الدين والانتقاص من قيمه وعدم الاعتراف بمسلماته، ومن تسامح منهم مع الدين فقد أحاله إلى مجال الأساطير والفنون والموسيقي المعبرة عن مشاعر وجدانية، لا أنه ذو مرجعية حقيقية أو مضمون صحيح.
стр. 274
والموقف الإلحادي ليس جديدًا في الفكر الغربي، وقد اشتهر في أوروبا لاسيّما بعد النشاط البارز للملحد الكبير "فيورباخ"، ثم التيارات المادية في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، ولكن ما يميز الوضعية المنطقية أنها تدعم موقفها الإلحادي باتكائها على المنهج العلمي والرؤية العلمية وهو بارز من عنوان البيان. ولكن استثمارها لنتائج العلم والمنهجية العلمية في دعم الإلحاد لم يستمر طويلًا، إذ واجهتهم تحديات فكرية داخلية وخارجية ولاسيّما حول معيار التحقق من المعرفة العلمية. ففي الداخل حدثت تراجعات وتحولات، وفي الخارجية كان أشهرها المجادلة الطويلة بين الوضعية وبين فيلسوف العلم اليهودي "بوبر"، وما زالت مستمرة، وقد انتقلت بعض صورها وصراعاتها إلى بلاد المسلمين، وكما رأينا ميل المشتغلين بفلسفة العلم في بلاد المغرب إلى الإبستمولوجيا الفرنسية فقد مال بعض المشتغلين بفلسفة العلم في مصر إلى الوضعية المنطقية مع مدرسة "زكي نجيب محمود" أو إلى "بوبر" وأتباعه كما أشار إلى ذلك الدكتور ماهر عبد القادر أحد المهتمين بهذا المجال (١).
ومن مفارقات المذهب الوضعي أنه رغم عدم القطع بصدق المعرفة العلمية، واعتبارهم إياها من قبيل المواضعات العلمية ذات البعد النسبي، إلا أنهم يجعلونها المعرفة الوحيدة المقبولة والصحيحة, إذ يبقى السؤال: ومن أين لكم بصحة جوابكم القطعي حول كونها الوحيدة المقبولة؟ ألأن الموقف القطعي يعتمد على معرفة؟ ومع ذلك فإن الوضعية المنطقية في الموقف من النظريات العلمية تعد أقلّ تطرفًا من جذرها التاريخي المتمثل في وضعيات القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، ولكنها امتداد له في الإلحاد باسم العلم.
٤ - فلسفة العلم في الفكر العربي:
قد تخالف هذه الفقرة مسار البحث، فهو عن المسار الغربي وهي عن العربي، وإنما جاء دخولها لمناسبة خاصة، ففي منتصف القرن الأخير أصبح الاتصال والتواصل بين الغرب والشرق ميسورًا وسريعًا ومن ذلك مثل هذا الميدان. إذا كانت فلسفة العلم هي رؤية فلسفية حول العلوم الحديثة، فإن هذه
стр. 275
العلوم -في القرن الرابع عشر- ما زالت في طور التشكل والتكون، ولم يظهر إلى الآن شخصيات عربية ذات إبداع بارز في ميدان العلوم الحديثة، فمن الطبيعي أن تتأخر مثل هذه الفلسفة حتى تبرز هذه العلوم، وذلك أنها لم تُعرف في الغرب إلا بعد عشرات السنين من الثورة العلمية (١).
ولكن مع عملية التقليد المتواصلة لتيارات الفكر الغربي، فقد ظهر في الفكر العربي نشاط لمجموعة تُعنى بهذا الباب، ومن بين المبررات أن هذه العلوم وإن لم نبدع فيها، إلا أنها تُدرس في كل مكان من بلادنا، وفلسفة العلم أيضًا أضحت قسمًا من أقسام الفلسفة والفلسفة تُدرّس في العالم الإِسلامي فيدرس تبعًا لذلك القسم الجديد فلسفة العلم.
ولا شك في أهمية وجود رؤية واضحة حول الموقف من هذه العلوم الجديدة وطريقة التعامل معها وفهم طبيعتها وحدودها, ولكن مسار هذه الرؤية يختلف عن مسارها في الغرب. ومن المغالطات الواضحة ما يفعله تيار عريض في فلسفة العلم العربي، حيث يرمي بنفسه في أحد تياراتها الغربية، ويجعل من نفسه كالقشة في مجرى نهرها الجارف، دون أن تشق لها نهرًا خاصًا بها يراعي الأصول والثوابت ويوجه المسيرة ويخدم الأهداف ويحقق رغبة التفوق والقوة للأمة، وعند افتراض وجود قناعة بأهمية فلسفة العلم في الفكر العربي فإنه من الطبيعي أن يختلف مسارنا عن مسارهم لا أن نلتصق بأحد تياراتهم. ولكن المتأمل في المفكرين العرب المهتمين بفلسفة العلم يلحظ انخراطهم في تيارات فلسفة العلم الغربية دون إبداء شيء من الخصوصية، بل استثمار مفاهيمها من قبل بعضهم في الانتقاص من تراث المسلمين وربما دينهم.
وبمكن رصد مدرستين عربيتين في هذا المنحى (٢)، الأولى متأثرة بالوضعية المنطقية، وما لحقها أو سبقها من تيارات في المسار نفسها، ويغلب على هذه المدرسة الميل إلى التحليل ورفض الميتافيزيقا والتعصب لمرجعية الحس، وجعله مقياس العلم الوحيد. ومن بين أبرز أعضاء هذه المدرسة الدكتور زكي نجيب محمود ناشر الوضعية المنطقية في الفكر العربي. وحسب ما ذكر أحد الراصدين
стр. 276
لفلسفة العلم في الفكر العربي، فإن سبب ذلك يعود إلى توجه مجموعة بعثات في الغالب إلى بلاد يزدهر فيها التيار الوضعي والتحليلي (١)، وذلك يشعرنا بأن الأمر لم يخضع لاختيار حرّ من قبل المفكرين المتحمسين لفلسفة العلم الوضعية بقدر ما كان تقليدًا للموجود أمامه.
ومثل ذلك يقال على المدرسة الثانية المنتشرة في بلاد المغرب التي مالت إلى تقليد المدرسة الفرنسية ذات المنحى النقدي، ولاسيّما في صورتها الباشلارية بالدرجة الأولى، وأضاف البعض الرؤى الألتوسيرية "باشلار وألتوسير". ويعود ذلك في الغالب إلى اقتراب بلاد المغرب من فرنسا، وذلك يشعرنا أيضًا بغياب الاختيار الحرّ والنقدي للموقف الفكري المغربي، وإنما كان شيئًا قريبًا من الحدود أُعجب به هؤلاء، ومن بين الأسماء المشهورة نجد كلًّا من "محمَّد الجابري" و"سالم يفوت" و"محمد وقيدي" وغيرهم (٢).
وقد استثمر أتباع المدرستين مفهومات فلسفة العلوم وآلياتها في دراسات داخلية ضمن إطار الفكر العربي مما سبب إشكالات كثيرة تأتي بإذن الله دراستها في مباحث قادمة.
٥ - نحو نظرية معرفة جديدة:
لقد كانت مسيرة العلم في الفكر الغربي مضنية وعسيرة، وكانت مشوبة بشوائب خطيرة لم يكن أقلها الاستثمار الخطير من قبل تيارات فكرية لا دينية لثمار العلم في تدعيم أصولها ومذاهبها. ولكن مع مستجدات القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي انقلب الوضع رأسًا على عقب، وظهرت تيارات جديدة تعيد دراسة العلاقة مع العلم وتكشف كثيرًا من الأوهام المتخيلة حول حقيقة العلم، وتكشف كثيرًا من التلاعبات الفكرية عن طريق بناء أنساق فكرية مدعية اعتمادها على العلم ونظرياته. وقد كان من بين أكثر المتضررين بالمستجدات العلمية الاتجاه المادي بكل تياراته ومدارسه، سواء في تصوره لحقيقة العلم أو في استثماره الأيديولوجي لثماره.
ويمكن لراصد مسيرة العلم في الفكر الغربي أن يصل الآن ومع فلسفة
стр. 277
العلوم إلى مجموعة نتائج نختار أهمها مما له صلة بقضية تساؤل البحث الجوهري حول طبيعة النظرية العلمية (١)؟
فمن بين أهم التحولات الملاحظة حول طبيعة المعرفة العلمية ما يأتي: كانت روح النظرة السائدة في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر بأن النظريات العلمية هي صورة طبق الأصل عن الواقع المادي، فالمطابقة هي المفهوم الشائع آنذاك، ويتعلق بهذه النظرة أن الصواب هو ما وافقها والخطأ ما عارضها، وأوسع من ذلك إذ أصبحت هي الحق الوحيد وما عداها فباطل، فالحقيقة العلمية تمثل الحقيقة المطلقة التي لا يدخلها الشك أو الاحتمال وهي معيار الصواب والخطأ.
وعندما وضعت المعرفة العلمية -الرياضية والطبيعية- معيار الحقيقة المطلقة بدأت تصفية واسعة لكل ما يخالف هذه الحقيقة أو يتعارض معها، وكان من بين أهم التيارات نشاطًا في ذلك التيارات المادية والوضعية واليسارية.
ثم حدث ما حدث من مستجدات في أرض العلم ذاته، وأعيد النظر في كثير من المسلمات حول العلم ذاته، وبأيدي العلماء أنفسهم قبل غيرهم، فتغيرت طبيعة الصورة السابقة وانكسرت تلك المعادلة المادية، وأصبح مفهوم المطابقة غير دقيق في النظريات والمعارف العلمية واستبدل به مفهوم المواضعات أو الظاهريات.
واستُبدل به تبعًا لذلك مفهوم الحقيقة العلمية المطابقة مفهوم الحقيقة العلمية النسبية، واستبدل بالحقِ الأنفعُ، وإذا كان الصواب والخطأ يناسب مفهوم المطابقة، فإن المواضعات والظاهريات استبدلته بمناسب وأيسر وأنفع أو غير مناسب وأصعب وغير نافع (٢).
وهي تُشكل تحولات منهجية جذرية لطبيعة النظرية العلمية والمعرفة وطبيعة العلاقة بها. فالنظرية العلمية الفيزيائية مثلًا ما هي إلا مواضعات يقترحها الذهن قصد التفسير الأسهل بحسب رأي نقاد العلم، أو هي تعبير عن الظاهر الذي
стр. 278
يتبدى لأدواتنا الحسية لا أنه هو الواقع ذاته، فالعقل يتدخل في صياغة النظرية وليس آلة تصوير فقط.
ويعني هذا بأنها حقيقة مؤقتة نسبية تواضعنا عليها الآن قصد التيسير، وليست حقيقة مطلقة يمكن القول عنها: إنها خطأ أو صواب تصور الواقع كما هو، وإنما هي حقيقة نسبية تنفعنا الآن في تفسير الظواهر والتحكم بها أو معرفة كيفية التعامل معها، ويتبع ذلك أن المطلوب ليس صحتها وإنما هل هي نافعة لنا أم لا؟ هل تحقق ما نريد بصورة ميسرة أم لا؟ وبحسب قدرتها في نفعنا تكون نظرية جيدة حتى يأتي يوم لا تستطيع تلك النظرية الإجابة عن أسئلة أو تقديم النفع، فتستبدل بنظرية أخرى تقوم بما قصرت فيه الأولى. وقد سهّل هذا التحول المنهجي حول مفهوم النظرية ولادة كثير من النظريات الجديدة ويسر تغيير النظريات القديمة إذا احتيج إلى ذلك، والأهم من ذلك بأن الكثير لم يعد لديهم اعتقاد صارم بأن النظرية العلمية حقيقة أزلية كالحقائق الدينية الموحى بها من السماء، وإنما هي اجتهاد بشري قد يتغير في مستقبل العلم. وتبقى هذه النظرة الجديدة هي المعبرة غالبًا عن روح فلسفة العلوم في القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي.
ب- انقلاب فكري ضدّ الوضعية العلموية وتيارات المعرفة المادية:
مما يلفت النظر في القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي ميلاد مذاهب تنتقص من أثر العلم عندما يتجاوز ميدانه، بل تنتقص المكانة المعطاة للعقل والفكر العقلي في المراحل السابقة. وليس أهلها من الجاهلين بالعلوم الحديثة إن لم يكن بعضهم من مدرسيها, ولكنهم اختلفوا مع تيارات القرن الماضي عندما قامت تلك بإعطاء العلم صلاحيات واسعة وبناء منظومات فكرية من خلال تأويلها للنظريات العلمية وتطبيقها في ميادين مختلفة من حياة البشر. فحدث مع مجموعة كبيرة ومشهورة من تيارات القرن الرابع عشر/ العشرين انقلاب كبير ضد الوضعية والمادية الواقعية واستقطبت جماهير غفيرة وأحدثت رؤية جديدة في علاقة الإنسان بالعلم والعقلانية.
وعند استعراض أهم تيارات الفكر في هذا القرن نجد أن تلك الرؤية الوضعية والمادية عن العلم قد أصبحت ضعيفة وتكاد في مواطن كثيرة أن تكون
стр. 279
منبوذة. فمن أشهر التيارات الفكرية في هذا القرن نجد بقايا ممتدة من القرن الماضي، كالاتجاه المادي والمثالي ومنها ما هو جديد كفلسفة الحياة والعمل والوجودية وفلسفات الوجود والظاهرية والبنيوية وغيرها:
كان أشهرها في مطلع القرن ما يُطلق عليه فلسفة الحياة والعمل وأهمها: "الفلسفة البرجسونية أتباع الفيلسوف الفرنسي برجسون" "والبراجماتية أو الذرائعية التي ظهرت في أمريكا مع بيرس ووليم جمس وجون ديوي".
١ - البرجسونية. فأما "برجسون"، فقد كان في مسار تيار نقد العلم، وما كان يرى بتلك القيمة الكبيرة للعلم ونظرياته بحسب ما تراه الرؤية الوضعية والمادية، وعادة ما يُصنف في مدرسة اللامعقول، لنزوعه إلى الحدس وقبوله للدين ومعارضة العقلانية والعلموية (١).
٢ - البراجماتية. أما البراجماتية أو الذرائعية ولاسيّما مع "وليم جيمس"، فقد كانت أيضًا تنزع إلى أن الحقيقة المطلقة غير موجودة حتى في العلم، وإنما تقاس حقيقة الشيء بثمرته وفائدته ونفعه، فالحقيقي هو النافع، وإذا كان الدين أو العلم أو غيرهما ذا فائدة وثمرة فله حقيقة. وإن كان فيهم من تطرف للنظرة الوضعية مثل "جون ديوي" وقدّم العلم على غيره (٢).
كانت البرجسونية أهم فلسفة في فرنسا أول القرن بينما الوجودية في أمريكا وموطن اللغة الإِنجليزية، وهما عادة ما يوضعان في إطار الاتجاه اللاعقلي والحيوي والعملي، ويوضعان ضمن تيارات أرادت إيقاف النزعة العلموية المادية والوضعية وفتح المجال للكائن الحي.
٣ - المثالية. نجد أيضًا اتجاهًا ثالثًا ضد النزعة العلموية: المادية والوضعية وهو الاتجاه المثالي مع "كروتشه" و"برنشفيك" ومع "الكانطية الجديدة"، وقد كان لهذا الاتجاه نفوذه في القرن الرابع عشر/ العشرين أيضًا، وكان معظم أصحابه ضد الوضعية العلموية، وفيهم تأثر بمدرسة نقد العلم والوضعية الجديدة التي ترى بأن النظريات العلمية ما هي إلا مواضعات، وقد كان كروتشه مهاجمًا للعلم
стр. 280
وبنفس الاتجاه يهاجم الميتافيزيقا والدين ويؤسس لمثالية جديدة (١).
ويبقى السؤال عن وضع الاتجاه المادي خصيم المثالية؛ أين هو في هذه المرحلة؟ الحقيقة أنه موجود؛ ولكن كثيرًا من دعاويه المستندة على العلم قد سقطت، وما بقي له إلا العودة إلى التخرصات العقلية للدفاع عن الإلحاد بكل مكوناته من إنكار للربوبية والغيبيات واليوم الآخر والروح وغيرها، وهو مرض موجود حتى عند أطراف من خصوم المادية، فهو مرض مستمر في الحدوث ما بقي داعيته في الوجود وهو الشيطان الرجيم. ورغم أنه الأضعف في القرن الرابع عشر/ العشرين إلا أنه قد وجد من يدافع عنه بقوة، مثل الفيلسوف الإِنجليزي راسل، ومثل الوضعية الجديدة وفلسفة التحليل، ومجموعة كبيرة من الماركسيين ولاسيّما في المعسكر الشيوعي السابق وأتباعه في العالم، فإن مما أسهم في بقائه واستمراره أن دولة الاتحاد السوفيتي السابقة قد اعتمدت المادية والإلحاد كأيديولوجيا أساسية ووحيدة للدولة الجديدة بعد نجاح الثورة البلشفية عام (١٩١٩ م)، بصورتها "الماركسية اللينينية" واجتهدت في نشرها والدفاع عنها واستبعاد كل ما يعارضها ولو بالتصفية الجسدية للمعارضين، وإعادة النظر في العلوم في ضوء النظرية الماركسية، وأصبح العلم معهم ماركسيًا لا علميًا. والدين عندهم عبارة عن أقوال خاطئة أثبت العلم الطبيعي خطأها، والعلم -بصورته الماركسية- هو الوحيد الذي يسمح لنا بمعرفة الحقيقة.
فأما راسل وإن لم يكن شيوعيًا إلا أنه أحد أهم المدافعين عن الإلحاد في القرن العشرين والمتمسكين بالمذهب المادي محتجًا في ذلك بالعلم مع حجج فلسفية أخرى (٢).
ولكن العلم في القرن الرابع عشر/ العشرين -كما سبق- لا يساعد الماديين على ماديتهم وإلحادهم، وعندما شعروا بذلك رفضوا نظريات الفيزياء المعاصرة بحجة أنها ذات ميول مثالية، ووظفت الدولة والسوفيتية كُتّابها لمحاربة تلك
стр. 281
النظريات. أما أصحاب الوضعية والتحليل والفيلسوف راسل ممن يعيش في بلاد غير شيوعية، فيكتفون بأن العلم ميدانه الحسّ، ومسائل الدين مما لا تحُسّ فهي إذًا غير علمية ولا يصلح أن يقال عنها: حقيقة، فهذا التيار لا يملك دليل إثبات على موضوعه، وإنما يستشهد على عدم صحة الدين بأنهم لم يحسّوا به ولم يعرفوه، وكما هو معروف فإن عدم الإحساس بالشيء لا يدل على أن الشيء غير موجود (١).
وقد لقي هذا الموقف المادي ضربات موجعة من أغلب تيارات القرن الرابع عشر/ العشرين، لاسيّما في ماديته، وإن كان كثير من التيارات الأخرى يشاركون الاتجاه المادي في الإلحاد، إلا أن ميولهم الإلحادية لا يقيمونها على العلم وإنما على وسوسات عقلية.
٥ - الوجودية. نجد أيضًا في القرن الرابع عشر/ العشرين اتجاهًا كبيرًا هو الوجودية، وهي تكاد تكون فرارًا من العلم والعقل إلى مشاكل الإنسان ذاته ووجوده، ومن الطبيعي في مدينة علمانية محرومة من شرع السماء أن تكون النظرة إلى الإنسان ووجوده بعيدة كل البعد عن المنزلة الحقيقية التي أرادها الله سبحانه لعباده. ومع ذلك فهي تحكي أزمة حقيقية عاشتها أوروبا بعد أن اعتنت بعالم المادة والحسّ والتقدم الدنيوي، وغلت في العلوم الجديدة ونسيت الإنسان، بل أرعبته بحربين كبيرتين قضت على الملايين، عندها جاءت الوجودية تدعو إلى ترك العلموية والعقلانية والوضعية والانتباه لوجود الإنسان. وبسبب ذلك فهي عادة ما توضع في دائرة الاتجاهات اللاعقلية، ويصفها "بوشنسكي" وكأنها فلسفة هندوسية (٢).
٦ - الظاهريات والبنيوية. لقد كانت الأمثلة السابقة أبرز الاتجاهات الفكرية التي انقلبت على العلم والعقلانية، وما بقي ذا صلة بالعلم فهو أبعد ما يكون عن الصورة الوضعية المعهودة في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر كالذي نجده في فلسفة "هوسرل" الظاهرية أو الفمنولوجية، وكالذي نجده في البنيوية مع "فوكو" و"شتراوس" و"بارت" و"ألتوسير" و"يونغ" وغيرهم، فهي تعتني بالوعي مع
стр. 282
"هوسرل"، وتهتم بالبناء اللغوي مع البنيوية وابتعدت كثيرًا عن التيارات العلموية وإن لم تبتعد عن الإلحاد (١)، وهناك غير هذه التيارات، والمقصود عرض ما يدل على مثل هذا الانعطاف، والابتعاد عن المادية والعلموية، ومع ذلك فالكثير من التيارات الفكرية وإن هجر المادية فما زال يخوض في مستنقع الضلالة، ولكن المؤشر المهم هنا هو هجر الدعاوى العلمية القديمة لإثبات الإلحاد، ومن بقي منهم على هذا الوباء فمستنده من خارج العلم.
خاتمة: لم الانقلاب على العلموية والوضعية والمادية؟
لو اكتفينا بالتيارات الكبرى المعارضة للوضعية والعلموية والرافضة لاستفراد النظرة العلمية بالساحة مثل: "البرجسونية والبراجماتية والوجودية والمثالية والكانطية الجديدة وفلسفات الميتافيزيقا الجديدة وغيرها"، وأبرزنا هذا التساؤل: لماذا انقلبت كل هذه التيارات على النزعة العلموية؟ ربما سيكون من بين أهم الأجوبة بأن النظرة العلمية لم تحقق للإنسان سعادته ولم تلبِّ رغباته وطموحه، وظهر وكأن التعاسة مرتبطة بتقدم العلم عندما يتقدم دون قيم عليا ترعاه وتجعله في خدمة الإنسان. وربما من بين الأجوبة المهمة بأن العلم نشاط بشري محدود الإمكانيات، يقبل التوظيف والتلاعب، ويعتريه الخطأ والصواب، والنقص فيه صفة لازمة كما هي خاصية لكل مخلوق، وبقدر ما تنفتح أبواب لم تكن معروفة عند من سبقنا بقدر ما تنفتح أضعافٌ مضاعفة من مساحات الجهل (٢)، وأصبح الاكتشاف وكأنه اكتشاف لغابة كبيرة من الألغاز بدل أن يكون جوابًا لسؤال أو حلًا لمشكلة، لقد اكتشفنا الذرة فهل أُقفل الباب؟ الحقيقة أن هذا الاكتشاف قد أوصلنا إلى غابة كثيفة من الألغاز. وقد اكتشفنا الخلية فهل وصلنا إلى النهاية؟ الجواب: لا. وإنما ظهر لنا عالم عجيب من الكائنات لا يعلم بحقيقته إلا من خلقه وأوجده. وهاهي المركبات الفضائية تسبح في الفضاء فهل أُقفل الباب؟ والجواب: لا. وإنما أرتنا فقط جزءًا من حجمنا الضئيل في
стр. 283
عالم كبير مدهش يصعب تصوره فضلًا عن الإحاطة به. لقد كانت هذه الاكتشافات جزءًا مما أصاب الفكر المعاصر بالصدمة وفتح باب الأسئلة من جديد، وتحولت أشهر التيارات إلى العناية بالإنسان أو البحث في حقيقة الوجود، والقوم يسيرون دون هداية من الله، فمثلهم كمثل من صور الله لنا حاله في سورة البقرة قال -تعالى-: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [البقرة: ١٧ - ٢٠].
من المدهش ما نجده من بعض الأقلام العربية حول هذا الموضوع إذ يقول بعضهم: إن الغرب قد شبع من العلوم الدنيوية، وشبع من العقلانية، وشبع من التقدم والتطور، وجاءت لحظات التوقف مع اللاعقل، مع الوجود والحرية والفن والمثاليات والتدين والتصوف. أما نحن فنحن غارقون في الخرافة والأساطير والتخلف فعلينا أولًا بأخذ ما يرفضونه الآن، أن نأخذ بالعقلانية والتقدم دون أن نأخذ ميولهم الجديدة.
والحقيقة أننا لا نريد تلك ولا هذه، فلا نريد عقلانية تختم بالإلحاد أو علموية تنابذ الدين، ولا نريد في الوقت نفسه مثاليات ومذاهب اللاعقل، إنما نريد من عندهم ما ينفعنا وما حثنا ديننا على أخذه، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها، وما ينفع الناس في دنياههم أو أبدانهم أو قوتهم من العلوم النافعة هي مما ينبغي الحرص عليه، أما ما بني عليها من تأويلات أو انحرافات، فيكفينا أن نتعظ بما أوصلت أهلها إليه، والسعيد من وعظ بغيره، وفي الوقت نفسه عندنا وبين أيدينا ما يغنينا عنها.
ج - عصر جديد لعلاقة العلم بالايمان في الفكر الغربي:
لقد كانت العلاقة بين العلم والدين عسيرة منذ ولادة الثورة العلمية، كان الدين -ممَثلًا في الكنيسة النصرانية على وجه الخصوص- أكبر من عانى من صراعه مع الحركة العلمية؛ ومن بين أهم الأسباب لتلك المعاناة: الانحرافات الكبيرة التي وقعت فيها الكنيسة سواء بالتحريف في الدين أو بظلم الناس، وكانت المادة المحرفة أرضًا خصبة لضربات المعترضين المتتالية، ولكن الكنيسة
стр. 284
كانت القوية في البداية، ففرضت رأيها، وأجبرت العلماء على التراجع، بينما قام العلماء بمحاولات شاقة لتأويل نصوصهم الدينية أو عقائدهم الرسمية لكي تتوافق مع نظرياتهم العلمية، وقد استمر هذا الوضع إلى عصر نيوتن.
وبعد الثورة الفرنسية الداعية إلى العلمانية ضُربت قوّة الكنيسة ضربة قاسية، فقد أُزيلت الأنظمة السياسية الداعمة لها، ثم أُقصيت الكنيسة من مجال حياة الناس التعليمية والاجتماعية والسياسية وغيرها، وأبقيت كنشاط ديني لمن أراده. صاحب ذلك زوال عقدة الخوف عند العلماء من الكنيسة والمجتمع في نقدهم للدين فانطلقوا دون احترام للعقائد الدينية يدعمهم في ذلك تيارات فكرية ذات نزعة مغالية في اللادينية.
ووصل العداء والقطيعة بينهما ذروته في القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي في صورة الوضعية العلموية الداعية إلى وضع الدين في متحف للآثار والاكتفاء بالعلم، ولم تعد المسألة مسألة تعارض بين الدين والعلم كما في السابق، ومن ثمّ معالجة ذلك التعارض، وإنما المسألة أصبحت مع الوضعيين بأن الدين وهم وخرافة اخترعته البشرية في يوم من الأيام كما اخترع قوم عبادة أوثان أو عبادة حيوانات، فكذلك الأديان الكتابية هي مثلها، ويزعمون بأن العلوم الطبيعية -ماركس مثلًا- تؤكد خطأ كثير من العقائد الموروثة، وهو دليل على أن الناس اخترعوها.
ورغم أن العلماء أنفسهم لم تكن تعنيهم هذه الأمور، فهي مناقشات تدار في أرض الفكر والفلسفة، إلا أن قادة الفكر قد سحبوا العلماء إلى ميدان المناقشات، وذلك عندما قام مجموعة من المفكرين والفلاسفة باستثمار النظريات العلمية في حججهم ضد الدين، عندها دخل هؤلاء العلماء حلبة المناقشة -على أن منهم من كان مهتمًا بالفكر والفلسفة- وتورطوا في الميل لجانب الدعاوى اللادينية ودعمها بما بين أيديهم من علوم، ثم اتسع الأمر عندما ترك كثيرٌ منهم الدين وتحول بعضهم إلى الإلحاد أو إلى مواقف لا أدرية؛ لأنهم يرون بأن أهل الدين لم يثبتوا صحة ما بين أيديهم ولا تنطبق عليه مناهجهم العلمية، ويرون حججًا فكرية وفلسفية تتابع دون أن تجد الرد المناسب، ويرون أن ما بين أيديهم من علوم لا تدل على كثير من القضايا الدينية المعروفة زمنهم. فانصرف هؤلاء العلماء إلى موقف لا أدري يقوم على الحيرة والشك، وآخرون سلكوا طريق
стр. 285
الإلحاد، وقد كانوا كثرة، ومجموعة بقيت على الدين على أن يُحصر في الجانب القيمي والأخلاقي فقط.
وقد كان أخطر ما في الأمر هو دخول الإلحاد إلى طائفة العلماء؛ لأنهم سيدعمون الإلحاد من خلال تخصصاتهم العلمية، فإن ميدانهم العلمي يقوم بالدرجة الأولى على الحسّ والتجريب، وهو ميدان يختلف عن باب العقائد إذ هي قضايا غيبية لا يدخلها الحسّ والتجريب لاسيّما قضايا الغيب المحض. فهؤلاء العلماء عندما يرون أن مناهجهم لا تحقق هذه القضايا الغيبية فيسلمون عندها بادعاءات الملحدين، وكأن الطريق الوحيد للحقيقة والمعرفة هو طريقة الحسّ والتجريب.
لقد أوجد هذا الموقف من قبل العلماء مشكلة كبيرة نحو الدين، ذلك أنهم أصبحوا في مكانة عالية بعد انتصارات العلم وتقدمه، وصاروا قدوة لغيرهم، وعلومهم هي مطمع أغلب الدارسين في بلادهم، بل هي العلوم الوحيدة التي تستحق في نظرهم التعب والتحصيل. وعندما يأتي الطلاب والمعجبون بتلك العلوم لدراستها ثم يرون بأن البارزين فيها يميلون إلى الإلحاد أو المواقف المتشككة اللاأدرية، بل منهم من يربط العلم بالإلحاد وانكار كل ما عرف من الدين؛ فإن النتيجة المتوقعة هي وقوع مجموعة من المتعلمين في شراك الإلحاد اقتداء بالعلماء والبارزين. وهذا يوضح أحد أهم عوامل انتشار ظاهرة الإلحاد في إطار الحركة العلمية، فإذا أضفنا إليه بأن المذاهب المشهورة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر -كالماركسية والوضعية والدارونية الاجتماعية- قامت على موقف عقائدي واضح وهو الإلحاد، ومن بين حججهم المزعومة بأن العلوم الطبيعية تدعم موقفهم، علمنا عندها كيف تضافرت عوامل كثيرة في توسيع دائرة الإلحاد.
وهكذا افتتح القرن الرابع عشر/ العشرين على وهمٍ كبير حاصله أن العلم رديف الإلحاد، وأصبح من السائد في الثقافة الغربية المعاصرة آنذاك بأن من شروط دخول العلم أن تكون ملحدًا، وأنه لا يتصور وجود عالم غير ملحد.
وهو يكشف بأن الدعوة للمذهب الربوبي في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر أو للإلحاد في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر كانت قوية ومستمرة، وأنها اخترقت ميدان العلم الجديد، ونجحت في استقطاب مجموعة من البارزين في