← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

النظريات. أما أصحاب الوضعية والتحليل والفيلسوف راسل ممن يعيش في بلاد غير شيوعية، فيكتفون بأن العلم ميدانه الحسّ، ومسائل الدين مما لا تحُسّ فهي إذًا غير علمية ولا يصلح أن يقال عنها: حقيقة، فهذا التيار لا يملك دليل إثبات على موضوعه، وإنما يستشهد على عدم صحة الدين بأنهم لم يحسّوا به ولم يعرفوه، وكما هو معروف فإن عدم الإحساس بالشيء لا يدل على أن الشيء غير موجود (١). وقد لقي هذا الموقف المادي ضربات موجعة من أغلب تيارات القرن الرابع عشر/ العشرين، لاسيّما في ماديته، وإن كان كثير من التيارات الأخرى يشاركون الاتجاه المادي في الإلحاد، إلا أن ميولهم الإلحادية لا يقيمونها على العلم وإنما على وسوسات عقلية. ٥ - الوجودية. نجد أيضًا في القرن الرابع عشر/ العشرين اتجاهًا كبيرًا هو الوجودية، وهي تكاد تكون فرارًا من العلم والعقل إلى مشاكل الإنسان ذاته ووجوده، ومن الطبيعي في مدينة علمانية محرومة من شرع السماء أن تكون النظرة إلى الإنسان ووجوده بعيدة كل البعد عن المنزلة الحقيقية التي أرادها الله سبحانه لعباده. ومع ذلك فهي تحكي أزمة حقيقية عاشتها أوروبا بعد أن اعتنت بعالم المادة والحسّ والتقدم الدنيوي، وغلت في العلوم الجديدة ونسيت الإنسان، بل أرعبته بحربين كبيرتين قضت على الملايين، عندها جاءت الوجودية تدعو إلى ترك العلموية والعقلانية والوضعية والانتباه لوجود الإنسان. وبسبب ذلك فهي عادة ما توضع في دائرة الاتجاهات اللاعقلية، ويصفها "بوشنسكي" وكأنها فلسفة هندوسية (٢). ٦ - الظاهريات والبنيوية. لقد كانت الأمثلة السابقة أبرز الاتجاهات الفكرية التي انقلبت على العلم والعقلانية، وما بقي ذا صلة بالعلم فهو أبعد ما يكون عن الصورة الوضعية المعهودة في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر كالذي نجده في فلسفة "هوسرل" الظاهرية أو الفمنولوجية، وكالذي نجده في البنيوية مع "فوكو" و"شتراوس" و"بارت" و"ألتوسير" و"يونغ" وغيرهم، فهي تعتني بالوعي مع

стр. 282

"هوسرل"، وتهتم بالبناء اللغوي مع البنيوية وابتعدت كثيرًا عن التيارات العلموية وإن لم تبتعد عن الإلحاد (١)، وهناك غير هذه التيارات، والمقصود عرض ما يدل على مثل هذا الانعطاف، والابتعاد عن المادية والعلموية، ومع ذلك فالكثير من التيارات الفكرية وإن هجر المادية فما زال يخوض في مستنقع الضلالة، ولكن المؤشر المهم هنا هو هجر الدعاوى العلمية القديمة لإثبات الإلحاد، ومن بقي منهم على هذا الوباء فمستنده من خارج العلم. خاتمة: لم الانقلاب على العلموية والوضعية والمادية؟ لو اكتفينا بالتيارات الكبرى المعارضة للوضعية والعلموية والرافضة لاستفراد النظرة العلمية بالساحة مثل: "البرجسونية والبراجماتية والوجودية والمثالية والكانطية الجديدة وفلسفات الميتافيزيقا الجديدة وغيرها"، وأبرزنا هذا التساؤل: لماذا انقلبت كل هذه التيارات على النزعة العلموية؟ ربما سيكون من بين أهم الأجوبة بأن النظرة العلمية لم تحقق للإنسان سعادته ولم تلبِّ رغباته وطموحه، وظهر وكأن التعاسة مرتبطة بتقدم العلم عندما يتقدم دون قيم عليا ترعاه وتجعله في خدمة الإنسان. وربما من بين الأجوبة المهمة بأن العلم نشاط بشري محدود الإمكانيات، يقبل التوظيف والتلاعب، ويعتريه الخطأ والصواب، والنقص فيه صفة لازمة كما هي خاصية لكل مخلوق، وبقدر ما تنفتح أبواب لم تكن معروفة عند من سبقنا بقدر ما تنفتح أضعافٌ مضاعفة من مساحات الجهل (٢)، وأصبح الاكتشاف وكأنه اكتشاف لغابة كبيرة من الألغاز بدل أن يكون جوابًا لسؤال أو حلًا لمشكلة، لقد اكتشفنا الذرة فهل أُقفل الباب؟ الحقيقة أن هذا الاكتشاف قد أوصلنا إلى غابة كثيفة من الألغاز. وقد اكتشفنا الخلية فهل وصلنا إلى النهاية؟ الجواب: لا. وإنما ظهر لنا عالم عجيب من الكائنات لا يعلم بحقيقته إلا من خلقه وأوجده. وهاهي المركبات الفضائية تسبح في الفضاء فهل أُقفل الباب؟ والجواب: لا. وإنما أرتنا فقط جزءًا من حجمنا الضئيل في

стр. 283

عالم كبير مدهش يصعب تصوره فضلًا عن الإحاطة به. لقد كانت هذه الاكتشافات جزءًا مما أصاب الفكر المعاصر بالصدمة وفتح باب الأسئلة من جديد، وتحولت أشهر التيارات إلى العناية بالإنسان أو البحث في حقيقة الوجود، والقوم يسيرون دون هداية من الله، فمثلهم كمثل من صور الله لنا حاله في سورة البقرة قال -تعالى-: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [البقرة: ١٧ - ٢٠]. من المدهش ما نجده من بعض الأقلام العربية حول هذا الموضوع إذ يقول بعضهم: إن الغرب قد شبع من العلوم الدنيوية، وشبع من العقلانية، وشبع من التقدم والتطور، وجاءت لحظات التوقف مع اللاعقل، مع الوجود والحرية والفن والمثاليات والتدين والتصوف. أما نحن فنحن غارقون في الخرافة والأساطير والتخلف فعلينا أولًا بأخذ ما يرفضونه الآن، أن نأخذ بالعقلانية والتقدم دون أن نأخذ ميولهم الجديدة. والحقيقة أننا لا نريد تلك ولا هذه، فلا نريد عقلانية تختم بالإلحاد أو علموية تنابذ الدين، ولا نريد في الوقت نفسه مثاليات ومذاهب اللاعقل، إنما نريد من عندهم ما ينفعنا وما حثنا ديننا على أخذه، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها، وما ينفع الناس في دنياههم أو أبدانهم أو قوتهم من العلوم النافعة هي مما ينبغي الحرص عليه، أما ما بني عليها من تأويلات أو انحرافات، فيكفينا أن نتعظ بما أوصلت أهلها إليه، والسعيد من وعظ بغيره، وفي الوقت نفسه عندنا وبين أيدينا ما يغنينا عنها. ج - عصر جديد لعلاقة العلم بالايمان في الفكر الغربي: لقد كانت العلاقة بين العلم والدين عسيرة منذ ولادة الثورة العلمية، كان الدين -ممَثلًا في الكنيسة النصرانية على وجه الخصوص- أكبر من عانى من صراعه مع الحركة العلمية؛ ومن بين أهم الأسباب لتلك المعاناة: الانحرافات الكبيرة التي وقعت فيها الكنيسة سواء بالتحريف في الدين أو بظلم الناس، وكانت المادة المحرفة أرضًا خصبة لضربات المعترضين المتتالية، ولكن الكنيسة

стр. 284

كانت القوية في البداية، ففرضت رأيها، وأجبرت العلماء على التراجع، بينما قام العلماء بمحاولات شاقة لتأويل نصوصهم الدينية أو عقائدهم الرسمية لكي تتوافق مع نظرياتهم العلمية، وقد استمر هذا الوضع إلى عصر نيوتن. وبعد الثورة الفرنسية الداعية إلى العلمانية ضُربت قوّة الكنيسة ضربة قاسية، فقد أُزيلت الأنظمة السياسية الداعمة لها، ثم أُقصيت الكنيسة من مجال حياة الناس التعليمية والاجتماعية والسياسية وغيرها، وأبقيت كنشاط ديني لمن أراده. صاحب ذلك زوال عقدة الخوف عند العلماء من الكنيسة والمجتمع في نقدهم للدين فانطلقوا دون احترام للعقائد الدينية يدعمهم في ذلك تيارات فكرية ذات نزعة مغالية في اللادينية. ووصل العداء والقطيعة بينهما ذروته في القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي في صورة الوضعية العلموية الداعية إلى وضع الدين في متحف للآثار والاكتفاء بالعلم، ولم تعد المسألة مسألة تعارض بين الدين والعلم كما في السابق، ومن ثمّ معالجة ذلك التعارض، وإنما المسألة أصبحت مع الوضعيين بأن الدين وهم وخرافة اخترعته البشرية في يوم من الأيام كما اخترع قوم عبادة أوثان أو عبادة حيوانات، فكذلك الأديان الكتابية هي مثلها، ويزعمون بأن العلوم الطبيعية -ماركس مثلًا- تؤكد خطأ كثير من العقائد الموروثة، وهو دليل على أن الناس اخترعوها. ورغم أن العلماء أنفسهم لم تكن تعنيهم هذه الأمور، فهي مناقشات تدار في أرض الفكر والفلسفة، إلا أن قادة الفكر قد سحبوا العلماء إلى ميدان المناقشات، وذلك عندما قام مجموعة من المفكرين والفلاسفة باستثمار النظريات العلمية في حججهم ضد الدين، عندها دخل هؤلاء العلماء حلبة المناقشة -على أن منهم من كان مهتمًا بالفكر والفلسفة- وتورطوا في الميل لجانب الدعاوى اللادينية ودعمها بما بين أيديهم من علوم، ثم اتسع الأمر عندما ترك كثيرٌ منهم الدين وتحول بعضهم إلى الإلحاد أو إلى مواقف لا أدرية؛ لأنهم يرون بأن أهل الدين لم يثبتوا صحة ما بين أيديهم ولا تنطبق عليه مناهجهم العلمية، ويرون حججًا فكرية وفلسفية تتابع دون أن تجد الرد المناسب، ويرون أن ما بين أيديهم من علوم لا تدل على كثير من القضايا الدينية المعروفة زمنهم. فانصرف هؤلاء العلماء إلى موقف لا أدري يقوم على الحيرة والشك، وآخرون سلكوا طريق

стр. 285

الإلحاد، وقد كانوا كثرة، ومجموعة بقيت على الدين على أن يُحصر في الجانب القيمي والأخلاقي فقط. وقد كان أخطر ما في الأمر هو دخول الإلحاد إلى طائفة العلماء؛ لأنهم سيدعمون الإلحاد من خلال تخصصاتهم العلمية، فإن ميدانهم العلمي يقوم بالدرجة الأولى على الحسّ والتجريب، وهو ميدان يختلف عن باب العقائد إذ هي قضايا غيبية لا يدخلها الحسّ والتجريب لاسيّما قضايا الغيب المحض. فهؤلاء العلماء عندما يرون أن مناهجهم لا تحقق هذه القضايا الغيبية فيسلمون عندها بادعاءات الملحدين، وكأن الطريق الوحيد للحقيقة والمعرفة هو طريقة الحسّ والتجريب. لقد أوجد هذا الموقف من قبل العلماء مشكلة كبيرة نحو الدين، ذلك أنهم أصبحوا في مكانة عالية بعد انتصارات العلم وتقدمه، وصاروا قدوة لغيرهم، وعلومهم هي مطمع أغلب الدارسين في بلادهم، بل هي العلوم الوحيدة التي تستحق في نظرهم التعب والتحصيل. وعندما يأتي الطلاب والمعجبون بتلك العلوم لدراستها ثم يرون بأن البارزين فيها يميلون إلى الإلحاد أو المواقف المتشككة اللاأدرية، بل منهم من يربط العلم بالإلحاد وانكار كل ما عرف من الدين؛ فإن النتيجة المتوقعة هي وقوع مجموعة من المتعلمين في شراك الإلحاد اقتداء بالعلماء والبارزين. وهذا يوضح أحد أهم عوامل انتشار ظاهرة الإلحاد في إطار الحركة العلمية، فإذا أضفنا إليه بأن المذاهب المشهورة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر -كالماركسية والوضعية والدارونية الاجتماعية- قامت على موقف عقائدي واضح وهو الإلحاد، ومن بين حججهم المزعومة بأن العلوم الطبيعية تدعم موقفهم، علمنا عندها كيف تضافرت عوامل كثيرة في توسيع دائرة الإلحاد. وهكذا افتتح القرن الرابع عشر/ العشرين على وهمٍ كبير حاصله أن العلم رديف الإلحاد، وأصبح من السائد في الثقافة الغربية المعاصرة آنذاك بأن من شروط دخول العلم أن تكون ملحدًا، وأنه لا يتصور وجود عالم غير ملحد. وهو يكشف بأن الدعوة للمذهب الربوبي في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر أو للإلحاد في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر كانت قوية ومستمرة، وأنها اخترقت ميدان العلم الجديد، ونجحت في استقطاب مجموعة من البارزين في

стр. 286

المجال العلمي، والأدهى من ذلك أنها نجحت في تحويل هؤلاء العلماء إلى موظفين في مؤسسة الإلحاد يدعمونها بما يرونه من مناهج علمية أو نظريات أو فرضيات أو اكتشافات، وذلك بعد تأويلها بالصورة المناسبة القابلة للتوظيف في ميدان الإلحاد. وبقدر ما يكشف النشاط القوي للتيارات الإلحادية، بقدر ما يكشف ضعف التيار العلمي أمام شبهات الملحدين، إن لم يكن يكشف هوى لدى بعضهم في إدخال الإلحاد داخل دائرة العلم. وعندما نرجع إلى بداية الثورة العلمية نراها على صورة غير ما هي عليه في نهايات القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، فقد كان العلماء هناك يصرّون على إعلان تدينهم ويحرصون على تأويل النصوص والعقائد الدينية حتى لا تتعارض مع العلم، ويرون العلم يدعم الدين، أما في نهايات القرن الثالث عشر/ التاسع عشر فقد خُيّل للكثير أن العالم الحق لابد أن يكون ملحدًا، وأن العلم لا يمكن أن يتوافق مع الدين، ومن الأمثلة المعبرة عن هذا الوضع ما ذكره أحد المشتغلين بالعلوم الحديثة "ألبرت ماكومب" حيث يقول عن نفسه: "عندما كنت طالبًا بالجامعة وكنت قد قررت أن أدرس العلوم. وإنني لأذكر جيدًا كيف أخذتني إحدى عماتي جانبًا ذات يوم وتوسلت إليّ أن أعدل عن هذا القرار؛ لأن العلوم، كما كانت تعتقد، سوف تقضي على إيماني بالله. لقد كانت تعتبر، كما يعتبر الكثيرون، أن العلوم والدين قوتان متعارضان، وأنهما لا يمكن أن يجتمعا في قلب رجل واحد" (١). ومن الأمثلة أيضًا ما ذكره "أندروكونواي" (عالم فسيولوجي) بأنه كان في جلسة مع مجموعة من رجال الأعمال فقال أحدهم: "سمعت أن معظم المشتغلين بالعلوم ملحدون، فهل هذا صحيح؟ "، وتساؤل رجل الأعمال هذا وتحذير تلك العمة من عامة الناس؛ يوحي بمقدار انتشار تلك القضية بين الناس. ولا يخفى بأن انتشارها إلى هذه الدرجة له أثر سلبي؛ إذ تجد الداخلين الجدد إلى ميدان العلوم ينخرطون فيها بمثل هذا الوهم، وعندما يظهر لأحدهم شواهد ضدّ الإلحاد وحجج قوية تدعم الدين؛ يحاول صرف التفكير عنها خشية أن تقوده إلى شيء من الإيمان.

стр. 287

ومن طريف ما يُذكر في هذا الباب عن أحد الملاحدة أنه التفت دون شعور منه إلى أذن ابنته الصغيرة وتأمل في شكلها "وذكر بينه وبين نفسه أن من المحال أن تكون تلك التلافيف الدقيقة التي تشتمل عليها الأذن قد نشأت عن طريق المصادفة. إنها لا يمكن أن تكون قد نشأت إلا عن طريق خبرة بالغة وتصميم وتدبير. ولكنه أبعد هذه الفكرة عن عقله المارق عن الدين؛ فقد خشي أن يؤدي به هذا النوع من التفكير إلى النتيجة المنطقية، وهي أن التصميم يحتاج إلى مصمم أو مبدع أو إله" (١)، وقد جاء اعتراف هذا الرجل بعد تركه للإلحاد، وهو يكشف صورة من صور الصراع النفسي داخل ذوات مجموعة من الملحدين في المجال العلمي، فالمشاهدات البسيطة فضلًا عمّا يكشفه العلم من حقائق تؤدي إلى الإقرار بوجود الرب سبحانه، ومع ذلك فهو يدفع هذه النتيجة عن نفسه ويجتهد في صرف النظر عنها، وهي في الحقيقة الموقف المعاكس للمؤمن عندما ترده وسوسات الشيطان، فإنه يستعيذ بالله من الشيطان وينتهي عن التفكير في ذلك، فالتفكر لا يوقَف إذا كان يوصل للحقيقة؛ وإنما يوقف إذا كان يوصل للشك في الحقيقة، والإيمان بالله سبحانه والإقرار به حقيقة يتفق عليها البشر، إلا حالات مرضية شاذة. ومما يزيد عجبنا في هذا الباب أن مجموعة من المسلمين المبتعثين للدراسة في الغرب قد تأثروا بهذه الصورة المَرَضية، واعتقد بعضهم بأن النظرة الوضعية هي خاتمة التطور البشري ولا مجال للعودة إلى الدين، ومن بين آخر الاعترافات ما نجده لأحد أشهر مترجمي الفكر الفرنسي المعاصر حيث يقول: "أعترف بأن هذه التساؤلات كانت قد شغلتني طيلة الفترة الماضية دون أن أجد لها حلًا. كنت واقعًا، كغيري من المثقفين العرب المحدثين، تحت تأثير النظرة الوضعية للأمور، وكنت أعتقد أنها نهائية وأبدية، وكنت أعتقد أيضًا أن جميع المفكرين والعلماء في أوروبا هم ماديون وضعيون لا علاقة لهم بالإيمان أو بالدين" (٢)، وقد كان هذا المُتَخيل عن الفكر الغربي مستوطنًا عقول مجموعة من

стр. 288

المتوجهين للغرب، ويشعرون بأن شرط قبولهم فيه هو قبول المرحلة التي قطعها الفكر الغربي في البعد عن الدين والالتصاق به، وأن مساره قد تحدد نحو المادية والإلحاد والوضعية، وبعد انغماسهم في الفكر الغربي شعروا بخطأ المتخيل عن الفكر الغربي؛ فإن تطورات حدثت داخل العلم وصاحبها تفاعلات فكرية قلبت الوضع تمامًا، وحدث ما لم يكن في حسبان الماديين، وإن كانت بدت هنا وهناك بوجه خجول وحائر: فأما الخجل فيعود إلى أنه قد ظهر من داخل العلم من رفض الإلحاد أو استغلال ثمرات العلم في دعوى الإلحاد، ولكن في جوّ علمي يسوده الإلحاد لم يكن في استطاعة مثل هؤلاء العلماء إعلان آرائهم دون خجل. وأما الحيرة فهم يرون بأن الأصول الدينية الكبرى القائمة على الإيمان بالله سبحانه، وأنه خالق المخلوقات وموجدها سبحانه، وأنه هو المدبر للأمور والمستحق للشكر والحمد، وأن مصير الناس سائر إلى يوم آخر هو اليوم الآخر، كل هذه الأصول يجدون أنفسهم تقرّ بها، وأن العلم لا يعارضها, ولكنهم حائرون فيما بين أيديهم من تراث ديني ولاهوتي عرضته لهم الكنيسة والفلسفة مليء بالتناقضات مما لا يقبله عقل سليم. وربما هذا هو ما يدفعهم للإقرار بتلك الأصول دون الاعتراف بصورتها المعروضة في الديانتين المعروفتين عندهم، وهي اليهودية والنصرانية أو بالصورة اللاهوتية والكلامية والفلسفية. لقد وجدتُ هذا الاستحياء في عرض الاعترافات الإيمانية بما يصاحبها من حيرة فيما بين أيديهم في أثناء قراءتي لاعترافات مجموعة من البارزين في العلوم العصرية في كتابين: أحدهما يمثل مجموعة ناطقة بالإنجليزية، والثاني لمجموعة ناطقة بالفرنسية، وفيهما تعبير عن قسمي الثقافة المشهورة في الغرب (١). فمن صور الاعترافات الخجولة ما يقوله أحد العلماء الفرنسيين عندما سُئل عن موقفه: "أشعر بالحرج إذ أتحدث عن هذا الموضوع، فالعقائد الدينية تدخل ضمن دائرة الحياة الخاصة والحميمة للإنسان، وليس من السهل التحدث عنها في

стр. 289

بلد علماني كفرنسا, ولكني أريد أن أؤكد منذ البداية بأن الإيمان لا يتعارض إطلاقًا مع العقلانية، وذلك لأن الحقيقة واحدة في جميع الحالات" (١)، إن مثل هذا الاعتراف يدعونا أن نبدأ بالقصة من أولها وذلك مع نظريات القرن الرابع عشر/ العشرين. تُعد الفيزياء من أبرز العلوم الطبيعية تطورا وشهرة، وقد بلغت مع نيوتن ذروة عالية لم يصلها علم من العلوم الطبيعية، وقد كان الظن منتصف القرن التاسع عشر (١٣ هـ) بأنها قد قدمت كل أجوبتها، فجاءت مذاهب مادية وبنت بعض أصلب انحرافاتها على فيزياء نيوتن كالإلحاد والمادية. فجاءت صدمة لهؤلاء من داخل الفيزياء ذاتها مع نظريتي النسبية والكم؛ عندها أعاد العلماء نظرهم إلى الفيزياء وبقية العلوم، وقد كان أهم ما تزعزع: السند المادي الذي كان يدعم التيار الإلحادي والمادي. وقد رفض مؤسسا النظريتين التصريح بالإلحاد، وأغلب أجوبتهم تدل على أنهم يرون استحالة تصور عالم بهذه الحال دون من أبدعه وأوجد فيه هذا النظام. ورغم أن صاحب النسبية أصله يهودي وصاحب الكوانتم أصله نصراني؛ إلا أنهما يتفقان على عدم قبول الصورة الموجودة للديانتين، ولكنهما في الوقت نفسه ضدّ فكرة الإلحاد، ومما يقوله مؤسس نظرية الكم بلانك: "إن الدين والعلوم الطبيعية يقاتلان معًا في معركة مشتركة ضدّ الشك والجحود والخرافة. ولقد كانت الصيحة الجامعة في هذه الحرب وسوف تكون دائما: إلى الله" (٢)، وأما "أينشتين" فقد سبق بيان موقفه. وبتتابع ظهور جهود نقاد العلم في وقت يعاني المجتمع الغربي من خواء وفراغ روحي كبير وجد أكثر العلماء وغيرهم بأن الدعوة للإلحاد باسم العلم دعوى ذهب وقتها وبأن فسادها وأصبح العلم ضدّها. فظهرت عند ذلك دعوات من جديد إلى المصالحة بين الدين والعلم، على أن تقوم الكنيسة بالتنازل عن بعض ما يتعارض مع العلم، ويتوقف العلماء عن استثمار نتائجهم في دعم المادية والإلحاد.

стр. 290

وبدأت موجة من التدين -بحسب مفهومهم للتدين- تغزو العلماء، ويجدون فيه راحة كبيرة وخروجًا من أزمتهم الروحية، على أن منهم من يرى فيه دعمًا لنشاطهم العلمي، وقد كانت بارزة في علماء الطبيعة، وهو نفس المجال الذي ظهر منه الإلحاد في القرن الماضي، وفي هذا يقول أحد الفيزيائيين بعد نشره كتابه: "الله والفيزياء الحديثة" بأنه قد دهش "عندما اكتشف أن كثيرًا من علماء الطبيعة يؤمنون بالله ومتدينون. بل حتى العلماء الذين لا يؤمنون. . . . يقولون بأنهم يشعرون بشعور غامض بأن هناك شيئًا ما" (١)، ويقول عالم الطبيعة جورج إيرل: "إن الاعتقاد الشائع بأن الإلحاد منتشر بين رجال العلوم أكثر من انتشاره بين غيرهم، لا يقوم على صحته دليل، بل إنه يتعارض مع ما نلاحظه فعلًا من شيوع الإيمان بين جمهرة المشتغلين بالعلوم" (٢). ويقول آخر في ردّه على اعتقاد البعض بأن المشتغلين في العلوم ملحدون، فأجابه: "إنني لا أعتقد أن هذا القول صحيح، بل إنني -على نقيض ذلك- وجدت في قراءتي ومناقشتي أن معظم من اشتغلوا في ميدان العلوم من العباقرة لم يكونوا ملحدين، ولكن الناس أساؤوا نقل أحاديثهم أو أساؤوا فهمهم"، ثم استطرد في بيان أن الإلحاد يتعارض مع منهجية العلماء (٣). وقد كانت هذه الاعترافات مع غيرها -لثلاثين عالمًا- تدندن حول الموضوع ذاته معتبرة الإلحاد قد ولّى، وأنه لا تعارض بين العلم والإيمان, وأن المستقبل للتصالح بينهما، وأن الإلحاد لا علاقة له بالعلم؛ وإنما هو موقف فكري يستغلّ ثمرات العلم. كانت المجموعة السابقة معبرة عن المشتغلين بالعلم في أمريكا، ونجد في أوروبا الوضع نفسه، حيث جمع المؤرخ الفرنسي "جان ديليمو مؤخرًا شهادات العلماء الكبار الذين أعلنوا التوافق بين العلم والإيمان, وقالوا بأن تخصصهم العلمي الدقيق لا يتعارض مع الإيمان بالله، على العكس فإنه يزيد منه ويقويه" (٤)، فجمع فيه شهادة تسعة عشر عالمًا من أجل البرهنة على أن العلم لا يتناقض مع الإيمان. وهم ينتمون إلى اختصاصات متعددة، ومن الدرجة الأولى،

стр. 291

وأنه جمع هذه الشهادات المهمة لكي ينقض الفكرة الشائعة لدى الجمهور، وهي أن العالم لا يمكن إلا أن يكون ملحدًا أو على الأقل لا مباليًا بالإيمان, وبيّن هؤلاء العلماء بأن المؤمنين في دائرة العلم أكثر عددًا مما نظن (١). وقد عرض مؤلف كتاب "العلم والإيمان في الغرب الحديث" شهادة اثني عشر عالمًا، كل في مجاله ويدلي بدلوه ضدّ الإلحاد، ويسيرون على نفس خُطى المجموعة الأولى، ويعرض أيضًا تعريفًا بكتاب جان ماري أحد أساتذة البيولوجيا "آلة العلم: العلم والايمان" مستعرضًا الصراع بين العلم والكنيسة منذ الثورة العلمية إلى القرن الرابع عشر/ العشرين، ففي نقده للحداثة الممتدة من ديكارت إلى عصر ما بعد الحداثة، يأخذ عليها أنها اعتنت بالجانب المادي من الإنسان وغفلت عن حاجاته الروحية، ومن المهم في عصر ما بعد الحداثة التركيز على الحاجات الروحية، وتحقيق المصالحة الكبرى بين العلم والإيمان أو بين العقل والدين. وهكذا نربح الدنيا والآخرة، وإن أخطأت الحداثة في رمي الإيمان في سلّة المهملات في صراعها مع الكنيسة فقد جاء عصر ما بعد الحداثة لكي يعيد للإيمان دوره من جديد، وهذا الطلاق الذي حصل في أوروبا بين العلم والإيمان لم يعد له مبرر اليوم (٢). وكم نتحسر نحن المسلمون عندما نشعر بهذه المجموعات المتعطشة للإيمان وسدّ الفراغ الروحي ألّا تجد من دعاة الإِسلام الأقوياء المؤثرين المقنعين من يقوم بسدّ الفراغ وإشباع الجموع العطشى، هاهم ينبذون الإلحاد خلفهم ويعترفون بأهمية الإيمان وحاجتهم إليه، ثم يلتفتون فلا يجدون حولهم إلا ضلالات الضالين من أتباع الديانتين المحرفتين اليهودية والنصرانية، فما أعظم لو التفت هؤلاء ووجدوا حولهم مراكز إشعاع إسلامية تنشر الإسلام وتستقبل هؤلاء العطشى. يتكلم الأكاديمي الفرنسي على جموع غفيرة انهارت آمالها بعد سقوط الشيوعية، وهي مستعدة لأن تقبل التوجيه في غمرة بحثها عن حاجتها الإيمانية وجادَة لاتباع من يزرع لها الأمل، فلِمَ لا نتحسر ونحن نراهم يهيمون في الأرض لعلّهم يجدون ما يرويهم دون أن نقدم لهم شيئًا؟!

стр. 292

لقد كانت رحلة شاقة قمتُ بها لمتابعة ذلك الصراع العنيف بين العلم والدين أو قل: العلم والكنيسة في الفكر الغربي، ولكنها كانت ضرورية لفهم طبيعة العلاقة والتأثر والتأثير بينهما، وحقيقة ما ارتبط بهما من قضايا، والنتائج التي وصلت إليها تلك العلاقة، وبعض ما يرتسم للمستقبل. كل ذلك حتى نفهم حقيقة العلاقة بين الفكر العربي وبين الحركة العلمية الحديثة، الصحيح منها والمنحرف، النافع منها والضار، الاستغلال السلبي والاستثمار الإيجابي، ولكن قبل ذلك هناك سؤال يعرض نفسه: لماذا كان كل هذا الصراع الكبير؟ ولماذا انحرفت مسيرة العلم وأهله حتى أصبح رديفًا للإلحاد؟ هذا التساؤل وإن كشفنا عنه تاريخيًا في ما مضى، فإن الفصل القادم بإذن الله سيكشف عن الجواب بطريقة أخرى تقوم على التحليل المنهجي بدل العرض التاريخي.

стр. 293

الفصل الثاني أسباب وجود الانحراف المصاحب للتطور العلمي الحديث

стр. 294

الفصل الثاني أسباب وجود الانحراف المصاحب للتطور العلمي الحديث العلم في صورته -الرياضية والطبيعية والاجتماعية- ما هو إلا نبتة تتأثر بالمكان الذي زرعت فيه، وبحسب تربة ذلك المكان وسماده ومائه وأشعة شمسه ونقاء هوائه يكون حال تلك النبتة. ومعلوم بأن نبتة العلم الحديث قد غرست جذورها في أرض أوروبا، وترعرعت في أجواء الصراع الكبير بين الكنيسة والسلطة السياسية من جهة، وبين الفئات الجديدة المعارضة لطغيان الطرفين من جهة أخرى، وتأججت تلك المعركة بعد المعارضة الكبيرة من قِبل الكنيسة لحركة العلم الحديث، فخرجت تلك النبتة في أجواء مشحونة بين ما يسمونه دينًا وبين التوجهات نحو الإصلاح أو العلمنة، وخرجت الكنيسة خاسرة في تلك المعركة، ووجدت أطراف مُبغِضة للدين فرصتها في سدّ الفراغ الناجم عن سقوط الكنيسة، فأعلنت عن مشروعها ضمن ما اصطلح عليه فيما بعد بالعلمانية. فالعلم في أوروبا لم يعش يومًا من الأيام في أجواء صالحة، فقد كان في العصور الوسطى يتحرك في ظل الطغيان الكنسي، وربما يشاركها أعمالها وتصورها، وهو بعد ذهاب السيطرة السياسية القديمة وسندها الكنسي، عاش في الجو العلماني الذي جاء معتمدًا على إحياء التراث الإغريقي اليوناني الروماني

стр. 295

بروحه الوثنية والمادية التي مثلت فيما بعد الغطاء الآيديولوجي للرؤية العلمانية الجديدة. وأوروبا التي عرفت إبداعات فكرية وعلمية وعقلية في العصور القديمة أيام فلاسفة اليونان لم تمنعهم تلك العقلانية من انتشار عبادة الأوثان ومزاعم صراع الآلهة، وربما لا يُستغرب أيضًا أن تعيد شيئًا من ذلك في عصرها الحديث. فُحرم العلم في أوروبا طيلة عصورها من تعرفه على الدين الحق، ومن التطور في ظلاله، والتنعم بثماره، والتقدم في ظل تصوراته وأخلاقياته.

стр. 296

الفرق بين أسباب تقدم العلم وبين أسباب الانحراف به وأهمية بحثها من المهم في هذا المبحث التفريق بين التقدم العلمي وتطوره من جهة، وبين الانحراف العلمي أو الانحراف بالعلم من جهة أخرى، فلهذا أسبابه ولذاك أسبابه، وقد تشترك بعض الأسباب بحيث تكون سببًا في تقدم العلم في حال، ثم تنقلب إلى سبب في انحرافه في حال أخرى، ومن ذلك مثلًا أهمية الحرية للنشاط العلمي وتطوره وتقدمه، إلا أنه عندما يقع الغلوّ في تلك الحرية أو التعامل معها بغير مسؤولية؛ قد تتحول إلى سبب في الانحراف بالعلم بعد أن كانت سببًا في تقدمه. والبحث في أسباب انحراف العلم في غاية الأهمية لاسيّما انحرافه في الأبواب الدينية؛ لأن ذلك يسهم في خدمة العلم ذاته، وخدمة المجتمعات التي تنعم بثمار العلوم العصرية، وفيه حماية للأمم من الاستغلال السيئ من قبل مبغضي الدين لثمار العلم في دعم دعواهم. فالبحث عن أسباب انحراف العلم أو الانحراف به هو عملية تطهير للعلم من الاستغلال الآيديولوجي الذي قام به أنصار العلمانية ومبغضو الدين والملاحدة وأشباههم، وهو استغلال قد أضرّ بالبشرية ورمى بمجتمعات كثيرة في ظلام الإلحاد والعلمنة والعداء للدين وأصوله وقيمه. لا أحد يجادل في أن أوروبا شهدت في عصرها الحديث تقدمًا في علوم الدنيا بما لا مثيل له في تاريخ البشرية، ولا أحد يجادل في النفع العظيم الذي قدمته هذه العلوم للبشرية في هذه الحياة الدنيا, ولا أحد يكابر في الوقت نفسه

стр. 297

بأن هذه العلوم ذاتها قد أسهمت بنصيب كبير من مآسي العالم في العصر الحديث، فالعلم نفسه الذي خدم البشرية؛ هو نفسه الذي أسهم في دمارها لحظات الحرب، وما الآثار الفظيعة التي أحدثتها القنابل النووية وتجاربها المخيفة هنا وهناك من الناس ببعيدة، فمنها هذا التلوث القاتل، وهذا الدمار، وهذا الخوف والهلع، والعالم الآن يعيش في قلق من هذه الأسلحة المرعبة. ومع ما يحويه مسار العلم الحديث من خير وشرّ، من بناء ودمار، من تقدم وتأخر؛ إلا أن الناس ينسون سيئات العلم وينظرون لحسناته، ويغفلون عن إقامة التوازن الكافي بين الحسنات والسيئات، فعندما تعبث القنابل بالأجساد، والأشعة النووية بالأرض والسماء؛ ينسى الناس أنها من ثمار العلم، وينسون أن دمارها وخرابها وضحاياها هو ثمرة من ثمار العلم. وبقدر ما ينسون هذه الثمار المدمرة ينسون ما هو أهم وأخطر؛ فيتغافلون عن حقيقة خطيرة وهي أن العلم قد ينحرف بهِ أقوام عن مساره فكريًا وثقافيًا ودينيًا كما انحرف بهِ السابقون ماديًا وصنعوا منه آلاتِ دمارٍ لا مثيل لها. وهذا المسار الذي يتناساه الكثير هو ما نحاول بحثه في هذا الفصل وكشفه؛ لأننا نراه يستحق العناية والاهتمام تمامًا -وأكثر- مما يستحقه المادي، فكما أن هناك من يبحث في أسباب الانحراف بالعلم ماديًا وأسباب توظيفه في الدمار ثم يحاول معالجة ذلك؛ فنحن أيضًا من حقنا مناقشة ذلك من جهة أخرى، من جهة أسباب الانحراف بالعلم في علاقته بالدين والتصورات الدينية، فنحن نبحث مثلًا في: - عندما يوضع العلم في خدمة الانحرافات الفكرية والأيديولوجية ويصبح آلة طيِّعة في خدمتها. - عندما تخرج فرضيات ونظريات تخالف صحيح الدين مخالفة صريحة، وتتبجح دون مبالاة بالدين، بل ترى أنها الأحق والأولى مما ورد في الدين. - عندما يُستغل العلم من قبل الفئات المبغضة للدين، فتوظف العلم في صراعها مع الدين بأسلوب خبيث وماكر. - عندما يتحول العلم عند البعض إلى مذهب أو عقيدة، ويقدم على أنه البديل عن الدين.

стр. 298

أمثلة تبين المقصود بمفهوم الانحراف بالعلم التاريخ القريب مليء بالأمثلة والشواهد على مثل هذا النوع من الانحراف بالعلم، إما بتصويره وكأنه بمثل لهذا المذهب أو ذاك، أو توظيفه في ما يخدم هذا المذهب أو ذاك، وسأذكر بعض الأمثلة الموضحة لمقصودي من الانحراف العلمي أو الانحراف بالعلم، والتفريق بينه وبين التقدم العلمي. بعد نجاح العلمانية في فرض وجودها ورؤيتها في المجتمع الغربي؛ قامت بتوجيه المجتمع بما يخدم تلك الرؤية، وانصرفت كثيرٌ من الفئات عن العناية بالروح إلى العناية بالجسد فقط، وأغفلت الآخرة واهتمت بالدنيا، نسيت الخالق واهتمت بالمخلوق في صورته الحسية. ثم تطور الوضع العلماني مع التصور المادي الذي ساد في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، فتحول ذلك النسيان إلى جحود وإلحاد صريح، ثم بدأت تلك الفئات في الاستدلال بكل دليل على أنه لا حياة ولا حقيقة إلا هذه المادة، وكان العلم أحد أهم ما يمكن استغلاله لإثبات صحة تلك الدعوى، ومن بين الأمثلة: المثال الأول: إنسان بِلتْداون: كانت التيارات المادية قد ادعت بأنها عالجت مشكلة الوجود المادي في ظل النظرية النيوتنية العلمية، فهم يدعون أن العلم قد أثبت أن الوجود المادي يعتمد على ذاته بقوانينه الخاصة في الحركة، ومن ثمّ لا حاجة لنا في البحث عن خالق ومدبر وحافظ لهذا الكون، وبالرغم من اصطدامهم بمشكلة حقيقية هي: كيف وجد هذا العالم! ومن وضع فيه القوة! فقد فسّر بعضهم ذلك بالتأليه السببي، ومفاده أن الله خلق العالم ثم تركه، إلا أنه كان تفسيرًا ناقصًا من أجل

стр. 299

الهروب من الحقيقة، وعندما وجده المتأخرون ملزمًا لهم بالاعتراف بالخالق سبحانه؛ فقد تغافلوا عن مثل هذا السؤال، واكتفوا بإعلان الإلحاد المطلق دون تقديم جواب للسؤال المهم. عندها جابهتهم مشكلة أكثر تعقيدًا لتبقى حجة الله قائمة على كل ملحد، كانت المشكلة هي ظاهرة وجود الحياة في العالم المادي وظهور أعظم الكائنات الحية وهو الإنسان، حيث تمثل تحديًا للماديين الملحدين لا يمكنهم الجواب عنه إلا بالإقرار بوجود الرب سبحانه. بقي هذا الإشكال قائمًا إلى أن جاء "داروين" بنظريته في التطور، فالحياة كما يزعم خرجت من عالم المادة صدفة، ثم تطورت إلى أن تمثلت في صورة الإنسان، وفق قوانين تشابه قوانين نيوتن في عالمه المادي، فوجدها الملحدون فرصة للزعم بأن العالم المادي وعالم الحياة لا موجد لهما إلا المادة، وأن العلم كما دلّ على وجود العالم المادي باعتمادهم الفاسد على نظرية نيوتن، فكذلك العلم الطبيعي دلّ على وجود الحياة بالاعتماد الفاسد على نظرية داروين. ومع أن الانحراف بنظرية نيوتن، أو استغلال نظرية التطور الدارونية في إثبات المادية وإنكار الربوبية والغيب والدين والروح هي صورة خبيثة من الانحراف بالعلم؛ إلا أن هناك أمثلة تفصيلية تدل إلى مدى ما يصل إليه الانحراف بالعلم، حيث كان التيار المادي مهمومًا بإثبات صحة هذه النظرية الدارونية لما تعنيه من زلزلة لكل الأديان والعقائد. ومن بين أشهر الأمثلة لهذا الانحراف قصة أحد الأدلة المكذوبة للدفاع عن المادية التطورية وروحها الإلحادية، فمن أدلتهم على وجود التطور "إنسان بلتْداون" ليكشف لنا صورة شنيعة من صور الانحراف بالعلم، ففي سنة (١٩١٢ م) أعلن أحد علماء الحفريات اكتشافه لعظمة فك وجزء من جمجمة، وكانت عظمة الفك أشبه بفك القرد بينما كانت الأسنان والجمجمة أشبه بأسنان وجمجمة الإنسان، وسميت هذه العينة بـ "إنسان بلتْداون" نسبة إلى المكان الذي اكتشُفت فيه، وزعم أن عمرها خمسمئة ألف سنة، فأخذت شعبية كبيرة وعرضت في العديد من المتاحف بوصفها دليلًا قاطعًا على تطور الإنسان، "ولأكثر من أربعين سنة كُتب الكثير من المقالات العلمية عن "إنسان بلتداون"، كما أُعِدّت له العديد من التأويلات والرسوم، وقُدّمت الحفرية بوصفها دليلًا مهمًا على تطور الإنسان،

стр. 300

وكُتب ما لا يقل عن خمسمئة رسالة دكتوراه حول الموضوع"، ولقيت العينة اهتمامًا كبيرًا. وفي سنة (١٩٤٩ م) حاول أحد المختصين بالحفريات تجريب طريقة جديدة "اختبار الفلورين" لتحديد تاريخ الحفرية، فأجرى اختباره على العينة، وكانت النتيجة مذهلة، فقد اكتشف أن عظمة الفك لا تحتوي على الفلورين، مما يدل على أنها مدفونة في الأرض من بضع سنين، أما الجمجمة فقد احتوت على مقدار ضئيل من الفلورين التي تبين أن عمرها لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين. وتتابع البحث حولها، وتبين أن هناك عملية تزوير لتلك العينة، ففي سنة (١٩٥٣ م) "تم الكشف للجمهور عن هذا التزوير؛ إذ كانت الجمجمة تخص إنسانًا عمره نحو خمسمئة سنة، في حين كانت عظمة الفك السفلى تخص قردًا مات مؤخرًا! وقد تم ترتيب الأسنان على نحو خاص في شكل صف، ثم أُضيفت إلى الفك وتم حشو المفاصل لكي يبدو الفك شبيهًا بفك الإنسان، وبعد ذلك تم تلطيخ كل هذه القطع بثاني كرومات البوتاسيوم لإكسابها مظهرًا عتيقًا، ثم بدأت هذه اللطخ بالاختفاء عند غمسها في الحمض"، وقد كان أحد أعضاء فريق كشف هذا التزييف يستغرب أن عملية التزييف كانت "واضحة جدًا لدرجة تجعل المرء يتساءل: كيف لم يتم الانتباه إليها من قبل؟! " وكأنهم تعاموا عنها، وفي أعقاب هذه الفضيحة تمّ إخراج العينة من المتحف البريطاني بعدما عرضت لمدّة تزيد على أربعين سنة (١). هذا المثال عن الانحراف بالعلم له دلالاته العميقة، فهو يُظهر كيف يتعامى تيار عريض عن عملية التحقق، ويظهر كيف انصرف أعضاؤه مباشرة إلى استغلال شاهدٍ مزور واستثماره في إثبات النظرية، ومن ثمّ خدمة التصور المادي حول وجود الحياة، ويظهر حاجتهم ولو لأكذوبة ليعلقوا عليها رغباتهم، وكيف انصرفت حتى معاقل العلم الأساسية للعناية بهذا الكشف العظيم المزوّر، فكُتبت فيه المقالات المتخصصة، وأعدت حوله أطروحات علمية عليا، ثم تأتي اليد

стр. 301

التي تجتث تلك النبتة فهذا هي دون جذور، ويذهب الجهد سدى، وتنكشف الفضيحة المجلجلة. المثال الثاني: التولد الذاتي: ننتقل في هذا المثال من بلاد الغرب الرأسمالي إلى بلاد الغرب الاشتراكي، وكلاهما في الضلال سواء، حيث كان هناك احتفاء كبير بالدارونية، ولكن بعد توسيع دائرة انحرافها عدّة دركات (١)، ومن بين ما كان يسعى إليه علماء تلك البلاد: محاولاتهم إثبات التولد الذاتي من أجل دعم المادية، فهذا "ستالين" يكلف "أوبارين" "أن يثبت علميًا بأن الحياة نشأت تلقائيًا من المادة؛ ليدعم بذلك العقيدة الرسمية للدولة. وفعلًا أمضى أوبارين وأعضاء الأكاديمية (٢٠) عامًا في محاولات دائبة غير مجدية"، وبعد سنين أعلن بأن جميع المحاولات باءت بالفشل، ثم في مكابرة قال: إننا يمكن أن ننجح في ذلك "بشرط أن تكون المحاولة على كوكب غير الأرض؛ وذلك نظرًا لأن ظروف الأرض الحالية لم تعد مهيأة لذلك"، في إصرار عجيب بأنه لابد أن يؤمن العالم بمسألة التولد الذاتي وإبطال عقيدة الخلق (٢). والذي يهم الباحث في الموضوع بأن العلم قد تحول من مساره العلمي إلى مسارات أخرى، يقصد أصحابها استغلال العلم في دعم المادية والإلحاد وإبطال الدين. فها نحن أمام أمثلة استغرقت من أهلها عدّة سنين، وجهودًا مضنية، وعملًا شاقًا، وذلك كلّه من أجل استغلال العلم في دعم الرؤية العلمانية المادية، أو على الأقل هي الهدف البارز والأوضح في المثالين، ولهذا السبب ظهر الانحراف بالعلم واتسع، وأصبح العلم واحدًا من أهم النشاطات البشرية استغلالًا من قبل دعاة المذاهب الضالة. وحتى نؤكد هذا المعنى، ونكشف شيئًا من خيوطه، لنعرف الحقيقة ولنحذر مما وقع فيه أولئك الأقوام، فسأتناول في هذا الفصل أهم ما وجدته سببًا للانحراف بالعلم، وليس قصدي الاستقصاء بقدر ما أقصد التوقف مع الأبرز منها

стр. 302

والأشهر، أعتني بالأسباب الكبرى التي يمكنها احتواء غيرها تحت مظلتها، ومما وجدته مناسبًا لهذا الفصل خمسة أسباب، قام على كل واحد منها طائفة من طوائف المجتمع الغربي. أبدؤها بدور القطبين المتضادين الكنيسة والعلمانية، لأجمع بين اثنين من أشهر الأسباب المؤثرة في مسيرة الفكر الغربي بداية تكونِهِ الحديث، ثم أقف مع تيارين كبيرين في الفكر الغربي كان لهما دور بارز في هذا الباب، وهما: المادي والوضعي، وأختمها ببحث حقيقة دور اليهود. على النحو التالي: الأول: دور الكنيسة في إفساد العلاقة بين الدين والعلم. الثاني: دور العلمانية في الانحراف بمسيرة العلم. الثالث: دور الفكر المادي في انحراف العلم. الرابع: دور المذهب التجريبي الحسي والوضعي. الخامس: دور اليهود.

стр. 303

ما بين الرؤية الكنسية والرؤية العلمانية للعلم وأثر ذلك في الانحراف بمسيرة العلم أقف في هذا المبحث مع أشهر الأسباب في تعكير مسيرة العلوم الحديثة وهو الموقف الكنسي من العلوم الجديدة، والصراع الكبير الذي دار داخل أوروبا، وما نتج عنه من بروز العلمانية المنتصرة في ذلك الصراع، ونظرًا لارتباط العنصرين ببعض رغم تعارضهما؛ فإنني أجمعهما في مبحث واحد مبتدئًا بالكنيسة وما تبع ذلك من ولادة العلمانية. الأول: دور الكنيسة في إفساد العلاقة بين الدين والعلم تتفق أغلب الكتابات حول تاريخ الفكر والعلم الحديثين بأن الكنيسة قد لعبت الدور الأكبر في إفساد العلاقة بين الدين والعلوم الحديثة، وأنه بسببها تحول المجتمع الغربي نحو العلمانية، وأنه بسببها أيضًا وجد الخصوم التقليديون للدين فرصتهم الثمينة في الانقضاض على الدين وإبعاده عن مسرح الحياة. وتعد هذه الفقرة من الفقرات الشائكة؛ لأن أغلب من كتب عنها هم المنتصرون، فكتبوا ما يريدون وصوروا الوضع كما يشاؤون، والمنتصر هنا هو التيار العلماني الدهري اللاديني. ومع ذلك فالحديث هنا ليس عن الدور السلبي للكنيسة في دفع المجتمع الغربي نحو اللادينية وصورة ذلك الصراع الكبير والضخم داخل أوروبا، وفي الكتب الإسلامية التي تناولت موضوع العلمانية ما يكفي، وإنما الحديث عن دورها في إفساد العلاقة بين الدين، والعلم الحديث، وأثر ذلك ليس في الغرب فقط بل في العالم الحديث كلّه.

стр. 304

دخول النصرانية للغرب واحتواء لاهوتها على معارف علمية: كانت الديانة النصرانية مضطهدة في أوروبا الوثنية أول تعرف الأوروبيين عليها، وقد كان الناس يدخلون أفواجًا في هذا الدين الجديد سرًّا بسبب الاضطهاد الوثني إلى أن انتشر أمرهم وكثر عددهم وقوي أمرهم؛ عندها قبلته السلطات السياسية واعتنقته، لكن ذلك وقع بعد أن انحرفت المسيحية كثيرًا عن دعوة نبي الله عيسى ﵊ (١). وقد اعتمد هذا الانحراف من قبل مجامعهم التي يعقدها كبار رجال الدين النصراني، وكان أولها شهرة وأهمها وأخطرها هو مجمع نيقية سنه ٣٢٥ للميلاد، وهو المجمع الذي دعا إليه إمبراطور الرومان "قسطنطين" وذلك لمعالجة الخلاف بين النافين لألوهية عيسى ﵊ وبين المدعين لذلك، فأرسل قسطنطين إلى جميع البلدان طالبًا اجتماع البطاركة والأساقفة، فاجتمع منهم ألفان وثمانية وأربعون، وكانوا على عقائد مختلفة في الموضوع، فتناظر الجميع أمام الإمبراطور ولكنه جنح إلى بولس ومن على قوله وكانت عدتهم ثمانية عشر وثلاثمئة. ورغم قلتهم فقد انحاز الإمبراطور لهم في قولهم بتأليه المسيح، وأعطاهم السلطة الدينية في مملكته، ونصرهم على غيرهم، مع أن مخالفيهم كانوا نحو ألف وسبعمئة، إلا أنه مال لهؤلاء وربما هي من بقايا الوثنية التي عرفتها أوروبا. وبعد ذلك أمر بتحريق كل ما يخالف رأي هؤلاء من كتبٍ وتحريم قراءتها (٢). واستمرت المجامع اللاحقة في ترسيخ هذه الانحرافات، وكل مجمع يؤكد على ألوهية أحد المخلوقين إما عيسى أو أمه أو روح القدس، ومع كل مجمع يزداد فرض الانحراف بالقوة وتجريم المخالف، وتزداد سلطة الكنيسة يومًا بعد يوم. وقد بلغت الكنيسة مكانة عالية في عهد البابا "غريغوريوس" (١٠٧٣ - ١٠٨٥ م)، وأصبحت ذات سلطة سياسية وعسكرية فعلية تضارع سلطة الملوك والأباطرة (٣). وتحولت المكانة التي حصلت عليها الكنيسة إلى طغيان يمارس على الجميع، وبسبب الانحراف الديني والخلقي عند رجال الكنيسة، فقد مورست

стр. 305

أشكال من الطغيان لا مثيل لها، وكان أبرز ما حفظ هو قرار المجمع الثاني عشر سنة (١٢١٥ م) حول "استئصال الهراطقة، ويعنون بذلك كل من يرى رأيًا مخالفًا للكنيسة، ولو كان رأيًا في الكون أو طبائع الأشياء، ولم تكتف الكنيسة بقتل من يجهرون بآراء تخالف آراءها، بل أخذت تنقب على القلوب وتستكنه خبايا النفوس، تكشف عن سرائر الناس بما أسماه التاريخ محاكم التفتيش، التي دنست تاريخ الأديان بما ارتكبت من آثام، وما أزهقت من أرواح، وما سفكت من دماء، وما عذبت من أحياء" (١). وقد حظي علماء العلوم الرياضية والطبيعية بنصيب وافر من هذا الطغيان؛ فالكنيسة قد أدخلت نظريات علمية قديمة في صلب عقائدها، مما يجعل التفكير في غيرها مستحيلًا؛ لأنه يعدّ خروجًا على الدين وكفرًا به، ومصير صاحبه الحرق كما حدث لمجموعة من المصرّين على مخالفاتهم، وبهذا أقفلت الكنيسة طريق التفكير العلمي. وقد أعطت الكنيسة لأهلها صلاحيات واسعة في حق احتكار المعرفة الدينية والدنيوية، وحق تقرير ما الصحيح منها دون أن يكون معهم ما يؤهلهم لاتخاذ هذا القرار، صاحب ذلك مهزلة أخلاقية تمثلت في إقرار المجمع نفسه -الثاني عشر- صكوك الغفران (٢) التي تمنحها الكنائس للمذنبين مقابل ما يدفعونه من مال، مع ما يمنح هذا الصك من السماح بالذنوب بطريقة غير مباشرة ما تبقى من العمر، وإعطاء مقعد محجوز سلفًا في الجنة، فتفتح الباب للانهماك في الانحراف، وتقفله أمام البحث العقلي والعلمي، وتمنح المنغمسين في الانحراف كل السماح والغفران، وتحرق من يأتي بنظرية علمية أو تحليل عقلي يخالف لاهوتها. العداء بين الكنيسة وطوائف اجتماعية جديدة: استعدَت الكنيسة أغلب تيارات المجتمع باسم الدين، مما ولّد المقاومة عند تلك التيارات لاسيّما بعد اطلاع شعوبها على الحضارة الإسلامية المجاورة لهم، وكان من أبرز صور المقاومة حركة الإصلاح الديني مع "لوثر" و"كالفن"

стр. 306

وغيرهما في الجانب الديني، وحركة رواد عصر النهضة ذات المنحى العلماني الدنيوي، وحركة علمية جديدة ظهرت في علم الفلك والفيزياء والرياضيات، أعلن الجميع مبادئ وأفكارًا ونظريات تخالف الموقف الكنسي الرسمي، وسأركز على الفئة العلمية من هذه الفئات. عندما ظهرت المستجدات العلمية لم تكن الكنيسة في وضع يهيئها لدخول صراع شريف؛ لذا خسرت المعركة وسقطت سقطة مدوية لم يتحسر عليها أحد؛ وذلك أن الكنيسة من الناحية العلمية المعرفية والعملية الأخلاقية لم تكن الممثل الشريف لدخول معركة العلاقة بين الدين والعلم -مع أن الأصل ألّا تكون هناك معركة بين الدين الحق والعلم الصحيح- فالكنيسة من الناحية العلمية ذات أصول دينية ومنهجية وعلمية محرفة ومشكوك في أكثرها، والديني منها قد أصابه الزيادة أو النقص أو التحريف والتغيير، لذا كانت قيمتها المعرفية ضعيفة عند العقلاء (١)، فدخلت الصراع ببضاعة فاسدة وسلاح مهترئ، وهي من الناحية العملية لم تكن أحسن حالًا، إذ كانت تمارس الفساد والطغيان باسم الدين. وقد كان أصعب خسائرها في تلك المواجهة هو خسارتها للعلم الجديد أحد أخطر الأسلحة في العصر الحديث، مما مكّن خصومها -بمن فيهم الكارهون لكل دين- من الاستيلاء عليه بسهولة، ليصولوا به ويجولوا في ميدان الصراع ويقطفوا ثمار النصر بسهوله، ويوجهوا السلاح الجديد فيما بعد كيفما شاؤوا. فقد صاحب انهيار الكنيسة التدريجي صعود فئات جديدة كان من مصلحتها تحطيم الدين كله أو على الأقل تحطيم مؤسساته، وتبنت هذه الفئات العلم ورعته لينفعها في المستقبل، مما جعله يموج معها كيفما شاءت، وذلك من باب رد المعروف. فإذا كانت الكنيسة قد خذلت العلم والعلماء وأذاقتهم الويلات، بخلاف تلك الفئات التي أظهرت وقوفها إلى جانب العلماء وعلمهم؛ فقد تحمّل العلم تبعات ثقيلة فيما بعد تمثلت -بغير حق- في رد المعروف لتلك الفئات المحاربة للدين، فقدم لها بعض ما يساعدها في دعوتها.

стр. 307

تمثيل الكنيسة للموقف الديني في الصراع بين الدين والعلم وأثره: إن جوهر المشكلة في الصراع بين الكنيسة والعلم هو أن الكنيسة قد مثّلت الدين في هذا الصراع، فكأنها قامت نيابة عن أديان العالم بمهمة تمثيل الدين وبئس الممثل، ولكنها خرجت من ذلك الصراع خاسرة ومكروهة، وقد وجدتها التيارات الكارهة للدين فرصة لا للاعتراف بعدم صلاحية الدين النصراني فقط ولا للبحث عن الدين الحق؛ بل صوّرت تلك الحالة النصرانية أنها حالة كل دين، وسعت إلى غرس ذلك البعد في أذهان الناس وقلوبهم، واجتهدت في نشره بين الجماهير، وتحويل بغض الكنيسة واحتقارها بسبب ما فعلته إلى بغض كل دين أيًا كان هذا الدين، دون تفريق بين دين الحق وأديان الباطل. وفي المسار نفسه نجح التيار المخالف في إبراز نفسه وكأنه الحامي للعلم والحقيقة، وأنه الحريص على تقدم البشرية، وأنه البديل الحقيقي عن الكنيسة وأهلها ومن ثمّ عن الدين وأهله. وقد تَشكّل من هذا الخليط فيما بعد رؤية عامة تشربتها الأجيال الجديدة في أوروبا وأصبحت تعتقد بها، فتنظر إلى الدين كعائق أمام تقدم العلم وكنقيض له لا يمكنه التوافق مع المعارف العلمية، على أن الدين لا يملك قيمًا معرفية يمكن إثباتها، ومن لم يجرؤ على نبذ الدين مطلقًا فهو يرى على الأقل بإمكانية الانتفاع ببعض قيمه وأخلاقياته فقط. لقد كان السبب الرئيسي في وجود مثل تلك الرؤية هو انحراف الكنيسة؛ فاستثمره المبغضون للدين أفضل استثمار، وتمكنوا من فرض ما يريدون من أمورٍ ما زال العالم يعاني منها إلى اليوم، وقد كان من بين أخطر ما حققه التيار المعارض للكنيسة هو إعلان العلمانية فلسفةً جديدة للحياة تكون بديلًا عن الرؤية الكنسية الموروثة، عمدتها الاكتفاء بالنظرة الدنيوية والعناية بموقعنا في الدنيا بعيدًا عن أي غطاء ديني، ومن أراد الدين فيكون اختيارًا فرديًا لا علاقة له بحياة المجتمع، وقد قامت العلمانية فيما بعد بطبع جميع مؤسسات المجتمع بصورتها ووفق رؤيتها، بما في ذلك أهم نشاطات المجتمع الحديث وهو العلم الناشئ مع جميع مؤسساته. وهكذا تضافرت مواقف الطرفين في إفساد مسيرة العلم، فموقف الكنيسة السلبي من العلم قد نفّر العلماء منها، وموقف العلمانية المساند للعلم والرافض للدين قد جذب العلماء إلى العلمانية ليوجهوا بعد ذلك بحسب الرؤية العلمانية

стр. 308

في نشاطهم العلمي. وعندما قامت الدول الأوروبية الحديثة بكياناتها السياسية الجديدة قامت على الرؤية العلمانية، وأقامت جميع مؤسساتها على هذه الرؤية بما في ذلك النشاط العلمي. المواقف الأربعة للكنيسة من العلم الحديث وما تضمنته من إشكالات: سبق في الفصل الأول التعرض لموقف الكنيسة والتيار الديني النصراني من الثورة العلمية وعلمائها المشهورين من "كوبرنيكوس" صاحب أول نظرية حديثة في العلم إلى "جاليليو" و"نيوتن"، وقد كانت تلك النظرة من خلال مسار العلماء مع كنيستهم، أما هنا فسنعكس النظر، ونبحث في موقف الكنيسة ذاتها وأثر عملها على رؤية الغرب ومقلديه للدين في علاقته بالعلم. لقد كان لأغلب المواقف التي اتخذتها الطوائف الكنسية أو المتعاطفون معهم أثرها السلبي في العلاقة بالعلم؛ لأن أغلبها انطلق من الاعتقاد بصحة الدين النصراني القائم، مع أن الواقع كان غير ذلك، لذا استمرت التوترات والتناقضات تظهر مع ظهور كل مرحلة جديدة. يذكر لنا صاحب كتاب "الجفوة المفتعلة بين العلم والدين" ما ملخصه أربعة مواقف للنصارى وهي: الأول موقف الكنيسة الرومانية الكاثوليكية التي رفضت أي نتيجة خالف فيها العلم الإنجيل. والثاني موقف طائفة ترى أنه من الخطأ الاعتقاد بأن الله يقدم الديانة كاملة؛ بل يواصل الناس وضع أصول لها بعد ظهور الجزء الأول منها، وهو موقف لأسقف الكنيسة الإنجليزية. والثالث موقف طائفة "آمنت بالإنجيل على أساس الكفر بحرفيته، فإذا قال العلم شيئًا، وقال الإنجيل خلافه، قالوا مع العلم ما قاله، وقوّلوا الإنجيل ما لم يقله، بحجة عدم الاعتداد بحرفية الإنجيل، يقول ليكونت دنيوي: "إن اللغة الرمزية القديمة للإنجيل لم تعد بحرفيتها موافقة لمتطلبات الساعة"". والرابع موقف طائفة تقول بوجود حقيقتين ولكل منهما حق الوجود، فإذا جاءت قضية من العلم وأخرى من الدين فهما صحيحتان وإن تناقضتا في الظاهر، مثل الاختلاف حول مركزية الأرض في الكون، وقد قال به بيكون وغيره (١).

стр. 309

وكلٌ من هذه المواقف الأربعة يفتح من الإشكاليات أكثر من الحلول المقدمة، فالأول تعترضه مشاكل كبيرة أحرجت كل المتعاطفين مع الكنيسة؛ لأن إصرارها قد سبب احتقار الناس لها وعدم ثقتهم فيها، فهم قد أدخلوا ضمن لاهوتهم نظريات علمية خاطئة، وصدقتها فيما بعد مجامعهم المقدسة، وأصبحت في مكانة الكتب المقدسة (١)، وأضحى الخروج عليها أو مخالفتها في حكم مخالفة ما أخبر الله به. ومع اتساع معارف الناس العلمية وإصرار الكنيسة على موقفها تكشّف للناس بأن الكنيسة تكذب عليهم أو تخدعهم، وتزلزلت ثقتهم فيها، وبما أنها النموذج الديني الأعلى في تلك البلاد وظهرت مع ذلك بهذه الحال؛ فمن باب أولى تعميم تلك الرؤية السلبية على كل دين؛ لأنهم يقيسون كل دين على دينهم. وبسبب هذا الموقف المتشدد والمصرّ على الخطأ؛ فقد أوحى للناس من أوحى بأن الدين وأهله يصرّون على أخطاء ويزعمون أنها حقيقة، وأن هذه حال كل دين وحال أهله المتعصبين له. وهي مشاعر نجدها مبثوثة في تاريخ الفكر الغربي المصاحب لتلك الظاهرة التصادمية بين الكنيسة والعلم. وليست المواقف اللاحقة أحسن حالًا، فإن المشكلة في الموقف الثاني تبقى أن ما يظنونه حقائق محدودة قد ظهرت في الماضي، هي مما يتعارض مع العقل والعلم، فلا يُسلّم بأن الجزء الذي يتوارثونه عن الأنبياء صحيحٌ حتى يقال باستمرار انبثاق الحقائق، وهم في ذلك لا يختلفون عن ضُلّال النصارى الأقدمين، فكل يضيف ويحرف بحسب ما يملي عليه هواه. والموقف الثالث، الموقف المزدوج (٢)، والقول بحقيقتين، لا يمكن قبوله ما دام التعارض والتضاد قائمًا، وإن رضي به بعض الناس فهو مخالف لبدائه العقول؛ إذ لا يمكن تصور قبول رأيين متعارضين متضادين في باب واحد، ولا يمكن القول بأنهما حقيقيان وصحيحان في الوقت نفسه، ورغم التأسيس المنهجي

стр. 310

له مع فلاسفتهم المحدثين كديكارت وبيكون وغيرهما فإن المذاهب اللاحقة قد رفضت هذه الازدواجية، وأخذت بموقف واحد هو الموقف الرافض للحقائق الدينية والقبول فقط بالعقلية والعلمية. والموقف الرابع، وهو الموقف الذي أُعجب به كثير من علمائهم هو القول برمزية ومجازية اللغة الدينية، والذي يظهر أن من بين أهم الأسباب لإعجاب العلماء به هو أن عقولهم وفطرتهم تنفر من القول الإلحادي والمادي لأصحاب الموقف الأحادي المادي الرافض لوجود حقيقتين، فهؤلاء العلماء يجدون الاعتراف بوجود الرب سبحانه وعنايته بهداية البشرية أمرًا لا يمكن إنكاره، ولكنهم يجدون موضوعات ما يعرفونه من دينهم تتعارض مع ما بين أيديهم من علوم، فوجدوا في القول بمجازية اللغة خروجًا من الإنكار التام للدين، لذا رحب الكثير منهم بالموقف العصراني لرجال الكنيسة المتمثل في اعتبار النصوص الدينية نصوصًا مجازية ورمزية، ويُفتح الباب في فهمها لكل من أراد بحسب تجاربه الشعورية، أو يتم تأويلها بما يجعلها متفقة مع العلوم الحديثة والفكر الحديث. يقول أحد علماء الفلك المعاصرين "جان دولهاي" معبرًا عن موقف بعض العلماء: "فإن الصدام الذي حصل بين رجال الدين والعلماء قد تم تطويقه الآن بعد التجديد اللاهوتي، الذي أدخلوه على الدين المسيحي لكي يتصالح مع العصر والحداثة. . وهذا من أهم الأحداث التي حصلت في هذا القرن دون أن يشعر بها أحد. . وذلك لأنه أدى إلى المصالحة بين العلم والإيمان. . وهي مصالحة تاريخية ذات أهمية قصوى"، إلى أن قال: "لقد أصبحت الكنيسة تعترف الآن بأن حقائق العلوم الفيزيائية والكيميائية ليست موجودة في التوراة والأناجيل، وإنما في المخابر العلمية. . فالكتب المقدسة هي كتب دينية بالدرجة الأولى، وليس همها أن تحتوي على معادلات الفيزياء والكيمياء والرياضيات؛ وإنما على التوجيه والهدي الإلهي. . وقد أمرنا الله بأن نعرف الكون ونستكشف قوانينه عن طريق آخر: عن طريق العلم. ." (١). وهذا العالم هو الذي يقول أيضًا: "وينبغي بالتالي أن نعيد تأويل النصوص الدينية لكيلا تتعارض مع النظريات العلمية التي ثبتت صحتها. . . ." (٢)، وبقدر ما يوحي كلامه باحترامه لنصه الديني في وقت لا

стр. 311

يلومه أحد على عدم الاحترام، بقدر ما يوحي بأن هناك مشكلة قائمة فعلًا تتمثل في تعارض بارز بين دينهم والعلم. منذ أن اطلع الغرب على الحضارة الإسلامية وتفتح على النظر العقلي والعلمي وهو يشعر بأزمة مع دينه ونصوصه المقدسة، وقد تمت المحاولة الأولى لتصحيح الوضع في حركة الإصلاح الديني مع "لوثر" و"كالفن" وغيرهما، لكنهما استبقيا الكثير من أصول الضلال، وإن كانا قد خففا من طغيان الكنيسة على أتباعها؛ فإنهما لم ينظفا دينهم من الانحرافات العقدية الضخمة التي لحقت به. وجاءت حركة جديدة للكنيسة عقب أزمتها في الإمساك بالمجتمع المنفلت من بين يديها فظهرت في نهايات القرن الثالث عشر/ التاسع عشر حركة إصلاحية جديدة (١)، هي تلك التي يتحدث عنها "دولهاي", ولكنها تبقى مع كل ذلك في ضلالها القديم، فليست المسألة فقط في حل المشكلة مع العلم عن طريق تحويل النصوص إلى كلمات رمزية ومجازية؛ وإنما الأمر هو في الدين الذي تقدمه لشعوبها باسم رب العالمين، مع أنه تركيبة ضالة صنَعَها أحبارهم ورهبانهم عبر مئات السنين. ونحن نشعر بأن هذا الرضا الذي أظهره هذا العالم وغيره عن الكنيسة وعن المصالحة بينهما لن تستمر طويلًا؛ لأن ما بني على باطل فهو باطل، ولن يبقى أبدًا. أما عندما يكون الدين هو من عند الله والوحي هو كلامه سبحانه دون نقص أو زيادة عندها لا يشعر أهله بوجود التعارض والتناقض، فلا تعارض بين المنقول الصحيح والعلوم الصحيحة, لذا لم يشعر المسلمون بهذا التعارض ما دام النص صحيحًا والمسائل العلمية صحيحة، وبعض مفكري الغرب العقلاء يعترفون بذلك، فهذا الفيلسوف الفرنسي "ألكس لوازون" يقول: "خلف محمد ﷺ للعالم كتابًا هو آية البلاغة وسجل الأخلاق، وهو كتاب مقدس، وليس بين المسائل العلمية المكتشفة حديثًا أو المكتشفات الحديثة مسألة تتعارض مع الأسس الإسلامية، فالانسجام تام بين تعاليم القرآن والقوانين الطبيعية، مع ما نبذله من المساعي للتأليف بين النصرانية وبين القوانين الطبيعية" (٢).

стр. 312

ومن المهم للمسلمين الاعتبار بما يجري في تلك الأمة من حولهم؛ لأننا نشاهد من يتبنى بعض مواقف تلك الأمة حرصًا منه بحسب زعمه على التوافق مع العصر وقبول النظريات العلمية، ولكن مواقفهم كان سببها الأساسي عدم صحة ما بين أيديهم في الأساس أو عدم الفهم السليم للصحيح منه، وهما أمران تمّ تجاوزهما لعدم قدرة الكنيسة على إيجاد سند تاريخي يوثق دينهم، وعدم وجود منهج سليم يحتكمون فيه إلى فهم ما صح منه. وانسياق بعض المسلمين في تقليد أحد مواقفهم لا يستقيم لاختلاف الحالين؛ لهذا السبب نطيل الكلام في مثل هذه الفقرات لكي تنتبه أمتنا فلا تقع فيما وقع فيه غيرها. حالة المعاناة من الكنيسة وظهور العلمانية: يلخص لنا أحد علماء أوروبا المعاصرين قصة هذا الدور -بول جورمان- فيتساءل: "هل تؤدي الاكتشافات العلمية التي حققها الإنسان في مختلف المجالات الفيزيائية والفلكية والرياضية والبيولوجية والتكنولوجية إلى فقدان الإيمان أو التشكيك بوجود الله؟ هذا ما اعتقده بعضهم في الغرب طيلة القرنين الماضيين، بل وهذا ما لا يزال يعتقده الكثير من معاصرينا اليوم، وكل ذلك يعود إلى سوء التفاهم الذي حصل بين الكنيسة المسيحية وبين الاكتشافات العلمية بدءًا من غاليليو وانتهاء بداروين. ." (١). ثم يؤكد دور الكنيسة فيقول: "لا ريب في أن العلماء المسيحيين المعاصرين يشعرون بالخجل تجاه ما فعلته الكنيسة سابقًا ضد العلماء واكتشافاتهم، فقد لاحقتهم طيلة العصور الوسطى وحتى أواسط العصور الحديثة، وحاكمتهم وأعدمتهم أحيانًا؛ لأنهم تجرؤوا على اكتشاف قوانين الطبيعة والكون، واعتبرت أن ذلك يمثل تحديًا للقدرة الإلهية أو تطاولًا عليها. نقول ذلك ولاسيّما أن الاكتشافات العلمية كانت تناقض ما جاء في كتب اليهود والمسيحيين عن تركيبة الكون والمادة. ولهذا السبب حارب البابا العلماء واشتبه بهم واعتبر أنهم يشكلون خطرًا على الإيمان. ولم تنته المعركة بين الطرفين إلا بعد تأويل الكتب الدينية مجازيًا لكي تستطيع التأقلم مع مكتشفات

стр. 313

العلم. وبمعنى أن ما تقوله هذه الكتب عن نشأة الكون وتشكل الظواهر الطبيعية لا ينبغي أن يؤخذ على حرفيته الظاهرية، وإنما ينبغي أن يقرأ على سبيل المجاز الرمزي، فالكتب الدينية ليست مختصة بالفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والرياضيات، وإنما هدفها هداية الإنسان إلى الطريق المستقيم. . . ."، إلى أن قال: "نعم لقد عانت الشعوب الأوروبية في الماضي من محاكم التفتيش السيئة الذكر وملاحقة رجال الدين للعلماء واشتباههم بهم واضطهادهم؛ ولهذا السبب دفعت الأصولية المسيحية الثمن غاليًا فيما بعد وتخلى الناس عنها واتبعوا طريق العلم. وإذن فإن التزمت المسيحي هو الذي دفع الناس إلى الابتعاد عن الإيمان" (١). فهذه صورة عما يشعر به عالم من علمائهم تجاه كنيستهم، وأنها كانت السبب في سوء العلاقة، ومحاكم التفتيش التي يتحدث عنها كانت نموذجًا للطغيان المعرفي والعلمي، فهي تمنع من أي معرفة تخالف ما في لاهوتهم الضال وكتبهم المحرفة، وهي المحاكم التي أسسها البابا "أنوسنس" الرابع عام (١٢٥٢ م) وبقيت تعمل لأكثر من خمسة قرون (٢)، وتُذكر أعداد كبيرة ممن أحرقتهم أحياءً أو عذبتهم حتى عادوا إلى طريقتها الضالة. ومع أن رواد الثورة العلمية وأصحاب نظرية الفلك الجديدة كانوا من رجال الكنيسة أو من العاملين في بلاطها أو من المعتنقين للنصرانية وبحماس ظاهر؛ إلا أنهم مع ذلك كله قد عانوا منها ومن محاكمها فكيف بغيرهم، ومنهم من أحرق كـ"برونو"، ومنهم من تعرض للمحاكمات المطولة، ومنهم من تعرض للتعذيب والسجن مثل "جاليليو"، وقد سبق الحديث عن معاناتهما في الفصل الأول، وهناك معاناة من نوع آخر تعرض لها "كبلر" أحد علماء الفلك المشهورين، فرغم حبه للكنيسة وأمنيته أن يكون أحد قساوستها وأحد رجال دينها وبذل كل ما يستطيع لتحقيق ذلك الحلم؛ إلا أن ذلك لم يشفع له عند الكنيسة، فالبلاد الكاثوليكية لم تقبله لاعتناقه البروتستانتية، والمناطق التي عاش فيها: مرّة ينتصر فيها الكاثوليك على البروتستانت فيطرد منها، ومرة ينتصر أهل مذهبه فينشط، وكانت أصعب لحظات

стр. 314

حياته تلك المحاكمة التي تعرضت لها والدته بتهمة السحر وهي كبيرة في السن, وانشغاله بمتابعة تلك المحاكمة والدفاع عن والدته، وتنقله من بلد إلى بلد، وفي أوقات المعارك بين الكاثوليك والبروتستانت، مع ما يظهر في تلك المحاكمة من دخول أهواء قوم لهم خصومات مع "كبلر" (١). كل هذه الصور تجعل مثل هؤلاء العلماء ينفرون من الدين بسبب نفورهم من الكنيسة، فهي لم تساند علومهم ومعارفهم ولم تسمح لهم بالاستقرار الاجتماعي، وكانت شهرة هؤلاء العلماء سببًا لملاحقتهم وإلصاق التهم بهم وزرع المشاكل في طريقهم. وهي وللأسف لا تمثل نفسها فقط بل تمثل الأديان، فهي في نظر أهلها الدين الأعلى والأصوب، فإذا كان على هذه الحال عندهم فهم يرون غيره أشد سوءًا، فأحدثت كما يقول "جلبي" "شرخًا بين الإيمان والعلم، خلّف ظلاله الكئيبة على كل الجنس البشري، على كل مساحات التفكير، على كل أحرار الفكر، على كل من يكتب بشكل وآخر، فأصبح الفكر والدين في تضاد وتناقض وتنافر وحرب. . . ."، و"قامت بخطيئة تاريخية رسمت فيها صراعًا وإشكالية، لم يتحرر منها العقل الإنساني ويتعاف حتى هذه اللحظة" (٢). وقد أسهمت هذه الخطيئة فيما بعد في صرف النشاط العلمي بعيدًا عن الدين وخارج أسواره، ونظرًا لحاجة كل نشاط إلى روح تحركه وتصورات تظلّه وغايات توجهه، فقد ظلّ العلم يبحث عن بديل عن الدين، عندها سنحت الفرصة لتيارات مبغضة للدين في تمثيل آيديولوجيا علمانية تكون بديلًا عن الدين، تحركت في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر، كتيار التنوير الداعي للدين الطبيعي، وهو دين أبرز ما فيه رفض النبوات، وهو الجانب السالب أو جانب النفي في ذاك الدين، ومعلوم أن الأديان إنما هي الإقرار بالنبوات، وظهر في هذه المرحلة أيضًا النشاط الكثيف والقوي للتيارات الماسونية (٣) ممثلة دينًا جديدًا يتناغم مع الدين الطبيعي ومع أهواء فئات خبيثة خفية تريد الانتقام من الدين، وقد ولدت

стр. 315

فيما بعد في نموذج رسمي هو النموذج العلماني، وأعطت الكنيسة بفسادها فرصة ثمينة للملحدين، وفي ذلك يقول أحد الباحثين الغربيين -ليكونت دينوي-: "إن ما أضافه الإنسان إلى الديانة المسيحية، والتفسيرات التي قدمها، والتي ابتدأت منذ القرن الثالث، بالإضافة إلى عدم الاكتراث بالحقائق العلمية؛ كل ذلك قدم للماديين والملحدين أقوى الدلائل المعاضدة في كفاحهم ضد الدين" (١). فموقف الكنيسة الضال قد أعطى الفرصة لمثل هؤلاء الماديين في إفساد التوجه الديني عند الجماهير، أما الماديون فهم ينتظرون مثل هذه الأخطاء من ممثلي الدين ليحولوا ذلك إلى شواهد تساعدهم في تضليل الجماهير. وسأذكر مثَلين من أخطاء الكنيسة عارضت بهما الموقف العلمي الحديث ووجدها المبغضون للدين فرصة للاستثمار، والمثلان هما: الأول المعجزات التي ملئت بها كتب النصارى ورأى العلماء معارضتها للعلم وعدم اتفاقها مع قوانين الطبيعة، والثاني وهو اعتقاد الكنيسة في مركزية الأرض وأدلتها على ذلك ومعارضة العلماء لهذا الموقف، ونكتفي بالمثلين كصورة للصراع وأثره، وليس المقصود عرض أدلة كل طرف في الموضوع وبيان الأحق منهما؛ وإنما المقصود عرض أثر الكنيسة السيئ في تحويل ذلك الصراع إلى صورة سيئة نفّرت الناس من الدين ورسمت صورة فيما بعد سلبية عن كل دين. المثال الأول: باب المعجزات: طرفان ضلّا في هذا الباب: الكنيسة التي ملئت كُتُبها بأكاذيب كثيرة وجعلتها من المعجزات ليس لنبي الله عيسى ﵊ فقط؛ بل لحواريّيه ومن بعدهم من القساوسة والرهبان وغيرهم، وأصبح العالم وكأنه يُشكّل بحسب رغباتهم، وكأنه ليس له نظام قد خلقه الله عليه وسنن يسير وفقها. وفي المقابل هناك التيار المنكر للمعجزات مطلقًا، وهم لفيف من المنكرين للنبوات والأديان بحجة مخالفتها للنظر العقلي ومستجدات العلم، فالعلم كما يزعمون يدل على انتظام الطبيعة واستحالة تغير هذا النظام. والمقصود هنا توضيح ما حدث من استثمارٍ لضلال الكنيسة من قبل

стр. 316

مبغضي الدين لا النظر في تفاصيل الموضوع؛ لأنه سيأتي لاحقًا. فأرباب الكنيسة لا يجدون طريقًا للسيطرة على الناس إلا بادعاء المعجزات الخارقة، وعندما يجد الناس حيرة في ما يُعرض عليهم، قيل: هذا من معجزات القديسين، فكثرت المعجزات المكذوبة عند النصارى، وهناك كمّ هائل منها مقارنة بغيرها (١). والأسوأ من ذلك تحويل تلك المعجزات كتدليل على ألوهية عيسى ﵊ (٢)، مع أن أكثرها عند الفحص والتحليل والنقد لا تثبت عند العقلاء. وهناك نماذج عجيبة تنفر منها العقول السليمة والفطر الصحيحة, لكن أوروبا في فترة الجهل والظلام والسذاجة العقلية قد قبلت هذه الخرافات والأكاذيب (٣). فهذا الموقف النصراني من المعجزات والتلاعب المتواصل بها قد شوّه صورة المعجزة التي تقع على أيدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفتح الباب للمخالفين للتكذيب بالمعجزات مطلقًا والدعوة إلى الاكتفاء بما تمدنا به الأفكار العلمية وجعلها الحكم الفصل في الموضوع (٤). وربما كانت هذه المبالغات في ذكر المعجزات هي مما نفّر العقلاء والعلماء من الكنيسة، ومن ثم الدين عمومًا لما يرون من مهازل يقوم بها ممثلو الدين عندهم. وهذا أحد أشهر علماء الفيزياء المعاصرين "ماكس بلانك" يقول: "يجب على الإنسان -ويقصد هنا النصراني في المقام الأول- أن يقرر بإخلاص التخلي عن المعجزات التي تشكل عائقًا أمام وصول المسيحية إلى إنسان الحضارة المعاصرة؛ بسبب تعارضها مع العلم" (٥)، ويهمنا من كلامه اعترافه بضرر كل تلك

стр. 317

المعجزات على انتشار الدين وقبوله، ومع ذلك فموقفنا يختلف عما يثبت منها للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولكن الباب إنما هو لتوضيح كيف أثرت كل تلك المكذوبات في صرف هؤلاء العلماء العقلاء عن قبول الحق. المثال الثاني: اعتقادات النصارى حول الأرض: لقد تكونت اعتقادات خاصة بالأرض في اللاهوت النصراني، وينسبونها إلى الوحي والنبوة مع أنها في حقيقتها ما هي إلا إضافات أحبارهم أو من فهمهم التي لا علاقة لها بما أوحاه الله سبحانه لأنبيائه. وقد تسببت هذه الاعتقادات بتكوين علاقة سلبية بين مفهوم الدين ومفهوم العلم، وإلصاق الخرافة بالدين بينما العقلانية مرتبطة بالعلم. فالكنيسة خلطت الحق بالباطل في هذا الباب وشوهت صورة الحقيقة بما أضافته من ضلال، والأدهى من ذلك ربط كل تلك الضلالات بأصلب المعتقدات عندهم، مما يجعل أي مخالفة لها تعد ذات خطورة كبيرة ويلقى صاحبها أقسى العقوبات. نجد ضمن معلومات الكنيسة حول الأرض بأن الله سبحانه خلق الأرض وجعلها على رأس ثور مع ما في ذلك من مخالفتها لبدائه العقول، ونفي كروية الأرض، وكون أحد المعتقدات حولها أنها مركز الكون، والتعليل لذلك بأن تجسد المسيح كان على الأرض، فالمكان الذي سار عليه ابن الرب وتمّ فيه التجسد لابد أن يكون مركز الكون، وأن يكون ثابتًا لا يتحرك (١)، والناس لا يشعرون بحركتها رغم ما يقوله أصحاب النظرية الجديدة من "كوبرنيكوس" و"كبلر" وغيرهما (٢).

стр. 318

واجهت الكنيسة أول نظرية علمية حديثة بمثل هذا الخليط المسمى زورًا بالتصور الديني، وهي مواجهة محسومة من البداية، وكانت لصالح النظرية العلمية، إلا أن ذلك تمّ بعد أن دفع العلماء والعقلاء ثمنًا باهظًا، وخسرت الكنيسة بعد أن خلّفت وراءها ازدراء العقلاء لموقفها وكانت مصيبة العلم أن عمم ذلك الموقف على كل دين. لقد رسمت الكنيسة صورة لا تُمحى بسهولة، صورة مفادها أن الدين لا يقبل العلم ولا يتوافق معه؛ بل هو عدوّ له، بخلاف المؤثرات الأخرى في مسيرة العلم، فهي قد قبلت العلم ولكنها انحرفت به في ظل انضمامها للجسد العلماني وتحولها إلى عضو من أعضائه، تسعد بسعادته وتتألم لألمه وتتحرك وفق غاياته. ومما عمق موقف الكنيسة تجاه العلم -وهي الممثلة للدين هناك- تلك الحلول التي قدمتها الكنيسة للخروج من المشكلة، وهي حلول مؤقتة، حبوب مسكنة ما تبرح أن يذهب مفعولها ويرجع الصراع إلى الواجهة، فهي في وقت قوتها اتخذت موقف التكفير للمخالفين وتكذيب نظرياتهم ورميهم في السجون أو إعدامهم دون أن تملك معيار الحقيقة، وعند ضعفها وانتشار التكذيب بين الناس لمقولاتها؛ فإنها تعمد إلى القول بمجازية لغة النصوص الدينية ورمزيتها، وعدم النظر إليها نظرًا حرفيًا، بل لابد من التأويل الذي يتم في كل عصر بما يناسبه أو القول عند بعض عقلائهم بمبدأ الظاهر، فالنصوص التي يفهم منها أن الشمس هي التي تدور حول الأرض تفسر بالظاهر، أي أن هذا هو ما يظهر للناظر العادي. وعندما شاعت -مثلًا- نظرية الانفجار العظيم في علم الفلك المعاصر اعتمدتها الكنيسة حتى لا تتهم بالتخلف عن ركب العلم، مع أن العلم قابل للتغير والنظريات قابلة للتطور، ولكن الكنيسة بسبب أخطائها المتتالية ركبت قطارًا لا تستطيع تغيير مساره. والحديث يطول مع مشكلة الكنيسة في العلم الحديث، والخلاصة لما سبق بأنها مشكلة ذات جذور قديمة بدأت مع دخول النصرانية لأوروبا وقيامها بخلط مكوناتها المحرفة بمعارف أوروبا الوثنية، ثم ترسخت في عصور لاحقة. ونشأت الكنيسة كمؤسسة ترعى النصرانية وتهتم بالعلم، ومع التطورات الاجتماعية وبروز معارف جديدة أدخلت نفسها في نزل مع تلك المعارف وهي غير مؤهلة لذلك، بسبب الجهل والظلم، فمعارفها مليئة بالجهل ومعاملتها للناس مليئة بالظلم. وقد

стр. 319

تسبب هذا النزاع في السماح لتيارات مبغضة للدين أن تتحرك بسهولة، وأن تُسرب دعوتها اللادينية إلى المجتمع الجديد، ومع وجود معارف مغلوطة في اللاهوت النصراني ووجود معاملة فاسدة أصبح الحل العلماني هو أحد الحلول المطروحة بقوة، ويكسب يومًا بعد يوم أنصاره من العلماء ومن المفكرين ومن ضحايا الكنيسة، ومن بين ما يطرحه هذا الحل العلماني الدعوة إلى إخراج العلم من الكنيسة وإبعاده عنها، ومن هنا ظهرت العلمنة كسبب ثاني في الانحراف بالعلم بعد أن نجحت في إخراجه من الكنيسة وتولّت رعايته، وهذا هو موضوع الفقرة التالية. الثاني: دور العلمانية في الانحراف بمسيرة العلم التحول نحو العلمنة في أوروبا: لقد كان تحول أوروبا والغرب نحو العلمنة عملية تاريخية كبيرة يصعب تناولها في هذا المقام، وهي عملية كانت ترجع إلى فشل الكنيسة في رسم التصور وإعطاء المعتقد الحق وفشل القيادات في إدارة المجتمع نحو التقدم والسعادة الإنسانية، ولكن البديل كان تلك الثمرة الخبيثة المسماة بالعلمانية (١). لقد تضافرت أحداث عدّة في دفع المجتمع الغربي نحو العلمانية، وتركز الدراسات عادة على إبراز أثر الكنيسة كأحد أهم العوامل في اندفاع الغرب نحو العلمنة، بعد أن بلغت الكنيسة ذروة الانحراف مع قمة الطغيان، وقد وجدت الطوائف المبغضة للدين فرصتها السانحة في طرح بديلها كمخرج من الأزمة القائمة في الغرب، وتصويره بأنه البديل الوحيد الممكن، وهو العلمنة لا غير، وقد كان يمكن طرح بدائل أخرى؛ إلا أن مصلحة الفئات الجديدة كانت تتحقق بالعلمانية أفضل من أي معنى آخر. وبما أن ما يعنينا في البحث هو التنقيب عن أسباب الانحراف بالعلم، فلن

стр. 320

نطيل الحديث عن العلمانية ونكتفي ببيان أثرها في مسيرة العلم الحديث، ولاسيّما بعد أن صُوّرت كسند للعلم بخلاف الكنيسة التي صورت كعدوٍ له، ووجدت فرصتها الكبيرة في استثمار العلم بل في إعادة صياغته عبر صياغتها للمجتمع ككل بحيث يتحول العلم إلى علم علماني، وهذا التحليل هو الوجه النقدي للعرض التاريخي الذي سبق في الفصل الأول. أبدأ بذكر العلاقة المشبوهة بين الكنيسة والسلطة في إرهاق الناس، واستثمار خصوم الكنيسة لذلك من أصحاب الدعوات العلمانية، ولكن الغريب أن الدراسات تُظهر فقط مشكلة الكنيسة وتسكت عن حليفتها السلطة، مع أنهما سواء في مشكلة التعامل مع العلم. يأتي بعدها تحول الطرح العلماني من فصل بين الدين والعلم إلى تحوّل العلمانية كرؤية مادية تحكم توجه العلم الجديد، وابتعاد السلطة عن الكنيسة وتحولها إلى سند للعلمنة بعد أن نجحت العلمنة في اختراقها، ومن ثم تحرك العلم بعيدًا عن الدين في الجوّ العلمي الجديد. أ- العلاقة المشبوهة: كانت العلاقة بين الكنيسة والدولة علاقة وثيقة، كل طرف يوفر الدعم للطرف الآخر، والطرفان كانا ضد الحركة العلمية الجديدة لما تمثله من تهديد لمصالحهما، ومع ذلك فأغلب الكتابات تركز على رمي التهمة على الكنيسة، وتغفل أثر الدولة والسلطات السياسية. وإذا عدنا لبداية الصراع لا نجده فقط بين الدين والعلم -على أن الدين هنا هو الكنيسة-؛ بل هو في الحقيقة بين الدولة ذات المصالح والأهواء، والكنيسة الغارقة في مصالحها وأهوائها، فتضافرت أهواء الطرفين واتحدت القوة السياسية مع الكنيسة، ومع ذلك فقد أُغفل أثر السلطة لما يعنيه ذلك من تحميل التهمة لممثلي الدين فقط. صحيح أن الكنيسة قامت فعلًا بوضع الحجج الدينية والعقلية المانعة من التفكير العلمي الحر والانفتاح العقلي المثمر، لكن لا يعني ذلك اقتناعها بما تقدم من حجج بقدر ما هي المصلحة الميكافيلية التي لجأت إليها من أجل التعاون مع السلطات في إقصاء القوى الجديدة المعارضة أساسًا للدولة وللأنظمة السياسية. لقد كانت الكنيسة الذراع الثقافية للأنظمة السياسية الفاسدة المخولة بتقديم حجج الاتهام العلمية ضد المخالفين، لاسيّما وأغلب المتأثرين بالثورة العلمية
следующие страницы →